الكلمة الثلاثون: الإيمان بالكرام الكاتبين
الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فقد ذكر الطحاوي ﵀ أن من عقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان بالملائكة الكرام الكاتبين، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِين (١٠) كِرَامًا كَاتِبِين (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُون (١٢)﴾ [الانفطار]. وقال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيد (١٧) مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد (١٨)﴾ [ق].
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (١).
قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ [الرعد: ١١]. قال ابن كثير: أي للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حرس بالليل وحرس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما يتعاقب
стр. 947
ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فاثنان عن اليمين والشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحدًا من ورائه وآخر من قُدَّامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل بدلاً، حافظان وكاتبان (١).
روى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ»، قالوا: وإياك يا رسول اللَّه؟ قَالَ: «وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلا يَامُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ» غير أن في حديث سفيان: «وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ، وقَرِينُهُ مِنَ المَلَائِكَةِ» (٢).
وقد اختلف في معنى «أَسلَمَ»؟ فقيل: المعنى استسلم وانقاد وذل، وقيل: المعنى أسلم من الإسلام، قال النووي: وهذا هو الظاهر، قال القاضي: واعلم أن الأمة مجتمعة على عصمة النبي ﷺ من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه اهـ (٣) فإن الجن فيهن المؤمن والكافر، والشياطين هم كفارهم، فمن آمن منهم لم يُسَمَّ شيطانًا. والذي ثبت بالنصوص: أن الملائكة تكتب القول والفعل والنية لأنها فعل القلب، فدخلت في عموم قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُون (١٢)﴾ [الانفطار]. قال تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا
стр. 948
كُنتُمْ تَعْمَلُون (٢٩)﴾ [الجاثية]. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون (٨٠)﴾ [الزخرف].
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ : إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْ، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا؛ وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا».
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ! ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً (وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ)، فَقَالَ: ارْقُبُوهُ. فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ» (١).
وروى الطبراني في المعجم الكبير من حديث أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ صَاحِبَ الشِّمَالِ لَيَرْفَعُ القَلَمَ سِتَّ سَاعَاتٍ عَنِ العَبدِ المُسلِمِ المُخطِئِ، فَإِن نَدِمَ وَاستَغفَرَ اللَّهَ مِنهَا وَإِلَّا كُتِبَت وَاحِدَةٌ» (٢).
قال الشاعر:
واذْكرْ مُناقَشَةَ الحِسَابِ فإنَّهُ
لَابُدَّ يُحْصِي مَا جَنَيْتَ ويُكْتَبُ
لم يَنْسَهُ الملَكَانِ حِينَ نَسِيتَهُ
بَلْ أَثْبتَاهُ وأَنْتَ لاهٍ تلعبُ
من آثار الإيمان بالملائكة الكرام الكاتبين:
أولاً: مراقبة اللَّه في السر والعلن، وأن يحاسب المرء نفسه
стр. 949
على كل فعل أو قول: صغيرًا كان أو كبيرًا؛ قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد (١٨)﴾ [ق]. وقال تعالى: ﴿كِرَامًا كَاتِبِين (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُون (١٢)﴾ [الانفطار].
ثانيًا: الحياء من هؤلاء الملائكة الكاتبين: أن يروا المؤمن على معصية اللَّه، ولذلك قال النبي ﷺ في فضل عثمان ﵁: «أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ؟ ! » (١).
ثالثًا: الاجتهاد في الأعمال الصالحة، فإن الملائكة يرفعون إلى اللَّه أعمال بني آدم، قال تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. روى البخاري في صحيحه من حديث رِفاعَةَ بنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ ﵁ قال: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا رَفَعَ رَاسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» قَالَ: رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ؛ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ؟ » قَالَ: أَنَا، قَالَ: «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ؟ ! » (٢).
رابعًا: حب هؤلاء الملائكة المكلفين بأعمال العباد، قال تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُون (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون (٢٧)﴾ [الأنبياء]. وقال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون (٦)﴾ [التحريم].
стр. 950
خامسًا: عدم إيذاء هؤلاء الملائكة. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ البَقْلَةِ، الثُّومِ (وَقَالَ مَرَّةً: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ)، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» (١).
والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 951
الكلمة الحادية والثلاثون: رضوان الله
الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فإن من أعظم نعيم أهل الجنة أن اللَّه يرضى عنهم فلا يسخط عليهم أبدًا، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم (٧٢)﴾ [التوبة].
قوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ أي: رضوان اللَّه عليهم أكبر مما هم فيه من النعيم، فإن نعيمهم لم يطب إلا برؤية ربهم ورضاه عنهم؛ فَرِضَا اللَّه رب السماوات أكبر من نعيم الجنات، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد (١٥)﴾ [آل عمران].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة (٧) جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه (٨)﴾ [البينة].
روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن
الْمُفْلِحُون (٢٢)﴾ [المجادلة]. قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي - عن الذين اتصفوا بالصفات السابقة في الآية -: لهم أكبر النعيم وأفضله وهو أن اللَّه يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدًا، ويرضون عن ربهم بما يعطيهم من أنواع الكرامات ووافر المثوبات وجزيل الهبات ورفيع الدرجات، بحيث لا يرون فوق ما أعطاهم مولاهم غاية، ولا فوقه نهاية (١).
رابعًا: الكلمة الطيبة: روى الإمام أحمد في مسنده من حديث بلال بن الحارث ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ ، مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (٢).
خامسًا: الإحسان والصدقة، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم (١٠٠)﴾ [التوبة].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا» الحديث، وفي آخره: قال الملك للأعمى: «أَمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ
стр. 954
رُضِيَ عَنْكَ، وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ» (١).
سادسًا: حمد اللَّه وشكره على النعم؛ روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَاكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» (٢).
سابعاً: رضا الوالدين، روى الترمذي في سننه من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «رِضَى الرَّبِّ فِي رَضِى الوَالِدِ وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الوَالِدِ» (٣).
ثامناً: الرضا بقضاء اللَّه وقدره، روى الترمذي في سننه من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ» (٤).
تاسعاً: استعمال السواك، روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال عن السواك: «مَطْهَرَةٌ للفَمِ، مَرْضَاةٌ للرَّبِّ» (٥).
стр. 955
ولو تتبعنا النصوص الشرعية من الكتاب والسنة لوجدنا الكثير فيها.
وينبغي للعبد أن يسعى إلى رضا اللَّه، ولو كان ذلك بسخط الناس؛ روى الإمام الترمذي في سننه من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ» (١).
والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 956
الكلمة الثانية والثلاثون: تفسير سورة القارعة
الحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فمن سور القرآن العظيم التي تتكرر على أسماعنا، وتحتاج منا إلى تأمل وتدبر: سورة القارعة؛ قال تعالى: ﴿الْقَارِعَة (١) مَا الْقَارِعَة (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَة (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوث (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوش (٥) فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُه (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَة (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُه (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَة (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَه (١٠) نَارٌ حَامِيَة (١١)﴾ [القارعة].
قوله تعالى: ﴿الْقَارِعَة (١)﴾: المراد التي تفزع القلوب وتقرعها وذلك عند النفخ في الصور، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلَاّ مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِين (٨٧)﴾ [النمل]. فهي تفزع القلوب بعد قرع الأسماع، وهذه القارعة قارعة عظيمة لا نظير لها قبل ذلك، وهي من أسماء يوم القيامة؛ كما تسمى الغاشية، والحاقة، والطامة الكبرى، والصاخة، وغيرها.
قوله تعالى: ﴿مَا الْقَارِعَة (٢)﴾: استفهام بمعنى التعظيم
стр. 957
والتفخيم، يعني: ما هي القارعة التي ينوه عنها؟ !
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَة (٣)﴾: هذا زيادة في التفخيم والتعظيم والتهويل، يعني: أي شيء أعلمك عن هذه القارعة؟ أي ما أعظمها! وما أشدها! ثم بيَّن متى تكون؟
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوث (٤)﴾ أي: أنها تكون في ذلك الوقت يوم يكون الناس كالفراش المبثوث حين يخرجون من قبورهم، قال العلماء: يكونون كالفراش المبثوث، والفراش هي الحشرات الصغيرة التي تتزاحم عند وجود النار في الليل، وهي ضعيفة وتكاد تمشي بدون هدى وتتراكم، وربما لطيشها تقع في النار وهي لا تدري؛ فهم يشبهون الفراش في ضعفه وحيرته وتراكمه وسيره إلى غير هدى؛ ﴿الْمَبْثُوث﴾ يعني: المنتشر، فهو كقوله تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِر (٧)﴾ [القمر]. يعني: لو تصوَّرتَ هذا المشهد يخرج الناس من قبورهم على هذا الوجه، لتصوَّرتَ أمراً عظيمًا لا نظير له. هؤلاء العالم من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة: كلهم يخرجون خروج رجل واحد في آن واحد من هذه القبور المبعثرة في مشارق الأرض ومغاربها، ومن غير القبور كالذي أُلقي في لجة البحر، أو أكلته الحيتان، أو في فلوات الأرض وأكلته السباع أو احترق جسده، أو ما أشبه ذلك: كلهم سيخرجون مرة واحدة إلى أرض الحشر.
قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوش (٥)﴾، فهذه الجبال العظيمة الراسية تكون كالعهن أي الصوف، وقيل: القطن
стр. 958
المنفوش أي المبعثر سواء نفشته بيدك أو بالمنداف، فإنه يكون خفيفًا يتطاير مع أدنى ريح، كما قال تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا (٦)﴾ [الواقعة]. وكما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦)﴾ [طه].
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُه (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَة (٧)﴾.
﴿مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُه﴾: فهو الذي رجحت حسناته على سيئاته ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَة (٧)﴾ أي حياة طيبة ليس فيها نكد ولا صخب، بل هي كاملة من جميع الوجوه، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُور (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوب (٣٥)﴾ [فاطر]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة (٧) جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه (٨)﴾ [البينة].
﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُه (٨)﴾: وهو الذي رجحت سيئاته على حسناته، أو الذي ليست له حسنات أصلاً كالكافر، لأنه يجازى على حسناته في الدنيا، فإذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له عند اللَّه نصيب؛ روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ؛ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا للَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا
стр. 959
أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» (١).
قوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَة (٩)﴾: أي أن مآله إلى نار جهنم والهاوية من أسماء النار، وقيل: المراد بالأم هنا أم الدماغ، والمعنى أنه يلقى في النار على أم رأسه؛ ولا مانع من اجتماع الأمرين، فيقال: يرمى في النار على أم رأسه، وليس له مأوى ولا مقصد إلا النار.
قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَه (١٠) نَارٌ حَامِيَة (١١)﴾، هذا من باب التفخيم والتعظيم لهذه الهاوية: يسأل ما هي؟ ثم يجيب: إنها نار حامية في غاية ما يكون من الحرارة، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: «إنها فُضِّلَتْ عَلَى نَارِ الدُّنيَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا» (٢)؛ وإذا تأملت نار الدنيا كلها سواء نار الحطب أو الورق أو الفرن أو أشد من ذلك، فإن نار جهنم مفضَّلة عليها بتسعة وستين جزءًا، نسأل اللَّه السلامة والعافية.
ومن فوائد السورة الكريمة:
أولاً: أنه ينبغي للمؤمن أن يقي نفسه من عذاب اللَّه، وهذه الوقاية تكون بفعل الخير ولو بأقل القليل؛ روى مسلم في صحيحه من حديث عدي بن حاتم ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ
стр. 960
إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» (١).
ثانيًا: أن السورة الكريمة سكتت عمن تساوت حسناته وسيئاته، ولكن بيَّن اللَّه تعالى في سورة الأعراف أنهم لا يدخلون النار، وإنما يحبسون في مكان يقال له: الأعراف؛ وذكر اللَّه تعالى في سورة الأعراف ما يجري بينهم وبين المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين (٤٧)﴾ [الأعراف].
ثالثًا: عظم ما أعد اللَّه لأعدائه من العذاب والنكال، ففي هذه السورة أخبر عن شدة حرارتها، وفي آية أخرى عن هولها وشدة عذابها، فقال: ﴿كَلَاّ إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾ [المعارج].
وأخبر في آية أخرى أن حطب النار التي توقد بها جثث بني آدم هي حجارة من الكبريت الأسود، فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون (٦)﴾ [التحريم]. وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلاتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيد (٣٠)﴾ [ق].
روى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁: أن
стр. 961
النبي ﷺ قال: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا» (١)(٢).
والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 962
الكلمة الثالثة والثلاثون: خطر الرافضة
الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُون (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُون (٧٩)﴾ [المائدة].
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (١).
وإن من أعظم المنكرات خطرًا، وأفسدها للإيمان، وأضرها على الدين: فتنة الشيعة الروافض التي قام أبناؤها يدعون إليها في كل مكان، ويظهرون للناس أن باطلهم هذا هو الإسلام بعينه، بل وصل الأمر ببعض المغَفَّلِين إلى الدعوة إلى التقريب بين السنة والشيعة، وأن الخلاف بيننا وبينهم في أمور فرعية، مع أن الخلاف كبير يشمل أمهات العقائد؛ فإن الروافض عندهم من الشركيات
стр. 963
والكفريات ما يُخْرِجُ من دائرة الإسلام، وللأسف إن كثيرًا من عوام السنة لا علم له بهذه الكفريات، لأن علماء الشيعة لا ينشرون كتبهم الأساسية التي عليها اعتماد مذهبهم بين عامة الناس (١).
وأوَدُّ أن أبيِّن بعضًا من معتقداتهم الباطلة إجمالاً، من خلال كتبهم ومراجعهم التي تُعتَمَد عندهم:
أولاً: عقيدتهم في الأئمة الاثني عشر: ذكر الكليني في كتابه «أصول الكافي» - وهذا عندهم من أوثق الكتب، مثل «صحيح البخاري» عند أهل السنة -: أن الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا، وأنهم يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم (٢)؛ بل وصل الأمر إلى ادِّعاء الألوهية لهم، قال هاشم البحراني في كتابه «ينابيع المعاجز وأصول الدلائل» - وهو يتحدث عن الأئمة الاثني عشر -: «إن عندهم علم ما في السماء، وعلم ما في الأرض، وعلم ما كان، وعلم ما يكون، وما يحدث بالليل والنهار، وساعة وساعة، وعندهم علم النبيين وزيادة» (٣).
وقال شيخهم المعاصر - عبد الحسين الأميني النجفي - في كتابه «الغدير»: «إن الأئمة أولاد اللَّه ومن صلب علي» (٤)، وسمعت أحد مشايخهم في شريط مسجَّل وهو يقول: «إن المهدي المنتظر دخل
стр. 964
السرداب وهو صغير عمره خمس سنوات، وهو يعرف ماذا يحدث في ذرات الكون؟ ! ».
ثانيًا: عقيدتهم في القرآن الكريم: الرافضة يقولون: إن القرآن الذي عندنا ليس هو الذي أُنزل على محمد ﷺ ، بل قد غُيِّروبُدِّل وزيد فيه ونقص منه، وجمهور مشايخهم يعتقدون التحريف في القرآن، كما ذكر ذلك النوري الطبرسي في كتابه «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب» (١).
وذكر الكليني في كتابه «أصول الكافي»: أن القرآن الذي جاء به جبرائيل إلى محمد ﷺ سبعة عشر ألف آية، معنى هذا أن القرآن الذي تدَّعِيه الرافضة أكثر من القرآن الموجود بين أيدينا (٢)، لأن الذي بين أيدينا يزيد عن ستة آلاف قليلاً، وهو الذي تعهد اللَّه بحفظه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون (٩)﴾ [الحجر].
وما يعترفون به من القرآن يفسرونه بأهوائهم؛ فقد ذكر الصافي في تفسيره في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ يعني: أنه لا يغفر لمن يكفر بولاية علي ﵇، وأما قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨] يعني: لمن والى عليًّا (٣).
ومن أمثلة تأويلهم للآيات بأهوائهم: ما جاء في قوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ
стр. 965
الْخَاسِرِين (٦٥)﴾ [الزمر]. قال: «لئن أمرت بولاية أحد مع ولاية علي ﵇، ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين» (١)، وفي قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]، قالوا: «أبو بكر وعمر» (٢).
ثالثًا: عقيدتهم في أصحاب رسول اللَّه ﷺ وزوجاته؛ تقوم عقيدة الرفض على سب وشتم وتكفير الصحابة رضوان اللَّه عليهم، فهم يعتقدون كفر جميع الصحابة باستثناء ثلاثة منهم، ذكر ذلك الكليني في كتابه «الكافي» المعتمد عندهم، فقال: الناس أهل ردة بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة! فقلت: من الثلاثة؟ قال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي (٣)؛ وفي كتاب «مفتاح الجنان» لعباس القمي: دعاء شيوخ الشيعة المشهور على أبي بكر وعمر وابنتيهما عائشة وحفصة ﵅، والذي هو من أذكار الصباح والمساء عندهم: اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، والعن صنَمَي قريش وجِبتَيْها وطاغوتَيْها وإفكَيْها وابنتَيْهما اللذين خالفا أمرك وأنكرا وحيك ... إلخ (٤). ويسمونهما ﵄ بفرعون، وهامان (٥)، وبالْوَثنيين (٦)، وباللات والعُزَّى (٧)؛ وصرح شيوخ الشيعة بأن مهديهم
стр. 966
المنتظر يُحيي أبا بكر وعمر ﵄، ثم يصلبهما على جذع نخلة، ويقتلهما كل يوم ألف قتلة (١)؛ وسمعت أحد مشايخهم في شريط مسجل وهو يقول: أبو بكر، عمر، عثمان، أصحاب العقبة الأولى، أصحاب العقبة الثانية، التسعة من العشرة كلهم في النار.
قال عبد اللَّه بن محمد الأندلسي:
إن الروافِضَ شرُّ من وَطِئَ الحَصَى
مِنْ كُلِّ إِنسٍ ناطقٍ أو جانِ
قدحُوا النبي وَخَوَّنُوا أصْحَابَهُ
وَرَمَوهُم بالظُّلْمِ والعُدْوَانِ
حَبُّوا قَرَابَتَهُ وَسَبُّوا صَحْبَهُ
جَدَلانِ عِنْدَ اللَّهِ مُنتَقِضانِ
وقال آخر:
وَدَعْ عَنْكَ دَاعِيَ الرَّفْضِ والبِدَعِ التِي ... يقوُدُكَ دَاعِيهَا إِلى النَّارِ والعَارِ
وسِر خَلْفَ أَصْحَابِ الرسُولِ فَإِنَّهُم ... نُجومُ هُدًى في ضَوْئِها يَهْتدِي السارِي ... وَعُج عَنْ طريِقِ الرفْضِ فَهُوَ مُؤسس
على الكُفرِ تأسيساً على جُرُفِ هارِ ... هُمَا خطَّتان إما هُدًى وسعادةً
وإما شَقاءُ معَ ضلَالةِ كُفَّار ... فأيُّ فَرِيقينا أَحَقُّ بأَمْنِهِ
وأَهْدَى سَبِيلاً عِنْدَما يَحْكُمُ البَارِي ... أَمَنْ سَبَّ أَصْحَابَ الرَّسُولِ وَخَا
لَفَ الكِتَابَ ولَمْ يَعْبَأ بثابِتِ الأخْبَارِ ... أم المُقْتدِي بالوَحْي يَسْلُكُ مَنْهَجَ الصحَا ... بَةِ مَعَ حُبِّ القَرَابَةِ الأَطْهَارِ
رابعًا: عقيدتهم في أهل السنَّة: تقوم عقيدة الرافضة في استباحة أموال ودماء أهل السنة، جاء في كتاب «الأنوار النعمانية»: أنهم كفار أنجاس بإجماع شيوخ الشيعة الإمامية، وأنهم شر من
стр. 967
اليهود والنصارى (١).
وفي الكتاب أيضًا: أن النَّاصِبِي حلال الدم ويقصدون به السُّنِّي، ويرشدون إلى قتل أهل السنَّة: إما بتغريقهم في ماء، أو هدم الحائط عليهم، أو غير ذلك من الطرق السِّرِّيَّة حتى لا يشهد عليهم بذلك، ويرون أن أموالهم وأعراضهم حلال (٢).
وأخيرًا: هل شيوخ الشيعة يجتمعون معنا نحن أهل السنة على رب واحد، ونبي واحد، وإمام واحد؟
أجاب إمامهم نعمة اللَّه الجزائري في كتابه «الأنوار النعمانية» بقوله: «إنا لم نجتمع معهم على إله (٣)، ولا على نبي، ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون: إن ربهم هو الذي كان محمدًا نبيه، وخليفته بعده أبو بكر، ونحن لا نقول بهذا الرب، ولا بذلك النبي؛ بل نقول: إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا، ولا ذلك النبي نبينا» (٤)(٥).
والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 968
الكلمة الرابعة والثلاثون: شرح اسم الله تعالى اللطيف
الحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
ومن أسماء اللَّه الحسنى التي وردت في الكتاب العظيم: اللطيف، قال تعالى: ﴿لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير (١٠٣)﴾ [الأنعام]. وقال يوسف ﵇: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم (١٠٠)﴾ [يوسف].
وقال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير (١٤)﴾ [الملك]. قال الخطابي: اللطيف هو البر بعباده الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم من مصالحهم من حيث لا يحتسبون، كقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيز (١٩)﴾ [الشورى].
وقال الشوكاني في قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ﴾: «إن اللَّه لطيف لا تخفى عليه خافية، بل يصل علمه إلى كل خفي» (١).
وجمع الشيخ عبد الرحمن بن سعدي بين التعريفين فقال:
стр. 969
«اللطيف الذي لطف علمه وخبره حتى أدرك السرائر والضمائر، الخبايا [والخفايا] [والغيوب]، وهو الذي ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧].
ومن معاني اللطيف: أنه الذي يلطف بعبده ووليه، فيسوق إليه البر والإحسان من حيث لا يشعر، ويعصمه من الشر من حيث لا يحتسب، ويرقيه إلى أعلى المراتب بأسباب لا تكون من [العبد] على بال، حتى إنه يذيقه المكاره، ليتوصل بها إلى المحاب الجليلة والمقامات النبيلة» (١).
ومن آثار الإيمان بهذا الاسم العظيم:
أولاً: إن اللَّه لا يفوته من العلم شيء، وإن دقَّ وصغر أو خفي، وكان في مكان سحيق، قال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَاّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِين﴾ (٥٩) [الأنعام].
وقال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان].
فاللَّه لا يخفى عليه شيء، ولا الخردلة: وهي الحبة الصغيرة التي لا وزن لها، فإنها - ولو كانت في صخرة في باطن الأرض أو في السماوات -، فإن اللَّه يأتي بها وهو اللطيف الخبير.
стр. 970
فهذا علمه سبحانه في الجمادات وحركاتها وسكناتها، أما علمه سبحانه في الطيور والحيوانات وسائر الخلائق، فإن اللَّه تعالى قال: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون (٣٨)﴾ [الأنعام]. وقال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَاّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِين (٦)﴾ [هود].
فإذا كان هذا علمه بالجمادات والطيور والحيوانات، فكيف بالمكلَّفين من الجن والإنس الذين لم يخلقوا إلا للعبادة؟ قال تعالى عنهم: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور (١٩)﴾ [غافر]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَانٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَاّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِين (٦١)﴾ [يونس].
وقال تعالى لنبيه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيم (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُوم (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (٢٢٠)﴾ [الشعراء].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال في حديث جبريل: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (١).
ثانيًا: أن العبد إذا علم أن ربه متصف بدقَّة العلم وإحاطته بكل
стр. 971
صغيرة وكبيرة، حاسب نفسه على أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته، واللَّه تعالى يجازي العباد على أعمالهم؛ فالمحسن لا يضيع من إحسانه مثقال ذرة، ولا المسيء يضيع من سيئاته مثقال ذرة، قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (٧) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه (٨)﴾ [الزلزلة].
وقال سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَاّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف]. وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه]. وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِين (٤٧)﴾ [الأنبياء].
ثالثًا: إن اللَّه تعالى من لطفه بعباده يضاعف أجور المؤمنين، ويعفو ويتجاوز عن ذنوب من شاء من عباده، قال تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ؛ وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ، فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: ﴿هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ
стр. 972
أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِين (١٨)﴾ [هود]» (١).
رابعًا: إن اللَّه لطيف بعباده يريد لهم الخير واليُسر، ويقيِّض لهم أسباب الصلاح والبر؛ ومن لطفه بعباده: أنه يسوق إليهم أرزاقهم، وما يحتاجونه في معاشهم، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ١٩].
وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق].
ومن لطفه سبحانه بخلقه: خلق الجنين في بطن أمه في ظلمات ثلاث: ظلمة الرحم، وظلمة البطن، وظلمة المشيمة؛ وهو في بطن أمه يتقلب في هذه الأطوار: نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم تكسى العظام لحمًا، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَانَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين (١٤)﴾ [المؤمنون].
ومن لطفه بخلقه: لطفه بأنبيائه المرسلين؛ فمن ذلك: لطفه بيوسف ﵇، حين أخرجه من السجن، وجاء بأهله من البدو، وجمع بينه وبين أبويه، بعد أن نزغ الشيطان بينه وبين إخوته.
ومن ذلك: لطفه بنبيه موسى ﵇، حين أرسله إلى فرعون، وألقته أمه في البحر، ووصل إلى قصر فرعون، وقذف اللَّه في قلب زوجة فرعون الرحمة لهذا الطفل، وطلبت من فرعون استبقاءه؛ فنجا من القتل، ثم منع من الرضاعة، ليرجع إلى أمه فيحصل على حنانها،
стр. 973
قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُون (١٢)﴾ [القصص]. ثم تربَّى في قصر فرعون، وتحت سمعه وبصره.
ومن لطفه بعبده: أن قيَّض له كل سبب يعوقه ويحول بينه وبين المعاصي، حتى إنه تعالى إذا علم أن الدنيا والمال والرياسة ونحوها، مما يتنافس فيه أهل الدنيا، تقطع عبده عن طاعته، أو تحمله على الغفلة عنه أو على معصيته، صرفها عنه، وقدَر عليه رزقه، ولهذا قال هنا: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَاء﴾ [الشورى: ١٩] بحسب اقتضاء حكمته ولطفه ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيز (١٩)﴾ [الشورى].
ومن لطفه بعباده المؤمنين: أنه أمرهم بالعبادات الاجتماعية التي بها تقوى عزائمهم وتنبعث هممهم، ويحصل منهم التنافس على الخير والرغبة فيه، واقتداء بعضهم ببعض (١)(٢).
والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 974
الكلمة الخامسة والثلاثون: إن من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا
الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُون (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُون (١٦)﴾ [هود].
قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: أي من كان يقصد بعمل الآخرة عرض الدنيا وزينتها من مال، وولد، ومنصب، وغيرها، كما قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي نعطه من الدنيا ما أراد إذا شئنا استدراجًا ومعاملة له بما قصد، كما في قوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨].
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُون﴾: أي لا ينقصون.
قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَاّ النَّارُ﴾: بيان لعاقبتهم حيث ذكر أنهم يعطون في الدنيا ما أرادوا وما طلبوا، وأما في الآخرة فإنهم يحرمون من الثواب لأنهم لم يريدوا الآخرة، وهي إنما تحصل لمن أرادها كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء].
стр. 975
قوله تعالى: ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُون (١٦)﴾ أي: في الآخرة حبط ما صنعوه في الدنيا؛ ﴿وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُون (١٦)﴾ أي: أعمالهم في الدنيا باطلة، لأنهم لا يريدون وجه اللَّه.
قال قتادة ﵀: من كانت الدنيا همه وطلبه ونيته، جازاه اللَّه بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يُعطَى بها جزاء؛ وأما المؤمن فيُجازى بحسناته في الدنيا، ويُثاب عليها في الآخرة (١).
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ: رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ، لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ؛ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَاتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَاتَ الْقُرْآنَ، لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ؛ وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ
стр. 976
جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ» (١)،
ولما بلغ هذا الحديث معاوية بكى بكاءً شديدًا، فلما أفاق قال: صدق اللَّه ورسوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُون (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُون (١٦)﴾ [هود] (٢).
فهؤلاء الثلاثة أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، فإن قال قائل: ما الفرق بين إرادة الإنسان بعمله الدنيا والرياء؟ فالجواب: أنهما يجتمعان في العمل لغير وجه اللَّه وفي أنهما شرك خفي، ويفترقان أن الرياء يراد به الجاه والشهرة، وأما طلب الدنيا فيراد به الطمع والعَرَض العاجل، كمن يجاهد من أجل المال فقط؛ والذي يعمل من أجل الطمع والعَرَض العاجل، أعقل من الذي يعمل للرياء، لأن الذي يعمل للرياء لا يحصل له شيء، وأما الذي يعمل من أجل الدنيا، فقد يحصل له طمع في الدنيا ومنفعة.
ولما سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب «عن قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُون (١٥)﴾، ذكر أنها تشمل أنواعًا:
النوع الأول: المشرك والكافر الذي يعمل أعمالاً صالحة في هذه الدنيا: من إطعام الطعام، وإكرام الجار، وبر الوالدين، والصدقات
стр. 977
والتبرعات، ووجوه الإحسان، ولا يؤجر عليها في الآخرة، لأنها لم تُبنَ على التوحيد، فهو داخل في قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُون (١٥)﴾؛ فالكافر إذا عمل حسنات فإنه قد يجازَى بها في الدنيا، وأما في الآخرة فليس له جزاء عليها عند اللَّه، لأنها لم تُبنَ على التوحيد والإخلاص للَّه .
النوع الثاني: المؤمن الذي يعمل أعمالاً من أعمال الآخرة، لكنه لا يريد بها وجه اللَّه، وإنما يريد بها طمع الدنيا: كالذي يحج ويعتمر عن غيره، يريد أخذ العوض والمال؛ وكالذي يتعلَّم ويطلب العلم الشرعي، من أجل أن يحصل على وظيفة، فهذا عمله باطل في الدنيا، وحابط في الآخرة: وهو شرك أصغر.
النوع الثالث: مؤمن عمل العمل الصالح مخلصًا للَّه ، لا يريد به مالاً أو متاعًا من متاع الدنيا ولا وظيفة، لكن يريد أن يجازيه اللَّه به، بأن يشفيه اللَّه من المرض، ويدفع عنه العين ويدفع عنه الأعداء؛ فإذا كان هذا قصده، فهذا قصد سيِّاء، ويكون عمله هذا داخلاً في قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُون (١٥)﴾. والمفروض في المسلم: أن يرجو ثواب الآخرة، يرجو أعلى مما في الدنيا، وتكون همته عالية، وإذا أراد الآخرة أعانه اللَّه على أمور الدنيا، ويسَّرها له ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق].
النوع الرابع: وهو أكبر من الذي قبله، وهو الذي ذكره مجاهد في الآية: أنها نزلت فيه؛ وهو أن يعمل أعمالاً صالحة، ونيته رياء
стр. 978
الناس! لا طلب ثواب الآخرة.
ثم قال: بقي أن يقال: إذا عمل الرجل الصلوات الخمس، والزكاة والصوم والحج ابتغاء وجه اللَّه، طالبًا ثواب الآخرة، ثم بعد ذلك عمل أعمالاً قاصدًا بها الدنيا، مثل أن يحج فرضه للَّه، ثم يحج بعده لأجل الدنيا، كما هو واقع، فهو لما غلب عليه منهما؛ وقد قال بعضهم: القرآن كثيرًا ما يذكر أهل الجنة الخلَّص وأهل النار الخلَّص، ويسكت عن صاحب الشائبتين: وهو هذا وأمثاله» (١).
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي - وهو يتحدث عن النوع الثاني الذي سبق ذكره -: وهو الذي يعمل أعمالاً صالحة لا يريد إلا الدنيا: كالذي يتعلم من أجل الوظيفة، أو يعتمر لغيره من أجل المال فقط؛ وأما العمل لأجل الدنيا وتحصيل أغراضها: فإن كانت إرادة العبد كلها لهذا القصد، ولم يكن له إرادة لوجه اللَّه والدار الآخرة، فهذا ليس له في الآخرة من نصيب؛ وهذا العمل على هذا الوصف لا يصدر من مؤمن، فإن المؤمن - وإن كان ضعيف الإيمان - لا بد أن يريد اللَّه والدار الآخرة؛ وأما من عمل العمل لوجه اللَّه ولأجل الدنيا، والقصدان متساويان أو متقاربان، فهذا - وإن كان مؤمنًا -: فإنه ناقص الإيمان والتوحيد والإخلاص، وعمله ناقص لفقده كمال الإخلاص.
وأما من عمل للَّه وحده وأخلص في عمله إخلاصًا تامًّا، لكنه
стр. 979
يأخذ على عمله جُعلاً معلومًا يستعين على العمل والدين: كالجعالات التي تجعل على أعمال الخير، وكالمجاهد الذي يرتب على جهاده غنيمة أو رزقًا، وكالأوقاف التي تجعل على المساجد، والمدارس والوظائف الدينية لمن يقوم بها؛ فهذا لا يضر أخذه في إيمان العبد وتوحيده: لكونه لم يرد بعمله الدنيا، وإنما أراد الدين وقصد أن يكون ما حصل له مُعينًا على قيام الدين، ولهذا جعل اللَّه في الأموال الشرعية - كالزكوات وأموال الفيء وغيرها - جزءًا كبيرًا: لمن يقوم بالوظائف الدينية والدنيوية النافعة (١).
والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 980
الكلمة السادسة والثلاثون: كفارات الذنوب رقم (٢)
الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فقد ذكر شارح الطحاوية: أن من عقيدة أهل السنة والجماعة: أن فاعل السيئات تسقط عنه عقوبة جهنم، بنحو عشرة أسباب، عُرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة:
أولاً: التوبة الصادقة، قال تعالى: ﴿إِلَاّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان]. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم (٥٣)﴾ [الزمر]. وهذا لمن تاب؛ ولهذا قال: ﴿لَا تَقْنَطُوا﴾، وقال بعدها: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤].
ثانيًا: الاستغفار، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون (٣٣)﴾ [الأنفال].
روى الإمام أبو داود في سننه من حديث زيد ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ
стр. 981
إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» (١).
ثالثًا: الحسنات، فإن الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، فالويل لمن غلبت آحاده عشراته، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِين (١١٤)﴾ [هود]. روى الترمذي في سننه من حديث أبي ذر ومعاذ بن جبل ﵄: أن النبي ﷺ قال: «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» (٢).
رابعًا: المصائب، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ، حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا، أَوِ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا» (٣).
خامسًا: دعاء المؤمنين واستغفارهم في الحياة وبعد الممات، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم (١٠)﴾ [الحشر]. وقال تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨].
سادسًا: ما يُهدَى الميت بعد الموت من ثواب صدقة، أو حج،
стр. 982
أو نحو ذلك؛ روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّيَ افْتُلِتَتْ نَفْسَهَا وَلَمْ تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» (١).
وفي صحيح البخاري أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ - تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّيَ تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، فَهَل يَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا (٢).
سابعًا: عذاب القبر.
ثامنًا: أهوال يوم القيامة وشدائده.
تاسعًا: ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ؛ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ، مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا» (٣).
عاشرًا: شفاعة الشافعين؛ كشفاعة النبي ﷺ ، والنبيين، وشفاعة الملائكة، وشفاعة المؤمنين.
стр. 983
الحادي عشر: عفو أرحم الراحمين، كما قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ١١٦].
قال شارح الطحاوية: فإن كان ممن لم يشأ اللَّه أن يغفر له لعظم جرمه، فلا بد من دخوله إلى الكير أي: (النار)، ليخلص طيب إيمانه من خبث معاصيه؛ فلا يبقى في النار من في قلبه أدنى، أدنى، أدنى مثقال ذرة من إيمان، بل من قال: لا إله إلا اللَّه، كما تقدم من حديث أنس ﵁ في الصحيحين.
وإذا كان الأمر كذلك، امتنع القطع لأحد معيَّن من الأمَّة، غير من شهد له الرسول ﷺ بالجنة. ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم، ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم - أي من مكر اللَّه -، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم - أي من رحمة اللَّه - (١). اهـ.
وعلى ذلك، فقول بعض الناس: فلان لا يغفر اللَّه له، أو فلان من أفجر الناس: هو من أهل النار، أو فلان طيِّب، ورجل صالح: هو من أهل الجنة؛ كل هذه الألفاظ لا تجوز، لمخالفتها للنصوص الشرعية، ولعقيدة أهل السنة والجماعة.
روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ