٩٦ - على بن محمد بن عبد المُؤمِن بن عبد الرحيم الحَنْبلى، الشَّيخ على علاءُ الدّين أبو الحسن سِبْط عبد الرحمن بن صَوْمَع المعروف ب "الحموى"، حدث عن ابن الشَّحنة وغيره. توفى ليلة الإثنين ثامن عشر جادى الأولى سنة خمس وثمانين وسبعمائة وصُلّىَ عليه من الغد بعد الظُّهر.
٩٧ - على بن شهاب الدين المقدسى الأصل ثم الصَّالحى الحنبلى الفقيه والد القاضى عز الدين الآتى ذكره.
٩٨ - على بن محمد بن على بن مُنْجى التَّنوخى، قاضى القضاة علاءُ الدين، كذلك وجدتُ على قبره بالروضة، وسألتُ عنه فقيل: القاضى علاء الدين بن مُنَجَّى الحَنبلى، توفى فى الصَّالحية ودفن هنا.
٩٩ - على بن المُنَجَّى بن عُثمان بن أسعد بن المُنْجيّ الحنبلى أبو الحَسَن علاء الدين قاضى القضاة، التنوخى الدّمشقى، ولد سنة سبعٍ وسبعين وستمائة. روى عن أبيه وابن البخارى، وابن سُفيان، وتفقَّه بأبيه
стр. 177
وغيره، وأفتى ودرّس وَولِىَ بعد ابن الحافظ فشُكرت سيرته، وكان وافرَ العقل، حسنَ الخلقِ كثيرَ النوادرِ. مات خمسين وسبعمائة، وولى بعده جمالَ الدين المَرْدَاوِىُّ. وهذا القاضى علاء الدّين ابن مُنجا المتقدم.
١٠٠ - على بن محمّد بن محمد بن المُنَجَّى. قالَ ابنُ قاضى شُهبة: قاضى القُضاة علاءُ الدّين على بن صَلاح الدّين محمد بن الإمام شَرف الدين محمّد بن الشَّيخ العلامة زينُ الدّين المُنَجَّى بن القاضى الشيخ عز الدين أبو عمرو بن عثمان بن الإمام الكبير العلامة القاضى وجيه الدين أسعد بن المُنَجَّى بن أبي البركات ويقال بركات - ابن المؤمّل السَّرخْسِىُّ المَعَرِىُّ الأصلِ الدّمشقى قاضى القُضاة الحَنبلى. مولده فى سنة خمسين بعد وفاة عمّ والده قاضى القضاة علاء الدين بسبعةِ أيامٍ، وكانت وفاته فى ثامن شعبان. وولى بعد والده تَدريس المِسْمَاريّة (١) وغيرها من الوظائف، واستنابةً بعد ابن قاضى الجبل فى الحكم بَإشارة قاضى القضاة تاج الدين السبكى إلى أن توفى ابن قاضى الجبل، فانجمع فى بيته
стр. 178
تارة بالمِسْمَارِية، وتارةً ببستانه بالرّبَوة إلى أن توفى القاضى شمس الدين ابن التَّقِىّ فولى بعده القَضاء فى شوال سنة ثمانٍ وثمانين إلى أن عزل فى جمادى الآخرة سنة اثنتين وتِسعين بالقاضى شرف الدين بن عبد القادر (١)، ثم اعيد فى ذى الحجّة سنة ثلاثٍ وتسعين إلى أن عُزل بالقاضى شهاب الدّين النابلسى (٢) واستمر به [حتى] ربيع الآخر سنة ستٍ وتسعين، ثم أُعيد فى المحرم سنة السّبع والتسعين، وعُزل فى آخر السنة، ثم أُعيد فى رجب سنة ثمانٍ وتسعين، وعُزل فى صفر سنة تسع وتسعين، ودرّس بالحَنْبلية وغيرها، وكان رأسًا نبيلًا، لم يُرَ فى الحنابلة أنبلَ منه [قالَ] (٣) ابن حِجّى، [و] قالَ ابنُ قاضى شُهبة: وكان حسن الشَّكلِ كثيرَ التَّواضُع والحيَاءِ، لا يَمُرُّ بأحدٍ إلا سَلَّمَ عليه، وكان قليلَ المداخلة لأمورِ الدُّنيا، وأخوه القاضى تقى الدين هو القائم بأمره. توفى يوم الاثنين ثالث عشر شهر رجب سنة ثمانمائة بالصالحية، غربي المدرسة الناصرية أول النهار مطعونًا، انقطع ستة أيام وصُلّىَ عليه بالغد بعد صلاة الظهر بالجامع الأموى (٤) تقدَّم فى الصلاة عليه الشيخ علىُّ بن أيُّوب، ودفن بداره عند الباب وشيَّعه [جماعة] كثيرون، وقد كمّل خمسين سنة إلا شهرًا. (٥)
стр. 179
١٠١ - على بن مُغْلِى الشيخ الِإمام البارع المحصل قاضى القضاة علاء الدين أبو الحسن بن مُغْلى الحَمَوِىُّ الأصل، المِصْرِىُّ الحَنْبَلِىُّ، كان بارعًا فى المذهب له المحفوظ الزَّائد، حفظ "الفروع" و "الخلاصة"، وغير ذلك.
ويقال أنه لما اشتَغل بالفقه هَرَبَ أهل بلده إلى النَّحو فحفظ فيه كتابًا كبيرًا، فهرب أهلُ بلده إلى الطّب فحفظ "القانون". ويحكى أنه قرأ للسلطان البُخارى غائبًا مدة ... الثلاثة أشهر، ويأتى يوم بخطبته فى أول القراءة غير التى خَطَب بها قبل ذلك، ولى قَضاء الحنابلة بالدّيار المصرية، وبرع فى المذهب، واستدرك على صاحب "الفُروع" وأخبرت أنه اجتمع مرة بالقاضى تقى الدين
стр. 180
ابن مفلح، فقال ابن مفلح كلامًا. فقال: اسكُتْ أنتم لما عدم "مسند الإمام أحمد" صِرتم كلّما اختلقتُم شيئًا أو كذَبتموه قلتم فى "مسند الإمام أحمد" وما هذا معناه، وأنه ذكر له جدَّه صاحب "الفروع"، فقال له: جدكم أخطأ فى "الفروع" فى ثلاثمائة موضع كتبتُ عليها. (١) وهو الذى أرسلَ للقاضى ناصر الدين بن زُريق يطلبُ منه خلافة القاضى من الضّيائية فأرسله له ومن ثم انفرط نظامها (٢). وأخباره (٣) كثيرة وآثاره مسطورة. توفى بعد الثمانمائة - رحمه الله تعالى.
١٠٢ - على بن محمد بن على بن عُمر بن أبي الفَتح بن هاشم الكِنانى العَسْقَلاني المِصرى ثم الدِّمَشْقِىّ الحَنبلى نائبُ الحُكم بالقاهرة، قاضى القضاة، علاء الدين أبو الحَسَن. ناب للقاضى موفَّق الدين، ثم على القاضى ناصِر الدّين، ثم قَدِمَ دمشق قاضيًا بعدَ وفاةِ ابن قاضى الجَبَل فى ذى القعدة سنة إحدى وسبعين، وانجمع عن الناس وصار نائبه هو الذى يَتَصَدّى للحكم حتى قيل أنه لا يُعرف له حكمٍ مسجل عليه. قالَ بعضهم -: وكان من خيارِ النَّاس، وأشدَّهم تواضعًا، ولما ولى القَضاء
стр. 181
وكُتب توقيعه إن وضائفه بالقاهرة مستمرة عليه إلى سنة [] (١) وقرئ التَّوقيعات بالجَوْزِيَّة. وقد سمع فى دمشق من الحَريرى وغيره، وأجازَ له ابن الشَّحنة، وحدَّث عنه "بالثُّلاثيات" سمعها منه بالكسوة مع قاضى القضاة.
قال ابنُ حَبِيْبٍ (٢): قاضى دينُه وافر، وعَلَمٌ علمه سافِرٌ، وحقبه مقرونة بالفريضة، وسيرته كأخلاقه جَميلة، وسمتُه حَسَنٌ، وهديه واضحُ السَّنَنَ، عليه وقارٌ وسكون، وله إلى الجهات الحرَّانيَّ (٣) ركونٌ. ولى دمشق وأخذ إليها من القاهرة واستمرّ إلى أن غابَت - بعد خمسين سنين - أنواره الباهرة. وقالَ ابنُ قاضى شهبة: توفى فى دمشق يوم الاثنين خامس عشر شهر شوال سنة ستٍّ وسبعين وسَبْعمائة، ودُفن بسفحِ قاسيون. قالَ ابنُ حَبِيْب عن بضع وستين - رحمه الله تعالى.
١٠٣ - على بن المُسند أبي العباس أحمد بن أبي بكر بن محمد بن طُرْخان، المَقدسىُّ الصَّالحىُّ العَدلُ الأصيلُ علاء الدين، سمع من القاضى تقى الدين بن سُليمان، وعيسى المطعم، ويحيى بن سعد وغيرهم - قال ابن رافع: وحدَّث هو وأبوه وجده وعمه. توفى ليلة سابع عشرين المحرم سنة سبعين وسبعمائة بكُوْنِيْنَ من عَمَلِ صَفَدَ ودُفن هناك.
стр. 182
١٠٤ - على بن شهاب الدّين عبد الرحمن بن قاضى القُضاة عز الدين محمد بن قاضى القضاة تقى الدين سُليمان بن حمزة بن أحمد ابن عُمر بن الشيخ أبي عُمر المقدسىّ الأصل، الدّمشقى الصَّالحى الحَنبلى، الشيخُ علاءُ الدّين أبو الحسن. مولده سنة بضعَ عشرةَ وسبعمائة، حضر على جدِّ والده التَّقى سليمان، وسمع جماعة.
قال ابنُ قاضى شُهبة: قال شيخنا: سعت منه قديمًا وكان رجلًا حسنًا، وكان عنده كَرَمٌ وسخاء، كثيرُ الضِّيافة للنَّاس، وكان شيخَ دارِ الحَديث [النَّفِيْسِيَّة] (١) وناظرها. توفى ليلة السبت الحادى والعشرين فى شهر رمضان سنة أربع وتسعين وسبعمائة.
١٠٥ - على العَسْقَلانيُّ، جدُّ قاضى القضاة عز الدين، ولى القضاء، وله "مسّودة شرح الطوفى" وتعاليق على "المُحرر" وتعاليق على "مختصر ابن الحاجب".
١٠٦ - على بن نجم الدين أحمد بن قاضى القضاة عز الدين
стр. 183
محمد بن قاضى القضاة تقى الدين سليمان بن أبي حمزة المقدسى الخطيب فخر الدين خطيب جامع المُظَفَّرِىِّ بالصالحية. توفى فى شهر جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وسبعمائة.
١٠٧ - على بن أيْدُغْدِىّ البَعلى الحَنبلى المحدِّثُ، نور الدين. قال ابن قاضى شُهبة: ذكره شيخنا، وقال: صاحبنا المحدث، وكان يلقب بـ "حنبل"، سمع ورحل، وجمع شيوخه الذين سمع منهم وكتب عنهم. قال ابن قاضى شُهبة (١): ولا يُعتَمَدُ عليه. لعله توفى فى شهر رجب سنة خمس وتسعين وسبعمائة.
١٠٨ - علىُّ بن حُسين بن عُرْوَةَ الحَنْبَلِىُّ، الشيخُ الِإمامُ العالمُ العلامةُ القدوةُ البركةُ المحدِّثُ الفقيهُ أبو الحسن علىُّ بن عُرْوَةَ المَوْصِلِىّ الحَنْبَلَىُّ، عن ابن الرّضى، وابن الشَّرايحى، وأبو عبد الله المُنْعَتِقِىّ، وابن حِجّى، وجماعة. وعنه الخلق الكثير والجم الغفير كالشيخ عبد الرحمن، وشهاب الدّين بن زَيد، والشيخ رين الدين، والشيخ عثمان، والشيخ عمر اللؤلؤى، وعمّى ووالِدِىّ وابن قُندس وخلقٌ.
стр. 184
كان ردئ اللباس، يلبَس الصُّوف والشعر، متواضعًا لا يأكلُ إلا من عَمَلِ يده ويصنع العباء ويتقوّت منها. برع وصنَّف، اختصر "طبقات القاضى أبي الحسين" و "طبقات ابن رجب" وصنف "الكوكب السَّارى فى تَرتيب المسند على أبواب البخارى" رتبه على ترتيب حسن، وهو كتاب مفيد قريبًا من أربعة عشر مجلدًا ثم أنه بعد ذلك أدخل فيه أشياء، وروى فيه أشياء وبلغ به إلى مائة وعشرين مجلّدًا، وهذا الثاني فيه عفاشة وسمع هذا الكتاب عليه جماعة بقراءةِ الشَّيخ شهاب الدين بن زيدٍ، وكان له ميعادٌ وله فَرَاسَة كثيرةٌ. أخبرت أن إنسانًا كان قد عزم على الشهادة فدخل ميعاده فلما دخل قال الشيخ: تكتب ورقة تساوى كتابتها بقدر درهم فيأخذ عليها العشرة أو الخمسة وذم الشهود. وقال شيخُنا الشيخُ شهابُ الدين بن زيد: ما دخل مجلسه أحد وفى قلبه شيء إلا وتكلمَ فى ذلك بأمرٍ. وحكى أن شخصا كان فى جَنَابَةٍ قد نَسِيَهَا
стр. 185
فدخل مجلسه، فنادى الشيخ رجلا فقال له: قل لهذا يذهب ويغتسل ثم يأتى. وسمعتُ أنه كان أولا يناجى من رأى منه أمرًا ويقول: أنت تَصنعُ كذا، أنت فى عَيْنَيْكَ كذا (١)، أنت فى عَيْنَيْكَ كذا. فلامه أصحابه، وقالوا: أنت تهرِّبُ الناس منك. فقال: ما أصنعُ؟ أرى ذلك فى أعينهم. فقالوا: ولو رأيت ذلك، لا يَنبغى، هذا ينفرُ الناس منك وتفضحهم. فكان بعد إذا رأى أحدا - وكان ثمّ أحد يَراه - يزجره ولا يواجهه بذلك إنما يقول بعضُ لم الناس يرى كذا وكذا أو يفعل كذا وكذا، ويذمُّ ذلك الفعل. ونُقل عنه أنه كان يَتمَنَّى إدراك عيسى بن مريم ﵇ ويقول: أدركه إن شاء الله. وكان يكرَهُ أن
стр. 186
يدعى بـ "ابن زَكْنُون"، ونُقل عنه أنه لم يُبَرأ ذمَّة من قالَها وأنه كان يَقول: "زَكْنُون" شَيْطَانٌ. وأوقَفَ كتبه وجعل نظرها لشيخنا الشيخ تقى الدِّين، وحُكى أن نائب الشام دخل عليه مرة وهو يَخيط فى عباءَةٍ ورجله ممدوة فلم يضم رجله ولم يتغّير عن حاله، ولا تركَ الخياطة، فقبل يده وجلس بين يديه، فقال: من هذا؟ فقالوا: نائب الشام. فقال: اعلم أن الله تعالى قد استرعاكَ رعيَّتَه، وأنت مسئول عنها، ونهاك عن الظلم، ثم ذَكَرَ له زواجرَ الظُّلم فى الكتاب والسُّنة ووعظه فجعل يَبْكى، ثم قامَ عنه وخرج. فلما خرج قالَ بعضُ الجماعة فى نَفْسه لو وضع الشيخ بين يديه زُبْدِيَّةً من اللَّبن - فإن لَبَنَ القُبيبات مشهورة - وأربعة أرغفة. فقال الشيخ: لا أريد أصاحبه حتى أطعمه، أو كما قال. وسمعتُ بعضُهم يقولُ: كان الشيخُ عبد (١) الرَّحمن إذا حضر عنده كأنه ولدٌ، مع جلالة قدرِه كثيرِ علمِه. قال ابنُ قاضى شُهبة: على بن حسين بن عُروة بن زَكْنون الحَنبلى، سمع الحديث، وتعبَّد وهو منجمع
стр. 187
عن الناس بالقبيبات ويَعملُ بيده ويأكلُ، وهو على هيئةِ جمَّالٍ أو ملَّاح، وكان يَعْتَقِدُ مذاهب ابن تيمَّية فى الأصول والفُروع، ورَتَّب مسند الِإمام أحمد وأدخل فيه أشياء ترتيبها على وجه لا يفعله عاقل، وكان فى آخر عُمره منقطعًا عند الحنابلة يعظّمونه ويجتمعون إليه بالجامع الأموى يوم الجمعة، ويجلِسُ تحت قبَّة النَّسر، وكان لكثير من الناس فيه اعتقاد زائد، توفى فى مسكنه بالقُبَيْبات، وحضَرَتْ جنازَتَهُ الحنابلةُ. وخلقٌ من العامَّة وحُمِل إلى الصَّالحية ودفن بسفح قاسيون. قلتُ: ليس الأمر كما قالَ، بل دفن بالقُبيبات (١). توفى فى جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وثمانمائة - رحمه الله تعالى.
١٠٩ - على بن سُليمان المَرْدَاوِىُّ، الشيخُ الِإمام العلامةُ أقضى القُضاة، مُفتى الفرق أبو الحسن، علاء الدين على المَرْدَاوِىُّ الأصلِ،
стр. 188
الصَّالحى الحنبلى، الِإمام الفقيه الأصولى النَّحوى الفَرضى المحدِّثُ المُقرئ عن ابن الطَّحَّان، وابن ناصر الدّين وابن عُروة وغيرهم، وتفقه "بابن يُوسف"، والشَّيخ تقى الدّين بن قنْدُس، والشيخ عبد الرحمن وغيرهم، وأخذ الفرائض عن الشيخ محمد السُّبكى وغيره، واشتغل وحصَّل وبرعَ وأفتى ودرس فى المدرسة الضِّيَائية مشاركة، وناب فى القَضاء، وقرأ (١) "المُقنع"، و "الطُّوفى" و "الخُلاصة" وصنّف فمن تَصانيفه: "الِإنصاف تصحيح المقنع" و "تصحيح الفروع"، وكتاب "التَّنقيح فى تصحيح المقنع"، و "اختصار الِإنصاف" وكتاب "التَّحرير فى الأصول" و "شرحه" وغير ذلك، وله "مَولدٌ (٢) "
стр. 189
و "كتاب فى الأدعية (١) "، وشرع فى "شرح الطوفى"، وكان يقرئ بالّروايات بمدرسة شيخ الإسلام، عالمًا باللغة والتَّصريف والمنطق والمعانى وغير ذلك، له حظٌّ من العبادة والدِّين والوَرَع، طويلَ القامةِ ليس بالرَّقيق ولا بالغَليظ، يميلُ إلى سُمرةٍ وصوته حَسَنٌ كثيرُ الصَّدقة وتفقُّد الِإخوان، مليحُ المعاشرة بشوش الوجه، فتح الله له بالعلمِ والعملِ والدِّين والآخرة وحصَّلَ كتبًا كثيرةً، وتحت يَدهِ خزانةُ كتب الوقفِ بمدرسة شيخ الإسلام. قرأتُ عليه غالب "المُقنع" بحلّهَ وغالب "الطوفى". وتفقَّه به جماعةٌ من أصحابِنا، وكان معظّمًا عند الجماعة وأذن له ابنُ يوسف بالإفتاء قديمًا، وولى نيابة القضاء قديمًا وحجَّ مرتين وجاوَرَ. توفى ليلة الجمعة سادس شهر جمادى الأولى سنة خممسٍ وثمانين بالصالحية ... وصُلّى عليه بعد صلاة الظهر، ودفن على حافةِ الطريق تحت مسطبة الدُّعاء تحتَ الرَّوضة (٢) - رحمه الله تعالى.
١١٠ - على الدَّوَالِيْبِىُّ البَغدادى الحَنبلى، الشَّيخُ علاءُ الدّين أبو الحسن. عن والده وابن رَسْلان الذَّهَبى وابن الكركى وغيرهم، خرَّجَ "مشيخة" لنفسه وغيره وجماعة، ولي منه إجازة اشتغل وبرع
стр. 190
وحصَّل، صاحب لسانٍ فصيح وحَنْجَرَةٍ هائلةٍ. وكان واعظا أديبًا، ذكيًا لبيبًا، أفتى ودرَّس، وولى مشيخة شيخ الإسلام، وكان حسنَ النظرِ والسمعِ، صنَّف كتابًا فى "الكيات الخمس"، وصنَّفَ "مولدًا". واختصر "سيرة ابن هشام" وغير ذلك (١)، وكان يقول: إنَّ الطَّلاق الثلاث واحدة على مذهب الشيخ تقى الدين وأُوذى بسبب ذلك. وتفقه على الشَّيخ علاء الدين بن اللَّحام وغيره، وكان فى آخر عمره على رؤية من الأوساخ والعفاشة. وذكر أنه ترك الصلاة والله أعلم بذلك، ونقل عنه أنه كان يبلع الحشيشة وكان معظَّمًا عند السلطان الأشرف، وهو الذى رتّب لمدرسة شيخ الِإسلام قمحَ داريّا. توفى يوم السبت فى شهر رجب سنة اثنتين وستين وثمانمائة بالصّالحية ودفن بالسَّفْحِ - رحمه الله تعالى.
١١١ - على بن أبي بكر بن إبراهيم بن مُفْلِح قاضى القُضاة
стр. 191
علاء الدين بن مُفلح، المَقدسى الأصل الصَّالِحى. ولى قضاء حلب مرارًا، وقضاء دمشق مرارًا، وكتابة السرّ مدّةً، وعُزل من قضاء دمشق ثم عاد إلى حَلب بقضاءِ القضاء ونظرَ الجيش وغير ذلك [كان] سمحًا جوادًا، وولده صدر الدين عبد المنعم طلب وحصّل. وتوفى بحلب فى طاعون سنة إحدى وثمانين وثمانمائة (١) ودفن هناك.
١١٢ - على بن محمد بن إبراهيم، المعروف بـ "ابن الخَازِنِ" على بن محمد بن شرف الدين قاسم المغربي أصلًا، الحنبلى الدِّمشقى مولدًا، وجدتُ بخطّ والدى: الفقيه الفاضل البارع علاء الدين، قال موسى بن اليُونينى: أذن له أن يُفتى ويَشتغل فى مذهب أحمد فى سادس عشر شهر ذى القعدة سنة تسع، وثلاثين وثمانمائة، وجدتُ الإذن له بخطّ والدى، وأنه شهد على الِإذن، ووجدتُ ذلك بخطّ الآذن أَيضًا، قال: أذنت للفقيه المشتغل المحصل ...
١١٣ - على الجُرَاعِىّ، أخو الشيخ زيد، وعمُّ تَقِىِّ الدِّين، كان رجلًا صالحًا يُقرئ بمدرسة شيخ الِإسلام. وحكى عنه أنه فارق زوجته
стр. 192
فأقام مدّة فراقها يسردُ الصّومَ، وكان مطيعًا لوالدته أمرًا بليغًا لا يفعلُ شيئًا - وهو بالسّتين سنة - حتى يُشاورها، ولا يَروح مَوْضِعًا إلا بإذنها ويخدمها خدمةً بليغةً، وقيلَ إنه مات وهو يُصلّى ليلةَ السبتِ شهرَ جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وثمانمائة، رحمه الله تعالى وإيّانا.
١١٤ - على بن البَهَاء البغَدادى الحَنبلى، الشيخ علاء الدين على بن البهاء. عن ابن الطَحَّان، وابن عُروة، والنّظام، وابنُ زُريق وغيرهم. برعَ وأفتى ودرس واشتغل وشَغَلَ، وحَفِظَ "الوَجيز" وشرح منه قطعةً، صاحبُ دينٍ وورع. ليس بالطَّويل ولا بالقَصير أسمرُ، ولد ببغداد ثم رحلَ إلى دمشق وحصَّل بها ونابَ فى القَضاء سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة.
стр. 193
١١٥ - علي بن عُبَادَةَ. بن أبي بكر بن زَيْد. أخو شيخنا شهاب الدين المتقدّم ذكره، ذا زُهدٍ وَوَرَعٍ وتقشُّفٍ، وتخَلَّ عن الدنيا وأهلها، ومعرفةٍ بالتَّواريخ وأيامِ النّاس. توفى سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة ودفن بالحمريّة عند أخيه.
١١٦ - عُمر البَعلبكى. قال ابن قاضى شُهبة: العَدل زين الدّين البَعلبكى أحد شهود الحنبَلى القُدماء. توفى فى شهر شعبان سنة ثلاث وثمانمائة.
١١٧ - عُمر اللُّؤْلؤِىُّ، الصالح المقرىُ العيدُ المجوّدُ الديَنُ الورعُ زينُ الدين. عن عائشةِ بنتِ عبد الهادى (١)، وابن عُروةَ وغيرهما. قرأتُ عليه "ثلاثيات البُخارى" و"الزُّهد" للإمام أَحمد، و"مُسند عَبْد بن حُمَيْد" وغير ذلك. كان يُقرى القرآن بمدرسة شيخِ الإسلام، وهو الجامع لشملها ونظامهِا يتألف الفُقراء ويُحسن إليهم، وهو
стр. 194
من جماعة الشَّيخ على (١)، والشيخ عبدَ الرحمن (٢)، والشيخ أحمد (٣) - بَوَّاب الكامِلِيَّة. وذكر أنَّه كان أولًا على طريق الصُّوفية، ثم رجع عن ذلك. وكان محبًّا لشيخ الإسلام ابن تيمية مُعظِّمًا له مبالغًا فيه، ليّنٌ للأمر بالمعروف والنَّهى عن المنكر، لينٌ للصلاة والعبادة، مجانبًا لأبناء الدُّنيا ذامًّا لهم، قليل الحظ من الدُّنيا. قلتُ: وهو الذى كنا نتأدب به، ولا يؤدبنا من الجماعة غيره، لا يُراعى فى الله أحد، ولا يخاف فى الله لومة لائم، وربما كرهه أبناء الدنيا؛ لأنه كان يصدَعُهم بالحق صَدعًا. توفى ليلة الاثنين مستهل شهر ربيع الأول سنة ثلاثٍ وسبعين وثمانمائة، وكانت له جنازة مشهورة، وحُمل على أطراف الأيدى وصَلَّى عليه الشيخ عُثمان (٤) بالجامع المظفرى، ودفن بسفح قاسيون بأسفل الرَّوضة، عند الشيخ زين الدين تحت مَسْطَبَةِ الدُّعاء.
١١٨ - عمر بن إبراهيم بن محمد بن مُفلح الحنبلى، الشيخ الرُّحلة قاضى القضاة نظام الدّين أبو حَفص عُمر بن شيخ الِإسلام تقى
стр. 195
الدين بن إبراهيم بن مُفلح الصَّالحى المقدسى الأصل الحنبلى. عن أبي بكر ابن المُحبّ، وقاضى حماة وغيرهما، وعنه الخلق الكثير والجمّ الغَفير. قرأتُ عليه كثيرًا وسمعتُ منه ما لا يحصى. ولد سنة ثلاثٍ وثمانين وسبعمائة، وأسمعه أبوه، ثم سَمِعَ بنفسه واشتَغَلَ وولى قضاء الحنابلة بدمشق، وصار فى آخر أمره رحلة وقته؛ لأنه لم يبق من أصحاب ابن المحبّ غيره، وكان ربّما تعزّز بنفسه، وقد ألحق الأحفاد بالأجداد وُجد سماعه من ابن المحب "بالمنتقى" فى مسند الحارث بن أبي أسامة، ومشيخة "المُطعم" (١)، وأربعين قاضى جماعة وغير ذلك، وربما درّس ببعض مدارس الحنابلة، وكان له ميعادٌ بجامع الأُموى، ولم يكن يداهن، وكان محبًّا لشيخ الِإسلام ابن تيمية معظّمًا له يذكر الأمور عنه فى ميعاده والأمالى ويقول بجامع الأُموى: "قال شيخ الِإسلام ابن تيمية". توفى بالصَّالحية ليلة السبت، وصلى عليه من الغد بجامع المُظَفَّرى ورفع ولد ولده ومن يلوذ بهم على الأيدى ودفن بالرَّوضة عند أبيه وجدّه، وكانت جنازته مشهودة - رحمه الله تعالى.
١١٩ - عُمر السُّجاعِىّ الفقيه المفتى.
١٢٠ - عُمر الغبْسَاوِىّ الشَّيخُ الفاضلُ البارعُ المُفْتِىْ.
стр. 196
١٢١ - عمر بن الشَّيخ محبّ الدين عبد الله بن الشيخ المحدث أبي العباس أحمد ابن العلامة محبّ الدين عبد الله بن أحمد بن أبي بكر السَّعْدِىّ المقَدسى الصَّالحى الحَنبلى، الشَّيخ زين الدّين. ولد سنة ثمان وعشرين، واعتنى به أبوه فأسمَعَهُ الكثير من شيوخ عصره، وجمع له ثبتًا، وقد حدَّث عن ابن الرّضى، وحَبِيْبة بنت الزّين، وزينب [بنت] الكمال وغيرهم، وكان خازنَ كتبِ خزانةِ الضِّيائِيَّة. توفى فى شهر جمادى الآخرة سنة إحدى وثمانين وسبعمائة.
١٢٢ - عُمر بن عُجَيْمَةَ المَرْداوِىّ الحَنْبَلِىّ، الشيخ زين الدين الفقيه. حفظ "المُقنع" وغيره، وبرع وأَفتى ورَحل إلى دمشق ومصر وغيرهما.
стр. 197
١٢٣ - عمر بن عبد الله العَسْكَرِىُّ، الفقيهُ الدينُ الوَرعُ زينُ الدين. حفظ "الخِرقى"، و"المُلحةَ"، وقرأ فى كتاب "غاية المَطْلَب" بعد ذلك، وأذن له بالِإفتاء. طويلٌ أبيضُ رقيقٌ، ولد بعسكر من قرى بيت المقدس، ورحل إلى دمشق، وتفقه بالشيخ تقيّ الدين وغيره، وكان يقرئ بمدرسة شيخ الِإسلام. توفى يوم الجمعة من العشر الأوسط فى شهر جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وثمانمائة، ودفن بعد الصَّلاة عند مقابر الشيخ أبي عمر وكانت جنازته مشهودة.
١٢٤ - عيسى بن الحجّاج السَّعْدِيُّ المِصْرِى الحَنبلى. قال ابن
стр. 198
قاضى شُهبة: الأديب الفاضل شرف الدين الشّاعر المَعروف، كان يلعبُ بالشّطرنج استدبارًا، وكان فاضلًا يعرفُ العربية والنَّحو واللغة والمعاني والبيان وينظم، قوى الشعر جيّد، ولد بعد العشرين، ويعرف معاني الأدَب. قال ابن حِجّى: وكان يجيدُ النظم ويَستحضر كثيرًا من اللغة، وكان يَعرف لِسَان التُّركى. ومن مقاطعة النابغة، وأبياته الرائعه يمدح القاضى أوحد الدين كاتِبُ السِرّ:
يا كاتبَ السَّرِّ الشّريـ ... ـف ومَنْ حَكى فى الجُودِ حاتِمْ
التاجُ والدُكَ الرَّئِيْـ ... ـس وابن الرؤساء حاتم؟ [كذا]
وقال فيه أيضًا:
لَعَمْرُكَ ما أَسْنَى الجَوَائِزَ كُلَّها ... قَبولكَ مَدْحِى وَهو يُتْلَى ويُنْشَدُ
وله أشياءٌ كثيرةٌ من الشِّعر. توفى فى شهرِ المحرَّمِ سنةِ سبعٍ وثمانمائة رحمهُ الله تَعالى.
١٢٥ - عائشة بنت محمد بن عبد الهادى. قال ابن قاضى شُهبة: المُسندة المعُمَرة الرحَلَةُ، لها المسموعاتُ الكثيرةُ، وانفردت بالرِّواية عن الحَجَّار وغيره وأمرُها مشهورٌ، توفيت بالصَّالحية سنة [ستَّ] عشرةَ فى شهر جمادى الأولى ودُفنت بقرب الرَّوضة.
стр. 199
حرف الغين
١٢٦ - غازى، الشيخ شهاب الدين، أخو سليمان المقدم ذكره (١)، ولى بعده إعادة بعض دروسه.
" حرف الفاء "
١٢٧ - فرج الشَّرَفِىّ. قال ابن قاضى شُهبة: فرج الشَّرَفِىّ مولى قاضى القضاة شرف الدين أبي محمد عبد الله بن الحسين عبد الله
стр. 200
الحافظ عبد الغنى المقدسى، مولده قبل العشرين وسبعمّائة فسمع من مولاه وجماعة منهم محمد بن يحيى بن سعد، قالَ ابن قاضى شُهبة، قال شيخنا: وسمعنا منه قديما. توفى بالصالحية يوم الخميس ثامن شوال سنة ثمان وتسعين وسبعمائة - رحمه الله تعالى.
١٢٨ - فَضلُ بن عيسى النَّجدىّ، صاحبُنا قرأ على "المقنع" وغيره، ذا دينِ وفَضلٍ كاسمه. توفى سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة بالصالحية وجعلنى وصيه، ودفن فوقَ الزَّاوية من جهة الغرب.
" حرف القاف "
١٢٩ - قاسمُ النَّجدى قدم علينا بعد الستين، وله فضل ومعرفة لا سيما بالفرائض.
" حرف الكاف "
" حرف اللام "
" حرف الميم "
١٣٠ - محمد بن مُفلح بن محمد بن مُفَرّج الرَّامينى - وَرامِيْن قريةٌ مشهورةٌ من عمل نابلس - الشيخُ الِإمامُ العالمُ العلامةُ البارعُ الأوحدُ المحقق شيخ الِإسلام قُدوة الأنام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مفلح المقدسى الحنبلى، الشيخ الفَقيه النَّحوى الأصولى، عن جماعة من المحدثيين، وتفقه بشيخ الِإسلام تقى الدين بن تَيْمِيَّة، وبَرع وأفتى ودرَّس،
стр. 201
وناظر وصنَّف وحقَّق ودقَّق، ورأس، وصنَّف كتاب "الفُروع (١) " فى الفقه جمع فيه غالب المذهب ويقال هو مِكْنَسَةُ المذهب، سمعتُ ذلك من شيخنا أبي الفرج وهو كتابٌ جليلُ القَدْرِ عطمُ النَّفع لكنه لم يُبَيِّضْهُ فمن ثَمَّ كان فيه بَعض أماكن، وله "الأُصول" المعروف، وهو كتاب جَليل مثل الفروع فى الفقه، وله كتاب النكت على "مُحّررِ" الشَّيخ مجد الدين بن تيمية، وله كتاب "الآداب الشَّرعية" وهو كتاب جليل نافع، وله الحواشى على كتاب "المقنع" فى
стр. 202
أربع مجلدات وله مسائل أجاب عنها، وله اطلاعٌ زائدٌ ونقلٌ كثير، كان مقدَّمًا فى عَصره، مرفوعًا فى دَهره، لم يذكره الشَّيخ زين الدين بن رجب فى طبقاته قيل: لأمرٍ كان بينهما. ومنافسة يُحرّرُ المسائل تحريرًا حسنًا وينقل ما فيها نقلاً بيّنًا، كان معظّمًا لشيخه شيخ الِإسلام ابن تيمية ينقل اختياراته في كتبه كثيرًا وغالب ما ذكره أبو الحسن بن اللّحام فى اختياراته فإنه من الفروع، وقد قابلَ به جماعة من شُيُوخِنا وغيرهم من المتقدمين من أصحابِنا وقُدَّم قوله على طائفةٍ من الأصحاب، ووُصِفَ بكثرة النَّقل والاطلاع، واليَد العُليا فى ذلك. ويقال: أفقهُ أصحابِ الشيخ (١) هو، وأعلَمُهُمْ بالحدَيث ابنُ عبد الهادى، وأعلمهم بأصولِ الدِّين والطُّرق والمتوسط بين الفقه والحديث، وأزهدهم شمسُ الدين بن القَيّمِ. وجدتُ فى نُسخ بعض كتابه "الأصول" أنه توفى ليلة الخميس ثانى رجب سنة ثلاث وستين وسبعمائة. كذلك ذكر ابن قاضى شُهبة فى "تاريخه". قلت: بالصالحية، ودفن بالرَّوضة - رحمه الله تعالى.
١٣١ - محمد بن علي بن عبد الرحمن بن محمد بن سُليمان بن حمزة بن أحمد بن عُمر، الشَّيخ الِإمامُ العلامةُ شيخُ الِإسلام، وعلمُ الأعلام قاضى القضاة عزّ الدين المقدسىُّ الأصلِ الصَّالِحِىُّ الحَنبلىُّ. كان فقيها عالمًا زاهدًا صالحًا ورعًا. عن ابن رَجَبٍ وغيره كذلك فى الفقه
стр. 203
والنحو والأصول والحديث وغير ذلك، وولى قضاءَ دمشق، وجدت غالب كتب ابن رجب بخطِّه، ونَظَمَ من "مفردات الِإمام أحمد" (١) وأفتى ودرَّس ورأس ومُدِحَ بالعلمِ توفى سنة عشرين وثمانمائة بالصَّالِحِيَّة ودفن بمقبرة شيخ الِإسلام أبى عُمر ورِثاه شَعْبان (٢) ناظم الألفية (٣) فقال (٤):
ما كان ظَنّى أن يكوِن عَزَائى ... فيمَن أُحبّ من الزَّمانِ جزائِى
قد كنتُ آمل عيشةً مرضيَّةً ... بين الوَرى رَغَدًا بغيرِ عَنَاءِ
فأتى الحِساب بغيرِ ما أمّلتُهُ ... رَمَتِ المنيةُ بالفراق مِنائى
آهًا على زَمَنٍ مضى بأحبّةٍ ... كانوا شفاءً فى الأنام لِدَائِى
كانوا فبانُوا والفؤاد لبيَنِهم ... أضَحى حليفَ تأسُّفٍ وبَلاءِ
يا راحِلِين إلى الثَّرى ورُبوعهم ... أمستْ قفارًا لا تُجِيْبُ ندائِى
ما حال عبدٍ قد تولى عِزُّهُ ... وغَدا ذليلًا ميّت الأعضاءِ
يا سادةً كانوا لراجى قُربهم ... غَوثًا على السَّراءِ والضَّراءِ
إزورَّ عيشى بالفِراق كيفَ لا ... ونزلتُموا منّى على الزَّوراءِ
стр. 204
إني لرَغْمِى فقدكم وتَخَلُّفى ... يا طولَ حزُنى بعدَكم وبكائي
أَضحيتُ من أسفٍ أَغُضّ أناملى ... هل مُمْكِنٌ أن تَسمحوا بلقائى
عَضُمَتْ مُصيْبَةُ والدى فيكم بكم ... لا حِيْلةً فى واقع بقضاءِ
لو كنتُ أملِكُ أمرَ نَفْسىِ فى اللّوى ... لبذَلْتُها لو تَقبلون فدائى
ويكونُ حَظّي وافرًا بقبولكم ... وأكون مكتوبًا من السُّعداءِ
لو بِعتها ثم اشتريتُ وصالكم ... لربحْتُ فى بّيعى لها وشرائِى
يا سادةً ملكوا فؤادَ ميتمٍ ... وتحَكموا فيه بحكمِ ولاءِ
إن العزا فيكم وفينا واحدٌ ... من ذا يعيش على المَدىِ بصَفاءِ
كأسُ المنيَّةِ دائرٌ ما بيننا ... يَسقيكم ويدور للنُّدماءِ
فى الموت أعظمُ عبرة لمبصّرٍ ... أو عَبرة ممزوجة بدماءِ
فهو المُصيبة وهو أكبرُ آيةٍ ... مغنى الوَرَى ومحنة العقلاء؟
وهو الرّزيةُ والبَليةُ والذى ... يَسطو على الآباءِ والأبناء
فاشدُدْ حيازيمَ الرَّحيل إلى الأُولى ... واخرج من الأَدواء والحكماءِ
إنَّ الغنائَم فى التَّوكَل والرّضا ... لَيستْ مع الصفراءِ والحَمْراءِ
لو أن عُمْرًا من طبيبٍ يُشترى ... عاش الطبيب ولم يمت بالدَّاءِ
يا موتُ أقرب من يكون على الفتى ... تلقيه فى الصّقعاء والرّمضاء
يا موتُ مالَكَ لا تُبَقى ما جدًا ... يا هاذِم اللَّذات والسراءِ
يا فتنة الأمراءِ والوُزراءَ يا ... مُستهلك الشُّرفاءِ والخُلفاءِ
يا حسرةَ الظُّرفاءِ واللُّطفاء يا ... مستأصلَ النُّبلاء والنُّجباءِ
الموتُ حتمٌ يومَ يأتى وعدُهُ ... ما وعدُهُ وعدًا بغيرِ وفاءِ
كم فلَّ حيشًا كم رمى من أسهمٍ ... كم فَضَّ شملًا كم قضى بعزاء
كم خَصَّ طفلًا كم كوى من والدٍ ... كم هدَّ رُكنًا بعد دَكِّ بناءِ
كم فظَّ نفسًا كم بَرى من حاكمٍ ... من بعدِ عزّ قائمٍ وحصاءِ
هذا ولىُّ الله والحَبْرُ الذى ... بالفخرِ حازَ مراتِب العَلْياءِ
стр. 205
هذا الذى [للعلم] كان مُحصلا ... وحَوى نَفِيس مآثرِ العُظماءِ
هذا الذى حازَ الفضائِلَ والتُّقى ... حتَّى غدا عَلَمًا على الفقهاءِ
هذا الشَّفيق على اليتامى والذى ... يَحنوا على القُرباء والغُرباءِ
هذا الذى إن عُدَّ سادةُ عصره ... فمحلّه منهم مع الجَوزاءِ
هذا الذى أضحى أبو عُمَرٍ له ... جدًّا وحازَ مناقبَ الصُّلحاءِ
هذا الذى فى الناس عاش بسيرةٍ ... مشكورةٍ وقضى بحسنِ ثناءِ
يسعَى بنفع المسلمين بجدِّه ... أبدًا ولا يشكو من الإعياءِ
فالله يَرحمه ويَرْزُقُ أَهلَه ... صَبرًا عليه فقد رُموا ببلاءِ
لا عِزّ للدنيا الدَّنِيّة أهلها ... دار الفَنا ليست بدار بقاءِ
أمحمدٌ شيَّدت مذهبَ أحمدٍ ... مترددًا بصفاتِه الحَسناءِ
ونصبتَ للأحكامِ مخطوبًا لها ... فعدَلت فى الخُصماء والغُرماءِ
يا طالَ ما قمت إِلا له وقمتَ فى ... ضوءِ الهُدى يا فارسَ البيضاءِ
هذا الحديث مُوثِّقٌ فى نَقله ... ومقاله لله لا لرِياءِ
ذو همةٍ وديانةٍ ومروءةٍ ... ذو عفَّةٍ وصِيَانةٍ وحياءِ
يا طالَ ما جَبَرَ الكسيرَ وقامَ فى ... عونِ الغريبِ وجاءَ للضعفاءِ
قاضى القُضاة الحَنْبَلِى محمدٌ ... يا سيدَ الفُقَهاء والأدباءِ
يا عزّ دينِ الله قد أوحشتَنَا ... لكن نزلت بتربة الشهداءِ
أصبحتَ للإلاه (كذا) ونازلا ... بجوار تربتِه بخير فناء
أوحشتَنا أَوحشتنا أَوحشتَنا ... يا عزَّ أهل الدين والكبراءَ
أحْزَنْتَنَا أبكيتَنا أَتْعَبْتَنَا ... بدلتَنا بعد الوفَا بجفاءِ
والصَّالحيةُ والمدينةُ أنكرت ... فى الأمرِ بالتَّحذير والإغراءِ
فالأهلُ والجيرانُ فى حالِ الأسا ... تبكى لوحشةٍ داركَ الفقراءِ
لا شكَّ عز الدين فى ألم النّوى ... فمآلنُا كلا إلى الغَبراءِ
قد ماتَ خيرُ الخَلقِ وهو محمّدٌ ... وهو الحبَيب ووالد الزَّهراءِ
стр. 206
فتأسَّ بالمُختار ماتَ وبَيْتُه ... خالٍ من الصَّفراء والحمراءِ
خيرُ الأنام وطال ما فى يَثْرِبٍ ... صيّرت (١) محاسنه عن الأعداء؟ كذا
لكن أيادِى جودِه ونَوالِه ... تجرى لزِائرِه مع الوفاء كذا (٢)؟
لا تَخش عزَّ الدين من نوبِ القَضا ... يا ضَيْف ساحةِ أكَرمِ الكُرماءِ
حاشا الكريمَ بأن يُخَيّبَ عبدَه ... يا ربنا يا أرحَم الرُّحماءِ
يا مَن يَمُنُّ على العبادِ بفَضلِه ... وبجودِه الأموات والأحياءِ
أسبغ عليه رحمةً واغفر لَه ... يا جابِرَ المكسورِ والفُقَراءِ
وأفض عليه من (٣ خزائنه الذى ٣) ... ليكونَ فى الأخرى مع العتقاءِ
أمحمدٌ قضيّتها فَلكَ الهنَا ... زالَ العنا بالسّتر والأعضاء
قد كنتَ فينًا محسِنًا مُتَفَضِّلاً ... فجُزِيتَ عن شَعبانَ خيرَ جزاءِ
لم أنسَ جودك إذ أتيتُ بجلَّقٍ ... أصلًا ولا فى مكةَ الغَرّاءِ
يا صاحبٌ ما مثله من صاحبٍ ... أبدًا ولا فى النَّوم والإغفاءِ
لو أمكن الِإنسان دفنَ حَبيبه ... فى قلبه لدُفنت فى الأحشاءِ
مَن شاءَ بعدك يا محمدٌ فالْيَمُتْ ... فعلَيكَ كنتُ أخافُ من رقباءِ
لكن وحَقّك (٤) فى الزَّمانِ بقيةً ... بالفالحين السّادة العلماءِ
فالله يبُقيهم ويرحمُ من مضَى ... منهم ويَحفظُهُمْ من الأسواءِ
ما كنتُ أقنعُ بالمدِيح وإنَّما ... أصبحتُ أقنعُ بعده برثاءِ
خُدها يتيمة خادِمٍ من شوقه ... وافى إليك ببنْتِه العذراءِ
تَجزيه أجرَ ثوابٍ ما قدَّمتُهُ ... فلذا أتت تَمشى على استحياءِ
стр. 207
ما زلتَ محمود الحياةِ وفى الثَّرى ... فلقد حُبيب برفعة وسنَاءِ
ورُزقت فى دنياك لُطفًا فى القَضا ... لِيَهَنْكَ ما تَلْقى من الآلآءِ
نَمْ فى أمانِ الله واعلم أنَّه ... ذُو رحمةٍ ويجودُ بالنَّعماءِ
نَمْ فى سبيلِ الله خيرَ مودّعٍ ... يُبكى علمكَ بأدمعٍ ودماء
من لم يجدْ بالدَّمعِ فيك محبةً ... هذاكَ (١) معدودٌ من البُخلاء
يا ربّ بالهادى النَّبى محمدٍ ... خيرِ الأنامِ وسيّدِ السُّعداء (٢)
سامحه واغفرْ ذنبَه واجعلْ له ... نورًا يلوحُ بصبحه ومساءِ
والحاضِرين ومن أتانا زائرًا ... والغائبين ومن أتى بدعاءِ
هذا وداعتنا إليك وحفظُها ... سهلٌ عليك وأنت ذو إيفاءِ
ثمّ الصلاةُ على النّبِىّ المُصطفى ... من صَفْوةِ الفُصحاء والنُّجباء
والآلُ والأصحابُ أعلامُ الهُدى ... ما سار رَكبُ الحَجّ فى البَطحاءِ
١٣٢ - محمد بن عبد الدائم الشيخ العالم الفاضل المحدث البارع الأصيل، شمسُ الدين أبو عبد الله محمدُ بن الشيخ المسند أبي عبد الله محمد بن الشيخ المسند الكبير أبي بكر، الِإمام العالم أبي العباس أحمد بن
стр. 208
عبد الدايم بن نعمة بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن بكير المقَدسى الصّالحى. ولد سنة ثلاثَ عشرةَ وسبعمائة وسمع من أبيه وجده أبي بكر وآخرين، وطلبَ بنفسه وعُنى بالمسائل وتفقه وحدّث [. . . .] وثبته. ذكره الّذهبى فى "معجمه المختص بالمحدثين" (١). توفى فى سنة خمس وسبعين وسبعمائة (٢).
وقال ابن قاضى شُهبة (٣): الشيخ المسند المكثر شمس الدين أبو عبد الله محمد بن المسند المكثر أبي عبد الله محمد بن المسند أبي بكر ابن المسند الكبير المكثر زين الدين أبي العبّاس أحمد بن عبد الدايم بن نعمة بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن بكير المقدسى، الصَّدفى الأصل الصالحى الشَّيخِ المسند شمس الدين أبو عبد الله، مولده فى شعبان سنة ثلاثَ عشرة وسبعمائة.
قال أبو زُرْعَة (٤): وحدّث هو وأبوه وجدّه وجدّ أبيه، توفى بظاهر دمشق يوم الاثنين خامس شهر شعبان سنة أربع وسبعين وسبعُمائة. وفى تواريخ المصريين سادسه بالصّالحية، ودفن بقاسيون. رحمه الله تعالى وإيانا.
١٣٣ محمد بن المحبّ الشيخُ الِإمامُ العالمُ الزَّاهدُ العابدُ
стр. 209
العلامةُ النبيلُ المحدثُ الأصيلُ الحافظُ الكبيرُ المسندُ عمدةُ الحفّاظِ شيخُ المحدُثين شمسُ الدين أبو بكر محمّد بن الشَّيخ الِإمام الحافظ القدوة محب الدّين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن المُحب عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الرحمن السَّعدى المقَدسى، ثم الصَّالحى الحنبلى الشهير بـ "الصَّامت" بالصَّالحية، لقب بذلك لكثرة سُكُوته عن فُضُولِ الكلام، وكان يكره أن يُدعى بهذا أو يلقب به بين الناس. ولد سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، عن ابن تيمية ووالده، وزينب بنت الكمال، وابن الشَّحنة، وابن المِزى، والقاضى سُليمان والمطعم وخلقٌ لا يمكن حصرهم. وعنه الخلقُ الكثير والجمُّ الغفيرِ منهم النّظام، وابن صوارن. وغير واحد من شيوخنا، أسمعه والده صَغيرًا وأخبرت أن "ثبته" الذى كتبه والده بأسماءِ الكُتب التى أسمعه إيّاها فى مجلدين. قلتُ: بل هى أكثر من ذالك فإنَ خَطّ والده على الأجزاء والكتب لا يمكن استقصاؤه، وقلّ جزءٌ إلا وعليه خطه، وقلّ ما عليه خطه ولم يسمعه إيّاه، بل أكثرُها سمعه ولدى محمد. وبعد ذلك نشأ وطلب بنفسه وقرأ الكثير وحصَّل، وكانت معهم خزانة الضِّيائية فمن ثم كَثُر سماعهم واتَّسعت معرفتهم بذلك وبالمتصل فى "المُقنع" وقد وصل أشياء كثيرة بالِإجازة، وقد وجدتُ له أجزاء كتيرة وصلها بإجازتين وثلاثة وأربعة وخمسة، وقلَّ جزءٌ من أجزاء الضّيائية أو من كتب الحَديث إلا وعليه خطُّه. رتب "مسند الِإمام أحمد" على الأبواب فأتقن وأَجاد وصنَّف كتاب "التَّذكرة فى الضعفاء". وكتاب "إثبات أحاديث الصّفات". قالَ الشيخُ شمسُ الدين (١) وكان يحبّ الشيخ تقى الدين، وترجمه بشئ كثيرٍ ومدحه بقصائد.
стр. 210
قلتُ: كتبَ بخطّه الكثيرَ وكانت له معرفةٌ تامّةٌ بالحديث، ومعرفة طُرُقه لا سيِّما بالأجزاء فإن له اعتناءً زائدًا بها، وأُخبرت عنه فى آخر الأمر أنه كان يدور على المكاتب يُسمع الأولاد، وقد عدّه من الحفاظ غير واحد من شيوخنا وغيرهم وذلك كثير فى الأجزاء [فمن قرأ عليه قال] (١): الحافظ أبو الخير بن المحبّ، ووجدتُ فى بعضها الفقيه النّبيه، وسمعنا قديمًا وشاهِدُنا من صُورة الحال قَلَّ كتابٌ من كتب الدُّنيا لا سند فيه لابن المحبّ. توفى سنة ثمان وثمانين وسبعمائة بالصالحية ودفن بها - رحمه الله تعالى.
قال شيخنا، وأخبرني الشيخ محمد الشّبلى، عن ابن فُريج أن لابن (٢) المحبّ إجازةً لكل من أدرك جزءًا من حياته.
١٣٤ - محمد بن سالم بن عبد الرحمن الدِّمشقى، ثم المصرى الحَنبلى، ويُعرف بـ "ابن أَخى عبد الجليل" قال ابن قاضى شُهبة: الشيخُ العالمُ المفتى شمسُ الدين أبو عبد الله، كان مقيمًا بالشام ثم حَصَل له رمد ونزل بعينيه ماء فحضر إلى مصر ليتداوى بالقدح، فلم يحصل له بُرْءٌ واستمرَّ ضَريرًا، وكان مقيمًا بالمدرسة الجمالية داخل
стр. 211
القاهرة وينزل فى مدارس الحنابلة، وحصل له تدريس مدرسة السلطان حسن.
قلتُ: رأيتُ كتابًا فى الفقه أظنُّه له، فى تصَنيفه عفاشة. توفى يوم السَّبت سادس عشر [ى] شعبان سنة سبعِ وسبعين وسبعمائة.
١٣٥ - محمد البَعلى بن ولد الشَّيخ شمس الدين أبو الفتح الشيخ المولد. قال ابن قاضى شُهبة: أظنُّه من ولده، وكان أبوه قيمًا بجامع تنكر (١) وله أخبار فى كثرة نومه ورطوبة جسده حتى كان ينام وهو يجامع امرأته وهو يكنس، وهو يُمسك الحبل الذى يعلق فيه القنديل، وهو يغلق الجامع. توفى فى شهر شعبان سنة سبع وسبعين وسبعمائة.
١٣٦ - محمَّدُ بن قاضى القُضاة شَرف الدّين أحمد بن قاضى القُضاة شَرف الدين الحسَن بن الخطيب شرف الدين عبدُ الله بن الشيخ أبي عمر المعروف بـ "بابن قاضى الجَبَل"، ناظر مدرسة جدِّه صلاح الدين.
стр. 212
حُمدت سيرته فى آخر أيامه. توفى فى العشر الأخير من رجب سنة إحدى وثمانين وسبعمائة ودفن عند والده - رحمه الله تعالى.
١٣٧ - محمد بن أحمد بن حسن بن عبد الهادى، عَمىّ أخو أبي الشَّيخ شمس الدين، الشيخُ الزاهدُ الوَرِعُ المحدّثُ المتقنُ، رأيتُ ترجمة بخطّ ابن ناصر الدين، فقالَ: محمد بن أحمد بن حسن بن أحمد ابن عبد الهادى بن عبد الحميد بن عبد الهادى بن يوسف المقدسى الحنبلى، أبو عبد الله، حفظ القرآن وصَلّى به إمامًا وهو طفل، ثم حفظ "مختصر أبي القاسم الخِرَقِىّ" فى مذهبه، وتفقَّه وسَعى فى طلب الحديث، وسمع بقراءته وقراءة غيره، واستفاد وأفاد، وخرّج الأحاديث الزّائدة على "الصَّحيحين". فى كتاب "سنن أبي داود" و"جامع التِّرمذى" معلِّلًا، وكان وَرِعًا مُتَّصِفًا مطرّحًا لنفسه ذا قناعةٍ وخيرٍ وصلاحِ. توفى [سنة (١)] سبع وثلاثين وثمانمائة، وصُلّى عليه من الغَدِ ودفن بجامع المظفرى من سفح قاسيون، وحضرنا دفنه بمقبرة شيخ الِإسلام أبي عمر المقدسى وبنيه - رحمة الله عليهم.
١٣٨ - محمد بن الشَّيخِ العالم شمس الدين الجَبَلِىّ الشامى المِصرى الحَنبلى المعروف بـ "ابن شرفِ الدين" أبي عبد الله محمد بن الشيخ محيى الدين عبد القادر بن الشيخ شرف الدين أبو الحسن اليُوْنِيْنىّ
стр. 213
البَعلى الحنبلى أخو الشيخ تقىّ الدّين المتقدّم، القاضى مُعين الدين الحَسَنِىّ الحنبلى، ولى قضاء بَعْلَبَكّ مدة عمره، كثير التّواضع والتَّعفف، ولم يأخذ على القضاء، توفى سنة ست وثمانمائة.
١٣٩ - محمد بن عبد القادر بن الشَّيخ شرف الدين أبو الحسن اليُونينى البَعلى الحنبلى والد محمّد المتقدم الشيخ شرف الدين أبو عبد الله. توفى فى ذى القعدة سنة سبع وتسعين وسبعمائة.
١٤٠ - محمّد بن الشَّيخ العالمِ شمسُ الدّين محمّد الجَبَلِىّ الشامى المصرى الحنبلى المعروف بـ "بابن الأعمى"، الشيخُ العالمُ صلاحُ الدّين. اشتغل وحصَّل وأشغل وأفتى وأعاد ودرس للحنابلة بالظاهرية الجديدة، وبمدرسة السُّلطان حسن. توفى ليلة الأربعاء سادس ربيع الآخر سنة خمسٍ وتِسعين وسبعمائة، ودفن من الغد بقبور الصُّوفية.
١٤١ - محمد بن نجم الدين أحمد قاضى القضاة عز الدين محمد بن قاضى القضاة تقى الدين سُليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر ابن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن قُدامة المَقْدِسِى ثم الدّمَشْقِىّ
стр. 214
الصالحى الحنبلى الخَطيب بجامع الظّفرى شريكًا، وكان بيده وبيد أخيه فخر الدين على نصف الخطابة، فلما توفى أخوه استقل بالنصفِ إلى أن توفى يوم الأحد سادس عشر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة.
١٤٢ - محمد بن القاضى عماد الدين أبي بكر بن عبد الرحمن ابن أحمد بن سليمان بن حمزة بن أحمد بن عُمر بن شيخ الِإسلام أبي عُمر، عرف بـ "بابن زُرَيْقٍ" القاضى ناصر الدين. سمع الكثير من ابن فُرَيْجٍ، والشيخ برهان الدين العَجَمِىّ، وابن حَجَرٍ، والشيخ علي بن عُروة، وابن حَوَارس، وابن ناصر الدين وابن الشَّرائحى وأخويه، والنّظام، وبنت الشّرائحى، وأصحاب ابن الرَّعبوب ببعلبك وغيرهم، ووضع لنفسه "ثبتًا" فى مجلدين، قرأتُ عليه أشياء ناب [عن] القاضى بُرهان الدّين
стр. 215
ابن مفلح، وابن عمه القاضى علاء الدين، وولى نظر مدرسة شيخ الإسلام، وكان له إلمامٌ بمعرف الحدَيث والرجال، وهو أخو أحمد المتقدم.
١٤٣ - محمد بن الشيخ عز الدين محمد (١) بن الشيخ ناصر الدين داود بن حمزة بن أحمد بن عمر المقدسى الحنبلى، الشيخ المُسْنِد الأصيل المقرئ ناصر الدين مولده سنة ثمان وسبعمائة (٢). [توفى سنة ست وتسعين وسبعماية] (٣) وصلى عليه من الغد عَقيب صلاة الجمعة بالجامع المظفرى، ودفن بتربة جده الشيخ أبي عمر فى قبر والده، انقطع ثلاثة أيام ويقال: إنه طُعن.