← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُم وَلَا تَبَاغُضَ، قُلُوْبُهُم قَلبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِّحُوْنَ اللهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا» (١). وروى البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ غَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ - يَعْنِي سَوْطَهُ - خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا - يَعنِي الخِمَارَ - عَلَى رَاسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (٢). والحور العين مطهرات من كل أذى وقذر ظاهرًا وباطنًا، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥]. قال جمع من المفسرين: المطهرة من طهرت من الحيض والبول، والنفاس، والغائط، والمخاط، والبصاق، وكل قذر وأذى مما يكون في نساء الدنيا (٣). قال ابن القيم ﵀: فطهر مع ذلك باطنها من الأخلاق السيئة، والصفات المذمومة، وطهر لسانها من الفحش والبذاء، وطهر طرفها من أن تطمح به إلى

стр. 562

غير زوجها، وطهرت أثوابها من أن يعرض لها دنس أو وسخ (١). وإن من أعظم ما أتحف الله به عباده في دار كرامته، زواجهم من الحور العين، فبهذا الزواج تتحقق السعادة وتكتمل اللذة، قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٥ - ٥٦]. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس ﵃ وغيرهم: «شغلهم افتضاض الأبكار» (٢). روى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلمُؤْمِنِ فِي الجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِن لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، طُولُهَا سِتُّوْنَ مِيْلاً، لِلمُؤْمِنِ فِيْهَا أَهْلُوْنَ، يَطُوْفُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُ، فَلَا يَرَى بَعْضُهُم بَعْضًا» (٣). وهذه الخيام غير الغرف والقصور التي في الجنة، فذاك نعيم آخر، روى الطبراني في المعجم الصغير من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قِيَلَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، هَل نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الجَنَّةِ؟ فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي اليَوْمِ إِلَى مِئَةِ عَذْرَاءَ» (٤). والحور العين يشتقن إلى أزواجهن من المؤمنين، فتدعو الواحدة منهن على من يتعرض لزوجها في الدنيا، فكيف إذا قدم عليها وبشرت

стр. 563

بذلك، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث معاذ بن جبل ﵁: عن النبي ﷺ قال: «لَا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا إِلَاّ قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ: لَا تُؤْذِيهِ قَاتَلَكِ اللهُ، فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكِ دَخِيلٌ، يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا» (١). وعرائس الجنان من الحور العين لا يزددن مع مرور الدهور والأحقاب إلا حسنًا وجمالاً، وحبًا وتوددًا لأزواجهن في الجنة. روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَاتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ، فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالاً، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالاً، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالاً، فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ وَاللهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالاً» (٢). والصالحون في هذه الدار بعدما علموا ما جاء في كتاب ربهم وسنة نبيهم في شأنهن - أي الحور العين - يكونون في أشد الشوق والحب إليهن، مما له أكبر الأثر في إقبالهم على طاعة مولاهم، وأن يقر أعينهم بهن، قال ربيعة بن كلثوم: نظر إلينا الحسن ونحن شباب، فقال: يا معشر الشباب، أما تشتاقون إلى الحور العين؟ (٣). قال ابن القيم ﵀: يا خَاطِبَ الحُور الحسانِ وطالبًا ... لوصَالهن بِجنةِ الحيوان لو كُنتَ تدْري من خَطَبتَ ومن طلبْـ ... ـتَ بذلتَ ما تَحوي مِن الأثمان

стр. 564

أو كُنْتَ تدري أينَ مسكنها جَعْـ ... ـلت السعيَ مِنكَ لها على الأجفان ولَقدْ وصفتُ طريقَ مسكَنِها فإن ... رُمت الوِصَالَ فلا تكن بالوانِي أَسْرع وحُث السيرَ جهدَكَ إنما ... مَسْراكَ هذَا ساعةُ لزمان فاعْشق وحدثْ بالوصالِ النفسَ ... وابذلَ مهرَهَا ما دمتَ ذا إمكان واجْعل صيامَكَ قَبل لُقياها ويـ ... ـومَ الوصلِ يومَ الفطرِ من رمضان واجْعل نُعوتَ جَمَالها الحادي وِسر ... تلْقى المخَاوفَ وهيَ ذات أمان والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 565

الكلمة المئة واثنتا عشرة: الابتلاء الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن هذه الدنيا دار ابتلاء وامتحان، يبتلى فيها المؤمن بالسراء والضراء، والشدة والرخاء، والصحة والمرض، والغنى والفقر، والشهوات والشبهات، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. أي نختبركم بالمصائب تارة، وبالنعم تارة أخرى، فننظر من يشكر ومن يكفر، ومن يصبر ومن يقنط، قال ابن عباس: «﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾: أي نبتليكم بالشر والخير، أي بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال» (١). ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ أي: فنجازيكم على مواقفكم من هذه الأحوال، فمن وقف موقف المؤمن واتقى الله في كل حالة نال المثوبة، ومن أساء نال العقوبة. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ

стр. 566

وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. روى البخاري في صحيحه من حديث خباب بن الأرت قال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلنَا لَهُ: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللهَ لَنَا؟ قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِيْمَن قَبْلَكُم يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيْهِ، فَيُجَاءُ بِالمِنْشَارِ فَيُوْضَعُ عَلَى رَاسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَن دِيْنِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيْدِ مَا دُوْنَ لَحْمِهِ مِن عَظْمٍ أَو عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَن دِيْنِهِ، وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيْرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَاّ اللهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُم تَسْتَعْجِلُوْنَ» (١). وروى الترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» (٢). وسأل رجل الشافعي ﵀ فقال: يا أبا عبد الله، أيهما أفضل للرجل: أن يمكن فيشكر الله ؟ أو يبتلى فيصبر؟ فقال الشافعي: لا

стр. 567

يُمكَّن حتى يُبتَلَى، فإن الله ابتلى نوحًا وإبراهيم ومحمدًا صلوات الله عليهم أجمعين، فلما صبروا مكنهم الله فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة. اهـ (١). قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥]. قال ابن القيم ﵀: والله أسأل أن يجعلكم ممن إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر، فإن هذه الأمور الثلاثة عنوان سعادة العبد، وعلامة فلاحه في دنياه وأخراه، ولا ينفك عبد عنها أبدًا، فإن العبد دائم التقلب بين هذه الأطباق الثلاثة. اهـ (٢). والمؤمن يصيبه البلاء تكفيرًا لسيئاته، ورفعة لدرجاته، وحتى يتميز الخبيث من الطيب، وغير ذلك من الحكم. روى البخاري في صحيحه من حديث ابن مسعود ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك وعكًا شديدًا، فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكًا شديدًا؟ فقال رسول الله ﷺ : «أَجَل، إِنِّي أُوَعَكُ كَمَا يُوَعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُم»، فقلت: ذلك أن لك أجرين؟ فقال رسول الله ﷺ : «أَجَل» ثم قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، مَرَضٌ فَمَا سِوَاهُ، إِلَاّ حَطَّ اللهُ لَهُ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» (٣). وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن

стр. 568

النبي ﷺ قال: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ» (١). قال أبو عبيدة الهروي: أي يبتليه بالمصائب ليثيبه عليها، وقد تبتلى أمة الإسلام بتكالب الكفار واعتدائهم عليها، إما عقوبة لها على تقصيرها في طاعة ربها، أو ابتلاء واختبارًا لها، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤]. وقال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٢]. وما نراه في هذه الأزمان من تكالب أمم الكفر من كل مكان، واتحادهم ضد المسلمين، ما هو إلا مصداق لقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أبو داود من حديث ثوبان ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ»، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْوَهَنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» (٢). ولن يكون الخلاص والنجاة من ذلك إلا بالتمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والبراءة من الشرك وأهله، ويجب على المؤمن أن يكون على ثقة ويقين بنصر الله القريب، وإن كثر الأعداء، وعظمت قوتهم، فإن الله سينصر دينه والمؤمنين، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَاسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠].

стр. 569

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَاّ القَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 570

الكلمة المئة وثلاث عشرة: الزهد في الدنيا الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فقد وصف ربنا حال الدنيا وأهلها فيها، وكشف حقيقتها، وبين قصر مدتها، وانقضاء لذتها، فقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَاّ مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]. فبين لنا العليم الحكيم في هذه الآية حال الدنيا التي افتتن الناس بها، وبين أنها لعب لا ثمرة فيه سوى التعب، ولهو يشغل صاحبه ويلهيه عما ينفعه في آخرته، وزينة تخدع المفتون بها، وتفاخر بالأنساب والعظام البالية، ومباهاة بكثرة الأموال والأولاد، وعظم الجاه، وأشار سبحانه إلى أنها مع ذلك سريعة الزوال، كمثل غيث أعجب الزراع نباته الناشئ منه، ثم يهيج ويتحرك وينمو إلى أقصى ما قدره الله له، فسرعان ما تراه مصفرًا متغيرًا ذابلاً بعد أن كان أخضر نضرًا، ثم يعود إلى اليبس هشيمًا متكسرًا، ففيه تشبيه جميع ما في الدنيا من السنين الكثيرة بمدة نبات غيث واحد يفنى ويضمحل ويتلاشى في أقل من سنة، إشارة إلى سرعة زوالها وقرب فنائها.

стр. 571

ثم أشار سبحانه إلى عظم شأن الآخرة بما فيها من الآلام والعذاب الشديد لمن عصاه، والمغفرة والرضوان الموجب لكمال النعيم لمن أطاعه. قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ ... بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]. وقال سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآَبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ﴾ ... [آل عمران: ١٤ - ١٥]. وقال تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلَاّ مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦]. روى مسلم في صحيحه من حديث المستورد بن فهر: أن النبي ﷺ قال: «وَاللهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَاّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ - وَأَشَارَ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ - فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟ » (١). وروى ابن ماجه في سننه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: اضْطَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ، فَأَثَّرَ فِي جِلْدِهِ، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ كُنْتَ آذَنْتَنَا فَفَرَشْنَا لَكَ عَلَيْهِ شَيْئًا يَقِيكَ مِنْهُ؟ ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا أَنَا وَالدُّنْيَا؟ ! إِنَّمَا أَنَا وَالدُّنْيَا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ

стр. 572

تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» (١). قال ابن القيم ﵀: «ولا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين: النظر الأول: النظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها، وألم المزاحمة عليها، والحرص عليها، وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد، وآخر ذلك الزوال والانقطاع، مع ما يعقب من الحسرة والأسف، فطالبها لا ينفك من همّ قبل حصولها، وهمّ في حال الظفر بها، وحزن وغم بعد فواتها، فهذا أحد النظرين. النظر الثاني: النظر في الآخرة، وإقبالها، ومجيئها، ولا بد من دوامها وبقائها، وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات، والتفاوت الذي بينه وبين ما ههنا، فهي كما قال سبحانه: ﴿وَالآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧] فهي خيرات كاملة دائمة، وهذه خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة، فإذا تم له هذان النظران آثر ما يقتضي العقل إيثاره، وزهد فيما يقتضي الزهد فيه، فكل أحد مطبوع على أن لا يترك النافع العاجل، واللذة الحاضرة إلى النفع الآجل، واللذة الغائبة المنتظرة، إلا إذا تبين له فضل الآجل على العاجل، وقويت رغبته في الأعلى الأفضل، فإذا آثر الفاني الناقص كان ذلك إما لعدم تبين الفضل له، وإما لعدم رغبته في الأفضل، وكل واحد من الأمرين يدل على ضعف الإيمان، وضعف العقل والبصيرة، فإن الراغب في الدنيا، الحريص عليها، المؤثر لها إما أن يصدق بأن ما هناك أشرف وأفضل وأبقى، وإما أن لا يصدق، فإن لم يصدق بذلك كان عادمًا للإيمان رأسًا، وإن صدق بذلك ولم يؤثر كان فاسد العقل سيئ

стр. 573

الاختيار لنفسه. والنبي ﷺ عُرضت عليه مفاتيح كنوزها فردها، وفاضت على أصحابه فآثروا بها ولم يبيعوا حظهم من الآخرة بها وعلموا أنها معبر وممر لا دار مقام ومستقر، وأنها دار عبور لا دار سرور، وأنها سحابة صيف تنقشع عن قليل، وخيال طيف ما استتم الزيارة حتى آذن بالرحيل اهـ (١). قال الشاعر: لَا طِيبَ لِلْعَيشِ مَا دَامَتْ لَذَّاتُهُ ... مُنَغَّصَةً بِادِّكَارِ المَوتِ وَالهَرَم وقد توعد سبحانه أعظم الوعيد لمن رضي بالحياة الدنيا، واطمأن بها، وغفل عن آياته ولم يرج لقاءه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَاوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٧ - ٨]. وقد عاتب سبحانه من رضي بالدنيا من المؤمنين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلَاّ قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]. وعلى قدر رغبة العبد في الدنيا، ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب الآخرة، ويكفي في الزهد في الدنيا قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧]. وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَاّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ

стр. 574

بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَاّ القَوْمُ الفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥]. وكان النبي ﷺ من أكثر الناس قناعة وزهدًا في الدنيا، فعن عائشة ﵂ أنها قالت لعروة ابن أختها: «إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَارٌ. فَقُلْتُ: مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَاّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ أَبْيَاتِهِمْ، فَيَسْقِينَاهُ» (١). روى البخاري في صحيحه من حديث عمرو بن الحارث قال: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَماً وَلَا دِينَاراً وَلَا عَبْداً وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئاً إِلَاّ بَغْلَتَهَ البَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضاً جَعَلَهَا صَدَقَةً (٢). بل إنه ﵊ توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير (٣). وأوصى النبي ﷺ جماعة من الأنصار أن يكون بلاغ أحدهم من الدنيا كزاد الراكب، ووصى ابن عمر أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل، وقال لأبي هريرة: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّوكَ» (٤). قال ابن القيم ﵀: والزهد زهد في الحرام، وهو فرض عين،

стр. 575

وزهد في الشبهات، وهو بحسب مراتب الشبهة، فإن قويت التحقت بالواجب، وإن ضعفت كان مستحبًّا، وزهد في الفضول، وزهد فيما لا يعني من الكلام والنظر والسؤال واللقاء وغيره، وزهد في الناس، وزهد في النفس بحيث تهون عليه نفسه في الله، وزهد جامع لذلك كله، وهو الزهد فيما سوى الله، وفي كل ما شغلك عنه. وأفضل الزهد إخفاء الزهد، وأصعبه الزهد في الحظوظ، والفرق بينه وبين الورع أن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة، والقلب المعلق بالشهوات لا يصح له زهد ولا ورع. إلى آخر ما قال (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 576

الكلمة المئة وأربع عشرة: العافية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن من أعظم نعم الله على عباده بعد نعمة الإيمان والإسلام، نعمة العافية، قال تعالى عن نبي الله هود ﵇ وهو يخاطب قومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا ... إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ... [هود: ٥٢]. روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «نِعْمَتَانِ مَغْبُوْنٌ فِيْهِمَا كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» (١). والغبن أن يشتري الإنسان السلعة بأكثر من ثمنها، فمن صح بدنه وتفرغ من الأشغال العالقة به، ولم يسع لإصلاح آخرته يقال عنه: رجل مغبون. روى الترمذي في سننه من حديث عبيد الله بن محصن الخطمي قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» (٢). قوله: «آمِنًا فِي سِرْبِهِ»، أي: آمنًا على نفسه وأهله وعياله وماله.

стр. 577

قوله: «مُعَافًى فِي جَسَدِهِ»، أي: من الأمراض، أي: صحيحًا سالمًا من العلل والأسقام. قوله: «عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ»، أي: كفاية قوته وحاجته من وجه حلال. قوله: «فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»، أي: ضمت وجمعت، فمن جمع الله له بين عافية بدنه، وأمن قلبه حيث توجه، وكفاف عيشه بقوت يومه، وسلامة أهله، فقد جمع الله له جميع النعم التي من ملك الدنيا لم يحصل على غيرها، فينبغي أن لا يستقبل يومه ذلك إلا بشكرها، بأن يصرفها في طاعة المنعم، لا في معصيته. وإن من أعظم المطالب، وأرفع المراتب التي ينبغي للمؤمن أن يحرص عليها سؤال الله العافية، روى الترمذي في سننه من حديث رفاعة بن رافع قال: قَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ بَكَى فَقَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ الأَوَّلِ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ: «سَلُوا اللهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنَ الْعَافِيَةِ» (١). قال ابن القيم ﵀ تعليقًا على الحديث المذكور: «فجمع بين عافيتي الدين والدنيا، ولا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا في قلبه وبدنه، فجمع أمر الآخرة في كلمة، وأمر الدنيا كله في كلمة» (٢). وروى ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِهَا الْعَبْدُ أَفْضَلَ مِنَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ

стр. 578

الْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» (١). فبين النبي ﷺ في هذا الحديث أن أفضل ما سأله العباد أن يعافيهم الله، لأن العمدة الكبرى، والمنحة العظمى في نيل السعادة الدنيوية والأخروية هي العافية. وروى البزار في كشف الأستار من حديث أنس بن مالك: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَوْمٍ مُبْتَلَينَ، فَقَالَ: «أَمَا كَانَ هَؤُلاءِ يَسْأَلُونَ اللهَ الْعَافِيَةَ؟ ! » (٢)، وفي الحديث دليل على أن سؤال الله العافية يدفع كل بلية، ويرفع كل محنة، ولهذا جاء ﷺ بهذا الاستفهام بمعنى الاستنكار، فكأنه قال لهم: كيف تتركون أنفسكم في هذه المحنة والابتلاء؟ وأنتم تجدون الدواء الحاسم لها، والمرهم الشافي لما أصابكم منها، وهو الدعاء بالعافية، واستدفاع هذه المحنة النازلة بكم، بهذه الدعوة الكافية، وفي هذا ما يزيد النفوس نشاطًا والقلوب بصيرةً، باستعمال هذا الدواء عند عروض كل داء، ومساس كل محنة، ونزول كل بلية، قال أحد الصالحين: «أكثروا من سؤال العافية، فإن المبتلى وإن اشتد بلاؤه لا يأمن ما هو أشد منه، وإن المبتلى وإن اشتد بلاؤه ليس بأحق بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء، وما المبتلون اليوم إلا من أهل العافية بالأمس، وما المبتلون بعد اليوم إلا من أهل العافية اليوم». والذي يزور مستشفيات المسلمين ويرى ما ابتلي به إخوانه من الأمراض الخطيرة التي عجز الطب الحديث عن علاج بعضها، ليحمد الله صباحًا ومساءً على نعمة العافية.

стр. 579

قال الشاعر: إني وإن كَان جَمْعُ المالِ يُعْجِبُنِي ... ما يعدلُ المالُ عِندي صِحَّة الجَسَد المالُ زينٌ وفي الأَولادِ مَكْرُمَةٌ ... والسُقْمُ يُنسِيك ذِكرَ المَالِ والوَلَد وكان النبي ﷺ يسأل ربه العافية صباحًا ومساءً، وحتى عند نومه، فروى أبو داود في سننه من حديث ابن عمر قال: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» (١). قال أبو داود: قال وكيع: يعني الخسف، وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن الحارث، يحدث عن عبد الله بن عمر ﵄، أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلاً إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ أَن يَقُولَ: «اللَّهُمَّ خَلَقْتَ نَفْسِي ... الحديث، وقال في آخره: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ»، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ عُمَرَ؟ فَقَالَ: مِنْ خَيْرٍ مِنْ عُمَرَ، مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ (٢). والعافية في الدنيا هي دفع الله عن العبد جميع الأسقام والبلايا وجميع ما يكرهه ويشينه، والعافية في الآخرة هي دفع الله عنه جميع أهوال الآخرة وأفزاعها، ولا يخرج مطلوب العبد من هذين القسمين. وكان النبي ﷺ يتعوذ بالله من سيئ الأسقام، فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس أن النبي ﷺ كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنَ

стр. 580

البَرَصِ، وَالجُنُوْنِ، وَالجُذَامِ، وَمَن سَيِّئِ الأَسْقَامِ» (١). وأرشد ﵊ أمته إلى اغتنام الصحة قبل المرض، فروى الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «اغتَنِم خَمسًا قَبلَ خَمسٍ .. ذكر منها: صِحَّتَكَ قَبلَ سَقَمِك» (٢): وكَانَ ابْنُ عُمَرَ كما في صحيح البخاري يَقُوْلُ: «إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاح، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ» (٣) (٤). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 581

الكلمة المئة وخمس عشرة: مكانة المرأة في الإسلام الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فحديثنا اليوم عن المرأة، وسيكون الكلام فيها حول الأمور التالية: أولاً: حالة المرأة قبل الإسلام. ثانيًا: صور مضيئة لتكريم المرأة في الإسلام. ثالثًا: شبهات والجواب عنها. رابعًا: واجبنا نحو ذلك. أولاً: حالة المرأة قبل الإسلام: لقد كانت المرأة قبل الإسلام في بعض مجتمعات الجاهلية تعيش فترة عصيبة، فقد كانوا يكرهون ولادتها، فمنهم من يدفنها وهي حية تحت التراب خوفًا على نفسه من العار، ومنهم من يتركها تبقى في حياة الذل والمهانة. قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ القَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩].وقال تعالى: ﴿وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ - ٩].

стр. 582

والموؤدة هي البنت تدفن حية حتى تموت تحت التراب، والمرأة في الجاهلية ليس لها حظ في الميراث مهما عانت من الفقر والحاجة؛ لأن الميراث يختص بالرجال، بل إنها كانت تورث عن زوجها الميت كما يورث سائر المتاع، وكان الجمع الكثير من النساء يعشن تحت زوج واحد، حيث كانوا لا يتقيدون بعدد محدد من الزوجات، ولا يبالون بما ينالهن من المضايقات والظلم، روى مسلم في صحيحه من حديث عمر ﵁ أنه قال: «وَاللهِ إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ، وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ» (١). ثانيًا: صور مضيئة لتكريم المرأة في الإسلام: فقد رفع عنها المظالم، وأعاد لها مكانتها، وجعلها شريكة الرجل في الثواب والعقاب وسائر الحقوق، إلا ما اختص الله به النساء، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]. روى الترمذي في سننه من حديث أُمِّ عُمَارَةَ ﵂: أَنَّهَا أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: مَا أَرَى كُلَّ شَيْءٍ إِلَاّ لِلرِّجَالِ، وَمَا أَرَى النِّسَاءَ يُذْكَرْنَ بِشَيْءٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَالقَانِتِينَ وَالقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالخَاشِعِينَ وَالخَاشِعَاتِ وَالمُتَصَدِّقِينَ وَالمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ

стр. 583

مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] (١). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» (٢). وحرم الإسلام اعتبار المرأة من موروثات الزوج، كما هو الحال في الجاهلية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]. فضمن لها استقلال شخصيتها، وجعلها وارثة لا موروثة، وجعل للمرأة حقًا في مال قريبها من الميراث، فقال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» (٣). وروى ابن ماجه من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي» (٤). ثالثًا: شبهات والجواب عنها: يردد أهل الشهوات عبر وسائل الإعلام المختلفة بأن المرأة تعاني من الظلم، وأنها شق معطل، وأن البيت سجن لها، والقوامة سيف مصلت

стр. 584

عليها أن تتخلص منه، وقد أوجد ذلك وللأسف أثرًا عند بعض النساء. أما القول بأن المرأة تعاني من الظلم، فقد سبق الكلام عن مكانة المرأة في الإسلام، وكيف رفع المظالم التي كانت عليها في الجاهلية، وهي ليست شق معطل، بل إن بقاءها في بيتها وتربيتها لأولادها من أعظم الأعمال التي تثاب عليها، وتخرج ثمراتها إلى المجتمع المسلم. روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَصَّنَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ بَعْلَهَا، دَخَلَتْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَتْ» (١). والذي ينظر إلى المجتمعات الغربية وكيف خرجت المرأة لتزاحم الرجال، وتركت أطفالها في رعاية الخدم، أو الحضانة، أو غيرها، وما جنى هؤلاء الغربيون من الفساد، وانحلال الأخلاق، وكثرة أولاد الزنا، والتفكك الأسري، وانتشار المخدرات والمسكرات، وغير ذلك، ليدرك عظمة هذا الدين، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. أما القوامة فقد جعلت لحماية المرأة وصيانة عرضها من الرجال، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. قال ابن كثير: «أي الرجل قيم على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها، والحاكم عليها، ومؤدبها إذا اعوجت». قال ابن عباس: «﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾: يعني أمراء عليهن، أي: تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة لأهله،

стр. 585

حافظة لماله» (١). رابعًا: واجبنا نحو ذلك: أولاً: تربية أبنائنا وبناتنا وزوجاتنا تربية صالحة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. قال علي بن أبي طالب ﵁: «أدبوهم وعلموهم الخير»، وروى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «كُلُّكُم رَاعٍ وَمَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ» (٢). ولو أن كل رجل اهتم بأسرته، ورباهم على الكتاب والسنة؛ لصلح المجتمع كله. ثانيًا: التزود بالعلم الشرعي، وبالعلم يكتشف المؤمن ضلال المضلين، وانحراف المنحرفين من العلمانيين وأهل الأهواء والشهوات، ويستطيع الرد عليهم وكشف مخططاتهم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. ثالثًا: الدعوة إلى الله ، وتحذير الناس من أهل الشر، وما يخططون له من إفساد المرأة، وإبعادها عن دينها، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]. روى مسلم في صحيحه من حديث سهل بن سعد: أن النبي ﷺ

стр. 586

قال: «فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 587

الكلمة المئة وست عشرة: التحذير من الربا الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن من الذنوب العظيمة التي حرمها الله ورسوله، ولعن فاعلها، الربا، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]. روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁ قال: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ» (١). وروى البخاري في صحيحه من حديث سمرة بن جندب ﵁ في رؤيا النبي ﷺ ، وجاء فيه: « ... أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ - حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ -: أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ، وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ، وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ

стр. 588

يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ، ثُمَّ يَاتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ، فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ، فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا، فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا، قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَانِ؟ قَالَا: أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الحِجَارَةَ، فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا» (١). وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ... وذكر منها: الرِّبَا» (٢). ومن صور الربا المحرم: شراء الأسهم الربوية، أو إيداع الأموال في البنوك، وأخذ الزيادة الربوية التي يسمونها فوائد، أو الاقتراض من البنوك، ورد المبالغ إليها مع الزيادة الربوية، وإن من الجرائم العظيمة، والأمور الخطيرة ما نسمعه ونشاهده هذه الأيام من تسابق أهل هذه البنوك بوضع شتى الطرق والحيل والدعايات لإيقاع الناس في الربا، وترغيبهم بشتى الوسائل لتزداد أرصدتهم من هذه الأموال الخبيثة، وعلى سبيل المثال ما يسمى بطاقة فيزا سامبا، وقد صدرت فيها فتوى من اللجنة الدائمة بتحريم التعامل بها، وأنها من الربا الذي حرمه الله ورسوله. جاء في الفتوى رقم (١٧٦١١): يتداول بين الناس في الوقت الحاضر بطاقة فيزا سامبا، صادرة من البنك السعودي الأمريكي، وقيمة هذه البطاقة الذهبية (٤٨٥) ريالاً، وإذا كانت فضية (٢٤٥) ريالاً، تسدد هذه القيمة سنويًا لمن يحمل بطاقة فيزا للاستفادة منها كاشتراك سنوي، ويحق لحامل هذه البطاقة أن يسحب من فروع البنك المبلغ الذي يريده سلفة، ويسدد بنفس القيمة خلال مدة لا تتجاوز

стр. 589

أربعة وخمسين يومًا، وإذا لم يسدد المبلغ المسحوب سلفة خلال الفترة المحددة يأخذ البنك عن كل مئة ريال فوائد قيمتها ريال وخمس وتسعين هللة (١. ٩٥)، ويحق لحامل هذه البطاقة شراء البضائع من المحلات التجارية التي تتعامل مع البنك، دون أن يدفع مالاً نقديًا، وتكون سلفة عليه للبنك، وإذا تأخر عن سداد القيمة عن مدة أربعة وخمسين يومًا يأخذ البنك عن كل مئة ريال ريالاً وخمسًا وتسعين هللة، فما حكم استعمال هذه البطاقة، والاشتراك السنوي مع هذا البنك. الجواب: إذا كان حال بطاقة فيزا سامبا كما ذكر، فهذا إصدار جديد من أعمال المرابين، وأكل لأموال الناس بالباطل، وتأثيمهم، وتلويث مكاسبهم، وتعاملهم، وهو لا يخرج عن حكم ربا الجاهلية المحرم في الشرع المطهر (إما أن تقضي، وإما أن تربي)، ولهذا لا يجوز إصدار هذه البطاقة، ولا التعامل بها. اهـ. ومن صوره كذلك بيع العينة، ويسميه بعض الناس الدينة، ومثاله: أن يبيع شخص سلعة على شخص آخر بمبلغ ألف ريال مؤجلة لمدة سنة، ثم في نفس الوقت يشتري البائع سلعته من المشتري بمبلغ خمسمئة ريال معجلة، وتبقى الخمسمئة ريال في ذمة المشتري الأول، وقد ورد النهي الصريح من النبي ﷺ عن بيع العينة، روى الإمام أبو داود في سننه من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلا، لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» (١). ومن الشبهات التي يرددها بعض الناس قول بعضهم: أنا مضطر لأخذ

стр. 590

القرض من هذا البنك الربوي، فعندي ضائقة مالية، أو أريد أن أتزوج، أو أريد أن أبني مسكنًا ولم أجد من يقرضني من الناس، والضرورات تبيح المحظورات، والجواب عن ذلك أن يقال: إن الضرورة إنما تكون عند خوف الشخص على حياته، فتباح له بقدر الحاجة، كأن يكون في خارج البلد، واشتد به الجوع والعطش حتى كاد أن يموت، ولم يجد إلا خمرًا أو ميتة، فتباح له بقدر ما يسد رمقه. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وقال بعض أهل العلم: إنه يتناول ثلاث لقم ولا يزيد عليها، وأيضًا يقال لهذا وأمثاله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. ومن الشبهات كذلك قول بعضهم: إن هذه البنوك مؤسسات تجارية، فهي تدفع رواتب للموظفين، وتدفع إيجارًا للمبنى، وتحتاج إلى أجهزة تشتريها بمبالغ مالية، وغير ذلك، فالقروض التي تعطيها للناس بفوائد إنما هي للمصاريف الإدارية، وهذا كلام فيه تضليل؛ لأن صورة الربا التي وردت النصوص الشرعية بتحريمها موجودة، ومنطبقة على هذه البنوك، وسواء سميت مصاريف إدارية، أو فوائد، أو غير ذلك، فالأسماء لا تغير الحقائق، وقد صدرت فتاوى من علماء هذه البلاد بتحريم التعامل مع هذه البنوك، عملاً أو شراءً أو اقتراضًا أو غير ذلك، جاء في الفتوى رقم (٣١٩٧): ما حكم الزيادة التي تأخذها البنوك؟

стр. 591

الجواب: الفائدة التي تأخذها البنوك من المقترضين، والفوائد التي تدفعها للمودعين عندها، هذه الفوائد من الربا الذي ثبت تحريمه بالكتاب والسنة والإجماع. اهـ. وجاء في الفتوى رقم (١٠٨٠): هل ينطبق على كاتب الحسابات في بنك حديث لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه؟ الجواب: البنوك تتعامل بالربا مع من تقرضه، ومع من يودع فيها نقودًا، ومع غيرهم، ولا بد لمن عمل فيها كاتبًا للحسابات أن يتولى حساب المعاملات الربوية، ويقيد في الدفاتر ما على كل من أطراف المعاملات، وما له، ويتحدد بذلك المدين من الدائن، وعلى ذلك ينطبق الحديث المذكور على كاتب الحسابات في البنوك الربوية، وما في حكمها من المصارف. اهـ (١). اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 592

الكلمة المئة وسبع عشرة: وقفة مع قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَاّ وَارِدُهَا .. ﴾ الآية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١، ٧٢]. قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: «هذا خطاب لسائر الخلائق برهم وفاجرهم، ومؤمنهم وكافرهم، أنه ما منهم من أحد إلا سيرد النار حكمًا حتمه الله على نفسه، وأوعد به عباده، فلا بد من نفوذه، ولا محيد عن وقوعه» (١). اهـ. روى الإمام الترمذي في سننه من حديث ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ، ثُمَّ يَصْدُرُونَ مِنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ، فَأَوَّلُهُمْ كَلَمْحِ الْبَرْقِ، ثُمَّ كَالرِّيحِ، ثُمَّ كَحُضْرِ الْفَرَسِ، ثُمَّ كَالرَّاكِبِ فِي رَحْلِهِ، ثُمَّ كَشَدِّ الرَّجُلِ، ثُمَّ كَمَشْيِهِ» (٢). وهذا الحديث له شواهد في الصحيحين، والصراط الذي وردت

стр. 593

الإشارة إليه في الأحاديث هو جسر منصوب على متن جهنم، وهو صراط دقيق جدًّا كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: «بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ» (١). والصراط ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال السفاريني ﵀: والصراط شرعاً جسر ممدود على متن جهنم يرده الأولون والآخرون فهو قنطرة جهنم بين الجنة والنار وخُلِق من حين خلقت جهنم (٢). قال الشاعر: أَمَامِي مَوْقف قُدَّامَ رَبّي ... يُسَائِلُنِي وَيَنْكَشِف الغِطَاءُ وَحَسْبِي أَن أَمُر على صِراطٍ ... كَحَد السَّيْفِ أَسْفَلُهُ لَظَاءُ روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال في حديث طويل: «ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ: دَحْضٌ مَزِلَّةٌ - قال في الحاشية: «الدحض والمزلة بمعنى واحد وهو الموضع الذي تزل فيه الأقدام، ولا تستقر» - فِيهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ، وَحَسَكٌ - الخطاف هو الحديدة المعوجة كالكلوب يختطف بها الشيء، والكلاليب هي حديدة معطوفة الرأس، ويعلق عليها اللحم، والحسك هي شوكة صلبة معروفة - فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْنِ، وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وَكَالطَّيْرِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ، وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ

стр. 594

يُسْحَبُ سَحْبًا ... الحديث» (١). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]. قال ابن كثير: أي إذا مر الخلائق كلهم على النار، وسقط فيها من سقط من الكفار، والعصاة ذوي المعاصي بحسبهم، نجّى الله تعالى المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم، فجوازهم على الصراط وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا (٢). اهـ. ومن فوائد الآيتين الكريمتين: أولاً: أن الورود على النار لا بد منه لكل الناس، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أم مبشر امرأة زيد بن حارثة قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، فَقَالَ: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ» قَالَتْ حَفْصَةُ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَاّ وَارِدُهَا﴾؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا» (٣). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ إِلَاّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ» (٤). ثانيًا: الصراط حق يجب الإيمان به، والاستعداد له بالعمل الصالح، قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: «والصراط حق، يوضع على شفير جهنم، ويمر الناس عليه، والجنة من وراء ذلك، نسأل الله

стр. 595

السلامة في الجواز» (٢). ثالثًا: أن التقوى سبب النجاة في الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]. وقال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١]. رابعًا: أن الظلم عاقبته الهلاك في الدنيا والآخرة، لقوله في هذه الآية: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]. وقال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢]. وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ». قَالَ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] (١). وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. خامسًا: أن سرعة مرور المؤمن على الصراط بقدر أعماله التي كانت في الدنيا؛ فلذلك ينبغي له المسارعة إلى الخيرات والأعمال الصالحة، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].

стр. 596

وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢]. قال ابن عباس ﵄: «السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب» (١). ومن أمثلة المبادرة إلى الأعمال الصالحة التبكير في الحضور إلى المسجد لأداء صلاة الجماعة أو الجمعة، والإكثار من نوافل الصلاة، والصيام، والحج، والعمرة، والصدقة على الفقراء والمساكين، وغير ذلك من أبواب الخير العظيمة. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 597

الكلمة المئة وثماني عشرة: تحريم الدخان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فمن المعاصي التي انتشرت بين صفوف المسلمين، وابتلي بها كثير من الناس شرب الدخان، ولا يخفى على كل عاقل مطلع على مقاصد الشريعة الإسلامية تحريم هذا الدخان، وذلك من عدة وجوه: أولاً: إنه من الخبائث، وقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَامُرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ولا شك أن الدخان من الخبائث، ولا ينكر ذلك إلا مكابر، أو صاحب هوى، وكثير من الذين شربوا الخمور، واستخدموا المخدرات كانت البداية هي الدخان، ثم تطور الأمر بعد ذلك، والمعصية تقول: أختي أختي، وثبت طبيًا أن ٨٠ % من الذين استخدموا المخدرات كانت البداية هي التدخين. ثانيًا: إن في شربه إلقاء بالنفس إلى التهلكة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا

стр. 598

بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَحَسَّى سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسَمُّهُ فِي يَدِهِ، يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» (١). وفي الصحيحين من حديث ثابت بن الضحاك: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢). ولا شك بأن شارب الدخان إذا مات بسببه فإنه يعد قاتلًا لنفسه بتلك المواد السامة في السجائر وإن كان القتل بطيئًا، إذ لا خلاف بأن من تسبب في قتل نفسه، سواء كان القتل بطيئًا أو سريعًا فإنه يأثم بذلك. ثالثًا: إن في شربه أضرارًا صحية على البدن، وقد تعالت صيحات الأطباء بالتحذير منه، وقالوا: إن الدخان يحتوي على مواد سامة، من أهمها مادة النيكوتين، وهذه المادة لو وضع منها نقطتان في فم كلب لمات في الحال، وخمس نقاط تكفي لقتل جمل، ويقول أحد الأطباء: إن الكمية الموجودة من هذه المادة في سيجارة واحدة كافية لقتل إنسان لو أعطيت له بواسطة الوريد. وقد ذكر بعضهم أن أخوين تراهنا أيهما يدخن أكثر من الآخر، فمات أحدهما قبل السيجارة السابعة عشر، ومات الآخر قبل أن يتم الثامنة عشر. ومن أشد الأمراض التي يحدثها التدخين مرض السرطان، يقول

стр. 599

الأطباء: إن نسبة كبيرة من مرضى السرطان أصيبوا بهذا المرض بسبب الدخان، وأيضًا أمراض القلب والجهاز التنفسي. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ» (١). رابعًا: إن في شربه إضاعة للمال، قال تعالى: ﴿إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧]. ولا شك بأن شارب الدخان من أكثر المبذرين، ولو رأينا شخصًا يمسك الدراهم بيده، ويشعل النار فيها لقلنا: إنه مجنون. روى الترمذي في سننه من حديث أبي برزة الأسلمي: أن النبي ﷺ قال: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ » (٢). خامسًا: إن الدخان لا يقتصر ضرره على صاحبه، بل يتعدى ضرره إلى زوجته وأولاده وأقربائه وجلسائه، وقد تقرر عند الأطباء ذلك، وهو واضح من تلوث الهواء بالغازات السامة التي تنبعث منه، وتقدم في الحديث قوله ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ». سادسًا: إن الدخان تنبعث منه رائحة خبيثة تكون في فم المدخن وبدنه وثيابه، تؤذي الجليس والأنيس، وخصوصًا عند دخوله المسجد واختلاطه بالمصلين، وقد أمر النبي ﷺ من وجدت منه رائحة الثوم والبصل ونحوها أن يخرج من المسجد، مع أنهما مما أحله الله، فكيف يكون نهيه إذًا لصاحب الدخان؟ وهو القائل: «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ

стр. 600

وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» (١). ومما ينبغي التنبيه عليه مقاطعة المحلات التجارية التي تبيع هذه السموم على الناس، وفي المقابل تشجيع المحلات والدكاكين التي تمتنع عن بيع الدخان، وهذا من التعاون على البر والتقوى، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]. قد يقول البعض من الناس: لا أستطيع ترك الدخان، فيقال له: أنت تترك الدخان في رمضان أكثر من عشر ساعات، فالمسألة تحتاج إلى عزيمة وإرادة، وقد جرب أناسٌ كثيرون فتعبوا في بداية الأمر، ولكن الله علم منهم صدق النية، فأعانهم وتركوه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وهناك عيادات متخصصة لمعالجة المدخنين، ويقوم عليها إخوة أفاضل، وقد نفع الله بها، وترك الكثير من المدخنين شرب الدخان بعد مراجعة هذه العيادات وأخذ العلاج اللازم. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي قتادة وأبي الدهماء: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلهِ ، إِلَاّ أَبدَلَكَ اللهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ» (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →