← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

فِيهَا حَاشِيَتُهَا، أَتَدْرُونَ مَا البُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لِأَكْسُوَكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ، فَقَالَ: اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا، قَالَ القَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ، وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ، قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ، مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهُ، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي، قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ (١). ومن أقوال السلف في المروءة، قال عمر بن الخطاب ﵁: «كَرَمُ الْمُؤْمِنِ تَقْوَاهُ. وَدِينُهُ حَسَبُهُ. وَمُرُوءَتُهُ خُلُقُهُ. وَالْجُرْأَةُ، وَالْجُبْنُ غَرَائِزُ يَضَعُهَا اللَّهُ حَيْثُ يَشَاءُ، فَالْجَبَانُ يَفِرُّ عَنْ أَبِيهِ، وَأُمِّهِ. وَالْجَرِيءُ يُقَاتِلُ عَمَّنْ لَا يَؤُوبُ (٢) بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، وَالْقَتْلُ حَتْفٌ مِنَ الْحُتُوفِ (٣)، وَالشَّهِيدُ مَنِ احْتَسَبَ نَفْسَهُ عَلَااللَّهِ (٤). وقال أيضًا: لَا تَصْغُرُنَّ هِمَّتَكُمْ فَإِنِّي لَمْ أَرَ أَقْعَدَ عَنْ الْمَكْرُمَاتِ مِنْ صِغَرِ الْهِمَمِ (٥). وقال علي ﵁ لابنه الحسن في وصيته له: يَا بُنَيَّ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ، وَلَا تَكُنْ

стр. 4272

عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرًّا فَإِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَكْرَمُ وَأَعْظَمُ مَنَ الْكَثِيرِ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ كَثيِرًا (١). وقال أبو حاتم البستي: «الواجب على العاقل تفقد الأسباب المستحقرة عند العوام من نفسه حتى لا يثلم (٢) مروءته، فإن المحقرات من ضد المروءات، تؤذي الكامل في الحال بالرجوع في القهقرى إلى مراتب العوام وأوباش (٣) الناس» (٤). وقال الماوردي ﵀: «وأما الإسعاف في النوائب فلأن الأيام غادرة والنوازل غائرة والحوادث عارضة، والنوائب راكضة والإسعاف في النوائب نوعان، واجب وتبرع، فأما الواجب فيما اختص بثلاثة أصناف وهم الأهل، والإخوان، والجيران، فيجب من حقوق المروءة وشروط الكرم في هؤلاء الثلاثة تحمل أثقالهم وإسعافهم في نوائبهم، وأما التبرع ففيمن عدا هؤلاء الثلاثة من البعداء» (٥). قال الشاعر: وَكُنْتُ إِذَا عَقَدْتُ حِبَالَ قَوْمٍ ... صَحِبْتُهُمُ وَشِيمَتِي الوَفَاءُ

стр. 4273

فَأُحْسِنُ حِينَ يُحْسِنُ مُحْسِنُوهُمْ ... وَأَجْتَنِبُ الإِسَاءَةَ إِنْ أَسَاءُو وَأُبْصِرُ مَا يَعِيبُهُم بِعَيْنٍ ... عَلَيْهَا مِنْ عُيُوبِهِمْ غِطَاءُ أُرِيدُ رِضَاهُمْ أَبَدًا وَآتِي ... مَشِيئَتِهِمْ وَأَتْرُكُ مَاَ أَشَاُء من فوائد المروءة: ١ - تعلم الإنصاف والصدق والصبر. ٢ - تبعد المسلم عما يكره الله والمسلمون. ٣ - رفع الهمم للملمات وصعاب الأمور. ٤ - مساعدة الأهل والإخوان والجيران. ٥ - تدعو الإنسان إلى الأنفة من الخمول والكسل. ٦ - تُعطي المؤمن عزة وترفعًا عن رذائل الأمور وسفاسفها. ٧ - تكسب المؤمن مكارم الأخلاق. ٨ - تحث المؤمن على العمل والبعد عن الأماني (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4274

الكلمة الثامنة والخمسون: من فضائل الحمد الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ آمين. قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، وهو الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل بجميع الوجوه (١). قال الجرجاني ﵀: الحمد هو الثناء على الجميل من جهة التعظيم من نعمة وغيرها (٢)، وقال ابن القيم: الحمد إخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه (٣).

стр. 4275

والحمد نقيض الذم، يقول: حمدت الرجل أحمده حمدة ومحمدة فهو حميد ومحمود. والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعم من الشكر. والمحمد الذي كثرت خصاله المحمودة، والحمد والشكر متقاربان والحمد أعمهما، لأنك تحمد الإنسان على صفاته الذاتية وعلى عطائه ولا تشكره على صفاته. والتحميد حمدك الله مرة بعد مرة (١). قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: «وإن سألت عن حمده فهو الحميد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فله من الأسماء أحسنها، ومن الصفات أكملها وأحسنها. والمستحق لكل حمد ومحبة وثناء لكمال أوصافه وجميل معروفه وهباته وعدله، ولما اتصف به من صفات الحمد التي هي صفة الجمال والجلال، لما أنعم به على خلقه من النعم الجزال التي لا يمكن للعباد إحصاؤها، ويتعذر عليهم استقصاؤها» (٢). «ولهذا حمد نفسه على ربوبيته الشاملة لذلك كله فقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [سورة الفاتحة، آية رقم: ٢]، وحمد نفسه على إنزال كتابه فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ

стр. 4276

عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [سورة الكهف، آية رقم: ١]، وحمد نفسه على خلق السموات والأرض فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [سورة الأنعام، آية رقم: ١]، وحمد نفسه على كمال ملكه فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ [سورة سبأ، آية رقم: ١]. وقال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [سورة الروم، آيتان رقم: ١٧ - ١٨]. وكيف لا يحمد على خلقه كله وهو: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [سورة السجدة، آية رقم: ٧]، وعلى صنعه وقد أتقنه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سورة النمل، آية رقم: ٨٨]. وعلى أمره وكله حكمة ورحمة وعدل ومصلحة، وعلى نهيه وكل ما نهى عنه شر وفساد، وعلى ثوابه وكله رحمة وإحسان، وعلى عقابه وكله عدل وحق» (١). والله - سُبْحَانَهُ - افتتح الخلق بالحمد، وختم أمر هذا العالم بالحمد، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [سورة

стр. 4277

الأنعام، آية رقم: ١]، وقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [سورة الزمر، آية رقم: ٧٥]. فحمده ملأ الزمان والمكان والأعيان، وعم الأحوال كلها، فله الحمد كله، وله الملك كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله. وله الحمد في الآخرة؛ لأن في الآخرة يظهر من حمده، والثناء عليه، ما لا يكون في الدنيا، فأهل الجنة، يرون من توالي نعم الله، وإدرار خيره، وكثرة بركاته، وسعة عطاياه، التي لا يبقى في قلوب أهل الجنة أمنيةٌ، ولا إرادة، إلا وقد أعطى منها كُل واحدٍ منهم فوق ما تمنى وأراد، بل يُعطون من الخير ما لم تتعلق به أمانيهم، ولا يخطر بقلوبهم. فما ظنك بحمدهم لربهم في هذه الحال، مع أن في الجنة تضمحل العوارض والقواطع، التي تقطع عن معرفة الله، ومحبته، والثناء عليه، ويكون ذلك أحب إلى أهلها من كل نعيمٍ، وألذ عليهم من كل لذةٍ. هذا إذا أضفت إلى ذلك أنه يظهر لأهل الجنة، في الجنة، كل وقتٍ، من عظمة ربهم، وجلاله، وجماله، وسعة كماله، ما يوجب لهم كمال الحمد والثناء عليه (١). وتفاصيل حمده وما يُحمد عليه لا تحيط بها الأفكار،

стр. 4278

ولا تحُصيها أقلام الدنيا «وأوراقها، ولا قوى العباد، وتقصر بلاغات الواصفين عن بلوغ كُنهها، وتعجز الأوهام عن الإحاطة بالواحد منها، وإنما هو التنبيه والإشارة» (١). وفضائل الحمد كثيرة في السنة أذكر بعضًا منها: ١ - روى البخاري في الأدب المفرد من حديث الأسود بن سريع ﵁ قال: كنت شاعرًا فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! إني مدحت ربي بمحامد، قال: «أَمَا إِنَّ رَبَّكَ يُحِبُّ الْحَمْدَ» (٢). فهو حميد يحب الحمد، ويحب من يحمده، وحمده لنفسه أعظم من حمد العباد له، ويحب من يثني عليه وثناؤه على نفسه أعظم من ثناء العباد عليه. ٢ - روى أبو يعلى في مسنده من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْحَمْدِ» (٣)، وحمده يتضمن أصلين: الإخبار بمحامده وصفات كماله والمحبة له عليها. وهو - سُبْحَانَهُ - كما يجب أن يعبد، يحب أن يحمد ويُثنى عليه

стр. 4279

ويُذكر بأوصافه العلى وأسمائه الحسنى (١). ٣ - روى الترمذي في سننه من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَفْضَلُ الذِّكْرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ» (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فسمى الحمد للَّه دعاء وهو ثناء محض لأن الحمد متضمن الحب والثناء، والحب أعلى أنواع الطلب، فالحامد طالب للمحبوب فهو أحق أن يسمى داعيًا من السائل الطالب، فنفس الحمد والثناء متضمن لأعظم الطلب، فهو دعاء حقيقة بل أحق أن يسمى دعاء من غيره من أنواع الطلب الذي هو دونه» (٣). ٤ - روى ابن ماجه في سننه من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، إِلَّا كَانَ الَّذِي أَعْطَاهُ أَفْضَلَ مِمَّا أَخَذَ» (٤). فالعبد أعطى الحمد، والحمد نفسه نعمة من الله عليه ولولا توفيق الله وأعانته لما قام بحمده، فنعمة الله على عبده بتوفيقه للحمد أفضل من نعمة الله عليه

стр. 4280

بالصحة والعافية والمال ونحو ذلك، والكل نعمة الله. قال ابن القيم ﵀: «فنعمة الشكر أجل من نعمة المال والجاه والولد والزوجة (١) ونحوها». ٥ - روى الإمام أحمد في مسنده من حديث مطرف قال: «قال عمران بن حصين ﵁: إني لأحدثك بالحديث اليوم لينفعك الله به بعد اليوم، اعلم أن خير عباد الله يوم القيامة الحمادون» (٢). قال السندي ﵀: «الحمادون: أي الذين يكثرون الحمد لله تعالى في كل حال، فإن من فضيلة الحمد الرضا عنه تعالى في كل حال» (٣). ٦ - روى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ - أَوْ تَمْلَأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» (٤).

стр. 4281

٧ - روى الترمذي في سننه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ : «لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِي، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ (١)، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» (٢). ٨ - روى النسائي في عمل اليوم والليلة من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَالَ: (سُبْحَانَ اللَّهِ) مِائَةَ مَرَّةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، كَانَ أَفْضَلَ مِنْ مِائَةِ بَدَنَةٍ، وَمَنْ قَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) مِائَةَ مَرَّةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، كَانَ أَفْضَلَ مِنْ مِائَةِ فَرَسٍ يُحْمَلُ عَلَيْهَا، وَمَنْ قَالَ: (اللَّهُ أَكْبَرُ) مِائَةِ مَرَّةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عِتْقِ مِائَةَ رَقَبْةَ، وَمَنْ قَالَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيِرٌ) مِائَةَ مَرَّةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، لَمْ يَجِئْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَدٌ بِعَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْ عَمَلِهِ إِلَّا مَنْ قَالَ قَوْلَهُ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ» (٣).

стр. 4282

ومما يدل على فضل الحمد وأنه من تمام نعيم أهل الجنة قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [سورة يونس، آيتان رقم: ٩ - ١٠]. روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا، ويَشْرَبُونَ، وَلَا يَتفُلُونَ، وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، ولَا يَمْتَخِطُونَ»، قَالُوا: فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قَالَ: «جُشَاءٌ، وَرَشْحٌ كَرَشْحِ المِسْكِ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ، وَالْتَّحْمِيدَ، كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4283

الكلمة التاسعة والخمسون: المواضع التي يشرع فيها الحمد الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. استكمالًا للحديث عن الحمد؛ فإن الحمد مطلوب من المسلم في كل وقت وحين، فإنه في كل لحظة يتقلب في نعم الله الظاهرة والباطنة، ولكن هناك مواضع يُشرع ويُتأكد فيها الحمد ومنها: ١ - نعمة الهداية لهذا الدين، وهي من أكبر النعم التي ينبغي للمؤمن أن يستشعرها دائمًا وأبدًا، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة، آية رقم: ٣]، وقال تعالى عن أهل الجنة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [سورة الأعراف، آية رقم: ٤٣]. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ -

стр. 4284

قال: خرج معاوية ﵁ على حلقة في المسجد فقال: ما أَجْلَسَكُمْ؟ قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ، قالَ: آللَّهِ ما أَجْلَسَكُمْ إلَّا ذَاكَ؟ قالوا: وَاللَّهِ ما أَجْلَسَنَا إلَّا ذَاكَ، قالَ: أَما إنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَما كانَ أَحَدٌ بمَنْزِلَتي مِن رَسولِ اللَّهِ ﷺ أَقَلَّ عنْه حَدِيثًا مِنِّي، وإنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ علَى حَلْقَةٍ مِن أَصْحَابِهِ، فَقالَ: «ما أَجْلَسَكُمْ؟» قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ علَى ما هَدَانَا لِلإِسْلَامِ، وَمَنَّ به عَلَيْنَا، قالَ: «آللَّهِ ما أَجْلَسَكُمْ إلَّا ذَاكَ؟» قالوا: وَاللَّهِ ما أَجْلَسَنَا إلَّا ذَاكَ، قالَ: «أَما إنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فأخْبَرَنِي أنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بكُمُ المَلَائِكَةَ» (١). قال ابن القيم ﵀: «فهؤلاء جلسوا يحمدون الله بذكر أوصافه وآلائه ويُثنون عليه بذلك، ويذكرون حسن الإسلام، ويعترفون لله بالفضل العظيم إذ هداهم له ومنَّ عليهم به» (٢). قال ابن رجب ﵀: «فمن حصل له نصيب من دين الله فقد حصل له الفضل العظيم، وقد عظمت عليه نعمة الله، فما أحوجه إلى القيام بشكر هذه النعمة وسؤاله دوامها

стр. 4285

والثبات عليها إلى الممات والموت عليها فبذلك تتم النعمة» (١). ٢ - الطعام والشراب: روى البخاري في صحيحه من حديث أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: «الحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيرَ مَكْفِيٍّ، وَلَا مُوَدَّعٍ، وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا» (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: المخلوق إذا أنعم عليك بنعمة أمكنك أن تكافئه، ونعمه لا تدوم عليك، بل لا بد أن تودعك ويقطعها عنك، ويمكنك أن تستغني عنه، والله لا يمكن أن تكافئه على نعمه، وإذا أنعم عليك أدام نعمه فإنه هو أغنى وأقنى، ولا يُستغنى عنه طرفه عين (٣). ٣ - اللباس: روى أبو داود في سننه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا استجد ثوبًا سماه باسمه إما قميصًا أو عمامة ثم يقول: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهِ وَخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ» (٤).

стр. 4286

٤ - عند الاستيقاظ من النوم، روى البخاري في صحيحه من حديث حذيفة ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا استيقظ قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أمَاتَنَا وإِلَيْهِ النُّشُورُ» (١). ٥ - عند رؤية ما يسره وما يكرهه، روى ابن ماجه في سننه من حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا رأى ما يحب قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ»، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» (٢). ٦ - عند رؤية المبتلى: روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ رَأَى مُبْتَلًى، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، إِلَّا عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ» (٣). ٧ - عند العطاس: روى ابن حبان في صحيحه من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَمَّا نَفَخَ الِلَّهُ فِي آدَمَ الرَّوحَ، فَبَلَغَ الرُّوحُ رَأْسَهُ عَطَسَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ

стр. 4287

لَهُ ﵎: يَرْحَمُكَ اللَّهُ» (١). ٨ - عند الصباح والمساء: روى النسائي في عمل اليوم والليلة من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: أَصْبَحْتُ أُثْنِي عَلَيْكَ حَمْدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثَلَاثًا، وَإِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ» (٢). وروى الطبراني في الأوسط من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال النبي ﷺ لرجل: «كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا فُلَانُ؟»، قَالَ: أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ «هَذَا الَّذِي أَرَدْتُ مِنْكَ» (٣). قال ابن عبدالبر ﵀: «في هذا الخبر ما يدل على أن السنة المعمول بها في المجاوبة للسائل عن الحال حمد الله والثناء عليه، فإن المسؤول عن حاله لا ينفك من نعمة الله ظاهرة وباطنة من صحة جسم، وصرف بلاء، وكشف كربة، وتفريج غم، ورزق يرزقه، وخير يمنحه،

стр. 4288

ذكر ذلك أو نسيه. فإذا سئل عن ذلك فليحمد ربه، فله الحمد كله على كل حال، لا إله إلا هو الكبير المتعال» (١). ٩ - قبل الدعاء: روى الإمام أحمد في مسنده من حديث فضالة ابن عبيد ﵁ أنه قال: سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في الصلاة ولم يذكر الله ، ولم يصل على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «عَجِلَ هَذَا»، ثم دعاه فقال له ولغيره: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ لْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ» (٢). ١٠ - عند الرفع من الركوع: روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، أحقُّ مَا قَالَ العَبْدُ، وكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا منَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (٣). ١١ - بعد تكبيرة الإحرام، روى مسلم في صحيحه من حديث

стр. 4289

أنس ﵁ أن رجلًا جاء فدخل الصف وقد حفزه النفس فقال: اللَّهُ أَكْبَرُ، الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟» فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا»، فَقَالَ رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي (١) النَّفَسُ فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا» (٢). ١٢ - عند ركوب الدابة: روى أبو داود في سننه من حديث علي ابن ربيعة قال: شَهِدْتُ عَلِيًّا ﵁ وَأُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [سورة الزخرف، آيتان رقم: ١٣ - ١٤]، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. ثُمَّ ضَحِكَ. فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى ﷺ فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ. ثُمَّ ضَحِكَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟

стр. 4290

قَالَ: «إِنَّ رَبَّكَ يَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي» (١). ١٣ - دبر الصلاة المكتوبة: روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (٢). ١٤ - عند فقد الولد: روى الترمذي في سننه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ ولَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُم ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: فَمَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ» (٣) (٤).

стр. 4291

١٥ - عند ابتداء الخطب: خطبة جمعة، أو نكاح، وكذلك الدروس، وفي ابتداء الكتب المصنفة ونحو ذلك. روى النسائي في سننه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: «الحَمْدَ لِلَّهِ، نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ منْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4292

الكلمة الستون: شرح اسم الله: «العظيم» الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١). ومن أسماء الله الحسنى التي وردت في الكتاب والسنة اسم الله العظيم، قال تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ [سورة الواقعة، آية رقم: ٩٦]. قال ابن جرير ﵀: ﴿الْعَظِيمُ﴾، معناه: «الذي يعظمه خلقه ويهابونه ويتقونه» (٢). وإن سألت عن عظمته فهو العظيم الذي قد كمل في عظمته،

стр. 4293

وله كل وصف ومعنى يوجب التعظيم فلا يقدر مخلوق أن يثني عليه كما ينبغي له ولا يُحصي ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يُثني عليه عباده (١). «ونسبة ما يعلم العباد من ذلك إلى ما لا يعلمونه كنقرة عصفور في بحر» (٢). قال ابن القيم ﵀: وَهُوَ العَظِيُم بِكُلِّ مَعْنَى يُوجِبُ التَّـ ... ـعْظِيمَ لَا يُحْصِيهِ مِنْ إِنْسَانِ وهو سبحانه عظيم في ذاته، عظيم في أسمائه، عظيم في صفاته، روى مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ : الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» (٣). ومن عظمته - سُبْحَانَهُ - أن بيده ملك العالم العلوي والسفلي، فهو الذي خلقه ويتصرف فيه بما يشاء من الأحكام القدرية، والأحكام الدينية التابعة لحكمته (٤). ومن عظمته: أن الأرض جميعًا بما فيها من بحار وأنهار

стр. 4294

وجبال وأودية ورمال وأشجار وغير ذلك، تكون قبضته يوم القيامة، والسماوات كذلك على عظمها وكبرها وسعتها، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [سورة الزمر، آية رقم: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [سورة فاطر، آية رقم: ٤١]. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ٢٥٥] أي: لا يشق عليه حفظ السموات السبع والأرضين السبع ومن فيهما بعظمته وقدرته سبحانه. روى مسلم في صحيحه من حديث عبيد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر ﵄ كيف يحكي رسول الله ﷺ قال: «يَأْخُذُ اللَّهُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ، فَيَقُولُ: أَنَا اللَّهُ - وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا - أَنَا الْمَلِكُ» حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ (١). ومن عظمته: أن كرسيه وسع السموات والأرض. «والكرسي»

стр. 4295

كما قال ابن عباس ﵄: «موضع القدمين» (١). قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ٢٥٥]، وهذا يدل على كمال عظمة الله وسعة سلطانه، فإذا كان هذا حال الكرسي أنه يسع السموات والأرض على عظمتهما، وعظمة من فيهما، فكيف بالعرش الذي هو أعظم من الكرسي؟! ومن عظمته أن فضله عظيم، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ١٠٥]. أي: صاحب الفضل العظيم، العظيم كمية والعظيم كيفية، والعظيم شمولًا في المكان، وشمولًا في الزمان (٢). ومن عظمته أن الأبصار تراه ولا تدركه، قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ١٠٣]، فإن العباد مع رؤيتهم له لا يحيطون به رؤية، كما أنهم مع مدحه والثناء عليه لا يحيطون ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه المقدسة، ولهذا قال أفضل الخلق وأعلمهم:

стр. 4296

«لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ. أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (١) (٢). ومن آثار الإيمان بهذا الاسم العظيم: ١ - أن العبد إذا علم أن الله عظيم في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأمره، ونهيه، فإنه يعظم الرب في جميع الأحوال كلها. فالعظيم الرحيم يستحق أن يُعظم ويُحب ويُعبد ويُخاف ويُرجى (٣). وعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الرب تعالى في القلب، وأعرف الناس به أشدهم له تعظيمًا وإجلالًا، وقد ذم الله تعالى من لم يعظمه حق عظمته، ولا عرفه حق معرفته ولا وصفه حق صفته، قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ [سورة نوح، آية رقم: ١٣]، أي: ما لكم لا تعظمونه حق عظمته (٤). «واعلم بأن من عظم وقار الله في قلبه أن يعصيه، وقره الله في قلوب الخلق أن يذلوه» (٥).

стр. 4297

ومن تعظيم الله -سُبْحَانَهُ- أن تعظم شعائر دينه كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والعمرة وغيرها. قال - جل وعلا -: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [سورة الحج، آية: ٣٢]. ومن تعظيم الله -سُبْحَانَهُ- أن تجتنب نواهيه ومحارمه التي حرمها في كتابه أو حرمها رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [سورة الحج، آية رقم: ٣٠]. ومن أعظم ما حرمه الله الشرك بأنواعه، ومقابل هذا أن يعمل المسلم بأوامره التي أُمر بها، والتي من أعظمها توحيده وإفراده بالعبادة وحده لا شريك له. «ومن تعظيمه تعظيم ما عظمه واحترمه من زمان، ومكان، وأشخاص، وأعمال، والعبادة روحها تعظيم الباري وتكبيره، ولهذا شرعت التكبيرات في الصلاة في افتتاحها وتنقلاتها، ليستحضر العبد معنى تعظيمه في هذه العبادة التي هي أجل العبادات، قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [سورة الإسراء، آية رقم: ١١١]» (١).

стр. 4298

ومن تعظيم الله -سُبْحَانَهُ-، عدم النظر إلى كبر الذنب وصغره في نفس العبد، ولكن ينظر إلى قدر من عصاه وعظمته، وانتهاك حرمته بالمعصية، قال الأوزاعي ﵀: «لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى عظمة من عصيت» (١). «فينبغي لمن عرف حق عظمة الله، أن لا يتكلم بكلمةٍ يكرهها الله، ولا يرتكب معصية لا يرضاها الله، إذ هو القائم على كل نفسٍ بما كسبت» (٢). فما عظم الله حق عظمته من هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه فضيعه، وذكره فأهمله، وغفل قلبه عنه، وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه، وطاعة المخلوق أهم عنده من طاعته، فللَّه الفضلة من قلبه وقوله وعمله، وسواه المقدم في ذلك لأنه المهم عنده، يستخف بنظر الله إليه واطلاعه عليه وهو في قبضته، وناصيته بيده، ويُعظم نظر المخلوق إليه، واطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه، يستحيي من الناس ولا يستحيي من الله، ويخشى الناس ولا يخشى الله، ويعامل الخلق بأفضل ما يقدر عليه، وإن عامل الله عامله بأهون ما عنده وأحقره، وإن قام في خدمة من يحبه من البشر قام بالجد والاجتهاد

стр. 4299

وبذل النصيحة، وقد فرغ له قلبه وجوارحه، وقدمه على كثيرٍ من مصالحه، حتى إذا قام في حق ربه - إن ساعده القدر - قام قيامًا لا يرضاه مخلوقٌ من مخلوق مثله، وبذل له من ماله ما يستحيي أن يُواجه به مخلوقًا لمثله». فهل قدر الله حق قدره من هذا وصفه؟ (١). ومن تعظيمه: أن لا يلتفت العبد إلى أعماله، فمن «عرف الله وحقه وما ينبغي لعظمته من العبودية تلاشت حسناته عنده، وصغرت جدًّا في عينه، وعلم أنها ليست مما ينجو بها من عذابه، وأن الذي يليق بعزته، ويصلح له من العبودية أمر آخر. وكلما استكثر منها استقلها واستصغرها، لأنه كلما استكثر منها فُتحت له أبواب المعرفة بالله، والقرب منه، فشاهد قلبه من عظمته سبحانه وجلاله ما يستصغر منه جميع أعماله، ولو كانت أعمال الثقلين» (٢). روى أحمد في مسنده من حديث محمد بن أبي عميرة ﵁ أنه قال: «لَوْ أَنَّ عَبْدًا خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ، إِلَى أَنْ يَمُوتَ هَرَمًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ، لَحَقَّرَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَلَوَدَّ أَنَّهُ رُدَّ إِلَى الدُّنْيَا كَيْمَا يَزْدَادَ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ» (٣).

стр. 4300

٢ - أُمر النبي أن يُسبح بهذا الاسم، قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [سورة الواقعة، آية رقم: ٧٤]. روى أبو داود في سننه من حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة فقام فقرأ سورة البقرة لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، قال: ثم ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه: «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ»، ثُمَّ سَجَدَ بِقَدْرِ قِيَامِهِ (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ » (٢). وكان النبي ﷺ يمجد ربه ويقدسه باسمه العظيم عندما يصيبه كرب أو يحزبه أمر، روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يدعو عند الكرب فيقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» (٣).

стр. 4301

٣ - أنه يشرع للمسلم أن يدعو ربه ويتضرع بهذا الاسم العظيم فيقول: يا عظيم اغفر لي وارحمني، وارزقني الفردوس الأعلى، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه لعبده. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ» (١) (٢). ٤ - أن العظيم - سُبْحَانَهُ - لا يُبقي في النار من مات على التوحيد، كما أقسم على ذلك بعظمته، روى البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ ذكر حديث الشفاعة، ثم قال «يَا رَبِّ، ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ لَكَ - أَوْ قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ إِلَيْكَ - وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي وَجِبْرِيَائِي، لَأُخْرِجَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4302

الكلمة الواحدة والستون: شرح اسم الله: «الجبار» الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١). ومن أسماء الله الحسنى التي وردت في الكتاب والسنة الجبار، وقد ورد هذا الاسم في القرآن مرة واحدة في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [سورة الحشر، آية رقم: ٢٣]. قال الطبري ﵀: (الجبار يعني: المصلح أمور خلقه المصرفهم فيما فيه صلاحهم) (٢).

стр. 4303

وقال السعدي ﵀: (الجبار هو بمعنى: العلي الأعلى وبمعنى القهار وبمعنى الرؤوف وهو الذي يجبر الكسير، ويغني الفقير، ويجبر المريض والمبتلى، ويجبر جبرًا خاصًا قلوب المنكسرين لجلاله، الخاضعين لكماله، الراجين لفضله ونواله بما يفيضه على قلوبهم من المحبة وأنواع المعارف الربانية، والفتوحات الإلهية والهداية والإرشاد والتوفيق والسداد) (١). قال ابن القيم ﵀ في النونية: وكَذَلِكَ الجَبَّارُ مِنْ أَوْصَافِهِ ... وَالجَبْرُ فِي أَوْصَافِهِ قِسْمَانِ جَبْرُ الضَّعِيفِ وَكُلِّ قَلبٍ قَدْ غَدَا ... ذَا كَسْرَةٍ فَالجَبرُ مِنهُ دَانِ وَالثَّانِي جَبْرُ القَهْرِ بِالعِزِّ الَّذِي ... لَا يَنبَغِي لِسِوَاهُ مِنْ إِنسَانِ وَلَهُ مُسمًّى ثَالِثٌ وَهُوَ العُلُوُّ ... فَلَيسَ يَدنُوُ مِنْهُ مِنْ إِنسَانِ مِنْ قَوْلِهِمْ جَبَّارَةٌ لِلنَّخْلَةِ ... العُلْيَا الَّتِي فاتَتْ لِكُلِّ بَنَانِ «فيكون معنى الجبار على وجوه: ١ - الجبار هو المصلح للأمور من جبر الكسر إذا أصلحه وجبر الفقير إذا أغناه. ٢ - الجبار بمعنى: القهار الذي يجبر الخلق على ما يريد، ويحملهم على ما أراد من أمور تقتضيها الحكمة الإلهية، فقد

стр. 4304

أجبر الخلق على أشياء لا انفكاك لهم منها حسبما تقتضيه حكمته، كإكراههم على الموت والبعث والنشور، وتسخير كل منهم لصناعة يتعاطاها. والناس في ذلك بين راض بصنعته لا يريد عنها حولًا، وكاره لها يكابدها مع كراهيته لها كأنه لا يجد عنها بديلًا، قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة الزخرف، آية رقم: ٣٢]، وهو سبحانه لا يقهر إلا على ما تقتضي الحكمة. ٣ - الجبار العالي الذي لا يُنال، ومنه يقال: نخلة جبارة إذا طالت وعلت وقصرت الأيدي عن أن تنال أعلاها. من آثار الإيمان بهذا الاسم (الجبار): ١ - إن الله تعالى: هو الجبار الذي له العلو على خلقه، علو الذات والقدر والصفات، وعلو القهر والجبر «فإذا شهد العبد ذلك وأن نواصي العباد كلها بيد الله وحده، يصرفهم كيف يشاء لم يخفهم بعد ذلك، ولم يرجهم، ولم ينزلهم منزلة المالكين، بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين، المتصرف فيهم سواهم والمدبر لهم غيرهم (١)، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [سورة الأنعام، آية رقم: ١٨].

стр. 4305

٢ - جبر الله تعالى خلقه على ما أراد أن يكونوا عليه من خلق لا يمتنع عليه شيء منه أبدًا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [سورة يس، آية رقم: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [سورة آل عمران، آية رقم: ٨٣]. ٣ - أن الله تعالى لم يجبر أحدًا من خلقه على إيمان وكفر، قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [سورة الكهف، آية رقم: ٢٩]، ومع ذلك لا يخرجون عن مشيئته ولو شاء الله لهدى الناس جميعًا بغير اختيارهم، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [سورة الرعد، آية رقم: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [سورة السجدة، آية رقم: ١٣]، وقال تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [سورة ق، آية رقم: ٤٥] أي مسلط تكرههم على الإيمان. ٤ - أن الجبروت والقهر في حق المخلوق مذموم، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ [سورة غافر، آية رقم: ٣٥] لكن في حق الله محمود لأن جبروته وقهره حق، أما الخلق فموصوفون بصفات النقص، مقهورون ضعفاء، والحق آمرٌ غير مأمور، قاهرٌ غير مقهور، فعالٌ

стр. 4306

لما يريد، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. ٥ - أن الله - سُبْحَانَهُ -: جبروته رحمة وعدل، لأنه بجبروته قهر الجبابرة وأذل الأكاسرة والفراعنة، وأنصف المظلومين من الظلمة، ونصر جنده على المعاندين والكفرة الفجرة. وقد توعد الله الجبابرة بالعذاب والنكال، قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَاءِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَاءِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾ [سورة إبراهيم، آيات رقم: ١٥ - ١٧]. روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَطْوِي اللَّهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ، ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ» (١). وفي رواية أخرى: «يَأْخُذُ الْجَبَّارُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدِهِ» وَقَبَضَ يَدَهُ، فَجَعَلَ يَقْبِضُهَا وَيَبْسُطُهَا، «ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟» (٢).

стр. 4307

وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَأُذُنَانِ يَسْمَعُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، فَيَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلِّ مَنِ ادَّعَى مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالمُصَوِّرِينَ» (١). وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتْ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ -وفي آخر الحديث- قَالَ اللَّهُ ﵎ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي» (٢). ٦ - الأرض كلها خبزة بيد الجبار - سُبْحَانَهُ - يوم القيامة، روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تَكُونُ الأرْضُ يَومَ القِيامَةِ خُبْزَةً واحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الجَبَّارُ بيَدِهِ كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلًا لِأَهْلِ الجَنَّةِ» (٣). ٧ - كان النبي ﷺ يدعو بين السجدتين فيقول: «اللَّهُمَّ

стр. 4308

اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاجْبُرْنِي وَارْفَعْنِي، وفي رواية: وعافني وَاهْدِنِي» (١) (٢). قال ابن الأثير ﵀: واجبرني أي: أغنني، من جبر الله مصيبته، أي: رد عليه ما ذهب منه وعوضه، وأصله من جبر الكسر (٣). وكان النبي ﷺ يعظم ربه بهذا الاسم في ركوعه وسجوده فيقول: «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» (٤). ٨ - أنه ينبغي للمؤمن أن يكون متواضعًا وأن يبتعد عن صفة التكبر والتجبر، قال تعالى- ذامًّا لهذه الصفة عن نبي الله هود وهو يخاطب قومه: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠)﴾ [سورة الشعراء، آية رقم: ١٣٠]، وقال تعالى عن نبي الله عيسى ﵇: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)﴾ [سورة مريم،

стр. 4309

آية رقم: ٣٢]، روى البخاري ومسلم من حديث المسور بن مخرمة ﵄ أن أباه مخرمة قال له: يا بني إنه بلغني أن النبي ﷺ قدمت عليه أقبية فهو يقسمها، فاذهب بنا إليه، فذهبنا فوجدنا النبي ﷺ في منزله، فقال لي: يا بُني ادع لي النبي ﷺ ، فأعظمت ذلك فقلت: أدعو لك رسول الله ﷺ ؟ فقال: يَا بُنَيَّ، إِنَّهُ لَيْسَ بِجَبَّارٍ، فَدَعَوْتُهُ، فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرٌ بِالذَّهَبِ، فَقَالَ: «يَا مَخْرَمَةُ، هَذَا خَبَأْنَاهُ لَكَ» فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ (١). ٩ - أنه يشرع للمؤمن أن يسأل ربه من خير الدنيا والآخرة ويتضرع بهذا الاسم الجبار فيقول: يا جبار السموات والأرض أصلح لي شأنه كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4310

الكلمة الثانية والستون: شرح اسم الله: «الستير» الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد .. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١). ومن أسماء الله الحسنى التي وردت في السنة الستير، فروى أبو داود في سننه من حديث يعلى ﵁: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يغتسل بالبراز بلا إزار، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» (٢).
следующие страницы →