← Джавами‘

Джавами‘ · id 17582

الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة

أمين الشقاوي

Полный текст (4 387 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢]. قال ابن عباس ﵄: «السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب» (١). ومن أمثلة المبادرة إلى الأعمال الصالحة التبكير في الحضور إلى المسجد لأداء صلاة الجماعة أو الجمعة، والإكثار من نوافل الصلاة، والصيام، والحج، والعمرة، والصدقة على الفقراء والمساكين، وغير ذلك من أبواب الخير العظيمة. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 597

الكلمة المئة وثماني عشرة: تحريم الدخان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فمن المعاصي التي انتشرت بين صفوف المسلمين، وابتلي بها كثير من الناس شرب الدخان، ولا يخفى على كل عاقل مطلع على مقاصد الشريعة الإسلامية تحريم هذا الدخان، وذلك من عدة وجوه: أولاً: إنه من الخبائث، وقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَامُرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ولا شك أن الدخان من الخبائث، ولا ينكر ذلك إلا مكابر، أو صاحب هوى، وكثير من الذين شربوا الخمور، واستخدموا المخدرات كانت البداية هي الدخان، ثم تطور الأمر بعد ذلك، والمعصية تقول: أختي أختي، وثبت طبيًا أن ٨٠ % من الذين استخدموا المخدرات كانت البداية هي التدخين. ثانيًا: إن في شربه إلقاء بالنفس إلى التهلكة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا

стр. 598

بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَحَسَّى سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسَمُّهُ فِي يَدِهِ، يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» (١). وفي الصحيحين من حديث ثابت بن الضحاك: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢). ولا شك بأن شارب الدخان إذا مات بسببه فإنه يعد قاتلًا لنفسه بتلك المواد السامة في السجائر وإن كان القتل بطيئًا، إذ لا خلاف بأن من تسبب في قتل نفسه، سواء كان القتل بطيئًا أو سريعًا فإنه يأثم بذلك. ثالثًا: إن في شربه أضرارًا صحية على البدن، وقد تعالت صيحات الأطباء بالتحذير منه، وقالوا: إن الدخان يحتوي على مواد سامة، من أهمها مادة النيكوتين، وهذه المادة لو وضع منها نقطتان في فم كلب لمات في الحال، وخمس نقاط تكفي لقتل جمل، ويقول أحد الأطباء: إن الكمية الموجودة من هذه المادة في سيجارة واحدة كافية لقتل إنسان لو أعطيت له بواسطة الوريد. وقد ذكر بعضهم أن أخوين تراهنا أيهما يدخن أكثر من الآخر، فمات أحدهما قبل السيجارة السابعة عشر، ومات الآخر قبل أن يتم الثامنة عشر. ومن أشد الأمراض التي يحدثها التدخين مرض السرطان، يقول

стр. 599

الأطباء: إن نسبة كبيرة من مرضى السرطان أصيبوا بهذا المرض بسبب الدخان، وأيضًا أمراض القلب والجهاز التنفسي. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ» (١). رابعًا: إن في شربه إضاعة للمال، قال تعالى: ﴿إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧]. ولا شك بأن شارب الدخان من أكثر المبذرين، ولو رأينا شخصًا يمسك الدراهم بيده، ويشعل النار فيها لقلنا: إنه مجنون. روى الترمذي في سننه من حديث أبي برزة الأسلمي: أن النبي ﷺ قال: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ » (٢). خامسًا: إن الدخان لا يقتصر ضرره على صاحبه، بل يتعدى ضرره إلى زوجته وأولاده وأقربائه وجلسائه، وقد تقرر عند الأطباء ذلك، وهو واضح من تلوث الهواء بالغازات السامة التي تنبعث منه، وتقدم في الحديث قوله ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ». سادسًا: إن الدخان تنبعث منه رائحة خبيثة تكون في فم المدخن وبدنه وثيابه، تؤذي الجليس والأنيس، وخصوصًا عند دخوله المسجد واختلاطه بالمصلين، وقد أمر النبي ﷺ من وجدت منه رائحة الثوم والبصل ونحوها أن يخرج من المسجد، مع أنهما مما أحله الله، فكيف يكون نهيه إذًا لصاحب الدخان؟ وهو القائل: «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ

стр. 600

وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» (١). ومما ينبغي التنبيه عليه مقاطعة المحلات التجارية التي تبيع هذه السموم على الناس، وفي المقابل تشجيع المحلات والدكاكين التي تمتنع عن بيع الدخان، وهذا من التعاون على البر والتقوى، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]. قد يقول البعض من الناس: لا أستطيع ترك الدخان، فيقال له: أنت تترك الدخان في رمضان أكثر من عشر ساعات، فالمسألة تحتاج إلى عزيمة وإرادة، وقد جرب أناسٌ كثيرون فتعبوا في بداية الأمر، ولكن الله علم منهم صدق النية، فأعانهم وتركوه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وهناك عيادات متخصصة لمعالجة المدخنين، ويقوم عليها إخوة أفاضل، وقد نفع الله بها، وترك الكثير من المدخنين شرب الدخان بعد مراجعة هذه العيادات وأخذ العلاج اللازم. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي قتادة وأبي الدهماء: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلهِ ، إِلَاّ أَبدَلَكَ اللهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ» (٢). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 601

الكلمة المئة وتسع عشرة: فضل يوم الجمعة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن الله تعالى خص أمة محمد ﷺ بخصائص ومميزات عن بقية الأمم، ومن ذلك أنه جل وعلا اختار لهم هذا اليوم العظيم، وهو يوم الجمعة. روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة وحذيفة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «أَضَلَّ اللهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الأَحَدِ، فَجَاءَ اللهُ بِنَا، فَهَدَانَا اللهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالأَحَدَ، وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا» (٢). وروى ابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما من حديث أبي هريرة

стр. 602

أن النبي ﷺ قال: «لا تطْلُعُ الشَّمْسُ ولا تَغْرُبُ على يومٍ أفضلَ من يَوْم الجُمعة، وما من دابَّة إلا وهي تَفْزَعُ يومَ الجُمُعةِ إلا هَذيْنِ الثَّقَلَيْنِ الجنَّ والإنْسَ» (١). ومن فضائل هذا اليوم: أن الله جعله عيدًا للمسلمين، روى ابن ماجه في سننه من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ، جَعَلَهُ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ» (٢) الحديث. ومنها: أن فيه ساعة الإجابة، وهي الساعة التي لا يسأل الله عبد مسلم فيها شيئًا إلا أعطاه، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللهَ خَيْرًا إِلَاّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَقَالَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا، يُزَهِّدُهَا» (٣). واختلف العلماء في وقتها على أقوال، أرجحها قولان: الأول: أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة، وحجة هذا القول ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي بردة بن أبي موسى: أن عبد الله بن عمر قال له: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله ﷺ في شأن ساعة الجمعة شيئًا؟ قال: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ» (٤).

стр. 603

الثاني: أنها بعد العصر، وهو أرجح القولين، لما روى النسائي من حديث جابر ﵁: عن النبي ﷺ قال: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، لَا يُوجَدُ فِيهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا إِلَاّ آتَاهُ إِيَّاهُ، فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ» (١). وهذا القول هو قول أكثر السلف، وعليه أكثر الأحاديث، أما حديث أبي موسى السابق فقد أعل بعلل كثيرة أشار إليها الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري (٢). ومنها أنه يوم تكفير السيئات، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ، إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» (٣). ومن آداب يوم الجمعة التي ينبغي للمؤمن الحرص عليها: أولاً: استحباب قراءة الإمام ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ في فجر يوم الجمعة، روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةُ، وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ (٤). ثانيًا: استحباب كثرة الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة وليلتها، لقول النبي ﷺ فيما رواه النسائي من حديث أوس بن أوس: «مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ ﵇، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَليَّ». قَالُوا:

стр. 604

يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ؟ ! أَيْ يَقُولُونَ: قَدْ بَلِيتَ. قَالَ: «إِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَاكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ ﵈» (١). وروى البيهقي في سننه من حديث أنس: أن النبي ﷺ قال: «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا» (٢). ثالثًا: الأمر بالاغتسال فيه، وهو أمر مؤكد جدًّا، ويرى بعض العلماء وجوب الغسل، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ» (٣). رابعًا: استحباب مس الطيب والسواك، ولبس أحسن الثياب، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄: أن النبي ﷺ قال: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاسْتَاكَ وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى يَاتِيَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ حَتَّى رَكَعَ مَا شَاءَ أَنْ يَرْكَعَ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ، كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا» (٤). خامسًا: استحباب قراءة سورة الكهف، روى الحاكم من حديث

стр. 605

أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ» (١). سادساً: استحباب التبكير إلى صلاة الجمعة، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أوس بن أبي أوس عن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعةِ، فَغَسَلَ أحَدُكُمْ رأسهُ واغْتَسَلَ ثم غدا أو ابتكرَ، ثم دنَا فاسْتَمَعَ وأنْصَتَ كانَ له بكلِّ خُطْوة خَطاها كَصِيام سنةٍ وقيامِ سَنَةٍ» (٢). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» (٣). والتبكير إلى الصلاة يوم الجمعة من السنن العظيمة، التي قصّر فيها كثير منا، ولعل فيما تقدم من الأحاديث الواردة في فضل التبكير ما يقوي العزائم، ويشحذ الهمم للمسارعة إلى هذا الفضل، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. وليحذر المسلم من التخلف عن صلاة الجمعة أو التساهل في ذلك، روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة

стр. 606

حدثاه أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: «لَيَنْتهيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعهُم الجُمُعات أَوْ لَيَخْتمَن اللهُ على قُلُوبِهِم ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الغَافِلِينَ» (١). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 607

الكلمة المئة وعشرون: الأمانة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن من الأخلاق الجميلة التي وصف الله بها أنبياءه وعباده المؤمنين الأمانة. ... فوصف بها موسى ﵇ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]. ووصف بها يوسف ﵇ في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤]. وكذلك غيرهما من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، حيث كان كل واحد منهم يقيم الحجة على قومه بوجوب طاعته؛ لأن الله ائتمنه على رسالته، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٠٧، ١٠٨]. ورسولنا محمد ﷺ كان في قومه قبل الرسالة وبعدها مشهورًا بينهم بأنه الأمين، فكان الناس يختارونه لحفظ ودائعهم، ولما هاجر النبي ﷺ وكَّل عليًّا رد الودائع إلى أصحابها، وجبريل ﵇ أمين الوحي، قد وصفه الله بذلك في قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤]. روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال:

стр. 608

أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ مَاذَا يَامُرُكُمْ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، وَالصِّدْقِ، وَالْعَفَافِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، قَالَ: وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ (١). وهي من صفات المؤمنين المفلحين، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]. وبهذه الأمانة يحفظ الدين، والأعراض، والأموال، والأرواح، والمعارف، والعلوم، والولاية، والوصاية، والشهادة، والقضاء، والكتابة، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ [الأحزاب: ٧٢]. قال بعض المفسرين: المعنى أن الله ﵎ عرض طاعته وفرائضه على السماوات والأرض والجبال على أنها إن أحسنت أثيبت وجوزيت، وإن ضيعت عوقبت، فأبت حملها شفقًا منها ألا تقوم بالواجب عليها، وحملها آدم إنه كان ظلومًا لنفسه، جهولًا بالذي فيه الحظ له. اهـ (٢). قال ابن جرير تعليقًا على الآية الكريمة: وأولى الأقوال في ذلك

стр. 609

بالصواب ما قاله الذين قالوا إنه عني بالأمانة في هذا الموضع جميع معاني الأمانات في الدين، وأمانات الناس، وذلك أن الله لم يخص بقوله: ﴿عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ بعض معاني الأمانات لما وصفنا (١). قال القرطبي: الأمانة تعم جميع وظائف الدين، ونسب هذا القول لجمهور المفسرين، وقال بعضهم: كل ما افترض الله على العباد فهو أمانة، كالصلاة، والزكاة، والصيام، وأداء الدين، وأوكدها الودائع، وأوكد الودائع كتم الأسرار (٢). روى الطبراني في المعجم الكبير من حديث شداد بن أوس: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَوَّلَ مَا تَفقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الأَمَانَةَ» (٣). وأخبر النبي ﷺ أن فقدان الأمانة من علامات الساعة، فروى البخاري من حديث أبي هريرة ﵁: أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن الساعة، فقال: «إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» (٤). وروى البخاري ومسلم من حديث حذيفة قال: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا: «أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ»، وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا فَقَالَ: «يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ، فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا، - أي مرتفعًا - وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ،

стр. 610

فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلاً أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا أَظْرَفَهُ! وَمَا أَجْلَدَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ» (١). وأخبر النبي ﷺ أن إضاعة الأمانة من علامات النفاق، فروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» (٢). وقد ذكرت الأمانة في القرآن على ثلاثة أوجه، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال ٢٧]. والمراد الفرائض. وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. والمقصود الودائع، وقال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]. والمراد العفة والصيانة. ومن الأمانة حفظ الأسرار الزوجية، فروى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأَمَانَةِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الرَّجُلَ يُفْضي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» (٣). ومنها عدل الحاكم بين الرعية، فروى مسلم من حديث أبي ذر ﵁ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي،

стр. 611

ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَاّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا» (١). ومما تقدم يتبين أن الأمانة أوسع مما يتصور بعض الناس أنها مقصورة على الودائع، فإنها تشمل أمانة الرجل على دينه أن يقوم به ويحافظ عليه، فوقت المسلم أمانة، وعرضه أمانة، وماله أمانة عنده، وسمعه وبصره ولسانه أمانة، وجوارحه على وجه العموم أمانة. ومنها أمانة الراعي على رعيته، والرجل على أهل بيته، والمرأة على بيتها وأولادها، والمدير على موظفيه الذين يعملون عنده، والموظف في وظيفته، والمدرس على طلابه، وبالجملة فإن الأمانة تشمل جميع وظائف الدين، كما قال القرطبي ﵀. اللهم اجعلنا ممن إذا اؤتمن أدى الأمانة، اللهم إنا نعوذ بك من الخيانة وسائر الصفات الذميمة، اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، واجعلنا من الراشدين. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 612

الكلمة المئة وإحدى وعشرون: صلة الأرحام الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن من أنفس القرب، وأجل الطاعات، وأعلاها منزلة، وأعظمها بركة، وأعمها نفعًا في الدنيا والآخرة، صلة الأرحام، والأرحام هم أقارب الرجل نفسه، كأمه وأبيه، وابنه، وابنته، وأخته، وأخيه، وكل من كان بينه وبينه صلة من قبل أبيه، أو أمه، أو ابنه، أو ابنته، ولا يدخل في ذلك أقارب الزوج أو الزوجة، فهؤلاء يحسن إليهم، لكن ليسوا أرحامًا، وإنما هم أصهار، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥]. وقد أوصى الله تعالى بصلة الأرحام: وجعل الوصية بصلة الأرحام قرينة الوصية بالتقوى، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. أي اتقوا الله بفعل طاعته، وترك معصيته، واتقوا الأرحام أن تقطعوها، لكن صلوها وبروها كما قال ابن عباس وغير واحد من السلف. قال تعالى: ﴿فَآَتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ وَالمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الروم: ٣٨].

стр. 613

فبين سبحانه أن صلة الرحم حق لازم واجب الأداء، سواء كان حقًّا ماديًّا أو معنويًّا. ولقد كانت الدعوة لصلة الرحم من أوائل ما دعا إليه النبي ﷺ أول بعثته، ففي الصحيحين في قصة أبي سفيان مع هرقل حين سأله هرقل: فَمَاذَا يَامُرُكُمْ؟ يعني النبي ﷺ ، قال أبو سفيان: قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَامُر بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ (١). وصلة الأرحام سبب لبسط الرزق وطول العمر في الدنيا، وفي الآخرة الفوز بالجنة والنجاة من النار. ففي الصحيحين من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁: أن أعرابيًا عرض لرسول الله ﷺ وهو في سفر، فأخذ بخطام ناقته، أو بزمامها، ثم قال: يا رسول الله، أو يا محمد، أخبرني بما يقربني من الجنة؟ وما يباعدني من النار؟ قال: فكف النبي ﷺ ثم نظر في أصحابه، ثم قال: «لَقَدْ وُفِّقَ، أَوْ لَقَدْ هُدِيَ»، قال: كيف قلت؟ قال: فأعاد. فقال النبي ﷺ : «تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، دَعِ النَّاقَةَ» (٢). وفي رواية: «إِنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٣)، وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (٤).

стр. 614

وقطيعة الرحم كبيرة من كبائر الذنوب، التي توعد الله صاحبها بألوان من الوعيد والعقوبات العاجلة والآجلة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ، قَالَتِ الرَّحِمُ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَهْوَ لَكِ». قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]» (١). وروى الترمذي في سننه من حديث أبي بكرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ، مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» (٢). وقاطع الرحم مهدد بعدم دخول الجنة، ففي الصحيحين من حديث جبير بن مطعم: أن النبي ﷺ قال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ» (٣). والواصل لرحمه هو الذي إذا قطعت رحمه وصلها، روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا

стр. 615

قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ؟ ! فَقَالَ: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ، مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» (٢). قال شراح الحديث: أي كأنما تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، ولا شيء على هذا المحسن إليهم، ولكن ينالهم إثم عظيم لتقصيرهم بحقه، وإدخالهم الأذى عليه. قال الشاعر: وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أَشَدُّ مَضَاضَةً ... عَلَى المَرْءِ مِن وَقْع الحُسَام المُهَنَّد وتحصل صلة الرحم بالإحسان إليهم بما يتيسر من أنواع الإحسان، قال ابن أبي جمرة: تكون صلة الرحم بالمال، والعون على الحاجة، وبدفع الضرر، وبطلاقة الوجه، وبالدعاء. قال القرطبي: تجب مواصلتها - يعني الرحم - بالتواد والتناصح والعدل والإنصاف، والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة، والنفقة على القريب، وتفقد أحوالهم، والتغافل عن زلاتهم. والمعنى الجامع للصلة أنها إيصال ما أمكن من الخير إليهم، ودفع ما أمكن من الشر عنهم، بحسب الوسع والطاقة لكل شخص منهم بحسب منزلته وحاله، ومناسبة صلته، وتيسر ذلك. قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].

стр. 616

قال الإمام النووي: قال أصحابنا: «يستحب أن يقدم الأم في البر، ثم الأب، ثم الأولاد، ثم الأجداد والجدات، ثم الإخوة والأخوات، ثم سائر المحارم من ذوي الأرحام، كالأعمام والعمات، والأخوال والخالات، ويقدم الأقرب فالأقرب (١)، إلى آخر ما قال. روى الحاكم في المستدرك من حديث أبي رمثة ﵁ قال: انتهيت إلى النبي ﷺ فسمعته يقول: «بِرَّ أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ» (٢). والصدقة على ذي الرحم تضاعف لصاحبها، روى الترمذي في سننه من حديث سلمان بن عامر: أن النبي ﷺ قال: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» (٣). وروى البخاري ومسلم من حديث ميمونة بنت الحارث: أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً، وَلَمْ تَسْتَاذِنِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ، قَالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي؟ قَالَ: «أَوَ فَعَلْتِ؟ »، قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِيهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ» (٤). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 617

الكلمة المئة واثنتان وعشرون: وقفة مع سورة الماعون الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فمن سور القرآن العظيم التي تتكرر على أسماعنا، وتحتاج منا إلى تأمل وتدبر، سورة الماعون، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ﴾ [الماعون: ١ - ٧]. قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أي: أرأيت يا محمد الذي لا يصدق بالجزاء وما فيه من ثواب وعقاب، وقيل: إنه عام لكل من يتوجه إليه الخطاب، وهؤلاء هم الذين ينكرون البعث، ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧]، ويقول القائل منهم: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]. قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ أي الذي يقهر اليتيم، ويظلمه حقه، ولا يطعمه، ولا يحسن إليه، واليتيم هو الذي مات أبوه، وهو دون سن البلوغ، ذكرًا كان أو أنثى. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ﴾ أي لا يأمر به من أجل بخله، أو تكذيبه بالجزاء، كما في قوله تعالى: ﴿كَلَاّ بَل لَا تُكْرِمُونَ

стр. 618

اليَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٧ - ١٨]. قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥] فويل: أي عذاب لهم، قال بعض المفسرين: هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، فلا يصلونها إلا بعد خروج الوقت. روى أبو يعلى في مسنده من حديث مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدِ ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي: يَا أَبَتَاهُ، أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ ﵎: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ أَيُّنَا لَا يَسْهُو؟ أَيُّنَا لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ؟ ! قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، إِنَّمَا إِضَاعَةُ الْوَقْتِ يَلْهُو حَتَّى يَضِيعَ الْوَقْتُ (١). قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. وقال آخرون: يتركونها فلا يصلونها، وقد ورد ذلك عن ابن عباس، وقال: هم المنافقون الذين يتركون الصلاة سرًّا، ويصلونها علانية. قال ابن كثير ﵀: أي يؤخرون الصلاة إلى آخر الوقت دائمًا أو غالبًا، وإما يقصرون عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به، وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل ذلك كله، وكل من اتصف بشيء من ذلك له قسط من هذه الآية، ومن اتصف بجميع ذلك فقد تم له نصيبه منها، وكمل النفاق العملي، كما في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ

стр. 619

فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا إِلَاّ قَلِيلاً» (١). فهذا آخر صلاة العصر التي هي الوسطى كما ثبت به النص الى آخر وقتها وهو وقت كراهة، ثم قام إليها فنقرها نقر الغراب، لم يطمئن، ولا خشع أيضًا، ولهذا قال: لا يذكر الله فيها إلا قليلاً، ولعله إنما حمله على القيام إليها مراءاة الناس، لا ابتغاء وجه الله، فهو كما إذا لم يُصل بالكلية، قال تعالى: ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَاّ قَلِيلاً﴾ [النساء: ١٤٢]. وقال تعالى ههنا: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ﴾ أي: لا أحسنوا عبادة ربهم بإخلاص العبادة له، ولا أحسنوا إلى خلقه، حتى ولا بإعارة ما يُنتفع به، ويُستعان به مع بقاء عينه ورجوعه إليهم كالإناء، والدلو، والفأس، فهؤلاء؛ لمنع الزكاة وأنواع القربات أولى (٢). أهـ. ومن فوائد السورة الكريمة: أولاً: أن فيها الحث على إطعام اليتيم والمسكين، والتحضيض على ذلك، روى البخاري في صحيحه من حديث سهل بن سعد: أن النبي ﷺ قال: «أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا» وقال بإصبعيه السبابة والوسطى (٣). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ»، وَأَحْسِبُهُ قَالَ: «وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ» (٤).

стр. 620

ثانيًا: الحث على أداء الصلاة في وقتها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» (١). ثالثًا: الحث على فعل المعروف، وبذل الأموال الخفيفة، كعارية الإناء، والدلو، والكتاب، والفأس، ونحو ذلك؛ لأن الله ذم من لم يفعل ذلك. روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعُونَ خَصْلَةً، أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا، وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إِلَاّ أَدْخَلَهُ اللهُ بِهَا الْجَنَّةَ» (٢). قَالَ حَسَّانُ: فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ الْعَنْزِ، مِنْ رَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَنَحْوِهِ، فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً (٣). رابعًا: الحث على الإخلاص في العمل، والتحذير من الرياء والسمعة، كما قال تعالى عن عباده المؤمنين: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨ - ٩]. روى البخاري ومسلم من حديث جندب: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ» (٤). المعنى: أن من سمع فضحه الله، وبين للناس أن الرجل ليس

стр. 621

مخلصًا، ولكنه يريد أن يسمعه الناس فيمدحونه على عبادته، ومن راءى كذلك يفضحه الله، ويبين أمره إن عاجلاً أو آجلاً. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 622

الكلمة المئة وثلاث وعشرون: كلمة توجيهية للمدرسين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فهذه بعض الوصايا التي أوصي بها نفسي وإخواني المدرسين، وأسأل الله تعالى أن ينفع بها. أولاً: إخلاص النية لله تعالى في تعليمهم أبناءهم وإخوانهم الطلاب، وتربيتهم على ما يرضي ربهم جل وعلا، والصبر على ذلك احتسابًا للأجر منه، وابتغاء ثوابه، قال بعض أهل العلم: «الإخلاص هو ألا تطلب على عملك شاهدًا غير الله تعالى، ولا مجاز سواه، وهو حقيقة الدين، ومفتاح دعوة الرسل ﵈، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]. والإخلاص شرط لقبول العمل، فإن العمل لا يقبل إلا بشرطين: الأول: أن يكون العمل ظاهره موافقًا لما شرعه الله في كتابه، أو بيّنه رسول الله ﷺ ، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث

стр. 623

عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (١). الثاني: أن يكون العمل خالصًا لوجه الله تعالى، روى البخاري ومسلم من حديث عمر بن الخطاب: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢). قال الفضيل بن عياض: أحسن عملاً أخلصه وأصوبه، وقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة (٣). ومن أعظم الدلائل على الإخلاص: أن العبد يعمل العمل الصالح، ثم لا يبالي باطلاع الناس عليه، بل لو نسب إلى غيره لأفرحه ذلك لعلمه أنه محفوظ عند الله تعالى. وقيل لسهل التستري: أي شيء أشد على النفس؟ قال: الإخلاص؛ لأنه ليس له فيها نصيب - أي من الدنيا -. ثانيًا: تقوى الله ، ومراقبته في السر والعلن، فإن تقوى الله وصيته للأولين والآخرين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ﴾ [النساء: ١٣١]. وكان النبي ﷺ كثيرًا ما يوصي أصحابه بتقوى الله، ففي حديث العرباض بن سارية: أن النبي ﷺ قال: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ

стр. 624

وَالطَّاعَةِ» (١). قال طلق بن حبيب: «التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله». والحذر من المعاصي كبيرها وصغيرها، فقد وعد الله تعالى من اجتنب الكبائر أن يكفر عنه الصغائر، ويدخله مدخلاً كريمًا، قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. أي كثير الخير والبركة، والحذر من صغائر الذنوب، روى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: «إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالاً هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْمُوبِقَاتِ» (٢). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهْلِكَاتِ. قال الأوزاعي: «لَا تَنْظُر إِلَى صِغَرِ المَعْصِيَةِ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى عَظَمَةِ مَنْ عَصَيْتَ». ثالثًا: القدوة الحسنة، فمن المعلوم أن الطالب يتأثر بمعلمه، ويحب تقليده والاقتداء به، فيجب على المربين والمعلمين ألا تخالف أقوالهم أفعالهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]. وقال تعالى عن نبي الله شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا

стр. 625

أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَاّ الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨]. قال الشاعر: لا تنهَ عنْ خُلقٍ وتأتي مثلَهُ ... عارٌ عليْكَ إذا فعلتَ عظيمُ رابعًا: حسن الخلق، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣]. قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]. روى الترمذي في سننه من حديث أبي الدرداء: أن النبي ﷺ قال: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ» (١). وحسن الخلق يشمل جوانب كثيرة من حياة المسلم في أقواله وأعماله؛ في عبادته لربه، وتعامله مع عباده، قال عبد الله بن المبارك: «حُسْنُ الخُلُقِ طَلَاقَةُ الوَجْهِ، وَبَذْلُ المَعْرُوْفِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَأَنْ تَحْتَمِلَ مَا يَكُوْنُ مِنَ النَّاسِ». فأوصي أخي المدرس أن يكون حسن الخلق مع زملائه، ومع طلابه، ومع أولياء أمورهم، وأن يكون رفيقًا في تعامله معهم. روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَاّ زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَاّ شَانَهُ» (٢). ولقد كان النبي ﷺ من أحسن الناس خلقًا، فمن أحب أن يهتدي

стр. 626

إلى معالي الأخلاق، فليقتد بمحمد ﷺ ، روى الترمذي في سننه من حديث أنس ﵁ قال: «خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: لِمَ تَرَكْتَهُ؟ » (١). خامسًا: أن يحرص المدرس على تربية طلابه تربية صالحة فيعلمهم أمور الإسلام والإيمان، ويغرس محبة الله وتعظيمه في قلوبهم، ويحبب إليهم النبي ﷺ ، ويبين لهم وجوب اتباعه، والعمل بسنته، والاقتداء به، ويعلمهم الآداب الحسنة، والأخلاق الكريمة، كآداب المسجد، والمجلس، واحترام المعلم والكبير، والأدب مع الزملاء والأصدقاء، ويعودهم على الكلام الحسن، ويحذرهم من الألفاظ القبيحة، وغير ذلك من جميل الآداب وكريم الخصال. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 627

الكلمة المئة وأربع وعشرون: غض البصر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن من الفتن التي يواجهها المسلم في هذه الحياة فتنة النظر إلى النساء وهذه الفتنة تواجهه في السوق، وفي الطرقات، وفي الأماكن العامة، وفي الجرائد والمجلات، وفي غير ذلك، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أسامة بن زيد ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؟ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» (٢). ومن الأمور المعينة للتغلب على هذه الفتنة: أولاً: استحضار النصوص الواردة في الأمر بغض البصر، والنهي عن إطلاقه في الحرام، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠].

стр. 628

وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاِسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ» (١)، وروى مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد الله قال: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ؟ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي» (٢). وروى أبو داود في سننه من حديث ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: «يَا عَلِيُّ، لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الأُولَى، وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ» (٣). ثانيًا: استحضار العبد اطلاع الله عليه، وإحاطته به لكي يخاف، ويستحي منه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء: ٣٦]. وجاء في الأحاديث المختارة عن سعيد بن زيد أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : أوصني، قال: «أُوصِيكَ أَن تَسْتَحِيَ اللهَ ، كَمَا تَستَحْيِي رَجُلاً صَالِحًا مِنْ قَوْمِكَ» (٤).

стр. 629

ثالثًا: أن يتذكر العبد شهادة العينين عليه يوم القيامة، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٠]، روى مسلم في صحيحه من حديث أنس ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَضَحِكَ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ » قَالَ: قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى. قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَاّ شَاهِدًا مِنِّي. قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا. قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْكَلَامِ. قَالَ: فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ» (١). رابعًا: أن يتذكر العبد منافع، وثمرات غض البصر، قال ابن القيم ﵀: «ومن ثمراته: أ - أن في غضه امتثال لأمر الله، الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١]. ب - أنه يمنع وصول أثر السهم المسموم الذي لعل فيه هلاكه إلى قلبه، قال الشاعر: كُلُّ الحوادِثِ مَبْدَأُهَا مِنَ النَّظَرِ ... وِمُعْظَمُ النَّارِ من مُسْتَصْغَر الشَّرر وَالمَرْءُ مَا دَامَ ذَا عَيْنٍ يُقَلِّبُهَا ... فِي أَعْيُنِ الغَير مَوقُوفٌ على الخَطَر كَمْ نَظْرة فَتَكت في قَلْب صَاحِبِها ... فتكَ السِّهَامِ بِلا قَوس ولا وَتَر يَسُرُّ ناظِرَهُ مَا ضَرَّ خَاطِرَهُ ... لا مَرْحَباً بِسُرُورٍ عَادَ بِالضَّرَر

стр. 630

وقال آخر: وَكُنْتَ متى أرسَلتَ طَرفكَ رَائِداً ... لِقَلْبِكَ يوماً أَتعَبَتكَ المناظرُ رأيتَ الذي لَا كُلَّهُ أنت قَادِرٌ ... عَليهِ وَلَا عَنْ بَعْضِهِ أنتَ صابِرُ ج - أنه يورث القلب سرورًا، وانشراحًا أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر، وذلك بقهر عدوه بمخالفة نفسه وهواه (١)، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي قتادة، وأبي الدهماء: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلهِ ، إِلَاّ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ» (٢). د - أنه يكسب القلب نورًا، كما أن إطلاقه يكسب القلب ظلمة، ولهذا ذكر الله سبحانه آية النور عقيب الأمر بغض البصر، فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]. ثم قال إثر ذلك: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]. أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره، واجتنب نواهيه، وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل جانب، كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان (٣). خامسًا: الزواج وهو من أنفع العلاج وأقواه في معالجة هذا الأمر، روى البخاري، ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵄: أن النبي ﷺ قال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ

стр. 631

لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ» (١). وكان النبي ﷺ يتعوذ بالله من شر البصر الذي يؤدي إطلاقه إلى كل شر، فروى البخاري في الأدب المفرد من حديث شكل بن حميد ﵁ أنه قال: قلت: يا رسول الله، علمني دعاءً أنتفع به. قال: «قُلْ: اللَّهُمَّ عَافِنِي مِنْ شَرِّ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَلِسَانِي، وَقَلْبِي، وَشَرِّ مَنِيِّي» (٢). قوله: «وَبَصَرِي»: كي لا أنظر إلى محرم، وفي هذا الحديث الالتجاء إلى الله تعالى بالمعافاة من شر السمع والبصر واللسان والقلب، والمني؛ لأن هذه الحواس والأشياء خلقت للطاعة (٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 632

الكلمة المئة وخمس وعشرون: تحريم حلق اللحية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فمن المعاصي التي انتشرت بين صفوف الناس، وابتلي بها كثير من المسلمين حلق اللحية. روى مسلم في صحيحه من حديث تميم الداري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث جرير ﵁ قال: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَلَقَّنَنِي: «فِيمَا اسْتَطَعْتَ»، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ (٢). وعملاً بهذا التوجيه النبوي الكريم كانت هذه الكلمة للتذكير بتحريم حلق اللحية. واللحية اسم جامع للشعر النابت على العارضين والخدين والذقن، وقد وردت النصوص الشرعية بالتحذير من حلقها، أو أخذ جزء منها، وذلك من عدة وجوه:

стр. 633

أولاً: أنه تغيير لخلق الله، قال تعالى حاكيًا عن إبليس لعنه الله: ﴿وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الأَنْعَامِ وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ [النساء: ١١٩]. فالواجب على المسلم أن لا يتعرض لشيء مما خلقه الله بالتغيير، إلا ما أذن الشرع في أخذه، مثل شعر الرأس، والشارب، والإبطين، والأظافر، وغير ذلك مما أذن فيه الشرع، وإذا كانت المرأة التي تقوم بنتف الحاجبين، وتفليج الأسنان للحسن، قد لعنها رسول الله ﷺ كما ورد في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ» ما لي لا ألعن من لعن رسول الله وهو في كتاب الله (١). وعلة ذلك أنها غيرت خلق الله، مع أنه مباح لها الزينة، فالرجل من باب أولى، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]. ثانيًا: أن اللحية من سنن الفطرة، روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة: أن النبي ﷺ قال: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ ... وذكر منها: قَصَّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ» (٢). ثالثًا: أن في حلقها مخالفة للأحاديث الصحيحة الموجبة لإعفائها، وهي كثيرة، ومقتضى الأمر الوجوب ما لم يأت صارف عن هذا الأمر، فدل على أن إعفاءها أمر واجب على كل مسلم، قال

стр. 634

تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. ومن هذه الأحاديث ما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ - يعني: حُفُّوا الشَّوَارِبَ -، وَأَعْفُوا اللِّحَى» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر: عن النبي ﷺ : أَنَّهُ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ وَإِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ (٢)، وقد عد النووي الألفاظ التي وردت في اللحية، فبلغت خمسًا، وهي: أعفوا، وأرخوا، وأوفوا، وأرجوا، ووفروا، وهذه تدل على ترك اللحية وافرة، وعدم التعرض لها بشيء من الحلق أو النتف أو التقصير (٣). رابعًا: أن في حلقها تشبهًا بالمشركين والمجوس واليهود والنصارى، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» (٤). وروى مسلم في صحيحه من حديثه: أن النبي ﷺ قال: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوسَ» (٥). وذلك أن المجوس يطيلون الشوارب، ويقصون اللحى، وبعضهم يحلقها تمامًا، فنهانا النبي ﷺ عن التشبه بهم في هذا وذاك، وفي الحديث الذي رواه ابن

стр. 635

جرير، وابن سعد في الطبقات في قصة رسولي كسرى حينما رآهما النبي ﷺ وقد حلق كل واحد منهما لحيته، ووفرا شاربيهما، فأعرض عنهما النبي ﷺ وقال: «وَيلَكُمَا، مَن أَمَرَكُمَا بِهَذَا؟ »، فقالا: أمرنا ربنا، يعنيان كسرى، فقال لهما النبي ﷺ : «وَلَكِن رَبِّي أَمَرَنِي أَن أُعفِيَ لِحيَتِي، وَأَن أَقُصَّ شَارِبِي» (١). فإذا كان النبي ﷺ أنكر على هذين الرجلين، مع العلم بأنهما كافران من المجوس، فالمسلم من باب أولى. إضافة إلى أن اللحية زينة وجمال للرجل. خامسًا: إن في حلقها مخالفة لسنة النبي ﷺ والأنبياء قبله، والخلفاء الراشدين والصحابة من بعدهم، قال تعالى حاكيًا عن هارون وهو يخاطب موسى: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَاخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَاسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤]. قال الشنقيطي ﵀: إذا ضمت هذه الآية إلى آية الأنعام التي ذكر فيها الأنبياء، ثم قال لنبيه محمد ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]. دلت على لزوم إعفاء اللحية وهذا دليل من كتاب الله. وإعفاء اللحية من السمت الذي أُمرنا به في القرآن العظيم، وأنه كان سمت الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم، والعجب من الذين مسخت ضمائرهم، واضمحل ذوقهم، حتى صاروا يفرون من صفات الذكورية، وشرف الرجولة إلى خنوثة الأنوثة، ويمثلون بوجوههم
следующие страницы →