تجالسنا؟ فقال: إني أُصبِح بين نعمةٍ من الله تستوجب عليَّ حمدًا؛ وبين ذنب مني يستوجب استغفارًا، فأنا مشغول بحمده واستغفاره عن مجالستِك. فقال: أنتَ أفقهُ عندي من الحسن.
ومتى شَهِدَ العبدُ هذين الأمرين استقامتْ له العبودية، وتَرقَّى في درجاتِ المعرفةِ والإيمان، وتصاغرتْ إليه نفسُه، وتواضَعَ لربِّه. وهذا هو كمالُ العبودية، وبه يَبرأُ من العُجْب والكِبْر وزينةِ العمل (١).
من فوائد الحديث:
١ - من أسباب القبول أن يبدأ العبد بتعظيم الله وتوحيده، ففي هذا الحديث: «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ»، وفي قوله ﷺ في هذا الحديث: «فَاغْفِرْ لِي؛ فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ» معنًى جامعًا مع قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ
стр. 4097
مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران: ١٣٢ - ١٣٦].
٢ - وردت صيغ متعددة وألفاظ نبوية شريفة للاستغفار، وهذا الحديث الذي معنا هو سيدها، فينبغي الحرص عليه والإكثار منه.
٣ - ينبغي للعبد أن يعترف بذنوبه وتقصيره بينه وبين ربه، فذلك من أسباب رحمة الله وتوبته عليه.
٤ - فضل الاستغفار والمداومة عليه لقوله ﷺ : «مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ».
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4098
الكلمة السادسة والثلاثون:
السعادة والفلاح في فهم مقاصد النكاح: رقم (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فإن بناء المجتمع المسلم لا يتم إلا ببناء الأسرة، والأصل في بناء الأسرة المسلمة الصالحة هما الزوجان؛ فهما اللبنتان اللتان تؤسس عليهما الأسر. وإن مما يحزن المسلم وخاصة في هذا الزمن ما يشاهد من تفكك في الأسر وهدم في كثير من البيوت، حتى أصبح ظاهرة كثرت لها الشكوى وعمت بها البلوى، ووجب على المصلحين معالجتها والتخفيف من مفاسدها، ولكن كيف ذلك؟
إننا نأمل أن نوفق في هذه الرسالة بالمساهمة في علاج هذه الظاهرة وذلك ببيان مقاصد النكاح التي يجب على الزوجين فهمها، وعلى الوالدين بل على المجتمع كله؛ فنقول وبالله نستعين:
«مقاصد النكاح»:
مقاصد النكاح التي يريدها غالب البشر ثلاثة، وهي: الذرية، والخدمة، والمتعة.
стр. 4099
وقبل أن نبدأ في شرح هذه المقاصد نجيب على هذا السؤال الذي يورده البعض باختصار، يقول: إنكم تحثون على الزواج، وتذكرون له فضائل وثمرات طيبة، فلما تزوجنا وجدنا مشاق، وحقوق، وواجبات، ومسئوليات، تذوب فيها تلك المتع! ونقول: إن هذا سؤال وجيه، والجواب: أن هذا يرجع إلى اختلاف الهمم لدى الرجال والنساء، فكما يوجد التفاوت بين الرجال كذلك يوجد بين النساء، فمنهم من يرى سعادته في التخلي عن المسئوليات وترك النهوض بالواجبات.
على حد قول الشاعر:
دَعِ الْمَكَارِمَ لَا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا ... وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي
ومنهم من يرى السعادة في القيام بهذه الحقوق وتحمل هذه المسئوليات والنهوض بتلك الأحمال، ويجد في ذلك سعادته ومتعته لعلو همته وسمو نفسه.
قال الشاعر:
لَوْلَا المَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كُلُّهُمُ ... الجُودُ يُفْقِرُ وَالإِقْدَامُ قَتَّالُ
وإلى بيان هذه المقاصد وفقنا الله وإياكم لفهمها والعمل بها.
المقصد الأول (الذرية):
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾
стр. 4100
[سورة الرعد، آية رقم: ٣٨]، روى أبو داود في سننه من حديث معقل بن يسار ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ» (١).
فالذرية مطلب صحيح وله منافع دنيوية وأُخروية، قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة الكهف، آية رقم: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾ [سورة ص، آية رقم: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ [سورة الصافات، آية رقم: ١٠١]، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (٢).
وهو المقصد مشترك بين الزوجين على حد سواء، ومنافعه عائدة للزوجين كليهما.
وعليه فيجب على الزوجين أن يعلما أن كل واحد منهما له فضل على الآخر في إيجاد الذرية، ولا يحل لأي واحد منهما أن يرى له فضلًا في ذلك ليس للآخر، وبفهم هذه الحقيقة يحصل التعاون بينهما لحمل هذه المسئولية، ومن ثم يخف القيام
стр. 4101
بهذا الحمل الثقيل لتعاون الزوجين. وذلك بعكس ما لو تخلى أحدهما فإن الآخر سيقوم بحمله وحمل غيره، فيثقل عليه ذلك وربما عجز عنه فيقع الضرر ويحدث الفساد الذي نشاهد آثاره تزداد يومًا بعد يوم. وهذه الحقيقة هي التي فهمتها الصحابية الجليلة خولة بنت ثعلبة ﵂ لما ظاهر منها زوجها وجاءت تشتكي إلى النبي ﷺ فقالت: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ لِي مِنْهُ أَوْلَادًا؛ إِنْ ضُمَمْتُهُم إِلَيَّ جَاعُوا، وِإِنْ ضَمَّهُم إِلَيْهِ ضَاعُوا ... (١).
ففهمت ﵂ أن تربية الأولاد والقيام عليهم لا يتم إلا بتعاون الزوجين، وأنها بدون ذلك - لفراق أو شقاق - يقع الضرر على الأولاد بالجوع والضياع. فإذا كان هذا في الزمن الأول الصالح، فكيف بنا اليوم؟! وقد أنزل الله تعالى في خولة وشكواها قرآنًا يُتلى، قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ [سورة المجادلة، آية رقم: ١].
المقصد الثاني: (الخدمة):
من مقاصد الرجل بالنكاح أن يتزوج امرأة تخدمه - والكلام
стр. 4102
على الغالب والحالات الخاصة لها أحكامها- سواء داخل المنزل أو خارجه مثل صنع الطعام، وترتيب المنزل، وغسل الثياب، والاحتطاب، وسقي الماء، والعناية بالبهائم، وغير ذلك مما يختلف فيه مجتمع عن آخر.
- في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ عندما سأل رسول اللَّه ﷺ بريرة مولاة لعائشة فقال: «أَيْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟» قَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ (١) عَلَيْهَا، أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ (٢) فَتَأْكُلُهُ (٣).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِزَيْدٍ: «فَاذْكُرْهَا عَلَيَّ»، قَالَ: فَانْطَلَقَ زَيْدٌ حَتَّى أَتَاهَا وَهِيَ تُخَمِّرُ عَجِينَهَا، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهَا عَظُمَتْ فِي صَدْرِي (٤).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلَا مَمْلُوكٍ
стр. 4103
وَلَا شَيْءٍ، غَيْرَ فَرَسِهِ، قَالَتْ: فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ، وَأَكْفِيهِ مَئُونَتَهُ وَأَسُوسُهُ وَأَدُقُّ النَّوَى لِنَاضِحِهِ، وَأَعْلِفُهُ، وَأَسْتَقِي الْمَاءَ وَأَخْرُِزُ غَرْبَهُ وَأَعْجِنُ، وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ، وَكَانَ يَخْبِزُ لِي جَارَاتٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ، قَالَتْ: وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَأْسِي، وَهِيَ عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ. قَالَتْ: فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي، فَلَقِيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَعَانِي، ثُمَّ قَالَ: «إِخْ إِخْ» لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ، قَالَتْ: فَاسْتَحْيَيْتُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ، فَقَالَ: واللهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى عَلَى رَأْسِكِ أَشَدُّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ، قَالَتْ: حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ فَكَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ، فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَتْنِي (١).
وفي صحيح البخاري من حديث علي ﵁: أن فاطمة اشتكت ما تلقى من الرحى مما تطحن فبلغها أن رسول الله ﷺ أُتي بسبي فأتته تسأله خادمًا فلم توافقه، فذكرت لعائشة فجاء النبي ﷺ فذكرت ذلك عائشة له، فأتانا وقد دخلنا مضاجعنا فذهبنا لنقوم فقال: «عَلَى مَكَانِكُمُا» حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: «أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَاهُ؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَكَبِّرَا اللَّهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمَا مِمَّا سَأَلْتُمَاهُ» (٢).
стр. 4104
فإن قيل: فما يقابل ذلك من الزوج، فالجواب: أن الزوج عليه النفقة فهو يكد ويكدح من أجل تحصيلها، قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [سورة الطلاق، آية رقم: ٧]، وقال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [سورة الطلاق، آية رقم: ٦]، وقال ﷺ : «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» (١).
وروى أبو داود في سننه من حديث معاوية بن حيدة ﵁ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قال ﷺ : «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ .. » الحديث (٢).
وروى البخاري ومسلم من حديث سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال له: « ... ولَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بها وجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ» (٣).
ويلحق بذلك توفير الأمن للزوجة بجميع أنواعه؛ الأمن المنزلي، الأمن المعيشي، الأمن النفسي وغير ذلك. فهي مسئوليته
стр. 4105
وحده لكونه رجلًا، فكل واحد منهما خادم للآخر، غير أن موقع الزوجة أعز وأشرف من موقع الزوج في كثير من الحالات، فإن الزوج قد يخدم من لا يحبه ولا يكرمه بل يهينه ويذله بعكس المرأة، فعلى النساء أن يتفطن لذلك ويقدرنه قدره.
ومعرفة هذه الحقيقة والعمل بها عن قناعة ورضا تدفع كل واحد منهما أن يقوم بما يجب عليه دون تذمر أو شعور بالجور أو الظلم، لعلم كل منهما أنه كما عليه واجب يلزمه القيام به فإن الآخر كذلك عليه واجب مثل الذي عليه وإن اختلفت الأنواع. فما يجب على أحدهما هو حق للآخر، وبالتالي ينقطع الإدلال والتمنن الذي يكون سببًا لتشتت الأسر وتفرقها، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ٢٢٨].
المقصد الثالث: (المتعة)
وهو أوسع هذه المقاصد وأكثرها نفعًا إذا أُحسن القيام به وأشدها ضررًا إذا أُهمل، وليس المقصود بالمتعة الفراش فقط بل هو أعم من ذلك، إذ يشمل جميع مناحي الحياة. وهو مطلوب من الزوجين كليهما مع شيء من الاختلاف في بعض ما يجب على كل واحد منهما، حسب ما تقتضيه طبيعة كل واحد منهما.
إن الزوجين حين يعيشان كنفس واحدة يفرح أحدهما لفرح
стр. 4106
الآخر ويحزن لحزنه ويهتم لهمه ويسعى كل واحد منهما لمتعة الآخر، حينها تُضمن لهما الحياة السعيدة الهانئة ولكن ليُعلم أنه لا يستقيم لهما ذلك إلا بعقد العزم على الحفاظ على هذا الرباط الوثيق بينهما حتى يلتقيا في جنات النعيم (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4107
الكلمة السابعة والثلاثون:
السعادة والفلاح في فهم مقاصد النكاح: رقم (٢)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فإن المقصد الثالث من مقاصد النكاح بمعناه الأعم هو أوسع هذه المقاصد وأكثرها نفعًا إذا أُحسن القيام به وأشدها ضررًا إذا أُهمل.
ومن آثاره أنه يخدم المقاصد الأخرى إيجابًا وسلبًا وهو مطلوب من الزوجين جميعًا غير أن الزوجة به أولى وعليه أقدر لما جبلها الله عليه من التراكيب الأنثوية الجذابة، والاشعارات الحلوة الجميلة.
بهذا نفهم قوله ﷺ فيما رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» (١).
وسنورد فيما يأتي بعض الآيات القرآنية والأحاديث
стр. 4108
النبوية الشريفة المشتملة على تطبيق هذا المقصد لتكون عونًا على فهمه.
وليعلم أننا في هذا الفصل لا نريد منه بيان الحقوق والواجبات وإنما نريد إيضاح مجالات إمتاع كل من الزوجين للآخر فيما يخص الأخلاق الجميلة والآداب الرفيعة وأنه شامل لجميع مناحي الحياة. فمن الآيات والأحاديث المشتملة على ذلك:
١ - قول الله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ١٨٧]، من وسائل إسعاد كل واحد من الزوجين للآخر أن يكون لباساً له يستره ويقيه ويتجمل به ويأتي مزيد تفصيل لذلك.
٢ - قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [سورة الروم، آية رقم: ٢١]، فمن أعظم المتع التي يحصل عليها الزوج أن تكون زوجته بمثابة السكن الذي يأوي إليه ويهنأ به وسيأتي مزيد تفصيل لذلك.
٣ - قول الله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [سورة النساء، آية رقم: ٣٤]، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث سعد ﵁ أن النبي ﷺ لما سئل عن المرأة الصالحة قال: «الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ
стр. 4109
فِيمَا يكْرَهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ» (١). أن القلق والهم الذي يصيب الزوج بسبب الشكوك والوساوس حال غيابه عن زوجته وماله تزول بالمرأة الصالحة العفيفة الشريفة ويحل محلها الطمأنينة والراحة.
٤ - قول الله تعالى حاكيًا عن نبي الله موسى وهو يخاطب أهله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾ [سورة القصص، آية: ٢٩].
من الأمور التي تظهر فيها مكانة الزوجة عند زوجها أن يجعلها تشاركه في بعض أموره العامة، فإنها بذلك تشعر بالتقدير والاحترام وأنها ليست من سقط المتاع، فهذا موسى ﵇ يقول لزوجته: سآتيكم منها بخبر، ولم يقل: هذه الأمور تخص الرجال لا شأن لها به، فلينتبه الأزواج إلى ذلك.
٥ - من أعظم المتع التي تنالها الزوجة أن تجد من زوجها الشكر والثناء والاعتراف بالجميل لقاء ما تقوم به من تبعل وحسن معشر، وهؤلاء، ولذلك أزواج رسول الله ﷺ و- ﵁ -ن لما خيرن بين الدنيا والآخرة فاخترن الله ورسوله
стр. 4110
كانت مكافأتهن ما أخبر به بقوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [سورة الأحزاب، آية رقم: ٥٢].
٦ - من أفضل وأحسن ما يهنأ به الزوج أن تكون زوجته غاضة لبصرها فإنها إذا كانت كذلك فهي لما سواه أحفظ، قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [سورة النور، آية رقم: ٣١]، فقد وصف الله نساء أهل الجنة فقال: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [سورة الرحمن، آية رقم: ٥٦]، كذلك فإن الزوجة تجد السعادة والراحة حين ترى زوجها حافظًا لبصره امتثالًا لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [سورة النور، آية رقم: ٣٠]، لعلمها أنه إذا حفظ بصره فإنه لما سواه أحفظ.
٧ - من أعظم ما يتمتع به الزوجان أن يرى كل منهما في الآخر هذا الخلق الجميل الذي هو شعبة من الإيمان وهو خلق الحياء، فإن الحياء إذا وجد لا يرقى معه شيء من الأخلاق الذميمة والصفات السقيمة، ولذلك قال ﷺ : «الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ» (١).
وفي التنزيل المبارك يقص علينا ربنا قصة البنتين الصالحتين، فقد ذكر أعظم ما تحليا به وهو الحياء
стр. 4111
الذي منعهما من مخالطة الرجال مع شدة الحاجة إلى سقي غنمهما، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ [سورة القصص، الآيتان: ٢٣ - ٢٤].
٨ - إن مما يجمل المرأة ويرفع منزلتها في عيون الناس - ولاسيما الزوج- أن يكون الحياء حاكمًا على جميع تصرفاتها وحركاتها وسكناتها حتى في مشيها، وقد ذكر الله ذلك عن المرأة الصالحة بنت الرجل الصالح على سبيل الثناء والمدح، فقال تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [سورة القصص، آية رقم: ٢٥].
٩ - من أعظم النعم على الرجل أن يرزقه الله زوجة عاقلة حصيفة شديدة الملاحظة لما فيه الخير، عارفة بالفضائل ومحاسن الصفات، قال الله تعالى عن المرأة الصالحة بنت الرجل الصالح: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [سورة القصص، آية رقم: ٢٦].
١٠ - قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ [سورة
стр. 4112
الأحزاب، آية رقم: ٣٢].
من الأمور التي ترفع مكانة المرأة وتعلي منزلتها عند زوجها بل عند الناس جميعًا؛ أن تكون تصرفاتها قاطعة لأطماع أصحاب الهوى والفجور، فإذا اضطرت إلى الكلام مع الرجال كان كلامها غير رقيق ولا لين وأن تتجنب فيه الألفاظ والعبارات التي لا تنبغي إلا مع الأزواج ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾.
١١ - إن إدخال السرور على النفوس مما يسعى إليه كل أحد وهو من نعيم أهل الجنة، ولذلك ينبغي للزوجين إدخال السرور على بعضهما وهذه صفة المرأة الصالحة، فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ سُئِلَ: أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِيمَا يَكْرَهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ» (١).
١٢ - روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂: أنها كانت مع النبي ﷺ في سفر وهي جارية، فقال لأصحابه: «تَقَدَّمُوا»، فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَيْ أُسَابِقْكِ»، فَسَبَقْتُهُ، فَلَبِثْنَا حَتَّى إِذَا رَهِقَنِي اللَّحْمُ سَابَقَنِي فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: «هَذِهِ بِتِيكِ» (٢).
وَفَتَرَ الوَحْيُ (١).
فوقوفها مع النبي ﷺ وتثبيتها له وتبشيرها من أعظم مواقف امرأة مع زوجها، مع الإحاطة والعلم بأن هذا كله وقع قبل إسلامها، وقد كافأها رسول الله ﷺ بإظهار هذه المواقف النبيلة، فكان ﷺ يردد: «إِنَّهَا كَانَتْ، وَكَانَتْ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ» (٢)، و «إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا» (٣)، و «مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ» (٤).
وكان ﷺ بعد وفاتها? يذكر لها هذه الفضائل العظيمة حتى قالت عائشة ﵂: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة (٥).
وقد نالت? بحسن عشرتها ما لم ينله أحد، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ، أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ
стр. 4116
لَا صَخَبَ فِيهِ، وَلَا نَصَبَ (١).
والقصب لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف، والصخب اختلاط الأصوات، والنصب: التعب، قال السهيلي: وإنما بشرها ببيت في الجنة من قصب - يعني قصب اللؤلؤ - لأنها حازت قصب السبق إلى الإيمان، لا صخب فيه ولا نصب، لأنها لم ترفع صوتها على النبي ﷺ ولم تتعبه يومًا من الدهر، فلم تصخب عليه يومًا ولا آذته أبدًا (٢).
هذه بعض مواقفها ? وأرضاها ختمنا بها هذه الكلمة والمسك خير ختام.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4117
الكلمة الثامنة والثلاثون:
السعادة والفلاح في فهم مقاصد النكاح رقم (٣)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. فاستكمالًا للحديث السابق.
١٦ - روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؟ أصابني الجهد، فبعث إلى نسائه، فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله ﷺ : «مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا» [هَذِهِ اللَّيْلَةَ ﵀]؟ فقال رجل من الأنصار: أنا [يَا رَسُولَ اللهِ!] فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ [لَا تَدَّخِرِيهِ شَيئًا] فقالت [وَاللهِ] ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك، إذا أرادوا عشاء [وَتَعَالَي فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ]. فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ فقال: «ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ - أَوْ عَجِبَ - مِنْ فَعَالِكُمَا»، فأنزل الله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ
стр. 4118
كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [سورة الحشر، آية رقم: ٩] (١).
لقد عظم الإسلام مكانة المرأة وأشاد بمواقفها النبيلة وأنزل فيها قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة. فتبًّا ثم تبًّا لمن يسعون إلى إظهار الإسلام بغير ذلك. ولبيان وجه إيراد هذه القصة تأمل الفقرات التالية:
(أ) هذا الضيف ليس ضيفًا كغيره بل ضيفًا مميزًا فهو ضيف رسول الله ﷺ .
(ب) هذا الصحابي الجليل ﵁ أخذ معه هذا الضيف إلى بيته ليقوم بضيافته لينال بذلك رضى الله تعالى ورضى رسول الله ﷺ ، ورجاء أن تصيبه دعوة الرسول ﷺ ، وليدخل السرور على نفسه فإنه من قوم يحبون إكرام الضيف.
(ج) أخبر امرأته أن هذا الضيف ضيفٌ مميزٌ لتشاركه في الأجر والفضل والحمد (٢).
стр. 4119
(د) لم يجد الأنصاري ﵁ في بيته من الطعام سوى ما يكفي لصبيته، وفي هذه الحالة البالغ فيها الحرج غايته وجد نفسه مضطرًا إلى من يعينه ويقف معه لينال هذه الفضائل وقد وجده، فيا ترى من يكون؟
(هـ) إنها زوجته الصالحة الكريمة العاقلة الذكية الصابرة الوفية.
(و) لو قالت لزوجها: قد اجتمع عليك حقان: حق الضيف وحق الأهل، وعليك أن تقدم أولاهما وهو هنا حق الأهل، لضاق صدره، وعظم حرجه. ولكنها ﵂ لم تقل ذلك لكرم نفسها وطيب معشرها.
(ز) من كرم نفسها وحسن عشرتها بيتت النية وعقدت العزم على أن تؤثر على نفسها فتبيت خميصة البطن في سبيل أن ينال زوجها تلك الفضائل والشرف العظيم ولتجمله عند رسول الله ﷺ وضيفه، فهي لم تقل: ما عندي إلا ما يكفيني بل تجاهلت نفسها وقالت: ما عندي إلا عشاء الصبية.
(ح) من ذكائها وخوفها ألا يكون تصرفها صحيحًا في تقديم حق الضيف على حق الصبية قالت ذلك لزوجها ليشتركا في القرار ولتحمل معه نتائجه، وكان بإمكانها أن تتهرب
стр. 4120
وتقول لزوجها: هذا الموجود أطعمه من شئت وتخلي مسؤوليتها، ولكنها ﵂ لم تفعل ذلك لكرم نفسها وحسن عشرتها، فأنعم بها وأكرم من قدوة صالحة.
(ط) من أعظم ما يواجه الشخص فقه الأولويات وتقديم الواجبات والحقوق بعضها على بعض عند التزاحم، وفي هذه القصة مثال يحتذى، والموفق من وفقه الله، ومن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين.
(ي) في هذه القصة كانت الفكرة النظرية مشتركة بين الزوجين إلا أن المنفذ لها والحامل لأعبائها ورافع رايتها هي الزوجة المباركة، فاستحقت بذلك تخليد ذكرها وأن يعجب ربها من صنيعها.
(ك) لم يقتصرا ﵄ في إكرام ضيف رسول الله ﷺ على تهيئة عشائه فقط بل زادا على ذلك إدخال السرور عليه، وذلك في إظهار أنه لم يلحقهما مشقة في إكرامه وأن ما قدماه له زائد عن حاجتهما، فأطفآ السراج وجعلا يوهمانه أنهما يأكلان.
هذا ما تيسر بيانه فيما يتعلق بموضوعنا، وفي القصة فوائد أخرى نذكر أظهرها على سبيل الاختصار:
في هذه القصة بيان مكانته ﷺ وعظيم منزلته عند ربه، فإن
стр. 4121
هذين الصحابيين لما قاما بضيافة ضيفه ﷺ وأديا عنه الحق الذي عليه خلد الله ذكرهما الحسن في آيات تتلى إلى يوم القيامة، فيا ترى كم تكون منزلة من قام بدعوته ونشر سنته وذب عن دينه؟!
وفيها: ما كان عليه ﷺ من ضيق العيش وقلة ذات اليد اختيارًا منه لذلك فإنه لو شاء لكان غير ذلك، ولكنه ﷺ آثر الباقية على الفانية والأخرى على الأولى، وفضل أن يكون عبدًا رسولًا.
وفيها: فضل أزواج الرسول ﷺ ، وعظيم صبرهن واختيارهن الله ورسوله على الحياة الدنيا وزينتها.
وفيها: أن من الواجبات والفروض ما هو فرض كفاية فإن حق هذا الضيف سقط عن النبي ﷺ بقيام هذين الصحابيين به.
وفيها: أن سؤال الرجل أن يقوم أحد إخوانه المسلمين بحق وجب عليه لا يستطيعه ليس من السؤال المذموم.
وفيها: أن إكرام الضيف لا يكون بإطعام الطعام فقط بل يشمل أمورًا أخرى من الترحيب به ومؤانسته بالحديث وغيرهما مما يختلف فيه الناس من مجتمع لآخر، قال الشاعر:
النَّارُ إِذَا شِبَّتْ فَنَصُّ الكَرَامَةِ
وَالنَّصُّ الآخَرُ مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُوتِ
стр. 4122
وفيها: أنه ينبغي أن يظهر المضيف لضيفه ما يجعل الضيف يطمئن أنه لم يشق عليه وإن كان الأمر بعكس ذلك.
وفيها: أن الإيثار من محاسن الأخلاق وفضائل الأعمال وهو مع الخصاصة أعظم وأجل.
وفيها: أن الشخص قد تسمو نفسه إلى اكتساب الفضائل ولكنه قد يحتاج في بعضها إلى المعين، فإذا وجده فليستمسك به ولا يفرط فيه فإن وجوده عزيز.
وفيها: أن إظهار المرء أفعالًا تخالف الواقع لا يعد من الكذب المذموم إذا كان ذلك لمصلحة تقتضيه.
وفيها: فضل الصبر وعظيم جزائه فصبرهم على الجوع مع قدرتهم على الشبع وصبرهم على الألم الذي يعتصر قلوبهم حين يرون صبيانهم يبيتون جياعًا بل هم الذين ينومونهم، وصبر الزوجة على زوجها الذي جلب لها كل هذه التكاليف وكل ذلك وهم لا يعلمون أن فعلهم هذا سيكون سببًا لتخليد ذكرهم في أحسن الكتب وعلى لسان خير الرسل، وما عند الله خير وأبقى.
وفيها: إثبات صفتين من صفات الله : التعجب والضحك.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4123
الكلمة التاسعة والثلاثون:
السعادة والفلاح في فهم مقاصد النكاح (٤)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: فنستكمل حديثنا السابق.
١٧ - من محاسن العشرة الزوجية أن يتبادل الزوجان الأحاديث المفيدة والقصص النافعة. فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة ﵂ قالت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلَّا اضْطَجَعَ (١).
١٨ - وهذه أم المؤمنين عائشة ﵂ تقص على رسول الله ﷺ خبرًا عجيبًا عن تقييم النساء لأزواجهن والرسول ﵊ يستمع لها ويعقب على حديثها، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، فَتَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لَا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا:
رَكِبَ شَرِيًّا (١)، وَأَخَذَ خَطِّيًّا (٢)، وَأَرَاحَ (*) عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا (٣)، وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا (٤)، قَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ وَمِيرِي أَهْلَكِ (٥)، فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِي مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ.
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ» (٦)(٧).
قال ابن حجر ﵀: «وكأنه ﷺ قال ذلك تطييبًا لها وطمأنينة لقلبها ودفعًا لإيهام عموم التشبيه بجملة أحوال أبي زرع إذ لم يكن فيه ما تذمه النساء سوى ذلك، وقد وقع الإفصاح بذلك، وأجابت هي عن ذلك جواب مثلها في فضلها وعلمها» (٨)، وفي
стр. 4131
رواية الطبراني أنه قال: «يَا عَائِشَةُ كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ، إِلَّا أَنَّ أَبَا زَرْعٍ طَلَّقَ، وَأَنَا لَا أُطَلِّقُ» (١).
وفي رواية أخرى: فقلت: «يَا رَسُولَ اللهِ أَنْتَ خَيْرٌ لِي مِنْ أَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ» (٢).
١٩ - مما يؤثر قولهم: وراء كل رجل عظيم امرأة، فهل هذا القول صحيح؟ وكيف يكون ذلك؟
الجواب: انظر إلى هذه القصة.
أعقل نساء العرب:
قال الحارث بن عوف يومًا لخارجة بن سنان المري: أتراني أخطب إلى أحد فيردني؟ فقال له: نعم! قال: من ذاك؟ قال: أوس بن حارثة بن لام الطائي، فقال الحارث لغلامه: ارحل بنا، ففعل، وركبا حتى أتيا أوس بن حارثة بن لام الطائي فوجداه في فناء منزله، فلما أن رأى الحارث بن عوف قال: مرحبًا بك يا حارث.
قال: وبك، قال: ما جاء بك؟ قال: جئتك خاطبًا، قال: لست
стр. 4132
هناك. فانصرف ولم يكلمه ودخل أوس على امرأته مغضبًا، وكانت من عبس، فقالت: من رجل واقف عليك فلم يطل، ولم تكلمه؟ قال: ذاك سيد العرب الحارث بن عوف. قالت: فما بالك لم تستنزله؟ قال: إنه استحمق! قالت: وكيف؟ قال: أتاني خاطبًا! قالت: أفتريد أن تزوج بناتك؟ قال: نعم، قالت: فإذا لم تزوج سيد العرب فمن؟ قال: قد كان ذلك، قالت: فتدارك ما كان منك. قال: بماذا؟ قالت: تلحقه فترده. قال: كيف وقد فرط مني؟ قالت: قل له: لقيتني مغضبًا بأمر لم تقدم فيه قولًا، فلم يكن عندي فيه من الجواب إلا ما سمعت، عد ولك عندي كل ما أحببت، فإنه سيفعل .. فركب في إثرهما. قال خارجة بن سنان: فواللَّه إني لأسير مع الحارث إذ حانت مني التفاته فرأيت أوسًا، فأقبلت على الحارث - وما يكلمني غمًّا - فقلت له: أوس بن حارثة في إثرنا. قال: وما نصنع به؟ امض. فلما رآنا لا نقف عليه، صاح: حارث، أربع علي ساعة، فكلمته بذلك الكلام، فرجع مسرورًا، ودخل أوس منزله، وقال لزوجته: ادعي لي فلانة - يقصد أكبر بناته -. فأتته. فقال: يا بنية، هذا الحارث ابن عوف سيد من سادات العرب، قد جاءني خاطبًا وقد أردت أن أزوجك منه، فما تقولين؟ قالت: لا تفعل؟ فإني امرأة في وجهي ردة - قبح -، وفي خُلقي بعض الحدة - العيب -، ولست بابنة عمه فيرعى رحمي، وليس بجارك في البلد فيستحي منك، ولا آمن أن يرى مني ما يكره فيطلقني.
стр. 4133
وقال مثل ذلك للوسطى فأجابت مثل الكبرى ... فنادى الصغرى فعرض عليها الأمر، فقالت: أنت وذاك. فقال: قد عرضت ذلك على أختيك فأبتاه، فقالت - ولم يذكر لها مقالتيهما-: لكني واللَّه الجميلة وجهًا، الصناع يدًا، الرفيعة خلقًا، الحسيبة أبًا، فإن طلقني فلا أخلف اللَّه عليه بخير. فقال: بارك اللَّه عليك. ثم خرج إلى الحارث فقال: زوجتك يا حارث ابنتي بهيسة بنت أوس. قال: قبلت.
فأمر أمها أن تهيئها، وتصلح من شأنها، ثم أمر ببيت فضرب لهما. ثم بعث بها إليه .. قال الراوي خارجة بن سنان: فلما أدخلت عليه بهيسة لبث هنيهة ثم خرج فقلت: أفرغت من شأنك؟ قال: لا واللَّه. قال خارجة بن سنان: كيف؟ قال: لما دخلت عليها قالت: مه، أعند أبي وإخوتي؟ هذا واللَّه ما لا يكون .. فأمر بالرواحل وارتحلوا .. ولما ساروا ما شاء اللَّه، قال الحارث لخارجة: تقدم، قال خارجة: فتقدمت ثم عدل الحارث بزوجته عن الطريق .. وما لبث أن لحق بي، فقلت: أفرغت؟ قال: لا واللَّه، قلت: ولم؟ قال: قالت لي: أكما يفعل بالأمة الجليبة أو السبية الأخيذة، لا واللَّه! حتى تنحر الجزر وتذبح الغنم، وتدعو العرب، وتعمل ما يعمل لمثلي. فقلت: واللَّه إني أرى همةً وعقلًا وأرجو أن تكون منجبة. وسكت الحارث، قال خارجة: فرحلنا حتى وصلنا ديارنا، فأحضر الإبل والغنم، ثم دخل عليها. وسرعان ما خرج علي، فقلت: أفرغت؟ قال: لا. قلت: ولم؟ قال: دخلت عليها فقالت: والله لقد
стр. 4134
ذكر لي من الشرف ما لا أراه فيك؟ قلت: وكيف؟ قالت: أتفرغ للنساء، والعرب تقتل بعضها بعضًا!! (المقصد: كانت الحرب في بدايتها بين عبس وذبيان). قلت: فيكون ماذا؟ قالت: اخرج إلى القوم فأصلح بينهم، ثم ارجع إلى أهلك فإنه لن يفوتك ما تريد. فقال الحارث: اخرج بنا يا خارجة، فخرجنا حتى أتينا القوم فمشينا بينهم بالصلح فاصطلحوا على أن يحتسبوا القتلى، عن كل رجل دية، فحملنا ثلاثة آلاف بعير في ثلاث سنين، وانصرفنا بأجمل الذكر، فمدح زهير بن أبي سُلمى الحارث بالقصيدة المشهورة:
أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَةٌ لَمْ تَكَلَّمِ ... بِحَوْمَانَةِ الدَّرَّاجِ فَالمُتَثَلَّمِ (١)
روى القاضي المعافى بن زكريا بسنده إلى الشعبي قال: قال لي شريح: يا شعبي عليكم بنساء بني تميم فإنهن النساء! قلت: وكيف ذاك؟ فقال: رجعت يومًا من جنازة متطهرًا فمررت بخباء، فإذا بعجوز معها جارية رؤود (٢) فاستسقيت، فقالت: اللبن أعجب إليك أم الماء؟ فقلت: اللبن أعجب إلي، فقالت: يا بنية اسقيه لبنًا فإني أظنه غريبًا، فسقتني فلما شربت قلت: من هذه الجارية؟ فقالت: هذه زينب بنت حدير إحدى نساء بني تميم، ثم من بني
стр. 4135
حنظلة، ثم من بني طهية. قلت: أتزوجينيها؟ قالت: نعم إن كنت كفؤًا، فانصرفت إلى منزلي، فامتنعت من القائلة، فلما صليت الظهر وجهت إلى إخواني الثقات مسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد، فصليت العصر ثم رحت إلى عمها وهو في مسجده، فلما رآني تنحى لي عن مجلسه فقلت: أنت أحق بمجلسك ونحن طالبو حاجة، فقال: مرحبًا بك يا أبا أمية ما حاجتك؟ فقلت: إني ذكرت زينب بنت أخيك، فقال: والله ما بها عنك رغبة، ولا تك عنها مقصر، قال: وتكلمت فزوجني، ثم انصرفت، فما وصلت إلى منزلي حتى ندمت فقلت في نفسي: ماذا صنعت؟ فهممت أن أرسل إليها بطلاقها، ثم قلت: لا أجمع حمقتين ولكني أضمها إلي فإن رأيت ما أحب حمدت الله، وإن تكن الأخرى طلقتها، فأرسلت إليها بصداقها وكرامتها، فلما أُهديت إلي وقام النساء عنها قلت: يا هذه إن من السنة إذا أُهديت امرأة لزوجها أن تصلي ركعتين خلفه ويسألا الله تعالى البركة، فقمت أصلي فإذا هي خلفي، فلما فرغت رجعت إلى مكانها، ومددت يدي فقالت: على رسلك، فقلت: إحداهن ورب الكعبة، فقالت: الحمد للَّه وصلى الله على سيدنا محمد وآله، أما بعد فإني امرأة غريبة، ولا والله ما ركبت مركبًا هو أصعب علي من هذا، وأنت رجل لا