٧]، وقال -سُبْحَانَهُ-: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢)﴾ [سورة الصافات، آية رقم: ٢٢].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾، أي: الطفلة المدفونة حية، وكان أحياء من العرب في الجاهلية يقتلون البنات بدفنهن في التراب خوفًا من الفقر أو العار، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾ [سورة النحل، الآيتان رقم: ٥٨ - ٥٩].
أما قوله: ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ أي تُسأل الموؤدة: لم قتلت ودفنت حية؟ وفي ذلك توبيخ لقاتلها وتقريع، فإن المجني عليها إذا سئلت بحضور الجاني عن سبب الجناية كان ذلك أدعى لتبكيته وأكمل في افتضاحه.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ هي صحاف الأعمال تنشر عند الحساب، أي تفتح وتبسط لتقرأ بعد أن كانت مطوية بموت صاحبها، كما قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾ [سورة الإسراء، آية رقم: ١٣]، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١)﴾ أي قلعت وأزيلت كما
стр. 4167
يكشط الجلد عن الذبيحة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [سورة الأنبياء، آية رقم: ١٠٤]، وكما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ [سورة الفرقان، آية رقم: ٢٥].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢)﴾ أي أوقد عليها فاستعرت والتهبت التهابًا لم يكن لها قبل ذلك، ووقودها الناس أي الكفار والحجارة، حجارة من نار عظيمة شديدة الاشتعال شديدة الحرارة، هذا تسعير جهنم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣)﴾ أي قربت لأهلها كما قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠)﴾ [سورة الشعراء، آية رقم: ٩٠]، ولم يذكر بروز الجحيم في مقابل إزلاف الجنة، بل ذكر بدله التسعير وهو أشد تهويلًا من ذلك.
قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ أي علمت كل نفس ما أحضرت في صحائفها من عمل، خيرًا كان أو شرًّا، كما قال -سُبْحَانَهُ-: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [سورة آل عمران، آية رقم: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ [سورة القيامة، آية رقم ١٣].
وهذه من الأوصاف التي وصف الله بها يوم القيامة التي
стр. 4168
تنزعج لها القلوب، وتشتد من أجلها الكروب، وترتعد الفرائص، وتعم المخاوف، وتحث أولي الألباب للاستعداد لذلك اليوم، وتزجرهم عن كل ما يوجب اللوم (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4169
الكلمة الرابعة والأربعون:
سورة التكوير رقم (٢)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَأَىهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾.
قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥)﴾ قد يظن بعض الناس أن لا نافية وليس كذلك؛ بل هي مثبتة للقسم ويؤتى بمثل هذا التركيب للتأكيد، فالمعنى: «أقسم بالخنس» وهي النجوم التي تخنس بالنهار أي يختفي ضوءها لضوء الشمس.
و (الجوار) جمع جارية وهي النجوم، «الكنس» جمع كانس أي التي تكنس أي تستر في مغيبها كما يأوي الظبي إلى كناسه
стр. 4170
وهو بيته.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾ أي أدبر- وهذا قول أكثر المفسرين، وقيل «عسعس» أقبل، لأن اللفظ من قبيل المشترك ورُجح الثاني لمطابقته ما بعده وهو قوله «والصبح إذا تنفس»، ولا يبعد أن يكون المعنيان مقصودين لعدم تعارضهما، ولكل منهما شاهد في القرآن، قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ [سورة الليل، آية رقم ١]، وقال -سُبْحَانَهُ-: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣)﴾ [سورة المدثر، آية رقم: ٣٣]. فيكون الله مقسمًا بالليل مقبلًا ومدبرًا.
قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ أي بدت علائم الصبح، وانشق النور شيئًا فشيئًا حتى يستكمل وتطلع الشمس.
وإقسامه تعالى بهذه المخلوقات العظيمة، لما فيها من الدلالة على بديع حكمته وعظيم قدرته، وعظم المقسم به يدل على عظم المقسم عليه وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾ «أي القرآن».
الرسول الكريم هو جبريل وأضاف القول إليه لأنه الذي نزل بالقرآن، وملك كريم أي شريف حسن الخلق، بهي المنظر.
قوله تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾ أي شديد الخلق، شديد البطش، رآه النبي ﷺ في ستة مئة جناح قد سد
стр. 4171
الأفق كله (١).
﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾ أي جبريل مقرب عند الله له منزلة رفيعة وخصيصة من الله اختص بها «مكين»، أي له مكانة ومنزلة فوق منازل الملائكة كلهم.
قوله تعالى: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) ?﴾ أي جبريل مطاع في الملأ الأعلى، لأنه من الملائكة المقربين، نافذ فيهم أمره مطاع رأيه، «أمين» أي ذو أمانة وقيام بما أُمر به لا يزيد ولا ينقص، ولا يتعدى ما حد له، وهذا كله يدل على شرف القرآن عند الله تعالى، فإنه بعث به هذا الملك الكريم الموصوف بتلك الصفات الكاملة، والعادة أن الملوك لا ترسل الكريم عليها إلا في أهم المهمات وأشرف الرسائل.
ولما ذكر فضل الرسول الملكي الذي جاء بالقرآن، ذكر فضل الرسول البشري الذي نزل عليه القرآن ودعا إليه الناس فقال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ وهو محمد ﷺ ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ كما يقوله أعداؤه المكذبون برسالته المتقولون عليه (من) الأقوال التي يريدون أن يطفئوا بها ما جاء به بل هو أكمل الناس عقلًا، وأجزلهم رأيًا وأصدقهم لهجة.
стр. 4172
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ أي رأى محمد ﷺ جبريل بالأفق المبين الذي هو أعلى ما يلوح للبصر.
قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)﴾ أي وما هو على ما أوحاه الله إليه بمتهم يزيد فيه أو ينقص أو يكتم بعضه، بل هو ﷺ أمين أهل السماء وأهل الأرض، الذي بلغ رسالات ربه البلاغ المبين فلم يشح بشيء منه عن غني ولا فقير ولا رئيس ولا مرؤوس ولا ذكر ولا أنثى ولا حضري ولا بدوي، ولذلك بعثه الله في جاهلية جهلاء فلم يمت ﷺ حتى كانوا علماء ربانيين وأحبارًا متفرسين، إليهم الغاية في العلوم وإليهم المنتهى في استخراج الدقائق والفهوم وهم الأساتذة وغيرهم قصاراه أن يكون من تلاميذهم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥)﴾ لما ذكر جلالة كتابه وفضله بذكر الرسولين الكريمين اللذين وصل إلى الناس على أيديهما، وأثنى الله عليهما بما أثنى، دفع عنه كل آفة ونقص مما يقدح في صدقه.
قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)﴾ أي كيف يخطر هذا ببالكم؟ وأين عريت عنكم أذهانكم حتى جعلتم الحق الذي هو في أعلى درجات الصدق بمنزلة الكذب الذي هو أنزل ما يكون وأرذل وأسفل الباطل؟ هل هذا إلا من انقلاب الحقائق.
стр. 4173
قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧)﴾ يتذكرون به ربهم وما له من صفات الكمال وما ينزه عنه من النقائص والرذائل والأمثال، ويتذكرون به الأوامر والنواهي وحكمها، ويتذكرون به الأحكام القدرية والشرعية والجزائية، وبالجملة يتذكرون به مصالح الدارين وينالون بالعمل به السعادتين.
قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ بعدما تبين الرشد من الغي والهدى من الضلال.
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ فمشيئته نافذة لا يمكن أن تعارض أو تمانع، وفي هذه الآية وأمثالها رد على فرقتي القدرية النفاة والقدرية المجبرة والله أعلم.
ومن فوائد السورة الكريمة:
«١ - أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾ لأن في ذلك توبيخًا لوائدها، فقوله: ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ استفهام معناه نفي أن يكون لقتلها سبب من جهتها مما يدل على أن قتلها محض الظلم والعدوان والجهل.
٢ - نشر صحف الأعمال ليقرأ كل ما فيها مما أُحصي عليه.
٣ - الرد على الفلاسفة في زعمهم دوام هذا العالم، وأن الأفلاك
стр. 4174
- وهي السموات - لا تقبل الانشقاق والزوال.
٤ - تسعير النار وهو إيقادها تهيئة لأهلها، وفي هذا وعيد لهم.
٥ - تقريب الجنة حتى يراها أهلها، وفي هذا وعد وبشارة لهم.
٦ - إقسام الله بالخنس وهي النجوم إذا اختفت بالنهار دليل على قدرته - سٌبْحَانَهُ -.
٧ - إقسام الله بالصبح إذا انشق في ظلام الليل يبشر بالنهار.
٨ - علو قدر جبريل عند الله لقوله ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾.
٩ - ثناء الله على جبريل بسبع صفات وهي الرسالة والكرم والقوة والقرب من الله، والمنزلة العالية، والطاعة والأمانة.
١٠ - الرد على غلاة الرافضة الذين يزعمون أن جبريل خان فحوَّل الرسالة عن علي ﵁ إلى محمد ﷺ .
١١ - فضل القرآن وعظم شأنه يدل لهذا ثناء الله على جبريل وهو الموكل بتنزيل القرآن، فإنه لا يُوكل العظيم إلا بعظيم.
١٢ - تنزيه الرسول ﷺ من الجنون والبخل لقوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾، وقوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)﴾،
стр. 4175
على قرائتها بالضاد المعجمة» (١).
والحاصل أن هذه السورة عظيمة، فيها تذكرة وموعظة ينبغي للمؤمن أن يقرأها بتدبر وتمهل، وأن يتعظ بما فيها (٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4176
الكلمة الخامسة والأربعون:
سورة الغاشية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾.
روى مسلم في صحيحه من حديث الضحاك بن قيس أنه كتب إلى النعمان بن بشير ﵁ يسأله: أي شيء قرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة سوى سورة الجمعة؟ فقال: كان يقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ
стр. 4177
حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ الخطاب هنا للنبي ﷺ ولأمته، أي: أليس قد بلغك حديث الغاشية. وأصل الغاشية الداهية العظيمة، والمراد القيامة لأنها تغشى الناس جميعًا أي تغمرهم بأهوالها وشدائدها، والاستفهام هنا للتقرير والتهويل والتشويق والتنبيه إلى أن هذا من الأحاديث العظيمة التي ينبغي أن يتحدث بها.
في هذه السورة يذكر تعالى أحوال يوم القيامة، وما فيها من الأهوال الطامة، وأنها تغشى الخلائق بشدائدها، فيجازون بأعمالهم، ويتميزون إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير، فأخبر عن وصف كلا الفريقين.
فقال في وصف أهل النار: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢)﴾ أي وجوه الكفار والمنافقين يوم القيامة ذليلة، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ وكنى بالوجوه عن أصحابها لظهور آثار الذل عليها.
قوله تعالى: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾ عاملة عملًا يكون به النصب وهو التعب، قال العلماء: وذلك أنهم يكلفون يوم
стр. 4178
القيامة بجر السلاسل والأغلال والخوض في نار جهنم كما يخوض الرجل في الوحل، فهي عاملة تعبة من العمل الذي تكلف به يوم القيامة لأنه عمل عذاب وعقاب. وليس المعنى كما قال بعضهم أن المراد بها الكفار الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وذلك لأن الله قيد هذا بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أي يومئذ تأتي الغاشية وهذا لا يكون إلا يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤)﴾ أي تدخل في نار جهنم والنار الحامية التي بلغت من حموها أنها فضلت على نار الدنيا بتسعة وستين جزءًا.
قوله تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)﴾ أي هذه الوجوه حين تطلب السقيا تسقى من عين حارة بلغت أناها، أي غايتها في الحرارة، كما قال تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ [سورة الرحمن، آية رقم: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ [سورة الكهف، آية رقم: ٢٩].
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)﴾ والضريع نبات لا تقربه الدواب لخبثه وسوء عاقبته.
قوله تعالى: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾ أي لا فائدة فيه
стр. 4179
فلا ينفع البدن ولا يدفع غائلة الجوع، والمراد أن من طعام أهل النار نبتًا يشبه الضريع في عدم نفعه وغنائه، وإن لم يكن مثله في حقيقته كما هو الشأن في سائر حقائق الآخرة مع حقائق الدنيا، بل هو طعام غاية في الخبث وفي سوء تجرعه.
والقصد في الآية التأكيد فهو إضافي، أي: نسبي، بدليل أنه جاء في القرآن أن من طعام أهل النار الغسلين والزقوم ويحتمل أن المعذبين على طبقات والعذاب ألوان، فمنهم من طعامه الضريع، ومنهم من طعامه الزقوم، ومنهم من طعامه الغسلين، لكل باب منهم جزء مقسوم نسأل الله النجاة بمنه.
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨)﴾ أي بما أعطاها الله من السرور والثواب الجزيل لأنها علمت ذلك وهي في قبورها، فإن الإنسان في قبره ينعم يفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها.
قوله تعالى: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩)﴾ أي لعملها الذي عملته في الدنيا راضية لأنها وصلت به إلى هذا النعيم وهذا السرور والفرح.
قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠)﴾ العلو ضد السفول، ومن المعلوم أنه في يوم القيامة تزول السموات السبع والأرضون ولا يبقى إلا الجنة والنار فهي عالية وأعلاها ووسطها الفردوس
стр. 4180
الذي فوقه عرش الرحمن سبحانه.
قوله تعالى: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١)﴾ أي لا تسمع في هذه الجنة قولة لاغية أو نفسًا لاغية بل كل ما فيها جد، كل ما فيها تسبيح وتحميد، يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، أي أنه لا يشق عليهم فهم دائمًا في ذكر الله وتسبيح وأنس وسرور، يأتي بعضهم إلى بعض، ويزور بعضهم بعضًا في حبور لا نظير له.
قوله تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢)﴾ أي تجري حيث أراد أهلها لا تحتاج إلى حفر ساقية، ولا إقامة أخدود، كما قال ابن القيم ﵀:
أَنْهَارُهَا فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ
سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الفَيَضَانِ
قوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)﴾ السرر جمع سرير وهي المجالس المرتفعة في ذاتها وبما عليها من الفرش اللينة الوطيئة يجلسون عليها يتفكهون هم وأزواجهم من الحور العين في ظلال على الأرائك متكئون.
قوله تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤)﴾ يعني ليست مرفوعة عنهم بل هي موضوعة لهم متى شاءوا شربوا فيها من هذه الأنهار الأربعة الخمر والماء والعسل واللبن. والأكواب جمع كوب وهو الكوز الذي لا عروة له فهو صالح للشرب من كل جهة.
стр. 4181
قوله تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥)﴾ أي وسائد من الحرير والإستبرق وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله قد صفت للجلوس والاتكاء عليها، وقد أُريحوا أن يضعوها أو يصفوها بأنفسهم.
قوله تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾ أي بسط كثيرة فاخرة جمع زربية، ومبثوثة أي مبسوطة ومفرقة في كل مكان من مجالسهم وهذا من كمال النعيم والرفاهية - نسأل الله أن يجعلنا من أهلها - ولا تظن أن هذه النمارق وهذه الأكواب، وهذه السرر وهذه الزرابي لا تظن أنها تشبه ما في الدنيا، لأنها لو كانت تشبه ما في الدنيا لكنا نعلم نعيم الآخرة ونعلم حقيقته، لكنها لا تشبهه لقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [سورة السجدة، آية رقم: ١٧]، إنما الأسماء واحدة والحقائق مختلفة، ولهذا قال ابن عباس ﵄: «ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء فقط». فنحن لا نعلم حقيقة هذه النعم المذكورة في الجنة وإن كنا نشاهد ما يوافقها في الاسم في الدنيا لكنه فرق بين هذا وهذا.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ بعد ذكر القيامة ومصير الأشقياء والسعداء انتقل السياق إلى توبيخ المعرضين عن الإيمان وعن النظر في آيات الله الدالة على توحيده وقدرته على البعث، ذكر منها أربع آيات: خلق الإبل،
стр. 4182
ورفع السماء، ونصب الجبال، وبسط الأرض.
ثم أمر الله نبيه ﷺ بالتذكير بآيات الله الكونية وآياته الشرعية، وما تضمنته من الوعد والوعيد، وأخبره أن هذه هي وظيفته ﷺ ، وختمت السورة بأن إليه سبحانه المآب، وعليه الحساب.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ أي أفلا ينظرون بأبصارهم نظر تفكر واعتبار، والاستفهام للإنكار والتوبيخ، إلى الإبل وهو الحيوان المعروف، كيف خلقت هذا الخلق البديع العجيب في عظم جسمها وشدة قوتها بحيث تحمل عليها الأحمال وهي باركة ثم تقوم بيسر، وهي آية في الصبر على الجوع والعطش أيامًا، وترعى كل نبات، كثيرة المنافع، بحيث يشرب لبنها ويؤكل لحمها، ويلبس من وبرها، وتنقاد للكبير والصغير وهي أنفس أموال العرب.
قوله تعالى: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)﴾ بلا عمد، وما زينت به من النجوم والشمس والقمر.
قوله تعالى: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩)﴾ أي جعلت منتصبة على وجه الأرض نصبًا ثابتًا، فصارت لها كالأوتاد ويلوذ بها الناس، ويتخذون منها بيوتًا.
قوله تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ أي بسطت
стр. 4183
ومهدت حتى صارت صالحة للمشي عليها، وإقامة المساكن فوقها، وهذا لا ينافي كونها كروية لأنها واسعة وسطحها مختلف ارتفاعًا وانخفاضًا.
فإنهم لو نظروا إلى كل ذلك نظر اعتبار وتفكر، لأيقنوا أن الله الذي خلقها قادر على بعثهم بعد الموت للحساب والجزاء، وخصت هذه الأربعة بالذكر لأنهم يشاهدونها دائمًا بأعينهم، وابتدئ بالإبل لأنها والله أعلم أشد ملابسة لهم من غيرها، والاستفهام في قوله «كيف» في المواضع الأربعة للتعجب والتعظيم، ولما ذكر الله الأدلة على التوحيد والقدرة على البعث أمر الله نبيه ﷺ بالتذكير.
قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾ أي إذا كان الأمر ما علمت فذكر أي: عظهم وداوم على التذكير ولا تيأس، فإن وظيفتك التذكير فقط، ولست هاديًا لهم فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.
قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ أي ليست عليهم بمسلط، أي لست بذي سلطة فتجبرهم على الإيمان بل لله الولاية عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [سورة ق، آية رقم: ٤٥]، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أُمِرتُ أن أقاتلَ النَّاسَ
стр. 4184
حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللّهِ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾» (١).
قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣)﴾ الاستثناء منقطع أي لكن من أعرض عن الإيمان وأصر على كفره.
قوله تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾ أي عذاب النار، ووصفه بالأكبر لأنه قد بلغ الغاية في الشدة، وكل عذاب نالهم في الدنيا فهو دونه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥)﴾ أي رجوعهم بعد الموت إلينا لا إلى غيرنا.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ أي يوم القيامة، فنحاسبهم على كفرهم لا بد من ذلك كما تقتضيه الحكمة، وتدل عليه صيغة الوجوب على في قوله تعالى: ﴿عَلَيْنَا﴾ فهو عهد أخذه على نفسه ولن يخلفه كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [سورة الحجر، آية رقم: ٩٢]، وقال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [سورة الصافات، آية رقم: ٢٤]، روى مسلم في صحيحه من حديث
стр. 4185
عدي بن حاتم ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4186
الكلمة السادسة والأربعون:
فوائد من سورة الغاشية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فقد اشتملت سورة الغاشية على فوائد جمة، فمن ذلك:
«١ - التنبيه على عظم شان يوم القيامة وأن الناس يكونون فيه على فريقين؛ أشقياء وسعداء.
٢ - ذكر أصناف عذاب الأشقياء من الذل والعمل الشاق وصلي النار، والسقي من الحميم وطعام الضريع.
٣ - أن حقيقة نار الآخرة وما فيها وأحوال أهلها لا تماثل حقائق ما في الدنيا.
٤ - أن وجوه المؤمنين يوم القيامة تكون ناعمة، أي يظهر عليها أثر النعيم بالبشر والسرور.
٥ - أن الجنة عالية وهي درجات، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ [سورة طه، آية رقم: ٧٥].
стр. 4187
٦ - أن في مجالس الجنة سرر مرفوعة أي رقيقة، وأكواب موضوعة في المجالس زينة وأعدادًا، ونمارق أي وسائد مصفوفة بعضها إلى بعض، وزرابي مبثوثة أي مبسوطة.
٧ - أن من نعيم الجنة ما هو حسِّي من المطاعم والمشارب والأشجار والقصور والأنهار والحور العين، ومنها ما هو نعيم أعظم كرؤية الله ورضاه عنهم.
٨ - أن خلق الإبل من عظيم الآيات، فقد هيئت في خلقها للركوب والحمل، ومذللة للإنسان مع فيها من المنافع أكلًا وشربًا.
٩ - أن من آيات الله نصب الجبال، وما في ذلك من تثبيت الأرض، فهي لها كالأوتاد، وفيها من المنافع ما أودعه الله فيها من المعادن المختلفة.
١٠ - أن من آيات الله سطح الأرض وهو بسطها للقرار عليها، ولذلك سميت: مهادًا وفراشًا، وفي جوفها وسطحها ما لا يحصى من النعيم والآيات، ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4188
الكلمة السابعة والأربعون:
تأملات في سورة الأعلى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فمن سور القرآن الكريم التي تتكرر على أسماعنا، وتحتاج منا إلى وقفة تأمل وتدبر سورة الأعلى، قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾. روى مسلم في صحيحه من حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ.
стр. 4189
قَالَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ (١).
وفي الركعة الأولى من الوتر إذا أوتر بثلاث (٢).
قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ الخطاب هنا للنبي ﷺ وأمته: أي نزه ربك عن النقائص والعيوب وعن كل ما لا يليق به تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. وذكر الاسم يدل على أن التسبيح يكون بالتلفظ باسم الرب باللسان، فينزه العبد ربه بلسانه كما ينزهه بجنانه. والأعلى صفة لربك وهي اسم تفضيل أي الأعلى على كل شيء بجميع أنوع العلو ذاتًا وقدرًا وقهرًا، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [سورة النحل، آية رقم: ٦٠]، وقال -سُبْحَانَهُ-: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [سورة الأنعام، آية رقم: ١٨].
قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢)﴾، أي خلق جميع المخلوقات.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ قال: «سُبْحَانَ
стр. 4190
رَبِّيَ الأَعْلَى» (١)، أي الذي خلق نفسي من العدم فأتقن خلقها، وجعلها مستوية في أحسن تقويم، وفي هذا إشارة إلى كمال قدرته تعالى وعلمه وحكمته.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ من التقدير: أي جعل لكل شيء قدرًا في ذاته وصفاته وفعله وأجله وكل ما يتعلق به، كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [سورة الفرقان، آية رقم: ٢]، وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» (٢).
فهدى: أي هدى كل مخلوق إلى ما يناسبه فهدى الإنسان إلى الخير والشر، والأنعام إلى مصالحها وعلَّمها أسباب بقائها، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [سورة طه، آية رقم: ٥٠].
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥)﴾ أي
стр. 4191
أنزل من السماء ماء فأنبت به أصناف النبات والعشب الكثير فرتع فيه الناس والبهائم وجميع الحيوانات، ثم بعد أن استكمل ما قُدر له من الشباب ألوى نباته، وصوح عشبه، فجعله يابسًا أسود، من الحُوة وهي سمرة تقرب من السواد، وهو في كلا الحالين علف للدواب.
قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ أي سنقرئك أيها النبي القرآن قراءة فلا تنساه، أي لا يذهب من صدرك، والذي يقرئ النبي ﷺ هو جبريل ﵇، وأضاف الله الإقراء إلى نفسه المقدسة لأنه الآمر بذلك. وكان النبي ﷺ يتعجل إذا جاء جبريل يُلقي عليه الوحي فقال الله له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [سورة القيامة، آيات رقم: ١٦ - ١٩] فصار النبي ﷺ ينصت حتى ينتهي جبريل من قراءة الوحي ثم يقرأه (١).
وفي الآية بشارة من الله تعالى لنبيه ﷺ أنه يقرئه القرآن ويحفظه ولا ينسى منه شيئًا، وتلك معجزة له ﵊، فمع أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، وليس راوية للأشعار والأخبار فإن الله يسر له حفظ القرآن ووعده باستمرار الوحي كما يفيده الفعل المضارع «سنقرئك» وقد وقع ذلك حقًا،
стр. 4192
وأمنه من نسيانه، وربما نُسي النبي ﷺ آية من كتاب الله ولكنه سرعان ما يذكرها ﵊.
روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقرأ من الليل فقال: «يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً، كُنْتُ أَسْقَطْتُهَا مِن سُورَةِ كَذَا وَكَذَا» (١).
قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ﴾ أي إلا ما شاء الله أن تنساه، وهو ما قضى الله بنسخه لحكمة وأن ترفع تلاوته وحكمه، قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [سورة الرعد، آية رقم: ٣٩].
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)﴾ أي يعلم ما يعلنه العباد من الأقوال والأفعال وما يخفونه فالله لا تخفى عليه خافية، كما قال -سُبْحَانَهُ-: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [سورة ق، آية رقم: ١٦].
قوله تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨)﴾ أي نسهل عليك أفعال الخير وأقواله، ونشرع لك شرعًا سهلًا سمحًا مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا عسر.
قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾ أي ما دامت
стр. 4193
الذكرى مقبولة والموعظة مسموعة سواء حصل من الذكرى جميع المقصود أو بعضه، ومفهوم الآية أنه إن لم تنفع الذكرى بأن كان التذكير يزيد في الشر أو ينقص من الخير لم تكن مأمورًا بها، بل منهيًّا عنها، فالذكرى ينقسم الناس فيها قسمين: منتفعين وغير منتفعين.
قوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠)﴾ أي هؤلاء هم المنتفعون، أي سينتفع بهذا التذكير والموعظة من يخاف الله. والخشية نوع من الخوف لكن يصاحبها تعظيم للمخوف منه وعلم به؛ فهي أخص من الخوف.
قوله تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١)﴾ أي البالغ الشقاوة وهو الكافر، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [سورة هود، آية رقم: ١٠٦]، والشقاوة ضد السعادة، قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾ [سورة هود، آية رقم: ١٠٥]. وحقيقة الشقاوة مقاساة أنواع الآلام الجسدية والنفسية، وأعظم ذلك ما يكون لأهل النار.
قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢)﴾ أي العظمى وهي نار الآخرة، فيدخلها ويقاسي حرها، وسمَّاها كبرى بالنسبة إلى نار الدنيا، كما قال ﷺ : «نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ جُزْءٌ مِنْ
стр. 4194
سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ» (١).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾ أي لا يموت فيستريح ولا يحيى حياة هنيئة فينتفع بها، فحياته في النار شقاء وعذاب، قال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [سورة فاطر، آية رقم: ٣٦]، ولما ذكر تعالى وعيد الأشقى المعرض عن الذكرى، ذكر وعد الذي يخشى ويتذكر بالذكرى فزكى نفسه بالإيمان والتوحيد والذكر والصلاة.
قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ أي فاز وربح من طهر نفسه ونقاها من الشرك والمعاصي وسائر الأخلاق الرديئة.
قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ يحتمل أن يراد به الذكر العام من التهليل والتسبيح والتكبير مما يبعث على أداء ما افترض الله وأعظم ذلك الصلاة، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [سورة طه، آية رقم: ١٤]، ويحتمل أن يراد به ذكر خاص وهو تكبيرة الإحرام التي يحصل بها الدخول في الصلاة والآية عامة، وبهذا يظهر عطف الصلاة على الذكر بالفاء، وقيل: المراد زكاة الفطر وصلاة العيد، وهذا بعيد لأن
стр. 4195
السورة مكية ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر.
قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦)﴾ أي لا تفعلون ما ذكر من التزكي والذكر والصلاة مما هو سبب الفلاح بل تفضلون الحياة الدنيا على الآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ والحال أن الآخرة خير، لما فيها من النعيم المقيم والسرور الدائم، ولا يلحقها زوال، خلافًا للدنيا فإنها فانية، فكيف يقدم الفاني على الباقي؟
روى ابن جرير في تفسيره عن ابن مسعود ﵁ أنه قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ فلما وصل إلى قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦)﴾ ترك القراءة وأقبل على أصحابه وقال: آثرنا الدنيا على الآخرة، فسكت القوم، فقال: آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة، فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل.
قال ابن كثير ﵀: «وهذا منه على وجه التواضع والهضم، أو هو إخبار عن الجنس من حيث هو والله أعلم» (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ أي ما تقدم من قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ إلى
стр. 4196
قوله: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ أي أن معنى هذا الكلام مذكور في الصحف الأولى المتقدمة التي أنزلها الله على إبراهيم الخليل وموسى الكليم وهما أفضل أولي العزم بعد محمد ﷺ ، والقرآن مصدق لها، وذلك المعنى مما اتفقت عليه الشرائع كلها، ونظير هذه الآيات قوله تعالى في سورة النجم: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين (١).
стр. 4197
الكلمة الثامنة والأربعون:
فوائد من سورة الأعلى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فإن هذه السورة الكريمة اشتملت على فوائد عديدة، ولذلك كان النبي ﷺ يداوم على قراءتها في الجمع والأعياد، أذكر من ذلك:
١ - الأمر بتسبيحه سبحانه بذكر اسمه جل وعلا، وقد شرع النبي ﷺ أن يكون هذا التسبيح في الركوع والسجود، فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى؛ أنه تعالى الهادي لا هادي سواه، فيجب طلب الهداية منه، ولذلك علمنا ﷺ أن ندعو: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي، وَسَدِّدْنِي» (١)، وفي التنزيل المبارك: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾.
٢ - إن الله لسعة علمه وكمال حكمته يُنسي
стр. 4198
نبيه بعض ما يُوحي إليه لما يريده من الخير لنبيه وأمته، ولذلك قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ١٠٦].
٣ - أنه تعالى هو الذي يجعل النبات بعد الخضرة والنضرة غثاء أصفر، وأحوى، أي أسود.
٤ - الامتنان من الله على عباده، بأن خلقهم فسواهم وهداهم وأخرج ما ترعاه بهائمهم.
٥ - بشارة النبي ﷺ بحفظه للقرآن فلا ينساه.
٦ - أن المنتفعين بالتذكرة هم أهل الخشية وهم المؤمنون، كما قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [سورة الذاريات، آية رقم: ٥٥].
فيدخل في ذلك من تذكر من الكافرين فآمن واتبع الذكر، وكذا المؤمن إذا ذكر فتذكر، وازداد بالتذكير إيمانًا.
٧ - وتتحقق الخشية بالعلم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [سورة فاطر، آية رقم: ٢٨].
٨ - الشقاء مقرون بالإعراض عن ذكر الله وطاعته، وعاقبته نار تلظى.
٩ - مما يجب علمه والإيمان به أن عذاب الدنيا مهما بلغ لا
стр. 4199
يقارن بعذاب الآخرة، فقد وصفه الله هنا بالكبرى، وفي آية أخرى قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾ [سورة الغاشية، آية رقم: ٢٣]، والمقارنة بينهما سبب للهلاك، ودليل على ضعف الإيمان، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [سورة العنكبوت، آية رقم: ١٠].
١٠ - يكون الخلائق يوم القيامة على ثلاثة أصناف: الأول أهل الحياة السعيدة وهم الذين آمنوا بالله وما أنزل، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [سورة هود، آية رقم: ١٠٨]، والصنف الثاني أهل الشقاء وهم الذين أعرضوا عن ذكر ربهم، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [سورة هود، الآيتان: ١٠٦، ١٠٧]، والصنف الثالث بعض الخلائق من غير الجن والإنس يقتص الله من بعضهم لبعض ثم يقول لهم: كونوا ترابًا.
١١ - أن أعظم الجهل والسفه إيثار حظوظ الدنيا الفانية على حظوظ الآخرة التي هي خير وأبقى (١).
стр. 4200
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [سورة لقمان، الآيات: ١٢ - ١٩].
في هذه الآيات الكريمات ذكر الله وصايا الرجل الصالح لقمان ﵇ لابنه لما فيها من الفوائد والحكم، قال ابن كثير ﵀: «اختلف السلف في لقمان ﵇ هل كان نبيًا أو عبدًا صالحًا من غير نبوة؟ على قولين؛ الأكثرون على الثاني. ونقل عن ابن جرير بإسناده إلى عمرو بن قيس قال: «كان لقمان عبدًا أسود غليظ الشفتين مصفح القدمين، فأتاه رجل وهو في مسجد أُناس يحدثهم فقال له: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا، قال: نعم، فقال: فما بلغ بك ما أرى، قال: صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني»، وفي رواية أخرى زيادة: «وأداء الأمانة».
[وعن عمر مولى غُفرة قال: وقف رجل على لقمان الحكيم فقال: أنت لقمان؟ أنت عبد بني الحسحاس؟ قال: نعم، قال: أنت راعي الغنم؟ قال: نعم، قال: أنت الأسود؟ قال: أما سوادي فظاهر، فما الذي يعجبك من أمري؟ قال: وطء الناس بساطك، وغشيهم بابك، ورضاهم بقولك، قال: إن أصغيت إلى ما أقول لك كنت كذلك، قال لقمان: غضي بصري، وكفي لساني، وعفة طعمتي، وحفظي فرجي، [وقولي بصدقي]، ووفائي بعهدي، وتكرمتي ضيفي، وحفظي جاري، وتركي ما لا يعنيني، فذاك
стр. 4203
الذي صيرني إلى ما ترى] (١).
وساق ابن أبي حاتم بسنده إلى أبي الدرداء ﵁ أنه قال يومًا - وذكر لقمان الحكيم - فقال: ما أُوتي ما أُوتي عن أهل ولا مال، ولا حسب ولا خصال، ولكنه كان رجلًا صمصامةً سكيتًا، طويل التفكر، عميق النظر، لم ينم نهارًا قط، ولم يره أحد قط يبزق ولا يتنخع، ولا يبول ولا يتغوط، ولا يغتسل، ولا يعبث ولا يضحك، وكان لا يعيد منطقًا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحد، وكان قد تزوج وولد له أولاد فماتوا فلم يبك عليهم، وكان يغشى السلطان ويأتي الحكام، لينظر ويتفكر ويعتبر، فبذلك أُوتي ما أُوتي (٢).
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: وهذه الوصايا التي وصى بها لقمان ابنه تجمع أمهات الحكم وتستلزم ما لم يذكر منها، وكل وصية يقرن بها ما يدعو إلى فعلها إن كانت أمرًا،
стр. 4204
وإلى تركها إن كانت نهيًا، وهذا يدل على ما ذكرنا في تفسير الحكمة؛ أنها العلم بالأحكام وحكمها ومناسباتها.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾، والحكمة هي الفهم والعلم، وهي من أفضل ما أُوتي العبد، قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ٢٦٩]، وهذه من العطايا التي تستوجب الشكر، لذلك قال - سُبْحَانَهُ -: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾. وفي هذه الآية من الفوائد:
١ - أن فضل الله ليس مقصورًا على أحد، يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، فعلى العبد أن يسأله ذلك ولا ييأس ولا يقنط.
٢ - أن الحكمة من أفضل ما أُوتي العبد.
٣ - أن الحكيم ينبغي الانتفاع بحكمه ومواعظه ووصاياه.
٤ - إن من أسباب زيادة النعم ودوامها شكر المنعم بها وهو الله ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [سورة إبراهيم، آية رقم: ٧]
٥ - أن شكر الشاكر يعود نفعه عليه وينال به أفضل الجزاء، قال
стр. 4205
تعالى: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة آل عمران، آية رقم: ١٤٤]، وقال تعالى ممتنًا على نبيه لوط ﵇: ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥)﴾ [سورة القمر، آية رقم: ٣٥].
٦ - كذلك الكافر فإنما يعود ضرره عليه، ولا يضر الله شيئًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)﴾ [سورة آل عمران، آية رقم: ١٧٧].
٧ - أن الله تعالى غني لا تنفعه طاعة الطائع، ولا تضره معصية العاصي، قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [سورة الزمر، آية رقم: ٧].
٨ - أن من تقرب إلى الله تعالى ولو بشيء يسير فإنه لا يضيع عند الله لأنه حميد، فأربح التجارات هي التجارة معه ، قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [سورة المزمل، آية رقم: ٢٠].
٩ - ينبغي للمسلم أن يُوصي بهذه الوصايا ونحوها، وأولى الناس بذلك الأولاد وهو أشفق الناس عليهم وهي سنة الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ