الكلمة الواحدة والعشرون
تعامل النبي ﷺ مع صغار المسلمين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خُلُقًا، وقد أثنى الله عليه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، قالت عائشة ﵂ لما سُئلت عن أخلاقه: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ» (١).
وكان النبي ﷺ رحيمًا بالأطفال، يمازحهم، ويدعو لهم، ويربي فيهم الشجاعة والعلم والتقوى، قال أنس بن مالك ﵁: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ (٢).
ومن هذه النماذج:
ما حدث من رسول الله ﷺ مع سبطه الحسن أو الحسين ﵄، فقد روى النسائي من حديث عبد الله بن شداد عن أبيه ﵁
стр. 3992
قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنًا أو حسينًا، فتقدم رسول الله ﷺ فوضعه ثم كبر للصلاة، فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة، قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يُوحى إليك، قال: «فَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «كنت مع رسول الله ﷺ في سوق من أسواق المدينة، فانصرف، فانصرفت، فقال: «أَيْنَ لُكَعُ - ثَلَاثًا - ادْعُ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ»، فقام الحسن بن علي يمشي وفي عنقه السخاب (٢)،
فقال النبي ﷺ : بيده هكذا، فقال الحسن بيده هكذا، فالتزمه، فقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ»، قال أبو هريرة: فما كان أحد أحب إلي من الحسن بن
стр. 3993
علي بعدما قال رسول الله ﷺ ما قال (١).
ومنها: موقفه ﷺ مع ابن أبي موسى الأشعري، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى ﵁ قال: ولد لي غلام، فأتيت به النبي ﷺ فسماه إبراهيم، وحنكه بتمرة، ودعا له بالبركة، ودفعه إلي. وكان أكبر ولد أبي موسى (٢).
وكان عادة أصحاب النبي ﷺ إذا ولد لأحد منهم ولد أن يأتي به رسول الله ﷺ ، فيأخذه النبي ﷺ ويقبله ويضمه إليه، ويدعو له بالبركة.
ومنها: موقفه مع ابن عباس ﵄: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄: أن النَّبِيَّ ﷺ أتى الخلاء، فوضعت له وضوءًا، فلما خرج قال: «مَنْ وَضَعَ هَذَا؟» فأُخبر، فقال: «اللهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (٣)، وفي رواية البخاري: ضمني رسول الله ﷺ وقال: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ» (٤).
وفي مسند الإمام أحمد أن ميمونة? هي التي أخبرته بذلك، وأن ذلك كان في بيتها ليلًا، وأنه قال: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ
стр. 3994
التَّأْوِيلَ» (١). قال ابن حجر ﵀: «ولعل ذلك كان في الليلة التي بات ابن عباس ﵄ فيها ليرى صلاة النبي ﷺ ».
والمراد بالكتاب القرآن لأن العرف الشرعي عليه، والمراد بالتعليم: ما هو أعم من حفظه والتفهم فيه (٢).
ومنها: موقفه مع أنس بن مالك: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁ قال: جَاءَتْ بي أُمِّي أُمُّ أَنَسٍ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، وَقَدْ أَزَّرَتْنِي بنِصْفِ خِمَارِهَا، وَرَدَّتْنِي بنِصْفِهِ، فَقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ! هذا أُنَيْسٌ ابْنِي، أَتَيْتُكَ به يَخْدُمُكَ فَادْعُ اللهَ له، فَقالَ: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ»، وفي رواية: «وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ» (٣). قال أنس ﵁: فَوَاللَّهِ إنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وإنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ علَى نَحْوِ المِئَةِ، اليَومَ (٤). وفي رواية البخاري: وحَدَّثَتْنِي ابْنَتي أُمَيْنَةُ: أنَّه دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ البَصْرَةَ بضْعٌ وعِشْرُونَ ومِئَةٌ (٥).
قال أبو العالية: «كان لأنس بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك» (٦). قال ابن
стр. 3995
حجر: «وهذا الحديث من معجزات النبي ﷺ لما في إجابة دعوته من الأمر النادر، وهو اجتماع كثرة المال مع كثرة الأولاد، وكون بستان المدعو له صار يثمر مرتين في السنة دون غيره» (١).
ومنها موقفه مع محمود بن الربيع ﵁، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث محمود بن الربيع ﵁ قال: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي، وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ (٢). وفي رواية: مِنْ بِئْرِهِمْ (٣).
قال ابن حجر ﵀: والمج: هو إرسال الماء من الفم، وقيل: لا يسمى مجًا إلا إن كان على بعد، وفعله النبي ﷺ مع محمود إما مداعبة معه، أو ليبارك عليه بها، كما كان ذلك من شأنه مع أولاد الصحابة.
ومن فوائد الحديث: جواز إحضار الصبيان مجالس الحديث، وزيارة الإمام أصحابه في دورهم ومداعبته صبيانهم (٤).
ومنها موقفه مع السائب بن يزيد: فقد روى البخاري
стр. 3996
في صحيحه من حديث السائب بن يزيد ﵁ قال: ذهبت بي خالتي إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن ابن أختي وجع، فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلِ زِرِّ الْحَجَلَةِ (١)(٢).
ومنها موقفه مع أبي عمير: فروى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ - قَالَ: أَحْسِبُهُ فَطِيمًا- وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ (٣)» (٤).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3997
الكلمة الثانية والعشرون
تأملات في قوله تعالى:
﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾ [الإسراء: ٧٤] .
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فإن الله أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].
وعملًا بهذه الآية الكريمة لنستمع إلى آيات من كتاب الله تعالى، ونتدبر ما فيها من العظات والحكم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥].
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: «يذكر تعالى منته على
стр. 3998
رسوله محمد ﷺ وحفظه له من أعدائه الحريصين على فتنته بكل طريق، فقال: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣)﴾ أي: قد كادوا لك أمرًا لم يدركوه، وتحيلوا لك على أن تفتري على الله غير الذي أنزلنا إليك، فتجيء بما يوافق أهواءهم، وتدع ما أنزل الله إليك وإذا لو فعلت ما يهوون لاتخذوك خليلًا أي حبيبًا أعز عليهم من أحبابهم لما جبلك الله عليه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب المحببة للقريب والبعيد، والصديق والعدو، ولكن لتعلم أنهم لم يعادوك وينابذوك العداوة إلا للحق الذي جئت به، لا لذاتك، كما قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣].
ومع هذا ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ على الحق، وامتننا عليك بعدم الإجابة لداعيهم ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ بما يهوون ﴿لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ أي لأصبناك بعذاب مضاعف في الدنيا والآخرة، وذلك لكمال نعمة الله عليك، وكمال معرفتك ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ ينقذك مما يحل بك من العذاب، ولكن الله تعالى عصمك من أسباب الشر، ومن الشر، فثبتك وهداك الصراط المستقيم، ولم تركن إليهم بوجه من الوجوه فله عليك أتم نعمة، وأبلغ منحة (١).
стр. 3999
قال ابن عباس ﵄: «كان رسول الله ﷺ معصومًا، ولكن هذا تعريف للأمة لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين في شيء من أحكام الله وشرائعه» (١).
ومن فوائد الآيات الكريمات:
١ - تذكير الله لرسوله ﷺ بمنته عليه، وعصمته من الشر، فدل ذلك على أن الله يحب من عباده أن يتفطنوا الإنعام عليهم عند وجود أسباب الشر بالعصمة منه، والثبات على الإيمان، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
٢ - أنه بحسب علو مرتبة العبد، وتواتر النعم عليه من الله يعظم إثمه، ويتضاعف جرمه إذا فعل ما يُلام عليه؛ لأن الله ذكر رسوله لو فعل - وحاشاه من ذلك - بقوله: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾. كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]، وكقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠].
стр. 4000
قال الشاعر:
وَكَبائِرُ الرَّجُلِ الصَّغِيرِ صَغائِرُ ... وصَغائِرُ الرَّجُلِ الكَبِيرِ كَبائِرُ
٢ - أنه ينبغي للمؤمن أن يسأل ربه الثبات على دينه دائمًا وأبدًا.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يكثر يقول: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أُصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»، ثم قال ﷺ : «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» (٢).
٤ - أن قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ أن هذه الآية الكريمة أوضحت غاية الإيضاح براءة نبينا ﷺ من مقاربة الركون إلى الكفار، فضلًا عن نفس الركون (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4001
الكلمة الثالثة والعشرون
شرح حديث: «حفت الجنة بالمكاره»
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
روى الإمامان البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» (١). وفي رواية البخاري: «حُجِبَتِ» (٢). قال العلماء: هذا من بديع الكلام، وفصيحه، وجوامعه التي أوتيها ﷺ في ذم الشهوات وإن مالت إليها النفوس، والحض على الطاعات وإن كرهتها النفوس وشق عليها. ومعناه: لا يوصل إلى الجنة إلا باجتياز المكاره، والنار بالشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب، فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره، وهتك حجاب النار بارتكاب الشهوات، فأما المكاره فيدخل فيها الاجتهاد في العبادات، والمواظبة عليها والصبر على مشاقها،
стр. 4002
وكظم الغيظ، والعفو والحلم والصدقة والإحسان إلى المسيء، والصبر على الشهوات .. ونحو ذلك.
وأما الشهوات التي حفت النار بها، فالظاهر أنها الشهوات المحرمة، مثل الظلم وقتل النفس المعصومة وتعاطي المخدرات، والمسكرات، وارتكاب الفواحش وأكل الربا والغيبة والنميمة والاستماع إلى الملاهي .. ونحو ذلك، وأما الشهوات المباحة فلا تدخل في هذه، لكن يكره الإكثار منها مخافة أن تجر إلى المحرمات، وما تورثه من قساوة القلوب والانشغال عن الطاعات (١).
وقد ورد إيضاح ما سبق بما رواه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ رفعه إلى النبي ﷺ قال: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا، ثُمَّ حَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ،، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ، فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ، قَالَ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا، فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ،
стр. 4003
وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا» (١).
فمن المكاره التي حفت بها الجنة ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» (٢).
فقد جمع رسول الله ﷺ في هذا الحديث ثلاثًا من الطاعات:
١ - إسباغ الوضوء على المكاره كبرودته في الشتاء القارس، أو قِلَّته أو نحو ذلك.
٢ - الترغيب في كثرة الخطا إلى المساجد، ويقع ذلك في حال بُعد المسجد، وتكرار الذهاب إليه في الظلم والحر والبرد والخوف وغيره.
٣ - انتظار الصلاة بعد الصلاة في المسجد، فإن المؤمن في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا» (٣).
стр. 4004
ومنها: الجهاد في سبيل الله، فإنه مكروه إلى النفوس، وهي تحب الحياة، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «وأما الشهداء الذين قُتلوا في سبيل الله، فإنهم لا يُسألون لظهور صدق إيمانهم بجهادهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] (١).
ومنها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه شاق على النفوس، ويتعرض صاحبه غالبًا للأذى، ولكنه طريق إلى الجنة، ونجاة من العذاب، قال تعالى عن لقمان وهو يوصي ابنه فيقول: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].
ومنها: بذل الأموال وإنفاقها في سبل الخير مع حب النفوس لها إيثارًا لمرضاة الله ورغبة في جنته، قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾
стр. 4005
[آل عمران: ٩٢] والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، ومن الأمثلة على أن من آثر الشهوات المحرمة فقد هتك حجاب النار ما روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ، إِلَّا أَنْ يَتُوبَ» (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ ﵎ عَلَيْهِمُ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْعَاقُّ، وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخُبْثَ» (٢).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لما عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقومٍ لهُمْ أَظْفَارٌ من نُحاسٍ، يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وصُدُورَهُمْ، فقُلْتُ: مَنْ هؤلاءِ يا جبريلُ؟ قال: هؤلاءِ الذينَ يأكلونَ لُحُومَ الناسِ، ويَقَعُونَ في أَعْرَاضِهِمْ» (٣).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا، قَوْمٌ مَعَهُمْ
الكلمة الرابعة والعشرون
وصايا لرجال الأمن
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
قال ﵁: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]. روى مسلم في صحيحه من حديث تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» (١).
وهذه بعض الوصايا التي أُوصي بها نفسي وإخواني رجال الأمن، وأسأل الله تعالى أن ينفع بها، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح:
أولًا: اعلم أخي رجل الأمن أنه لا يتحقق الأمن لأحد في الدنيا والآخرة إلا بالإيمان الذي لا يخالطه شرك، ولا يناقضه كفر، عليه يحيا وعليه يموت، والدليل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ
стр. 4008
مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : «لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾» (١).
ثانيًا: لا ينال الاستخلاف في الأرض، والتمكين فيها إلا بإقامة العدل الذي قامت عليه السموات والأرض، ولا يتحقق العدل إلا بإقامة الشرع، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ [النور: ٥٥].
وقال ﵎: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].
ثالثًا: تقوى الله ومراقبته في السر والعلن، فإن تقوى الله
стр. 4009
وصيته للأولين والآخرين، قال ﵎: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]. وكان النبي ﷺ كثيرًا ما يوصي أصحابه بتقوى الله، ويبدأ بها خطبه ووصاياه، ففي حديث العرباض بن سارية ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوى اللَّهَ» (١)، وفي صحيح مسلم من حديث سليمان ابن بريدة عن أبيه ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذَا أَمَّرَ أَمِيرًا علَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ في خَاصَّتِهِ بتَقْوَى اللَّهِ، وَمَن معهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْرًا (٢).
فطريق السعادة والعز والكرامة والنصر هو التقوى، وإنما تأتي المصائب والبلايا والمحن بسبب إهمال التقوى وإضاعتها، أو إضاعة جزء منها، قال ﵎: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦].
قال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور
стр. 4010
من الله تخاف عقاب الله (١).
والحذر من المعاصي كبيرها وصغيرها، فقد وعد الله تعالى من اجتنب الكبائر أن يُكفر عنه الصغائر ويدخله مدخلًا كريمًا، قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١]. أي كثير الخير والبركة.
والحذر من الذنوب التي يحتقرها بعض الناس، روى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات، قال أبو عبد الله: يعني بذلك المهلكات (٢)، قال الأوزاعي ﵀: لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت.
رابعًا: أداء الأمانة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]. روى الطبراني في المعجم الكبير من
стр. 4011
حديث شداد بن أوس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الأَمَانَةُ» (١).
قال الطبري ﵀: الأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور. ا هـ وقال بعضهم: «عمل كل ما للَّه فيه طاعة، واجتناب كل ما لله فيه معصية، سواء كان ذلك في عبادة أو معاملة، فالصلاة أمانة، والزكاة أمانة، وحفظ الجوارح أمانة، والعمل أمانة، لابد للمسلم أن يؤديه بكل إخلاص وإتقان حتى تبرأ ذمته بذلك، والأمانة من أبرز أخلاق الرسل عليهم الصلاة والسلام، فنوح وهود وصالح ولوط أخبر الله عنهم في سورة الشعراء أن كل رسول من هؤلاء قد قال لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٠٧]، ونبينا محمد ﷺ كان في قومه قبل الرسالة وبعدها مشهورًا بأنه الأمين.
خامسًا: حسن الخلق، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ
стр. 4012
عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤].
روى الترمذي في سننه من حديث أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ» (١).
وحسن الخلق يشمل جوانب كثيرة من حياة المسلم في أقواله وأعماله، في عبادته لربه وتعامله مع عباده، قال عبد الله بن المبارك: حُسن الخلق: طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى، وأن تحتمل ما يكون من الناس.
فأوصي أخي رجل الأمن أن يكون حسن الخلق مع زملائه ومع عامة الناس، وأن يكون رفيقًا في تعامله معهم.
روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الرِّفقَ لا يَكُونُ في شيءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إِلَّا شَانَهُ» (٢).
ولقد كان النبي ﷺ من أحسن الناس خُلقًا، فمن أحب
стр. 4013
أن يهتدي إلى معالي الأخلاق فليقتدي بمحمد ﷺ ، روى الترمذي في سننه من حديث أنس ﵁ قال: خدمت النبي ﷺ عشر سنين فما قال لي أُف قط، وما قال لشيء صنعته لِمَ صنعته؟ ولا لشيء تركته لِمَ تركته؟ (١)
سادسًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقد عده بعض أهل العلم ركن من أركان الدين، وفي وصية لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يُعد تدخلًا في شؤون الآخرين كما يظن بعض الناس، بل إن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يريدون الخير والنجاة للناس، وإنقاذهم من عذاب الله.
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا
стр. 4014
فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» (١).
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأمان للعباد والبلاد من الهلاك، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ [هود: ١١٧].
أسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4015
الكلمة الخامسة والعشرون
تأملات في قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ .
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فإن الله أنزل هذا القرآن العظيم لتدبره والعمل به، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. وعملًا بهذه الآية الكريمة لنستمع إلى آيات من كتاب الله ونتدبر ما فيها من العظات والعبر، قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢) إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا
стр. 4016
الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾ [الدخان: ٤٠ - ٥٩].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)﴾، وهو يوم القيامة الذي يفصل الله فيه بين الخلائق أجمعين الأولين منهم والآخرين، وبين كل مختلفين، وسمي بذلك لأن الله تعالى يفصل فيه بين خلقه، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣].
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠]، أي لا يسأل أخًا له عن حاله وهو يراه عيانًا، ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي لا ينصر أحدٌ أحدًا، لا من القريب ولا من البعيد.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فإنه هو الذي ينتفع ويرتفع برحمة الله التي سعى لها سعيها في الدنيا.
قوله تعالى: ﴿شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾ لما ذكر يوم القيامة وأنه يفصل بين عباده فيه، ذكر افتراقهم إلى فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير - وهم الآثمون بعمل الكفر والمعاصي
стр. 4017
- وأن طعامهم شجرة الزقوم، شر الأشجار وأفظعها، وهي الشجرة التي خلقها الله في جهنم، وسماها الشجرة الملعونة، فإذا جاع أهل النار التجؤوا إليها فأكلوا منها، فغلت في بطونهم كما يغلي الماء الحار، وشبه ما يصير منها إلى بطونهم بالمهل وهو كالصديد المنتن، خبيث الريح والطعم، شديد الحرارة، يغلي في البطون كغلي الحميم أي من حرارتها ورداءتها.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث مجاهد أن الناس كانوا يطوفون وابن عباس ﵄ جالس معه محجن، فقال: قال رسول الله ﷺ : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، ولو أنَّ قَطرةً منَ الزَّقُّومِ قَطرَت، لأَمَرَّت على أَهْلِ الأرضِ عَيشَهُم، فَكَيفَ من ليسَ لَهُم طعامٌ إلَّا الزَّقُّومُ» (١).
قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ أي يقال للزبانية: جروه وسوقوه سحبًا ودفعًا في ظهره إلى سواء الجحيم إلى وسطها ومعظمها.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ هذا كقوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ [الحج: ١٩ - ٢٠] قال بعضهم: إن الملك
стр. 4018
يضربه بمقمعة من حديد، فيفتح دماغه، ثم يصب الحميم على رأسه فينزل في بدنه، فسلت ما في بطنه من أمعائه حتى تمزق من كعبيه - أعاذنا الله تعالى من ذلك.
قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ يقال له ذلك على سبيل التهكم والتوبيخ والاستهزاء، أي بزعمك أنك عزيز ستمتنع من عذاب الله، وإنك كريم على الله لا يصيبك بعذاب، فاليوم تبين لك أنك أنت الذليل المهان الحقير.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ لما ذكر تعالى حال الأشقياء عطف بذكر السعداء، ولهذا سمي القرآن مثاني، فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي لله في الدنيا في مقام أمين في الآخرة وهو الجنة، قد أمنوا فيها من الموت والخروج، ومن كل هم وحزن وجزع، وتعب ونصب، ومن الشيطان وكيده وسائر الآفات والمصائب.
قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ في مقابلة ما أولئك فيه من شجر الزقوم، وشرب الحميم؛ هم في ظل ظليل من كثرة الأشجار والفواكه، وعيون سارحة تجري من تحتهم الأنهار، يفجرونها تفجيرًا في جنات النعيم، فأضاف الجنات إلى النعيم؛ لأن كل ما اشتملت عليه كله نعيم وسرور كامل من كل وجه ما فيه منغص، ولا مكدر بوجه من الوجوه.
قوله تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾
стр. 4019
أي لباسهم من الحرير الأخضر من السندس والإستبرق، والسندس رقيق الحرير كالقمصان ونحوها، والاستبرق ما فيه بريق ولمعان، وذلك كالرياش وما يلبس على أعالي القماش، متقابلين: أي السرر لا يجلس أحد منهم وظهره إلى غيره.
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ كذلك أي النعيم التام والسرور الكامل، ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي نساء جميلات من جمالهن وحسنهن أنه يحار الطرف في حسنهن، وينبهر العقل بجمالهن، وينخلب اللب لكمالهن.
قال مجاهد: إنما سُميت الحور حورًا لأنهن يحار الطرف في حسنهن، وبياضهن، وصفاء لونهن، وقيل: إنما قيل لهن حور لحور أعينهن، والحَوَر: شدة بياض العين في شدة سوادها، قال تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾ [الواقعة: ٢٢ - ٢٣].
قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أي مهما طلبوا من أنواع الفاكهة أُحضر لهم، وهم آمنون من انقطاعه وامتناعه أو مضرته، بل يحضر لهم كلما أرادوا مما له اسم في الدنيا، أو مما لا يوجد له اسم في الدنيا.
قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ أي ليس فيها موت بالكلية، ولو كان
стр. 4020
فيها موت يستثنى لم يستثن الموتة الأولى التي هي الموتة في الدنيا، ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يُؤْتَى بالمَوْتِ في صورة كَبْشٍ أمْلَحَ، فَيوقَفُ بين الجَنَّةِ والنار، ثم يُذْبَحُ ثُمَّ يُقَالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فلا مَوْتَ، ويا أهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فلَا مَوْتَ» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أن النبي ﷺ قال: «يُنادِي مُنادٍ: إنَّ لَكُمْ أنْ تَصِحُّوا فلا تَسْقَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكُمْ أنْ تَحْيَوْا فلا تَمُوتُوا أبَدًا، وإنَّ لَكُمْ أنْ تَشِبُّوا فلا تَهْرَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكُمْ أنْ تَنْعَمُوا فلا تَبْأَسُوا أبَدًا؛ فَذلكَ قَوْلُهُ : ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]» (٢).
قوله تعالى: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾ أي حصول النعيم واندفاع العذاب عنهم من فضل الله وإحسانه عليهم، كما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ» (٣). ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وأي فوز أعظم من نيل
стр. 4021
رضوان الله وجنته، والسلامة من عذابه وسخطه؟
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ﴾ أي إنما يسرنا هذا القرآن الذي أنزلناه سهلًا واضحًا بينًا جليًّا ﴿بِلِسَانِكَ﴾ الذي هو أفصح اللغات، وأجلاها، وأحلاها، وأعلاها، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي يتفهمون ويعملون.
ثم لما كان مع هذا البيان والوضوح من الناس من كفر وخالف وعاند، قال الله تعالى لرسوله ﷺ مسليًّا له، وواعدًا له بالنصر، ومتوعدًا لمن كذب بالعطب والهلاك ﴿فَارْتَقِبْ﴾ أي انتظر، ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ أي فسيعلمون لمن يكون النصر والظفر وعلو الكلمة في الدنيا والآخرة، فإنها لك يا محمد ولإخوانك من النبيين والمرسلين ومن اتبعك من المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر:٥١ - ٥٢]. (١)
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٣٤].
روى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله قال: دخل أبو بكر ﵁ يستأذن على رسول الله ﷺ ، فوجد الناس جلوسًا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالسًا حوله نساؤه، واجمًا ساكتًا، قال: فقال: لأقولن شيئًا أُضحك النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! لو رأيت بنت خارجة! سألتني النفقة فقمت إليها فَوَجَأت عُنقها، فضحك رسول الله ﷺ وقال: «هُنَّ حَوْلِي - كَمَا تَرَى- يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ»، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده، فقلن: والله! لا نسأل رسول الله ﷺ شيئًا أبدًا ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرًا أو تسعًا وعشرين، ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ حتى بلغ: ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قال: فبدأ بعائشة، فقال: «يا عَائِشَةُ، إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا أُحِبُّ أَنْ لا تَعْجَلِي فيه حتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ»، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فَتَلَا عَلَيْهَا الآيَةَ، قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك أن لا
стр. 4024
تُخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: «لا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ منهنَّ إلَّا أَخْبَرْتُهَا، إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا، وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا» (١).
قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ أنه لما اجتمع نساء رسول الله ﷺ عليه في الغيرة، وطلبن منه النفقة والكسوة، طلبن منه أمرًا لا يقدر عليه في كل وقت، ولم يزلن في طلبهن متفقات، وفي مرادهن متعنتات، فشق ذلك على الرسول ﷺ حتى وصلت به الحال إلى أنه آلى منهن شهرًا، فأراد الله أن يسهل الأمر على رسوله، وأن يرفع درجة زوجاته، ويذهب عنهن كل أمر ينقص أجرهن، فأمر رسوله ﷺ أن يخيرهن فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ أي ليس لكن في غيرها مطلب، وصرتن ترضين لوجودها وتغضبن لفقدها، فليس لي فيكن أرب وحاجة، وأنتن بهذه الحال ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ شيئًا مما عندي من الدنيا ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ أي أفارقكن ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ من دون مغاضبة ولا مشاتمة، بل بسعة صدر وانشراح بال، قبل أن تبلغ الحال إلى ما لا ينبغي.
﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي هذه مرادكن وغاية مقصودكن وإذا حصل لَكُنَّ الله ورسوله والجنة
стр. 4025
لم تبالين بسعة الدنيا وضيقها، ويسرها وعسرها، وقنعتن من رسول الله ﷺ بما تيسر، ولم تطلبن منه ما شق عليه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
رتب الأجر على وصفهن بالإحسان؛ لأنه السبب الموجب لذلك، لا لكونهن زوجات الرسول ﷺ فإن مجرد ذلك لا يكفي، بل لا يفيد شيئًا مع عدم الإحسان، فخيرهن رسول الله ﷺ في ذلك، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة كلهن، لم يتخلف منهن واحدة ﵁ -ن -، وفي هذا التخيير فوائد عديدة:
منها: الاعتناء برسوله ﷺ والغيرة عليه أن يكون بحالة يشق عليه كثرة مطالب زوجاته الدنيوية.
ومنها: سلامته ﷺ بهذا التخيير من تبعة حقوق الزوجات، وأنه يبقى في حرية نفسه إن شاء أعطى وإن شاء منع، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨].
ومنها: تنزيهه عما لو كان فيهن من تؤثر الدنيا على الله ورسوله والدار الآخرة عنها وعن مقارنتها.
ومنها: سلامة زوجاته ﵁ -ن - عن الإثم والتعرض لسخط الله ورسوله، فحسم الله بهذا التخيير عنهن التسخط على
стр. 4026
الرسول ﷺ الموجب لسخطه المسخط لربه الموجب لعقابه.
ومنها: إظهار رفعتهن وعلو درجتهن، وبيان علو هممهن أن كان الله ورسوله والدار الآخرة مرادهن ومقصودهن، دون الدنيا وحطامها.
ومنها: استعدادهن بهذا الاختيار للأمر المختار للوصول إلى خيار درجات الجنة، وأن يكن زوجاته في الدنيا والآخرة.
ومنها: ظهور المناسبة بينه وبينهن، فإنه أكمل الخلق، وأراد الله أن تكون نساؤه كاملات، مكملات، طيبات، مطيبات، ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾.
ومنها: أن هذا التخيير داع وموجب للقناعة التي يطمئن لها القلب، وينشرح لها الصدر، ويزول عنهن جشع الحرص وعدم الرضا الموجب لقلق القلب واضطرابه وهمه وغمه.
ومنها: أن يكون اختيارهن هذا سببًا لزيادة أجرهن ومضاعفته، وأن يكن بمرتبة ليس فيها أحد من النساء، ولهذا قال: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾
стр. 4027
لما اخترن الله ورسوله والدار الآخر ذكر مضاعفة أجرهن، ومضاعفة وزرهن وإثمهن لو جرى منهن، ليزداد حذرهن وشكرهن الله تعالى، فجعل لمن أتى منهن بفاحشة ظاهرة لها العذاب ضعفين.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ أي تطيع الله ورسوله وتعمل صالحًا قليلًا أو كثيرًا ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ أي مثل ما تعطى غيرها مرتين ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ وهي الجنة، فقنتن لله ورسوله، وعملن صالحًا، فعلم بذلك أجرهن.
قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾.
يقول تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ خطاب لهن كلهن، ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ الله فإنكن بذلك تفقن النساء، ولا يلحقكن أحد من النساء، فكملن التقوى بجميع وسائلها، ومقاصدها. فلهذا
стр. 4028
أرشدهن إلى قطع وسائل المحرم، فقال: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾: أي في مخاطبة الرجال، أو بحيث يسمعون، فَتَلِنَّ في ذلك، وتتكلمن بكلام رقيق يدعو ويطمع الذي في قلبه مرض: أي مرض شهوة الزنا، فإنه مستعد ينتظر أدنى محرك يحركه؛ لأن قلبه غير صحيح، فإن القلب الصحيح ليس فيه شهوة لما حرم الله؛ فإن ذلك لا تكاد تُميله ولا تُحركه الأسباب، لصحة قلبه وسلامته من المرض؛ بخلاف مريض القلب الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر على ما يصبر عليه؛ فأدنى سبب يوجد ويدعوه إلى الحرام يُجيب دعوته ولا يتعاصى عليه؛ فهذا دليل على أن الوسائل لها أحكام المقاصد؛ فإن الخضوع بالقول واللين فيه في الأصل مباح، ولكن لمَّا كان وسيلة إلى المحرم؛ منع منه، ولهذا ينبغي للمرأة في مخاطبة الرجال أن لا تُلين لهم القول.
ولما نهاهن عن الخضوع في القول؛ فربما تُوهم أنهن مأمورات بإغلاظ القول، دفع هذا بقوله: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ أي غير غليظ ولا جاف، كما أنه ليس بلين خاضع، وتأمل كيف قال: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ ولم يقل: فلا تَلِنَّ بالقول، وذلك لأن المنهي عنه القول اللين الذي فيه خضوع المرأة للرجل وانكسارها عنده، والخاضع هو الذي يُطمع فيه، بخلاف من تكلم كلامًا لينًا ليس فيه خضوع، بل ربما صار فيه ترفُّع وقهر للخصم؛ فإن هذا لا يطمع فيه خصمه، ولهذا مدح الله
стр. 4029
رسوله باللين، فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤].
ودل قوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ مع أمره بحفظ الفرج وثنائه على الحافظين لفروجهم والحافظات، ونهيه عن قربان الزنا، أنه ينبغي للعبد إذا رأى من نفسه هذه الحالة، وأنه يهش لفعل المحرم عندما يرى أو يسمع كلام من يهواه ويجد دواعي طمعه قد انصرفت إلى الحرام، فليعرف أن ذلك مرض، فليجتهد في إضعاف هذا المرض وحسم الخواطر الردية ومجاهدة نفسه على سلامتها من هذا المرض الخطر وسؤال الله العصمة والتوفيق، وأن ذلك من حفظ الفرج المأمور به.
قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أي اقررن فيها؛ لأنه أسلم وأحفظ، لكن ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ أي: لا تكثرن الخروج متجملات أو متطيبات كعادة أهل الجاهلية الأولى الذين لا علم عندهم ولا دين؛ فكل هذا دفع للشر وأسبابه، ولما أمرهن بالتقوى عمومًا وبجزئيات من التقوى نص عليها لحاجة النساء إليها، كذلك أمرهن بالطاعة، خصوصًا الصلاة والزكاة اللتان يحتاجهما ويضطر إليهما كل أحد، وهما أكبر العبادات وأجل الطاعات، وفي الصلاة الإخلاص للمعبود،
стр. 4030
وفي الزكاة الإحسان إلى العبيد.
ثم أمرهن بالطاعة عمومًا، فقال: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يدخل في طاعة الله ورسوله كل أمر أَمرا به أمر إيجاب أو استحباب، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ بأمركن بما أمركن به، ونهيكن عما نهاكن عنه؛ ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ أي: الأذى والشر والخبث ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ حتى تكونوا طاهرين مطهرين؛ أي: فاحمدوا ربكم واشكروه على هذه الأوامر والنواهي التي أخبركم بمصلحتها، وأنها محض مصلحتكم، لم يرد الله أن يجعل عليكم بذلك حرجًا ولا مشقة، بل لتتزكى نفوسكم، وتتطهر أخلاقكم وتحسن أعمالكم، ويعظم بذلك أجركم.
ولما أمرهن بالعمل الذي هو فعل وترك؛ أمرهن بالعلم، وبيَّن لهن طريقه، فقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ والمراد بآيات الله القرآن، والحكمة أسراره أو سنة رسوله. وأمرهن بذكره يشمل ذكر لفظه بتلاوته وذكر معناه بتدبره والتفكر فيه واستخراج أحكامه وحِكَمه، وذكر العمل به وتأويله.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ يدرك سرائر الأمور وخفايا الصدور وخبايا السموات والأرض والأعمال الظاهرة والخفية؛