← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

رواية الطبراني أنه قال: «يَا عَائِشَةُ كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ، إِلَّا أَنَّ أَبَا زَرْعٍ طَلَّقَ، وَأَنَا لَا أُطَلِّقُ» (١). وفي رواية أخرى: فقلت: «يَا رَسُولَ اللهِ أَنْتَ خَيْرٌ لِي مِنْ أَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ» (٢). ١٩ - مما يؤثر قولهم: وراء كل رجل عظيم امرأة، فهل هذا القول صحيح؟ وكيف يكون ذلك؟ الجواب: انظر إلى هذه القصة. أعقل نساء العرب: قال الحارث بن عوف يومًا لخارجة بن سنان المري: أتراني أخطب إلى أحد فيردني؟ فقال له: نعم! قال: من ذاك؟ قال: أوس بن حارثة بن لام الطائي، فقال الحارث لغلامه: ارحل بنا، ففعل، وركبا حتى أتيا أوس بن حارثة بن لام الطائي فوجداه في فناء منزله، فلما أن رأى الحارث بن عوف قال: مرحبًا بك يا حارث. قال: وبك، قال: ما جاء بك؟ قال: جئتك خاطبًا، قال: لست

стр. 4132

هناك. فانصرف ولم يكلمه ودخل أوس على امرأته مغضبًا، وكانت من عبس، فقالت: من رجل واقف عليك فلم يطل، ولم تكلمه؟ قال: ذاك سيد العرب الحارث بن عوف. قالت: فما بالك لم تستنزله؟ قال: إنه استحمق! قالت: وكيف؟ قال: أتاني خاطبًا! قالت: أفتريد أن تزوج بناتك؟ قال: نعم، قالت: فإذا لم تزوج سيد العرب فمن؟ قال: قد كان ذلك، قالت: فتدارك ما كان منك. قال: بماذا؟ قالت: تلحقه فترده. قال: كيف وقد فرط مني؟ قالت: قل له: لقيتني مغضبًا بأمر لم تقدم فيه قولًا، فلم يكن عندي فيه من الجواب إلا ما سمعت، عد ولك عندي كل ما أحببت، فإنه سيفعل .. فركب في إثرهما. قال خارجة بن سنان: فواللَّه إني لأسير مع الحارث إذ حانت مني التفاته فرأيت أوسًا، فأقبلت على الحارث - وما يكلمني غمًّا - فقلت له: أوس بن حارثة في إثرنا. قال: وما نصنع به؟ امض. فلما رآنا لا نقف عليه، صاح: حارث، أربع علي ساعة، فكلمته بذلك الكلام، فرجع مسرورًا، ودخل أوس منزله، وقال لزوجته: ادعي لي فلانة - يقصد أكبر بناته -. فأتته. فقال: يا بنية، هذا الحارث ابن عوف سيد من سادات العرب، قد جاءني خاطبًا وقد أردت أن أزوجك منه، فما تقولين؟ قالت: لا تفعل؟ فإني امرأة في وجهي ردة - قبح -، وفي خُلقي بعض الحدة - العيب -، ولست بابنة عمه فيرعى رحمي، وليس بجارك في البلد فيستحي منك، ولا آمن أن يرى مني ما يكره فيطلقني.

стр. 4133

وقال مثل ذلك للوسطى فأجابت مثل الكبرى ... فنادى الصغرى فعرض عليها الأمر، فقالت: أنت وذاك. فقال: قد عرضت ذلك على أختيك فأبتاه، فقالت - ولم يذكر لها مقالتيهما-: لكني واللَّه الجميلة وجهًا، الصناع يدًا، الرفيعة خلقًا، الحسيبة أبًا، فإن طلقني فلا أخلف اللَّه عليه بخير. فقال: بارك اللَّه عليك. ثم خرج إلى الحارث فقال: زوجتك يا حارث ابنتي بهيسة بنت أوس. قال: قبلت. فأمر أمها أن تهيئها، وتصلح من شأنها، ثم أمر ببيت فضرب لهما. ثم بعث بها إليه .. قال الراوي خارجة بن سنان: فلما أدخلت عليه بهيسة لبث هنيهة ثم خرج فقلت: أفرغت من شأنك؟ قال: لا واللَّه. قال خارجة بن سنان: كيف؟ قال: لما دخلت عليها قالت: مه، أعند أبي وإخوتي؟ هذا واللَّه ما لا يكون .. فأمر بالرواحل وارتحلوا .. ولما ساروا ما شاء اللَّه، قال الحارث لخارجة: تقدم، قال خارجة: فتقدمت ثم عدل الحارث بزوجته عن الطريق .. وما لبث أن لحق بي، فقلت: أفرغت؟ قال: لا واللَّه، قلت: ولم؟ قال: قالت لي: أكما يفعل بالأمة الجليبة أو السبية الأخيذة، لا واللَّه! حتى تنحر الجزر وتذبح الغنم، وتدعو العرب، وتعمل ما يعمل لمثلي. فقلت: واللَّه إني أرى همةً وعقلًا وأرجو أن تكون منجبة. وسكت الحارث، قال خارجة: فرحلنا حتى وصلنا ديارنا، فأحضر الإبل والغنم، ثم دخل عليها. وسرعان ما خرج علي، فقلت: أفرغت؟ قال: لا. قلت: ولم؟ قال: دخلت عليها فقالت: والله لقد

стр. 4134

ذكر لي من الشرف ما لا أراه فيك؟ قلت: وكيف؟ قالت: أتفرغ للنساء، والعرب تقتل بعضها بعضًا!! (المقصد: كانت الحرب في بدايتها بين عبس وذبيان). قلت: فيكون ماذا؟ قالت: اخرج إلى القوم فأصلح بينهم، ثم ارجع إلى أهلك فإنه لن يفوتك ما تريد. فقال الحارث: اخرج بنا يا خارجة، فخرجنا حتى أتينا القوم فمشينا بينهم بالصلح فاصطلحوا على أن يحتسبوا القتلى، عن كل رجل دية، فحملنا ثلاثة آلاف بعير في ثلاث سنين، وانصرفنا بأجمل الذكر، فمدح زهير بن أبي سُلمى الحارث بالقصيدة المشهورة: أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَةٌ لَمْ تَكَلَّمِ ... بِحَوْمَانَةِ الدَّرَّاجِ فَالمُتَثَلَّمِ (١) روى القاضي المعافى بن زكريا بسنده إلى الشعبي قال: قال لي شريح: يا شعبي عليكم بنساء بني تميم فإنهن النساء! قلت: وكيف ذاك؟ فقال: رجعت يومًا من جنازة متطهرًا فمررت بخباء، فإذا بعجوز معها جارية رؤود (٢) فاستسقيت، فقالت: اللبن أعجب إليك أم الماء؟ فقلت: اللبن أعجب إلي، فقالت: يا بنية اسقيه لبنًا فإني أظنه غريبًا، فسقتني فلما شربت قلت: من هذه الجارية؟ فقالت: هذه زينب بنت حدير إحدى نساء بني تميم، ثم من بني

стр. 4135

حنظلة، ثم من بني طهية. قلت: أتزوجينيها؟ قالت: نعم إن كنت كفؤًا، فانصرفت إلى منزلي، فامتنعت من القائلة، فلما صليت الظهر وجهت إلى إخواني الثقات مسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد، فصليت العصر ثم رحت إلى عمها وهو في مسجده، فلما رآني تنحى لي عن مجلسه فقلت: أنت أحق بمجلسك ونحن طالبو حاجة، فقال: مرحبًا بك يا أبا أمية ما حاجتك؟ فقلت: إني ذكرت زينب بنت أخيك، فقال: والله ما بها عنك رغبة، ولا تك عنها مقصر، قال: وتكلمت فزوجني، ثم انصرفت، فما وصلت إلى منزلي حتى ندمت فقلت في نفسي: ماذا صنعت؟ فهممت أن أرسل إليها بطلاقها، ثم قلت: لا أجمع حمقتين ولكني أضمها إلي فإن رأيت ما أحب حمدت الله، وإن تكن الأخرى طلقتها، فأرسلت إليها بصداقها وكرامتها، فلما أُهديت إلي وقام النساء عنها قلت: يا هذه إن من السنة إذا أُهديت امرأة لزوجها أن تصلي ركعتين خلفه ويسألا الله تعالى البركة، فقمت أصلي فإذا هي خلفي، فلما فرغت رجعت إلى مكانها، ومددت يدي فقالت: على رسلك، فقلت: إحداهن ورب الكعبة، فقالت: الحمد للَّه وصلى الله على سيدنا محمد وآله، أما بعد فإني امرأة غريبة، ولا والله ما ركبت مركبًا هو أصعب علي من هذا، وأنت رجل لا

стр. 4136

أعرف أخلاقك فخبرني بما تحب أنت وبما تكره أزدجر عنه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولك. قال: فقلت: الحمد للَّه وصلى الله على محمد وآله، أما بعد فقد قدمت على أهل دار زوجك سيد رجالهم، وأنت إن شاء الله سيدة نسائهم أحبوا هذا أو كرهوه، قالت: فحدثني عن أختانك أتحب أن يزوروك؟ فقلت: إني رجل قاض فأكره أن يملوني وأكره أن ينقطعوا عني، قال: فأقمت معها سنة وأنا كل يوم أشد سرورًا مني باليوم الذي مضى، فرجعت يومًا من مجلس القضاء فإذا عجوز تأمر وتنهى في منزلي، فقلت: من هذه يا زينب؟ قالت: هذه ختنك هذه أمي، قلت: كيف حالك يا هذه؟ قالت: كيف حالك يا أبا أمية، وكيف رأيت أهلك؟ فقلت: كل الخير، فقالت: إن المرأة لا تكون أسوأ خلقًا منها في حالتين: إذا ولدت غلامًا، وإذا حظيت عند زوجها، فإن رابك من أهلك ريبًا فالسوط، فقلت: أشهد أنها ابنتك قد كفتني الرياضة وأحسنت الأدب، فكانت تجيئني في كل حول مرة فتوصيني بهذه الوصية ثم تنصرف، فأقمت معها عشرين سنة ما غضبت عليها يومًا ولا ليلة إلا يومًا وكنت لها ظالمًا، وذلك أني ركعت ركعتي الفجر وأبصرت عقربًا وعجلت عن قتلها فكفأت عليها الإناء وقلت: يا زينب إياك والإناء، وخرجت إلى الصلاة، فعجلت إلى الإناء فحركته

стр. 4137

فضربتها العقرب. ولو رأيتني يا شعبي وأنا أمص أُصبعها وأقرأ عليها المعوذتين. وكان لي جار يقال له قيس بن جرير، لا يزال يضرب زوجته، فكنت عند ذلك أقول: رَأَيْتُ رِجَالًا يَضْرِبُونَ نِسَاءَهُمْ ... فَشُلَّتْ يَمِينِي حِينَ أَضْرِبُ زَيْنَبَا وَزَيْنَبُ شَمْسٌ وَالنِّسَاءُ كَوَاكِبٌ ... إِذَا طَلَعَتْ لَمْ تُبْقِ مِنْهُنَّ كَوْكَبَا وأنا الذي أقول: إِذَا زَيْنَبُ زَارَهَا أَهْلُهَا ... حَشَدْتُ وَأَكْرَمْتُ زُوَّارَهَا وَإِنْ هِيَ زَارَتْهُم زُرْتُهَا ... وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِي هَوَى دَارِهَا (١) والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4138

الكلمة الأربعون: أسباب السعادةوالنجاح في فهم مقاصد النكاح: رقم (٥) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .. وبعد: في هذه الكلمة بيان بعض المعالم التي تعين على فهم مقاصد النكاح، وطرق تحقيقها، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [سورة الأعراف، آية رقم: ١٨٩]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [سورة الروم، آية رقم: ٢١]. فلنتأمل قوله تعالى: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾، فما هذا السكن؟ وكيف يكون السكون؟ وما هي آثاره على حياة الزوجين؟ وما هو الواجب فعله؟ قال في القاموس: السكن كل ما يسكن إليه ويطمئن إليه من أهل وغيره (١).

стр. 4139

في هاتين الآيتين الكريمتين خص الله تعالى الزوجة بذلك فجعلها هي السكن لزوجها. والسكون هو الاطمئنان والراحة، وقد اشتملت هذه الكلمة العظيمة على معان واسعة تكاد تشمل جميع مناحي الحياة. فانظر إلى حال الناس الأسوياء عندما يكونون خارج مساكنهم وما يلزمهم من التكلف في ضبط الكلام والملبس والحركة والسكون، ثم انظر إليهم عندما يعودون إلى مساكنهم كيف يزول عنهم ذلك التكلف في أكلهم وشربهم ونومهم وغير ذلك بما يحصل لهم من الطمأنينة والانبساط، فكذلك الزوجة هي السكن لزوجها. وهي حين تكون كذلك فإنما تعمل وفق حكمة الخالق ? وقد خلقها مهيَّأة لذلك، فلتحمد الله ولتكثر من شكره. قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ١٨٧]. ففي قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ معنى عظيم يجب على الزوجين أن يتفطنا له ويعملا بموجبه وهو حق متبادل بينهما، وبيان ذلك أن اللباس له ثلاثة أغراض جليلة: الأول: ستر ما يُستحيا من كشفه. الثاني: الوقاية من الحر والبرد ونحوهما. الثالث: التجمل.

стр. 4140

قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [سورة الأعراف، آية رقم: ٢٦]. والرياش هو ما يتجمل به زائدًا عن ستر العورات والوقاية من الآفات. فإذا فهمنا هذا فلنعلم أن كل واحد من الزوجين يحتاج من الآخر هذه الثلاثة، فأعظمها: ١ - الستر: فعلى الزوجين أن يستر كل واحد منهما الآخر ولا يظهر عنه ما يسوؤه إظهاره ولا يُفشي له سرًّا. ٢ - أن يقيه بنفسه من الآفات التي تؤذيه كوقاية اللباس الحر والبرد. ٣ - ثم ليترقى بعد ذلك إلى أن يكون كل واحد منهما للآخر كالرياش يتجمل به ويظهر محاسنه. وقال تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ٢٢٨]. ويندرج تحت هذه الجملة الكريمة معان عظيمة، وحكم جليلة، غير أن الانتفاع بها مبني على الإيمان بها والتسليم لها والفهم الصحيح لما دلت عليه، وإليك البيان:

стр. 4141

١ - يجب أن يُعلم أن خالق الخلق - سُبْحَانَهُ - له الحكمة البالغة في خلقه وأمره، ركب الرجال على خلقة تناسب ما كُلفوا به، وركب النساء على خلقة تناسب ما خلقن له، فمن اهتدى لما خُلق له وُفق في الدارين ونال السعادتين، ومن لم يهتدِ كان دليلًا على انتكاس فطرته ومن ثم فساد الفكر والعمل. ٢ - بين تعالى في آية أخرى ما أجمل في هذه الآية فقال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [سورة النساء، آية رقم: ٣٤]. في هذه الآية ذكر تعالى سبب جعل القوامة في الرجل، والقوامة هي الدرجة في الآية السابقة، وأن ذلك لأمرين: أحدهما راجع إلى أصل الخلقة التي خلق الله عليها البشر، وفي التنزيل المبارك قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [سورة آل عمران، آية رقم: ٣٦]. ومن المقطوع به أن الرجل والمرأة لو كانا على خلقة واحدة وطبيعة واحدة لما حصل التجانس بينهما ولوقع التنافر بينهما، وشواهد ذلك ظاهرة فيمن انتكست فطرهم وفسدت تصوراتهم. وثانيهما: الإنفاق، فالرجل أقدر على ذلك، ثم إنه لا يضيع شيء بسبب قيامه بتحصيل النفقة، أما المرأة فإنها لو ذهبت لتحصيل النفقة فسيقع من إهمالها لوظيفتها التي هي شؤون

стр. 4142

البيت وتربية الأولاد والعناية بالزوج ضرر عظيم وفساد كبير، فالرجل يقدر على أمور لا تقدر عليها المرأة، والمرأة تقدر على أمور لا يقدر عليها الرجل، وبقيام كل واحد منهما بما يجب عليه يحصل التكامل وتستقيم الحياة، اللَّهم إلا أن يُقال: تقوم المرأة بوظيفة الرجل ويقوم الرجل بوظيفة المرأة أو يقوم أحدهما بكلا الوظيفتين، وهذا مما يعلم كافة العقلاء فساده وعظيم ضرره. ٣ - ينبغي أن يُعلم أن وظيفة المرأة - وهي القيام بشؤون البيت وتنشئة الأجيال والعناية بشؤون الزوج وتهيئة نفسها لما يحتاجه- وظيفة جليلة، لا تقل درجة عن وظيفة الرجل بل قد تزيد عليها وتناسب خلقتها وفطرتها. أما الرجل فلا يقدر عليها لأنها لا تناسب خلقته التي خلقه الله عليها، وقد أحسن القائل: الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها أَعدَدتَ شَعبًا طَيِّبَ الأَعراقِ وقالوا: وراء كل رجل عظيم امرأة. وعلى كل حال فكلامنا مع من سلمت فطرهم وصحت تصوراتهم، أما الآخرون فلهم طرق أخرى للعلاج ليس هذا مكانه. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4143

الكلمة الواحدة والأربعون: السعادة والفلاح في فهم مقاصد النكاح: رقم (٦) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. ركائز العشرة الزوجية، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء، آية رقم: ١٩]، ترتكز العشرة الزوجية على أمور ثلاثة وهي المودة، والرحمة، وإقامة حدود الله، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [سورة الروم، آية رقم: ٢١]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ٢٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ٢٢٩] فإذا اجتمعت هذه الثلاث للزوجين فقد نالا سعادة الدنيا، ويُرجى لهما سعادة الآخرة.

стр. 4144

وعقد الزوجية من أعظم العقود التي يُجب الوفاء بها، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [سورة المائدة، آية رقم: ١]، وسماه الله ميثاقًا غليظًا، قال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [سورة النساء، آية رقم: ٢١]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَحَقَّ مَا وَفَّيْتُمْ بِهِ مِنَ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» (١). وعقد الزواج في الإسلام عقد اختيار لا إجبار، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁، قال ﷺ : «لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: «أَنْ تَسْكُتَ» (٢). ولذلك سهل الله أمر الفراق بين الزوجين عند تعذر الحياة الزوجية، فإن قام بذلك الزوج وإلا حلَّ للمرأة أن تفتدي نفسها ولا جناح عليها في ذلك، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [سورة البقرة، آية: ٢٢٩]. أو يحكم القاضي الشرعي بالتفريق بينهما، لكن يجب أن يعلم أن هذا العقد الغليظ لا يجوز حله إلا بانعدام هذه الأمور الثلاثة التي

стр. 4145

هي ركائز العشرة الزوجية، فإذا عدمت المودة بينهما فإنه يبقى بينهما رابط الرحمة وإقامة حدود الله، فإن عدمت الرحمة أيضًا فإنه يبقى بينهما رابط أن يطيع كل واحد منهما الله في الآخر. روي أن رجلًا قال في عهد عمر ﵁ لامرأته: نشدتك بالله هل تحبيني؟ فقالت: أما إذ نشدتني بالله فلا. فخرج حتى أتى عمر، فأرسل إليها، فقال: أنت التي تقولين لزوجك: لا أحبك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين نشدني بالله، أفأكذب؟ قال: نعم فأكذبيه، ليس كل البيوت تُبنى على الحب، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب (١). ولعلهما حين يطيع كل واحد منهما الله في الآخر يؤلِّف الله بين قلبيهما وتعود المودة والرحمة، فإن من أحب الأعمال إلى الشيطان التفريق بين الزوجين لما ينتج عنه من مفاسد وأضرار. وأعداء الإسلام عندما يريدون إفساد بلد وهدم أمة يزرعون فيه الأسباب التي ينتج عنها تفرق الأزواج ومن ثم تشتت الأسر، وهدم البيوت. روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ:

стр. 4146

فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ»، قَالَ الْأَعْمَشُ: أُرَاهُ قَالَ: «فَيَلْتَزِمُهُ» (١). روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا» (٢)، فإذا عدمت هذه الركائز فإنه والحالة هذه لم يبق بينهما رابط يجمعهما وتعيَّن الفراق، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾ [سورة النساء، آية رقم: ١٣٠]. وإن مما يجب التنبه له أن كثيرًا من حالات الفراق تقع بناء على تقييم أحد الزوجين للآخر تقييمًا جائرًا لا يلتزم فيه صاحبه العدل والإنصاف، ولذلك عندما تنقشع غمامة الهوى يندم حين لا ينفع الندم. الميزان والعدل في تقييم الزوجة: تقدم في مقاصد النكاح التعريف بالحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين، وأن استصحاب ذلك حين تقييم أحد

стр. 4147

الزوجين للآخر يجعل المرء عادلًا في حكمه منصفًا من نفسه. ونزيد هنا بيانًا بذكر بعض الأمور التي تجعل تقييم الرجل للزوجة عدلًا صوابًا، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [سورة النساء، آية رقم: ١٩]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» أَوْ قَالَ: «غَيْرَهُ» (٢). من هذه الآيات والأحاديث وغيرها يتبين أنه يجب العدل في تقييم الزوجة، وهذا معلوم لدى كل مسلم ولكن الذي قد يخفى هو تطبيق ذلك، فإن الرجل إذا تزوج المرأة وهو يريد منها مقاصد النكاح السابق ذكرها جميعًا: الذرية، والخدمة،

стр. 4148

والمتعة، فإنه عند إرادة تقييمها يجب عليه النظر إلى هذه الثلاث مجتمعة لا إلى كل واحد على حدة، فإذا نظر إليها مجتمعة وكانت الزوجة تستحق الثلث ٣٣ % على أقل تقدير لكل واحد منها فإن مجموع ذلك ينتج عنه الدرجة الكاملة، بينما إذا نظر إلى كل واحد على حدة احتقر ذلك التقدير وحكم عليها بالفشل قطعًا وسبب ذلك النظر الخاطئ .. ولو استصحب ما دلت عليه الآيات والأحاديث السابقة لم يقع في ذلك الخطأ. ويزيد ذلك إيضاحًا أن الرجل إذا لم يرد من المرأة سوى اثنين من ثلاثة مثلًا فإن ثلث الدرجة لا تكفي في رفع مستوى الزوجة، كذلك إذا لم يرد منها إلا واحدًا من تلك المقاصد، وبذلك يتضح الفرق بين أن تقوم المرأة بهذه المقاصد الثلاثة وبين أن يطلب منها القيام ببعضها فقط، ولذلك لما خطب النبي ﷺ أم سلمة اعتذرت بادي الأمر بأن لديها صبية، وقد أرادت بتقديم هذا العذر - والله أعلم- أنها ستنشغل بهم عن القيام بحق رسول الله ﷺ كاملًا، وقد وقع ذلك فعلًا فروى مسلم في صحيحه من حديث أم سلمة ﵂ قالت: أرسل إلي رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له، فقلت: إن لي بنتًا وأنا غيور، فقال: «أمَّا ابْنَتُها فَنَدْعُو اللَّهَ أنْ يُغْنِيَها عَنْها، وأَدْعُو اللَّهَ أنْ يَذْهَبَ بِالْغَيْرَةِ». ويشهد لذلك ما رواه (١) الإمام

стр. 4149

أحمد في مسنده من حديث أم سلمة ﵂: أن النبي ﷺ لما عقد عليها كان يأتيها، فإذا جاء أخذت زينب، فوضعتها في حجرها لترضعها، وكان رسول الله ﷺ حييًّا كريمًا، يستحي فيرجع، ففعل ذلك مرارًا ففطن عمار بن ياسر لما تصنع، فأقبل ذات يوم وجاء عمار وكان أخاها لأمها فدخل عليها فانتشطها من حجرها وقال: دعي هذه المقبوحة المشقوحة التي آذيت بها رسول الله ﷺ ، قال: وجاء رسول الله ﷺ فدخل، فجعل يقلب بصره في البيت ويقول: «أَيْنَ زُنَابُ؟ مَا فَعَلَتْ زُنَابُ؟» قالت: جاء عمار فذهب بها، قال: فبنى بأهله، ثم قال: «إِنْ شِئْتِ أَنْ أُسَبِّعَ لَكِ، وَأُسَبِّعَ لِلنِّسَاءَ» (١). وإن من رحمة الله وحكمته أن خفف على المرأة التكاليف الشرعية في العبادات، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁، قال ﷺ : «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ» (٢). وما ذلك إلا لتفريغها للقيام بهذه المقاصد الثلاثة على أكمل الوجوه، فإن المرأة إن فعلت ذلك ووجدت رجلًا يقدر ما تقوم به كان ذلك دافعًا له أن يقوم بما أوجب الله عليه،

стр. 4150

ليس تجاه أسرته فقط بل تجاه دينه ومجتمعه والناس جميعًا، ولذلك قالوا: وراء كل رجل عظيم امرأة. تنبيه: لو أن رجلًا يريد أن تكتمل له هذه المقاصد الثلاثة بأعلى درجاتها فهل يحصل له ذلك، الجواب: نعم، وذلك أن الله تعالى وهو الحكيم في شرعه العليم بخلقه شرع للرجل التعدد، قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [سورة النساء، آية رقم: ٣]. فإن كان الرجل أهلًا لذلك فإنه سيكمل له من مجموعهن ما يريد. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4151

الكلمة الثانية والأربعون: السعادة والفلاح في فهم مقاصد النكاح: رقم (٧) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. فإن من مسائل العشرة الزوجية التي تستقيم الحياة الزوجية بحسن التصرف فيها وتسوء حين لا تُعطى الاهتمام المطلوب النفقة، وقد اخترناها مثالًا لوقوعها في بيت النبوة ولما يشاهد في الواقع من آثارها على اجتماع الزوجين وتفرقهما، ولتكون مثالًا يُحتذى به في سائر أحوال العشرة الزوجية. وخلاصة ما وقع في بيت النبي ﷺ هو أن نساءه أكثرن عليه في طلب النفقة حتى بلغ بهن الحال أن يسألنه ما ليس عنده، فضاق صدره على سعته فأنزل الله عليه آية التخيير وأمره ربه أن يخير نساءه بين أن يصبرن معه على ضيق العيش وشدة الحال، أو يفارقهن. وهذا دليل على أهمية هذا الموضوع وأنه يجب أن يُولى العناية الفائقة إذ أنزل الله فيه قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة. وإليك الآيات فتدبر: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا

стр. 4152

وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [سورة الأحزاب، الآيتان: ٢٨، ٢٩]، وقد فعل رسول الله ﷺ ما أمره الله به فخيرهن واحدة واحدة، وقد كن ﵁ -ن أعلى شأنًا وأرفع منزلة فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ، بَدَأَ بِي، فَقَالَ: «إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ». قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَاني بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ قَالَتْ: فَقُلْتُ: فَفِى أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؛ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ (١). قالت: ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت، وفي رواية: «لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا، وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا» (٢).

стр. 4153

دور الآباء والأمهات في تقويم الزوجات وتوجيههن إلى مراعاة أحوال أزواجهن: روى مسلم من حديث جابر بن عبد الله قال: (دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ لَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ. قَالَ: فَأُذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ فَدَخَلَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ ، جَالِسًا حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ، وَاجِمًا سَاكِتًا. قَالَ: فَقَالَ: لَأَقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: «هُنَّ حَوْلي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ». فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، فَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلَاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ. فَقُلْنَ: واللهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ. ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا .... ) الحديث (١). مقدار ما تستحقه المرأة من النفقة: من المعلوم شرعًا وعرفًا أن على الزوج الإنفاق على زوجته من مسكن وملبس ومطعم ومشرب، لكن يجب على الزوجة أن تعلم ما يجب لها من ذلك وما كان زائدًا على الواجب؛ لكيلا تسأله ما ليس واجبًا عليه على أنه من الواجبات التي إن قصر فيها رمته

стр. 4154

بالتقصير والبخل، وإن لم يقصر فيها لم تقابله بالشكر والامتنان الذي يستحقه لظنها أنه إنما أدى ما عليه فقط. وهذه المسألة بحاجة إلى توسع ليس هذا مكانه ونشير إليها اختصارًا (١). قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ [سورة الطلاق، آية: ٦]، وقال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [سورة الطلاق، الآية: ٧]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لهند?: «خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ» (٢)، وروى الإمام أحمد في مسنده أن النبي ﷺ عندما سأله معاوية بن حيدة ﵁: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: «تُطْعِمُهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ» (٣). ومن هذه النصوص الشرعية وغيرها مما لم يذكر يتبين لنا الآتي:

стр. 4155

١ - مقدار النفقة حسب حال الزوج من عسره ويسره، وغناه وفقره. ٢ - أن الواجب في النفقة هو الكفاية وما زاد على ذلك فهو إحسان وفضل يجب أن يذكر فلا ينكر، ويشكر فلا يكفر (١). ٣ - أن على الزوج أن يعدل بين نفسه وزوجته فيطعمها مما يطعم ويكسوها مما يكتسي. ٤ - من المعلوم في القضاء الشرعي أن الزوج إذا لم يستطع القيام بنفقة الكفاية أن للزوجة طلب الفراق، غير أن المرأة الصالحة العاقلة التي تريد الله والدار الآخرة هي التي تتأسى بأمهاتها أمهات المؤمنين أزواج رسول الله ﷺ و- ﵁ -ن، فلا ترهق كاهل الزوج بما لا يقدر، ولا تكلفه ما لا يستطيع، وتصبر معه على الشدة وضيق الحال إذا كان أهلًا لذلك، بأن يكون كريم النفس حسن العشرة يبذل لها من أخلاقه ما يعوض به

стр. 4156

النقص في أمور الدنيا. ٥ - أن الزوجات في تعاملهن مع أزواجهن على مراتب: الأولى: وهي أدناهن مرتبة وأسوأهن عشرة، من تنكر الجميل وتكفر العشير؛ لو أحسن إلى إحداهن الدهر كله قالت: ما رأيت منك خيرًا قط. الثانية: من تجعل ما ليس واجبًا من الواجبات، إذا لم يقم به اتهمته بالتقصير ورمته بالبخل. الثالثة: من تطلب حقها كاملًا ولا تغض طرفها عن شيء منه وإن قل. الرابعة: وهي أعلاهن مرتبة وأرفعهن درجة وأسعدهن بخير الدنيا والآخرة، من تقابل التقصير بالصبر، والمعروف بالشكر، بل تزيد على ذلك فتبذل من نفسها ومالها ما لا يجب عليها بذله. فمن رزقه الله منهن مَنْ هذه صفتها فليتمسك بها فإنها من السعادة، فقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مِنَ السَّعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ، وَالْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الهَنِيءُ» (١)، وروى

стр. 4157

مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» (١)، ووصفت هذه المرأة الصالحة في حديث آخر رواه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ : أي النساء خير؟ قال: «الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِيمَا يَكْرَهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ» (٢). ومن الأمثلة على ما سبق ما رواه البخاري في صحيحه من حديث زينب امرأة عبد الله ﵂ قالت: كنت في المسجد فرأيت النبي ﷺ فقال: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ». وكانت زينب تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها، قال: فقالت لعبد الله: سل رسول الله ﷺ : أيجزي عني أن أنفق عليك وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ فقال: سلي أنت رسول الله ﷺ ، فانطلقت إلى النبي ﷺ فوجدت امرأة من الأنصار على الباب، حاجتها مثل حاجتي فمر علينا بلال فقلنا: سل النبي ﷺ : أيجزئ عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري؟ وقلنا: لا تخبر

стр. 4158

بنا. فدخل فسأله فقال: «مَنْ هُمَا؟»، قال: زينب، قال: «أَيُّ الزَّيانِبِ هِي؟» قال: امرأة عبد الله، قال: «نَعَمْ، لَهُمَا أَجْرانِ: أَجْرُ القَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ» (١). آداب سؤال المرأة لزوجها النفقة: ينبغي للمرأة حين تسأل النفقة أن تكون عفيفة في سؤالها مؤدبة في طلبها، مراعية لحال زوجها، وأن تختار الوقت والحال الذي يصلح، وقد قال النبي ﷺ : «مَنْ طَلَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ، وَافٍ أَوْ غَيْرِ وَافٍ» (٢). روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ عندما ذكر قصة بناء إبراهيم الخليل الكعبة جاء فيه: « ... فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇، وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا،

стр. 4159

فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ، قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الحَقِي بِأَهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ اللَّحْمُ، قَالَ فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ المَاءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالمَاءِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ». قَالَ: فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇، وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ، قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ العَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ» (١). فبهذا تحل البركات وتطيب النفوس، ونختم بهذه الوصايا العشر من امرأة عاقلة لابنتها لينتفع بها من شاء الله من النساء،

стр. 4160

وليُعلم إنما نذكر به ليس ضربًا من المستحيلات بل هو كثير في الواقع، والسير، والتواريخ طافحة بذلك يزيد وينقص ويقل ويكثر حسب أحوال الناس في الزمان والمكان .. ومن الوصايا المشهورة ما أوصت به أم ابنتها ليلة زفافها فقالت لها وهي تودعها: أي بنية إنك قد فارقت بيتك الذي منه خرجت، ووكرك الذي فيه نشأت إلى وكر لم تألفيه وقرين لم تعرفيه، فكوني له أمة يكن لك عبدًا، واحفظي له عشر خصال يكن لك ذخرًا: أما الأولى والثانية: فالنصيحة بالقناعة والمعاشرة بحسن السمع والطاعة. وأما الثالثة والرابعة: فالتعهد لموقع عينيه، والتفقد لموضع أنفه. فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشمن منك إلا أطيب ريح، والكحل أحسن الحسن الموصوف، والماء والصابون أطيب الطيب المعروف. وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت طعامه، والهدوء عند منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مكربة. وأما السابعة والثامنة: فالعناية ببيته وماله والرعاية لنفسه

стр. 4161

وعياله. وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصي له أمرًا ولا تفشي له سرًا، فإنك إن عصيت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره، ثم بعد ذلك إياك والفرح حين اكتئابه، والاكتئاب حين فرحه، فإن الأولى من التقصير والثانية من التكدير، وأشد ما تكونين له إعظامًا أشد ما يكون لك إكرامًا، ولن تصلي إلى ذلك حتى تؤثري رضاه على رضاكِ، وهواه على هواكِ فيما أحببت أو كرهت، والله يضع لك الخير. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4162

الكلمة الثالثة والأربعون: وقفات مع سورة التكوير (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. فمن سور القرآن الكريم التي تتكرر على أسماعنا، وتحتاج منا إلى وقفة تأمل وتدبر سورة التكوير. قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ؛ فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾»، وأحسب أنه قال: «سورة هود» (١). أي: إذا حصلت هذه الأمور الهائلة تميز الخلق وعلم كلٌّ ما قدمه لآخرته وما أحضره فيها من خير وشر. قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ الشمس كتلة عظيمة كبيرة

стр. 4163

واسعة، في يوم القيامة يكورها الله فيلفها جميعًا ويطوي بعضها على بعض فيذهب نورها، ويلقيها الله في النار إغاظة للذين عبدوها من دون الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [سورة الأنبياء، آية رقم: ٩٨]، ويستثنى من ذلك من عُبد من دون الله من أولياء الله، فإنه لا يلقى في النار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢)﴾ [سورة الأنبياء: الآيتان: ١٠١ - ١٠٢]. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الشَّمْسُ وَالقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (١)، وفي رواية: «ثَوْرَانِ مُكَوَّرَانِ فِي النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (٢). قال الخطابي ﵀: ليس المراد بكونهما في النار تعذيبهما بذلك، ولكنه تبكيت لمن كان يعبدهما في الدنيا ليعلموا أن عبادتهم لهما كانت باطلًا. قال الشيخ الألباني ﵀: «وهذا هو الأقرب إلى لفظ

стр. 4164

الحديث، ويؤيده أن في حديث أنس عند أبي يعلى كما في الفتح ٦/ ٢١٤: (ليراهما من عبدهما)، ولم أرها في مسنده، والله تعالى أعلم» (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ أي انقضت وتساقطت من السماء فذهب نورها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾ [سورة الانفطار، آية رقم:٢]، وقال - سُبْحَانَهُ -: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨)﴾ [سورة المرسلات، آية رقم: ٨]. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ أي صارت كثيبًا مهيلًا، ثم صارت كالعهن المنفوش ثم تغيرت وصارت هباء منبثًا وأزيلت عن أماكنها. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ أي عطل الناس يومئذ نفائس أموالهم التي كانوا يهتمون لها، ويراعونها في جميع الأوقات فجاءهم ما يذهلهم عنها، فنبه بالعشار وهي النوق الحوامل التي مر على حملها عشرة أشهر وهو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة، جمع عُشراء وهي أنفس أموال العرب إذ ذاك عندهم. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ المراد بها جميع

стр. 4165

الدواب لقول الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [سورة الأنعام، آية رقم: ٣٨] فتحشر الدواب يوم القيامة ويشاهدها الناس، ويقتص لبعضها من بعض حتى إنه يقتص للبهيمة الجلحاء التي ليس لها قرن من البهيمة القرناء، فإذا اقتص من بعض هذه الوحوش لبعض أمرها الله تعالى فكانت ترابًا (١)، وإنما يفعل ذلك - سُبْحَانَهُ - لإظهار عدله بين خلقه وغير ذلك من الحكم. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ البحار جمع بحر وجمعت لعظمتها وكثرتها، فإنها تمثل ثلاثة أرباع الأرض تقريبًا أو أكثر، هذه البحار العظيمة إذا كان يوم القيامة فإنها تسجر، أي تشتعل نارًا عظيمة وحينئذ تيبس الأرض ولا يبقى فيها ماء. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ أي قرن كل صاحب عمل مع نظيره، فجمع الأبرار مع الأبرار، والفجار مع الفجار، وزوج المؤمنون بالحور العين، واقترن الكافرون بالشياطين؛ كقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ [سورة الواقعة، آية رقم:

стр. 4166

٧]، وقال -سُبْحَانَهُ-: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢)﴾ [سورة الصافات، آية رقم: ٢٢]. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾، أي: الطفلة المدفونة حية، وكان أحياء من العرب في الجاهلية يقتلون البنات بدفنهن في التراب خوفًا من الفقر أو العار، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾ [سورة النحل، الآيتان رقم: ٥٨ - ٥٩]. أما قوله: ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ أي تُسأل الموؤدة: لم قتلت ودفنت حية؟ وفي ذلك توبيخ لقاتلها وتقريع، فإن المجني عليها إذا سئلت بحضور الجاني عن سبب الجناية كان ذلك أدعى لتبكيته وأكمل في افتضاحه. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ هي صحاف الأعمال تنشر عند الحساب، أي تفتح وتبسط لتقرأ بعد أن كانت مطوية بموت صاحبها، كما قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾ [سورة الإسراء، آية رقم: ١٣]، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١)﴾ أي قلعت وأزيلت كما

стр. 4167

يكشط الجلد عن الذبيحة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [سورة الأنبياء، آية رقم: ١٠٤]، وكما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ [سورة الفرقان، آية رقم: ٢٥]. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢)﴾ أي أوقد عليها فاستعرت والتهبت التهابًا لم يكن لها قبل ذلك، ووقودها الناس أي الكفار والحجارة، حجارة من نار عظيمة شديدة الاشتعال شديدة الحرارة، هذا تسعير جهنم. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣)﴾ أي قربت لأهلها كما قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠)﴾ [سورة الشعراء، آية رقم: ٩٠]، ولم يذكر بروز الجحيم في مقابل إزلاف الجنة، بل ذكر بدله التسعير وهو أشد تهويلًا من ذلك. قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ أي علمت كل نفس ما أحضرت في صحائفها من عمل، خيرًا كان أو شرًّا، كما قال -سُبْحَانَهُ-: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [سورة آل عمران، آية رقم: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ [سورة القيامة، آية رقم ١٣]. وهذه من الأوصاف التي وصف الله بها يوم القيامة التي

стр. 4168

تنزعج لها القلوب، وتشتد من أجلها الكروب، وترتعد الفرائص، وتعم المخاوف، وتحث أولي الألباب للاستعداد لذلك اليوم، وتزجرهم عن كل ما يوجب اللوم (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4169

الكلمة الرابعة والأربعون: سورة التكوير رقم (٢) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَأَىهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾. قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥)﴾ قد يظن بعض الناس أن لا نافية وليس كذلك؛ بل هي مثبتة للقسم ويؤتى بمثل هذا التركيب للتأكيد، فالمعنى: «أقسم بالخنس» وهي النجوم التي تخنس بالنهار أي يختفي ضوءها لضوء الشمس. و (الجوار) جمع جارية وهي النجوم، «الكنس» جمع كانس أي التي تكنس أي تستر في مغيبها كما يأوي الظبي إلى كناسه

стр. 4170

وهو بيته. قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾ أي أدبر- وهذا قول أكثر المفسرين، وقيل «عسعس» أقبل، لأن اللفظ من قبيل المشترك ورُجح الثاني لمطابقته ما بعده وهو قوله «والصبح إذا تنفس»، ولا يبعد أن يكون المعنيان مقصودين لعدم تعارضهما، ولكل منهما شاهد في القرآن، قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ [سورة الليل، آية رقم ١]، وقال -سُبْحَانَهُ-: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣)﴾ [سورة المدثر، آية رقم: ٣٣]. فيكون الله مقسمًا بالليل مقبلًا ومدبرًا. قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ أي بدت علائم الصبح، وانشق النور شيئًا فشيئًا حتى يستكمل وتطلع الشمس. وإقسامه تعالى بهذه المخلوقات العظيمة، لما فيها من الدلالة على بديع حكمته وعظيم قدرته، وعظم المقسم به يدل على عظم المقسم عليه وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾ «أي القرآن». الرسول الكريم هو جبريل وأضاف القول إليه لأنه الذي نزل بالقرآن، وملك كريم أي شريف حسن الخلق، بهي المنظر. قوله تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾ أي شديد الخلق، شديد البطش، رآه النبي ﷺ في ستة مئة جناح قد سد
следующие страницы →