قال ابن قاضى شُهبة: توفى ليلة الاثنين رابعة شهر رمضان بأرض الحرس في بستان كان استأجره سنة خمس وتسعين وسبعمائة، وصُلّى عليه من الغد، ودفن بباب الصغير إلى قبر الشَّيخ أبي الفرج الشيرازى. وقال غيره: توفى الشَّيخ زينُ الدّين بن رَجَب - رحمه الله تعالى - في شهر رجب سنة خمس وتسعين وسبعمائة، ووجدتُ في كتاب "القواعد" له: مات مصنّفها بعد العصر ثالث شهر رمضان سنة خمس وتسعين وسبعمائة، وقال عند خروج روحه ثلاثين مرَّة: "يا لله العفو". وقال لي شيخنا الشَّيخ شهاب الدين ابن هلال الأزدىِّ إنَّما توفى في سنة ثمان وثمانين وسبعمائة ووهم في ذلك. ودفن بمقبرة الباب الصَّغير حول قبر الفقيه الزَّاهد أبي الفرج عند عبد الواحد بن محمد الشِّيْرَازِىّ ثم المقدسى الدمشقيُّ، الذي نشر مذهب الِإمام أحمد بالشام ﵀ ورضى عنه. قلتُ: وقبر ابن رجب معروف بمقابر باب الصغير مكتوب عليه أنه توفى في خمس وتسعين.
٥٨ - عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن الذَّهبى الصالحى،
стр. 142
ناظر الصاحِبِيَّة (١) ذكره ابنُ ناصر الدِّين في "المجموع" له، وقال: مولده سنة ثمانٍ وعشرين وسبعمائة، وأجاز له الحجَّار، وأخذ عن محمد ابن أيوب بن حازم (٢).
٥٩ - عبدُ الرَّحمن بن القاضي شمس الدين بن مُفلح، وهو أصغرُ أولاده. توفى يوم الاثنين خامس جمادى الأولى سنة ثمانٍ وثمانين وسبعمائة.
٦٠ - عبدُ الرَّحمن بن العماد أحمد بن عبد الهادى بن عبد الحميد بن عبد الهادى بن يُوسف، [المَقدِسِىّ] الأصل الصَّالحى الحَنبلى. قال ابنُ قاضى شُهبة: العدلُ زينُ الدِّين، قالَ: قالَ شيخُنا: أحدُ شهودِ مجلس الحكمِ الحَنْبَلِىِّ، وكان يكتبُ خطأ حَسناً، وله روايةٌ
стр. 143
وسماعٌ من شيوخ أخيه الحافظ شمس الدين. قلت: له كتاب فى أسماء مصنفات أخيه شمس الدين، وله "الردُّ على الذَّهبى"، وله "شرح أحاديث". قال ابن قاضى شُهبة: توفى ليلة الاثنين سابع شهر جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وسبعمائة - رحمه الله تعالى.
٦١ - عبد الرحمن القِبَابِىُّ، ذكره ابنُ ناصر الدين فى "المجموع" فقال: الشيخُ الإمامُ الفاضلُ ابنُ الشَّيخِ الإمام العالمِ القدوةِ، المُقرئِ الأصيلِ، العابدِ الخيِّرِ نجمُ الدين، (١) أبو هُريرة
стр. 144
عبد الرحمن بن الشيخ الإمام العالمِ القُدوةِ، الزَّاهدِ العابدِ المُفتى سراجِ الذين أبو حَفص عمر بن الشَّيخ الِإمام الفقيه الزاهد القدوة نجم الدين ابن عبد الرحمن بن حسين بن يحيى بن عمر بن عبد المحسن اللَّخْمِىّ القِبَابِى ثم الحَمَوِي الأصل الدَّمَشْقِيّ الحَنْبَلِيّ. أخذ عن عدةٍ من الشُّيوخ ذكرهم ابن ناصر الدين فى جزء مفردٍ (١). توفى بالقدس فى جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة.
٦٢ - عبد الغنى بن الحسن بن محمد بن عبد القادر الحُسَيْنِىّ
стр. 145
الحَنبلى. مولده فى سنة ثلاثٍ وثمانين وسبعمائة، عن ابن اليُونانية، وتفقَّه على عمّه (١) الشَّيخ قُطب الدّين موسى، وتوفى ببعلبك سنة اثنتين وستين وثمانمائة، ودفن بباب سطحا بِبَعْلَبَكَّ.
٦٣ - عبدُ الرحمن بن أبي بكر بن أيوب بن سَعد بن حَرِيْز اليَمامى الزُّرَعِىّ ثم الدّمَشقى الحَنبلى، أخو الشيخ شمس الدين بن قيَم الجَوْزِيَّة. قال ابن قاضى شُهبة: الشَّيخ زين الدين أبو الفَرج سمع من شهاب الدين بن رجب فى "مشيخته" (٢) وقال: سمع الكثير من الشهاب العابد وغيره، وقال: سمعتُ عليه كتاب "التَّوكل" فى دين أبي الدنيا سماعه على الشهاب العابد، "ومنتقى جزء الذُّهْلِىّ" منه أيضًا، و"ثلاثيات البخارى" بسماعه على الثلاثة أبي بكر بن عبد الدايم، والمُطْعِم والحَجَّار. مولده سنة ثلاث تسعين وستمائة. توفى ليلة الأحد ثامن عشر ذى الحجة سنة سبع وستين وسبعمائة، وصلى عليه من الغد بجامع دمشق ودفن بمقبرة الباب الصغير، وقد تفرد عن الشهاب العابد، وأخوه شمس الدين. ذكره ابن رجب آخر الطبقات ولم يُصَنِّفْهُ فى الترجمة - رحمه الله تعالى.
стр. 146
٦٤ - عبد الرحمن بن الخَطيب عز الدين محمد بن الخطيب عز الدين إبراهيم بن الخطب شرف الدين عبد الله بن الشيخ أبي عمر المقَدسى الصَّالحى الحَنبلى. مولده فى رجب سنة ثمان وتسعين وستمائة، سمع من الحسن الخَلَّال، وعيسى المَغَارِى (١) والقاضى التَّقى سُليمان، وأبي بكر بن عبد الدايم وحدّث. قال ابن قاضى شُهبة، سمع منه شيخنا، وقال: كان من خيار عباد الله، يجلس بالجامع المظفرى ليُقْرَأ عليه، وكان له يد طولى فى الفرائض، وكان يتبع الجنائز، ولا يُصلّى على جنازة حتى يَحْضُرَها يُصلى عليها ويَشهد دفنها، وكان عليه نورٌ، وقال ابن قاضى شُهبة: الخطيب الإمام الفَرضىّ شمس الدين أبي الفرج. وقال بعضهم: كان صالحًا خيّرًا، أوقاته معمورة بالعبادة. توفى يوم الأربعاء مستهل شهر حمادى الأولى سنة ثلاثٍ وسبعين وسبعمائة بالصَّالحية عن خمس وسبعين سنة، ودفن بقاسيون. ووالده توفى فى شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين.
٦٥ - عبد الرحمن بن الشّرابي البعلبكى الفقيه، اشتغل وأفتى
стр. 147
ودرس بها ودرس بها وأثنى عليه خير، توفى بها سنة خمس وستين وثمانمائة عن شهر ربيع الأول - رحمه الله تعالى.
٦٦ - عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الكرم "أبو شَعَرٍ"
стр. 148
الشيخُ الِإمامُ العالمُ الفقيهُ المحدِّثُ المفسر النَّحوىُّ العابدُ الزاهدُ المحققُ القدوةُ البركةُ شيخُ الحنابلة ذو العارف، أبو الفرج عبد الرحمن أبو شعر. أخذ عن جماعة وسمع كثيرًا من الكتب الكبار والصغار، وتفقه بابن رَجب، وابن اللَّحَّام ... وغيرهما. قال ابن قاضى شُهبة: عبد الرحمن الصالحى الحنبلى اشتغل على القاضى علاء الدين بن اللحام. قلت: كان إمامًا فى الزهد، إمامًا فى الورع، إمامًا فى الفقه، إمامًا فى الحديث، إمامًا فى التفسير والوعظ وكلام السلف، انتفع به الخلق الكثير والجم الغفير من جماعة أعيان شيوخنا، كالشيخ تقى الدين والشيخ حسن، والشيخ زين الدين بن الحبَّال، والشيخ شهاب الدين بن زيد، والشيخ صفيّ الدين ... وغيرهم من الأعيان. أخبرنى شيخنا القاضى علاء الدين قال: حضرنا مجلسه فلما خَرجنا من عنده وجدنا صُرَّةً فلم يأخذها منا أحد، قال: وكأنَّ من حضر مجلسه نزعت الدنيا من قلبه. وأخبرنى بعض من قدم علينا أنه سنة جاور بمكة كان يقرئ البخارى ويشرح أحاديثه فكان يحضره خلق كثير، قال: وكان يتكلم على الحديث كلامًا كثيرًا، قال: فحضرت عنده فرأيته كأن بين يديه كتابٌ مفتوحٌ يقرأ فيه يقول: قال أحمد، قال فلان، كأنه يقرأ ذلك حاضرًا، وكان له بالصالحية ميعاد معلوم يحضره الناس يقرأ القرآن حتى
стр. 149
أن العوام يتفهَّمون من ذلك، وصار غالب من يحضر مجلسه من أعيان الزُّهاد، وأكابر العُبَّاد حتى السُّوقة والعوام وغيرهم. وكانت به نزلة حادة فكان لا يضع على رأسه إلا شاشا خفيفا، وربما بلّ الخرقة ووضعها على رأسه من غير عمامة. أخبرني بعض أصحابنا (١) أن رجلًا كان مجاورًا بمكة وقد كان عزم على النزول لبَلده، قال: فبينما هو نائم إذ رأى النبي ﷺ ووراءه رجلٌ كلما رفع النبي ﷺ قدمه، وضع قدمه ثم أن النبي ﷺ جاء إليّ عند البيت وأسند ظهره إلى البيت، وطلع ذلك الرجل على كرسى وشرع فى تفسير سورة ﴿لِإيلف قريش﴾ قال: ثم إن الرجل بينا هو يريد الخروج، وإذا الرجل الذى رآه مع النبي ﷺ فعرفه فتبعه فجاء إليّ عند البيت وطلع على كرسى وجلس يفسر فى سورة ﴿لِإيلف قريش﴾ قال فلمَّا نزل قام إليه وقال: أترضاني خادِمًا؟ وقصَّ عليه الرؤيا. فقال: يا شيخ الرُّؤيا الصالحة تسرُّ ولا تضرُّ، وصحبه ذلك الرجل وقدم معه الشام. وسرق بعض اللُّصوص داره فلما أقام ثلاثة أيام وَقع وافتُضح وقُتل، وقد وُجِدَتْ له مكاشفات، قال وكان كلُّ من يحضر مجلسه له نصيب منه وكلام بما فى نفسه. له حواشى على كتب من كتب الفقه منها على كتاب "الوَجِيْز" على المسائل التى ليست فى المذهب.
стр. 150
قال ابن قاضى شُهبة: وبعد الفتنة انقطع عن الناس، وتردَّد إليه الحنابلة وعظَّموه لمبالغته فى إطراء ابن تَيْمِيَّة واعتقاد ما كان يعتقده، وصارَ يعملُ يومَ الجُمُعة ومعه جماعة من أتباعهِ، ويجتمع الناس إليه عند بابَ المقصورة الشَّمالى، وعنده تَزَهُّدٌ كثيرٌ قال: لكن عليه نور، ولا يقبل هذا القول منه بل كان عليه غايةُ النُّورِ، وإنما حمله على ذلك الضغائن التى فى قلبه، قال: وقال لى قاضى القضَاة نجم الدينٍ بن حِجّى: كنت أحضر بالجامع أتأمل الناس فما رأيت أشدُّ خشوعًا من المذكور (١ ولا أجرم منه، ووالله لقد كنا والهما أجرم منه ١)، قال: وفى آخر عمره انقطع عن النزول إلى الجامع وحصَّل كتبا كثيرة حصل له ابن أخيه، وكان لا يحلق رأسه فلقب بـ "ـأبي شعر"، قال (٢: كنتُ ممن يكرهه فى الله - ووالله وأنا لا أكرهه فيه حيث كرهه - ولما ينقل عندى من الأخبار الرديئة من أكثر أن يُحصى ٢) فيالله العجب كيف يتكلّمُ الخائض لجج الحرام فى العفيف المتعفّف؟
وله أخبارٌ وحكايات مشهورة لا يتسع هذا المكان لحصرها. توفى ﵀ فى شوال سنة خمسين وثمانمائة ودفن بالسفح عن نحو من خمسٍ وستّين سنة - رحمه الله تعالى (٣).
стр. 151
٦٧ - عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن الفَخر البَعْلَبَكِيُّ الحَنبلي. قال ابن قاضى شُهبة: العدل زين الدين عبد الرحمن بن تقىِّ الدين عبد الله بن شمس الدين محمد، أحد العدول بدمشق، توفى فى شهر رجب سنة ثلاثٍ وثمانمائة، ووالده توفى فى رجب سنة أربع وأربعين.
٦٨ - عبد الرحمن بن أبي بكر بن داود شيخ زاوية جَدّه، وزاد فيها زيادة كثيرة، ورأس وتفاخَم أمره، وكبُرت كلمتُهُ، وكان مُعظَّمًا عند الخاصَّةِ والعامَّة وله حرمة قاطعة فى غالبِ البلاد، ولا تردُّ كلمتُهُ، له فهم حَسن، وصنَّف كتابا فى "الوَعْظِ" بخطه فى مُجلدين (١)، وكتابًا فى "الأشجار والنَّبات والأحْجَار" مُجلدين (٢) و"الأوراد" و "شَرحها" فى مجلّدين (٣). توفى بعد الخمسين وثمانمائة بالصَّالحية، ودفن بالزَّاوية، وكانت وفاتُه على التَّحقيق فى تاسع عشر ربيع الأول من شهور سنةِ ست وخمسين وثمانمائة.
стр. 152
٦٩ - عبد الرّحمن بن إبراهيم بن يُوسف بن الحَبَّال، الشيخُ الِإمام العالمُ العلامةُ الزَّاهدُ العابدُ الورعُ القدوةُ الحجةُ ذو الفضل زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن الحبَّال، الحَنبلى الفقيهُ المقرئُ المحدث المتقنُ. كان يقرئ بمدرسة شيخ الِإسلام فى العلم والقرآن وغيرهما، أخذ عن (١ ابن الحبال ١)، وابن ناصر الدين وغيرهما، وعن الخلق الكثير والجم الغفير، قرأتُ عليه فى القرآن وجميع "المُقنع" و "البخارى" و "مسلم" و "أربعين ابن الجزرى"، وغير ذلك. حفظَ "الخِرَقىّ" و "المُلحة" وغيرهما، وقرأ عليه خلقٌ القرآن وغيره، وكان يشتغل فى جميع الكتب "كالخرقى" و "المُقنع" و "المحرر" و "العمدة" وغير ذلك للحنابلة، ويَشتغل لغيرهم كالشَّافعية فى "المنهاج" وغيره والحنفية والمالكية وولى القَضاء، وكان صاحبَ زُهدٍ ورضًا وورعِ ودين ونفسِ رضيَّةٍ طيِّبةٍ وكلامٍ حسن تابعًا للسُّنة والآثار، يقوم كثيرًا، ويصومُ غالبَ أيَّامه، رفيقٌ بالطَّلبة شفيقٌ عليهم، له معرفة بالتَّفسير، وكلام السَّلف. أبيض ليس بالطَّويل ولا الرَّقيق ولا الغَلِيْظ، حسن الوجه، بشوش الصورة متواضعا لم ير فى التَّواضع مثله، حتى أنه يحدّث الصِّغار بكلامهم، وأىُّ صغير رآه باس (٢) يده ولكثرة تقبيل وجوههم لا يَغضبُ على أحد ولو آذاه، كتب القرآن مرارًا عديدة حتى أنه كتب أكثر من مائة مصحف، ولم
стр. 153
يره أحد قط غَضِبَ على أحدٍ، ولقد خرج هو وأخوه إلى بعض البساتين فعرَّوهم ثيابهم وأخذوا ما كان معهم، ثم قالَ لى بعد ذلك عرفت منهم واحدًا. قلتُ: ما قلت له؟ قال: قلت له لا تعد إلى مثل ذلك. قلت: من هو؟ قال: لا أفضحه ولا أعلمُ به أحدًا. وكان يقضى حوائج الإخوان ويهتم لهم ما يهتم لنفسه، ويلتقط المنبوذات ويقول: الأصل فى جميع الأشياء الطهارة حتى فى الأرواث، وكانت معه مشيخة الضِّيائية، وكان كثير الذّكر والتلاوة، لا يَظُنُّ فى أحدٍ بشر ولا بنجس، وإذا رأى من أحدٍ شرًّا وجه له وجهًا حسنًا، يلبس الأشياء الحقيرة، قليل أكل الفاكهة، يأكل فى السَّنة المشمشة الواحدة، ويأكل بالحكمة، ولا يأكل الملح، ويذكر أنه وقع فى البَحر فامتلأ جوفه منه فلا يقدر على أكله، لا يسمع دعاءً إلا حَفظه ولا حديثًا ولا أثرًا إلا عَمِلَ به وأمر به أصحابه وانتفع به خلقٌ كثيرٌ، لو حَلَفَ الحالفُ أنه لم يرَ مِثْلَه دينًا وزهدًا وتواضعًا لا فى الحنابلة ولا فى غيرهم لم يَحْنَث. سمعتُهُ يقولُ: حَصَلَ لى ما لا يحصل لأحد صعدت على ظهرِ بيتِ الله كتبت عليه جزءًا من القرآن ابتداء مصحف. قلت: وهذا المصحف قرأت فيه، وسمعته يقول، قال لى الشيخ عبد الرحمن أبو شَعَرٍ، وافقنى فى أربع: اسمى عبد الرحمن واسمك عبد الرحمن، ومذهبك حنبلى ومذهبى حنبلى، ودين الِإسلام دينُك، وأنا آكل بالحكمة وأنت تأكل بالحكمة، وإذا متُّ لا ينوحُ على أحدٌ وإذا متّ لم يَنُحْ عليك أحدٌ. قال: فلما مات لم يَنُحْ عليه أحدٌ، وأنا ليسَ لى من يَنُحْ على. دخلتُ عليه فى مرض الموت فقيلَ له: ما تشكو؟ قال: لا أشكو وإنما أشكر [(١)] دخل ذو النون على
стр. 154
مريض يعوده فوجد زوجتَه مريضةً، وابنَته كذلك، فقال: كيفَ تجدُك؟ فقال: ليس بصادقٍ فى حبّه من لم يَصبر على ضَربه. قال فقالت المرأة: ليس كما قلتَ، بل ليس بصادقٍ فى حبّه من لم يرضَ بضربِهِ. فقالت البنت: ليس كما قلتما، بل ليس بصادقٍ فى حبّهِ من لم يَتَلَذَّذْ بِضَرْبِهِ. فخرج ذو النون يَبكى، وكُنّا نَدخلُ عليه وهو فى حال المرض فيقول: من معه قرآن يقرأ فلم يزل يُقرأ القرآن، إلى أن ماتَ. توفى يوم الجمعة، وكانت جنازتُه مشهودةً لم أرَ قبلَها - فيما أظُنُّ - أكثرَ جمعًا منها، وحُمِلَ على أطرافِ الأصابع، وازدَحَمَ الناسُ ازدحامًا بالغًا عند جنازته على حمله، وتقدَّم فى الصلاة عليه الشيخ عُمر اللُّؤْلؤى (١)، ودفن فى أسفل الروضة عند صُفَّة الدعاء، ودعا له الشيخُ عُمر المذكور بعد دفنه، فقالَ فى دعائه إلى صحائف شيخنا هذا وهو من أقرانه، وتأسَّف الناسُ عليه تأسفًا بالغًا، ومات شهيدًا مبطونًا فإنه استُسقى، وكان ابتداء مرضه أول رجب واستمر به إلى العشرين من شهر رمضان سنة ستٍّ وستين وثمانمائة، ورأيت له منامات حسنة ﵀.
٧٠ - عبدُ الرحمن بن يَعقوب البَعْلِيُّ، الشيخُ جمالُ الدين أبو الفرج الوَرِعُ الزاهدُ، ناب فى القضاءِ لابن الحبَّال.
стр. 155
٧١ - عبد الصَّادق الحَنبلى، قال ابنُ قاضى شُهبة: القاضى زين الدين عبد الصَّادق كان شابًا سكن بركن مسماريّة (١)، ويأوى إلى بنى مُنَجَّى، وصار من شهودِ الحكم، ثم صارَ بعد الفتنة أو قبلها إلى طَرَابْلُس فولى قضاء الحنابلة بها، وشُكرت سيرته، ثم عُزل وقَدِمَ دمشق وتزوَّج بزوجةِ القاضى تقى الدّين بن مُنَجَّى السَّلاوى فى العام الماضى، وصار يتكلَّم فى السَّعْى فى قضاءِ دمشق فأدركه أجلُه، سقط عليه سقف خزانة القاعدة بالسَّلاَرِيَّة آخر ليلةِ الاثنين ثالثة من المحرم سنة ستٍّ وثمانمائة، فماتَ تحتَ الرَّدم، وسلِمَتْ امرأتهُ، ثم ماتت بعد أيامٍ قليلة - رحمه الله تعالى.
٧٢ - عبد العزيز البَغْدادِىّ، الشيخُ الإمام العلامةُ قاضى
стр. 156
القضاة عزّ الدين عبد العزيز الحَنبلى البَغْدَادِيّ. ولى قضاءَ دمشق مدة، وكان فقيرًا لا يحكم إلا بأجرة، وبنى مدرسة أثنى عليه الخير. واختصر "المغني" فى مجلدين، و "شرح الخِرَقِىّ" شرحًا آخر فى مجلدين، وقد ابتعتهما من تركة شيخنا الشيخ تقى الدين، توفى بعد الثلاثين وثمانمائة.
стр. 157
٧٣ - عبد الرزاق الحَنْبَلِى، الشيخُ الفقيهُ والدُ شهابِ الدّين، اشتغل على القاضى علاء الدين بن اللحَّام فى الفقه والحديثَ، وباشر عند الأمير محمد وأخوه. وكان عنده دين، وعمل وسكون، يقتصد فى أموره، وكان هو وأخوه يتيمين (١) قلت: حفظ "مُحرر" الشيخ شمس الدين [بن] عبد الهادى، وصنف عليه كتابًا - وهو عندى - واختصر "قواعد الشيخ زَين الدّين بن رَجَب". قال ابنُ قاضى شُهبة: توفى بمرض الاستسقاء - بعد ما تعلَّل مدةً - يوَم الأحد سابع عشر شهر ربيع الأول سنة تِسعَ عشرةَ وثَمانمائة، وقد قاربَ الخمسين.
٧٤ - عبد القادر بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرزاق ابن الشيخ محيى الدين أبي محمد بن عبد القادر الكِيلانى الأصل الحَمَوِي. توجه للحجّ سنة سبع وثمانين وسبعمائة، وتوفى فيها فى شهر ذى الحجة عن ست وعشرين سنة.
٧٥ - عبد القادر بن أخينا، (٢ وصاحب البارعُ ٢) الفاضلُ زينُ الدّين قاضى مكةَ المُشَرَّفة، زين الدين (٣) الشريف الأصل.
стр. 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 159
٧٦ - عبدُ القادر بن الشَّيخ أبي الحسين على بن الشيخ تقى الدين بن الشيخ الِإمام العالم الحافظ القدوة اليُونينى الحنبلى العابد الورع الشيخ مُحيى الدّين بن اليُوْنِيْنِىّ الحَسَنِيُّ الحَنْبَلِيُّ. توفى سنة سبع وأربعين وسبعمائة ببعلبك، ودفن بها جانب مقبرة باب سَطْحَا.
٧٧ - عبدُ المُنعم بن سُليمان بن داود، البَغْدَادِىُّ الأصل، الدِّمَشْقِىُّ المِصرِيُّ الحَنْبَلِىُّ. قالَ [ابنُ] قاضى شُهبة: الشَّيخُ المدرسُ شرفُ الدِّين زار بغداد، وقدم القاهرة وهو كبير، فحجَّ وصحب القاضى
стр. 160
تاج الدين السُّبكى، وأخذ اللغة عن القاضى موفَّق الدين وغيره، وعين لقضاء الحنابلة فلم يَهَيَّأ لذلك، وولى تَدريس مدرسة أم الأشرف بعد حسن النَّابُلْسِيّ سنة اثنتين وسبعين، ودرس أيضًا بالمنصورية. قال ابنُ حجّى: وكان عاقِلًا وانقطع بالجامع الأزهر عدة سنين يدرس ويفتى. توفى ثامن عشر شوال سنة سبع وثمانمائة.
٧٨ - عبد الله بن محمد بن مُفْلِح بن محمد بن مُفَرِّج المَقْدِسيّ الأصل الدمشقى الصَّالحى، الشَّيخُ الإمامُ العلامةُ شيخُ الحنابلة بالشام كذا ذكره ابنُ قاضى شُهبة. شرف الدين بن محمد الإمام العالم العلامة صاحب التصانيف النفيسة شمس الدين أبي عبد الله الحنبلى الشهير بـ "ابن مُفْلِح"، مولده على ما أخبر سنة ثمانٍ وخمسين، وقال مرةً: سنة ستٍّ أو سبعٍ وخمسين، وقال غيره: ولد سنة أربعٍ وخمسين وسبعمائة، أجازه قديمًا
стр. 161
أبو العباس المِرداوى خاتمة أصحاب بن عبد الدايم. وقال ابن قاضى شُهبة: توفى والده فى رَجب سنة ثلاثٍ وستين، فحفظ "المُقنع"، و "مختصر ابن الحاجب" وغيرهما واشتغل فى العلمِ، وتأدَّبَ فى القَضاء قبل الفتنة وبعدها مدة طويلة، وكان كثير الاستحضار، يستحضر كثيرًا من الحديث والفقه لا سيما فى فروع والده ومن الأصول، ويستحضر "مختصر ابن الحاجب" وحفظه أجود من نقله، وكان شيخ الحنابلة بالشَّام، كذا ذكره. قلت، أخبرفى بعض أقاربه أنه كان يتعاطى الحشيشة، فالله أعلم، وسمعت والدى يخبر أنه ولى القضاء لعز الدين وأنه حضر مرة عنده فى درسه، فقال القاضى عز الدين أين مسألة كذا؟ فقال: قال القاضى فى الكتاب الفلانى، فى الموضع الفلانى قولًا أو كذا وكذا، فقال: والله يا شرف الدين تَكذِبُ، البارحة كنت أطالع فى هذا الكتاب، فى هذا الموضع ليس فيه هذا، فلما انصرف القاضى عزّ الدين إلى بيته ذهب إليه فقال: يا سيدى قاضى القضاة [تشمت بنا] (١) هكذا قُدَّامَ النَّاس، من كان يروح ينظر فى كتاب القاضى، كنت غفرت لى هذا. وسمعته يحدث أن القاضى علاء الدين بن مغلى (٢) لما قدم دمشق حضر عنده فقال ابن مغلى: ذكره ابن الحاجب فى "المختصر" كذا وكذا، فقال هو: ما هو فى المختصر، قال: فغضب، ثم قام فجاء "بالمختصر"، ثم قلب أو فتحه ثم قلب الورقه وأراه إيّاه وقال خذ فانظر! الكاذب أنتَ، وأبوك يكذب على مسند الِإمام أحمد ويقول رواه أحمد فى المسند، أين المسند؟ لما عُدم المسند كل من كذب شيئا عزاه إلى المسند أو ما هذا معناه، وكان جهور الصوت. توفى بالصّالحية فى ذى القعدة سنة أربع وثلاثين وثمانمائة، ودفن بالروضة عند
стр. 162
والده وأخويه رحمهم الله تعالى. وذكره ابن ناصر الدين فى "المجموع" فقال: عبد الله بن محمد بن مفلح بن مفرج المقدسى شرف الدين الِإمام العالم العلامة، ولد سنة سبع وخمسين وسبعمائة، أجاز له أبو العباس أحمد بن المرداوى خاصة أصحاب أحمد بن عبد الدايم الحضور، وأجاز له أيضًا عبد الله بن قيّم الضّيائية (١)، وست العرب بنت محمد بن الفخر بن البخارى وغيرهم.
٧٩ - عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن عبد الباقى
стр. 163
الحِجَازِىّ المَقْدِسِىُّ الحَنْبَلى. قال ابن قاضى شُهبة (١): الشيخ الِإمام قاضى القضاة موفق الدين أبو محمد عبد الله قاضى الحنابلة بالدّيار المصرية أكثر من ثلاثين سنة، مولده فى أوائل سنة تسعين وستمائة، وقال بعضهم: سنة ست وسبعين، وتفقَّه وسمع الحديث وأفتى وحدَّث ودرَس، وحدث (٢) سمع منه الحافظان زين الدين العراقى، ونور الدين الهيثمى (٣) وناب فى القضاء بالديار المصرية من جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين إلى أن توفى. باشر مع أحد عشر سُلطانًا، ذكره الذهبى فى المُعجم المُختصّ (٤) وقال: عالمٌ زكىٌّ خيَر صاحبُ مروءةٍ وديانةٍ وأوصافٍ حميدةٍ، وله يد طولى فى المذهب، حُمدت سيرته فى القضاء [مات] سنة تسعٍ وستين وسبعمائة فى شهر الله المحرم.
٨٠ - عبدُ الله بن قاضى القضاة شمس الدين محمّد بن التَّقِىِّ، الحنبلىُّ القاضى تقىُّ الدّين، كان حصل له ضعف فى حياة والده ثقل منه لسانه، وكان أبوه يحبه ولم يكن مُحَصّلًا لشئ من العلم، ولى قضاء طرابلس، وكان له أخٌ أصغرُ مشتغلًا بالعلم، توفى عبد الله فى شهر رمضان سنة خمس عشرةَ وثمانمائة - رحمه الله تعالى.
стр. 164
٨١ - عبد الله بن صلاح الدين محمد بن قاضى القضاة شَرَف الدين أحمد بن قاضى الجَبَل جمال الدّين. توفى فى أوائل شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وسبعمائة - رحمه الله تعالى.
٨٢ - عبد الله بن قاضى القضاة علاء الدين بن محمد بن على ابن عبد الله بن أبي الفتح الكِنَانىّ العَسْقَلاَني الحَنْبَلِىُّ المعروف بـ "ابن الجُنْدِىِّ"؛ لأنه كان بزىِّ الجُند منذ نشأ إلى أن شاخَ، المحدّثُ الفاضلُ جمالُ الدين. ولد سنة خمسين وسبعمائة وحضرَ على أبي الفتح القَلانِسِىِّ، وعلى بن أبي الحسن الفَرَضِىّ، ومحمد بن إسماعيل الأمَوِىُّ وغيرهم. قال ابن حِجّى: وتصدَّى فى آخر عمره للتَّحديث فأكثروا عنه وكان مشاركًا، على ذهنه مسائل حسنة وفوائد نفيسة مع الدّين والعبادة والقناعة، وهو قريبُ ناصر الدّين نَصرِ الله الحَنبلى (١) يجمعهما أبو الفتح الجدّ الأعلى. مات فى نصفِ شهرِ شَعبان سنةَ سبعَ عشرةَ وثمانمائة.
стр. 165
٨٣ - عبد الله بن يوسف بن هِشام، الشَّيخُ الإمامُ جمالُ الدِّين أبو محمد عبد الله بن جمال الدين يُوسف بن هِشام، النَّحوى الأنصارِيّ، فصيحُ زمانه، وسيبويه أيامه، صاحب المعرفة التامة فى النحو واللغة والِإعراب والقراءات والحديث والفقه وغير ذلك، وكان إمامًا فى العربية، لم يُر مثله، وصنَّف كتاب "المغنى (١) " لم يصنَّف فى النحو
стр. 166
مثله، وهو كتاب جليل لم يُرَ مثله ولم يصنَّف مثله أبدًا، ترجمه فى أوله وادعى فيه - ووالله إنه لكما قال وفوق ذلك - ثم قال (١):
ومَنْ ذَا الّذى تُرضَى سَجَايَاهُ كلّها ... كَفَى المَرْءُ نُبْلًا أنْ تُعدَّ مَعَايِبُهْ
وصنَّف "التَّوضيح" على ألفية ابن مالك، وهو كتاب جليل لم يحل الأبيات لكنّه يتكلم عليها فيه (٢) من غير تعرُّض إليها، وله "شرح بانت سعاد"، وله "شرح الدُّريدية"، و "شرح شذور الذهب" وله "المغنى" القديم وذلك أنه صنَّفه أولًا فلما حَجَّ أُصيب به وبغيره كذا ذكره فى "المغنى" فلما أصيب به عمل هذا المغنى الثاني وهو أحسن لم من الأول، وله كُتُبٌ أُخَر غير ما ذكرنا.
وكلامه فى النحو فى غاية الجودة، وأعلى المراتب يدلُّ على تمكنٌ فيه، ويدٌ عُليا، وقد رتَّب المغنى على بابين، ذكر فى الأول المفردات فأجاد فيها وأفاد، وذكر فى الثاني الجمل، وله "مقدمة فى النحو" وغير ذلك. أظن أنه توفى قريبا من رأس القرن الثامن (٣). والله أعلم.
٨٤ - عبد الله بن محمد بن أحمد بن عبد الله المَقْدِسِىّ
стр. 167
الصالحى المعروف بـ "ابن عُبيد الله" (١)، سمع من الحجّار، وأبي بكر ابن الرّضى، وزَينب بنت الكَمال، وأحمد بن على الحرِيرى، ومحمد بن يوسف الجُراعى. ذكره ابن ناصر الدين فى "المجموع" وقال: توفى فى ذى القعدة سنة ثلاثٍ وثمانمائة.
٨٥ - عبدُ الله بن مُحمد بن أحمد بن عبد البارِى بن عُمر. أحضره والده على جماعةٍ، وسمع من خَلْقٍ، وكان عندَه دينٌ وورعٌ، وسعتُ القاضى ناصر الدين بن زُرَيْقٍ يقول فى جنازته: كانَ الشَّيخُ عبد الله رجلًا لك به حاجة والله أنا كنت أعرفه، وكان يعرف السَّواد من البَياض، كان يعرفُ الأسود فيجتنبه، ويعرف الأبيض فيأتيه، يشير بذلك إلى أنه كان يَعْرِفُ الجيِّد والخَيْر من الأمور من الشَّر فيأتى الخيرَ ويجتنب الشَّرَّ. توفى يوم الثلاثاء العشرين من جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وثمانمائة بالصَّالحية، ودفن بالرَّوضة عند قبرِ الشَّيخِ موفَّق الدّين. ذُكر لى أنه تُوفى شَهيدًا مبطونًا.
٨٦ - عُثمان الخطيب، فخر الدين. كذا ذكر لى.
стр. 168
٨٧ - عُثمان التَّلِيْلِيُّ الشيخُ الِإمام الزاهدُ البركةُ القدوةُ أبو النور، خَطيبُ جامع المُظفّرِى عن الشيخ على بن عُروة، وابنُ الطَّحان، والشيخُ عبد الرحمن وغيره، وعنه جماعة، كان يقيمُ بالجامع ويخطبُ به وكانت القلوب ترقّ عند سماعِ خُطبه وتَبكى الخَلقُ طقًّا. ويحصل منها للخلق ما لا يحصل من غيره. أبيض اللّون، ليس بالطويلِ ولا بالقصيرِ، ليس بالرقيقِ ولا بالغليظِ، صاحب دِيْن وورع وزهدٍ، لين فى كلامه، ساكن فى مِشيته وهيئته، لم يَسمع منه أحد كلامًا ساقطًا، معظم عند الناس، لم يُرَ من ذى شيبة أجلَّ منه ولا أجمل كأنَّه القَمر، وجلس للإِقراء بمدرسة شيخ الِإسلام بمكانِ الشَّيخ زِين الدين بعدَ وفاته. وكان فى حالِ حياتِهِ ربما جلس معه فأقرأ، وكان يقرئ بالجامع قرأت عليه جزء المنتقى من "مسند الِإمام أحمدَ"، ومواضع من كتاب "المُقنع" وكان معظمها عند المشايخ مهابًا، تأخذ قراءته بالقُلوب، قال لى بعضُ أصحابِنا: أشبهه فى المِحْراب إلى الأسد، قليلُ الضَّحك بشوشَ الفَمِ. توفى سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة، توفى بالصَّالحية ودفن بالروضة.
стр. 169
٨٨ - علىُّ بن محمّد بن عبّاس، عرف بـ "ابنِ اللَّحَّام" الشيخُ الِإمامُ العالمُ العلّامةُ أقضى القُضاة، علاءُ الدين بركةُ المسلمين، أبو الحسن على بن محمد بن عبّاس البَعلى الحَنبلى، نزيلُ دمشق، الفقيه الزَّاهد الوَاعِظ الأصولى القُدوة. ترحمه الشَّيخ [ابن] ناصر الدين (١) وغيره. قرأ على (٢) الشَّيخ زين الدين بن رَجَب، وولى القضاء نيابة، وكان حسن الكتابة، وجدت أكثر كُتُبِ ابن رَجَبٍ بخطه كـ "شرح البُخارى" و "القَوَاعِدُ" وسائر كتبه الصِّغار، وقال ابنُ ناصر الدّين: وكان مُحِبًّا للشَّيخ تقىّ الدّين ابن تيمية. وترجمه (٣) ابن رَجَب بترجمة حسنة فيما وجدته بخطِّه، وكان شَكْلًا حَسَنًا. قال ابنُ قاضى شُهبة (٤): الشَّيخُ الإمامُ العالمُ العلّامةُ الفقيهُ المحدِثُ المُفتى الصَّالِحُ
стр. 170
الخير علاء الدين أبو الحسن عل بن أبي عبد الله محمد بن عباس البَعلى الأصل، الدِّمشقى الحَنبلى، شيخُ الحنابلة بالشَّام مع القاضى تقى الدين ابن مفلح، مولده ببعلبك بعد الخمسين، قال: "وأظُنُّ" واشتغل ببعلبك وفضل، ثم قدم [دمشق] ولازم الشَّيخ زين الدين بن رَجَبٍ، والشيخ شهاب الدين بن الزُّهرى، وأخذ عن الشيخ زين ابدين القُرشى وغيرهم. وأفتى وناظر ودَّرس وصنَّف، واشتغلَ وشاعَ اسمه واشتهر ذِكره. ناب فى القضاء عن القاضى الأكبر ابن منجّى وغيره وولى بعد ابن رَجَبٍ حلقة المسار بالجامع الأُموى، وكان يعمل فيها مواعيد نافعة [ينقل] مذهب المخالفين عن كُتُبِهِم ويحبر ذلك، وهو حسن المجالسة كثير الِإيضاح يندب على نفسه، ثم ترك نيابة القضاء فى آخر عمره، وأجمع على الاشتغال والتَّصنيف، فلما وقعت الفتنة ذهب مع الناس إلى مصر، فلما توفى قاضى القضاة موفَّق الدين (١) عُرِضَ عليه القضاء بالديار المصرية وسئل فى ذلك مرارًا، فامتنع، واستقر فى تدريس المنصورية (٢) فلم يلبث أن توفى فى عيد الأضحى، وكان له جنازة عظيمة ﵀ قال ابنُ قاضى شُهبة (٣): رأيت شيخَنا، قالَ: إنَّه بلغه أن مولده سنة اثنين وخمسين وسبعمائة، واشتغل ببلده على الشَّيخ شمس الدين ابن اليُونَانِيَّة، ثم انتقل إلى دمشق واشتغلَ بها فى الفقه والأصول على الشَّافعية، قال: وكان رجلًا جيدًا كبيرًا محبًّا فى
стр. 171
الناس سمع "صحيح مسلم" ببَعْلَبَكَّ من ابن عبد الدّايم وسمع من جماعة بها وماتَ والده وهو رضيعٌ - وكان لحّامًّا - فربّاه خالُه شمس الدين بن النّيْحاني - بالياء المثناة من تحت بعد النون - وعملَ صنعة الكتاب مدَّةً، ثم حُبِّبَ إليه طلب العلم، وفضُلَ بنفسه وأنجَبَ وصارَ مشارًا إليه مقصودًا بالقضاء والفَتوى، ثم إنه ترك القَضاء وتابَ منه، ولما رَحَلَ إلى القاهرة ولى بها تدريس المَنْصُوِرّية لمَّا توفى موفق الدين، فلما تُوفى نزل عنها لمن دفع إليه ما غرم ثم قال: وهذا الثاني أخبر به شيخُنا، قلت وله تصانيف مفيدة منها "تَجْرِيْدُ العِنَاية فى تَحْرِيْرِ أحكَام النِّهايَة (١) "، وهو كتاب جليلٌ بيَّض فيه كِفاية ابن رَزِيْن حين مات ولم يُحَرِّرْها، وقد كان بَيَّضها قبله الشيخ عبدُ المؤمِنْ ولم يطلع على ذلك فلما رآهُ واطلَّع عليها قالَ: لو رأينا هذا ما تَعِبْنا. وأُخبرتُ أنه لما صَنَّفَهُ أَراهُ ابنَ رَجَب فرمى به وقالَ: لقد قَرْطَمْتَ العلم ومنها كتاب "اختيارات الشيخ تقىّ الدّين بن تَيْمِيَّة". وصنَّف فى الأصول كتابه المُختصر المُسمّى "بإِحْكامِ الأحكَام الفَرعْيَّة" (٢) وأظنُّه تَبعِ فى ذلك الأسنوى وله تَعاليق أُخر. قَال لى شهابُ الدين [ابن] هِلالٍ الأزْدِىُّ: توفى بعد الشَّيخ زَين الدّين ابن رَجَب سنة سبع وستين (٣) أو قريبًا من ذلك، وقد قدمنا وفاة ابن رجب سنة خمس وتسعين. وذكر ابنُ قاضى شُهبة (٤): أنه توفى فى شهر شَّوالٍ سنة ثلاثٍ وثمانمائة.
стр. 172
٨٩ - على بن الحُسين بن على بن عبد الله الكَلاَئيُّ (١) البَغْدادِىُّ المقُرئ الحَنبلى سبطُ كمال الدين عبد الحق، ولد صفى الدين ابن عبد المؤمن البغدادى، الشيخ زين الدين، مولده فى أواخر جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وستمائة، أجاز له عبد المؤمن بن خلف الدُّمياطى، والقاضى سعد الدين الحارِثي، وابنُ القَيِّمِ، وابن الصَّوَّاف وابن الصَّابوني، وأبو الفتح موسى بن على بن أبي طالب الحَسَنىّ وغيره. ذكره شهاب الدين بن رَجب (٢) من "مشيخته"، وقال: رجل صالحٌ كثير الخير والتّلاوة والذكر، حجَّ مرارًا وجاورَ. توفي في ذى الحجة سنة أربع وسَبعين وسبعمائة.
٩٠ - على بن القاضى الصدر المدرّس عزّ الدين محمد بن شمس
стр. 173
الدين التَّنوْخِىُّ الحَنبلىُّ. قال ابن قاضى شُهبة: الشَّيخُ الأصيلُ علاءُ الدين أبو الحسن، مولده سنة عشر وسبعمائة، سمع "صحيح البخارى" من وَزِيْرةَ (١)، وسمع ابن عيسى المطعم وغيره، وكان يحضر بالجامع الأُموى فى رمضان بعد الظهر مع الشُّيوخ فى قراءة البخارى. توفى فى شهر ربيع الآخر سنة ثمانٍ وسبعين وسبعمائة.
٩١ - على بن عُبْيدٍ المَرْداوِىُّ. قال ابن قاضى شُهبة: العدلُ علاءُ الدين سمع من أحمد بن عبد الرحمن المَرداوى وحدَّث وكان يكتب خَطًّا حَسَنًا ويُعْتَمَدُ عليه فى الشَّهادة بالصَّالحية. توفى يوم الأربعاء لعشرين فى شهرِ جمادى الآخرة من سنة أربعٍ وثمانمائة بالصَّالحية.
стр. 174
٩٢ - على بن خَليل بن على بن أحمد الحِكْرِيُّ. قال ابن قاضى شُهبة: قاضى القضاة نور الدين أبو الحسن، اشتغل فى الحديث والفقه، وولى قضاء الحنابلة بالدّيار المصرية بعد عزل القاضى موفق الدّين بن القاضى ناصر الدين العسقلاني فى جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانمائة، وقَدم مع السُّلطان إلى دِمشق، وكان يجلسُ بمحرابِ الحنابلة ويَعِظُ، ثم عُزل بعد رجوعه إلى القاهرة فى آخر السنة المذكورة. وقال ابن حِجِّى: كان من الفُضلاء درَّس وأفاد وذكَّر الناس بالجامع الأزهر وغيره، وكانت ولايته القَضاء ستة أشهرٍ [وبقى] معزولًا إلى أن مات فى تاسع المحرم. وذكر ابن قاضى شُهبة أنه مات فى صَفر سنة ست وثمانمائة ﵀.
٩٣ - على بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمود المَرْدَاوِيّ
стр. 175
الحنبلى. ذكره ابن قاضى شُهبة فى تاريخه وترجمه بالشيخ على قال: وقال شيخُنا (١): وكان من أقدم من بَقيَ من شُهود الحكم بدمشق شهد على المَرداوى وغيره، وكان رجلًا جيدًا، روى الحديث، عمن ابن الرّضى و [رينب] بنت الكمال. توفى فى شهر رمضان سنة ثلاث وثمانمائة.
٩٤ - عِلى بن موسى بن اللَّبّوْدِىُّ، الشّيخُ المحدثُ النبيلُ المتقنُ، برعَ وصنَّف، وله كتاب "المُغِيْث فى شرحِ غريبِ الحَدِيْث" فى مُجلَّدين. لم اطّلع على وقتِ وفاته، رحمه الله تعالى.
٩٥ - على بن أحمد بن محمد بن سُليمان الخَطيب، محب الدّين بن الخَطيب نجمِ الدّين بن القاضى عزّ الدّين بن القاضى تقى الدّين بن سُليمان المقدسى، خَطِب جامع الحنابلة.
стр. 176
٩٦ - على بن محمد بن عبد المُؤمِن بن عبد الرحيم الحَنْبلى، الشَّيخ على علاءُ الدّين أبو الحسن سِبْط عبد الرحمن بن صَوْمَع المعروف ب "الحموى"، حدث عن ابن الشَّحنة وغيره. توفى ليلة الإثنين ثامن عشر جادى الأولى سنة خمس وثمانين وسبعمائة وصُلّىَ عليه من الغد بعد الظُّهر.
٩٧ - على بن شهاب الدين المقدسى الأصل ثم الصَّالحى الحنبلى الفقيه والد القاضى عز الدين الآتى ذكره.
٩٨ - على بن محمد بن على بن مُنْجى التَّنوخى، قاضى القضاة علاءُ الدين، كذلك وجدتُ على قبره بالروضة، وسألتُ عنه فقيل: القاضى علاء الدين بن مُنَجَّى الحَنبلى، توفى فى الصَّالحية ودفن هنا.
٩٩ - على بن المُنَجَّى بن عُثمان بن أسعد بن المُنْجيّ الحنبلى أبو الحَسَن علاء الدين قاضى القضاة، التنوخى الدّمشقى، ولد سنة سبعٍ وسبعين وستمائة. روى عن أبيه وابن البخارى، وابن سُفيان، وتفقَّه بأبيه
стр. 177
وغيره، وأفتى ودرّس وَولِىَ بعد ابن الحافظ فشُكرت سيرته، وكان وافرَ العقل، حسنَ الخلقِ كثيرَ النوادرِ. مات خمسين وسبعمائة، وولى بعده جمالَ الدين المَرْدَاوِىُّ. وهذا القاضى علاء الدّين ابن مُنجا المتقدم.
١٠٠ - على بن محمّد بن محمد بن المُنَجَّى. قالَ ابنُ قاضى شُهبة: قاضى القُضاة علاءُ الدّين على بن صَلاح الدّين محمد بن الإمام شَرف الدين محمّد بن الشَّيخ العلامة زينُ الدّين المُنَجَّى بن القاضى الشيخ عز الدين أبو عمرو بن عثمان بن الإمام الكبير العلامة القاضى وجيه الدين أسعد بن المُنَجَّى بن أبي البركات ويقال بركات - ابن المؤمّل السَّرخْسِىُّ المَعَرِىُّ الأصلِ الدّمشقى قاضى القُضاة الحَنبلى. مولده فى سنة خمسين بعد وفاة عمّ والده قاضى القضاة علاء الدين بسبعةِ أيامٍ، وكانت وفاته فى ثامن شعبان. وولى بعد والده تَدريس المِسْمَاريّة (١) وغيرها من الوظائف، واستنابةً بعد ابن قاضى الجبل فى الحكم بَإشارة قاضى القضاة تاج الدين السبكى إلى أن توفى ابن قاضى الجبل، فانجمع فى بيته
стр. 178
تارة بالمِسْمَارِية، وتارةً ببستانه بالرّبَوة إلى أن توفى القاضى شمس الدين ابن التَّقِىّ فولى بعده القَضاء فى شوال سنة ثمانٍ وثمانين إلى أن عزل فى جمادى الآخرة سنة اثنتين وتِسعين بالقاضى شرف الدين بن عبد القادر (١)، ثم اعيد فى ذى الحجّة سنة ثلاثٍ وتسعين إلى أن عُزل بالقاضى شهاب الدّين النابلسى (٢) واستمر به [حتى] ربيع الآخر سنة ستٍ وتسعين، ثم أُعيد فى المحرم سنة السّبع والتسعين، وعُزل فى آخر السنة، ثم أُعيد فى رجب سنة ثمانٍ وتسعين، وعُزل فى صفر سنة تسع وتسعين، ودرّس بالحَنْبلية وغيرها، وكان رأسًا نبيلًا، لم يُرَ فى الحنابلة أنبلَ منه [قالَ] (٣) ابن حِجّى، [و] قالَ ابنُ قاضى شُهبة: وكان حسن الشَّكلِ كثيرَ التَّواضُع والحيَاءِ، لا يَمُرُّ بأحدٍ إلا سَلَّمَ عليه، وكان قليلَ المداخلة لأمورِ الدُّنيا، وأخوه القاضى تقى الدين هو القائم بأمره. توفى يوم الاثنين ثالث عشر شهر رجب سنة ثمانمائة بالصالحية، غربي المدرسة الناصرية أول النهار مطعونًا، انقطع ستة أيام وصُلّىَ عليه بالغد بعد صلاة الظهر بالجامع الأموى (٤) تقدَّم فى الصلاة عليه الشيخ علىُّ بن أيُّوب، ودفن بداره عند الباب وشيَّعه [جماعة] كثيرون، وقد كمّل خمسين سنة إلا شهرًا. (٥)
стр. 179
١٠١ - على بن مُغْلِى الشيخ الِإمام البارع المحصل قاضى القضاة علاء الدين أبو الحسن بن مُغْلى الحَمَوِىُّ الأصل، المِصْرِىُّ الحَنْبَلِىُّ، كان بارعًا فى المذهب له المحفوظ الزَّائد، حفظ "الفروع" و "الخلاصة"، وغير ذلك.
ويقال أنه لما اشتَغل بالفقه هَرَبَ أهل بلده إلى النَّحو فحفظ فيه كتابًا كبيرًا، فهرب أهلُ بلده إلى الطّب فحفظ "القانون". ويحكى أنه قرأ للسلطان البُخارى غائبًا مدة ... الثلاثة أشهر، ويأتى يوم بخطبته فى أول القراءة غير التى خَطَب بها قبل ذلك، ولى قَضاء الحنابلة بالدّيار المصرية، وبرع فى المذهب، واستدرك على صاحب "الفُروع" وأخبرت أنه اجتمع مرة بالقاضى تقى الدين
стр. 180
ابن مفلح، فقال ابن مفلح كلامًا. فقال: اسكُتْ أنتم لما عدم "مسند الإمام أحمد" صِرتم كلّما اختلقتُم شيئًا أو كذَبتموه قلتم فى "مسند الإمام أحمد" وما هذا معناه، وأنه ذكر له جدَّه صاحب "الفروع"، فقال له: جدكم أخطأ فى "الفروع" فى ثلاثمائة موضع كتبتُ عليها. (١) وهو الذى أرسلَ للقاضى ناصر الدين بن زُريق يطلبُ منه خلافة القاضى من الضّيائية فأرسله له ومن ثم انفرط نظامها (٢). وأخباره (٣) كثيرة وآثاره مسطورة. توفى بعد الثمانمائة - رحمه الله تعالى.
١٠٢ - على بن محمد بن على بن عُمر بن أبي الفَتح بن هاشم الكِنانى العَسْقَلاني المِصرى ثم الدِّمَشْقِىّ الحَنبلى نائبُ الحُكم بالقاهرة، قاضى القضاة، علاء الدين أبو الحَسَن. ناب للقاضى موفَّق الدين، ثم على القاضى ناصِر الدّين، ثم قَدِمَ دمشق قاضيًا بعدَ وفاةِ ابن قاضى الجَبَل فى ذى القعدة سنة إحدى وسبعين، وانجمع عن الناس وصار نائبه هو الذى يَتَصَدّى للحكم حتى قيل أنه لا يُعرف له حكمٍ مسجل عليه. قالَ بعضهم -: وكان من خيارِ النَّاس، وأشدَّهم تواضعًا، ولما ولى القَضاء