﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].
ثانيًا: امتثال أوامر اللَّه واجتناب نواهيه، فمن حفظ اللَّه في أوامره ونواهيه حفظه اللَّه في دينه ودنياه وأهله وماله، قال تعالى: ﴿فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين (٦٤)﴾ [يوسف]. روى الترمذي في سننه من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ» (١).
ثالثًا: كثرة ذكر اللَّه عند دخول المنزل وعند الخروج وفي الصباح والمساء؛ روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَتْ لَهُ مِئَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِئَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» (٢).
رابعًا: تعويذ الصبيان؛ فقد روى البخاري من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ: «إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهِمَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ» (٣).
خامسًا: أن يتصبح المؤمن بسبع تمرات عجوة، وهو نوع من تمر المدينة؛ روى البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁:
стр. 912
أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ» (١).
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: يرجى أن يعم ذلك جميع أنواع التمر، فإن المعنى موجود فيه (٢).
سادساً: المحافظة على صلاة الفجر جماعة مع المسلمين في المساجد، روى مسلم في صحيحه من حديث جندب بن عبد اللَّه أن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ» (٣)، ومن كان في ذمة اللَّه لم يكن للشيطان عليه سبيل.
سابعاً: قراءة سورة البقرة في البيت، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» (٤).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي أمامة الباهلي أن النبي ﷺ قال: «اقرَؤُوا سُورَةَ البَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَركَهَا حَسرَةٌ، وَلَا تَستَطِيعُهَا البَطَلَةُ» (٥)، قال معاوية: بلغني أن البطلة السحرة.
ثامناً: المحافظة على قراءة المعوذتين في الصباح والمساء، وقد أوصى النبي ﷺ عقبة بن عامر ﵁ بهما وقال له: «تَعَوَّذْ بِهِمَا
стр. 913
فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا» (١)، قال ابن القيم ﵀: حاجة العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى النفس والطعام والشراب واللباس (٢).
تاسعاً: الإكثار من التعوذ بكلمات اللَّه التامات من شر ما خلق، في الليل والنهار، وعند نزول أي منزل في البنيان أو الصحراء أو الجو أو البحر، روى مسلم في صحيحه من حديث خولة السلمية أن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ فِيهِ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ» (٣).
عاشراً: قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة في أول الليل، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي مسعود أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» (٤).
الحادي عشر: قراءة آية الكرسي عند النوم، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «مَن قَرَأَهَا إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ عَلَيهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقرَبُهُ شَيطَانٌ حَتَّى يُصبِحَ» (٥).
الثاني عشر: إمساك الصبيان ساعة الغروب، روى البخاري
стр. 914
ومسلم من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فَإِذَا ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا» (١).
الثالث عشر: تطهير البيت من الصلبان والتماثيل وصور ذوات الأرواح والكلاب، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةُ» (٢)، وفي رواية: «تَمَاثِيلَ» (٣). وتطهيره من آلات اللهو والمعازف فإن الغناء مزمار الشيطان.
قال ابن القيم ﵀: ولقد مر بي وقت بمكة سقمت فيه وفقدت الطبيب والدواء، فكنت أتعالج بها أي الفاتحة آخذ شربة من ماء زمزم وأقرؤها عليها مرارًا ثم أشربه، فوجدت بذلك البرء التام، ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع، فأنتفع بها غاية الانتفاع (٤). اهـ.
ومن السور التي يُرقى بها: الفاتحة والمعوذتان وسورة الكرسي، ومن الأدعية المأثورة قوله ﷺ : «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، أذْهِبِ الْبَاسِ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (٥).
стр. 915
ومنها قوله ﷺ للمريض: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ بِاسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» (١)(٢).
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 916
الكلمة الخامسة والعشرون: الأمن من مكر الله
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فإن من الذنوب العظيمة عند اللَّه: الأمن من مكر اللَّه والقنوط من رحمة اللَّه، قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُون (٩٧)﴾ [الأعراف]. أي: عذابنا ونكالنا ليلاً وهم نائمون، ﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُون (٩٨)﴾ [الأعراف]. أي: في نهارهم وهم في شغلهم وغفلتهم، ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلَا يَامَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُون (٩٩)﴾ [الأعراف]. أي: بأسه ونقمته وقدرته عليهم وأخذه إياهم في حال سهوهم وغفلتهم؛ وذلك أن هؤلاء القوم المكذبين للرسل كقوم نوح وعاد وثمود أغدق اللَّه عليهم النعم والخيرات مع عصيانهم للَّه، فاستبعدوا أن يكون مكرًا واستدراجًا من اللَّه أو أن يأتيهم العذاب في أي لحظة؛ قال قتادة ﵀: بغت القوم أمر اللَّه، وما أخذ اللَّه قومًا إلا عند سلوتهم وغرتهم ونقمتهم، فلا تغتروا باللَّه (١).
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في تعليقه على قوله
стр. 917
تعالى -: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ﴾: هذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ على أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمنًا على ما معه من الإيمان، بل لا يزال خائفًا وجلاً أن يُبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وأن لا يزال داعيًا بقوله: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، وأن يعمل ويسعى في كل سبب يخلصه من الشر عند وقوع الفتن، فإن العبد ولو بلغت به الحال ما بلغت فليس على يقين من السلامة (١). اهـ.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: في قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ﴾ دليل على أن للَّه مكرًا والمكر هو التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، ومنه جاء في الحديث: «الحَربُ خُدعَةٌ» (٢)؛ فإن قيل: كيف يوصف اللَّه بالمكر مع أن ظاهره أنه مذموم؟ ! قيل: إن المكر في محله محمود يدل على قوة الماكر، وأنه غالب على خصمه ولذلك لا يوصف اللَّه به على الإطلاق، فلا يجوز أن نقول: إن اللَّه ماكر، وإنما نذكر هذه الصفة في مقام تكون فيه مدحًا مثل قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ﴾ [الأنفال: ٣٠].
ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُون (٥٠)﴾ [النمل]. ومثل قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ﴾ [الأعراف]. ولا تنفى عنه هذه الصفة على سبيل الإطلاق، بل إنها في المقام التي تكون مدحًا يوصف بها، وفي المقام التي لا تكون مدحًا لا يوصف بها، وكذلك لا يسمى اللَّه بها فلا يقال: إن
стр. 918
من أسماء اللَّه الماكر (١). اهـ.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عقبة بن عامر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ» (٢)؛ ثم تلا رسول اللَّه ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُون (٤٤)﴾ [الأنعام]. وقال إسماعيل بن رافع: الأمن من مكر اللَّه إقامة العبد على الذنب يتمنى على اللَّه المغفرة؛ وقد فسر بعض السلف المكر بأن اللَّه يستدرجهم بالنعم إذا عصوه: من صحة الأبدان ورغد العيش وغيرها، ويملي لهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر (٣).
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد (١٠٢)﴾ [هود].
أما القنوط من رحمة اللَّه: فهو استبعاد العبد الفرج واليأس منه وأن اللَّه يغفر له ويرحمه، وهو يقابل الأمن من مكر اللَّه، وكلاهما ذنب عظيم، قال تعالى: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَاّ الضَّآلُّون (٥٦)﴾ [الحجر]. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم (٥٣)﴾ [الزمر].
стр. 919
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في كتابه فتح المجيد: قوله: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَاّ الضَّآلُّون (٥٦)﴾، مع قوله ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلَا يَامَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُون (٩٩)﴾: دليل على أنه لا يجوز لمن خاف اللَّه أن يقنط من رحمته، بل يكون خائفًا راجيًا يخاف ذنوبه ويعمل بطاعة اللَّه ويرجو رحمته، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]. وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] (١). قال الحسن البصري: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق خائف وجل، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن (٢).
وقال تعالى حاكيًا عن خليله إبراهيم ﵇ لما بشرته الملائكة بابنه إسحاق -: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُون (٥٤)﴾ [الحجر]. لأن العادة أن الرجل إذا كبر سنه وسن زوجته، استبعد أن يولد له منها، واللَّه على كل شيء قدير؛ فقالت الملائكة: ﴿بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الذي لا ريب فيه، فإن اللَّه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون ﴿فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِين﴾: أي من الآيسين، وقال تعالى حاكيًا عنه: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَاّ الضَّآلُّون (٥٦)﴾ [الحجر]. فإنه يعلم من قدرته وحكمته: ما هو أبلغ من ذلك وأعظم.
روى عبد الرزاق في مصنفه من حديث ابن مسعود موقوفًا عليه:
стр. 920
أنه سئل عن أكبر الكبائر؟ فقال: الشرك باللَّه، واليأس من روح اللَّه، والأمن من مكر اللَّه، والقنوط من رحمة اللَّه (١).
والشرك باللَّه أعظم الذنوب عند اللَّه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ١١٦]. واليأس من روح اللَّه أي: قطع الرجاء والأمل من اللَّه فيما يخافه ويرجوه، فإذا كان في كربة أو شدة يستبعد زوالها، وذلك إساءة ظن باللَّه، وجهل به وبسعة رحمته وجوده ومغفرته. قال تعالى عن نبيه يعقوب ﵇: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُون (٨٧)﴾ [يوسف].
روى الترمذي في سننه من حديث أنس أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت فقال: «كَيفَ تَجِدُكَ؟ » قال: واللَّه يا رسول اللَّه إني أرجو اللَّه وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول اللَّه ﷺ : «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ» (٢).
وفي هذا الحديث الجمع بين الخوف والرجاء، فإذا خاف فلا يقنط ولا ييأس بل يرجو رحمة اللَّه، وكان السلف يستحبون أن يُقوي في الصحة الخوف وفي المرض الرجاء. قال أبو سليمان الداراني: وينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف، فإذا غلب الرجاء فسد القلب (٣). روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁ قال: سمعت
стр. 921
النبي ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ » (١).
وروى الترمذي في سننه من حديث عائشة زوج النبي ﷺ قالت: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ» (٢).
والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 922
الكلمة السادسة والعشرون: شرح حديث: «حسب ابن آدم لقيمات»
الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
روى الترمذي في سننه من حديث المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مَلَأ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ؛ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ: فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» (١).
قال ابن رجب: هذا الحديث أصل جامع لأصول الطب كلها، وقد روي أن ابن ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث في كتاب أبي خيثمة قال: لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت دكاكين الصيادلة (٢). اهـ.
وذلك لأن أصل كل داء التخمة، وقال الحارث بن كلدة طبيب العرب: الحمية رأس الدواء والبطنة رأس الداء؛ قال الغزالي: ذُكر هذا الحديث لبعض الفلاسفة، فقال: ما سمعت كلامًا في قلة الأكل
стр. 923
أحكم من هذا (١).
هذا الحديث الشريف اشتمل على فوائد كثيرة:
أولاً: أن في تقليل الطعام منافع كثيرة للجسم، فمن ذلك: رقة القلب، وقوة الفهم، وانكسار النفس، وضعف الهوى والغضب، وكثرة الأكل توجب ضد ذلك.
قال المروذي: جعل أبو عبد اللَّه - يعني الإمام أحمد بن حنبل - يعظم الجوع والفقر، فقلت له: يؤجر الرجل في ترك الشهوات؟ فقال: وكيف لا يؤجر وابن عمر يقول: ما شبعت منذ أربعة أشهر؛ قلت لأبي عبد اللَّه: يجد الرجل من قلبه رقة وهو يشبع؟ قال: ما أرى؛ قال الشافعي: الشبع يثقل البدن ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة (٢).
ثانيًا: أن كثرة الأكل تسبب أمراضًا للبدن، قال ابن القيم ﵀: الأمراض نوعان: أمراض مادية تكون عن زيادة مادة، أفرطت في البدن حتى أضرَّت بأفعاله الطبيعية وهي أكثر الأمراض، وسببها إدخال الطعام على البدن قبل هضم الأول، والزيادة في القدر الذي يحتاج إليه البدن، وتناول الأغذية القليلة النفع، البطيئة الهضم، والإكثار من الأغذية المختلفة التراكيب المتنوعة؛ فإذا ملأ الآدمي بطنه من هذه الأغذية واعتاد ذلك: أورثته أمراضًا متنوعة، منها بطيء الزوال أو
стр. 924
سريعه، فإذا توسط في الغذاء، وتناول منه قدر الحاجة، وكان معتدلاً في كميته وكيفيته: كان انتفاع البدن به أكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير.
قال ابن الرومي:
فَإِنَ الداءَ أكثرُ ما تَراهُ
يَكونُ مِنَ الطعامِ أو الشرابِ
وقال الشافعي:
ثَلاثٌ هن مُهلِكَةُ الأنامِ
وَدَاعِيَةُ الصحيحِ إلى السِّقامِ
دَوَامُ مَدامَةٍ ودَوَامُ وَطءِ
وإدخَالُ الطعامِ على الطعامِ
ثالثًا: أن النبي ﷺ ذكر أن اللقيمات تكفي لحاجة الجسم فلا تسقط قوته ولا تضعف معها، فإن تجاوزها فليأكل في ثلث بطنه، ويدع الثلث الآخر للماء، والثالث للنفس وهذا أنفع ما للبدن وللقلب، فإن البطن إذا امتلأ من الطعام ضاق عن الشراب، فإذا ورد عليه الشراب ضاق عن النفس، وعرض له الكرب والتعب، بمنزلة حامل الحمل الثقيل، هذا إلى ما يلزم ذلك من فساد القلب، وكسل الجوارح عن الطاعات، وتحركها في الشهوات التي يستلزمها الشبع (١).
ويلاحظ هذا جيدًا في رمضان، فإن من يكثر من تناول الطعام في فطوره، فإن صلاة العشاء والتراويح تصبح ثقيلة عليه.
رابعًا: الحث على التقليل من الأكل؛ ففي الصحيحين من حديث أبي موسى ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الْمُؤْمِنُ يَاكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ،
стр. 925
وَالْكَافِرُ يَاكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» (١)، والمراد أن المؤمن يأكل بأدب الشرع فيأكل في مِعًى واحد، والكافر يأكل بمقتضى الشهوة والشَّرَه والنهم فيأكل في سبعة أمعاء؛ وندب ﷺ مع التقلل من الأكل والاكتفاء ببعض الطعام إلى الإيثار بالباقي منه، روى البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵁: أن النبي ﷺ قال: «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ» (٢).
خامسًا: أن النبي ﷺ كما حثَّ على التقليل من الطعام فإنه كان يفعل ذلك هو وأصحابه وهذا في الغالب، وإن كان ذلك لعدم وجود الطعام فإن اللَّه لا يختار لرسوله إلا أكمل الأحوال وأفضلها؛ روى الترمذي من حديث ابن عمر ﵄ قَالَ: تَجَشَّأَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ، فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُم جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣).
سادسًا: أن هذا الحديث فيه الحث على الاقتصاد وعدم الإسراف، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف].
سابعًا: أن هذا الحديث فيه تعويد على الصبر والتحمل والانتصار على النفس الشهوانية، ولذلك يسمى رمضان شهر الصبر.
والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 926
الكلمة السابعة والعشرون: النصيحة
الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فمن شعائر الإسلام العظيمة، ومن مقامات الدين العالية الرفيعة: النصيحة، قال تعالى: ﴿وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَاتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِين (٢٠)﴾ [القصص].
روى مسلم في صحيحه من حديث تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ يا رسول اللَّه؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» (١).
قال النووي: هذا حديث عظيم الشأن وعليه مدار الإسلام، وأما ما قاله جماعات من العلماء: إنه أحد أرباع الإسلام - أي أحد الأحاديث الأربعة التي تجمع أمور الإسلام -، فليس كما قالوه، بل المدار على هذا وحده (٢).
قال ابن حجر: قوله: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» يحتمل أن يحمل على المبالغة، أي: معظم الدين النصيحة، كما قيل: «الحَجُّ عَرَفَةُ»؛
стр. 927
ويحتمل أن يحمل على ظاهره، لأن كل عمل لم يرد به عامله إلاخلاص، فليس من الدين.
قوله: النصيحة للَّه: هي وصفه بما هو له أهل، والخضوع له ظاهرًا وباطنًا، والرغبة في محابه: بفعل طاعته، والرهبة من مساخطه: بترك معصيته، والجهاد في رد العاصين إليه.
والنصيحة لكتاب اللَّه: تعلمه، وتعليمه، وإقامة حروفه في التلاوة، وتحريرها في الكتابة وتفهم معانيه، وحفظ حدوده، والعمل بما فيه، وذب تحريف المبطلين عنه.
والنصيحة لرسوله: تعظيمه ونصره حيًّا وميتًا، وإحياء سنته بتعلُّمها وتعليمها، والاقتداء به في أقواله وأفعاله ومحبته ومحبة اتباعه.
والنصيحة لأئمة المسلمين: إعانتهم على ما حملوا القيام به، وتنبيههم عند الغفلة، وسد خلتهم عند الهفوة، وجمع الكلمة عليهم، ورد القلوب النافرة إليهم؛ ومن أعظم نصيحتهم: وقفهم عن الظلم بالتي هي أحسن، ومن جملة أئمة المسلمين: أئمة الاجتهاد؛ وتقع النصيحة لهم ببث علومهم وتعليمهم ما ينفعهم، وكشف وجوه الأذى عنهم، وأنه يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه (١).
والنصيحة على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: النصيحة للمسلمين عمومًا وفيها أحاديث كثيرة؛ روى مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد اللَّه ﵁ قال: «بايعت
стр. 928
النبي ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» (١).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» (٢).
القسم الثاني: النصيحة لولاة الأمر. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا، وَرَضِيَ لَكُمْ ثَلَاثًا؛ رَضِيَ لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا، وَأَنْ تَنْصَحُوا لِوُلَاةِ الأَمْرِ» الحديث (٣).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث جبير بن مطعم ﵁: أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِوَلِيِّ الأَمْرِ، وَلُزُومُ الجَمَاعَةِ» (٤).
وأما نصح الولاة لرعاياهم؛ فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ استَرعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً، فَلَمْ يَحُطْهَا بِنُصحِهِ، إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» (٥).
стр. 929
وقد ذكر اللَّه في كتابه عن الرسل السابقين: أنهم كانوا ينصحون لأقوامهم، فذكر اللَّه عن نبي اللَّه نوح ﵇ أنه قال لقومه: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢].
وقال تعالى عن نبي اللَّه هود: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِين (٦٨)﴾ [الأعراف].
ونبينا محمد بن عبد اللَّه إمام الناصحين: بلَّغ الرسالة ونصح الأمَّة؛ فقد روى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: إن رسول اللَّه ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ - وذكر صفة حجه - وفيه أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «وَأَنْتُمْ تُسأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ » قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ (١).
وقد عذر اللَّه من تخلَّف عن الجهاد لعذر إذا كان ناصحًا للَّه ورسوله، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيم (٩١)﴾ [التوبة].
وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرًّا، حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبَّخه، والنصيحة سرًّا تشمل ولاة الأمر، والعلماء، وعامة الناس.
قال الشافعي ﵀:
تَعَمدني بنُصحِكَ في انفرادِي ... وَجَنِّبِني النَّصيِحَةَ في الجَماعَه
стр. 930
فإنَّ النُّصْحَ بين الناسِ نَوعٌ ... من التَوبِيخِ لا أرْضَى اسْتِماعَه
وإنْ خَاَلفْتَني وَعَصيْت قَولِي ... فلا تجْزَعْ إذا لم تُعْطَ طَاَعهْ
ومن فوائد النصيحة:
أولاً: أنها من أعظم أسباب الثبات على الدين: لأن الذي ينصح يريد أن يطبِّق ما نصح به، ولا يخالف فعله قوله، قال تعالى عن نبي اللَّه شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَاّ الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨].
ثانيًا: دليل حب الآخرين وبغض الشر لهم، ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (١).
ثالثًا: صلاح المجتمع، إذ تشاع فيه الفضيلة وتستر فيه الرذيلة.
رابعًا: القضاء على كثير من المنكرات، فكم من منكر زال بسبب نصيحة صادقة.
خامسًا: تنفيذ أمر اللَّه ورسوله الذي هو غاية سعادة العبد وفلاحه في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب].
سادسًا: أنها من أعظم أسباب الهداية، فكم من كافر أسلم بسبب نصيحة! وكم من عاص مرتكب لكبائر الذنوب تاب واستقام
стр. 931
حاله بسبب نصيحة! روى مسلم في صحيحه من حديث سهل بن سعد ﵁: أن النبي ﷺ قال لعلي: «فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» (١).
سابعًا: براءة الذمة، فقد تكون الذمة مشغولة، فإذا نصح العبد فقد أدى ما عليه، قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَاّ الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَاّ الْبَلَاغُ الْمُبِين (١٨)﴾ [العنكبوت].
وذكر ابن حزم أمرين يتعلقان بالنصيحة:
الأول: النصيحة مرتبتان: الأولى: فرض وديانة، والثانية تنبيه وتذكير؛ فواجب على المرء ترداد النصح رضي المنصوح أو سخط، تأذى الناصح بذلك أو لم يتأذ.
الثاني: لا تنصح على شرط القبول منك، فإن تعديت هذه فأنت ظالم لا ناصح (٢)؛ فقد جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «عُرِضَت عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ» (٣).
والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 932
الكلمة الثامنة والعشرون: الميزان
الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان بالميزان، والمقصود به: الميزان الذي يُوزن به أعمال العباد من خير أو شر، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِين (٤٧)﴾ [الأنبياء]. وقال تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُون (١٠٣)﴾ [المؤمنون]. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» (١).
قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال لأن الوزن للجزاء فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها،
стр. 933
والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان؛ روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ يَستَخلِصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُؤُوسِ الْخَلائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا (١)، كُلُّ سِجِلٍّ مَدُّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ [لَهُ]: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ قَالَ: لَا يَا رَبِّ. فَيَقُولُ: أَلَكَ عُذْرٌ أو حَسَنَةٌ؟ فيُبهَتُ الرَّجُلُ (٢)، فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً وَاحِدَةً، لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ، فَتُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ (٣)، فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ فَيَقُولُ: أَحْضِرُوهُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتُ؟ ! فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ، قَالَ: فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ (٤)، وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ، وَلَا يَثْقُلُ شَيْءٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» (٥).
وقال أصحاب الأهواء: «الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزن الأجسام».
والجواب عن هذا أن يقال: إن اللَّه يجعل هذه الأعمال أجسامًا، وليس هذا بغريب على قدرة اللَّه ، وله نظير وهو الموت
стр. 934
فإنه يجعل على صورة كبش ويذبح بين الجنة والنار، مع أن الموت معنى وليس بجسم؛ روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ (زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ: «فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ»، وَاتَّفَقَا فِي بَاقِي الْحَدِيثِ) فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ: وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ! هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالَ: فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ! خُلُودٌ فَلا مَوْتَ» قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُون (٣٩)﴾ [مريم]، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الدُّنْيَا (١).
قد يقول قائل: ما فائدة الميزان؟ ! واللَّه يعلم أعمال العباد من خير أو شر.
قال ابن أبي العز الحنفي: ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله لجميع عباده، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من اللَّه، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، فكيف ووراء ذلك من الحكم ما لا اطِّلاع لنا عليه؟ ! (٢)
قال القرطبي: إن الحوض قبل الميزان، والصراط بعد الميزان (٣) اهـ.
стр. 935
هكذا ترتيب مشاهد يوم القيامة، ومن آثار الإيمان بميزان الأعمال:
أولاً: الاجتهاد في الطاعات والمسارعة إلى الخيرات، فإن من زادت حسناته على سيئاته أفلح ونجح، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُه (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَة (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُه (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَة (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَه (١٠) نَارٌ حَامِيَة (١١)﴾ [القارعة].
ثانيًا: أن هناك أعمالاً صالحة ثقيلة في ميزان رب العالمين، كما تقدم في الحديث: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» (١). وروى مسلم في صحيحه من حديث أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ» (٢).
وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ»، قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: «مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ» (٣).
ثالثًا: قال بعض أهل العلم: إن العامل يوزن مع عمله، روى
стр. 936
البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّهُ لَيَاتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ» وَقَالَ: اقْرَؤُوا إن شئتم ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف] (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن مسعود ﵁: أنه كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنَ الأَرَاكِ وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟ » قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ» (٢).
رابعًا: المحافظة على الحسنات مما يبطلها أو ينقصها؛ روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ » قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ؛ فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي، يَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَاتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا؛ فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (٣).
وروى ابن ماجه في سننه من حديث ثوبان ﵁: عن النبي ﷺ أنه قال: «لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَاتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ
стр. 937
جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا»، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ؛ قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَاخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَاخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» (١).
خامسًا: بيان عدله ، وأنه يضع الموازين العادلة التي يبيِّن فيها مثاقيل الذر التي توزن بها الحسنات والسيئات، كما في الآية ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِين (٤٧)﴾ [الأنبياء]؛ ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ﴾: التي هي أصغر الأشياء وأحقرها، كما قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (٧) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه (٨)﴾ [الزلزلة].
والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 938
الكلمة التاسعة والعشرون: مخالفات في لباس المرأة
الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
قال ابن كثير ﵀: أي الرجل قيِّم على المرأة، وهو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجَّت (١)، قال ابن عباس ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾: يعني: أمراء، عليها أن تطيعه فيما أمرها اللَّه به من طاعته، وطاعته: أن تكون محسنة لأهله، حافظة لماله (٢).
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون (٦)﴾ [التحريم].
وللأسف أن البعض من الرجال تساهل مع زوجته وبناته ومَن تحت يده وسلَّم لهن القوامة، وترك لهن الحبل على الغارب، ولذلك نرى الكثير من ألبسة النساء التي تحتوي على مخالفات شرعية كثيرة،
стр. 939
وهي على قسمين:
القسم الأول: ما تلبسه المرأة عند النساء، وعند محارمها من الرجال، وفيه عدة محاذير:
أولاً: الملابس الشفافة وهذا كثيرًا ما يشاهد في حفلات الزواج والمناسبات العامة، بل وصل شرها إلى داخل البيوت، فصارت المرأة تلبسه عند النساء ومحارمها من الرجال.
ثانيًا: الملابس الضيِّقة التي تبيِّن جسم المرأة وتفاصيل خِلقتها.
ثالثًا: الملابس المفتوحة، أو الشبه عارية، أو القصيرة التي لا تستر بعض أعضائها.
رابعًا: البنطال والذي كثر لبسه في هذه الأيام بين النساء وخاصة داخل البيوت، وبعضهن تلبسه إذا خرجت وتضع العباءة فوق الكتف، مع أنه لباس الرجل.
روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ» (١).
وقد صدرت فتوى من اللجنة الدائمة برقم (٢١٣٠٢) وجاء فيها: نظرًا لكثرة الاستفتاءات الواردة إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء حول حدود نظر المرأة إلى المرأة وما يلزمها من
стр. 940
اللباس، فإن اللجنة تبيِّن لعموم نساء المسلمين: أنه يجب على المرأة أن تتخلق بخلق الحياء الذي جعله النبي ﷺ من الإيمان وشعبة من شعبه، وقد دل ظاهر القرآن على أن المرأة لا تبدي للمرأة إلا ما تبديه لمحارمها مما جرت العادة بكشفه في البيت وحال المهنة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون (٣١)﴾ [النور].
وإذا كان هذا هو نص القرآن وهو ما دلَّت عليه السنَّة، فإنه هو الذي جرى عليه عمل نساء الرسول ﷺ ونساء الصحابة ومن اتبعهنَّ بإحسان من نساء الأمة إلى عصرنا هذا؛ وما جرت العادة بكشفه للمذكورين في الآية الكريمة: هو ما يظهر من المرأة غالبًا في البيت وحال المهنة، ويشق عليها التحرز منه: كانكشاف الرأس واليدين والعنق؛ وأما التوسع في التكشف: فعلاوة على أنه لم يدل على جوازه دليل من كتاب أو سنة، هو أيضًا طريق لفتنة المرأة والافتتان بها من بنات جنسها، وهذا موجود بينهن؛ وفيه أيضًا قدوة سيئة لغيرهن من النساء، كما أن في ذلك تشبهًا بالكافرات والبغايا الماجنات في لباسهن؛ فقد روى أبو داود في سننه من حديث ابن عمر ﵄: أن
стр. 941
النبي ﷺ قال: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (١) وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄: أن النبي ﷺ رأى عليه ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا» (٢).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» (٣).
ومعنى «كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ»: وهي أن تكتسي المرأة ما لا يسترها، فهي كاسية وهي في الحقيقة عارية، مثل من تلبس الثوب الرقيق الذي يشف بشرتها، أو الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع جسمها، أو الثوب القصير الذي لا يستر بعض أعضائها؛ فالواجب على المسلمة الحرص على التستر والاحتشام، والتزام الهدي الذي عليه أمهات المؤمنين ونساء الصحابة، والحذر من الوقوع فيماحرمه اللَّه ورسوله من الألبسة التي فيها تشبه بالكافرات والعاهرات؛ كما يجب على كل مسلم أن يتقي اللَّه فيمن تحت ولايته من النساء، فلا يتركهن يلبسن ما حرمه اللَّه ورسوله من الألبسة الخالعة والفاتنة، وليعلم أنه راع ومسؤول عن رعيته يوم القيامة (٤) اهـ.
стр. 942
سُئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ فقيل له: يوجد ظاهرة عند بعض النساء وهي لبس الملابس القصيرة والضيقة التي تبدي المفاتن وبدون أكمام ومبدية للصدر والظهر وتكون شبه عارية تماماً، وعندما نقوم بنصحهن يقلن: إنهن لا يلبسن هذه الملابس إلا عند النساء وإن عورة المرأة مع المرأة من السرة إلى الركبة، فما حكم ذلك؟ وما حكم لبس هذه الملابس عند المحارم؟
فأجاب ﵀ بقوله: الجواب عن هذا أن يقال: إنه صح عن النبي ﷺ أنه قال: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا ... » (١) الحديث. وفسر أهل العلم الكاسيات العاريات بأنهن اللاتي يلبسن ألبسة ضيقة أو ألبسة خفيفة لا تستر ما تحتها أو ألبسة قصيرة، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن لباس النساء في بيوتهن في عهد النبي ﷺ ما بين كعب القدم وكف اليد كل هذا مستور وهن في البيوت، أما إذا خرجن إلى السوق فقد علم أن نساء الصحابة كن يلبسن ثياباً ضافيات يسحبن على الأرض، ورخص لهن النبي ﷺ أن يرخينه إلى ذراع (٢) ولا يزدن على ذلك.
وأما ما اشتبه على بعض النساء من قول النبي ﷺ «لَا تَنظُرِ المَرأَةُ إِلَى عَورَةِ المَرأَةِ وَلَا الرَّجُلُ إِلَى عَورَةِ الرَّجُلِ» (٣). وأن عورة المرأة بالنسبة للمرأة ما بين السرة والركبة من أنه يدل على تقصير المرأة لباسها فإن النبي ﷺ لم يقل: لبس المرأة ما بين السرة والركبة حتى
стр. 943
يكون في ذلك حجة ولكنه قال: «لَا تَنظُرِ المَرأَةُ إِلَى عَورَةِ المَرأَةِ»، فنهى الناظرة لأن اللابسة عليها لباس ضافي لكن أحياناً تكشف عورتها لقضاء الحاجة أو غيره من الأسباب فنهى النبي ﷺ أن تنظر المرأة إلى عورة المرأة، وهل يعقل الآن أن امرأة تخرج إلى النساء ليس عليها من اللباس إلا ما يستر ما بين السرة والركبة؟ هذا لا يقوله أحد، ولم يكن هذا إلا عند نساء الكفار، فهذا الذي فهمه بعض النساء من هذا الحديث لا صحة له، والحديث معناه ظاهر.
فعلى النساء أن يتقين اللَّه، وأن يتحلين بالحياء الذي هو من خلق المرأة والذي هو من الإيمان كما قال النبي ﷺ : «الحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» (١)، وكما تكون المرأة مضرب المثل فيقال: «أحيا من العذراء في خدرها» ولم نعلم ولا عن نساء الجاهلية أنهن كن يسترن ما بين السرة والركبة فقط، لا عند النساء ولا عند الرجال، فهل يردن هؤلاء النساء أن تكون نساء المسلمين أبشع صورة من نساء الجاهلية؟ ! !
وأما محارمهن في النظر فكنظر المرأة إلى المرأة بمعنى أنه يجوز للمرأة أن تكشف عند محرمها ما تكشفه عند النساء، تكشف الرأس والرقبة والقدم والكف والذراع والساق وما أشبه ذلك لكن لا تجعل اللباس قصيراً (٢).
القسم الثاني: ما تلبسه المرأة في السوق والأماكن العامة:
١ - لبس ما يسمى بالكاب أو العباءة المزركشة.
стр. 944
٢ - وضع العباءة على الكتف.
٣ - لبس ما يسمى بالبرقع أو اللثام وتُخرج شيئًا من أنفها أو خدها أو شيئاً من محاسن الوجه، وقد سُئلت اللجنة الدائمة برقم (٢١٣٥٢) عن العباءة المفصلة على الجسم، وتكون ضيقة، وتتكون من طبقتين خفيفتين من قماش الكريب، ولها كُمٌّ واسع وبها فصوص وتطريز، وهي توضع على الكتف؟ فأجابت اللجنة بأن العباءة الشرعية للمرأة وهي الجلباب وهي مما تحقق فيها قصد الشارع من كمال الستر والبعد عن الفتنة، ولا بد أن تتوفر فيها المواصفات التالية:
١ - أن تكون سميكة لا تُظهر ما تحتها، ولا يكون لها خاصية الالتصاق.
٢ - أن تكون ساترة لجميع الجسم، واسعة لا تبدي تقاطيعه وتفاصيله.
٣ - أن تكون مفتوحة من الأمام فقط، وتكون فتحة الأكمام ضيقة.
٤ - ألا يكون فيها زينة تلفت إليها الأنظار، وعليه فلا بد من أن تخلو من الرسوم والزخارف، والكتابات والعلامات.
٥ - ألا تكون مشابهة للباس الكافرات أو الرجال.
٦ - أن توضع العباءة على هامة الرأس ابتداء.
وبناء على ما تقدم: فإن العباءة المذكورة ليست عباءة شرعية، فلا يجوز لبسها لعدم توافر الشروط فيها، ولا يجوز بيعها واستيرادها،
стр. 945
لأن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان (١) اهـ.
أما البرقع أو النقاب فقد سئل بعض أهل العلم المعاصرين عنه «فقال: البرقع أو النقاب الأصل فيها الجواز لقول النبي ﷺ : «لَا تَنتَقِبُ المُحرِمَةُ»، لكن لا يجوز للمحرمة توسعة النقاب بحيث يظهر بعض الوجه كالأنف والحاجبين وبعض الخدين، فإنها قد تفتن بذلك الناظرين؛ وينبغي أن تلبس فوق البرقع خمارًا خفيفًا: لا يمنع النظر، يستر محاسن الوجه التي تظهر مع النقاب».
الخلاصة: أنه ينبغي للمسلم أن يتقي اللَّه فيمن تحت ولايته، فلا يتركهن يلبسن ما حرم اللَّه ورسوله من الألبسة المحرمة، وأن يأخذ على أيديهن فإنه مسؤول عنهن يوم القيامة، قال ﷺ : «وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (٢) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 946
الكلمة الثلاثون: الإيمان بالكرام الكاتبين
الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فقد ذكر الطحاوي ﵀ أن من عقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان بالملائكة الكرام الكاتبين، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِين (١٠) كِرَامًا كَاتِبِين (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُون (١٢)﴾ [الانفطار]. وقال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيد (١٧) مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد (١٨)﴾ [ق].
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (١).
قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ [الرعد: ١١]. قال ابن كثير: أي للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حرس بالليل وحرس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما يتعاقب
стр. 947
ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فاثنان عن اليمين والشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحدًا من ورائه وآخر من قُدَّامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل بدلاً، حافظان وكاتبان (١).
روى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ»، قالوا: وإياك يا رسول اللَّه؟ قَالَ: «وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلا يَامُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ» غير أن في حديث سفيان: «وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ، وقَرِينُهُ مِنَ المَلَائِكَةِ» (٢).
وقد اختلف في معنى «أَسلَمَ»؟ فقيل: المعنى استسلم وانقاد وذل، وقيل: المعنى أسلم من الإسلام، قال النووي: وهذا هو الظاهر، قال القاضي: واعلم أن الأمة مجتمعة على عصمة النبي ﷺ من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه اهـ (٣) فإن الجن فيهن المؤمن والكافر، والشياطين هم كفارهم، فمن آمن منهم لم يُسَمَّ شيطانًا. والذي ثبت بالنصوص: أن الملائكة تكتب القول والفعل والنية لأنها فعل القلب، فدخلت في عموم قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُون (١٢)﴾ [الانفطار]. قال تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا
стр. 948
كُنتُمْ تَعْمَلُون (٢٩)﴾ [الجاثية]. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون (٨٠)﴾ [الزخرف].
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ : إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْ، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا؛ وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا».
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ! ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً (وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ)، فَقَالَ: ارْقُبُوهُ. فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ» (١).
وروى الطبراني في المعجم الكبير من حديث أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ صَاحِبَ الشِّمَالِ لَيَرْفَعُ القَلَمَ سِتَّ سَاعَاتٍ عَنِ العَبدِ المُسلِمِ المُخطِئِ، فَإِن نَدِمَ وَاستَغفَرَ اللَّهَ مِنهَا وَإِلَّا كُتِبَت وَاحِدَةٌ» (٢).
قال الشاعر:
واذْكرْ مُناقَشَةَ الحِسَابِ فإنَّهُ
لَابُدَّ يُحْصِي مَا جَنَيْتَ ويُكْتَبُ
لم يَنْسَهُ الملَكَانِ حِينَ نَسِيتَهُ
بَلْ أَثْبتَاهُ وأَنْتَ لاهٍ تلعبُ
من آثار الإيمان بالملائكة الكرام الكاتبين:
أولاً: مراقبة اللَّه في السر والعلن، وأن يحاسب المرء نفسه
стр. 949
على كل فعل أو قول: صغيرًا كان أو كبيرًا؛ قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد (١٨)﴾ [ق]. وقال تعالى: ﴿كِرَامًا كَاتِبِين (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُون (١٢)﴾ [الانفطار].
ثانيًا: الحياء من هؤلاء الملائكة الكاتبين: أن يروا المؤمن على معصية اللَّه، ولذلك قال النبي ﷺ في فضل عثمان ﵁: «أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ؟ ! » (١).
ثالثًا: الاجتهاد في الأعمال الصالحة، فإن الملائكة يرفعون إلى اللَّه أعمال بني آدم، قال تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. روى البخاري في صحيحه من حديث رِفاعَةَ بنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ ﵁ قال: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا رَفَعَ رَاسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» قَالَ: رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ؛ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ؟ » قَالَ: أَنَا، قَالَ: «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ؟ ! » (٢).
رابعًا: حب هؤلاء الملائكة المكلفين بأعمال العباد، قال تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُون (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون (٢٧)﴾ [الأنبياء]. وقال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون (٦)﴾ [التحريم].
стр. 950
خامسًا: عدم إيذاء هؤلاء الملائكة. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ البَقْلَةِ، الثُّومِ (وَقَالَ مَرَّةً: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ)، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» (١).
والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.