١٣٥ - [محمد المصطفى الشهير وانداي الكلاوي]
القاضي محمد المصطفى الشهير واندايّ بن عثمان الكلادي رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى يدرس الفقه والتفسير والحديث والعربية، وله فهم وإدراك، لكنه يؤثر (٤٨) الراحة. قال تلميذه محمد بن محمد الأمين الكلادي: سمعت محمد بن سلك يقول: إنه لولا الطلبة الذين حرروا له قراءته لم يخرج منه شيء من الملالة.
أخذ عن الشيخ العالم الولي الصالح التقي السني محمد الطاهر بن القطب الكبير سيدي علي بن النجيب، وعن فريد دهره محمد أمان بن سيدي قطب، فنال منهما بركة، فكانت طلبته أكثر تحصيلا وتحقيقا من غيره، مع أن هناك من هو أعلم وأكثر تحقيقا منه بكثير، ولا أرى ذلك إلا من بركة شيخه أخذ عنه خلق كثير وانتفعوا به. وقال محمد الكلادي:
أخذت عنه ألفية ابن مالك ولاميته، وبعض تقرير المكودي، ومنظومة ابن الهائم في الجمل والأدوات. وهو حي الآن في عامنا هذا وهو عام أربعة عشر ومائتين وألف، فيما بلغني والله أعلم.
١٣٦ - [محمد بن أحمد بن الأمين الحرشي]
سيدي محمد بن أحمد بن شيخنا الطالب الأمين، بن الطالب الحبيب الحرشي رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى عالما نحويا لغويا عروضيا محققا موفقا. قرأ من علم الكلام أم البراهين ودليل القائد، ومن الفقه الرسالة ومختصر خليل، ومن العربية الآجرومية والمجرادية، وأدوات ابن موسى ابن إيجل، وألفية وتدقيق، وله حظ في اللغة، وكان ذكيا عاقلا فاهما محققا للمسائل كأبيه.
стр. 142
واللّيث يسري سرّه في الفرهد وكان رحمه الله تعالى صالحا نقيا تقيا سنيا، نشأ على طاعة الله تعالى من أول شبابه، مشتغلا بما يعنيه، وتاركا لما لا يعنيه. لم تلهه دنياه عن آخرته ولا آخرته عن دنياه. وكان سخيا كثير الصدقة والإنفاق على المساكين، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يفعل الخير ويدل عليه محبا للصالحين وأهل العلم والدين، بيته بيت علم وصلاح ودين وتقوى.
وكان ملازما للمسجد وصلاة الجماعة وحضور مجلس البخاري والشفا ومدح النبي ﷺ ، ويصلي بالناس في رمضان صلاة التراويح في آخر عمره بلا تطويل ممل، ولا تقصير مخل.
مولده في رمضان عام ثلاثة وسبعين ومائة وألف.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الاثنين لثلاث بقين من شعبان عام خمسة عشر ومائتين وألف، فعمره اثنان وأربعون عاما إلا شهرا والله أعلم.
١٣٧ - [مخلوف بن علي بن صالح البلبالي]
مخلوف بن علي بن صالح البلبالي رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى اشتغل بالعلم على كبر على ما قيل، فأول شيوخه العبد الصالح سيدي عبد الله بن عمر بن محمد أقيث، قرأ عليه الرسالة ورأى منه نجابة فحضّه على العلم فرغب فيه، فسافر للغرب فأخذ عن ابن غازي وغيره، واشتهر بقوة الحافظة حتى ذكر عنه العجب في ذلك ودخل بلاد السودان كنكو وكشنة وغيرهما، وقرأ هناك وجرى له أبحاث في نوازل مع الفقيه العاقب الأصمعي، ثم دخل تنبكت وقرأ بها، ثم رجع للغرب فدرس بمراكش وسمّ هناك فمرض ورجع لبلده.
وتوفي بعد الأربعين وتسعمائة. ذكره سيدي أحمد بابا بعد ترجمة الفقيه محمود بن عمر رحمهم الله تعالى.
стр. 143
١٣٨ - [مالك بن المختار بن محمد أرزاك الغلاوي]
سيدي مالك بن الحاج المختار بن الحاج محمد طالب أرزاك بن عبد الرحمان بن الحاج المصطفى الغلاوي رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى أحد الحذاق المشهود لهم بالتحقيق، وهو كما قال سميّه الإمام مالك: العلم لا بكثرة الرواية والحفظ، بل هو نور يضعه الله حيث شاء، أو كما قال. كان عالم شنجيط، يضربون به المثل في الضبط والتحقيق، وكان أكثر الناس أورادا من الذاكرين الله كثيرا، يخدم آخرته كأنه يموت غدا، ودياه كأنه يعيش أبدا. كان مبرزا في الإعراب ورواية نافع وصحيح البخاري والشفا، مشاركا في غير ذلك.
توفي رحمه الله تعالى في العام الحادي بعد المائتين والألف ودفن مع شيخه الطالب جد بن مختار بآكمون. تغمدهم الله برحمته، وأفاض علينا من بركاتهم آمين.
١٣٩ - [مسربوب الزغراني التنبكتي]
مسربوب الزغراني التنبكتي، رحمه الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى عالما فاضلا خيّرا صالحا عابدا، نادر المثل في قبيلته، لأنها لا تعرف بالصلاح. وكان من أصحاب الفقيه محمد بن عمر في بداية أمره، فاهتدى بهديه وسمع من مواعظه. قيل إنه كان في مدرسة يوما فأذنه الناس (٤٩) فقال من هو قيل زغراني فقال نصلي عليه لأجل الشيخ مسربوب، فخرج وصلى عليه. ولم أقف على تاريخ وفاته رحمه الله تعالى.
١٤٠ - [محمد بن أحمد بن أند عبد الله الولاتي المحجوبي]
محمد بن الحاج أحمد رحمهما الله تعالى.
стр. 144
هو الشيخ الفاضل السيد النبيل النبيه الصالح التقي محمد بن الفقيه الحاج أحمد بن أند عبد الله بن على بن الشيخ الولاتي المحجوبي رحمهم الله تعالى. كان رحمه الله تعالى عالما نبيها له حظ كبير في الفقه والحديث وفنون شتى، يحفظ عدة نصوص ويحضر مجلس صحيح البخاري والشفا في رجب وتالييه دائما، كثير النقل، نقل من المسائل والفوائد ما لو جمع ورتب لكان فيه تأليف ضخم، كثير المطالعة والتحصيل، يطالع الكتب من الصباح إلى أن تكاد الشمس تغرب لا يحول بينه وبينها إلا الفرض أو أمر مهم من أمر دنياه، فلا ترى كتابا من خزانة والده الحاج أحمد، وهي خزانة كبيرة نفيسة، ولا من خزانة جده لأمه عمر الولي، نفعنا الله تعالى بهما، إلا وتجد نقله وطرره في هوامشه طلبا لتحصيل المسائل وتقريبها، فهو ملازم لهذا العمل الصالح في جميع أوقاته رحمه الله تعالى. وكان رحمه الله تعالى آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر قوالا للحق لا يخاف في الله لومة لائم، نفّاعا بجاهه يشفع للمظلومين إذا دخل الظلمة في ديارهم، يحب الفقراء والمساكين ويجالسهم في المسجد وينفعهم.
توفي رحمه الله تعالى في صفر عام اثنين وسبعين ومائة وألف.
١٤١ - [محمد بن بابا عبد الله (الوداني الحاجي اليعقوبي)]
محمد بن بابا رحمهما الله تعالى.
هو الشيخ الفقيه النحويّ محمد بن بابا عبد الله بن باب جندي بن سيدي الأمين بن سيدي محمد بن علي بن يعقوب [الوداني الحاجي اليعقوبي] (٥٠) رحمهم الله تعالى. كان رحمه الله تعالى فقيها نحويا لغويا ماهرا في العربية، له حظ في القراءات والمنطق والبيان، حسن الخطّ سريع اليدبه. مولده عام ثلاثة أو أربعة وستين ومائة وألف.
وتوفي في أوائل جمادي الآخر عام خمسة عشر ومائتين وألف رحمه الله تعالى.
стр. 145
١٤٢ - [محمد الأمين بن أحمد بن البشير السوقي الجبيهي]
سيدي محمد الأمين بن الطالب سيدي أحمد بن البشير بن محمد السوقي نسبا. الجبيهي دارا ووطنا، رحمهم الله تعالى.
كان - رحمه الله تعالى - إماما يقتدى به في العبادات والمهمات، اجتمعت فيه خطط، عالما علامة كلاميا محدثا فقيها نحويا إعرابا وتصريفا. وله اليد الطولى في التصريف إعلالا وتعويضا واعتلالا، متقنا للقراءات السبعة، فاق أشياخه فيها وفيما قرأ عليهم. وجلّ انتفاعه من والده رحمه الله تعالى همة وتعليما. سأل بعض الكبراء والده من معاصريه: أيهما أعلم؟ أعني صاحب الترجمة ووالده، فقال لا أبلغ كعبي محمد الأمين. ووافق اشتغاله بالتعليم زمن الفتن والحروب والغلاء وتراكم الأهوال بوجوه، فلم يشغله ذلك كله عن التعليم، بل جاهد مجاهدة حتى فتح الله عليه والحمد لله. وتصدر للتدريس من صغره في الفنون (. . .) (٥٠ م) ويسبق لبيان علل (٥١) وجوه وتوجيهات القراءات السبعة وعلل رسمها حذفا وحملا ونقلا ووصلا وفصلا وغيرها من إقليمه، وفي علل وقفها سنيا واصطلاحا إفرادا وإردافا، مشتغلا بعلومه وتدريسها من صغره إلى كهولته، بل إلى أن توفاه الله، وبما يعنيه عما لا يعنيه، وعن بعض المباح زاهدا فيه مع تهيئ الأسباب والحمد لله، لا شتغاله بعلومه وتعليمه وأوراده قرآنا وصلاة وأذكارا ولزوما للمحاريب السنيات واستفتاحا بها.
وكان يبعث إليه بالمشكلات، ويستند إليه من المعضلات، ويرحل إليه من الأقطار للتعلم. وظهر نفعه ونفع في القريب والبعيد، والحاذق والبليد، واللاهي والجادي، والحاضر والبادي، معمرا أحيانه بذلك
стр. 146
وبالفصل بين المسلمين بالعدل، ولا يكتب الحكم بينهم إلا بأساس على القرآن والحديث ثم القواعد فالفروع، لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يستحيي من أحد ما في الشرع من هينه ولينه. واشتهر عدله عند بلده حتى كانوا يقرون بظلم من أبى شرعه والحكم عنده، ولا يطلب الرشا ولا يقبلها، وربما أفشى سر من أراد إعطاءه شيئا ويقول له: تريد أن تعطيني أعطه لخصمك على رؤوس الأشهاد. وأحب الخصماء عنده من تفاصلوا بينهم قبل وصوله. وإليه انتهت رياسة الإفتاء والقضاء في قطره.
ومن بركة عدله وعلامته عدم إظهار الحسد من معاصريه من العلماء والقضاة وغيبته، بل أظهروا فضله وشهدوا بعدله. رأى والده عند طلق أمه به خديجة ابنة عبد الله المحفوظية - رحمها الله تعالى - في النوم أن النبي ﷺ يرشّ أي الوالد بالماء، فانتبه مسرورا. ورأى هو نفسه النبي ﷺ فقال: هل رأيت ما ادخر لك الله؟ فقال له: إلى الآن، فظهر والحمد لله مضمن الإهمال في الدنيا، ونرجو من سعة فضل الكريم الواسع أن يمن بمضمن الإعجام في الآخرة.
وكان صدوق اللهجة من صغرة بالتواتر لم يقبض عليه كذب فيه إلى أن توفي رحمه الله تعالى. روي أنه زار الفقيه العلامة القاضي سنبير بن القاضي سيدي الوافي مع بعض الأعيان، فقال له العلامة سنبير: من أنا؟ قال له: قال لي فلان أنت سنبير، فعجب الحاضرون من صدقه وإسناده للأخبار. وكان ينطق بما سيكون في المستقبل كرجوع الآبق وظهور بعض الأمور على وفق إخباره تحديثا. إنّ منكم محدّثين. وكان لا يلتفت إلى كبير إلاّ بالاستقامة، وكثيرا ما يقول: ميزان الشرع امتثالا واجتنابا بأيدينا، وهو الفصل بين الناس والمعيار. ولا ينكر على مدّع من أهل الادعاء ويلاطفهم ويقضي عنهم التسليم، ويعذر أهل الانتساب إلى الله ويكلهم إلى الله ولا يعارضهم، ويمازح قليلا تلامذته بطرح المسائل وباللحن الخفي، ويلاعب صبيان أقاربه صلة، وصله الله تعالى.
стр. 147
١٤٣ - [محمد بن يوسف الفاسي]
سيدي محمد مؤلف الطرفة. هو الشيخ بن الشيخ الكبير أبي المحاسن سيدي يوسف بن محمد الفاسي. هو الشيخ الفقيه الإمام العالم العلامة الحبر البحر الفهامة شيخ الشيوخ أبو عبد الله سيدي محمد الشهير بالعربي ابن الشيخ الكبير أبي المحاسن سيدي يوسف بن محمد الفاسي رحمه الله تعالى. ألف كتاب المراصد في علم التوحيد، وهو كتاب جليل مفيد. وهذه الطرفة في ألقاب الحديث. وله منظومة في الذكاة. وبيته من بيوت العلم في فاس، بيت مشتهر بالعلم فيه عدة من الفقهاء.
١٤٤ - [عبد القادر بن علي بن يوسف الفاسي]
منهم ابن أخيه الفقيه عبد القادر بن الفقيه سيدي علي بن أبي المحاسن سيدي يوسف الفاسي رحمهم الله تعالى. له عقيدة في التوحيد ومقدمة في قواعد الإسلام الخمسة في ربع العبادات، وله النوازل المشهورة بنوازل الفاسي، وله تكميل المرام في شرح شواهد ابن هشام (٥٢).
١٤٥ - [عبد الرحمان بن عبد القادر الفاسي]
وإبنه أبو زيد سيدي عبد الرحمان بن الفقيه سيدي عبد القادر صاحب نظم العمليات وشرحها.
١٤٦ - [محمد المهدي بن أحمد بن علي الفاسي]
ومنهم الشيخ الإمام العالم العلامة الصالح البركة الزاهد الورع أبو عبد الله سيدي محمد المهدي بن الفقيه العلامة المدرس المحقق أبي العباس أحمد بن الفقيه أبي الحسن سيدي علي بن أبي المحاسن سيدي يوسف بن محمد الفاسي رحمهم الله تعالى، (مؤلف مطلع المسرات بشرح
стр. 148
دلائل الخيرات. وأمه ابنة أبي العباس أحمد بن أبي المحاسن يوسف بن محمد الفاسي رحمهم الله تعالى ونفعنا بهم وبعلومهم آمين آمين آمين.) (٥٣).
ومنهم صاحب نظم الدول ولا أدري أيهم هو والله أعلم.
١٤٧ - [المختار الكنتي بن أحمد بن أبي بكر الكنتي ثم الوافي]
الشيخ سيدي المختار القطب الرباني، والغوث الصمداني، الولي الصالح ذو البركات الشهيرات، وشيخ الأشياخ السادات، من ظهرت بركاته شرقا وغربا. ومناقبه في الناس عجما وعربا، ساقي المريد، وعمدة أهل التوحيد، شيخ المحققين، ومربّي السالكين، أبو المواهب السنية، صاحب الأخلاق المرضية، ذو الكرامات الظاهرة، السيد الأسني، والذخيرة الحسنى، الشيخ سيدي المختار بن أحمد بن أبي بكر الكنتي ثم الوافي رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى وليا عابدا زاهدا، يأتونه المريدون من كل فج ومكان، وله تآليف كثيرة، منها تفسير البسملة في نحو كراسة، وتفسير الفاتحة في جزء أتى فيه بالعجب العجاب، بحيث يمكث نحو السبعة أيام أو أكثر يكتب على آية واحدة. وبلوغ الوضع على الآيات التسع في جزء، وهي تسع آيات سأله عنها بعض علماء السودان كالممتحن له، فأجابه عنها أحسن ما ينبغي. ونضار الذهب، في كل فن منتخب في ثلاثة أجزاء. ونزهة الراوي وبغية الحاوي. في جزءين على القالب الكبير، وهو في غاية النبل. سمعته أي محمد الكلادي، لما نقلت بعضها من خطه رحمه الله تعالى يقول: إنه لم يسبق بمثله. وهداية الطلاب وهو مختصر في الفقه، وشرحه شرحا سماه فتح الوهاب على شرح هداية الطلاب في أربعة أجزاء ضخام جدا، بحيث لو وسط لأتى في سبعة ونحوها.
стр. 149
والشموس المحمدية في التوحيد. والجرعة الصافية والنفحة الكافية بديعة المنوال في جزء. والرسالة في علم التصوف، وشرح المقصور والممدود لابن مالك في جزء. وكشف اللبس فيما بين الروح والنفس؛ ونصيحة المنصف المبصر المتعطف في خمسة كراريس، والأجور المهمة لمن له بأمر الدين همة؛ وزوال الإلباس في طرد الشيطان الخناس. والبرد الموشى في قطع المطامع والرشى في جزءين. وألفية في العربية، وجذوة الأنوار في الذب على أولياء الله الأخيار، والممزوج وهو تأليف جمع فيه بين الحقيقة والشريعة. وشرح قصيدته التي مطلعها:
شغف الفؤاد بحبّ ذات الواحد ... والسّرّ أنبا عن مقرّ جاحد
ونفح الطيب، في الصلاة على النبي الحبيب. ويتيمة الليالي، في إقحام علماء تنيالي. وكان رحمه الله تعالى شاعرا مفلقا، وشعره كثير جدا في سائر ضروب الشعر يجيء منه مجلدا، وكذلك أحزابه وأدعيته ورسائل كثيرة لأصحابه. وقد راسله المرتضى من مصر ومنحه، وبالله التوفيق.
وهذه ترجمة المؤلف ملحقة لمن في حرف الميم، لأن من كان مثله أحق أن يؤلف عليه تأليف، وأحرى أن تذكر مناقبه، ولو كان من شأن الكرام أن يتركوا مناقبهم، لا يدع المؤلف ذكر نفسه في هذا الباب.
والذي ترجم له وذكر بعض مناقبه الشيخ إبن الطالب الصغير بن أبي بكر بن الحاج عبد الرحمان البرتلي فقال فيه: (*)
стр. 150
حرف الصّاد
١٤٨ - [صديق بن محمد تغل الكابري الجنجوجي]
الإمام صديق بن محمد تغل (١) رحمهما الله تعالى. وهو كابري الأصل، جنجوجي (٢) المولد.
كان رحمه الله تعالى عالما فقيها فاضلا خيرا صالحا. ارتحل من جنج إلى تينبكت وتوطن فيها. وسبب ارتحاله أنه صور يوما صورة من مسائل الفقه في مدرسة، وهناك من طلبته من ارتحل إلى تنبكت بعد ما قرأ عليه ثم رجع إلى جنج فقال صورة هذه المسألة ليست هكذا على ما سمعت من الفقهاء في تنبكت، فقال الشيخ: وما هي؟ فقال: كذا وكذا. قال الشيخ: ضيعنا عمرنا باطلا وارتحل إلى تنبكت رحمه الله تعالى.
وولاه القاضي محمود بن عمر الإمامة لما توفي الإمام سيدي علي الجزولي رحمه الله تعالى، بعد أن أمر الفقيه الفاضل عثمان بن الحسن بن الحاج التشيتي أن يكون إماما فامتنع، وقال له القاضي محمود لا تخرج من يدي حتى تدلني على من يستحقها، فدله على الفقيه صديق بن محمد
стр. 151
تعل، فقبلها فصار إماما في الجامع الكبير بتنبكت، وانعقدت المحبة بينه وبين الفقيه عثمان المذكور وتحابا في الله تعالى، وصارا صديقين ملاطفين بحيث لا يتجهز للجمعة إلا في داره لشدة المحبة، وإذا تغدى أحدهما يبعث ببعض طعامه إلى دار الآخر، وكذلك إذا تعشى. ثم شرق الإمام صديق للحج فحج وزار واجتمع مع كثير من الفقهاء والصالحين، منهم العارف بالله تعالى سيدي محمد البكري الصديقي، وهو يحب فقهاء تنبكت كثيرا وأخذ يسأله عنهم وعن أحوالهم حتى قال له الذي استنيب يصلي بالناس بعدك رجل صالح. ولما رجع من الحج أتاه حبيبه النائب عثمان فسلم عليه وحمد الله له على السلامة وقال له أدع الله لي أنت وقفت في المواقف الكرام، فقال له الإمام صديق: بل أنت الذي تدعوا الله لنا، وأنت قال فيك العارف بالله تعالى سيدي محمد البكري رجل صالح.
وقال صاحب الترجمة: أخبرني العارف بالله تعالى القطب سيدي محمد البكري الصديقي إن عمارة تنبكت في عمارة صومعة الحاج الكبير لا يفرط إماما فيها انتهى. ومكث في الإمامة نحو أربع وعشرين سنة والله أعلم.
توفي ﵀ في صدر ولاية القاضي العاقب بن القاضي محمود بن عمر. والقاضي العاقب تولى القضاء عند وفاة أخيه القاضي محمود بن القاضي محمد بن عمر سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة، رحمهم الله تعالى.
١٤٩ - [صالح تكن بن محمد بن عمر]
الفقيه صالح تكن ابن محمد بن عمر رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى شيخا معمرا مستحرما عند السلاطين، يشفع للمساكين ولا يردون شفاعته على كل حال. ألف شرحا على مختصر الشيخ خليل رحمه الله تعالى، ولم أقف على تاريخ وفاته.
стр. 152
١٥٠ - [صديق بن الحسن بن ألفغ محم]
الصالح التقي الطالب صديق بن الطالب الحسن بن ألفغ محم رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى مقطوع النظير ورعا، ذو دين واجتهاد في العبادة. له مراسلة مع الشريف الشاب رحمه الله تعالى، سأله فيها عن حكم تبغ، وأجابه الشريف بنظم ونثر. وهو قصيدة الشريف مطلعها:
إلى الطّالب الصّدّيق ... من قد تحمّنا (كذا)
وقبره في تكب يزار مجرب لقضاء حوائج الزائر. وكان رحمه الله تعالى صائما بالنهار وقائما بالليل، ذو البركات الشهيرة.
توفي ﵀ في ذي القعدة الحرام عام ثلاثة وسبعين وألف، وله من العمر أربع وتسعون سنة والله أعلم. ونقلت ترجمته من خط ابن أخته الطالب عمر بن محمد نضّ البرتلي غفر الله تعالى لي ولهما ولوالدينا ولي ولجميع المسلمين آمين.
١٥١ - [صنب بن موسى العلوي]
الطالب صنب بن الطالب موسى العلوي رحمهما الله تعالى، مات شهيدا قتله أحد لصوص انبارك ظلما وعدوانا عام ثلاثة ومائة وألف.
١٥٢ - [صالح بن عبد الله بن أبي بكر، الزحاف الأيديلي]
الطالب الفقيه الحاج صالح بن الفقيه عبد الله بن الطالب أبي بكر بن محم بن أبابك بن الطالب محم الزحاف الأيديلي (٣) رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى عالما فقيها فاضلا سنيا سخيا وصولا للرحم كثير الصدقة والمعروف، حسن الخلقة حسن الأدب حسن الخط، ذا مروءة
стр. 153
جميل العشرة، ملازما للمسجد كثير النوافل. وكان رحمه تعالى إذا اهتم بحاجة يسرها الله تعالى له، وهذه كرامة تعدله، ملازما حضور مجلس البخاري ومجلس الشفا رحمه الله تعالى. قرأ صغرى السنوسي ودليل القائد والرسالة على شيخنا الطالب الأمين بن الطالب الحبيب رحمهم الله تعالى. وكان كثير المجالسة له يحبه، ونال منه بركة. وقرأ بنافع على شيخنا الفقيه البشير بن الحاج الهادي، وقرأ عليه مختصر الشيخ خليل.
وكان رحمه الله تعالى يدرس هذه الكتب بتحقيق وبحث وتدقيق (٤).
حج رحمه الله تعالى في العام الرابع بعد مائتين وألف، وجاور بالمدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام لأجل الحج، حتى حج حجته الثانية التي توفي فيها رحمه الله تعالى. وسبب مجاورته للحج أنه حضر بعض مجلس الشفا وسمع حكاية عن رجل لم تحرقه النار فيه، ونص الشفا فيه: وحكى أن قوما أتوا سعدون الخولاني المستنير فأعلموه أن رجلا قتلوه كتامة وأضرموا عليه النار طول الليل فلم تعمل فيه وبقي أبيض اللون، فقال لعله حج ثلاث حجات، قالوا نعم. قال حدثني أن من حج حجة أدى فرضه، ومن حج ثانية داين ربه، ومن حج ثالثة حرم الله شعره وبشره على النار انتهى.
مولده رحمه الله تعالى ليلة الجمعة ليلة ست وعشرين من ربيع الآخر من العام الحادي والأربعين بعد المائة وألف.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي الحجة الحرام في حجته الثانية في العام الخامس بعد المائتين والألف.
ولم أر من أذكره في حرف الضاد.
стр. 154
حرف العين
العبادلة (١)
١٥٣ - [عبد الله بن أحمد بري بن أحمد]
عبد الله بن أحمد يرى (٢) بن أحمد بن الفقيه أندغمحمد (٣) الجد رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى فقيها متفننا في زمنه، نحويا لغويا متواضعا قارئا. شهر في زمنه بعلم القراءة والتوثيق رحمه الله تعالى.
توفي رحمه الله تعالى في رجب العام العاشر بعد الألف.
١٥٤ - [عبد الله البلبالي]
عبد الله البلبالي رحمه الله تعالى.
هو أول من صلى بالناس في الجامع الكبير من البيض، وأيمته قبل هذا الشيخ كانوا من السودان. كان رحمه الله تعالى من عباد الله الصالحين زاهدا ورعا لا يأكل إلاّ من عمل يده، وظهرت له كرامات وبركات. دخل عليه سارق وطلع على نخلة كانت في عرصة داره يريد أن يسرق ثمرها،
стр. 155
فلصق على النخلة إلى الصباح، فعفا عنه وأمره بالنزول فنزل وخرج.
ومن كراماته أنه وقع مرض في تنبكت قل من سلم منه، فاحتطب يوما على رأسه وباعه في البلد. فكل من أوقد من ذلك الحطب نارا واصطلى عليه شفاه الله تعالى من ذلك المرض وبريء من حينه. ثم عاود فكان كذلك حتى فطن الناس له وصار بعضهم يخبر بعضا به، فازدحموا على شرائه فرفع الله تعالى ذلك المرض عن الناس ببركته. من أهل القرن التاسع والله أعلم.
١٥٥ - [عبد الله بن محمد بن عمر]
عبد الله بن الفقيه القاضي محمد بن عمر رحمهم الله تعالى.
كان رحمه تعالى عالما فقيها متقللا من الدنيا مع ما بسط الله تعالى له فيها من الرزق حتى كاد أن تعرف نهايته. أخذ هو وأخوه سيدي عبد الرحمان عن ابن عمها الفقيه الحاج أحمد بن الحاج أحمد رحمهم الله تعالى.
توفي رحمه الله تعالى في أول يوم شعبان عام ستة بعد الألف.
١٥٦ - [عبد الله (أند عبد الله) بن أحمد الولاتي]
عبد الله الملقب بأند عبد الله بن سيدي أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن الفقيه عثمان بن محمد بن يحيى بن تنمر الولاتي رحمهم الله تعالى.
كان فقيها نحويا، شرح الآجرومية شرحا حسنا مختصرا، وله قصيدة في مدح النبي ﷺ مطلعها:
خير حمدي للإله ... وهو باق لن يزالا
كان حيا عام سبعة وثلاثين وتسعمائة، وتوفي في السابع أو الثامن بعد ثلاثين والالف، فهو من المعمرين رحمه الله تعالى.
стр. 156
١٥٧ - [عبد الله بن محمد بن أحمد البوحسني المغربي]
عبد الله بن محمد بن أحمد بن عيسى البوحسني المغربي رحمهم الله تعالى. حج بيت الله الحرام وزار، وأخذ إضاءة الدجنة إجازة عن أبي مهدي مفتي الحرمين ومسندهما عيسى بن محمد بن أحمد الجعفري الثعالبي الجزائري المالكي، عن أبي الصلاح علي بن عبد الواحد الانصاري السجلماسي، عن مؤلفها، وأخذها عنه العلامة سيدي محمد بن المختار بن الأعمش إجازة في جملة ما أخذ عنه من الإجازات، وكتب إليه بعد قدومه من الحرم الشريف يرغبه في وضع شرح عليها، وقد وجه إليه بنسخة منها. قال ابن الأعمش فأجبته رجاء محصول دعوته، قال ولما أتاني كتابه العزيز علينا بكلامه الفائق، أيقظني من سنة الغفلة والكسل بقوله الرائق:
أسيدنا إن عاق عمّا أريده ... وأنويه من تجديد عهدك عائق
وحالت صروف الدّهر دون إرادتي ... فإنّ اعتقادي في المحبّة صادق
فأثار ذلك ما كمن في الفؤاد من الاشتياق، ومالت النفس إلى لذة الوصول بعد طول الافتراق، فقلت:
بنا ضعف ما تشكو من الحبّ دائما ... وإن حال عن وصل صروف طوارق
عسى طول هذا البعد يعقب راحة ... من الوصل وتفنى لدينا عوائق
ولم أقف على تاريخ وفاته، ولكنه معاصر لابن الأعمش، رحمهما الله تعالى.
١٥٨ - [عبد الله بن الأمين بن أهن، اليعقوبي الوداني]
عبد الله بن الأمين بن أهن - بفتح الهمزة وسكون الهاء وفتح النون - بن محمد الجلل بن محمد بن وائل بن محمد بن يعقوب نسبا الوداني وطنا، رحمهم الله تعالى.
стр. 157
كان رحمه الله تعالى شيخا فقيها جليلا فاضلا مفتيا له حظ في الحديث والأخبار، لم أقف على تاريخ وفاته. ولكنه كان معاصرا للفقيه محمد بن أبي بكر بن الهاشم رحمهم الله تعالى.
١٥٩ - [أند عبد الله (بابا) بن عمر بن علي الولاتي]
أند عبد الله الملقب ببابا وبه عرف، بن عمر بن علي بن أند عبد الله بن سيدي أحمد الولاتي رحمهم الله تعالى.
ولد في السابع أو في الثامن بعد ثلاثين وألف يوم وفاة جد أبيه أند عبد الله بن سيدي أحمد، فسمي باسمه.
وتوفي رحمه الله تعالى آخر يوم رجب عام ستة وثمانين وألف.
١٦٠ - [عبد الله بن أبي بكر بن علي الولاتي]
عبد الله بن أبي بكر بن علي بن الشيخ الولاتي رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى فقيها نحويا قاضيا عدلا في قضائه، بصيرا بالأحكام والوثائق إماما في الجماعات، جمع بين وظيفتي القضاء والامامة، وما رأيت من جمع بينهما في بلدنا إلا هو والفقيه أحمد الولي رحمهما الله تعالى. وكان كاتبا بارع الخط، خطه من أحسن الخط، يزيد الحق وضوحا، بيته بيت علم وجلالة ونباهة، مكث فيه العلم أكثر من ثمانين سنة، وذلك من نشأة والده إلى وفاة ابن أخيه الفقيه محمد بن علي، وهو آخر فقهائهم رحمه الله تعالى.
أخذ عن الفقيه محمد بن أبي بكر بن الهاشم وغيره، وأجازه الفقيه العلامة أبو عبد الله سيدي بن المختار بن الأعمش الموطا للإمام مالك بن أنس رحمهم الله تعالى، والجامع الصحيح للبخاري، وصحيح مسلم، ومختصر الشيخ خليل، وتوضيحه، وألفية العراقي، والحكم لابن عطاء الله بعد أن أجازه أول كل شيء الحديث المسلسل بالأولية، وهو ما حدث
стр. 158
به إجازة الشيخ صالح نزيل الحرم الشريف في جوار المصطفى ﷺ ، أبو إسحاق إبراهيم بن حسن بن شهاب الدين الكردي الشافعي المدني، عن شيوخه بالأسانيد العالية إلى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: الرّاحمون يرحمهم الله، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السّماء.
له فتاوى مفيدة وقصيدة لامية نحو ثلاثين بيتا في معاني الحروف أي حروف الجر، استوفى فيها ما أتى به الأشموني من معانيها. وشرحتها شرحا حسنا مفيدا سميته فتح الرب الرؤوف، في شرح قصيدة معاني الحروف. وله قصيدة نونية في الدعاء في بحر المتقارب، وهي منفرجة عجيبة، مطلعها:
حمدت إلهي على امتنان ... بحمد يوافي أيادي الإحسان
توفي ﵀ في العام الثاني والعشرين بعد المائة والألف.
١٦١ - [عبد الله بن محمد بن عبد الله الشنجيطي العلوي]
سيدي عبد الله بن محمد بن الفقيه القاضي عبد الله الشنجيطي العلوي رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى فريد دهره، ووحيد عصره، صدرا من صدور العلماء، ومفخرا من مفاخر الأدباء، فصيح اللسان، ذكي الجنان، عارفا بعلم أصول الدين والتفسير والحديث والفقه والأصول، برع في النحو واللغة والأدب وعلم البلاغة من المعاني والبيان والبديع، مهر في هذه العلوم كلها، إماما فقيها مهذبا فيها على أهل عصره، عارفا بالعروض خبيرا بالنحو واللغة والغريب والبيان وصناعة البديع وميزان العروض والخبر والنسب والتاريخ، ماهرا في المنطق مستحضرا عنده بحيث لا يكاد يتكلم في فن إلاّ خرج إليه، مجمعا على بلوغه الغاية في لسان العرب والأدب والبيان والمنطق. له حظ من علم الحساب الأعداد وعلم الهندسة والله
стр. 159
تعالى أعلم. محققا ماهرا في الفنون، جامعا لشتات العلوم. رزق من الدراية والفهم والراوية حظا، كان الكلام طوع لسانه، كان أشعر زمانه، وفارس ميدانه، شهد له بذلك الموافق والمخالف، وأقر به المعادي والمحالف، يورد في شعره من محاسن البديع ما تعجز عنه أفهام البلغاء وألسنة الشعراء، كأنه شعر العرب المولدين. قال الفقيه عمر بن بابا بن عمر الولاتي رحمه الله تعالى لما وقف على قصيدة أخينا سيدي عبد الله بن محمد بن القاضي الحائية التي مدح بها ابن الشريف، اعجبتني فقلت مذيلا لها ببيت.
كذا فليكن من ينشد الشّعر أو ويدع ... وإلاّ فقد يأتي بما يوجب الفضحا
وعثرت (كذا) أعني صاحب الترجمة الطالب محمد، منها قوله فكن قمرا الخ بقولي.
تعرّض لنفحات الإله برحلة ... وسام العلى بكلّ وجه وحيلة
وإن رمت أن تحظى بعز ودولة ... فكن قمرا يبري الدّجا كلّ ليلة
تفتّح لك الأبواب حينئذ فتحا ... وسافر ففي الأسفار صحبة جلّة
وصحّة أجسام وإذهاب علّة
ولا تالف الأوطان تظفر بوصلة ... كل الأرض بالتّسيار أيّة كيلة
ولا تك كالقمريّ يستعذب الصّدحا
انتهى. صدح الطائر كمنع صدحا وصداحا رفع صوته بغناء، قاله في القاموس.
والشريف الممدوح بالقصيدة هو مولاي محمد بن أمير المؤمنين مولاي إسماعيل، وهي قصيدة بديعة في غاية الحسن، واحد وخمسون بيتا والله أعلم.
أخذ عقائد أهل السنة وعلم المعاني والبيان وعلم المنطق عن عدة
стр. 160
من الأشياخ الجلة الذين أدركهم في المغرب الأقصى وسوس الأدنى، كالسيد أحمد العطار، وأبي مدين القاضي الأكبر، والسيد أحمد بن يعقوب الولالي عن سيدي محمد ميارة الفاسي، عن سيدي أحمد المقري عن عمه الإمام سعيد المقري، عن ابن ملال، عن شيخه سعيد الشهير بالكفيف، عن الإمام السنوسي رحمهم الله تعالى ونفعنا بهم.
وتخرجت به جماعة وافرة، منهم شيخنا الفقيه سيدي أحمد بن سيدي محمد بن موسى بن إيجل الزيدي، فسر عليه القرآن وقرأ عليه تآليف السنوسي، وإضاءة الدجنة، وقرأ عليه ألفية العراقي وصحيح البخاري، وجمع الجوامع لابن السبكي، وتلخيص المفتاح لابن هشام، وديوان امرئ القيس، والسلم، ومختصر السنوسي في المنطق. له نظم في البيان نظم فيه معظم التلخيص في نحو خمسمائة بيت سماه: نزهة المعاني في ظهور البيان والمعاني. وله تأليف في المنطق، وله قصيدة عجيبة فائقة في مدح النبي ﷺ ، وله أجوبة عجيبة عن أسئلة للفقيه محمد بن علي الولاتي رحمهم الله تعالى، تشهد بتبحّره في الفنون أجاب فيها نثرا ونظما وأجاد وأفاد، ولا سيما جوابه عن مسألة البيان. ومن نظمه قبل وفاته.
تبهّجت عند الموت، والموت بغيتي ... ولو كنت هتّاكا لما الله حرّما
وطابت بها نفسي لأنّي قادم ... على خير ممدوح عليه وأكرما
عسى غافر الزّلاّت يغفر زلّتي ... ويستر أوزاري وما قد تقدّما
وغير ذلك. وتوفي رحمه الله تعالى عام ثلاثة وأربعين ومائة وألف.
ورمز شيخنا الفقيه سيدي محمد بن موسى بن إيجل لعام وفاته بيتا في روي الفشتالية وهو قوله:
لشنجيط أمّ السيد العلم الرّضا ... أخي الفهم عند الله فتح المقفّل
والرمز في «لشنجيط أم» وفتح مبتدأ مؤخر، ولشنجيط خبر مقدم.
стр. 161
١٦٢ - [عبد الله المكي]
عبد الله المكي، رحمه الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى من الأولياء أهل الكشف والكرامات، جاءه يوما بعض الصالحين وقد حبس المطر عن الحرث والأنعام، فقال سل الله تعالى لنا الغيث للحرث والبهائم، فرفع يديه ودعا فجاء المطر الكثير وصلح الحرث ونعمت البهائم في ذلك العام. ثم جاءه في سنة أخرى وقال له مثل ذلك، فرفع بصره إلى السماء ونظر فقال له: يا أيّها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا الآية، ولم يدع له، فلم يأت المطر في تلك السنة ولم يكن الحرث. وسأله يوما بعض الصالحين الرقي لأخت له صالحة مريضة، فجعل يدعو لها بالرحمة فتوفيت من ذلك المرض. وقبل ذلك إذا سأله الدعاء لها وهي مريضة يدعو لها بالشفاء فتبرأ. ودخل عليه يوما رجلان صالحان من أهل ولاته وهو مريض في قرية من قرى السودان ورأياه في حالة من المرض خافا عليه الموت، فجعل يقول: أنا كلب الشيخ عبد القادر، أنا باب الشيخ عبد القادر، وقال لهما: خفتما عليّ الموت، أنا لا أموت هناك لا أموت إلا في ولاتة حذاء أخي أحمد. فكان الأمر كذلك، فكان قبره في ولاتة قريبا من قبر أحمد بن الطالب مؤمن رحمهم الله تعالى.
وكان لا يمسك شيئا من الدنيا أتاه، فجمع عنده يوما ملاحف وأودعها عند حبيب له، ففرح الحبيب وقال له هذه أنميها له، فأتاه يوما بمساكين وغرباء فقسمها عليهم، فقال له حبيبه: لم فعلت هذا؟ وأراد أن يحبسها، فغضب عليه وقال له: ليست هذه طريقتي ولا طريق شيخي.
وكان يتزوج بالفقيرات واليتيمات، وقد أرادت يوما إحداهن أن تحجر على شيء مما أتاه الله تعالى من فضله، فغضب عليه وتزوج بامرأة أمّها صالحة، فكانت صهرته هذه تتبعه في الفلوات، فإذا جاء المطر يطلع إلى الجبل فتمطر ويشرب من كل ماء رأه حابسا أو جاريا من المطر، ويمر على
стр. 162
الجبل مرورا سريعا وهي تتبعه وتفعل ما فعل حتى نشزت ابنتها وأحبت فراقه، فجاءها الشيخان الآمران بالمعروف شيخنا الطالب الأمين والحاج أبو بكر بن الحاج عيسى رحمهما الله تعالى ونفعنا بهم آمين وقالا لها، لا بد أن تخالعيه لأنك ناشز، فخالعته بخلاخل من حليها، وأخذا منها الخلاخل وفرقا بينهما، فسمع بخبر الخلاخل وأتاهما وأخذهما وتصدق بهما على صهرته أمها وقال لها: إن العلماء يحبون الدنيا.
وكان يحرث حرثا قريبا من الديار ويأتيه الصبيان ويملأ كل واحد منهم طرفه له من الفواكه وهو ينظر إليهم وهم يحسبون أنه لا يراهم، فإذا أخذوا حاجتهم قال لهم رأيتكم، فيفرون بما أخذوا من حرثه فيضحك منهم ولا يتبعهم، وتنزل فيه الغربان فتأكل وتفسد ولا يطيرها ولا يزجرها عنه. وقد جعل الله تعالى قبره في حرثه هذا. وربما أخذ الصبيان ذئبا فيشتريه منهم ويطلقه. وسمعت أنه أرسل مرة ظرفا من الزرع مع رفقة، وأمر الذي أرسله معه أن يصبه لحمام آنج والطيور ففعل. ومن كراماته أنه يطأ في النار ولا تحرقه، وكان مرة في الشتاء في رفقة كبيرة من أهل ولاتة في قاع كرم، وهو قاع واسع كثير الخشب، وأوقد أهل كل رحل من الرفقة نارا عظيمة للاصطلاء من أجل البرد، فقام أحد كبراء الرفقة من الليل وذكر الله تعالى وقال لا إله إلا الله، فقال أخي فلان قلها، فأعادها، ثم قالها هو وقام ناس من الرفقة فقالوها، فجعل يطأ النيران العظيمة بقدميه ويرقص عليها ويقول لا إله إلا الله ويقول شدوها حتى أطفئ تلك النيران كلها، يطؤها كأنها ماء بارد لا تحرقه، فقام بعض أهل الرفقة فتعجب أهل الرفقة كلهم من هذه الكرامة الباهرة.
وبالجملة فهو من الأولياء الذين ظهرت بركاتهم وكراماتهم. كان حيا عام خمسين ومائة وألف، وقد قال الطالب علي بن الطالب عمر البرتلي إنه مكتوب على قبره بقلم القدرة: تقي، رحمه الله تعالى ونفعنا به آمين.
стр. 163
١٦٣ - [أند عبد الله بن أحمد بن أند عبد الله الولاتي]
أند عبد الله بن أحمد بن أند عبد الله بن الشيخ الولاتي ثم المحجوبي، قاضي ولاتة المشتهر ذكره وعلمه وحكمه في بلادنا.
كان رحمه الله تعالى زاهدا في الدنيا لا يملكها، وليست همته متوجهة إليها، فما الدنيا عنده وإن تلاطمت بالأمواج، وتزينت بالابتهاج، إلاّ كصبابة، وأصغر في عينيه من ذبابة. وكان سخيا. فقد جاءته يوما هدية عظيمة وعنده بعض مواليهم، فقال له: دونك هذا! فإن من عادتي أن من حضر من أهلي لشيء أتاني من الدنيا فهو له. ولا يمن بما أعطى ولا يطلب فيه ثوابا حتى كأنه لم يعط شيئا. وكان حليما فكان أحنف زمانه، فلا يدانيه أحد في الحلم. وكان رحمه الله تعالى غرة أهل عصره في الحكم والفتوى، أقضى زمانه، وفارس ميدانه، شهد له بذلك الموافق والمخالف، وأقر به المعادي والمحالف. قال القاضي سنبير قاضي أروان فيه: فلله دره من عالم محقق، وقاض مدقق، فلو أدرك الأشياخ المتقدمين لأدوا حقه، وأظهروا فضله. انتهى. كم صدع بالحق في الله ولم يخش لومة لائم، وجهر بحكمه على رؤوس المعالم، وصال بعمله على الأسود والضراغم. تبرك في أول تشوفه للعلم بشيخنا الطالب الأمين ابن الطالب الحبيب الحرشي، قرأ عليه نحو ربع المختصر أو أكثر، ثم اشتغل بمطالعة الكتب حتى برع في الفنون كلاما وفقها وأصولا ونحوا ومنطقا وغيرها متحابا (كذا) كان يسأل عما أشكل عليه في مطالعته فيفتحه له، وذلك لأن الفقيه محمد بن علي يأتي الأشياخ ويقرأ عليهم في ولاته وفي تنبكت، وهو لا يأتيهم في الغالب بل مقتصر على المطالعة.
وكان عارفا بأصول الفقه يميل في فتواه إلى القواعد والأصول، قل أن ترى له في الفتوى نقلا من الفروع والله أعلم. وكان آية في الذكاء والفهم، وفهمه وقلمه خير من لسانه. وكانت الدراية أغلب عليه من الرواية، فكان الغالب عليه البحث لا الحفظ، وكان ذا بحث لا يصبر عن البحث في
стр. 164
الفتوى والتأليف، ولم يكن مشتغلا بحفظ النصوص. سمع ليلة رجلا يقرأ نص خليل أو العاصمية يدرسه، فقال هذا تعذيب الحيوان.
ألف شرحا حسنا على لامية الزقاق في مجلد ضخم سماه فك الوثاق على لامية الزقاق، وشرحا في شرح عقيدة الفقيه محمد بن علي وسماه إمداد الضياء في أفق عقائد الأصفياء، ومات ﵀ قبل اتمامه.
توفي رحمه الله تعالى في أحد جمادى عام اثنين وسبعين ومائة وألف.
١٦٤ - [عبد الله بن وناس السباعي]
عبد الله بن ونّاس (٤) السباكي رحمه الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى مداوما على صلاة الجماعة لم تفته تكبيرة الأحرام منذ أربعين سنة أو أزيد، حتى توفي رحمه الله تعالى، ولم يقصر قط في هذه المدة بل لم يخرج عن القصر خروجا تفوته فيه الجماعة ولو إلي الأحراش. وكان رحمه الله تعالى لا يخرج عن المسجد بين صلاتي الظهرين ولا بين صلاتي العشاءين، يعمر هذين الوقتين بالذكر دائم دهره، ولا يخرج منه بعد صلاة الصبح حتى يحل النفل، ولا يفوته مجلس البخاري ولا الشفا ولا حديث قرئ في المسجد أبدا. وكان رحمه الله تعالى أمين بلدتنا باتفاق من أهلها، وكان خبيرا بأحكام البيع لكثرة سؤاله العلماء عن أحكامه، وربما خالفه بعض العلماء في فساد بيع وصحته فيكون الصواب معه. وكان مصاحبا للعلماء والصالحين وأهل الخير محبا لهم، وكان من أهل الخمول لا تساوي نفسه عنده شيئا، ولم يقطع صيام رمضان في مرض قط إلا أن يذهب إدراكه فيسقى وهو غير مدرك لشيء.
وقد عزم أهله والناس عليه في مرض وفاته قبل يوم وفاته بيومين أن يفطر فأبى حتى غشي عليه فسقوه وهو غير مدرك.
стр. 165
توفي ﵀ ضحوة الخميس عند ختم الشفا لتسع وعشرين من رمضان، عام ثمانية وسبعين ومائة وألف.
١٦٥ - [عبد الله بن عبد الرحمان بن محمد اليلوي]
عبد الله بن الطالب عبد الرحمان بن الطالب محمد بن شل اليلوي (٥) رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى ملازما للعلم منذ نشأ، أنفق عمره فيه تعلما وتعليما. أخذ الفقه عن شيخنا الفقيه سيدي الحسن بن الطالب أحمد البرتلي، وكان بصيرا بالمدارك، خبيرا بالوثائق والشروط، ملازما للمدونة، فتح له في مدارك مسائلها (كما) فتح له في الفتوى، سهمه في الفقه مصيب، وله حظ في العربية والمنطق. له أجوبة مفيدة في الفقه لو جمعت ورتبت لكانت تأليفا مستقلا في النوازل. وكان رحمه الله تعالى مشتغلا بما يعنيه تاركا لما لا يعنيه، ملازما للنسخ لا يكاد يمل منه، وقد حصل عدة كتب بخط يده واشتغل في آخر عمر بالوعظ وكتب الصوفية والله أعلم.
توفي رحمه الله تعالى ليلة الثلاثاء أول ليلة من شعبان عام ثمانية ومائتين وألف.
١٦٦ - [عبد الله بن الفاضل بن بارك الله فيه
التشتاوي ثم اليعقوبي]
عبد الله بن سيدي الفاضل بن سيدي بارك الله فيه بن محمد المكنى بأبي زيد بن يعقوب بن أبي يعلى بن عامر التشتاوي ثم اليعقوبي رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى من العلماء العاملين، وعباد الله الصالحين، له حظ من علم التصوف، متفننا في علوم شتى، ناصر السنة، ومحمد جمر
стр. 166
البدعة، ورعا في مطعمه لا يعيش إلا من لبن نياق ورثهم عن والديه رحمهم الله تعالى. موضحا للمسالك، محذرا من المهالك، قام وقعد مع ابن حب الملقب بالمجيدري لما ظهرت بدعته، وجد في إطفائها.
وألف رحمه الله تعالى تأليفا في كراستين في الرد عليه سماه بتحفة التابع السني في الرد على المشاقق البدعى، وآخر في كراسته نحو كراسة في الرد عليه سماه نضرة الورث في الرد على أبي الحارث، وقد أجاد فيها وأفاد، وفيها ما يدل على وسع باعه وتفننه في الفنون.
توفي رحمه الله تعالى عام تسعة بعد مائتين وألف.
١٦٧ - [عبد الله بن أحمد بن المصطفى الغلاوي الأحمدي الشنجيطي]
عبد الله بن الفقيه الطالب أحمد بن الحاج المصطفى الغلاوي الأحمدي الشنجيطي رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى عارفا بأصول الدين، قارئا فقيها شاعرا مجيدا له حظ في الأصول، فائقا في العربية وعلوم البلاغة لا يبارى ولا يجارى فيها، مشاركا فيما سوى ذلك من الفتوى. وكان رحمه الله تعالى نجيبا مشى به والده رحمه الله تعالى إلى شيخ الحقيقة والطريقة محمد أحمد بن عبد الرحمان الغلاوي المساوي يبدأ له في لوحه ولم يكن كتب التهجي، فكتب له في لوحه الفاتحة حتى كتب آمين، فقالت أمه رحمها الله تعالى امح هذا حتى يعرف الحروف والتهجي. فقال والده: والله لا أمحو ما كتب شيخي، فنال منه بركة والحمد لله حتى بلغ سورة الفتح، فأفرد له ضميرا بعد جمع، قال: فتفطنت له وقلت ما هذا وهذا؟ وكان يغلبني التعبير. ولم يفهم، فتحير ولم أزد على الإشارة بما هذا وهذا، فهم فضربني ضربا وجيعا. وسمعته ليلة يقول: ربّنا أخرجنا منها يعني شنجيط، فقلت له: لا أحب الدعاء بآية بعدها اخسئوا. فضربني ضربا أوجع من ذلك حرصا علي وعلى إخفاء فهمي.
стр. 167
أخذ عن خاله سيدي عبد الله بن الفاضل التشمشاوي اليعقوبي الحديث، والمنطق عن المختار إبن بون، وأجازه قدوة المحققين ونخبة المدققين سيدي مالك بن المختار الغلاوي الأحمدي صحيح البخاري وكتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ وغيرها.
ولفظه: وبعد، فقد أجزت الفقيه السيد عبد الله إبن شيخنا الفقيه أحمد بن الحاج حمى الله كتاب صحيح البخاري وكتاب الشفا للقاضي عياض، كما أجازنيهما شيخنا الفقيه أحمد بن الفقيه خليفة بن الطالب أحمد أكد الحاج العلوي الشنجيطي رحمهم الله تعالى بإجازة أبيه عن شيخه شيخ الشيوخ، وفقيه أهل الرسوخ، سيدي محمد بن المختار بن الأعمش العلوي رحمهم الله تعالى، قال: وقد أجزت عبد الله المذكور ما أخذ عني وما لم يأخذ من غير الكتابين المذكورين، لما ظهر فيه من أهلية الإجازة معتمدا في ذلك على ما نص عليه العلماء، لأن من علم فيه أهليته الإجازة وجب إعطاؤها له وحرم منعها.
له تواليف عديدة مفيدة منها: تقرير المنة بشرح إضاءة الدجنة، ونظم في التوحيد في أحد عشر بيتا. قال إنه يكفي يقول في آخره:
والمؤمن المؤمن بالقرآن ... والمسلم العامل باللّذفيه
وذا من التّوحيد قد يكفيه
وله نظم في الحذف في نحو مائة بيت، ونظم في المتشابه من القرآن على نمط السخاوي، وتأليف في قراءة السبع. وله نظم في اختصار إبن بر على ما به الأخذ، وشرحه، وشرح ابن بر، وله تعليق على البخاري، ونظم صغير في المسلسلات، وله نظم الأخضري وشرحه، ونظم الرسالة وشرحه، وشرح العاصمية، وتأليف في الزكاة، واختصار مختصر خليل، يأتي فيه بالمستعمل في بلادنا، ويمشي فيه على ما يصوبه شراح المختصر بدلا من نصه، وتأليف في جلب ما وافق نص الرسالة ونص
стр. 168
خليل، يعتبر نص الرسالة نظما ويضع تحته نص خليل، وإذا أفتى بمسألة فيه يتمثل بقول الشاعر: وإنكار مع العدلين عار. وله تأليف في جامع الإيمان، ونظم في الرخص، وتأليف في البحث أي الإكثار سماه دفع الضرر في تحريم الطّرر، ونظم نوازل ابن الأعمش والورزازي والشريف حمى الله. وله شرح منظومة لابن البناء في التصوف، ومنظومة في المديح شطر البيت من الألفية وشطر من المديح والله أعلم. وله شرح على الكفاية، وتعليق على الشواهد، ومقدمة في النحو للمبتدئين. وله نظم في إعراب منصوبات القرآن، وله نظم في الرمل في النحو، ورجز فيه يسمى الرباني محاذيا لنص الألفية على نمط تأليفه الذي حاذى به نص خليل، ونظم جمع فيه كثيرا من أحكام المغني، قيل وشرح الألفية. وله في اللغة تأليف كبير وصغير على بانت سعاد، وشرح ذخر المعاد على وزن بانت سعاد، وشرح لامية العرب، وشرح فائية سيدي عبد الله بن محم بن القاضي العلوي في المديح وشرح حائية علي الشريف التي مطلعها:
دع العيس والبيداء تذرعها شحطا
وشرح مرثية علي بن يوسف التي مطلعها:
هو الأجل الموقوف لا يتخلّف ... وليس يردّ الفائت المتأسّف
قيل وشرح علي اليوسية، ومقامات فيها والله أعلم. وله في البلاغة شرح على نظم سيدي عبد الله بن محم بن القاضي لتلخيص المفتاح المعروف بالسيدية. قيل ونظم فيها نحو المائتين، وله نظم في المنطق، وقيل إنه شرح نظم أصول ابن عاصم، ونظم النقاية، وله نظم في العروض في تسعة وستين بيتا، ونظم الأعارض والضروب. قيل وشرح الخزرجية والله أعلم. وله نظم في رد مقالات المجيدري وطريقته وذمها محاذيا لأبواب الألفية والله أعلم. ومن شعره قبل وفاته بيسير رحمه الله تعالى.
стр. 169
أصبت في العلم ولم ألف من ... يقرأ أو يعلم ما أعلم (٦)
فصرت في قومي كما مخطئ ... يقرأ بالهمز ولا يرسم
توفي رحمه الله تعالى ظهر يوم الجمعة لليلة بقيت من ربيع النبوي عام تسعة ومائتين وألف.
١٦٨ - [عبد الله بن عبد الرحمن التشمشاوي الديماني
التونكلي (الوالد)]
عبد الله بن عبد الرحمان التشمشاوي الديماني التونكلي الملقب بالوالد، لقبه به تلاميذه لكثرة بروره بهم وتفضله عليهم.
أخذ عن الشيخ العلامة البحر الهمام كامل القريحة، ذي العلوم الصحيحة، أستاذ الأساتذة سيدي الأمين بن أحمد بن يحيى، وعن الشيخ العارف سيدي محمد الولي المعروف باليدالي، وعن السيد الحلاحل محمد العاقل بواسطة.
شرح مختصر الشيخ خليل شرحا مختصرا مفيدا في جزء سماه شفاء الغليل على مختصر الشيخ خليل، ينقل فيه من الخرشي وعبد الباقي الزرقاني وغيرهما.
توفي رحمه الله تعالى في آخر العام الثاني أو الثالث أو الرابع عشر بعد مائتين وألف.
١٦٩ - [عبد الله بن ابراهيم بن الامام، العلوي التججكي]
عبد الله بن الحاج إبراهيم بن الإمام العلوي نسبا التججكي وطنا رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى عالما فقيها أثريا أصوليا بيانيا مفتيا مدرسا يقتصر في الفتوى على محل الحاجة ولا يطيلها، وكثيرا ما يبنيها على الأصول
стр. 170
لقرب فن الأصول عنده، فهمه مصيب، أخذ من الفنون بأوفر نصيب، كامل القريحة والعقل. وكان من العلماء العاملين معمر الأوقات بالطاعات، جامعا بين الشريعة والحقيقة، سريع الانقياد والرجوع إلى الحق، قائما بامتثال الأمر واجتناب النهي. متبعا لسنة نبينا (٧) لا تدوم معه البدعة، بل ينكرها ويقول: إذا ظهرت البدعة ولم يتكلم العالم استوجب غضب الله تعالى، فارا بدينه من الفتن، معظما للأولياء والصالحين.
أخذته الحمى يوما فأخذ البادسية ووضعها عند رأسه وقال لها: إن استطعت أن تأتيني مع هؤلاء فتعالي.
وكان رحمه الله تعالى محبا للكتب معظما لها. ومن تعظيمه لها أنه لا يجعل الكتاب على ساقه وهو متطهر فضلا عن غير ذلك. وسئل يوما عن تعظيمه لغمد (٨) كتاب فقال بديهة: وظلم الجار إذلال المجير (كذا).
رحل إلى الخليفة سيدي محمد بن مولاي عبد الله بن مولاي إسماعيل لطلب الكتب، فاختبره في العلم فأعجبه وعظمه وأعطاه خزانة كتب كبيرة نفيسة جدا. ثم حج بيت الله الحرام لأداء فريضته. ومن خلقه أنه لا يجالس السفهاء. ومن فوائده أنه كان يقول: من نابه مرض فليزن الشفا للقاضي عياض بالماء ويشربه. ولقد أخبرني بعض الإخوان ممن أثق به أنه فعله لبعض إخوانه فشفاه الله تعالى.
ألف رحمه الله تعالى غرة الصباح في اصطلاح البخاري، وله نظم مختصر في علم الحديث، وله نظم في الأصول سماه مراقي السعود وشرحه، ونظم حسن في البيان وشرحه، وطرد الضوال والهمل، في الركوع في حياض العمل، وله نظم في الصلاة على النبي ﷺ وشرحه،
стр. 171
وله نظم في مكفرات الذنوب وشرحه، وله نظم حسن في سغمي (٩) وشرحه سماه رشد الغافل طالبا من الله تعالى تيسير المحاصل.
توفي رحمه الله تعالى في إحدى جمادى عام ثلاثة وثلاثين بعد مائتين وألف (١٠).
من اسمه عبد الرحمان
١٧٠ - [عبد الرحمن بن عبد الرحمان بن محمود]
عبد الرحمان بن عبد الرحمان بن الفقيه محمود بن عمر رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى فقيها عالما زاهدا معرضا عن الدنيا بكليته لم يقبلها ولو لحظة، ذا مكاشفات، وأصحابه يحكون عنه في ذلك حكايات.
أخذ عن ابن عمر الفقيه الحاج أحمد بن عمر بن محمد أقيت، وأخذ عنه الفقيه العالم العلامة محمد بن بابان محمد الأتوفي.
توفي رحمه الله تعالى وقت الضحى يوم الخميس خامس صفر الخير في العام السادس بعد الألف بمدينة مراكش ودفن مع ابن الفقيه القهمان بإزاء جامع علي بن يوسف بن تاشفين. رحمه الله تعالى.
١٧١ - [عبد الرحمن بن أحمد المجتهد]
عبد الرحمان بن أحمد المجتهد رحمهما الله تعالى.
كان ﵀ فقيها محدّثا. أخذ عنه محمد كورة والد محمد بغيغ شيخ سيدي أحمد آق (١١) الشيخ، الموطا، وسمع الموطا عليه، وقرأ عليه المدونة.
стр. 172
توفي رحمه الله تعالى يوم الخميس خامس عاشر جمادى الأولى عام تسعة عشر وألف.
١٧٢ - [عبد الرحمن بن عبد الله بن عمران السعدي التنبكتي]
عبد الرحمان بن عبد الله بن عمران بن عامر السعيدي (١١) التنبكتي رحمهم الله تعالى.
مولده ليلة الأربعاء ليلة الفطر عام أربعة وألف، تولى إمامة مسجد سنكري في السادس والثلاثين، وألف تاريخ السودان، ولم أقف على تاريخ وفاته. ولكنه كان حيا عام خمسة وستين بعد الألف.
١٧٣ - [عبد الرحمان التميمي]
عبد الرحمان التميمي رحمه الله تعالى.
جاء من أرض الحجاز مع السلطان موسى صاحب ملّ حين رجع من الحج، فسكن تنبكتو وأدركها حافلة بالفقهاء السودانيين، ولما أتاهم فاقوا عليه في الفقه رحل إلى فاس وتفقه فيها. ثم رجع لتنبكتو فتوطن بها، وهو جد القاضي حبيب. وروي أن طلبة سنكري إذا جاءوا السيد يحيى لأخذ العلم يقول لهم: يا أهل سنكري كفاكم سيدي عبد الرحمان التميمي!
ولم أقف على تاريخ وفاته، ولكنه كان معاصرا للقطب سيدي يحيى، والقاضي محمد الكابري رحمه الله تعالى.
١٧٤ - [عبد الرحيم بن أحمد الولي الولاتي]
عبد الرحيم بن الفقيه أحمد الولي الولاتي رحمهما الله.
كان رحمه الله تعالى موصوفا بالعلم والفضائل والرياسة والعدالة والنزاهة، عدلا في قضائه، صليبا في حكمه، وكان (كذا) يقرؤون عليه
стр. 173
ويعلمهم العلم، خبيرا بالقرآن والأحكام. ألف مقدمة في الفقه مختصرة، فيها ما ليس في العشماوية والله أعلم.
مولده لأحد عشر خلت من شعبان من العام الثامن والسبعين والألف.
توفي رحمه الله تعالى في الموفي ثلاثين ومائة وألف.
من اسمه عمر
١٧٥ - [عمر بن محمد أقيت بن عمر الصنهاجي
الماسني التنبكتي]
عمر بن محمد أقيت بن عمر بن علي بن يحيى الصنهاجي الماسني التنبكتي.
كان رحمه الله تعالى فقيها عالما صالحا، قرأ عليه الفقيه القاضي مؤدب محمد الكابري مؤلف بستان الفوائد. رحل إلى ولاته لما رحل إليها فقهاء سنكوري من أجل خوفهم من الظالم الفاجر سنّ علي لما دخل تنبكت في رابع رجب الفرد أو خامسه عام ثلاثة وسبعين وثمانمائة، وعمل فيها فسادا عظيما فحرقها وكسرها وقتل فيها خلقا كثيرا. رحل بأولاده الثلاثة المباركين، الحاج أحمد وهو أكبرهم سنا، والفقيه عبد الله، والفقيه محمود وهو أصغرهم، وهو يومئذ إبن خمس سنين، ومشى معهم خالهم الفقيه النحوي المختار بن القاضي الفقيه اندغمحمد، فأدرك الإمام الزموري ﵀ في ولاتة وأجازه كتاب الشفا للقاضي عياض رحمه الله تعالى. ثم رجع ابنه الفقيه محمود بن عمر من ولاته إلى تنبكت سنة خمس وثمانين وثمانمائة. وأما والده الفقيه عمر فلم يرجع عن ولاته حتى توفي فيها رحمه الله تعالى، وكذا ابنه عبد الله لم يرجع، وتوفي في تازخت رحمه الله تعالى.
стр. 174
١٧٦ - [عمر بن أحمد بن عمر (بالحرى)]
عمر بن الحاج أحمد بن عمر بن محمد أقيت - رحمهم الله تعالى - المعروف بباكري.
كان فقيها نحويا مادحا لرسول الله ﷺ صباحا ومساء، يسرد كتاب الشفا في رمضان في مسجد سنكري. وكان رحمه الله تعالى وصولا لرحمه متعاهدا لأقاربه يتفقدهم في صحتهم ويعودهم في مرضهم مستبشرا منطلق الوجه للخاصة والعامة.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الثاني عام ستة بعد الألف في مدينة مراكش.
١٧٧ - [عمر بن محمود بن عمر]
عمر بن محمود بن عمر بن محمد أقيت رحمهم الله تعالى.
أخذ عن والده - رحمهما الله تعالى -، وتولى القضاء في تنبكت في آخر يوم من المحرم فاتح سنة ثلاث وتسعين وتسعمائة بعد الإباية، حتى كتب له أسكيا أنه إن لم يقبلها يوليها الجاهل، وكلّ ما حكم به الجاهل لا يسأل عنه غدا بين يدي الله تعالى إلا هو.
توفي رحمه الله تعالى ليلة الجمعة الأولى من شهر المحرم الحرام فاتح العام الثالث بعد الألف في مراكش، ودفن في مجاورة القاضي أبي الفضل عياض رحمهما الله تعالى.
١٧٨ - [عمر الولي بن محمد عبد الله الولاتي المحجوبي]
عمر الولي بن الشيخ محمد عبد الله بن عبد الله المحجوبي بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد الفقيه بن الفقيه عثمان بن محمد بن يحيى بن تنمر الولاتي المحجوبي رحمهم الله تعالى.
стр. 175
وجه الصفقة، ونقطة الدائرة، وحيد عصره، وفريد دهره، قطب أوانه، ومصباح زمانه، من رجال الكمال وأعلام الصوفية والكرامات الظاهرة، والأخلاق الطاهرة. له حظ وافر من العلم والصلاح، جمع بين العلم والعمل، والزهد والورع والإيثار. كان رحمه الله تعالى غرة أهل عصره في سلوك طريق السلف على قدم من الصلاح والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، معظما عند الخاصة والعامة، صدرا من صدور العلماء وعلما من أعلام الأولياء، ذا جد واجتهاد ولزوم أذكار وأدعية، تناهى في الفضل والدين والصلاح وقوة اليقين، مشهور بالورع والزهد، من أعلام الدين وايمة الإسلام ومشايخ التقوى، ما سمعنا بمثله في بلدتنا لا قبله ولا بعده، فهو شمس ضحاها، وقمر سيناها. لكل قوم تاج، وتاج بلدتنا عمر الولي.
كان - رحمه الله تعالى - عظيم الشأن، نقطة دائرة أهل العرفان، مقطوع النظير ورعا ودينا واجتهادا في العبادة، يميل إلى الوعظ. ولذلك قال فيه الشريف الشاب.
وبعد، يا بن ولد المحجوب ... لا زلت تعطي صفوة القلوب
كما إلى الوعظ تميل ميلا ... في زمن صار النّهار ليلا
فتح له الدعاء نثرا ونظما. ومن دعائه الحسن رحمه الله تعالى:
اللهمّ إن كنت بلغت أحدا من خلفك درجة بالبلاء فبلغنيها بالعافية.
وحكمه لا يؤتي عليها كثيرة، وظهرت بركته في ذريته، كما هي سنة الله تعالى في عباده الصالحين كما قال الشاعر:
رأيت صلاح المرء يصلح أهله ... ويعديهم داء الفساد إذا فسد
يعظّم في الدّنيا لفضل صلاحه ... ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد
كان يتصدقون عليه في حياته بأنواع الأموال حيوانها وعروضها، ويقبلها منهم وينفق منها ما شاء الله على أهله وأقاربه وغيرهم، وقد كان
стр. 176
يؤثر بها على نفسه ويقدم حاجة غيره ولو كان به حاجة، ويتصدق منها على اليتامى والفقراء والمساكين والضعفاء والأرامل والغرباء ويقسمها ويفرقها بينهم، وذلك دأبه وعادته حتى توفي رحمه الله تعالى وشكر سعيه وزكى عمله وتقبله آمين. ثم صاروا بعد يتصدقون عليه وعلى أولاده تبركا به، ويدفعون صدقاتهم لأولاده، فمنهم من يعين بعضهم ويخصه بصدقة، ومنهم من يدفعها لهم أو لمن رأى منهم بلا تعيين ولا تخصيص، هكذا نقلت من خط ابنه سيدي عثمان رحمهما الله تعالى ونفعنا بهما آمين.
له مكاتبات مع الشريف الشاب رحمهما الله تعالى ونفعنا بهما آمين.
كان رحمه الله تعالى مجمعا على ولايته وبركته، مقصودا في حياته وبعد مماته في الأزمات والشدائد، وقبره مجرب الاجابة والبركة، يقصده الشاكي من ظلم ظالم ظلمه فتظهر في ذلك الظالم العبرة. ولقد حدثني بعض الإخوان أنه متى أشكلت عليه مسألة في العلم وقصده بها وزاره فتحها الله تعالى عليه، وقد تكرر ذلك منه بفضل الله تعالى وبركة هذا الولي والله أعلم.
أخذ الإجازة في صحيح البخاري عن القاضي عبد الرحمان بن مغيا التنبكتي عن القاضي أحمد بن أندغمحمد بن أحمد بن أحمد رحمه الله تعالى، عن شيخ الجماعة أبي عبد الله محمد بن محمد بن أبي بكر بغيع الونكري، عن الفقيه أندغمحمد بن الفقيه محمد بن أحمد الأثري التازختي، عن شيخ الإسلام قاضي الجماعة جمال الدين أبي الفتح إبراهيم بن علاء الدين أبي الفضل القرشي الشافعي القلقشدي (١٢) عن الحافظ الإمام أحمد بن علي بن حجر، عن أبي علي محمد بن أحمد بن عبد العزيز المهدوي إذنا مشافهة، عن الإمام يحيى بن محمد بن سعد،
стр. 177
عن جعفر بن علي الهمداني، عن عبد الله بن عبد الرحمان الديباجي إجازة، عن عبد الله بن محمد بن علي الباهلي، عن الحافظ أبي علي الحسن بن محمد الجيلاني الغساني، عن أبي عمر أحمد بن يحيى الحذاء سماعا، وأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر إجازة. قال أنبأنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن أسد الجهيني، عن أبي علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السبكي، عن أبي عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفريري (١٣) قال، أنبأنا مؤلفه الإمام محمد بن اسماعيل البخاري الجعفي رحمه الله تعالى ونفعنا به آمين.
وأخذ عنه الفقيه سيدي محمد بن المختار بن الأعمش رحمه الله تعالى، كما نقلت من خط ابن الأعمش في إجازته لسيدي عثمان رحمه الله تعالى. له - رحمه الله تعالى - قصيدة في علم الكلام، ومقدمة في الفقه، وقصيدة مفيدة في شرح الأسماء الحسنى، وقصيدة طويلة في نحو مائتين وثمانية وأربعين بيتا يستسقي بها إذا أمسك المطر. وله تأليف في الصلاة على النبي ﷺ على نمط الحوضي.
١٧٩ - [عمر (بن الخطاط) بن محمد نض الأنصاري ثم البرتلي الولاتي]
عمر (بن الخطاط) (١٤) الملقب بالخطاط لحسن خطه وداومه عليه، ابن محمد نضّ، ومعناه محمدنا لله كما وجدته بخطه، ابن الطالب جبريل بن يحيى بن علي بن إبراهيم بن تكد نضّ بن علي بن إدريس بن عيسى بن أدغوغ بن ركرك الأنصاري ثم البرتلي، الولاتي وطنا، المالكي مذهبا، الأشعري اعتقادا، رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى فاضلا جليلا من مشاهير المتكلمين، والعلماء العاملين، بيته بيت علم وصلاح ودين، على سمت السلف الصالح، ذا
стр. 178
صلاح وخير، حريصا على العلم استفادة وافادة ونقلا، ولا سيما علم الكلام. وكان يذهب إلى النظر وترك التقليد، كثير العناية بتحصيل الكتب، حتى حصل خزانة نفيسة بخطه الحسن النفيس محتوية على علم كثير وعدة فنون، أكثر فيها من نقل أصول الدين نصوصا وشروحا، فصار لا يرى كتابا منه إلا نقله، وداوته لا تيبس ولا يقف عن الكتابة ولو كان لا يكتب إلا سطرين.
كان رحمه الله تعالى مداوما على علم الكلام قراءة ونقلا وتعليما.
وحكي عنه أنه قال: لو علمت عقيدة من علم الكلام لا أعرفها وفي مصر من يعلمها لرحلت إليها حتى أتعلمها. كان رحمه الله تعالى موصوفا بالصلاح وسلامة الباطن والتقوى والزهد والحرف المهمة والاشتغال بما يعنيه، عاملا بما علم ملازما إسباغ الوضوء عند المكاره والجماعات في الشتاء في زمن البرد الشديد على كبر سنه، يجتمع هو وأخوه الحاج علي ويتذاكران أخبار الآخرة ويبكيان، لا رغبة ولا أنس لهما إلا فيما يبلغ إلى الدار الآخرة، فدارهما من دور أهل الآخرة. وكان هو شيخ علم الكلام في زمنه مبرزا فيه، يقرأ كتب السنوسي ودليل القائد، والجزائرية، وإضاءة الدجنة، وغير ذلك وعلم الكلام قراءة تحقيق. أخذ عنه شيخنا الطالب الأمين وغيره.
مولده رحمه الله تعالى اليوم الثامن من شعبان عام ثمانية وعشرين بعد الألف.
وتوفي رحمه الله تعالى بعد صلاة العشاء ليلة الأحد رابع عشر ذي القعدة الحرام، عام سبعة ومائة وألف. فعمره تسع وثمانون عاما وشهران ونحو عشرين ليلة.
١٨٠ - [محمد بن بابا بن علي، الولاتي]
عمر بن بابا بن علي بن أند عبد الله بن سيدي أحمد الولاتي رحمهم الله تعالى.
стр. 179
كان رحمه الله تعالى فقيها متفننا محدثا نحويا لغويا عروضيا شاعرا مفلقا ناثرا إماما في العربية، قبيلا في صحيح اللسان حسن الخطّ واحد عصره في عمل الوثائق بصيرا بها، ظريف الخط بارع الأدب فصيح القلم صحيح الخط جيد الضبط، وخطه عمدة كل كلسانه، حسن التعليم للعربية، شاعرا مصيبا مجيدا كاتبا بليغا، ذاع فضله وانتشر عمله، ظاهر التخصص كثير الوقار صدر الصدور، فاضلا جميل العشرة، مديد الباع في الأدب، خطيبا بليغا عالما علامة متفننا مدرسا صدرا وحيدا عالما بالنحو والفقه، له حظ وافر في الحديث، له شعر حسن وخطّ رائق، مبرزا في علوم اللسان نحوا ولغة وأدبا، متقدما في الكتابة والفصاحة والشعر، جامعا فنونا من الفضائل والمعارف. ولي الصلاة وخطبة الجمعة وقراءة الحديث، فهو الذي يقرأ الحديث صحيح البخاري وغيره في المسجد.
كان شيخا جليلا فاضلا من أعلام المشيخة، أجازه الفقيه المحدث الحاج الحسن بن أغبد الزيدي، وأول ما حدثه به الحديث المسلسل بالأولية. ودرس وأفتى وعني بالحديث ولازم قراءة الحديث وإقراء العربية إلى أن توفي رحمه الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى حسن الخلق والخلق، حسن السمت والهيئة جميل العشرة، مليح البزة، حسن الثياب، حسن النعمة، مداحا حسن الصوت في مدحه ﷺ . وله ضربة (كذا) حسنة في تخميس ابن مهيب للعشرينات يقال لها ضربة الطالب محمد بابا، يمدح بها المادحون في مولد النبي ﷺ . أخذ عن الفقيه أحمد الولي، وعن الفقيه محمد بن أبي بكر بن هاشم الغلاوي. رحمهم الله تعالى. وأخذ عنه شيخنا الإمام عمر وغيره. ومن شعره في جواب مسألة لغوية سأله عنها سيدي أحمد بن سيدي محمد بن موسى بن إيجل الزيدي ما نصه:
ألا يا إمام النّحو قطب زمانه ... ومن أتت ذو ذهن صقيل وذو فهم
стр. 180
فهل لأنّى أيّان آن مصادر ... تبدّت لكم أنوارها عن ذوي العلم
فأجابه بقوله.
أيا سائلا مستفهما عن مصادر ... لآن أيّان مع أنّى فزت بالغنم
فرد لجّة القاموس وردا تجد بها ... مصادر للفعلين إن كنت ذا كرم
فآن له أين فقط وأنّى له ... أنا وأنا من بعد أنّى بلا وهم
وشكلك ذال الذّهن بالضّمّ غفلة ... وحقّك لا أنّي قصدت أخا الحلم
فذهن بكسر الذّال خذه تبرّعا ... ولي فادع بالغفران والحسن للختم
ولد رحمه الله تعالى يوم الاثنين بعد الفجر قبل طلوع الشمس في اليوم الأول من شهر الله تعالى ذي القعدة الحرام، في العام السابع والسبعين وألف.
وتوفي رحمه الله تعالى في الخامس والأربعين بعد المائة والألف.
١٨١ - [عمر بن أحمد بن أحمد الايديلي]
عمر بن أحمد بن أحمد بن محمد بن بوه الأيديلي رحمهم الله تعالى.
كان رحمه الله تعالى عارفا بعلم أصول الدين، قارئا بالسبع، محدثا نحويا لغويا شاعرا مفلقا، له حظ من الفقه، فصيح اللسان حسن الصوت بالقرآن مهابا عند الخاصة والعامة، ومعظما عند الناس رحمه الله تعالى.
أخذ القراآت السبع عن الشيخ تاج القراء سيدي عبد الله بن أبي بكر التنواجيوي (١٥) عن ولي الله تعالى سيدي أحمد الحبيب السجلماسي رحمهم الله تعالى. وأخذ عنه شيخنا الفقيه البشير بن الحاج الهادي رحمه الله تعالى القراآت السبع. وأخذ أي صاحب الترجمة - رحمه الله تعالى -