والوثنيات» (١).
«وأما التِّولة فهي نوع من السحر يسمونه الصرف والعطف، وهو شيء يعلقونه على الزوج يزعمون أنه يحبب الزوجة إلى زوجها، والزوج إلى امرأته، وهذا شرك لأنه ليس بسبب شرعي ولا قدري للمحبة.
ومثل ذلك الدبلة، والدبلة خاتم يُشترى عند الزواج يوضع في يد الزوج، وإذا ألقاه الزوج قالت المرأة إنه لا يحبها، فهم يعتقدون فيه النفع والضر، ويقولون إنه ما دام في يد الزوج فإنه يعني أن العلاقة بينهما ثابتة، والعكس بالعكس، فإذا وجدت هذه النية فإنه من الشرك الأصغر، وإن لم توجد هذه النية وهي بعيدة ألَّا تصحبها ففيه شبه بالنصارى فإنها مأخوذة منهم» (٢).
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً، فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً، فَلَا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ» (٣).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عقبة بن عامر
стр. 3957
الجهني ﵁: أن رسول الله ﷺ أقبل إليه رهط فبايع تسعة، وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله بايعت تسعة وتركت هذا؟ قال: «إِنَّ عَلَيْهِ تَمِيمَةً»، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَطَعَهَا، فَبَايَعَهُ، وَقَالَ: «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ» (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» (٢).
وجاء في عقوبة من تعلق بشيء من ذلك أن الله تعالى ينزع منه عونه ومدده ونصرته، قال ﷺ : «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ - أَوْ عَلَيْهِ» (٣).
قال الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀: «التمائم إذا كانت من أسماء الشياطين أو العظام أو الخرز أو المسامير أو الطلاسم - وهي الحروف المقطعة - وأشباه ذلك من الشرك الأصغر، وقد تكون شركًا أكبر إذا اعتقد معلق التميمة أنها تحفظه أو تكشف عنه المرض أو تدفع عنه الضرر دون إذن الله تعالى ومشيئته» (٤).
стр. 3958
سُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية عن القرطاس الذي يعلقونه في العنق للحفظ، هل يجوز أم لا؟
فكان الجواب: تعليق شيء بالعنق أو ربطه بأي عضو من أعضاء الشخص، فإن كان من غير القرآن فهو محرم، بل شرك؛ لما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عمران بن حصين ﵁: أن النبي ﷺ رأى رجلًا في يده حلقة من صفر، فقال: «مَاَ هَذَاَ؟» قال: مِنَ الْوَاهِنَةِ، فقال: «انْزِعْهَا فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا، فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا» (١).
وما رواه عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً، فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً، فَلَا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ» (٢)، وفي رواية لأحمد: «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ» (٣). وما رواه أحمد وأبو داود عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» (٤).
وإن كان ما علقه من آيات القرآن، فالصحيح أنه ممنوع
стр. 3959
أيضًا لثلاثة أمور:
الأول: عموم أحاديث النهي عن تعليق التمائم ولا مخصص لها.
الثاني: سد الذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.
الثالث: أن ما علق من ذلك يكون عرضة للامتهان بحمله معه في حال قضاء الحاجة، والاستنجاء، والجماع .. ونحو ذلك (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3960
الكلمة السادسة عشرة
الرقى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فمن الأدوية الإلهية التي جاء الشرع بها الرقى، والمقصود بالرقى القراءة على المريض ويسميها العوام العزيمة، روى مسلم في صحيحه من حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁. قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى في ذلك؟ فقال: «اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (١).
والرقية نوعان: مشروع وممنوع.
أما المشروع: فما كان بالقرآن، وأسماء الله وصفاته، ودعائه، والاستعاذة به وحده لا شريك له، ففي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: رخص رسول الله ﷺ في
стр. 3961
الرقية من العين، والحمة (١)، والنملة (٢)(٣).
وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله قال: رخص النبيُّ ﷺ لآل حزم في رقية الحية، وقال لأسماء بنت عميس?: «مَا لِي أَرَى أَجْسَامَ بَنِي أَخِي ضَارِعَةً تُصِيبُهُمُ الْحَاجَةُ»، قَالَتْ: لَا، وَلَكِنِ الْعَيْنُ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ، قَالَ: «ارْقِيهِمْ»، قَالَتْ: فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «ارْقِيهِمْ» (٤).
وروى البخاري ومسلم من حديث أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ قال لجارية في بيتها وقد رأى بوجهها سفعة: «بِهَا نَظْرَةٌ، فَاسْتَرْقُوا لَهَا» يَعْنِي بِوَجْهِهَا صُفْرَةً (٥).
وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الرُّقَى، فَجَاءَ آلُ عَمْرِو بْنُ حَزْمٍ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ، وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، قَالَ: فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا أَرَى بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ» (٦).
стр. 3962
وهذه الرقية المشروعة لها صفات:
فمن ذلك النفث على المريض، ففي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ المُخرَّج في الصحيحين: فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ١] (١).
ومنها النفث في اليدين ومسح بدن المصاب، فروى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي» وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ: «بِمُعَوِّذَاتٍ» (٢).
ومنها وضع الإصبع بالريق، ووضعها بالتراب ليعلق بها شيء منه ثم وضعها على الجرح ونحوه، فروى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا، وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَهَا: «بِاسْمِ اللَّهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا» (٣).
стр. 3963
أما قوله ﷺ : «بِرِيقَةِ بَعْضِنَا»:
قال ابن حجر: ﵀: يدل ذلك أنه كان يتفل عند الرقية، قال النووي: معنى الحديث أنه كان يأخذ من ريق نفسه على أصبعه بالسبابة، ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه شيء فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل ويقول هذا الكلام في حال المسح. (١)
قال القرطبي ﵀: ووضع النبي ﷺ سبابته بالأرض ووضعها عليه يدل على استحباب ذلك عند الرقية، ثم قال: وزعم علماؤنا أن السر فيه أن تراب الأرض لبرودته ويبسه يبرئ الموضع الذي به الألم ويمنع انصباب المواد إليه ليبسه مع منفعته في تجفيف الجراح واندمالها، قال: وقال في الريق إنه يختص بالتحليل والإنضاج وإبراء الجرح والورم لا سيما من الصائم الجائع. (٢)
ومنها وضع اليد على موضع الألم، فروى مسلم في صحيحه من حديث عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ ﵁، أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي يَأْلَمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ:
стр. 3964
بِاسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» (١).
أما السور التي وردت قراءتها، فهي: الفاتحة، والمعوذتين، والإخلاص، وكل القرآن شفاء فيقرأ منه، وكذلك يدعو الراقي بما شاء، ولا سيما الوارد، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ ، إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (٢).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: يَا مُحَمَّدُ! اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ (٣).
أما الرقية الممنوعة: فهي ما كان فيها شرك، كتعويذ المريض بذكر أسماء الجن والصالحين، وبما لا يفهم معناه خشية أن يكون شركًا، لقول النبي ﷺ في الحديث السابق: «لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (٤).
стр. 3965
قال الخطابي ﵀: «وكان ﵁ قد رقى ورُقي، وأمر بها وأجازها، فإذا كانت بالقرآن أو بأسماء الله تعالى فهي مباحة أو مأمور بها، وإنما جاءت الكراهية والمنع فيما كان منها بغير لسان العرب، فإنه ربما كان كفرًا، أو قولًا يدخله الشرك، قال: ويحتمل أن يكون الذي يكره ما كان على مذاهب الجاهلية التي يتعاطونها، وأنها تدفع عنهم الآفات، ويعتقدون ذلك من قبل الجن ومعونتهم» (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقي به، فضلًا عن أن يدعو به، ولو عرف معناه لأنه يكره الدعاء بغير العربية، وإنما يرخص لمن لا يعرف العربية، فأما جعل الألفاظ العجمية شعارًا فليس من الإسلام» (٢).
وقال السيوطي ﵀: «قد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي، وبما يعرف معناه، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله تعالى» (٣).
وأما أخذ الأجرة على الرقية فلا حرج في ذلك، فقد روى
стр. 3966
البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانُوا فِي سَفَرٍ، فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضِيفُوهُمْ، فَقَالُوا لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ؟ فَإِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ لَدِيغٌ أَوْ مُصَابٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: نَعَمْ، فَأَتَاهُ فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ، فَأُعْطِيَ قَطِيعًا مِنْ غَنَمٍ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَقَالَ: حَتَّى أَذْكُرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! واللهِ مَا رَقَيْتُ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟» ثُمَّ قَالَ: «خُذُوا مِنْهُمْ، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ» (١).
قال النووي ﵀: «هذا تصريح بجواز أخذ الأجرة على الرقية، ونص عليه أحمد» (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «لا بأس بجواز أخذ الأجرة على الرقية، ونص عليه أحمد» (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3967
الكلمة السابعة عشرة
سيرة عبد الله بن عمرو بن حرام ﵁ -
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة، وبطل من أبطالها، صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ ، نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر.
كان ﵁ من السابقين إلى الإسلام، وكان أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدرًا، واستشهد يوم أُحد، أخبر النبي ﷺ أن الله كلمه كفاحًا - أي من غير واسطة -.
إنه عبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي الأنصاري السلمي، والد جابر الصحابي المشهور.
قال ابن سعد: «كان عبد الله أول من قُتل يوم أُحد، وكان أحمر، أصلع، ليس بالطويل» (١).
стр. 3968
وقد كانت لعبد الله بن عمرو مواقف عظيمة تدل على فضله وبذله ونصرته لهذا الدين، روى ابن حبان في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ في حديث طويل، وقال ﷺ في آخره: «جَزَى اللَّهُ الأَنْصَارَ عَنَّا خَيْرًا، وَلَا سِيَّمَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر ابن عبد الله ﵄ قال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، جِيءَ بِأَبِي مُسَجًّى (٢)، وَقَدْ مُثِّلَ (٣) بِهِ، قَالَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَرَفَعَهُ رَسُولُ الله ﷺ أَوْ أَمَرَ بِهِ فَرُفِعَ، فَسَمِعَ صَوْتَ بَاكِيَةٍ أَوْ صَائِحَةٍ، فَقَال ﷺ : «مَنْ هَذِهِ؟» فَقَالُوا: ابْنَةُ عَمْرٍو- أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو فَقَالَ: «وَلِمَ تَبْكِي؟ فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ» (٤).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «ومعناه أنه مكرم بصنيع الملائكة وتزاحمهم عليه لصعودهم بروحه؛ لأن هذا الجليل القدر الذي تظله الملائكة بأجنحتها لا ينبغي أن يُبكى عليه،
стр. 3969
بل يفرح له بما صار إليه» (١).
وروى والترمذي في سننه وابن حبان في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله قال: «يَا جَابِرُ مَالِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا وَعِيَالًا، فَقَالَ: «أَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَإِنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، وَقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ مَا شِئْتَ أُعْطِيكَ، قَالَ: تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَلُ فِيكَ، فَقَالَ ﵎: لَا، إِنِّي أَقْسَمْتُ بِيَمِينٍ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ» يَعْنِي الدُّنْيَا. ونزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩] (٢).
وروى النسائي في سننه من حديث جابر ﵁ قال: لَمَّا أُصِيْبَ أَبِي وَخَالِي يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَاءتْ أُمِّي بِهِمَا قَدْ عَرَضَتْهُمَا عَلَى نَاقَةٍ، فَأَقْبَلَتْ بِهِمَا إِلَى المَدِيْنَةِ. فَنَادَى مُنَادٍ: ادْفِنُوا القَتْلَى فِي مَصَارِعِهِم، فَرُدَّا حَتَّى دُفِنَا فِي مَصَارِعِهِمَا (٣).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر بن
стр. 3970
عبد الله ﵄ قال: لما كان يوم أُحد أشرف النبي ﷺ على الشهداء الذين قُتلوا يومئذ، فقال: «زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ فَإِنِّي قَدْ شَهِدْتُ عَلَيْهِمْ»، فَكَانَ يُدْفَنُ الرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ وَيُسْأَلُ: أَيُّهُمْ كَانَ أَقْرَأَ لِلْقُرْآنِ فَيُقَدِّمُونَهُ. قَالَ جَابِرٌ: فَدُفِنَ أَبِي وَعَمِّي يَوْمَئِذٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال في قتلى أُحد: «لَا تُغَسِّلُوهُمْ، فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ - أَوْ كُلَّ دَمٍ يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢).
وروى البخاري في صحيحه من حديث جابر ﵁ قال: لما حضر أُحد دعاني أبي من الليل فقال: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ، غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا، فَأَصْبَحْنَا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ (٣).
قال ابن حجر ﵀: «وهذا يخالف في الظاهر ما وقع في الموطأ
стр. 3971
عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين كانا قد حفر السيل قبرهما وكانا في قبر واحد، فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس، وكان بين أُحد ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة. وقد جمع بينهما ابن عبدالبر بتعدد القصة، وفيه نظر؛ لأن الذي في حديث جابر أنه دفن أباه في قبر وحده بعد ستة أشهر، وفي حديث الموطأ أنهما وجدا في قبر واحد بعد ست وأربعين سنة، فإما أن يكون المراد بكونهما في قبر واحد قرب المجاورة، أو أن السيل خرق أحد القبرين فصارا كقبر واحد، وقد ذكر ابن إسحاق في المغازي فقال: حدثني أبي عن أشياخ من الأنصار قالوا: لما ضرب معاوية عينه التي مرت على قبور الشهداء انفجرت العين عليهم، فجئنا فأخرجناهما - يعني عمرو وعبد الله - وعليهما بردتان قد غطى بهما وجوههما، وعلى أقدامهما شيء من نبات الأرض، فأخرجناهما يتثنيان تثنيًا كأنهما دفنا بالأمس. وله شاهد بإسناد صحيح عند ابن سعد من طريق أبي الزبير عن جابر (١).
ومن فوائد الحديث:
«١ - الإرشاد إلى بر الأولاد بالآباء خصوصًا بعد الوفاة.
٢ - وفيه الاستعانة على ذلك بإخبارهم بمكانتهم من القلب.
стр. 3972
٣ - وفيه قوة إيمان عبد الله ﵁ المذكورة لاستثنائه النبي ﷺ ممن جعل ولده أعز عليه منهم.
٤ - وفيه كرامته بوقوع الأمر على ما ظن، وكرامته بكون الأرض لم تبل جسده مع لبثه فيها، والظاهر أن ذلك لمكان الشهادة.
٥ - وفيه فضيلة لجابر ﵁ لعمله بوصية أبيه بعد موته في قضاء دينه» (١).
فروى البخاري في صحيحه من حديث جابر ﵁: أن أباه توفي وعليه دين، فأتيت النبي ﷺ فقلت: إِنَّ أَبِي تَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا، وَلَيْسَ عِنْدِي إِلَّا مَا يُخْرِجُ نَخْلُهُ، وَلَا يَبْلُغُ مَا يُخْرِجُ سِنِينَ مَا عَلَيْهِ، فَانْطَلِقْ مَعِي لِكَيْ لَا يُفْحِشَ عَلَيَّ الغُرَمَاءُ، فَمَشَى حَوْلَ بَيْدَرٍ مِنْ بَيَادِرِ التَّمْرِ فَدَعَا، ثَمَّ آخَرَ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «انْزِعُوهُ»، فَأَوْفَاهُمُ الَّذِي لَهُمْ وَبَقِيَ مِثْلُ مَا أَعْطَاهُمْ (٢).
وفي رواية في صحيح البخاري: وَبَقِيَ تَمْرِي كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3973
الكلمة الثامنة عشرة
من محاسن الدين الإسلامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
«فإن الدين الإسلامي الذي جاء به محمد ﷺ أكمل الأديان وأفضلها وأعلاها وأجلها، وقد حوى من المحاسن والكمال والصلاح والرحمة والعدل والحكمة ما يشهد لله تعالى بالكمال المطلق وسعة العلم والحكمة، ويشهد لنبيه أنه رسول الله حقًا، وأنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
فهذا الدين الإسلامي أعظم برهان، وأجل شاهد لله بالتفرد بالكمال المطلق كله، ولنبيه ﷺ بالرسالة والصدق، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
ومحاسن الدين الإسلامي عامة في جميع مسائله ودلائله وفي أصوله وفروعه، وفيما دل عليه من علوم الشرع والأحكام،
стр. 3974
وما دل عليه من علوم الكون والاجتماع» (١).
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ الله ﷺ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَجِبْ» (٢). وفي رواية لأبي داود قال: «لَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً» (٣).
وفي رواية عند أحمد أنه قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ نَخْلًا، وَشَجَرًا، وَلَا أَقْدِرُ عَلَى قَائِدٍ كُلَّ سَاعَةٍ، أَيَسَعُنِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي؟ قَالَ: «أَتَسْمَعُ الْإِقَامَةَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأْتِهَا» (٤).
في هذا الحديث بيان واضح أنه لارخصة للأعمى في ترك الجماعة حتى في حال أنه لم يجد قائدًا يقوده إلى المسجد، وقد يرى من لم يوفق لفهم الحكمة من ذلك، أن فيه شيء من الشدة، والحق أن هذا من محاسن الدين الإسلامي وحكمه العظيمة.
стр. 3975
ومن رحمة الله تعالى أنه أرسل رسوله رحمة لأمته وللعالمين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وقال تعالى ممتنًّا على نبيه ﷺ : ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣]
أقول: أرأيت لو أن النبي ﷺ رخص له أن يصلي في البيت كم من المنافع ستفوت عليه، والتي سيحصل عليها إذا حضر المسجد، سوى الفضل والأجر في صلاة الجماعة، فسلام ولقاء الإخوان وسماع الموعظة والجلوس في حضر الذكر وغير ذلك كثير جدًّا. فكيف سيعوض ذلك إذا صلى في بيته، وقد امتلأ التاريخ الإسلامي بمن ابتلاهم بفقد البصر، وقد أطبقت شهرتهم الأرض علمًا وعملًا ودعوة وأمرًا بالخير ونهيًا عن الشر. فهل سيكون لهم هذه الشهرة، وهل سيُنتفع بهم هذه المنافع العظيمة لو رُخص لهم وأخذوا بالرخصة. ولزيادة الإيضاح فإنه لو رخص لهذا الأعمى أن يصلي في بيته فسيكون حاله بين أمرين:
الأول: أن يقعد في بيته فلا يزور صديقًا ولا يصل رحمًا ولا يعود مريضًا ولا يشهد جنازة ولا يحضر دعوة ولا يقضي لنفسه ولا غيره غرضًا من أغراض الدين أو الدنيا، لأنه
стр. 3976
سيقول: كيف أفعل كل ذلك وأدع الحضور لصلاة الجماعة وهي أسهل من بعض هذه الأفراد المذكورة، وحينئذ يكون قد حكم عليه بالموت وهو حي.
الثاني: أن يذهب ويجيء ويقضي كل ما يحتاجه من أموره الخاصة أو العامة، وهو في هذه الأحوال يمر على المساجد في ذهابه وإيابه فهل من العقل والحكمة أن يصلي في بيته بدعوى أنه رخص له والحال ما ذكر؛ بهذا يتبين ويتضح غاية الوضوح أن أمر النبي ﷺ للأعمى أن يحضر صلاة الجماعة ولم يرخص له في تركها بسبب العمى أن هذا عين الحكمة وكمال المصلحة ودفع لمفاسد كثيرة تحصل بتركه الصلاة مع الجماعة. فثبت أن هذا من محاسن الدين الإسلامي التي لا تحصى كثرة، يعرفها ويدركها من تأملها وفقه في دين الله ونفعه ما نفع الله به محمدًا ﷺ من العلم والهدى.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3977
الكلمة التاسعة عشرة
أهل الزكاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠].
«يبين الله في هذه الآية الكريمة أهل الزكاة وهم المستحقون لها، وهم الأصناف الثمانية. ويستفاد منه أنه لا يجوز أن تُصرف في غيرهم؛ لأن الحصر يقتضي إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما سواه، فلا يجوز صرف الزكاة في بناء المساجد، ولا في بناء المدارس، ولا في إصلاح الطرق ... ولا غير ذلك؛ لأن الله فرضها لهؤلاء الأصناف، فقال: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
стр. 3978
وإيضاح هذه الأصناف كما يلي:
الصنف الأول: الفقراء: جمع فقير، وهو من ليس لديه ما يسد حاجته وحاجة من يعول من طعام وشراب وملبس ومسكن، بأن لا يجد شيئًا، أو يجد أقل من نصف الكفاية، ويُعطى من الزكاة ما يكفيه سنة كاملة.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «ولو قيل أنه يُعطى إلى أن يصبح غنيًّا، ويزول عنه وَصْفُ الفقر لكان قولًا قويًّا، وكذلك القول في المسكين» (١).
الصنف الثاني: المساكين: جمع مسكين، وهو من يجد نصف كفايته أو أكثر من النصف، كمن معه خمسة آلاف ويحتاج إلى عشرة آلاف، ويُعطى من الزكاة ما يكفيه لمدة عام.
الصنف الثالث: العاملون عليها: جمع عامل، وهم الذين يرسلهم ولاة الأمر لجمع الزكاة من أهلها وصرفها لمستحقيها، فهم ولاة وليسوا أجراء، فلا يشترط أن يكونوا فقراء، بل يعطون ولو كانوا أغنياء؛ لأنهم يعملون لمصلحة الزكاة، فهم يعملون للحاجة إليهم، لا لحاجتهم، فإذا انضم لذلك أنهم فقراء، ونصيبهم من العمالة لا يكفي لمؤونتهم ومؤونة عيالهم، فإنهم
стр. 3979
يأخذون بالسببين، أي يعطون للعمالة ويعطون للفقر، لكن ينبغي التنبيه للآتي:
الأول: أنه ليس للعامل أن يأخذ لنفسه من الزكاة ما شاء، وإنما يأخذ ما يقدره له من أرسله من الحكام والولاة.
الثاني: أن من كان من هؤلاء العمال يعطى رزقًا أي يصرف له راتبًا فلا يحل له أن يأخذ من الزكاة، لقول النبي ﷺ : «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ» (١).
الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم: وهي على أقسام:
١ - الكافر يرجى إسلامه، فيُعطى ترغيبًا له في الدخول في الإسلام.
٢ - الكافر يعطى لكف شره وأذاه عن المسلمين.
٣ - المسلم يعطى ليسلم نظراؤه وإن كان حسن الإسلام، كعدي ابن حاتم ﵁.
٤ - من يُعطى ليزداد إيمانه وليثبت على الإسلام، وغيرهم ممن إذا أُعطوا كان ذلك تأليفًا لقلوبهم بجلب خير أو دفع شر.
стр. 3980
الصنف الخامس: في الرقاب: جمع رقبة، والمراد بها العبد المسلم أو الأمة المسلمة، يُشترى من مال الزكاة ويعتق، أو يكون مكاتبًا فيعطى من الزكاة ما يسدد به أقساط كتابته، ليصبح حرًّا، نافذ التصرف، ويتمكن من عبادة ربه، وكذا الأسير المسلم يُفك من الأعداء من مال الزكاة.
الصنف السادس: الغارمون: جمع غارم، وهو المدين الذي تحمل دينًا في غير معصية الله، سواء لنفسه في أمر مباح أو لغيره، كإصلاح ذات البين، فهذا يُعطى من الزكاة ما يسدد به دينه، والغارم للإصلاح بين الناس يُعطى من الزكاة وإن كان غنيًّا، لما رواه مسلم: أن قبيصة ﵁ تحمَّل حمالة (١) بين فئتين متخاصمتين، ثم جاء إلى النبي ﷺ وطلب أن يساعده، فقال النبي ﷺ : «إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ، رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ» (٢).
ولحديث: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ لِغَنِيٍّ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ فَقِيرٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَأَهْدَاهَا لِغَنِيٍّ، أَوْ غَارِمٍ» (٣).
стр. 3981
الصنف السابع: في سبيل الله: والمراد بهم الغزاة في سبيل الله، المتطوعون الذين ليس لهم راتب في بيت المال، فيعطون من الزكاة، سواء أكانوا أغنياء أم فقراء.
الصنف الثامن: ابن السبيل: وهو المسافر الذي ليس له ما يرجع به إلى بلده، فيُعطى من الزكاة قدر ما يوصله إلى بلده.
وهذه بعض المسائل المتعلقة بالزكاة:
المسألة الأولى: الأصناف الذين لا يجوز صرف الزكاة لهم وهم:
١ - الأغنياء، والأقوياء المكتسبون: لقوله ﷺ : «لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» (١). ويستثنى ما تقدم ذكره.
٢ - الأصول والفروع والزوجة الذين تجب نفقتهم عليه، فلا يجوز دفع الزكاة لمن تجب على المسلم نفقتهم كالآباء والأمهات، والأجداد والجدات، والأولاد وأولاد الأولاد؛ لأن دفع الزكاة إلى هؤلاء يغنيهم عن النفقة الواجبة عليه، ويسقطها عنه، ومن ثم يعود نفع الزكاة إليه، فكأنه دفعها إلى نفسه.
стр. 3982
٣ - الكفار غير المؤلفين: فلا يجوز دفع الزكاة إلى الكفار لقوله ﷺ : «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (١). أي أغنياء المسلمين وفقرائهم دون غيرهم؛ ولأن من مقاصد الزكاة إغناء فقراء المسلمين، وتوطيد دعائم المحبة والإخاء بين أفراد المجتمع المسلم، وذلك لا يجوز مع الكفار.
٤ - آل النبي ﷺ : لا تحل الزكاة لآل النبي ﷺ إكرامًا لهم لشرفهم، لقوله ﷺ : «إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» (٢).
وآل محمد هم بنو هاشم وبنو المطلب على الراجح لقوله ﷺ : «إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ» (٣).
٥ - وكذلك لا يجوز دفع الزكاة لموالي آل النبي لقوله ﷺ : «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا، وَإِنَّ مَوَالِيَ القَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» (٤).
стр. 3983
وموالي القوم عتقاؤهم، ومعنى: من أنفسهم، أي فحكمهم كحكمهم، فتحرم الزكاة على موالي آل بني هاشم ..
٦ - العبد لا يدفع الزكاة إلى العبد: لأن مال العبد ملك لسيده، فإذا أُعطي الزكاة انتقلت إلى ملك سيده، ولأن نفقته تلزم سيده، ويستثنى من ذلك المكاتب، فإنه يُعطى من الزكاة ما يقضي به دين كتابته (١).
فمن دفعها لهذه الأصناف مع علمه بأنه لا يجوز دفعها لهم فهو آثم.
المسألة الثانية: هل يشترط استيعاب الأصناف الثمانية المذكورة عند تفريق الزكاة؟
لا يشترط استيعاب الأصناف الثمانية المذكورة عند تفريق الزكاة على القول الصحيح، بل يجزئ دفعها لأي صنف من الأصناف الثمانية، لقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾ [البقرة: ٢٧١]. فنص على صنف واحد، وقوله ﷺ : «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (٢)، فنص على صنف واحد.
стр. 3984
فهذه الأدلة وغيرها تدل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ بيان المستحقين للزكاة لا تعميم المستحقين عند تفريقها.
المسألة الثالثة: في نقل الزكاة من بلدها إلى بلد آخر:
يجوز نقل الزكاة من بلدها إلى بلد آخر قريب أو بعيد للحاجة، مثل أن يكون البلد البعيد أشد فقرًا، أو يكون لصاحب الزكاة أقارب فقراء في بلد بعيد مثل فقراء بلده، فإن في دفعها إلى أقاربه تحصيل المصلحة وهي الصدقة والصلة، وهذا القول بجواز نقل الزكاة هو الصحيح، لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ أي الفقراء والمساكين في كل مكان (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3985
الكلمة العشرون
من حكمِ الزكاة والأموالُ التي تجب فيها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
الزكاة فريضة من فرائض الإسلام، والركن الثالث من أركانه الخمسة العظام، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
وقال رَسُولُ الله ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (١).
وقال ﷺ في وصيته لمعاذ بن جبل ﵁ لما بعثه إلى اليمن: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ
إِلَى النَّارِ» (١)، وقوله ﷺ : «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا (٢) أَقْرَعَ (٣) لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتِهِ،- يَعْنِي بِشِدْقِهِ -، يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَِ» ثم تلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾ [آل عمران: ١٨٠]» (٤).
٣ - عروض التجارة: وهي كل ما أُعد للبيع والشراء لأجل الربح، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧] فقد ذكر عامة أهل العلم على أن المراد بهذه الآية زكاة عروض التجارة، وقد تقدم الكلام على ذلك.
٤ - الحبوب والثمار: فالحبوب ما يخرج من الأرض، كالشعير، والقمح، وغيره، والثمار مثل التمر، والزبيب - على تفصيل
стр. 3988
في ذلك سيأتي ذكره - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقوله ﷺ : «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا (١)
العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ (٢)».
٥ - المعادن والركاز: المعادن هي كل ما خرج من الأرض مما يُخلف فيها من غير وضع واضع، مما له قيمة كالذهب والفضة والنحاس وغير ذلك.
والركاز: هو ما يوجد في الأرض من دفائن الجاهلية، ودليل وجوب الزكاة في المعادن والركاز عموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال القرطبي ﵀: «يعني النبات، والمعادن، والركاز» (٣)، ولقوله ﷺ : «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» (٤). وأجمعت
стр. 3989
الأمة على وجوب الزكاة في المعادن.
من حِكَم الزكاة:
شرعت الزكاة لحِكَم سامية، وأهداف نبيلة لا تُحصى كثرة، منها:
١ - تطهير المال وتنميته، وإحلال البركة فيه، وذهاب شره ووبائه، ووقايته من الآفات والفساد، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]. وفي الحديث: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» (١).
٢ - تطهير المزكي من الشح والبخل، وأرجاس الذنوب والخطايا، وتدريبه على البذل والإنفاق في سبيل الله.
٣ - مواساة الفقير وسد حاجة أصحاب الحاجات والمحرومين.
٤ - تحقيق التكافل والتعاون والمحبة بين أفراد المجتمع، فحينما يعطي الغني أخاه الفقير زكاة ماله يستل بها ما عسى أن يكون في قلبه من حقد وتمن لزوال ما هو فيه من نعمة الغنى، وبذلك تزول الأحقاد ويعم الأمن، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ
стр. 3990
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١].
٥ - أن في أدائها شكرًا لله تعالى على ما أسبغ على المسلم من نعمه.
٦ - أنها تدل على صدق المزكي؛ لأن المال المحبوب لا يخرج إلا لمحبوب أكثر محبة، ولهذا سميت صدقة لصدق طلب صاحبها لمحبة الله ورضاه.
٧ - أنها سبب لرضا الرب، ونزول الخيرات، وتكفير الخطايا والسيئات (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3991
الكلمة الواحدة والعشرون
تعامل النبي ﷺ مع صغار المسلمين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خُلُقًا، وقد أثنى الله عليه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، قالت عائشة ﵂ لما سُئلت عن أخلاقه: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ» (١).
وكان النبي ﷺ رحيمًا بالأطفال، يمازحهم، ويدعو لهم، ويربي فيهم الشجاعة والعلم والتقوى، قال أنس بن مالك ﵁: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ (٢).
ومن هذه النماذج:
ما حدث من رسول الله ﷺ مع سبطه الحسن أو الحسين ﵄، فقد روى النسائي من حديث عبد الله بن شداد عن أبيه ﵁
стр. 3992
قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنًا أو حسينًا، فتقدم رسول الله ﷺ فوضعه ثم كبر للصلاة، فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة، قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يُوحى إليك، قال: «فَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «كنت مع رسول الله ﷺ في سوق من أسواق المدينة، فانصرف، فانصرفت، فقال: «أَيْنَ لُكَعُ - ثَلَاثًا - ادْعُ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ»، فقام الحسن بن علي يمشي وفي عنقه السخاب (٢)،
فقال النبي ﷺ : بيده هكذا، فقال الحسن بيده هكذا، فالتزمه، فقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ»، قال أبو هريرة: فما كان أحد أحب إلي من الحسن بن
стр. 3993
علي بعدما قال رسول الله ﷺ ما قال (١).
ومنها: موقفه ﷺ مع ابن أبي موسى الأشعري، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى ﵁ قال: ولد لي غلام، فأتيت به النبي ﷺ فسماه إبراهيم، وحنكه بتمرة، ودعا له بالبركة، ودفعه إلي. وكان أكبر ولد أبي موسى (٢).
وكان عادة أصحاب النبي ﷺ إذا ولد لأحد منهم ولد أن يأتي به رسول الله ﷺ ، فيأخذه النبي ﷺ ويقبله ويضمه إليه، ويدعو له بالبركة.
ومنها: موقفه مع ابن عباس ﵄: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄: أن النَّبِيَّ ﷺ أتى الخلاء، فوضعت له وضوءًا، فلما خرج قال: «مَنْ وَضَعَ هَذَا؟» فأُخبر، فقال: «اللهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (٣)، وفي رواية البخاري: ضمني رسول الله ﷺ وقال: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ» (٤).
وفي مسند الإمام أحمد أن ميمونة? هي التي أخبرته بذلك، وأن ذلك كان في بيتها ليلًا، وأنه قال: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ
стр. 3994
التَّأْوِيلَ» (١). قال ابن حجر ﵀: «ولعل ذلك كان في الليلة التي بات ابن عباس ﵄ فيها ليرى صلاة النبي ﷺ ».
والمراد بالكتاب القرآن لأن العرف الشرعي عليه، والمراد بالتعليم: ما هو أعم من حفظه والتفهم فيه (٢).
ومنها: موقفه مع أنس بن مالك: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁ قال: جَاءَتْ بي أُمِّي أُمُّ أَنَسٍ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، وَقَدْ أَزَّرَتْنِي بنِصْفِ خِمَارِهَا، وَرَدَّتْنِي بنِصْفِهِ، فَقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ! هذا أُنَيْسٌ ابْنِي، أَتَيْتُكَ به يَخْدُمُكَ فَادْعُ اللهَ له، فَقالَ: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ»، وفي رواية: «وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ» (٣). قال أنس ﵁: فَوَاللَّهِ إنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وإنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ علَى نَحْوِ المِئَةِ، اليَومَ (٤). وفي رواية البخاري: وحَدَّثَتْنِي ابْنَتي أُمَيْنَةُ: أنَّه دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ البَصْرَةَ بضْعٌ وعِشْرُونَ ومِئَةٌ (٥).
قال أبو العالية: «كان لأنس بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك» (٦). قال ابن
стр. 3995
حجر: «وهذا الحديث من معجزات النبي ﷺ لما في إجابة دعوته من الأمر النادر، وهو اجتماع كثرة المال مع كثرة الأولاد، وكون بستان المدعو له صار يثمر مرتين في السنة دون غيره» (١).
ومنها موقفه مع محمود بن الربيع ﵁، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث محمود بن الربيع ﵁ قال: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي، وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ (٢). وفي رواية: مِنْ بِئْرِهِمْ (٣).
قال ابن حجر ﵀: والمج: هو إرسال الماء من الفم، وقيل: لا يسمى مجًا إلا إن كان على بعد، وفعله النبي ﷺ مع محمود إما مداعبة معه، أو ليبارك عليه بها، كما كان ذلك من شأنه مع أولاد الصحابة.
ومن فوائد الحديث: جواز إحضار الصبيان مجالس الحديث، وزيارة الإمام أصحابه في دورهم ومداعبته صبيانهم (٤).
ومنها موقفه مع السائب بن يزيد: فقد روى البخاري