أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. فأمر سبحانه بحفظ الأيمان، ومعناه: عدم المسارعة إلى اليمين، أو المسارعة إلى الحنث فيها، أو أنها لا تترك بدون كفارة، وعلى كل، ففي الآية الكريمة الأمر باحترام اليمين، وعدم الاستهانة بها.
ومما يجب التنبيه عليه أن بعض الناس إذا حلف؛ يحتال على مخالفة اليمين، ويظن أنه بهذه الحيلة يسلم من تبعة اليمين.
وقد نبه الإمام ابن القيم ﵀ على ذلك بقوله: «ومن الحيل الباطلة: لو حلف لا يأكل هذا الرغيف، أو لا يسكن في الدار هذه السنة، أو لا يأكل هذا الطعام؛ قالوا: يأكل الرغيف ويدع منه لقمة واحدة، ويسكن السنة كلها إلا يومًا واحدًا، ويأكل الطعام كله إلا القدر اليسير منه ولو أنه لقمة!! وهذه حيلة باطلة باردة، ومتى فعل ذلك؛ فقد أتى بحقيقة الحنث؛ وفعل نفس ما حلف عليه، ثم يلزم هذا المتحيل أنه يجوز للمكلف كل ما نهى الشارع عن جملته، فيفعله إلا القدر اليسير منه؛ فإن البر والحنث في الأيمان نظير الطاعة والمعصية في الأمر والنهي، ولذلك لا يبرأ إلا بفعل المحلوف عليه جميعه لا بفعل بعضه كما لا يكن مطيعًا إلا بفعله جميعه، ويحنث بفعل بعضه كما يعصي بفعل بعضه» (١).
стр. 4062
ومن الناس من يحلف على عدم فعل شيء، ثم يوكل من يفعله بدلًا عنه! وهذا من الحيل التي لا تُبرئ ذمته من تبعة اليمين؛ إلا إذا كان قاصدًا عدم مباشرة فعل الشيء بنفسه؛ فله ما نوى.
وعلى كل حال، فشأن الأيمان شأن عظيم، لا يجوز التساهل به، ولا الاحتيال للتخلص من حكمه (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4063
الكلمة الواحدة والثلاثون
حقوق العمال والتحذير من ظلمهم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فمن الذنوب العظيمة التي حرمها الله على عباده، ورتب عليها العقوبة في الدنيا والعذاب في الآخرة، الظلم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢].
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ: يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (١)، وفي الصحيحين من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ
стр. 4064
ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... » (١).
ومن أنواع الظلم: ظلم العمال الذي سيكون حديثنا في هذا اليوم، وله صور كثيرة، منها تكليفهم بالعمل فوق الساعات التي تم الاتفاق عليها، أو تكليفهم من العمل ما لا يطيقون في أي مهنة كانت، أو تأخير رواتبهم والمماطلة في ذلك، أو عدم صرفها لهم.
ومنها محاولة بخس حقوقهم، وذلك أن يكتب الكفيل عقدًا بينه وبين العامل، ثم إذا حضر العامل حاول التخلص من هذا العقد ليجعل مرتبه أقل مما اتفق عليه، فيضطر هذا المسكين الذي بذل قصارى جهده ليصل إلى العمل أن يرضخ تحت هذا الضغط السيئ، وهذا من الظلم الذي حرمه الله على العباد.
وإن من الأمانة، الوفاء بالعقود، فعلى كل من العامل وصاحب العمل أن يفيا بما تعاقدا عليه والتزما به ما دام ذلك موافقًا للشريعة الإسلامية، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨].
فرب العمل يلتزم بالأجرة، ونوع العمل ومقداره وزمنه، حسب ما تم الاتفاق عليه، والعامل يلتزم بالقيام بما وُكل إليه
стр. 4065
على أحسن وجه، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» (١).
وروى البخاري ومسلم من حديث المعرور بن سويد قال: لقيت أبا ذر ﵁ بالربذة وعليه حلة، وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك فقال: إني ساببت رجلًا فعيرته بأمه، فقال لي النبي ﷺ : «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (٢).
وتقصير صاحب العمل لا يسوغ للعامل أن يخل بأمانة العمل، أو يسرق، أو يهرب، قال النبي ﷺ : «إِنّ اللَّهَ تَعَالى يُحِبّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» (٣).
وينبغي للمؤمن أن يتحلل من مظالم الآخرين قبل يوم القيامة، حيث لا درهم ولا دينار، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ
стр. 4066
كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» (١).
لقد حث النبي ﷺ على حسن التعامل مع الأجراء والعمال والتلطف معهم وعدم إيذائهم بأي حال من الأحوال، فروى مسلم في صحيحه من حديث أبي مسعود البدري ﵁ قال: كنت أضرب غلامًا لي بالسوط، فسمعت صوتًا من خلفي: «اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ»، فلم أفهم الصوت من الغضب، قال: فلما دنا مني إذا هو رسول الله ﷺ ، فإذا هو يقول: «اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ»، قَالَ: فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي، فَقَالَ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُوْدٍ؛ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الغُلَامِ». فَقُلْتُ: لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا (٢). وفي رواية لمسلم: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَقَالَ: «أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ»، أَوْ «لَمَسَّتْكَ النَّارُ» (٣).
وروى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى
الكلمة الثانية والثلاثون
القتل الخطأ وأحكامه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
عرف الفقهاء ﵏ الجنايات بأنها: جمع جناية، وهي لغة التعدي على بدن أو مال أو عرض.
وقد عقد الفقهاء للنوع الأول منها، وهو التعدي على البدن كتاب الجنايات، وعقدوا للنوع الثاني والثالث - وهما التعدي على المال والعرض - كتاب الحدود.
والتعدي على البدن هو ما يوجب قصاصًا، أو مالًا، أو كفارة، ومن ذلك قتل الخطأ.
وقد عرفه الفقهاء وهو: أن يفعل ما له فعله مثل أن يرمي صيدًا، أو هدفًا فيصيب آدميًّا معصومًا لم يقصده فيقتله، أو يقتل مسلمًا في صف كفار.
أنواع قتل الخطأ:
١ - الخطأ في الفعل: وهو أن يفعل ما يجوز له فعله، فيصيب
стр. 4069
آدميًّا معصومًا لم يقصده، كأن يرمي صيدًا فيصيب إنسانًا فيقتله، أو ينقلب وهو نائم على إنسان فيموت.
٢ - الخطأ في القصد: كأن يرمي ما يظنه مباحًا فيتبين آدميًّا، كما لو رمى شيئًا يظنه صيدًا، فتبين آدميًّا معصومًا.
٣ - أن يكون القاتل عمدًا صغيرًا أو مجنونًا: فعمد الصبي والمجنون يجري مجرى الخطأ، لأنه ليس لهما قصد. ويلحق بقتل الخطأ القتل بالتسبب، كما لو حفر بئرًا أو حفرة في طريق، فتلف بسبب ذلك إنسان.
يترتب على قتل الخطأ حكمان:
١ - يتعلق بحقوق الآدميين، وهو وجوب الدية على عاقلة القاتل، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]. والدليل على وجوب دية قتل الخطأ على عاقلة القاتل حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط وهي حبلى فقتلتها، قال: وإحداهما لحيانية، فجعل رسول الله ﷺ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ، وَغُرَّةً لِمَا فِي بَطْنِهَا. (١) الحديث.
стр. 4070
فدل الحديث على أن دية الخطأ على العاقلة، وقد أجمعوا على ذلك، والحكمة في ذلك - والله أعلم - أن إيجاب الدية في مال المخطئ فيه ضرر عظيم من غير ذنب تعمده، والخطأ يكثر وقوعه، ففي تحميله ضمان خطئه إجحاف بماله، ولا بد من إيجاب بدل للمقتول؛ لأنه نفس محترمة، وفي إهدار دمه إضرار بورثته، لا سيما عائلته، فالشارع الحكيم أوجب على من عليه موالاة القاتل ونصرته أن يعينوه على ذلك، وذلك كإيجاب النفقات، وفكاك الأسير، ولأن العاقلة يرثون المعقول عنه لو مات في الجملة، فهم يتحملون عنه جناية الخطأ من قبل الغنم بالمغرم.
ولا يدخل في العاقلة: الرقيق، والفقير، والصغير، والمجنون، والأنثى، والمخالف لدين الجاني؛ لأن هؤلاء ليسوا من أهل النصرة والمواساة، وتؤجل دية الخطأ على العاقلة ثلاث سنين، ويجتهد الحاكم في تحميل كل منهم ما يستطيع، ويبدأ بالأقرب فالأقرب، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «لا تؤجل الدية على العاقلة إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك» (١).
٢ - يتعلق بحق الخالق : وهي الكفارة:
- عتق رقبة مؤمنة: وهذا إذا كان يستطيع العتق، ويشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة سليمة من العيوب، لقوله تعالى: ﴿وَمَا
стр. 4071
كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. وحمل القاتل الكفارة لأمور: أولًا: احترام النفس الذاهبة، ثانيًا: لكون القتل لا يخلو من تفريطه، ثالثًا: نظرًا لأن القاتل لا يحمل شيئًا من الدية وتحملها العاقلة، فكان في جعل الدية على العاقلة والكفارة على القاتل عدة حِكَم ومصالح، فسبحان الحكيم العليم الذي شرع للناس ما يصلحهم وينصحهم في دينهم ودنياهم. فإن لم يتمكن من العتق؛ لفقره، أو لعدم وجود الرقيق، فإنه ينتقل إلى:
- صوم شهرين متتابعين إن كان يستطيع، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢]. فإن عجز عن الصوم لمرض أو كبر سن، فإن الكفارة متعلقة بذمته، ولا يجزئ عنها الإطعام؛ لأن الله تعالى لم يذكره، والإبدال في الكفارة يتوقف على النص ولا نص في ذلك. وهذا الذي رجحه جمهور أهل العلم في المملكة العربية السعودية وتفتي به اللجنة الدائمة (١)(٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4072
الكلمة الثالثة والثلاثون
مقتطفات من سيرة الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ -
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة، وبطل من أبطالها، صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ ، نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر، إنه الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، أبو محمد، الإمام السيد، سبط رسول الله ﷺ وريحانته من الدنيا، وسيد شباب أهل الجنة، وأشبه خلق الله به في وجهه، ولد للنصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، فحنكه رسول الله ﷺ بريقه، وسماه حسنًا، وهو أكبر ولد أبويه، وقد كان رسول الله ﷺ يحبه حبًّا شديدًا، وكان يعتنقه ويلاعبه، وربما جاء ورسول الله ﷺ ساجد في الصلاة فيركب على ظهره فيقره على ذلك، ويطيل السجود من أجله، وربما صعد معه إلى المنبر (١).
стр. 4073
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يَخْطُبُنَا، فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ﵄ عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمِنْبَرِ، فَحَمَلَهُمَا فَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، نَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا» (١).
وروى البخاري في صحيحه من حديث عقبة بن الحارث: أن أبا بكر صلى بهم العصر بعد وفاة رسول الله ﷺ بليال، ثم خرج هو وعلي يمشيان، فرأى الحسن يلعب مع الغلمان، فاحتمله على عنقه، فجعل يقول: بأبي شبيهٌ بالنبي ﷺ لا شبيهٌ بعلي، قال: وعليٌّ يضحك (٢).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سوق من أسواق المدينة، فانصرف فانصرفت، فقال: «أَيْنَ لُكَعُ - ثَلَاثًا - ادْعُ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ»، فقام الحسن بن علي يمشي وفي عنقه السخاب (٣)، فقال النبي ﷺ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَقَالَ الحَسَنُ بِيَدِهِ هَكَذَا،
стр. 4074
فَالْتَزَمَهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ» (١).
قال أبو هريرة ﵁: «فما كان أحد أحب إلي من الحسن بن علي بعدما قال رسول الله ﷺ ما قال».
وروى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ وسأله عن المحرم قال شعبة أحسبه يقتل الذباب؟ فقال أهل العراق يسألون عن الذباب، وقد قتلوا ابن ابنة رسول الله ﷺ ، وقال النبي ﷺ : «هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنْ الدُّنْيَا» (٢).
قال ابن حجر ﵀: «شبههما بذلك؛ لأن الولد يشم ويقبل (٣)، وفي رواية الطبراني في المعجم الكبير من طريق أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ والحسن والحسين يلعبان بين يديه وفي حجره، فقلت: أتحبهما يا رسول الله؟ قال: «وَكَيْفَ لا أُحِبُّهُمَا وَهُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا أَشُمُّهُمَا»» (٤).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ
стр. 4075
سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (١).
وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى قال: «سمعت الحسن يقول: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولِّي حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية - وكان والله خير الرجلين -:أي عمرو! إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس، من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فاعرضا عليه وقولا له، واطلبا إليه، فأتياه فدخلا عليه، فتكلما وقالا له فطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئًا إلا قالا: نحن لك به، فصالحه، فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ» (٢). فلما ولي
стр. 4076
لم يُهرق في خلافته محجمة من دم. قال ابن كثير ﵀: «الحسن ابن علي أحد الخلفاء الراشدين، والدليل على ذلك الحديث الذي أوردناه في دلائل النبوة من طرق عن سفينة ﵁ مولى رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ قال: «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا» (١).
وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي ﵄، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله ﷺ ، فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من أكبر دلائل النبوة.
وقد مدحه رسول الله ﷺ على صنيعة هذا، وهو تركه الدنيا الفانية، ورغبته في الآخرة الباقية، وحقنه دماء هذه الأمة، فنزل عن الخلافة وجعل الملك بيد معاوية، حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد» (٢). أ. هـ
وكان أبو بكر الصديق ﵁ يجل الحسن ويعظمه، ويكرمه، ويحبه، ويتفداه، وكذلك عمر بن الخطاب، ولذلك لما تولى عمر الخلافة وعمل الديوان فرض للحسن والحسين من أهل بدر في خمسة آلاف، وكذلك كان عثمان بن عفان يكرم الحسن والحسين ويحبهما، وقد كان الحسن بن علي يوم الدار مع
стр. 4077
عثمان بن عفان وهو محصور في بيته ومعه السيف متقلدًا به يجاحف عن عثمان، فخشي عثمان عليه، فأقسم عليه ليرجعن إلى منزلهم تطييبًا لقلب علي، وخوفًا عليهم ﵃.
وكان علي يكرم ابنه الحسن إكرامًا زائدًا، ويعظمه ويجله، وقد قال له يومًا: يا بني، ألا تخطب حتى أسمعك، فقال: إني أستحي أن أخطب وأنا أراك، فذهب علي فجلس حيث لا يراه الحسن، ثم قام الحسن في الناس خطيبًا، وعلي يسمع، فأدى خطبة بليغة فصيحة، فلما انصرف جعل علي يقول: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٤].
وقد كان ابن عباس ﵄ يأخذ الركاب للحسن والحسين إذا ركبا، ويرى هذا من نعم الله عليه، وكانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطمونهما مما يزدحمون عليهما للسلام عليهما ﵄ وأرضاهما.
وكان ابن الزبير يقول: «والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن علي».
ومن أقواله ﵁ أنه قال لبنيه وبني أخيه: «تعلموا فإنكم صغار قوم اليوم، وتكونون كبارهم غدًا، فمن لم يحفظ منكم فليكتب» (١).
стр. 4078
ولما قيل له أن الشيعة تزعم أن عليًّا مبعوث قبل يوم القيامة، قال: كذبوا والله! ما هؤلاء بالشيعة، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه ولا اقتسمنا ماله، ولما تنازل عن الخلافة لمعاوية ابن أبي سفيان، قال له أصحابه: يا عار المؤمنين، فقال: العار خير من النار، وقال له آخر: يا مذل المؤمنين، فقال: لا ولكن كرهت أن أقتلكم على الملك.
قال أبو عمر ابن عبد البر: «وروينا من وجوه أن الحسن لما احتضر قال للحسين: يا أخي! إن أباك لما قُبض رسول الله ﷺ استشرف لهذا الأمر، فصرفه الله عنه، فلما احتضر أبو بكر تشرف أيضًا لها، فصُرفت عنه إلى عمر، فلما احتضر عمر، جعلها شورى - أبي أحدهم - فلم يشك أنها لا تعدوه، فصُرفت عنه إلى عثمان، فلما قُتل عثمان بويع، ثم نوزع حتى جرد السيف، وطلبها فما صفا له شيء منها، وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا - أهل البيت - النبوة والخلافة، فلا أعرفن ما استخفك سفهاء أهل الكوفة فأخرجوك، وقد كنت طلبت إلى عائشة أن أُدفن في حجرتها، فقالت: نعم، وإني لا أدري لعل ذلك كان منها حياءً، فإذا ما مت، فاطلب ذلك إليها، وما أظن القوم إلا سيمنعونك، فإن فعلوا، فادفني في البقيع، فلما مات قالت عائشة: نعم وكرامة، فبلغ ذلك مروان، فقال: كذب وكذبت، والله لا يُدفن هناك أبدًا؛ منعوا عثمان من دفنه في المقبرة، ويريدون دفن حسن في بيت
стр. 4079
عائشة، فلبس الحسين ومن معه السلاح، واستلأم مروان أيضًا في الحديد، ثم قام في إطفاء الفتنة أبو هريرة» (١).
قال الذهبي: «أعاذنا الله من الفتن، ورضي عن جميع الصحابة، فترض عنهم يا شيعي تُفلح، ولا تدخل بينهم، فالله حكم عدل، يفعل فيهم سابق علمه، ورحمته وسعت كل شيء، وهو القائل: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» (٢).
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فنسأل الله أن يعفو عنا، وأن يثبتنا بالقول الثابت آمين.
فبنو الحسن هم: الحسن، وزيد، وطلحة، والقاسم، وأبو بكر، وعبد الله، فقُتلوا بكربلاء مع عمهم الشهيد، وعمرو، وعبد الرحمن، والحسين، ومحمد، ويعقوب، وإسماعيل، فهؤلاء الذكور من أولاد السيد الحسن، ولم يُعقب منهم سوى الرجلين الأولين، الحسن وزيد، فلحسن خمسة أولاد أعقبوا، ولزيد ابن وهو الحسن بن زيد، فلا عقب له إلا منه، ولي إمرة المدينة، وهو والد الست نفيسة، والقاسم، وإسماعيل، وعبد الله، وإبراهيم، وزيد، وإسحاق، وعلي ﵃» (٣).
стр. 4080
ويقال إنه مات مسمومًا، وساق ابن سعد بسنده إلى عمير ابن إسحاق قال: «دخلت أنا وصاحب لي على الحسن بن علي فقال: لقد لفظت طائفة من كبدي، وإني قد سقيت السم مرارًا فلم أُسق مثل هذا، فأتاه الحسين بن علي فسأله من سقاه، فأبى أن يخبره» (١).
قال أبو نعيم: لما اشتد بالحسن بن علي الوجع جزع، فدخل عليه رجل فقال له: يا أبا محمد ما هذا الجزع؟ ما هو إلا أن تفارق روحك جسدك حتى تقدم على أبويك علي وفاطمة، وعلى جديك النبي ﷺ وخديجة، وعلى أعمامك حمزة وجعفر، وعلى أخوالك القاسم والطيب والمطهر وإبراهيم، وعلى خالاتك رقية وأم كلثوم وزينب. قال: فسرى عنه. وفى رواية أن القائل له ذلك الحسين، وأن الحسن قال له: يا أخي، إنى أدخل فى أمر من أمر الله لم أدخل فى مثله، وأرى خلقًا من خلق الله لم أر مثله قط. قال: فبكى الحسين ﵄.
وقد اجتمع الناس لجنازته، حتى ما كان البقيع يسع أحدًا من الزحام.
قال ابن علية عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: «توفي
стр. 4081
الحسن وهو ابن سبع وأربعين، وكذا قال غير واحد.
قال ابن كثير ﵀: وهو أصح، والمشهور أنه مات سنة تسع وأربعين - كما ذكرنا- وقال آخرون: مات سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين أو ثمان وخمسين».
رضي الله عن الحسن وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4082
الكلمة الرابعة والثلاثون
مقتطفات من سيرة فاطمة بنت محمد بن عبد الله ﷺ -
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فهذه سيرة سيدة نساء العالمين، فاطمة الزهراء بنت إمام المتقين رسول الله محمد بن عبد الله بن عبدالمطلب بن هاشم، القرشية الهاشمية، صلى الله على أبيها وآله وسلم ورضي عنها، كانت تُكنى أم أبيها، وتُلقب الزهراء، وهي أم الحسنين، قال عبدالرزاق عن ابن جريج: قال لي غير واحد: كانت فاطمة أصغر بنات النبي ﷺ ، وأحبهن إليه، قال ابن عبدالبر: اختلفوا في أيتهن أصغر، والذي يسكن إليه اليقين أن أكبرهن زينب، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، واختلفوا في سن مولدها، قال العباس: ولدت فاطمة والكعبة تُبنى، والنبي ﷺ ابن خمس وثلاثين سنة، وبهذا جزم المدائني، وقال بعضهم: كان مولدها قبل البعثة بقليل نحو سنة أو أكثر، وهي أسن من عائشة بنحو خمس سنين، وانقطع نسل رسول الله ﷺ إلا من فاطمة.
стр. 4083
وتزوجها ابن عمها علي بن أبي طالب ﵁ في السنة الثانية بعد غزوة بدر في ذي القعدة أو قبله، ولها يومئذ ثماني عشرة سنة، وقال ابن عبدالبر: دخل بها بعد وقعة أُحد، فولدت له الحسن والحسين ومحسنًا وأم كلثوم وزينب.
وقد كان النبي ﷺ يحبها ويكرمها ويسير إليها، ومناقبها غزيرة. وكانت صابرة دينة خيرة حيية قانعة شاكرة لله، وكان النبي ﷺ يغضب لها، وهي بضعة منه، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث المسور بن مخرمة ﵁ قال: إن عليًّا خطب بنت أبي جهل، فسمعت بذلك فاطمة، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح ابنة أبي جهل، فقام رسول الله ﷺ فسمعته حين تشهد يقول: «أَمَّا بَعْدُ أَنْكَحْتُ أَبَا العَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَحَدَّثَنِي وَصَدَقَنِي، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسُوءَهَا» (١). وفي رواية: «وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا» (٢)، فترك علي الخطبة رعاية لها، فما تزوج عليها ولا تسرى، فلما توفيت تزوج وتسرى ﵃.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن أبي نجيح
стр. 4084
عن أبيه عن رجل سمع عليًّا ﵁ يقول: أَرَدْتُ أَنْ أَخْطُبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنَتَهُ، فَقُلْتُ: مَا لِي مِنْ شَيْءٍ فَكَيْفَ؟ ثُمَّ ذَكَرْتُ صِلَتَهُ وَعَائِدَتَهُ، فَخَطَبْتُهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ شَيْءٍ؟» قُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَأَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ (١)
الَّتِي أَعْطَيْتُكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا؟» قَالَ: هِيَ عِنْدِي. قَالَ: «فَأَعْطِنِيهَا»، قَالَ: فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهُ (٢).
وروى الطبراني في معجمه الكبير من حديث بريدة ﵁ أن عليًّا ﵁ لما خطب فاطمة ﵂ قال له النبي ﷺ ليلة العرس: «لَا تُحْدِثْ شَيْئًا حَتَّى تَلْقَانِي»، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ ثُمَّ أَفْرَغَهُ عَلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: «اللهُمَّ بَارِكْ فِيهِمَا، وَبَارِكْ لَهُمَا فِي بِنَائِهِمَا» (٣).
وكانت فاطمة أشبه الناس برسول الله ﷺ في هديه وسمته، فروى أبو داود في سننه من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًّا - وَقَالَ الْحَسَنُ: حَدِيثًا، وَكَلَامًا، وَلَمْ يَذْكُرِ الْحَسَنُ السَّمْتَ، وَالْهَدْيَ، وَالدَّلَّ - بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فَاطِمَةَ ﵂، كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَبَّلَهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ
стр. 4085
إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ إِلَيْهِ، فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقَبَّلَتْهُ، وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ (٢)،
مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: «﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب: (٣٣)]» (٣). وفي رواية لمسلم: ولما نزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ دعا رسول الله ﷺ عليًّا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فقال: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهلِي» (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولما بين سبحانه أنه يريد أن يذهب الرجس عن أهل بيته ويطهرهم تطهيرًا، دعا النبي ﷺ لأقرب أهل بيته وأعظمهم اختصاصًا به وهم علي وفاطمة وسيدا شباب أهل الجنة، جمع الله لهم بين أن قضى لهم بالتطهير، وبين أن قضى لهم بكمال دعاء النبي ﷺ ، فكان
стр. 4086
في ذلك ما دلنا على أن إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم نعمة من الله يسبغها عليهم ورحمة من الله وفضل لم يبلغوها بمجرد حولهم وقوتهم» (١).
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث علي ﵁: أن رسول الله ﷺ لما زوجه فاطمة بعث معه بخميلة ووسادة من أدمٍ حشوها ليف، ورحيين وسقاء وجرتين، فقال علي لفاطمة ذات يوم: والله لقد سنوت حتى قد اشتكيت صدري، قال: وقد جاء الله أباك بسبيٍ، فاذهبي فاستخدميه، فقالت: وأنا والله قد طحنت حتى مجلت يداي، فأتت النبي ﷺ فقال: ما جاء بك أي بُنية؟ قالت: جئت لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله ورجعت، فقال: ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله، فأتيناه جميعًا، فقال علي: يا رسول الله، والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة: قد طحنت حتى مجلت يداي، وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخدمنا، فقال رسول الله ﷺ : «وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكُمَا وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ تَطْوَى بُطُونُهُمْ لَا أَجِدُ مَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنِّي أَبِيعُهُمْ وَأُنْفِقُ عَلَيْهِمْ أَثْمَانَهُمْ». فرجعا، فأتاهما النبي ﷺ وقد دخلا في قطيفتهما، إذا غطت رؤوسهما تكشفت أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما تكشفت رؤوسهما، فثارا، فقال: «عَلَى مَكَانِكُمَا»، ثم قال: «أَلَا أُخْبِرُكُمَا بِخَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَانِي؟»
стр. 4087
قَالَا: بَلَى، فَقَالَ: «كَلِمَاتٌ عَلَّمَنِيهِنَّ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ: تُسَبِّحَانِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَتَحْمَدَانِ عَشْرًا، وَتُكَبِّرَانِ عَشْرًا، وَإِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا - فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ». قال: فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله ﷺ ، قال: فقال له ابن الكواء: ولا ليلة صفين؟ فقال: قاتلكم الله يا أهل العراق، نعم، ولا ليلة صفين (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ﵄ قال: خط رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط، قال: «تَدْرُونَ مَا هَذَا؟» فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ : «أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ، وَمَرْيَمُ بْنَتُ عِمْرَانَ» (٢).
وكانت فاطمة تخدم في بيت زوجها كغيرها من النساء ويصيبها التعب في ذلك، وقَالَ النَّبِيُ ﷺ لَهَا فِي مَرَضِهِ: «إِنِّي مَقْبُوْضٌ فِي مَرَضِي هَذَا»، فَبَكَتْ. وَأَخْبَرَهَا أَنَّهَا أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوْقًا بِهِ، وَأَنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ. فَضَحِكَتْ، وَكَتَمَتْ ذَلِكَ.
стр. 4088
روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: اجتمع نساء النبي ﷺ فلم يغادر منهن امرأة، فجاءت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول الله ﷺ ، فقال: «مَرْحَبًا بِابْنَتِي» فَأَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ فَاطِمَةُ، ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّهَا فَضَحِكَتْ أَيْضًا، فقلت لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ ، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزن، فقلت لها حين بكت: أخصك رسول الله ﷺ بحديثه دوننا ثم تبكين؟ وسألتها عما قال، فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ ، حتى إذا قُبض سألتها، فقالت: إنه كان حدثني: «أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ بِهِ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي، وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ»، فَبَكَيْتُ لِذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّنِي، فَقَالَ: «أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟» فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ (١). وفي سنن الترمذي من حديث حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ هَذَا مَلَكٌ لَمْ يَنْزِلْ الْأَرْضَ قَطُّ قَبْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيَّ، وَيُبَشِّرَنِي بِأَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ الْحَسَنَ
стр. 4089
وَالْحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (١).
ولما توفي النبي ﷺ حزنت عليه وبكته، وقال: يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ، مَنْ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ. فَلَمَّا دُفِنَ، قَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: يَا أَنَسُ! أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ التُّرَابَ (٢).
ولما توفي أبوها تعلقت آمالها لميراث والدها، وجاءت تطلب ذلك من أبي بكر الصديق ﵁، فحدثها أنه سمع من النبي ﷺ يقول: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» (٣). فوجدت عليه، ثم تعللت (٤).
قال الشعبي ﵀: لما مرضت فاطمة أتى أبو بكر فاستأذن، فقال علي: يا فاطمة! هذا أبو بكر يستأذن عليك، فقالت: أتحب أن آذن له، قال: نعم، قال الذهبي ﵀: عملت السنة ﵂، فلم تأذن في بيت زوجها إلا بأمره، قال: فأذنت له فدخل عليها يترضاها، وقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة
стр. 4090
إلا ابتغاء مرضاة الله ورسوله، ومرضاتكم أهل البيت، قال: ثم ترضاها حتى رضيت (١).
قالت عائشة ﵂: «عاشت فاطمة بعد النبي ﷺ ستة أشهر، ودفنت ليلًا» (٢).
قال الواقدي ﵀: «هذا أثبت الأقاويل عندنا، قال: وصلى عليها العباس، ونزل في حفرتها هو وعلي والفضل، قال سعيد ابن عفير: ماتت ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة وهي بنت سبع وعشرين، قال الذهبي: وقيل أربعًا أو خمسًا وعشرين، وهو الأصح» (٣).
стр. 4091
رضي الله عن فاطمة، وجزاها عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4092
الكلمة الخامسة والثلاثون
شرح حديث سيد الاستغفار
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فقد روى البخاري في صحيحه من حديث شداد بن أوس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ». قَالَ: «وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ». (١) هذا الحديث شرحه ابن تيمية ﵀ ضمن مجموعة من رسائله، فقال: في قوله ﵇: «سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ العَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».
قد اشتمل هذا الحديث من المعارف الجليلة ما استحق لأجلها
стр. 4093
أن يكون سيد الاستغفار، فإنه صدَّرَه باعترافِ العبدِ بربوبية الله، ثم ثنَّاها بتوحيد الإلهية بقوله: «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ». ثمَّ ذكر اعترافَه بأن الله هو الذي خلقَه وأوجدَه ولم يكن شيئًا، فهو حقيقٌ بأن يتولَّى تمامَ الإحسان إليه بمغفرةِ ذنوبه، كما ابتدأ الإحسانَ إليه بخلقه.
ثمَّ قال: «وَأَنَا عَبْدُكَ»، اعترفَ له بالعبودية، فإنّ الله تعالى خلقَ ابنَ آدم لنفسه ولعبادتِه، كما جاء في بعض الآثار: «يقول اللَّهُ تعالى: ابنَ آدم! خلَقتك لنفسي، وخلقتُ كل شيء لأجلِك، فبحقي عليك لا تشتغلْ بما خَلقتُه لك عما خلقتك له».
وفي أثرٍ آخر: «ابنَ آدمَ! خلقتك لعبادتي فلا تلعبْ، وتكفَّلتُ لك برزقِك فلا تَتْعَبْ. ابنَ آدم! اطلُبني تجدْني، فإن وَجدتَني وَجدتَ كل شيء، وإن فُتُّكَ فَاتَكَ كل شيء، وأنا أحبُّ إليك من كل شيء» (١).
فالعبد إذا خَرَج عما خلقه الله له من طاعتِه ومعرفتِه ومحبتِه والإنابةِ إليه والتوكُلِ عليه، فقد أبقَ من سيِّدِه، فإذا تاب إليه ورَجَع إليه فقد راجعَ ما يُحِبه الله منه، فيفرح الله بهذه المراجعة. ولهذا قال ﷺ يُخبِر عن الله: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ وَاجِدِ رَاحِلَتَهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ بَعْدَ يَأْسِهِ مِنْهَا فِي الأَرْضِ المُهْلِكَةِ» (٢)، وهو سبحانَه هو الذي وفَّقه لها، وهو
стр. 4094
الذي ردَّها إليه. وهذا غاية ما يكون من الفضل والإحسان، وحقيقٌ بمن هذا شأنُه أن لا يكون شيءٌ أحبَّ إلى العبدِ منه.
ثمَّ قال: «وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ»، فالله عَهِد إلى عبادِه عهدًا أمرهم فيه ونهاهم، ووعدهم على وفائهم بعهده أن يثيبَهم بأعلى المثوبات، فالعبد يسير بين قيامه بعهد الله إليه وتصديقِه بوعدِه. أي أنا مقيم على عهدِك مُصدِّقٌ بوعدِك.
وهذا المعنى قد ذكره النبي ﷺ كقوله: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١). والفعل إيمانًا هو العهد الذي عَهِدَه إلى عبادِه، والاحتساب هو رجاؤه ثوابَ الله له على ذلك، وهذا لا يَليقُ إلاّ مع التصديق بوعده. وقوله «إيمانًا واحتسابًا» منصوبٌ على المفعول له، إنما يَحمِلُه على ذلك إيمانُه بأن الله شرعَ ذلك وأوجبَه ورَضِيَه وأمر به، واحتسابُه ثوابَه عند الله، أي يفعله خالصًا يرجو ثوابَه.
وقوله: «مَا اسْتَطَعْتُ» أي إنما أقومُ بذلك بحسب استطاعتي، لا بحسب ما ينبغي لك وتستحقه علي. وفيه دليل على إثباتِ قوة العبد واستطاعتِه، وأنه غيرُ مجبورٍ على ذلك، بل له استطاعةٌ هي مناطُ الأمر والنهي والثواب والعقاب. ففيه رد على القدرية المجبِّرة الذين يقولون: إن العبد لا قدرةَ له ولا استطاعة، ولا فعلَ له البتَّة، وإنما يعاقبه الله على فعلِه هو، لا على فعل العبد.
стр. 4095
وفيه ردٌ على طوائف المجوسية وغيرهم.
ثمَّ قال ﷺ : «أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ»، فاستعاذتُه بالله الالتجاءُ إليه والتحصُّن به والهروب إليه من المستعاذ منه، كما يَتحصَّن الهاربُ من العدوّ بالحصن الذي ينجيه منه. وفيه إثبات فعلِ العبدِ وكسْبه، وأنّ الشرَّ مضافٌ إلى فعلِه هو، لا إلى ربِّه، فقال: «أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ». فالشرُّ إنما هو من العبد، وأما الربُّ فله الأسماء الحسنى، وكلُّ أوصافِه صفاتُ كمال، وكلُّ أفعالِه حكمة ومصلحة. ويؤيّد هذا قولُه ﵇: «والشرُّ ليس إليك» في الحديث الذي رواه مسلم في دعاء الاستفتاح. (١)
ثمَّ قال ﷺ : «أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ» أي أعترفُ بأمر كذا، أي أُقِرُّ به، أي فأنا معترفٌ لك بإنعامك عليَّ، وإني أنا المذنب، فمنك الإحسانُ ومني الإساءةُ. فأنا أحمدك على نعمك، وأنتَ أهلٌ لأن تُحمَد، وأستغفرك لذنوبي.
لهذا قال بعض العارفين: ينبغي للعبد أن تكون أنفاسُه كلُّها نفسَيْن: نفسًا يَحمد فيه ربَّه، ونفسًا يستغفره من ذَنْبه. ومن هذا حكاية الحسن مع الشابّ الذي كان يجلس في المسجدَ وحدَه ولا يجلس إليه، فمرّ به يومًا فقال: ما بالك لا
стр. 4096
تجالسنا؟ فقال: إني أُصبِح بين نعمةٍ من الله تستوجب عليَّ حمدًا؛ وبين ذنب مني يستوجب استغفارًا، فأنا مشغول بحمده واستغفاره عن مجالستِك. فقال: أنتَ أفقهُ عندي من الحسن.
ومتى شَهِدَ العبدُ هذين الأمرين استقامتْ له العبودية، وتَرقَّى في درجاتِ المعرفةِ والإيمان، وتصاغرتْ إليه نفسُه، وتواضَعَ لربِّه. وهذا هو كمالُ العبودية، وبه يَبرأُ من العُجْب والكِبْر وزينةِ العمل (١).
من فوائد الحديث:
١ - من أسباب القبول أن يبدأ العبد بتعظيم الله وتوحيده، ففي هذا الحديث: «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ»، وفي قوله ﷺ في هذا الحديث: «فَاغْفِرْ لِي؛ فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ» معنًى جامعًا مع قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ
стр. 4097
مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران: ١٣٢ - ١٣٦].
٢ - وردت صيغ متعددة وألفاظ نبوية شريفة للاستغفار، وهذا الحديث الذي معنا هو سيدها، فينبغي الحرص عليه والإكثار منه.
٣ - ينبغي للعبد أن يعترف بذنوبه وتقصيره بينه وبين ربه، فذلك من أسباب رحمة الله وتوبته عليه.
٤ - فضل الاستغفار والمداومة عليه لقوله ﷺ : «مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ».
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4098
الكلمة السادسة والثلاثون:
السعادة والفلاح في فهم مقاصد النكاح: رقم (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فإن بناء المجتمع المسلم لا يتم إلا ببناء الأسرة، والأصل في بناء الأسرة المسلمة الصالحة هما الزوجان؛ فهما اللبنتان اللتان تؤسس عليهما الأسر. وإن مما يحزن المسلم وخاصة في هذا الزمن ما يشاهد من تفكك في الأسر وهدم في كثير من البيوت، حتى أصبح ظاهرة كثرت لها الشكوى وعمت بها البلوى، ووجب على المصلحين معالجتها والتخفيف من مفاسدها، ولكن كيف ذلك؟
إننا نأمل أن نوفق في هذه الرسالة بالمساهمة في علاج هذه الظاهرة وذلك ببيان مقاصد النكاح التي يجب على الزوجين فهمها، وعلى الوالدين بل على المجتمع كله؛ فنقول وبالله نستعين:
«مقاصد النكاح»:
مقاصد النكاح التي يريدها غالب البشر ثلاثة، وهي: الذرية، والخدمة، والمتعة.
стр. 4099
وقبل أن نبدأ في شرح هذه المقاصد نجيب على هذا السؤال الذي يورده البعض باختصار، يقول: إنكم تحثون على الزواج، وتذكرون له فضائل وثمرات طيبة، فلما تزوجنا وجدنا مشاق، وحقوق، وواجبات، ومسئوليات، تذوب فيها تلك المتع! ونقول: إن هذا سؤال وجيه، والجواب: أن هذا يرجع إلى اختلاف الهمم لدى الرجال والنساء، فكما يوجد التفاوت بين الرجال كذلك يوجد بين النساء، فمنهم من يرى سعادته في التخلي عن المسئوليات وترك النهوض بالواجبات.
على حد قول الشاعر:
دَعِ الْمَكَارِمَ لَا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا ... وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي
ومنهم من يرى السعادة في القيام بهذه الحقوق وتحمل هذه المسئوليات والنهوض بتلك الأحمال، ويجد في ذلك سعادته ومتعته لعلو همته وسمو نفسه.
قال الشاعر:
لَوْلَا المَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كُلُّهُمُ ... الجُودُ يُفْقِرُ وَالإِقْدَامُ قَتَّالُ
وإلى بيان هذه المقاصد وفقنا الله وإياكم لفهمها والعمل بها.
المقصد الأول (الذرية):
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾
стр. 4100
[سورة الرعد، آية رقم: ٣٨]، روى أبو داود في سننه من حديث معقل بن يسار ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ» (١).
فالذرية مطلب صحيح وله منافع دنيوية وأُخروية، قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة الكهف، آية رقم: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾ [سورة ص، آية رقم: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ [سورة الصافات، آية رقم: ١٠١]، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (٢).
وهو المقصد مشترك بين الزوجين على حد سواء، ومنافعه عائدة للزوجين كليهما.
وعليه فيجب على الزوجين أن يعلما أن كل واحد منهما له فضل على الآخر في إيجاد الذرية، ولا يحل لأي واحد منهما أن يرى له فضلًا في ذلك ليس للآخر، وبفهم هذه الحقيقة يحصل التعاون بينهما لحمل هذه المسئولية، ومن ثم يخف القيام