الرسول ﷺ الموجب لسخطه المسخط لربه الموجب لعقابه.
ومنها: إظهار رفعتهن وعلو درجتهن، وبيان علو هممهن أن كان الله ورسوله والدار الآخرة مرادهن ومقصودهن، دون الدنيا وحطامها.
ومنها: استعدادهن بهذا الاختيار للأمر المختار للوصول إلى خيار درجات الجنة، وأن يكن زوجاته في الدنيا والآخرة.
ومنها: ظهور المناسبة بينه وبينهن، فإنه أكمل الخلق، وأراد الله أن تكون نساؤه كاملات، مكملات، طيبات، مطيبات، ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾.
ومنها: أن هذا التخيير داع وموجب للقناعة التي يطمئن لها القلب، وينشرح لها الصدر، ويزول عنهن جشع الحرص وعدم الرضا الموجب لقلق القلب واضطرابه وهمه وغمه.
ومنها: أن يكون اختيارهن هذا سببًا لزيادة أجرهن ومضاعفته، وأن يكن بمرتبة ليس فيها أحد من النساء، ولهذا قال: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾
стр. 4027
لما اخترن الله ورسوله والدار الآخر ذكر مضاعفة أجرهن، ومضاعفة وزرهن وإثمهن لو جرى منهن، ليزداد حذرهن وشكرهن الله تعالى، فجعل لمن أتى منهن بفاحشة ظاهرة لها العذاب ضعفين.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ أي تطيع الله ورسوله وتعمل صالحًا قليلًا أو كثيرًا ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ أي مثل ما تعطى غيرها مرتين ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ وهي الجنة، فقنتن لله ورسوله، وعملن صالحًا، فعلم بذلك أجرهن.
قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾.
يقول تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ خطاب لهن كلهن، ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ الله فإنكن بذلك تفقن النساء، ولا يلحقكن أحد من النساء، فكملن التقوى بجميع وسائلها، ومقاصدها. فلهذا
стр. 4028
أرشدهن إلى قطع وسائل المحرم، فقال: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾: أي في مخاطبة الرجال، أو بحيث يسمعون، فَتَلِنَّ في ذلك، وتتكلمن بكلام رقيق يدعو ويطمع الذي في قلبه مرض: أي مرض شهوة الزنا، فإنه مستعد ينتظر أدنى محرك يحركه؛ لأن قلبه غير صحيح، فإن القلب الصحيح ليس فيه شهوة لما حرم الله؛ فإن ذلك لا تكاد تُميله ولا تُحركه الأسباب، لصحة قلبه وسلامته من المرض؛ بخلاف مريض القلب الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر على ما يصبر عليه؛ فأدنى سبب يوجد ويدعوه إلى الحرام يُجيب دعوته ولا يتعاصى عليه؛ فهذا دليل على أن الوسائل لها أحكام المقاصد؛ فإن الخضوع بالقول واللين فيه في الأصل مباح، ولكن لمَّا كان وسيلة إلى المحرم؛ منع منه، ولهذا ينبغي للمرأة في مخاطبة الرجال أن لا تُلين لهم القول.
ولما نهاهن عن الخضوع في القول؛ فربما تُوهم أنهن مأمورات بإغلاظ القول، دفع هذا بقوله: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ أي غير غليظ ولا جاف، كما أنه ليس بلين خاضع، وتأمل كيف قال: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ ولم يقل: فلا تَلِنَّ بالقول، وذلك لأن المنهي عنه القول اللين الذي فيه خضوع المرأة للرجل وانكسارها عنده، والخاضع هو الذي يُطمع فيه، بخلاف من تكلم كلامًا لينًا ليس فيه خضوع، بل ربما صار فيه ترفُّع وقهر للخصم؛ فإن هذا لا يطمع فيه خصمه، ولهذا مدح الله
стр. 4029
رسوله باللين، فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤].
ودل قوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ مع أمره بحفظ الفرج وثنائه على الحافظين لفروجهم والحافظات، ونهيه عن قربان الزنا، أنه ينبغي للعبد إذا رأى من نفسه هذه الحالة، وأنه يهش لفعل المحرم عندما يرى أو يسمع كلام من يهواه ويجد دواعي طمعه قد انصرفت إلى الحرام، فليعرف أن ذلك مرض، فليجتهد في إضعاف هذا المرض وحسم الخواطر الردية ومجاهدة نفسه على سلامتها من هذا المرض الخطر وسؤال الله العصمة والتوفيق، وأن ذلك من حفظ الفرج المأمور به.
قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أي اقررن فيها؛ لأنه أسلم وأحفظ، لكن ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ أي: لا تكثرن الخروج متجملات أو متطيبات كعادة أهل الجاهلية الأولى الذين لا علم عندهم ولا دين؛ فكل هذا دفع للشر وأسبابه، ولما أمرهن بالتقوى عمومًا وبجزئيات من التقوى نص عليها لحاجة النساء إليها، كذلك أمرهن بالطاعة، خصوصًا الصلاة والزكاة اللتان يحتاجهما ويضطر إليهما كل أحد، وهما أكبر العبادات وأجل الطاعات، وفي الصلاة الإخلاص للمعبود،
стр. 4030
وفي الزكاة الإحسان إلى العبيد.
ثم أمرهن بالطاعة عمومًا، فقال: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يدخل في طاعة الله ورسوله كل أمر أَمرا به أمر إيجاب أو استحباب، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ بأمركن بما أمركن به، ونهيكن عما نهاكن عنه؛ ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ أي: الأذى والشر والخبث ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ حتى تكونوا طاهرين مطهرين؛ أي: فاحمدوا ربكم واشكروه على هذه الأوامر والنواهي التي أخبركم بمصلحتها، وأنها محض مصلحتكم، لم يرد الله أن يجعل عليكم بذلك حرجًا ولا مشقة، بل لتتزكى نفوسكم، وتتطهر أخلاقكم وتحسن أعمالكم، ويعظم بذلك أجركم.
ولما أمرهن بالعمل الذي هو فعل وترك؛ أمرهن بالعلم، وبيَّن لهن طريقه، فقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ والمراد بآيات الله القرآن، والحكمة أسراره أو سنة رسوله. وأمرهن بذكره يشمل ذكر لفظه بتلاوته وذكر معناه بتدبره والتفكر فيه واستخراج أحكامه وحِكَمه، وذكر العمل به وتأويله.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ يدرك سرائر الأمور وخفايا الصدور وخبايا السموات والأرض والأعمال الظاهرة والخفية؛
стр. 4031
فلطفه وخبرته تقتضي حثهن على الإخلاص وإسرار الأعمال، وأن الله يجازي على تلك الأعمال، ومن معاني اللطيف أنه هو الذي يسوق عبده إلى الخير، ويعصمه من الشر بطرق خفية لا يشعر بها، ويسوق إليه من الرزق ما لا يدريه، ويريه من الأسباب التي تكرهها النفوس؛ ما يكون ذلك طريقًا له إلى أعلى الدرجات وأرفع المنازل (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4032
الكلمة السابعة والعشرون
شرح اسم الله: «العليم»
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» (١).
ومن أسماء الله التي وردت في كتابه اسم «العليم»، قال بعضهم: ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في أكثر من مائة وسبعة وخمسين موضعًا، قال تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:٣٢]، وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء:٤].
стр. 4033
«وعلم الله تعالى أزلي أبدي لم يُسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان، قال موسى ﵊ لفرعون حين سأله: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥١ - ٥٢].
فيعلم تعالى الأمور المتقدمة والأمور المتأخرة أزلًا وأبدًا، ويعلم جليل الأمور وحقيرها، وصغيرها وكبيرها، ويعلم تعالى ظواهر الأشياء وبواطنها، وغيبها وشهادتها، ما يعلم الخلق منها وما لا يعلمون، ويعلم تعالى ما تحت الأرض السفلى، كما يعلم ما فوق السموات العلى، ويعلم تعالى جزئيات الأمور وخبايا الصدور، وخفايا ما وقع ويقع في أرجاء العالم، فهو الذي أحاط علمه بجميع الأشياء في كل الأوقات، ولا يعرض لعلمه خفاء ولا نسيان» (١).
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]. يعني أن تنظر على وجه الخفاء الذي لا يدركه الناس ولكن الله يعلمه، فهو يعلم خائنة الأعين، ويعلم - جل وعلا - ما تُخفي الصدور من النيات الحسنة والنيات السيئة، بل يعلم ما توسوس به النفوس ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦].
стр. 4034
وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
«هذه الآية العظيمة من أعظم الآيات تفصيلًا لعلمه المحيط، وأنه شامل للغيوب كلها التي يُطْلِع منها ما شاء من خلقه، وكثير منها طوى علمه عن الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين، فضلًا عن غيرهم من العالمين، وأنه يعلم ما في البراري والقفار من الحيوانات والأشجار والرمال والحصى والتراب، وما في البحار من حيواناتها ومعادنها وصيدها وغير ذلك مما تحتويه أرجاؤها، ويشتمل عليه ماؤها». (١)
قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢]. وبعض هذا المذكور يبهر العقول، ويذهل أفئدة النبلاء، فدل هذا على عظمة الرب العظيم، وسعته في أوصافه كلها.
ومن آثار الإيمان بهذا الاسم ﴿الْعَلِيمُ﴾:
١ - التوسل إلى الله بصفة العلم، روى النسائي في سننه من حديث السائب بن مالك قال: صلى بنا عمار بن ياسر
стр. 4035
صلاة فأوجز فيها، فقال له بعض القوم: لقد خففت أو أوجزت الصلاة، فقال: أما على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله ﷺ ، فلما قام تبعه رجل من القوم هو أُبي، غير أنه كنى عن نفسه فسأله عن الدعاء، ثم جاء فأخبر به القوم: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» (١).
وروى الطبراني في الكبير من حديث شداد بن أوس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَا شَدَّادُ بْنَ أَوْسٍ، إِذَا رَأَيْتَ النَّاسَ قَدِ اكْتَنَزُوا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، فَاكْنِزْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ،
قوله: فإنك تقدر ولا أقدر، أي تقدر أن تجعلني قادرًا فاعلًا، ولا أقدر أن أجعل نفسي كذلك، قوله: وتعلم ولا أعلم، أي حقيقة العلم بعواقب الأمور ومآلها والنافع منها والضار عندك وليس عندي، قوله: يسره لي أو فاصرفه عني، فإنه طلب من الله تيسيره إن كان فيه مصلحة، وصرفه عنه إن كان فيه مفسدة (١).
قوله: ثم بارك لي فيه، والبركة تتضمن ثبوته ونموه، وهذا قدر زائد على إقداره عليه وتيسيره له (٢).
قوله: ثم رضني به، فإن المقدور يكتنفه أمران: الاستخارة قبل وقوعه، والرضى بعد وقوعه، فمن سعادة العبد أن يجمع بينهما.
يتضمن هذا الدعاء الإقرار بوجوده سبحانه، والإقرار بصفات كماله؛ من كمال العلم والقدرة والإرادة، والإقرار بربوبيته، وتفويض الأمر إليه، والاستعانة به، والتوكل عليه، والخروج من عهدة نفسه، والتبرؤ من الحول والقوة إلا به، واعتراف العبد بعجزه عن علمه بمصلحة نفسه وقدرته عليها، وإدارته
стр. 4038
لها، وأن ذلك كله بيد وليه وفاطره وإلهه الحق (١).
٢ - إذا علم العبد أن الله محيط بكل شيء وهو بكل شيء عليم، فإنه يخاف ويرهب من الله تعالى، ولا يقول قولًا ولا يفعل فعلًا يغضب الله، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: «وهذه الآية فيها إرشاد إلى تطهير القلوب، واستحضار علم الله كل وقت، فيستحي العبد من ربه أن يرى قلبه محلًّا لكل فكر رديء، بل يشغل أفكاره فيما يقرب إلى الله، من تدبر آية من كتاب الله أو سنة من أحاديث رسول الله ﷺ أو تصور وبحث في علم ينفعه، أو تفكر في مخلوقات الله ونعمه، أو نصح لعباد الله» (٢).
وفي الآية الكريمة: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس:٦١].
٣ - أن الخلق لا يحيطون علمًا بالخالق، أي لا يعلمون شيئًا من ذاته
стр. 4039
وصفاته إلا ما أطلعهم الله سبحانه عليه عن طريق رسله وكتبه المنزلة، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وعلى وجه أعم أنهم لا يعلمون شيئًا من المعلومات إلا بتعليم الله لهم، فكل علم شرعي وقدري فمرجعه إلى الله العليم الحكيم، كما قالت الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣].
٤ - قلة ما بأيدينا من العلم بالنسبة لعلم الله تعالى، ومع كثرة المعلومات التي تعلمها بنو آدم وتشعبها إلا أنها قليلة جدًّا بالنسبة لعلم الله تعالى الواسع، قال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
«وفي قصة الخضر مع موسى عليهما الصلاة والسلام: ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ﴾ [الكهف:٧١]، جاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة أو نقرتين، قال
стр. 4040
له الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر» (١)(٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4041
الكلمة الثامنة والعشرون
تأملات في سورة القدر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فإن الله أنزل هذا القرآن الكريم لتدبره والعمل به، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
ومن سور القرآن الكريم التي تتكرر على أسماعنا، وتحتاج منا إلى تأمل وتدبر سورة ﴿الْقَدْرِ﴾.
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ [القدر: ١ - ٥].
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ يخبر الله تعالى أنه أنزل القرآن ليلة القدر، وهي الليلة المباركة التي قال الله فيها: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وهي ليلة القدر، وهي من شهر رمضان كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ
стр. 4042
الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
قال ابن عباس ﵄ وغيره: «أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله ﷺ » (١).
وسميت ليلة القدر لعظم قدرها وفضلها عند الله تعالى، ولأنه يقدر فيها ما يكون في العام من الآجال، والأرزاق، والمقادير القدرية.
ثم قال تعالى معظمًا لشأن ليلة القدر التي اختصها بإنزال القرآن العظيم فيها: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾، قوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أي تعادل في فضلها ألف شهر، فالعمل الذي يقع فيها خير من العمل في ألف شهر خالية منها، وهذا مما تتحير فيه الألباب، وتندهش له العقول، حيث مَنَّ ﵎ على هذه الأمة الضعيفة القوة والقوى بليلة يكون العمل فيها يقابل ويزيد على ألف شهر، عمر رجل معمر عمر طويلًا نيفًا وثمانين سنة.
قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ
стр. 4043
أَمْرٍ﴾ أي يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة ينزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما ينزلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحلق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيمًا له، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال في ليلة القدر: «إِنَّهَا لَيْلَةُ سَابِعَةٍ - أَوْ تَاسِعَةٍ - وَعِشْرِينَ، إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى» (١). ﴿وَالرُّوحُ﴾ هو جبريل ﵇.
والمعنى أنه ينزل مع الملائكة في ليلة القدر، وخصه بالذكر لشرفه مع أنه داخل في الملائكة.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي بأمره تعالى لهم بالنزول، فنزولهم طاعة لله، وقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أي ينزلون بكل أمر قدره الله، فمن بمعنى الباء، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ المعنى هي ليلة خير وأمان وسلام من كل آفة وشر، وتمتد تلك الليلة بما فيها من الخير إلى وقت طلوع الفجر.
стр. 4044
ومن فوائد السورة الكريمة:
١ - أن القرآن منزل في ليلة القدر.
٢ - فضل ليلة القدر من وجوه كثيرة تقدم ذكرها.
٣ - تنزل الملائكة في تلك الليلة، وجبريل ﵁ معهم.
٤ - أن الروح اسم لجبريل، كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ وتخصيصه بالذكر في هذا السياق لأنه الذي نزل بالقرآن.
٥ - أن نزول الملائكة بإذن الله أي بأمره.
٦ - إثبات الملائكة، وأنهم قائمون بأنفسهم ويتصرفون بأمر الله خلافًا لمن يزعم من المتكلمين أنهم أشياء معنوية، والإيمان بالملائكة من أركان الإيمان.
٧ - أن ليلة القدر مباركة، ومن بركتها كثرة نزول الملائكة فيها.
٨ - أنها ذات سلام، أي سالمة من الشرور التي تحدث في غيرها.
٩ - أن العمل يتضاعف فضله عن مثله بسبب وقوعه في زمن فاضل أو مكان فاضل، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا
стр. 4045
يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ [القصص: ٦٨].
١٠ - فضل الله على هذه الأمة بتيسير أسباب الأجور» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4046
الكلمة التاسعة والعشرون
النذر وأحكامه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
النذر لغة: الإيجاب، تقول: نذرت كذا إذا أوجبته على نفسك، وشرعًا: إلزام مكلف مختار نفسه شيئًا لله تعالى.
وصيغ النذر وألفاظه أن يقول: «للَّه علي أن أفعل كذا، أو علي نذر كذا»، ونحو ذلك من الألفاظ.
وقد مدح الله الموفين بالنذر وأثنى عليهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، وقال تعالى في وصف الأبرار: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧]، وقال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩].
وقد كره بعض أهل العلم النذر ابتداءً لأن الناذر يلزم نفسه بشيء لا يلزمه في أصل الشرع، فيحرج نفسه ويثقلها بهذا النذر؛ ولأنه مطلوب من المسلم فعل الخير بدون نذر، إلا أنه
стр. 4047
إذا نذر فعل طاعة وجب عليه الوفاء به، لما رواه البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂ -أن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» (١).
شروط صحة النذر ولزومه:
قال العلماء: لا يصح النذر إلا أن يكون نذر طاعة من شخص بالغ عاقل مختار، فلا يصح النذر من الصبي، ولا من المجنون والمعتوه، ولا من المكره لقوله ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمُصَابِ حَتَّى يُكْشَفَ عَنْهُ» (٢).
فدل الحديث على أنه لا يلزم النذر من هؤلاء لرفع القلم عنهم، ولقوله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عليه» (٣).
ويصح النذر من الكافر إذا نذر عبادة، ويلزمه الوفاء به إذا أسلم، لحديث عمر ﵁ قال: إني نذرت في الجاهلية
стр. 4048
أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النبي ﷺ : «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» (١).
أنواع النذر وحكم كل نوع:
١ - نذر التبرر: وهو نذر الطاعة كفعل الصلاة والصيام والحج ونحوها وهو على نوعين:
الأول: النذر المطلق أي غير معلق على حصول شرط، كما لو قال: لله عليَّ أن أصلي أو أتصدق أو أصوم كذا وكذا. وهذا النوع هو الذي رأى بعض أهل العلم كراهيته ابتداء كما تقدم بيانه.
الثاني: المعلق على شرط، كأن يقول: لله عليَّ نذر كذا وكذا إن رزقت بولد أو تيسر لي الشيء الفلاني. وهذا النوع جاء فيه النهي عن النبي ﷺ ، فروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ نهى عن النذر، وقال: «إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا، وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» (٢).
والأصل في النهي التحريم، ولذلك ذهب بعض أهل العلم إلى تحريم هذا النوع وذهب آخرون إلى كراهته.
стр. 4049
٢ - النذر المطلق: نحو قوله: «لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ» ولم يسم شيئًا فليزمه كفارة يمين، سواء كان مطلقًا أو معلقًا بشرط، لحديث عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (١).
٣ - نذر اللجاج والغضب: وهو تعليق نذره بشرط يقصد المنع منه، أو الحمل عليه، أو التصديق، أو التكذيب، كما لو قال: إن كلمتك أو: إن لم أخبرك، أو: إن لم يكن هذا الخبر صحيحًا، أو: إن كان كذبًا، فعليَّ الحج أو العتق، فهذا النذر خارج مخرج اليمين للحث على فعل شيء، أو المنع منه، ولم يقصد به النذر ولا القربة، فهذا يخير فيه بين فعل ما نذره أو كفارة يمين، لقوله ﷺ : «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (٢).
٤ - نذر المباح: كما لو نذر أن يلبس ثوبه أو يركب دابته، ويخير بين فعله وبين كفارة يمين إن لم يفعله؛ واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه لا شيء عليه في نذر المباح؛ لما روى
стр. 4050
الإمام البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: بينما النبي ﷺ يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه؟ فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم، فقال: «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» (١).
٥ - نذر المعصية: كنذر شرب الخمر، وصوم أيام الحيض ويوم النحر، فلا يجوز الوفاء بهذا النذر؛ لقول النبي ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ، فَلَا يَعْصِهِ» (٢).
فدل هذا الحديث على أنه لا يجوز الوفاء بنذر المعصية؛ لأن المعصية لا تُباح في حال من الأحوال.
ومن نذر المعصية: النذر للقبور أو لأهل القبور، وهو شرك أكبر، ويُكفر عن هذا النذر كفارة يمين عند بعض أهل العلم، وهو مروي عن ابن مسعود وابن عباس وعمران بن حصين وسمرة بن جندب ﵃.
واستدل أصحاب القول الأول بالحديث الذي رواه ابن الجارود في المنتقى والبيهقي من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ النَّذْرَ نَذْرَانِ: فَمَا كَانَ لِلَّهِ فَكَفَّارَتُهُ الْوَفَاءُ
стр. 4051
بِهِ، وَمَا كَانَ لِلشَّيْطَانِ فَلَا وَفَاءَ لَهُ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (١).
وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم انعقاد نذر المعصية، وأنه لا يلزمه به كفارة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: «ومن أسرج قبرًا أو مقبرة أو جبلًا أو شجرة أو نذر لها أو لسكانها أو المضافين إلى ذلك المكان؛ لم يجز، ولا يجوز الوفاء به إجماعًا، ويُصرف في المصالح ما لم يُعلم ربُّه ... انتهى» (٢)(٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4052
الكلمة الثلاثون
الأيمان وأقسامها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
الأيمان لغة: جمع يمين وهو الحلف أو القسم، وسمي الحلف يمينًا لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم بيمينه على يمين صاحبه.
وشرعًا: توكيد الشيء المحلوف عليه بذكر اسم الله أو صفة من صفاته.
وتنقسم اليمين من حيث انعقادها وعدم انعقادها إلى ثلاثة أقسام:
١ - اليمين اللغو: وهو الحلف من غير قصد يمين بل يجري على لسان الشخص وهو لا يشعر كقوله: «لا والله، وبلى والله» وهو لا يريد بذلك يمينًا، ولا يقصد قسمًا، فهذا يعد لغوًا، أو يحلف على شيء يظن صدقه فيظهر خلافه، لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ [البقرة: ٢٢٥]. قالت عائشة ﵂:
стр. 4053
«أنزلت هذه الآية في قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وكلا والله» (١). وهذه اليمين لا كفارة فيها، ولا مؤاخذة، ولا إثم على صاحبها.
٢ - اليمين المنعقدة: وهي اليمين التي يقصدها الحالف ويصمم عليها، وتكون على المستقبل من الأفعال، وتكون على أمر ممكن، فهذه يمين منعقدة مقصودة، فتجب فيها عند الحنث كفارة، لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
٣ - اليمين الغموس: وهي اليمين الكاذبة التي تهضم الحقوق، أو التي يقصد بها الغش والخيانة، فصاحبها يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب، وهي كبيرة من الكبائر، ولا تنعقد هذه اليمين ولا كفارة فيها؛ لأنها أعظم من أن تكفر، ولأنها يمين غير منعقدة، فلا توجب الكفارة كاللغو، ويجب التوبة منها، ورد الحقوق إلى أصحابها إذا ترتب عليها ضياع حقوق، وسميت هذه اليمين غموسًا لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في نار جهنم عياذًا بالله، ودليل حرمتها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ
стр. 4054
سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤)﴾ [النحل: ٩٤]، ولحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ» (١).
كفارة اليمين:
«شرع الله لعباده كفارة اليمين التي يكون بها تحلة اليمين والخروج منها، وذلك رحمة بهم، قال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وقال ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِهَا، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» (٢). وهذه الكفارة تجب على الشخص إذا حنث في يمينه ولم يوف بموجبها.
وكفارة اليمين فيها تخيير وترتيب، فيخير من لزمته بين إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من الطعام، أو كسوة عشرة مساكين لكل واحد ثوب يجزئه في الصلاة، أو عتق رقبة مؤمنة سليمه من العيوب، فمن لم يجد شيئًا من هذه الثلاثة المذكورة صام ثلاثة أيام، لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ
стр. 4055
عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩]. فجمعت كفارة اليمين بين التخيير والترتيب، تخيير بين الإطعام والكسوة والعتق، وترتيب بين هذه الثلاثة وبين الصيام.
وهنا يغلط كثير من العوام، فيظنون أنهم مخيرون بين الصيام وبين بقية خصال الكفارة، فيصومون مع قدرتهم على الإطعام أو الكسوة، والصيام في هذه الحالة لا يجزئهم ولا يبرئ ذمتهم من كفارة اليمين، لأنه لا يجزئ إلا عند العجز عن الإطعام أو الكسوة أو العتق، فيجب التنبيه والتنبه لمثل هذا الأمر.
ويجوز تقديم الكفارة على الحنث، ويجوز تأخيرها عنه، فإن قدمها كانت محلِّلة لليمين، وإن أخَّرها كانت مكفرة له، والدليل ما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» (١)، ولأبي داود:
стр. 4056
«فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» (١). فدل هذا الحديث على جواز تقديم الكفارة على الحنث، ودلت الأحاديث على جواز التقديم والتأخير» (٢).
شروط وجوب كفارة اليمين:
لا تجب الكفارة في اليمين إذا نقضها الحالف، ولم يف بموجبها إلا بشروط ثلاثة، وهي:
الشرط الأول: أن تكون اليمين منعقدة، بأن يقصد الحالف عقدها على أمر مستقبل كما مضى بيان ذلك، ولا تنعقد اليمين إلا بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. فدل ذلك على أن الكفارة لا تجب إلا في اليمين المنعقدة، أما من سبق اليمين على لسانه بلا قصد فلا تنعقد يمينه، ولا كفارة عليه.
الشرط الثاني: أن يحلف مختارًا، فمن حلف مكرهًا لم تنعقد يمينه ولا كفارة عليه فيها؛ لقوله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ
стр. 4057
تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عليه» (١).
الشرط الثالث: أن يحنث في يمينه، بأن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله، ذاكرًا ليمينه مختارًا، أما إذا حنث في يمينه ناسيًا أو مكرهًا، فلا كفارة عليه للحديث المتقدم.
الاستثناء في اليمين:
من حلف فقال في يمينه: «إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، فلا حنث عليه ولا كفارة إذا نقض يمينه، لقوله ﷺ : «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَمْ يَحْنَثْ» (٢).
نقض اليمين والحنث فيها:
الأصل أن يفي الحالف باليمين، لكن قد ينقضه لمصلحة، أو ضرورة، وقد شرع له كفارة ذلك - كما سبق - ويمكن تقسيم نقض اليمين، والحنث فيها بحسب المحلوف عليه، على النحو التالي:
стр. 4058
١ - أن يكون نقض اليمين واجبًا: وذلك إذا حلف على ترك واجب، كمن حلف أن لا يصل رحمه، أو حلف على فعل محرم، كأن يحلف ليشربن خمرًا؛ فهنا يجب عليه نقض يمينه، وتلزمه الكفارة؛ لأنه حلف على معصية.
٢ - أن يكون نقض اليمين حرامًا: كما لو حلف على فعل واجب، أو ترك محرم، وجب عليه الوفاء، ويحرم عليه نقض اليمين؛ لأن حلفه في هذه الحالة تأكيد لما كلف الله به عباده.
٣ - أن يكون نقض اليمين مباحًا: وذلك إذا حلف على فعل مباح أو تركه.
صور لبعض الأيمان الجائزة والممنوعة:
إن اليمين الجائزة هي التي يحلف فيها باسم الله، أو بصفة من صفاته، كأن يقول: «والله، أو وجه الله، أو عظمته وكبريائه؛ لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أدرك عمر ابن الخطاب ﵁ وهو يسير في ركب يحلف بأبيه، فقال: «أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» (١)، ولحديث ابن عمر ﵄ قال: كانت يمين النبي ﷺ : «لَا. وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ» (٢). وكذلك لو قال: أقسم بالله
стр. 4059
لأفعلن كذا، فهو يمين إن نواها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨].
ومن الأيمان الممنوعة:
١ - الحلف بغير الله تعالى: كقوله: «وحياتك، والأمانة ... لحديث عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» (١).
٢ - الحلف بأنه يهودي أو نصراني، أو أنه بريء من الله أو من رسول الله ﷺ إن فعل كذا ففعله: لحديث بريدة عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا» (٢).
٣ - الحلف بالآباء والطاغوت: لحديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي وَلَا بِآبَائِكُمْ» (٣).
стр. 4060
مسائل في الأيمان:
وإن كرر الأيمان قبل التكفير على فعل واحد، موجبها واحد، ثم حنث فيها فعليه كفارة واحدة، وكذا لو حلف يمينًا واحدة على عدة أشياء، كما لو قال: «والله لا آكل ولا أشرب ولا ألبس، ثم حنث في واحدة من هذه الأشياء، فعليه كفارة واحدة، وانحلت البقية لأنها يمين واحدة، أما إذا حلف عدة أيمان على عدة أفعال، ثم حنث فيها فعليه كفارة لكل يمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «من كرر أيمانًا قبل التكفير فروايات -ثالثها - وهو الصحيح إن كانت على فعل، فكفارة وإلا فكفارات». أ هـ (١)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إذا حلف على إنسان قاصدًا إكرامه؛ لا يحنث مطلقًا؛ إلا إذا كان قاصدًا إلزامه، فإنه يحنث .. انتهى» (٢).
«تنبيه:
يقول الله تعالى بعدما ذكر كفارة اليمين: ﴿وَاحْفَظُوا
стр. 4061
أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. فأمر سبحانه بحفظ الأيمان، ومعناه: عدم المسارعة إلى اليمين، أو المسارعة إلى الحنث فيها، أو أنها لا تترك بدون كفارة، وعلى كل، ففي الآية الكريمة الأمر باحترام اليمين، وعدم الاستهانة بها.
ومما يجب التنبيه عليه أن بعض الناس إذا حلف؛ يحتال على مخالفة اليمين، ويظن أنه بهذه الحيلة يسلم من تبعة اليمين.
وقد نبه الإمام ابن القيم ﵀ على ذلك بقوله: «ومن الحيل الباطلة: لو حلف لا يأكل هذا الرغيف، أو لا يسكن في الدار هذه السنة، أو لا يأكل هذا الطعام؛ قالوا: يأكل الرغيف ويدع منه لقمة واحدة، ويسكن السنة كلها إلا يومًا واحدًا، ويأكل الطعام كله إلا القدر اليسير منه ولو أنه لقمة!! وهذه حيلة باطلة باردة، ومتى فعل ذلك؛ فقد أتى بحقيقة الحنث؛ وفعل نفس ما حلف عليه، ثم يلزم هذا المتحيل أنه يجوز للمكلف كل ما نهى الشارع عن جملته، فيفعله إلا القدر اليسير منه؛ فإن البر والحنث في الأيمان نظير الطاعة والمعصية في الأمر والنهي، ولذلك لا يبرأ إلا بفعل المحلوف عليه جميعه لا بفعل بعضه كما لا يكن مطيعًا إلا بفعله جميعه، ويحنث بفعل بعضه كما يعصي بفعل بعضه» (١).
стр. 4062
ومن الناس من يحلف على عدم فعل شيء، ثم يوكل من يفعله بدلًا عنه! وهذا من الحيل التي لا تُبرئ ذمته من تبعة اليمين؛ إلا إذا كان قاصدًا عدم مباشرة فعل الشيء بنفسه؛ فله ما نوى.
وعلى كل حال، فشأن الأيمان شأن عظيم، لا يجوز التساهل به، ولا الاحتيال للتخلص من حكمه (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4063
الكلمة الواحدة والثلاثون
حقوق العمال والتحذير من ظلمهم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فمن الذنوب العظيمة التي حرمها الله على عباده، ورتب عليها العقوبة في الدنيا والعذاب في الآخرة، الظلم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢].
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ: يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (١)، وفي الصحيحين من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ
стр. 4064
ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... » (١).
ومن أنواع الظلم: ظلم العمال الذي سيكون حديثنا في هذا اليوم، وله صور كثيرة، منها تكليفهم بالعمل فوق الساعات التي تم الاتفاق عليها، أو تكليفهم من العمل ما لا يطيقون في أي مهنة كانت، أو تأخير رواتبهم والمماطلة في ذلك، أو عدم صرفها لهم.
ومنها محاولة بخس حقوقهم، وذلك أن يكتب الكفيل عقدًا بينه وبين العامل، ثم إذا حضر العامل حاول التخلص من هذا العقد ليجعل مرتبه أقل مما اتفق عليه، فيضطر هذا المسكين الذي بذل قصارى جهده ليصل إلى العمل أن يرضخ تحت هذا الضغط السيئ، وهذا من الظلم الذي حرمه الله على العباد.
وإن من الأمانة، الوفاء بالعقود، فعلى كل من العامل وصاحب العمل أن يفيا بما تعاقدا عليه والتزما به ما دام ذلك موافقًا للشريعة الإسلامية، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨].
فرب العمل يلتزم بالأجرة، ونوع العمل ومقداره وزمنه، حسب ما تم الاتفاق عليه، والعامل يلتزم بالقيام بما وُكل إليه
стр. 4065
على أحسن وجه، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» (١).
وروى البخاري ومسلم من حديث المعرور بن سويد قال: لقيت أبا ذر ﵁ بالربذة وعليه حلة، وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك فقال: إني ساببت رجلًا فعيرته بأمه، فقال لي النبي ﷺ : «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (٢).
وتقصير صاحب العمل لا يسوغ للعامل أن يخل بأمانة العمل، أو يسرق، أو يهرب، قال النبي ﷺ : «إِنّ اللَّهَ تَعَالى يُحِبّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» (٣).
وينبغي للمؤمن أن يتحلل من مظالم الآخرين قبل يوم القيامة، حيث لا درهم ولا دينار، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ