الكلمة الثالثة والخمسون:
وصايا لقمان الحكيم ﵇ لابنه: (الصبر على الأذى في سبيل الله)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
الوصية السابعة: من وصايا لقمان الحكيم ﵇ لابنه الصبر على الأذى في سبيل اللَّه، قال الله تعالى - فيما حكاه الله عنه - ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [سورة لقمان، آية رقم: ١٧]، وفي ذلك من الفوائد ما يلي:
١ - أن الصابر على الأذى في سبيل الله من أهل العزائم، ولا يبلغ هذه المرتبة إلا الكمل من الرجال وقد خص الله بعض أنبيائه بذلك فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [سورة الأحقاف، آية رقم: ٣٥]، قال الشيخ السعدي عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: من الأمور التي يعزم عليها ويهتم بها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم (١).
стр. 4237
قال الشاعر:
عَلَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَأْتِ العَزَائِمُ ... وَتَأْتِي عَلى قَدْرِ الكِرَامِ المَكَارِمُ
وذكر الصبر هنا بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعد قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ تنبيه على أن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لا بد أن يلحقه الأذى، وأن دواء ذلك وعلاجه النافع هو الصبر، قال بعض السلف: عجبت للصبر تُداوى به الأشياء ولا يُداوى بشيء.
٢ - أن من أفضل المنح والعطايا أن يُرزق العبد الصبر، قال النبي ﷺ : « ... وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (١).
٣ - أن الله مع الصابر يقويه ويثبته ويعينه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ١٥٣]، وقال النبي ﷺ : «وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ» (٢).
٤ - من فضائل الصبر أن أجره لا حد له ولا عد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [سورة الزمر، آية رقم: ١٠].
стр. 4238
٥ - هذه الفضائل العظيمة والأجور الكبيرة لا ينال كمالها إلا بأمرين:
أحدهما: أن يشتمل على الأحوال الثلاثة وهي: الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله.
وثانيهما: أن يكون الصبر لله وفي الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [سورة الرعد، آية رقم: ٢٢].
وبذلك أمر الله نبيه حين بعثه برسالته، قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ [سورة المدثر، آية رقم: ٧].
٦ - مما يعين على أن يكون العبد صابرًا حقًّا العلم بعواقب الأمور (١)، فإن العلم بذلك يجعل العبد دائمًا على استعداد لوقوع المفاجآت، من أجل ذلك قال ﷺ : «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى» (٢).
ومن ذلك علمه بعواقب الصبر الحميدة، قال الشاعر:
وَالصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِهِ مُرٌّ مُذَاقَتُهُ
لَكِنَّ عَوَاقِبَهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ
стр. 4239
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4240
الكلمة الرابعة والخمسون:
وصايا لقمان الحكيم ﵇ لابنه: (الأمر بالتواضع والنهي عن التكبر)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
الوصية الثامنة والتاسعة: من وصايا لقمان الحكيم لابنه الأمر بالتواضع والنهي عن التكبر.
قال لقمان لابنه فيما حكاه الله عنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ [سورة لقمان، آية رقم: ١٨].
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾، أي لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك احتقارًا منك لهم واستكبارًا عليهم، ولكن ألن جانبك وابسط وجهك إليهم، كما جاء في الحديث عنه ﷺ : «لَا تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ» (١).
стр. 4241
والصعر الميل، وأصله داء يصيب البعير يلوي منه عنقه، ويطلق على المتكبر يلوي عنقه ويميل خده عن الناس تكبرًا عليهم، ومنه قول عمر بن جنى الثعلبي:
وَكُنَّا إِذَا الجَبَّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ... أَقَمْنَا لَهُ مِنْ مَيْلِهِ فَتَقَوَّمَا
وقول أبي طالب:
وَكُنَّا قَدِيمًا لَا نُقِرُّ ظُلَامَةً ... إِذَا مَا ثَنَوْا صُعْرَ الرُؤُوسِ نُقِيمُهَا
ومن إطلاق الصعر على الميل قول النمر بن تولب العلكي:
إِنَّا أَتَيْنَاكَ وَقَدْ طَالَ السَّفَرْ ... نَقُودُ خَيْلًا ضُمَّرًا فِيهَا صُعُرْ (١)
ومن أعظم العقوبات عقوبة احتقار الناس، قال النبي ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ»، قالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونَعْلُهُ حَسَنَةً، قالَ: «إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ» (٢).
وبطر الحق هو رده، وغمط الناس احتقارهم، ومن صعر خده للناس فقد غمطهم.
стр. 4242
الوصية التاسعة: من وصايا لقمان الحكيم لابنه النهي عن التكبر، قال الله فيما حكاه عنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ [سورة لقمان، آية رقم: ١٨].
والفرق بين هذه الوصية والتي قبلها أن الأولى في معاملة الناس، والثانية في هيئته بنفسه أن لا يمشي في الأرض مرحًا، وإنما يمشي كما يمشي عباد الرحمن. وفي هاتين الوصيتين الثامنة والتاسعة من الفوائد والحكم ما يأتي:
١ - أن التكبر على الحق والخلق موجب لبغض الله تعالى، فإن من لم يحبه الله أبغضه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ [سورة لقمان، آية رقم: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)﴾ [سورة القصص، آية رقم: ٧٦]، وقال النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ، سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ، جِيفَةٍ بِاللَّيْلِ، حِمَارٍ بِالنَّهَارِ، عَالِمٍ بِأَمْرِ الدُّنْيَا، جَاهِلٍ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ» (١).
стр. 4243
٢ - من أعظم ما يعين على التواضع وترك الكبر أن يعرف العبد ضعفه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾ [سورة الإسراء، آية رقم: ٣٧]، وقد أبان الله هذه الحقيقة فقال: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [سورة النساء، آية رقم: ٢٨].
٣ - من أحب أن يرفع الله مقامه ويعلي منزلته فليتحلى بخلق التواضع ويجتنب الكبر ودواعيه، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [سورة الفرقان، آية رقم: ٦٣]، وقال النبي ﷺ : «ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ، قَالَ: فَأَمَّا الثَّلَاثُ الَّتِي أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: فَإِنَّهُ مَا نَقَّصَ مَالَ عَبْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ بِمَظْلَمَةٍ فَيَصْبِرُ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا، وَلَا يَفْتَحُ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ لَهُ بَابَ فَقْرٍ» (١).
٤ - كما يكون الكبر في القلوب يكون في الأقوال والأفعال والأحوال، روى مسلم في صحيحه من حديث إياس بن سلمة ابن الأكوع أن أباه ﵁ حدثه: أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ
стр. 4244
بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ»، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ»، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ (١). فأعظم أنواع الكبر أن يكون في القلب، ويظهر في الأقوال والأفعال، ومنه ما يكون في الأحوال دون القلوب، قال ﷺ : «إِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَار فَإِنَّ إِسْبَالَ الْإِزَارِ مِنْ الْمَخِيلَةِ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ» (٢).
وقد كان أبو بكر ﵁ لعظم إيمانه وشدة تقواه لربه يخاف على نفسه من ذلك، روى البخاري في صحيحه من حديث سالم بن عبد الله عن أبيه ﵄ عن النبي ﷺ قال: «مَن جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إلَيْهِ يَومَ القِيامَةِ»، قَالَ أبو بَكْرٍ: يا رَسول اللَّهِ، إنَّ أحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي، إلَّا أنْ أتَعاهَدَ ذلكَ منه، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلَاءَ» (٣).
٥ - إمام المتكبرين وقائدهم إلى النار هو إبليس لعنه الله، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ
стр. 4245
مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ [سورة ص، الآيات: ٧١ - ٧٨].
٦ - من قصة إبليس وآدم أخذ بعض أهل العلم أن عدم الامتثال للأمر أعظم من الوقوع في النهي، لأن الأول سببه الكبر والثاني سببه الشهوة، قال ابن القيم ﵀: قال سهل بن عبد الله: ترك الأمر عند الله أعظم من ارتكاب النهي، لأن آدم نُهي عن أكل الشجرة فأكل منها فتاب الله عليه، وإبليس أُمر أن يسجد لآدم فلم يسجد فلم يُتب عليه.
قلت: هذه مسألة عظيمة لها شأن، وهي أن ترك الأوامر أعظم عند الله من ارتكاب المناهي، وذلك من وجوه عديدة.
أحدها: ما ذكره سهل من شأن آدم ﵇، وعدو الله إبليس.
الثاني: أن ذنب ارتكاب النهي مصدره في الغالب الشهوة والحاجة، وذنب ترك الأمر مصدره في الغالب الكبر والعزة، روى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» (١)، ويدخلها من مات على التوحيد وإن زنى وسرق.
стр. 4246
الثالث: أن فعل المأمور أحب إلى الله من ترك المنهي كما دلت على ذلك النصوص كقوله ﷺ : «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» (١).
الرابع: أن فعل المأمورات حياة القلب وغذاؤه وزينته وسروره وقرة عينه ولذته ونعيمه، وترك المنهيات بدون ذلك لا يحصل له شيءٌ من ذلك، فإنه لو ترك جميع المنهيات ولم يأت بالإيمان والأعمال المأمور بها لم ينفعه ذلك الترك شيئًا وكان خالدًا مخلدًا في النار.
وفي الجملة سر هذه الوجوه أن المأمور به محبوبه، والمنهي مكروهه، ووقوع محبوبه أحب إليه من فوات مكروهه، وفوات محبوبه أكره إليه من وقوع مكروهه، والله أعلم (٢).
٧ - الكبرياء رداء الجبار ، فلا أذل ولا أحقر ولا أهون ممن نازع الله فيه، قال ﷺ : «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» (٣).
стр. 4247
٨ - أن الكبر يشمل تزكية النفس والإعجاب بها عند الآخرين، والتكبر بالنسب والمال والجاه، والقوة، والجمال، فصاحب النسب الشريف يتكبر على من ليس كذلك، وإن كان أرفع منه عملًا، والغني يتكبر بماله على الفقير، وصاحب المنصب يتكبر على من ليس كذلك، والمرأة الجميلة تتكبر على المرأة التي ليست كذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [سورة الحجرات، آية: ١٣].
قال ﷺ : «أرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ» (١) الحديث.
وقال ﷺ : «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا إِنَّمَا هُمْ فَحْمُ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الخِرَاءَ بِأَنْفِهِ، إِنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ» (٢).
٩ - من أسباب الوقوع في الكبر أن يأنف المتكبر عن
стр. 4248
الاعتراف بالخطأ، ولذلك عدَّ أهل العلم البدعة في المرتبة الثانية بعد الكفر، لأن صاحبها لا يتوب منها لأنه يعظم عليه الرجوع إلى الحق والاعتراف بالخطأ، وهذا خلاف ما عليه عباد الله الصالحين، قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾ [سورة النساء، آية رقم: ١٧٢].
١٠ - من أسباب الكبر التي يجب التنبه لها والحذر من الوقوع فيها أن يكون في المرء خصالًا يرى أنه بها أفضل من غيره والأمر ليس كذلك.
ولذلك لما أمر الله إبليس لعنه الله بالسجود لآدم أبى واستكبر لاعتقاده أنه أفضل منه، والسبب أنه خلق من نار وآدم خلق من طين، قال تعالى فيما حكاه الله عنه: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [سورة الأعراف، آية رقم: ١٢].
قال ابن كثير ﵀: وقول إبليس لعنه الله فيما حكاه الله عنه: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ من العذر الذي هو أكبر من الذنب، كأنه امتنع من الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول. يعني- لعنه الله: وأنا خير منه فكيف تأمرني بالسجود له؟ ثم
стр. 4249
بين أنه خير منه بأنه خُلق من نار، والنار أشرف مما خلقته منه وهو الطين. فنظر اللعين إلى أصل العنصر، ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسًا فاسدًا في مقابلة نص قوله تعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾ [سورة الحجر، آية رقم: ٢٩]. فشذ من بين الملائكة بترك السجود، فلهذا أبلس من الرحمة، أي آيس من الرحمة، فأخطأ قبحه الله في قياسه ودعواه أن النار أشرف من الطين أيضًا، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح، والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة، ولهذا خان إبليس عنصره ونفع آدم عنصره بالرجوع والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله والاعتراف وطلب التوبة والمغفرة (١).
وفي صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ إِبْلِيسُ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُم» (٢).
١١ - ومنها تحريم الاختيال وأنه موجب للحرمان من محبة الله، قال ﷺ : «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ، يَمْشِي فِي بُرْدَيْهِ قَدْ
стр. 4250
أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الأَرْضَ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» (١).
١٢ - ومنها تحريم التفاخر، قال في المعجم الوسيط: فخر الرجل - فخرًا وفخارًا، وفخارة تباهى بماله وما لقومه من محاسن، ويُقال: «تفاخر» تعاظم وتكبر - والقوم فخر بعضهم على بعض (٢).
أما الكبر فقد قال الغزالي ﵀: «هو استعظام النفس ورؤية قدرها فوق قدر الغير» (٣)، وقال بعضهم: «هو استعظام الإنسان نفسه واستحسان ما فيه من الفضائل والاستهانة بالناس واستصغارهم والترفع على من يجب التواضع له» (٤)، والتعريفان يصبان في معنى واحد.
أما معنى الاختيال، فيقال: اختال الشخص: تكبر وتصرف بطريقة تدل على التباهي، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ [سورة لقمان، آية رقم: ١٨].
стр. 4251
اختال في مشيه تبختر، تمايل كبرًا (١).
قال ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ أَوْحَي إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» (٢).
٣ - استثنى أهل العلم من مظاهر الكبر التي لا يؤاخذ عليها المرء حالتان:
الأولى: أن يكون ذلك طبيعة في الشخص لا يقصد لها ولا يتكلف لها كبعض أنواع المشي وأضرب الكلام.
والثانية، والثالثة: الاختيال بين الصفين لإظهار عزة الدين وعلو الإيمان، وعند الصدقة؛ روى الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر بن عتيك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ، وَإِنَّ مِنَ الْخُيَلَاءِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ، وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ الَّتِي فِي الرِّيبَةِ، وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُبْغِضُ اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ الرِّيبَةِ، وَأَمَّا الْخُيَلَاءُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ، وَاخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ، وَالْخُيَلَاءُ الَّتِي يُبْغِضُ اللَّهُ فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ فِي الْفَخْرِ وَالْبَغْيِ» (٣).
стр. 4252
قال أبو سليمان الخطابي: معنى الاختيال في الصدقة أن تهزه أريحية السخاء فيعطيها طيبة نفسه بها من غير مَنٍّ ولا أذى، واختيال الحرب أن يتقدم فيها بنشاط نفس وقوة جنان. قال أبو عبيد: الاختيال أصله التجبر والكبر والاحتقار للناس، والاختيال في الحرب أن تكون هذه الخلال من التجبر على العدو فيستهين بقتالهم وتقل هيبته لهم، فيكون أجرأ عليهم، وفي الصدقة أن تعلو نفسه وتشرف فلا يستكثر كثيرها وهذا مثل الحديث المرفوع، «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا» (١)(٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4253
الكلمة الخامسة والخمسون:
وصايا لقمان الحكيم ﵇ لابنه:
(التوسط في الأمور)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
الوصية العاشرة والحادية عشرة: من وصايا لقمان الحكيم لابنه أن يتوسط في أموره وأحواله، قال تعالى فيما حكاه عنه وهو يخاطب ابنه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [سورة لقمان، آية: ١٩].
وقد جاء في التنزيل المبارك الأمر بالتوسط في أكثر من آية، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ [سورة الإسراء: آية: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ [سورة الإسراء، آية: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [سورة الفرقان، آية: ٦٧].
стр. 4254
روى البخاري ومسلم في صيحيحيما من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ارْبَعُوا علَى أَنْفُسِكُمْ، إنَّكُمْ لَيْسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ» (١).
ومن فوائد هاتين الوصيتين:
١ - أن التوسط في الأمور هو الطريق المستقيم الذي يحبه الله تعالى، كما دلت على ذلك الآيات السابقة وغيرها.
٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ قال مجاهد: أقبح الأصوات، وهذا التشبيه يدل على كراهة رفع الصوت من غير حاجة لقوله ﷺ : «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ» (٢).
وقد جاء التمثيل بالحمار في سياق التقبيح لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [سورة الجمعة، آية رقم: ٥].
٣ - روى مسلم في حديث طويل، من حديث المقداد بن الأسود ﵁ قال: فَيَجِيءُ -يعني النَّبِيَّ ﷺ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ نَائِمًا، وَيُسْمِعُ اليَقْظَانَ (٣).
стр. 4255
٤ - القصد في المشي هو الذي ليس بالبطيء المثبط ولا بالسريع المفرط، بل عدلًا وسطًا بين هذا وهذا دالًّا على القوة والنشاط، كما كان الرسول ﵊ يفعل في مشيه.
روى الامام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ إِذَا مَشَى مَشَى مُجْتَمِعًا (١)، لَيْسَ فِيهِ كَسَلٌ (٢).
قال المناوي ﵀: «ومع سرعة مشيه كان على غاية من الهون والتأني وعدم العجلة، فكان يمشي على هينته ويقطع ما يقطع بالجهد بغير جهد» (٣).
وروى البغوي ﵀ في شرح السنة بسنده إلى علي ﵁ أنه قال: «كاَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفِّيًا؛ كَأَنَّمَا يَنْحَطُ مِنْ صَبَبٍ» (٤).
وروي عن علي: أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا مَشَى تَقَلَّعَ (٥).
стр. 4256
قال البغوي ﵀: قوله تكفِّيًا: أي تمايل إلى قدام، كما تتكفأ السفينة في جريها، وقوله «تقلع» أي كان قوي المشية يرفع رجليه من الأرض رفعًا بائنًا بقوة لا كمن يمشي اختيالًا، ويقارب خطاه تنعمًا (١).
٥ - من مواضع المشي التي جاء فيها التوجيه النبوي: المشي إلى الصلاة، قال ﷺ : «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ، فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (٢).
٦ - الوصية باستحباب القصد في المشي وخفض الصوت إنما ذلك بالأحوال التي لا حاجة فيها بالإسراع في المشي أو رفع الصوت، فإذا جاءت الحاجة إلى ذلك لم يكن مكروهًا ولا منكرًا، وقد وردت النصوص بذلك. وهذه إشارة إلى بعض النصوص، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [سورة القصص، آية رقم: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [سورة الجمعة، آية رقم: ٩]، وقد فسر بعض أهل العلم السعي هنا
стр. 4257
بالمشي القصد.
وثبت في أحاديث كثيرة أن السنة في السعي بين الصفا والمروة أن يسرع بين العلمين، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂ قال: خَرَجتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعضِ أَسفَارِهِ وَأَنَا جَارِيَةٌ لَم أَحمِل اللَّحمَ، وَلَم أَبدُن، فَقَالَ لِلنَّاسِ: «تَقَدَّمُوا» فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ لِي: «تَعَالَي حَتَّى أُسَابِقَكِ»، فَسَابَقتُهُ فَسَبَقتُهُ، فَسَكَتَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا حَمَلتُ اللَّحمَ وَبَدُنتُ وَنَسِيتُ، خَرَجتُ مَعَهُ فِي بَعضِ أَسفَارِهِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: «تَقَدَّمُوا» فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَي حَتَّى أُسَابِقَكِ» فَسَابَقتُهُ فَسَبَقَنِي، فَجَعَلَ يَضحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: «هَذِهِ بِتِلكَ» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: خَرَجْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤَذَّنَ بِالأُولَى، وَكَانَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْعَى بِذِي قَرَدَ، قَالَ: فَلَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ: أُخِذَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قُلْتُ: مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانُ، قَالَ: فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ: يَا صَبَاحَاهْ، قَالَ: فَأَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ المَدِينَةِ، ثُمَّ انْدَفَعْتُ عَلَى وَجْهِي حَتَّى أَدْرَكْتُهُمْ، وَقَدْ أَخَذُوا يَسْتَقُونَ مِنَ المَاءِ، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ بِنَبْلِي، وَكُنْتُ رَامِيًا، وأقول:
стр. 4258
أَنَا ابْنُ الأَكْوَعْ
وَاليَوْمُ يَوْمُ الرُّضَعْ
وَأَرْتَجِزُ، حَتَّى اسْتَنْقَذْتُ اللِّقَاحَ مِنْهُمْ، وَاسْتَلَبْتُ مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً، قَالَ: وَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ وَالنَّاسُ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ حَمَيْتُ القَوْمَ المَاءَ وَهُمْ عِطَاشٌ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمُ السَّاعَةَ، فَقَالَ: «يَا ابْنَ الأَكْوَع! مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ» (١).
أما عن الصوت فمن المواضع التي لا يكره فيها رفع الصوت بل يكون مستحبًّا أو واجبًا رفع الصوت بالأذان، روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري عن أبيه أنه أخبره: أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال له: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ، أَوْ بَادِيَتِكَ، فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ، وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ (٢).
وروى مسلم في صحيحه في غزوة حنين: أن النبي ﷺ قال للعباس ﵁: «أَيْ عَبَّاسُ نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ»، فَقَالَ عَبَّاسٌ- وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا: فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَالَ: فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى
стр. 4259
أَوْلَادِهَا (١).
وروى البخاري ومسلم من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: «يَا صَبَاحَاهْ»، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ (٢) ... الحديث
وكان النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ» (٣).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4260
الكلمة السادسة والخمسون:
(ولاية الله)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [سورة يونس، الآيات: ٦٢ - ٦٤]، فمن هم أولياء الله، وما هي صفاتهم، وما هو جزاؤهم؟
أولًا: قال الشوكاني: الولي في اللغة القريب، والمراد بأولياء الله خلص المؤمنين لأنهم قربوا من الله ? بطاعته واجتناب معصيته، وقال في موضع آخر: والحاصل أن من كان من المعدودين من الأولياء إن كان من المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله، مقيمًا لما أوجب الله عليه تاركًا لما نهاه عنه، مستكثرًا من طاعاته فهو من أولياء الله تعالى، وما ظهر عليه من الكرامات التي لم تخالف الشرع فهي موهبة من الله لا يحل لمسلم أن ينكرها. ومن
стр. 4261
كان بعكس هذه الصفات فليس من أولياء الله، وليست ولايته رحمانية بل شيطانية، وكراماته من تلبيس الشيطان عليه وعلى الناس. وليس هذا بغريب ولا مستنكر، فكثير من الناس من يكون مخدومًا بخادم من الجن أو أكثر فيخدمونه في تحصيل ما يشتهيه وربما كان محرمًا من المحرمات، والمعيار الذي لا يزيغ، والميزان الذي لا يجور هو ميزان الكتاب والسنة، فمن كان متبعًا لهما معتمدًا عليهما فكراماته وجميع أحواله رحمانية، ومن لم يتمسك بهما ولم يقف عند حدودهما فأحواله شيطانية (١).
والناس في الولاية على درجات ثلاثة:
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [سورة فاطر، آية رقم: ٣٢]، فكل صنف من هؤلاء الأصناف معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأما الولاية الخاصة، فهي القيام لله بجميع حقوقه وإيثاره على ما كل سواه في جميع الأحوال، حتى تصير مراضي الله ومحابه هي همة ومتعلق خواطره، يصبح ويمسي وهمه مرضاة ربه وإن سخط الخلق» (٢).
стр. 4262
ثانيًا: أولياء الله اتصفوا بصفات نالوا بها الولاية، فمن صفاتهم:
١ - الإيمان، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ فوصفهم بالإيمان ويشمل الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
٢ - التقوى، وهي أن يجعل العبد بينه وبين عذاب الله وقاية بفعل أوامره واجتناب نواهيه، قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ [سورة الأنفال، آية رقم: ٣٤].
روى البخاري ومسلم من حديث عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ألَا إِنَّ آلَ أَبِي - يعني فُلانًا - لَيْسُوا بِأَوْلِيَائِي، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ» (١).
وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «وَإِنَّمَا أَوْلِيَائِيَ الْمُتَّقُونَ» (٢).
стр. 4263
٣ - الحب في الله والبغض في الله، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا وَاعْقِلُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلَّهِ عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ». فَجَثَى رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ مِنْ قَاصِيَةِ النَّاسِ، وَأَلْوَى بِيَدِهِ إِلَى نَبِيِّ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللهِ انْعَتْهُمْ لَنَا (١)، يَعْنِي صِفْهُمْ لَنَا، شَكِّلْهُمْ لَنَا فَسُرَّ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لِسُؤَالِ الْأَعْرَابِيِّ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هُمْ نَاسٌ مِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ وَنَوَازِعِ الْقَبَائِلِ لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ تَحَابُّوا فِي اللَّهِ وَتَصَافَوْا، يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْهَا فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُورًا، وَثِيَابَهُمْ نُورًا، يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَفْزَعُونَ، وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللهِ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» (٢).
٤ - أداء الفرائض على أكمل الوجوه، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى
стр. 4264
قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ. وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» الحديث.
٥ - التقرب إلى الله بالنوافل كقيام الليل وصيام النهار والصدقات وغير ذلك، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّه يَقُولُ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» الحديث (١).
ثالثًا: أما جزاؤهم في الدنيا والآخرة فقد جاء وعد الله لهم به في آيات وأحاديث، فمن ذلك:
١ - نزول الطمأنينة في قلوبهم فهم آمنون مما يخافه غيرهم، من أهوال الآخرة وشدائدها (٢)، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [سورة يونس، آية رقم: ٦٢].
٢ - أنهم لا يحزنون على ما فأنهم من الدنيا (٣)، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾.
стр. 4265
٣ - أن الله يحبهم.
٤ - أن الله يدافع عنهم.
٥ - أن الله يستجيب دعائهم، ويعيذهم مما استعاذوا به.
٦ - أن الله يضع لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها.
٧ - يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة على منازلهم وقربهم من الله.
والدليل على ما سبق من الفضائل قول النبي ﷺ في الحدبث السابق الذي رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: «إِنَّ اللَّه يَقُولُ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، ومَّا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُه كُنْتُ سَمْعَه الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَه الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَه الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَه الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّه، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّه» (١).
وقول النبي ﷺ في الحديث السابق الذي رواه أحمد في مسنده من حديث أبي مالك الأشعري ﵁ عندما ذكر أولياء
стр. 4266
الله، قال «يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْهَا فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُورًا، وَثِيَابَهُمْ نُورًا، يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَفْزَعُونَ، وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ».
٨ - لهم البشرى في الحياة الدنيا والآخرة، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: أتاه رجل فقال: ما تقول في قول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [سورة يونس، آية رقم: ٦٤]؟ قال: لقد سألت عن شيءٍ ما سمعت أحد سأل عنه بعد رجل سأل عنه رسول الله ﷺ ، قال: «بُشْرَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ، وَبُشْرَاهُمْ فِي الْآخِرَةِ الْجَنَّةُ» (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4267
الكلمة السابعة والخمسون:
(المروءة)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فإن من الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة التي حث عليها الشرع العناية بالمروءة والبعد عن خوارمها.
والمروءة هي: استعمال ما يجمل العبد ويزينه من الأعمال والأقوال والهيئات، وترك ما يدنسه ويشينه في كل ذلك، سواء مع الخالق أو مع المخلوق، وسواء تعلق ذلك به أو تعداه إلى غيره.
قال ابن حبان ﵀: والمروءة عندي خصلتان: «اجتناب ما يكره الله والمسلمون من الفعال، واستعمال ما يحب الله والمسلمون من الخصال» (١).
«درجات المروءة:
للمروءة ثلاث درجات:
стр. 4268
١ - الأولى: المروءة مع الحق - سُبْحَانَهُ -، ويكون ذلك بالاستحياء من نظره إليك واطلاعه عليك في كل لحظة ونفس، وإصلاح عيوب نفسك جهد الإمكان، فإنه قد اشتراها منك وأنت ساع في تسليم المبيع، وليس من المروءة تسليمه على ما فيه من العيوب وتقاضي الثمن كاملًا.
٢ - الثانية: مروءة المرء مع نفسه، وهي أن يحملها قسرًا على فعل ما يجمل ويزين، وترك ما يقبح ويشين، ليصير لها ملكة في العلانية، ولا يفعل خاليًا ما يَستحْيِي من فعله في الملأ.
٣ - الثالثة: مروءة المرء مع الخلق بأن يستعمل معهم شروط الأدب والحياء والخلق الجميل، ولا يظهر لهم ما يكرهه هو من غيره لنفسه.
وليتخذ الناس مرآة لنفسه، فكل ما كرهه ونفر عنه، من قول أو فعل أو خُلق فليجتنبه، وما أحبه من ذلك واستحسنه فليفعله» (١).
حقوق المروءة وشروطها:
قال بعض البلغاء: من شرائط المروءة:
١ - أن يتعفف المرء عن الحرام.
٢ - أن ينصف في الحكم.
стр. 4269
٣ - أن يكف عن الظلم.
٤ - ألا يطمع فيما لا يستحق.
٥ - ألا يعين قويًّا على ضعيف.
٦ - ألا يؤثر دنيء الأفعال على شريفها.
٧ - ألا يفعل ما يقبّح الاسم والذكر.
قال الماوردي: إذا كانت مراعاة النفس على أفضل أحوالها هي المروءة، فليس ينقاد لها مع ثقل كلفها إلا من تسهلت عليه المشاق، رغبة في الحمد، وهانت عليه الملاذ حذرًا من الذم، ولذا قيل: سيد القوم أشقاهم. وقد لحظ المتنبي ذلك فقال:
لَوْلَا المَشَقَةُ سَاَد النَّاسُ كُلُّهُمُ
الجُودُ يُفقِرُ والإقْدَامُ قَتَّالُ
وله أيضًا:
وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبارًا
تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الأَجْسَامُ (١)
وقد وردت النصوص الكثيرة التي تحث على المروءة، روى البيهقي في السنن الكبرى من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «حَسَبُ الْمَرْءِ دِينُهُ، وَمُرُوءَتُهُ خُلُقُهُ، وَأَصْلُهُ عَقْلُهُ» (٢).
стр. 4270
وروى الطبراني في الكبير من حديث الحسن بن علي ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ مَعاليَ الأُمُورِ، وَأَشْرَافَهَا، وَيَكرَهُ سَفْسَافَهَا» (١).
وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن رجلًا أتى النبي ﷺ ، فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا المَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ، أَوْ عَجِبَ، مِنْ فَعَالِكُمَا»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [سورة الحشر، آية رقم: ٩]. (٢).
وكان النبي ﷺ أعظم الناس مروءة، روى البخاري في صحيحه من حديث سهل ﵁: أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ،
عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرًّا فَإِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَكْرَمُ وَأَعْظَمُ مَنَ الْكَثِيرِ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ كَثيِرًا (١).
وقال أبو حاتم البستي: «الواجب على العاقل تفقد الأسباب المستحقرة عند العوام من نفسه حتى لا يثلم (٢) مروءته، فإن المحقرات من ضد المروءات، تؤذي الكامل في الحال بالرجوع في القهقرى إلى مراتب العوام وأوباش (٣) الناس» (٤).
وقال الماوردي ﵀: «وأما الإسعاف في النوائب فلأن الأيام غادرة والنوازل غائرة والحوادث عارضة، والنوائب راكضة والإسعاف في النوائب نوعان، واجب وتبرع، فأما الواجب فيما اختص بثلاثة أصناف وهم الأهل، والإخوان، والجيران، فيجب من حقوق المروءة وشروط الكرم في هؤلاء الثلاثة تحمل أثقالهم وإسعافهم في نوائبهم، وأما التبرع ففيمن عدا هؤلاء الثلاثة من البعداء» (٥).
قال الشاعر:
وَكُنْتُ إِذَا عَقَدْتُ حِبَالَ قَوْمٍ ... صَحِبْتُهُمُ وَشِيمَتِي الوَفَاءُ
стр. 4273
فَأُحْسِنُ حِينَ يُحْسِنُ مُحْسِنُوهُمْ ... وَأَجْتَنِبُ الإِسَاءَةَ إِنْ أَسَاءُو
وَأُبْصِرُ مَا يَعِيبُهُم بِعَيْنٍ ... عَلَيْهَا مِنْ عُيُوبِهِمْ غِطَاءُ
أُرِيدُ رِضَاهُمْ أَبَدًا وَآتِي ... مَشِيئَتِهِمْ وَأَتْرُكُ مَاَ أَشَاُء
من فوائد المروءة:
١ - تعلم الإنصاف والصدق والصبر.
٢ - تبعد المسلم عما يكره الله والمسلمون.
٣ - رفع الهمم للملمات وصعاب الأمور.
٤ - مساعدة الأهل والإخوان والجيران.
٥ - تدعو الإنسان إلى الأنفة من الخمول والكسل.
٦ - تُعطي المؤمن عزة وترفعًا عن رذائل الأمور وسفاسفها.
٧ - تكسب المؤمن مكارم الأخلاق.
٨ - تحث المؤمن على العمل والبعد عن الأماني (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4274
الكلمة الثامنة والخمسون:
من فضائل الحمد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ آمين.
قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، وهو الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل بجميع الوجوه (١).
قال الجرجاني ﵀: الحمد هو الثناء على الجميل من جهة التعظيم من نعمة وغيرها (٢)، وقال ابن القيم: الحمد إخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه (٣).
стр. 4275
والحمد نقيض الذم، يقول: حمدت الرجل أحمده حمدة ومحمدة فهو حميد ومحمود.
والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعم من الشكر.
والمحمد الذي كثرت خصاله المحمودة، والحمد والشكر متقاربان والحمد أعمهما، لأنك تحمد الإنسان على صفاته الذاتية وعلى عطائه ولا تشكره على صفاته. والتحميد حمدك الله مرة بعد مرة (١).
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: «وإن سألت عن حمده فهو الحميد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فله من الأسماء أحسنها، ومن الصفات أكملها وأحسنها. والمستحق لكل حمد ومحبة وثناء لكمال أوصافه وجميل معروفه وهباته وعدله، ولما اتصف به من صفات الحمد التي هي صفة الجمال والجلال، لما أنعم به على خلقه من النعم الجزال التي لا يمكن للعباد إحصاؤها، ويتعذر عليهم استقصاؤها» (٢).
«ولهذا حمد نفسه على ربوبيته الشاملة لذلك كله فقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [سورة الفاتحة، آية رقم: ٢]، وحمد نفسه على إنزال كتابه فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ