← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

الكلمة التاسعة والأربعون: وصايا لقمان الحكيم ﵇ لابنه: (الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ

стр. 4202

وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [سورة لقمان، الآيات: ١٢ - ١٩]. في هذه الآيات الكريمات ذكر الله وصايا الرجل الصالح لقمان ﵇ لابنه لما فيها من الفوائد والحكم، قال ابن كثير ﵀: «اختلف السلف في لقمان ﵇ هل كان نبيًا أو عبدًا صالحًا من غير نبوة؟ على قولين؛ الأكثرون على الثاني. ونقل عن ابن جرير بإسناده إلى عمرو بن قيس قال: «كان لقمان عبدًا أسود غليظ الشفتين مصفح القدمين، فأتاه رجل وهو في مسجد أُناس يحدثهم فقال له: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا، قال: نعم، فقال: فما بلغ بك ما أرى، قال: صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني»، وفي رواية أخرى زيادة: «وأداء الأمانة». [وعن عمر مولى غُفرة قال: وقف رجل على لقمان الحكيم فقال: أنت لقمان؟ أنت عبد بني الحسحاس؟ قال: نعم، قال: أنت راعي الغنم؟ قال: نعم، قال: أنت الأسود؟ قال: أما سوادي فظاهر، فما الذي يعجبك من أمري؟ قال: وطء الناس بساطك، وغشيهم بابك، ورضاهم بقولك، قال: إن أصغيت إلى ما أقول لك كنت كذلك، قال لقمان: غضي بصري، وكفي لساني، وعفة طعمتي، وحفظي فرجي، [وقولي بصدقي]، ووفائي بعهدي، وتكرمتي ضيفي، وحفظي جاري، وتركي ما لا يعنيني، فذاك

стр. 4203

الذي صيرني إلى ما ترى] (١). وساق ابن أبي حاتم بسنده إلى أبي الدرداء ﵁ أنه قال يومًا - وذكر لقمان الحكيم - فقال: ما أُوتي ما أُوتي عن أهل ولا مال، ولا حسب ولا خصال، ولكنه كان رجلًا صمصامةً سكيتًا، طويل التفكر، عميق النظر، لم ينم نهارًا قط، ولم يره أحد قط يبزق ولا يتنخع، ولا يبول ولا يتغوط، ولا يغتسل، ولا يعبث ولا يضحك، وكان لا يعيد منطقًا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحد، وكان قد تزوج وولد له أولاد فماتوا فلم يبك عليهم، وكان يغشى السلطان ويأتي الحكام، لينظر ويتفكر ويعتبر، فبذلك أُوتي ما أُوتي (٢). قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: وهذه الوصايا التي وصى بها لقمان ابنه تجمع أمهات الحكم وتستلزم ما لم يذكر منها، وكل وصية يقرن بها ما يدعو إلى فعلها إن كانت أمرًا،

стр. 4204

وإلى تركها إن كانت نهيًا، وهذا يدل على ما ذكرنا في تفسير الحكمة؛ أنها العلم بالأحكام وحكمها ومناسباتها. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾، والحكمة هي الفهم والعلم، وهي من أفضل ما أُوتي العبد، قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ٢٦٩]، وهذه من العطايا التي تستوجب الشكر، لذلك قال - سُبْحَانَهُ -: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾. وفي هذه الآية من الفوائد: ١ - أن فضل الله ليس مقصورًا على أحد، يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، فعلى العبد أن يسأله ذلك ولا ييأس ولا يقنط. ٢ - أن الحكمة من أفضل ما أُوتي العبد. ٣ - أن الحكيم ينبغي الانتفاع بحكمه ومواعظه ووصاياه. ٤ - إن من أسباب زيادة النعم ودوامها شكر المنعم بها وهو الله ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [سورة إبراهيم، آية رقم: ٧] ٥ - أن شكر الشاكر يعود نفعه عليه وينال به أفضل الجزاء، قال

стр. 4205

تعالى: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة آل عمران، آية رقم: ١٤٤]، وقال تعالى ممتنًا على نبيه لوط ﵇: ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥)﴾ [سورة القمر، آية رقم: ٣٥]. ٦ - كذلك الكافر فإنما يعود ضرره عليه، ولا يضر الله شيئًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)﴾ [سورة آل عمران، آية رقم: ١٧٧]. ٧ - أن الله تعالى غني لا تنفعه طاعة الطائع، ولا تضره معصية العاصي، قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [سورة الزمر، آية رقم: ٧]. ٨ - أن من تقرب إلى الله تعالى ولو بشيء يسير فإنه لا يضيع عند الله لأنه حميد، فأربح التجارات هي التجارة معه ، قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [سورة المزمل، آية رقم: ٢٠]. ٩ - ينبغي للمسلم أن يُوصي بهذه الوصايا ونحوها، وأولى الناس بذلك الأولاد وهو أشفق الناس عليهم وهي سنة الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ

стр. 4206

(١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [سورة البقرة، الآيات: ١٣٠ - ١٣٣]. وصايا لقمان الحكيم ﵇ -: الوصية الأولى: الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك. وقد بدأ الله بها لأنها أعظم الوصايا وأنفعها، فأعظم ما أمر الله به التوحيد، وأعظم ما نهى الله عنه الشرك، والنهي عن الشرك يستلزم توحيد الله وإخلاص العبادة له - سُبْحَانَهُ -، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل، آية رقم: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ٢٥٦]، وما أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب وجردت السيوف ورفعت رايات الجهاد إلا لطمس معالم الشرك، وأن يكون الدين كله لله. قال الشيخ ابن سعدي ﵀: «ووجه كون الشرك ظلمًا عظيمًا أنه لا أفظع وأبشع من سوَّى المخلوق من تراب بمالك الرقاب وسوَّى الذي لا يملك من الأمر شيئًا بمالك الأمر

стр. 4207

كله، وسوَّى الناقص الفقير من جميع الوجوه بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه، وسوَّى من لم ينعم بمثقال ذرة من النعم بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم ودنياهم وأُخراهم وقلوبهم وأبدانهم إلا منه، ولا يصرف السوء إلا هو. فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟ وهل أعظم ظلمًا ممن خلقه الله لعبادته وتوحيده فذهب بنفسه التي خلقها الله في أحسن تقويم فجعلها في أخس المراتب، جعلها عابدة لمن لا يسوى شيئًا فظلم نفسه ظلمًا كثيرًا» (١). ولقد أبدى الله وأعاد كثيرًا في كتابه الكريم في النهي عن الشرك لعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا فإن صاحبه يحرم الأمن والهداية، وأما في الآخرة فشقاء الأبد وخلود في نار جهنم لا يموت فيها ولا يحيا، وأما من وحد الله فعيشه أنعم العيش وحياته أطيب الحياة، وفي الآخرة ينعم برضى الله ونعيم باق، وخلود دائم في جنة عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين. وإن من فضل الله تعالى على خلقه أنه لا يأمرهم بشيء إلا بيَّن لهم نفعه، ولا ينهاهم عن شيء إلا بيَّن لهم ضرره، حتى يكون العبد على بصيرة بمن يتعلق ولمن يسلم وجهه

стр. 4208

إليه، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ [سورة النحل، آية رقم: ١٧]، وقال تعالى - مبينًا لعباده عظمته وأنه هو الذي يجب أن يُتعلق به ويتوكل عليه وتخلص العبادة له: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [سورة الفرقان، الآيتان رقم: ١ - ٢]، ثم قال تعالى مبينًا ضعف المخلوق وأن أخسر الناس من تعلق بمخلوق ضعيف مثله فقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ [سورة الفرقان، آية رقم: ٣]. وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾ [سورة النحل، الآيتان: ٧٥ - ٧٦]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4209

الكلمة الخمسون: وصايا لقمان الحكيم ﵇ لابنه: (بر الوالدين) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. الوصية الثانية: من وصايا لقمان الحكيم لابنه: بر الوالدين. وردت النصوص الشرعية بالحث على بر الوالدين مع بيان الأجر العظيم في ذلك والتحذير من عقوقهما مع بيان ما يترتب عليه من الأضرار الوخيمة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [سورة الإسراء، آية رقم: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [سورة النساء، آية رقم: ٣٦]. وقال النبي ﷺ : «رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ»، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ،

стр. 4210

أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» (١). وقال ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ» (٢). وقال ﷺ : «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ» (٣). وكثيرًا ما يقرن الله بين عبادته والوصية بالوالدين وهذا يدل على عظمة ذلك، وهكذا في وصايا لقمان ﵇، فبعد أن أوصاه بعبادة الله وحده ثنى بطاعة الوالدين، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾، وفي هاتين الآيتين من الفوائد والحكم ما يدعو إلى تدبرها والوصية بها: ١ - رحمة الله بعباده إذ يوصيهم بما ينفعهم فعلًا وتركًا. ٢ - أن الوصية بالوالدين عامة لكل الناس مشركهم ومؤمنهم وكافرهم ومسلمهم.

стр. 4211

٣ - الوالدان الموصى بهما هما الأب والأم، ويلحق بهما الجد والجدة. ٤ - بين الله تعالى سبب الوصية للوالدين فقال عن الأم: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، قال ابن سعدي ﵀: «أي مشقة على مشقة، فلا تزال تلاقي المشاق من حين يكون نطفة من الوحم والمرض والضعف والثقل وتغير الحال، ثم وجع الولادة، ثم فصاله في عامين». وهو ملازم لحضانة أمه وكفالتها ورضاعها، أفما يحسن بمن تحمل على ولده هذه الشدائد مع شدة الحب أن يؤكد على ولده ويوصي الله بتمام الإحسان إليه (١). ٥ - أن تمام الرضاعة عامان كاملان، قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ٢٣٣]. ٦ - الله - سُبْحَانَهُ - وتعالى شكور وسمى نفسه الشكور وأمر عباده أن يشكروه لما له عليهم من الفضل العظيم ويشكروا من أحسن إليهم، ويعلموا أنهم حين يقومون بذلك سيرجعون إلى الله تعالى فيجزيهم أحسن الجزاء، ولذلك قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [سورة لقمان، آية رقم: ١٤]. ٧ - قرن الله تعالى بين شكره وشكر الوالدين، فكما أن الله

стр. 4212

يستحق الشكر لأنه هو الذي أوجدك من العدم فكذلك أوصى بشكر من كان سببًا في وجودك، ولو لم يكن إلا هذا السبب لكفى به موجبًا لبر الوالدين وطاعتهما. وهذا السبب لا يوجد من أعمال البر ما يكافئه إلا شيئًا واحدًا لا يتوفر في غالب الناس، قال النبي ﷺ : «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» (١). ٨ - مع هذه الوصايا العظيمة ببر الوالدين إلا أن طاعتهما مشروطة بأن تكون في غير معصية الله، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق مهما عظم قدره. روى مسلم في صحيحه من حديث مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ أنه نزلت فيه آيات من القرآن، قال: «حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ أَبَدًا حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ، وَلَا تَأْكُلَ وَلَا تَشْرَبَ، قَالَتْ: زَعَمْتَ أَنَّ اللهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيْكَ، فَأَنَا أُمُّكَ، وَأَنَا آمُرُكَ بِهَذَا. قَالَ: مَكَثَتْ ثَلَاثًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا مِنَ الْجَهْدِ، فَقَامَ ابْنٌ لَهَا يُقَالُ لَهُ عُمَارَةُ، فَسَقَاهَا، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى سَعْدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾» (٢). ٩ - ما أرحمك يا رب وما أحلمك وما أكرمك، فشرك الوالدين

стр. 4213

وكفرهما وعصيانهما لربهما؛ بل حتى مع اجتهادهما وشدة حرصهما على ولدهما أن يشرك بالله تعالى ولا يؤمن به ويعصيه ولا يطيعه، مع هذا كله أمر بالإحسان إليهما ومصاحبتهما بالمعروف ولم يقل: وإن جاهداك على أن تشرك بي فعقهما؛ بل قال: «فلا تطعهما». ١٠ - قوله تعالى: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. بيان واضح أن كل من أشرك بالله تعالى أن فعله ليس على علم بل على جهل وضلال، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [سورة المؤمنون، آية رقم: ١١٧]. وقد تحدى الله تعالى جميع الخلق أن يأتوا ببرهان على شركهم، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾ [سورة الأحقاف، آية رقم: ٤]. ١١ - في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ حث على اتباع سبيل المؤمنين المنيبين إلى الله والاقتداء بهم ومصاحبتهم، قال تعالى لنبيه ﷺ لما ذكر الأنبياء قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [سورة الأنعام، آية رقم: ٩٠]، وكما أمر باتباع سبيل المؤمنين حذر من

стр. 4214

اتباع سبيل غيرهم فقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [سورة النساء، آية رقم: ١١٥]. ١٢ - تضمنت الآية الكريمة التنبيه إلى فضل مصاحبة الأخيار، وقد وردت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة تحث على ذلك وتنهى عن خلافه، قال تعالى - بعد أن ذكر ما وجده زكريا ﵇ من الرزق عند مريم ﵍ الذي لا يوجد عند غيرها، وأن الله هو الذي رزقها به -قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [سورة آل عمران، آية رقم: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ [سورة الزخرف، آية رقم: ٦٧]. فمصاحبة الصالحين خير وبركة في الدنيا والآخرة، روى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ، وجَلِيسِ السُّوءِ، كَحامِلِ المِسْكِ، ونافِخِ الكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ، إِمَّا أنْ يَحْذِيَكَ، وإِمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، ونافِخُ الكِيرِ، إِمَّا أنْ يَحْرِقَ ثَيابَكَ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ رِيحًا خَبيثَةً» (١). وروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن

стр. 4215

النبي ﷺ قال: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» (١). وأيضًا فإن من جالسهم تشمله بركة مجالستهم ويعمه الخير الحاصل لهم، وإن لم يكن عمله بالغًا مبلغهم، كما دل على ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ، يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ»، وفي آخر الحديث: «فَيَقُولُ اللَّهُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ». قَالَ: «يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. قَالَ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» (٢). قال عمر ﵁: لولا ثلاث ما أحببت العيش في هذه الحياة الدنيا: ظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات من الليل، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام، كما ينتقى أطايب الثمر. قال الشافعي: إِذا لَم أَجِد خِلًّا تَقِيًّا فَوِحْدَتِي ... أَلَذُّ وَأَشْهَى مِنْ غَوِيٍّ أُعَاشِرُه وَأَجْلِسُ وَحْدِي لِلْعِبَادَةِ آمِنًا ... أَقَرُّ لِعَيْنِي مِنْ جَلِيسٍ أُحَاذِرُه

стр. 4216

١٣ - في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ تنبيه إلى أنه ينبغي للعبد أن يتذكر عند كل عمل صالح يعمله أنه سيلاقيه، فيدفعه ذلك إلى إحسانه وإخلاص النية فيه، فما ضل من ضل إلا بنسيان ذلك اللقاء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [سورة ص، آية رقم: ٢٦]. ١٤ - في قوله تعالى: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾، إن الله يحصي أعمال العباد عليهم في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾، ثم يُقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [سورة الإسراء، الآيتان: ١٣ - ١٤]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ [سورة آل عمران، آية رقم: ٣٠]. فمن عمل وأيقن أن كل عمل يعمله سيلاقيه يوم القيامة لم يقدم إلا خيرًا. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4217

الكلمة الواحدة والخمسون: وصايا لقمان الحكيم ﵇ لابنه: (مراقبة الله، وإقامة الصلاة) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. الوصية الثالثة: فمن وصايا لقمان الحكيم لابنه: مراقبة اللَّه تعالى: قوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾. في هذه الآية من الفوائد: ١ - ينبغي للواعظ والناصح أن يكون في موعظته ما يشعر بالإشفاق على المنصوح، فإن قوله: يا بني ليس تصغير احتقار وإنما هو تصغير إشفاق. ٢ - أن الموعظة لا تكون موعظة حقًّا حتى تشتمل على بيان عظمة الله وسعة علمه وبالغ قدرته، وهكذا كانت دعوة الأنبياء لأقوامهم، قال نوح ﵊ لقومه:

стр. 4218

﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ [سورة نوح، الآيات: ١٣ - ١٦]. وقد اشتمل القرآن أول ما نزل على نبينا محمد ﷺ تذكيره بعظمته ? فقال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [سورة العلق، الآيات: ١ - ٥]. وتعظيم الخالق في نفوس الخلق هو أول ما يجب على من دعا إلى الله، وبذلك أمر الله نبيه فقال: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ [سورة المدثر، آية رقم: ٣]، ولذلك تجد هذا المعنى في جميع قصص الأنبياء مع قومهم، ومن هنا يعلم الخطأ الكبير الذي يقع فيه بعض خطباء الجمعة الذين تخلو خطبهم من الموعظة، وإنما هي دروس علمية، ومسائل فقهية. ٣ - الهاء في قوله: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا﴾ أي الخطيئة والحسنة، قال ابن جرير ﵀: لأن الله تعالى ذكره لم يعد عبادهُ أن يوفيهم جزاء سيئاتهم دون جزاء حسناتهم فيقال إن المعصية إن تك حبة من خردل يأت بها الله، بل وعد كلا العاملين أن يوفيه جزاء أعمالهما» (١).

стр. 4219

٤ - في الآية بيان سعة علم الله وعظيم قدرته المحيطة بما دق وجل من خلقه، فإن حبة الخردل حبة متناهية في الصغر، ولدقيق علمه فإنه يأتي بها، وسواء في ذلك أن تكون في صخرة صماء أو في السموات أو في الأرض، ولذلك قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾. ٥ - من أسماء الله الحسنى اللطيف والخبير، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾، أي لطف في علمه وخبرته حتى اطلع على البواطن والأسرار وخفايا القفار والبحار. وفي معنى هذه الآية وردت آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [سورة الأنبياء، آية رقم: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [سورة النساء، آية رقم: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [سورة الزلزلة، آيتان رقم: ٧ - ٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ

стр. 4220

وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [سورة يونس، آية رقم: ٦١]. الوصية الرابعة: إقامة الصلاة: يوصي لقمان الحكيم ﵇ ابنه بإقامة الصلاة فيقول فيما حكاه الله عنه: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، وفيها من الفوائد: ١ - أن الصلاة من العبادات التي لا يستغني عنها البشر، ولذلك فرضها الله وشرعها لجميع الأمم لحاجتهم إليها، فمن دونها لا يطيب عيش، ولا يهنأ بال، ولا تسكن نفس، ولا تقر عين. الصلاة هي قرة أعين الموحدين، وصلة العارفين بربهم، قال ﷺ : «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَينِي فِي الصَّلَاةِ» (١)، وقال ﷺ : «قُمْ يَا بِلَالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ» (٢)، من حفظها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. في إقامتها تستقيم حياة المرء، فيحفظه الله بها من الوقوع في المناهي، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت، آية رقم: ٤٥]. مثلها كمثل رجل على نهر جار يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من

стр. 4221

درنه شيء (١)، هي كما قال ﷺ : « ... والصَّلَاةُ نُورٌ» (٢). وأمره ربه أن يبشر المصلين، قال ﷺ : «بَشِّرْ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣). فالصلاة لا تحصى فضائلها، ولا يُحاط بخصالها. قال إبراهيم ﵇ فيما حكاه الله عنه: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠)﴾ [سورة إبراهيم، آية رقم: ٤٠]. وقال تعالى لموسى وقومه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾ [سورة يونس، آية رقم: ٨٧]، وقال تعالى عن زكريا: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [سورة آل عمران، آية رقم: ٣٩]، وغير ذلك من الآيات الدالة على أن الصلاة لا تستغني عنها أمة من الأمم. وأخبر النبي ﷺ عن الأنبياء أنهم في قبورهم يصلون (٤).

стр. 4222

ومن عجيب ما يذكر في ذلك ما جاء في قصة إسلام أبي ذر أنه كان في الجاهلية يصلي، روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن الصامت ﵁ أن أبا ذر ﵁ قال له: وَقَدْ صَلَّيْتُ، يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللهِ ﷺ بِثَلَاثِ سِنِينَ، قُلْتُ: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ، قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي، أُصَلِّي عِشَاءً حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ (١)، حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ (٢). ٢ - لم يقل لقمان لابنه: صل، وإنما قال له: أقم الصلاة، وبهذا اللفظ وردت أكثر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وهذا اللفظ أبلغ وأشمل، فهو يدل على أن المطلوب أن تقام الصلاة على أكمل الوجوه، وما يشرع فيها من خشوع القلب والجوارح، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾ [سورة البقرة،

стр. 4223

آية رقم: ٢٧٧]، وغيرها كثير. ٣ - لا يصدق على العبد أن يكون مقيمًا للصلاة حتى يقوم فيها بالأمور التالية: أ- أن يكون خاشعًا في صلاته مقبلًا فيها على ربه يعلم ما يقول فيها، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [سورة النساء، آية رقم: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [سورة المومنون، آية رقم: ١ - ٢]. وقال النبي ﷺ : «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ تُسْعُهَا ثُمْنُهَا سُبْعُهَا سُدْسُهَا خُمْسُهَا رُبْعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا» (١). ومما ينبغي التنبيه عليه أن الرجلين يقومان في الصف قد أديا أعمال الصلاة الظاهرة من التكبير إلى التسليم وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض. قال ابن القيم ﵀: «والناس في الصلاة على مراتب خمسة: أحدها: مرتبة الظالم لنفسه المفرط، وهو الذي انتقص من وضوئها ومواقيتها وحدودها وأركانها.

стр. 4224

الثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها، لكنه قد ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة، فذهب مع الوساوس والأفكار. الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار، فهو مشغول بمجاهدة عدوه لئلا يسرق صلاته، فهو في صلاة وجهاد. الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها، واستغرق قلبه مراعاة حدودها لئلا يُضيْع شيئًا منها، بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي وإكمالها وإتمامها، قد استغرق قلبه شأن الصلاة وعبودية ربه فيها. الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه ﵄، ناظرًا بقلبه إليه، مراقبًا له، ممتلئًا من محبته وعظمته كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطرات، وارتفعت حجبها بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل وأعظم مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربه ﵄. فالقسم الأول معاقب، والثاني محاسب، والثالث مكفر عنه، والرابع مثاب، والخامس مقرب، لأن له نصيبًا ممن جعلت قرة عينه في الصلاة، فمن قرت عينه بصلاته في الدنيا قرت عينه بقربه من ربه

стр. 4225

- في الآخرة، وقرت عينه أيضًا به في الدنيا، ومن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تعالى تقطعت نفسه على الدنيا حسرات» (١). ب- أن يؤديها بشروطها وأركانها وواجباتها وتكمل إقامتها بالإتيان بما يُستحب فيها، قال ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٢). ج- المداومة على أدائها حتى الممات، قال تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ [سورة المعارج، آيتان: ٢٢ - ٢٣]، وكان من آخر ما وصى به النبي ﷺ وهو يلفظ أنفاسه أن قال: «الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4226

الكلمة الثانية والخمسون: وصايا لقمان الحكيم ﵇ لابنه: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. الوصية الخامسة والسادسة: من وصايا لقمان الحكيم ﵇ لابنه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال لقمان ﵇ لابنه - فيما حكاه الله عنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، وفي هذا من الفوائد: ١ - أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروع في الأمم السابقة وهذا يدل على أن المجتمعات لا تصلح بدونه، وقد فضل اللَّه أمة محمد ﷺ على سائر الأمم السابقة لقيامهم بهذا الأمر فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١١٠]. قال عمر ﵁: «من سره أن يكون من هذه الأمة، فليؤد

стр. 4227

شرط الله فيها» (١). وقال القرطبي ﵀: «إنما صارت أمة محمد ﷺ خير أمة لأن المسلمين منهم أكثر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى» (٢). وقال أيضًا ﵀: «في هذه الآية مدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك، واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير وتواطؤوا على المنكر زال عنهم المدح، ولحقهم اسم الذم وكان ذلك سببًا في هلاكهم» (٣). ٢ - أن العبد قد يستقيم في نفسه، ولا يكون ذلك كافيًا بل عليه أن يقيم على الحق غيره، بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. فهذا لقمان ﵇ لما أوصى ابنه بالاستقامة في نفسه أمره بذلك، فإن شخصية المسلم مبنية على أربعة أركان: الأول: العلم والإيمان. الثاني: العمل الصالح. الثالث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الرابع: الصبر.

стр. 4228

قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [سورة العصر، الآيات: ١ - ٣]. ٣ - الحياة كلها أمر ونهي، فمن كان أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فذاك المؤمن، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [سورة التوبة، آية رقم: ٧١]. فمن عكس ذلك فهو المنافق، قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [سورة التوبة، آية رقم: ٦٧]. ٤ - من فوائد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجنب سخط الله ولعنته، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [سورة المائدة، آيتان: ٧٨ - ٧٩]. ٥ - ومن فوائده أيضًا أنه إذا وقع الهلاك على العاصين نجا أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ [سورة _________

стр. 4229

هود، آية: ١١٧]. ٦ - ومنها أن من لم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وهو قادر على ذلك فإنه يهلك مع أهل المنكر وإن لم يعمل عملهم، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [سورة الأعراف، الآيات: ١٦٣ - ١٦٦]. وقصة اعتدائهم في السبت أنهم نهوا عن الصيد في يوم السبت فاحتالوا على ارتكاب المحرم بأن جعلوا الشباك يوم السبت وجمعوا السمك يوم الأحد، وظنوا أنهم يسلمون من الإثم. قال ابن عباس ﵄: «كانوا أثلاثًا، ثلث نهوا، وثلث قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم» (١).

стр. 4230

٧ - في زمن الفتن يكون المؤمنون على صنفين؛ الصنف الأول الذين يُؤذَون في سبيل الله لقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومخالطة الناس، والصبر على أذاهم. والصنف الثاني: المعتزلون، والأول أفضل من الثاني، قال النبي ﷺ : «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» (١). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبدالرحمن الحضرمي ﵁ قال: أخبرني من سمع النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ مِنْ أُمَّتِي قَومًا يُعطَوْنَ مِثل أُجُورِ أَوَّلِهِم يُنكِرُونَ المُنكَرَ» (٢). وقال النبي ﷺ عندما سئل: أي الناس خير؟ قال: «رَجُلٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» (٣).

стр. 4231

٨ - ومنها رحمة الله بهذه الأمة حيث جعل النهي عن المنكر على مراتب حسب قدرة المرء واستطاعته، قال ﷺ : «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» (١). قال ابن مسعود ﵁: لما وضعت قريش سلى الجزور على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد عند الكعبة لو كانت لي منعة طرحته (٢)، فلم ينقص ذلك من قدره ولا مكانته؛ بل إن النبي ﷺ عندما ضحك الصحابة من دقة ساقيه قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ» (٣). روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله ابن مسعود ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ لَا أُغْنِي شَيْئًا، لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 4232

سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ، قَالَ: وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ البَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ، ثُمَّ سَمَّى: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ ابْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ» - وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ نَحْفَظْهُ -، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَرْعَى، فِي القَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ (١). ٩ - أن المرء يهلك برضاه عن المنكر وإن كان بعيدًا عنه، والعكس بالعكس، قال ﷺ : «إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا، - وَقَالَ مَرَّةً: أَنْكَرَهَا - كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا» (٢). ١٠ - أن من أشد أنواع النفاق ما يكون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أسامة بن زيد ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ (٣) فِي النَّارِ،

стр. 4233

فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ المُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ» (١). قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [سورة البقرة، آية:٤٤]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [سورة الصف، الآيتات:٢ - ٣]. قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي ﵀: قوله: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ أي: لم تقولون الخير وتحثون عليه، وربما تمدحتم به، وأنتم لا تفعلونه؟ وتنهون عن الشر وربما نزهتم أنفسكم عنه، وأنتم متلوثون متصفون به؟! ولهذا ينبغي للآمر بالخير أن يكون أول الناس مبادرة إليه، والناهي عن الشر أن يكون أبعد الناس عنه (٢). روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ

стр. 4234

شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قال: خُطَبَاءُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا يَعْقِلُونَ» (١). وروى الطبراني في معجمه الكبير من حديث جندب بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ الَّذِيْ يُعَلِّمُ النَّاسَ الخَيْرَ وَيَنْسَى نَفْسَهُ مَثَلُ مِصْبَاحٍ يُضِيْءُ لِلنَّاسِ ويُحْرِقُ نَفْسَهُ» (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه، فذنبه من جنس ذنب اليهود» (٣). وكان الحسن إذا نهى عن شيء لا يأتيه أصلًا، وإذا أمر بشيء كان شديد الأخذ به، وهكذا تكون الحكمة، قال أبو الأسود الدؤلي: لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ وَابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا ... فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ

стр. 4235

فَهُنَاكَ يُقْبَلُ إِنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى ... بَالعِلْمِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ (١) والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4236

الكلمة الثالثة والخمسون: وصايا لقمان الحكيم ﵇ لابنه: (الصبر على الأذى في سبيل الله) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. الوصية السابعة: من وصايا لقمان الحكيم ﵇ لابنه الصبر على الأذى في سبيل اللَّه، قال الله تعالى - فيما حكاه الله عنه - ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [سورة لقمان، آية رقم: ١٧]، وفي ذلك من الفوائد ما يلي: ١ - أن الصابر على الأذى في سبيل الله من أهل العزائم، ولا يبلغ هذه المرتبة إلا الكمل من الرجال وقد خص الله بعض أنبيائه بذلك فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [سورة الأحقاف، آية رقم: ٣٥]، قال الشيخ السعدي عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: من الأمور التي يعزم عليها ويهتم بها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم (١).

стр. 4237

قال الشاعر: عَلَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَأْتِ العَزَائِمُ ... وَتَأْتِي عَلى قَدْرِ الكِرَامِ المَكَارِمُ وذكر الصبر هنا بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعد قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ تنبيه على أن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لا بد أن يلحقه الأذى، وأن دواء ذلك وعلاجه النافع هو الصبر، قال بعض السلف: عجبت للصبر تُداوى به الأشياء ولا يُداوى بشيء. ٢ - أن من أفضل المنح والعطايا أن يُرزق العبد الصبر، قال النبي ﷺ : « ... وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (١). ٣ - أن الله مع الصابر يقويه ويثبته ويعينه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ١٥٣]، وقال النبي ﷺ : «وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ» (٢). ٤ - من فضائل الصبر أن أجره لا حد له ولا عد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [سورة الزمر، آية رقم: ١٠].

стр. 4238

٥ - هذه الفضائل العظيمة والأجور الكبيرة لا ينال كمالها إلا بأمرين: أحدهما: أن يشتمل على الأحوال الثلاثة وهي: الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله. وثانيهما: أن يكون الصبر لله وفي الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [سورة الرعد، آية رقم: ٢٢]. وبذلك أمر الله نبيه حين بعثه برسالته، قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ [سورة المدثر، آية رقم: ٧]. ٦ - مما يعين على أن يكون العبد صابرًا حقًّا العلم بعواقب الأمور (١)، فإن العلم بذلك يجعل العبد دائمًا على استعداد لوقوع المفاجآت، من أجل ذلك قال ﷺ : «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى» (٢). ومن ذلك علمه بعواقب الصبر الحميدة، قال الشاعر: وَالصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِهِ مُرٌّ مُذَاقَتُهُ لَكِنَّ عَوَاقِبَهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ

стр. 4239

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4240

الكلمة الرابعة والخمسون: وصايا لقمان الحكيم ﵇ لابنه: (الأمر بالتواضع والنهي عن التكبر) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. الوصية الثامنة والتاسعة: من وصايا لقمان الحكيم لابنه الأمر بالتواضع والنهي عن التكبر. قال لقمان لابنه فيما حكاه الله عنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ [سورة لقمان، آية رقم: ١٨]. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾، أي لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك احتقارًا منك لهم واستكبارًا عليهم، ولكن ألن جانبك وابسط وجهك إليهم، كما جاء في الحديث عنه ﷺ : «لَا تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ» (١).
следующие страницы →