← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17665

من حديث النفس

علي الطنطاوي

Полный текст (293 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وهل كان ذنباً أني لا أقول لسواد الليل: أنت أبيض مشرق، ولا أقول للأعور: ما أحلى عينيك!؟ هذه هي ذنوبي التي خسرت من أجلها صداقات الأصدقاء، وكسبت عداوات الرؤساء، وربحت خصومة الجاهلين، وعُددت بها من كبار المشاغبين. * * * لقد قارب الفجر وانطفأت أنوار المدينة. لقد مرّ عليّ ساعتان وأنا أفكر، وكل شيء من حولي ساكن ميت، وكذلك حياتي! إنها خالية منذ سنوات، ليس فيها شيء متحرك ... فأنا أعيش عيش الحالمين، أرقب أبداً الحادث الذي يهز حياتي الساكنة ويحرك مواهبي الخاملة ويدفعني إلى العمل، ولكن انتظاري قد طال حتى كدت أيأس من الانتظار. إنك تغريني بما حصلت من شهرة وما نلت من مكانة، ولعل في ذلك تسلية لي لو كنت أحسُّ به أو ألمسه، إنني لا أحس والله بهذه الشهرة، إنني كالمغني الأصم الأعمى، يطرب الناس

стр. 107

فيصفقون له ويهتفون ولكنه لا يسمع ولا يرى، فينصرف حزيناً يحسب أنه خاب وأساء! إن أهل بلدي ينكرون عليّ كل شيء حتى الأدب! لقد قرأت أمس مقالة سقطت إليّ عرضاً، فرأيت فيها مقالاً يخبط فيه صاحبه خبط عمياء، فيعدّ أدباء دمشق أو الذين يراهم هو أدباء، فيذكر فيهم كل موظف في وزارة المعارف وكل تلميذ يدرس في أوربة وكل مدرسي التاريخ والجغرافيا! ولكنه لا يذكر علي الطنطاوي ولا سعيد الأفغاني، أفسمعت أبلغ من هذا الجهل وهذا النكران؟ هذه حالنا في دمشق التي كنا نَحِنُّ إليها في مصر، ونحيي الليالي نفكر فيها، وتتراءى لنا صورتها حيال الأفق من عند قنطرة الزمالك أو من ذروة الهرم، ونساهر النجم نفكر فيها ونعد الأيام للوصول إليها ... دمشق صارت كالهرة تأكل -من حبّها- بنيها! لقد حمل إليّ البريد رسائل جمة ممن أعرف ومن لا أعرف يسألني أصحابها: لِمَ لا أكتب في الرسالة في هذه الأيام؟ فوجدت في هذه الرسائل عزاء، وشكرت لأصحابها، وتوهمت حين قرأتها أن في الدنيا من يفكر فيّ ويقرأ ما أكتب، ولكني لم أُجِبْ واحداً منهم. وبماذا أجيبهم؟ وكيف أقول لهم إن دمشق قد قتلت في نفسي روح الأدب؟ كيف أشكو دمشق التي أحبها؟ وكيف أذمّها بعملها؟ * * *

стр. 108

ثلاثون سنة ما خرجت منها إلا بشيء واحد، هو أني رأيت الحياة كمائدة القمار؛ فمن الناس مَن يخسر ماله ويخرج ينفض كفه، ومنهم مَن يخرج مثقلاً بأموال غيره التي ربحها، ومنهم مَن يقوم على الطريق يمسح الأحذية، ومَن يمد إليه حذاءه ليمسحه له، ومَن ينام على السرير، ومَن يسهر في الشارع يحرس النائم، ومَن يأخذ التسعة من غير عمل، ومَن يكدّ ويدأب فلا يبلغ الواحد، وعالِم يخضع لجاهل، وجاهل يترأس العلماء، ورأيت المال والعلم والخلق والشهادات قسماً وهبات؛ فرُبّ غني لا علم عنده، وعالِم لا مال لديه، وصاحب شهادات ليس بصاحب علم، وذي علم ليس بذي شهادات، ورُبّ مالك أخلاق لا يملك معها شيئاً، ومالك لكل شيء ولكن لا أخلاق له، ورأيت في مدرِّسي المدارس مَن هو أعلم من رئيس الجامعة، وبين موظفي الوزارة مَن هو أفضل من الوزير ... ولكنه الحظ الأعمى، أو هي حكمة الله لا يعلم سرّها إلا هو، ابتلانا بخفائها لينظر: أَنَرضى أم نسخط؟ ولكن ما أضيع أيامي في مدرسة الحياة إن كان هذا كل ما تعلمت منها في ثلاثين سنة! * * * لقد أذّنَ الفجر وأنا ساهر، وأضيئت منارات دمشق التي لا يحصيها عدّ، ورنّ صوت المؤذّنين في أرجاء الوجود صافياً عذباً: الله أكبر ... الله أكبر. الله أكبر من كل شيء، اللهم إني أرفع إليك شكاتي.

стр. 109

اللهمّ إني قد نفضت يدي من الناس، وإني أسألك أمراً واحداً: ألاّ تقطعني عنك، وأن تدلني عليك، حتى أجد بمراقبتك أنس الدنيا وسعادة الآخرة. * * *

стр. 110

زفرة أخرى نشرت سنة ١٩٤٠ توالت عليّ الذكريات، فألقيت كتابي وأقبلت على ماضيّ، أفتش في حدائقه القاحلة عن وردةٍ أخطأَتها رياح الشتاء العاتية وثلوجه وأمطاره، فتوارت في كنف صخرة أو في حِمى جدار، تكون صورة من الربيع الغابر ... فلم أجد إلاّ رفات الأوراق التي كانت مخضرَّة زاهية، وهياكل الأشجار العارية التي كانت تلبس من حلل الربيع سندساً وحريراً، قد خيّمَ عليها الموت وشملها برده القارس. فحولت وجهي شطر المستقبل، فلم ألقَ إلاّ ظلاماً فوقه ظلام، ووجدت حاضري راكداً ركود الفناء، ساكناً سكون العدم؛ فضاق صدري وأغرقتني في بحرها الهموم، فجعلت أفتّش عن رفيق يأخذ بيدي، وصديق أبثّه همي وأشكو إليه بثي، فلم أجد لي صديقاً إلاّ القراء؛ أولئك هم أصدقائي الذين لا أعرفهم ولا أنتفع منهم بشيء، وما لي منهم إلاّ اعتقادي بأنهم يعطفون عليّ ولا يشاركون الحاسدين المؤذين حسدهم إيّاي وإيذاءهم لي، فكتبت إليهم أحدّثهم بشكاتي وأروي لهم ذكرياتي. ولعل هؤلاء القراء يضيقون بحديثي صدراً ويعرضون عنه ويستثقلونه، ولعلّ

стр. 111

اعتقادي بصداقتهم وَهمٌ من الأوهام، غير أني لا أحب أن أُرزأ هذا الوهم ولا أن أتيقن فساده، لأني أعيش به في دنيا الحقائق المرة. ومَن كان مثلي غريباً في بلدته التي يعرف نصف أهلها ويعرفه ثلثاهم، يمشي في المدينة الحافلة بالناس مستوحشاً منفرداً كأنه في صحراء، لا يلقى إلاّ رجالاً لا يثني تعدادُهم أصابعَ اليدين، يجول في هذه الحلقة المفرغة، لا منقذ له منها ولا مخرج، قد خلت حياته من الفرح والألم، وغدت كالماء الآسن لا تموج فيه موجة ولا تحركه ريح ... ومن كان يتمنى أن يجد ما يشغله ويحرك سواكن نفسه، وما يدفعه إلى الفكر والعمل، ولو كان البلاء النازل أو الحريق المشبوب، أو النفي أو السجن ... ومن كان يصبح فلا يدري ماذا يعمل في يومه وكيف يدفع هذا اليوم، ويمسي فلا يعرف ماذا يصنع في مسائه وكيف ينام ذلك الليل ... ومَن يحسُّ بثقل الأفكار على عاتقه ولكنه لا يجد إلى بثّها سبيلاً، ويرى الوقت طويلاً والقوة حاضرة ولكنه لا يعلم فيمَ ينفق وقته ويصرف قوّته ... ومن كان معتزلاً مثلي، لا زهداً في الحياة ولا هرباً من معاركها، ولكن يأساً من مقبل أيامها وقنوطاً من خيرها، فهو يخلو إلى ذكرياته يتعلل بها ويتمززها، ويحادثها ويناجيها، ويحيا في خيالات ماضيه حين عجز عن الحياة في حقيقة حاضره ... ومن كان مثلي لا يشكو الفقر في اليد ولا في النفس، ولكن الفقرَ في العمل ... ومن كان يجد -بحمد الله- من المال ما يكفيه في يومه ويفضل عن حاجته، ولكنه لا يدري ما يكون في غده ... ومَنْ كانت شكواه فرط الحس وحدّة الشعور وجحود الناس، وكان يشكو

стр. 112

دنيا يتقدم فيها الهجين ويتأخر الجواد الكريم، دنيا فسد فيها كل شيء حتى غدا عقلاؤها ينتظرون الساعة ... مَنْ كان كذلك أدرك حقيقة حالي وفهم مغزى مقالي، ولم يلمني مع اللائمين ولا كان عليّ مع العُداة الحاسدين. * * * وكم قائل لي: ألا تنسى هذا الماضي وتستريح من ذكراه؟ ألا تدع المستقبل وتطَّرِح التأميل فيه؟ ألا تعلم أن ما مضى فات والمؤمَّل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها؟ فأقول: بلى؛ إنّي لأعلم ذلك، ولكن أين السبيل إلى النسيان؟ وإذا أنا نسيت كل شيء فكيف أنسى أياماً عشتها لم أكن فيها الطائرَ المقصوص الجناح، ولا الغصنَ الذي قصفته الرياح، بل كنت أواجه العاصفة أستند إلى الجذع المتين، جذع السنديانة الراسخة، وأطير فوقها بجناحين قويين ... فهاض الدهر جناحي وكسر جذعي، حين أفقدني أمي، وصيّرني عرضة للعواصف، وجعلني معها كالريشة لا تستقرُّ على حال من القلق والذعر والاضطراب! وكيف أنسى أنه لو عاش أبي، العالِم الوجيه ذو المرتّب الضخم، ولم تخترمه المنية شاباً، لاحتمينا به من كيد الحياة ولنشأنا في ظلّه كما ينشأ الفرع الليّن وسط الدوحة القوية الممتدة الأفنان، ولما اضطُررنا إلى مواجهة الدنيا والتمرس بنكباتها ومعرفة لؤم أهلها، ونحن فتية صغار أطهار القلوب، مبرؤون من الذنوب، ولا نلبث حتى نتلوث بأوضار الكيد والمكر، ونتلقف مبادئ

стр. 113

«علم الحياة» كما يتلقف الصبي المخطئ مبادئ «فن الجريمة» في السجن الأول، فلا يخرج منه حتى يحمل شهادة «البكالوريا» في الإجرام؟! وكيف أنسى ما نثرتُ من قِطَع قلبي وفلذات كبدي في أرض الله الواسعة، التي لا ترعى مهد العواطف ولا تحفظ عهد القلوب، في سفح قاسيون الحبيب، وفي الغوطة الغنّاء ... وفي حرش بيروت الذي يميس صنوبرُه مَيَسان الغيد الحِسان وقد خرجن متبرجات ينظرن إلى مياه البحر بعيون لها زرقةُ مائِه، ولأسرارها بُعدُ قرارِه ... ذلك الحرش؛ لي تحت كل شجرة منه ذكرى لا يدريها إلاّ الله وقلبي وذلك القلب الذي سلا وقلى ... وما سلوت ولا قليت، وما أذعت له سراً ولا أفشيت! وفي طريق صيدا، كم صببت من العواطف واستودعت من الذِّكَر؟ سلوا تلاميذي طلابَ الكلية الشرعية في بيروت: ألم يشهد لنا هذا الطريق أنّا كنا خير مَن مرّ به من إخوان متوادّين، قد جمعت صداقتُهم قلوبَهم فمزجتها كلها، ثم قسمتها، ثم أعادتها إليهم، فعاشوا جميعاً بقلب واحد والأصدقاء يعيشون بقلوب شتى. هؤلاء الإخوان الذي وفيت لهم فوفوا لي، وأحببتهم فأحبوني، ورأيت منهم -لمّا مرضت فيهم (١) - ما لو تخيله القصصي الأديب لاستُكثِر وعُدَّ مبالغة من المبالغات.

стр. 114

وفي العراق، كم خلّفت من حياتي؟ وما الحياة إلاّ خفقات القلوب، وتردد الأنفاس، ومظاهر العواطف! على طريق الأعظمية، وفي الكَرْخ الأقصى في حيّ الجعيفر، وعلى الجسر وفي الأعظمية، وفي البصرة، وفي كركوك ... بقع أعزة عليّ، وقوم أحبّة إليّ، لولا خوفي من ألاّ يصدّقوني لحلفت لهم أنه لم يَطِب لي بعدهم عيش. فهل يكتب الله عودة لتلك الليالي، فيجتمع الشمل، ويلتئم الصدع، وتلتقي الذكريات بالآمال؟ إني أسأل الله فنبّئوني: هل مدَّ يديه أديبُ بغداد الأستاذ الأثري، فقال: آمين؟ يقولون لي: انسَ، ولكن كيف السبيل إلى النسيان؟ وكيف أنسى أيامي في مصر؟ مصر التي محت صورَها السنون من نفسي فلم يبق منها (ويا أسفي!) إلاّ صورة ميدان باب الخلق، مَجازي في غدوّى ورواحي، وحديقة الاستئناف التي كنت أتأملها وأنا في «المطبعة السلفية» عند خالي، والتي استودعتُها من العواطف عددَ أوراقها وأزهارها وحبات ترابها، ودار الكتب التي كان بها الشاعر الكبير حافظ ﵀، وشارع محمد علي، والعتبة الخضراء (الضيّقة) التي لم تكن تخلو يوماً واحداً من ميت مدعوس، وصورة زقاق حوله أنقاض مهدَّمة ومنازل حقيرة بالية كنت أمر به كل يوم في ترام السيدة، في ذهابي إلى دار العلوم وعودتي منها، يسمى شارع الخليج، زعموا أنه صار اليوم شارعاً عظيماً وصار فيه بنيان ... وجسر الزمالك حيث كان يطيب لي الوقوف بإزائه كل مساء، أتبع ببصري الشمس الغاربة

стр. 115

علّي أرى فيها صورة بلدي دمشق، فلا أرى إلاّ بريق الشعاع الحادّ يتكسر خلال الدموع التي تملأ عيني، دموع ابن العشرين وقد هاج في نفسه الشوق الذي يسميه لامرتين «مرض السماء» ... لو كان في السماء أمراض! وصورة حديقة الجيزة التي كنت أقضي فيها الساعات الطوال، آنسُ بوحوشها وهوامِّها، وصورة بستان إلى جانبها فيه عمال يبنون. قالوا: وقد تمّ البناء وصار شيئاً عظيماً يُدعى جامعة فؤاد الأول، والله أعلم بصحة ما قالوا. صدّقوني إذا قلت لكم إني لم آسف على شيء -مما صنعت في حياتي أو تركت- أسفي على ترك مصر، ولا أطمع في شيء طمعي في العودة إليها والحياة فيها؛ فهي التي سدّدَت خطواتي في طريق الأدب، وهي التي علّمتني، وهي بلد أسرتي، وهي التي جعلتني -قبل اثنتي عشرة سنة- أكتب وأنشر الفصول في أكرم المجلات، حين كان هؤلاء المحترمون من تلاميذ «الشيخ مارسيه» على مقاعد المدرسة الابتدائية! أفليس عجيباً أنّي -على حبي لمصر- كنت في نظر بعض زملائنا المدرّسين المصريين في العراق عدوّ المصريين رقم (١)؟ سامح الله زملاءنا هؤلاء وغفر لهم ما كادوا لي ومكروا بي، وغفر لي ما آذيتهم بلساني السليط (١).

стр. 116

وكيف أنسى ما أضعت على نفسي من خير، وما عرض لي من فرص فما افترصتها؟ إن من رفاقي في كلية الحقوق مَنْ هو اليوم من كبار المحامين الذين يشار إليهم، ومن ينال على وقفة واحدة في المحكمة مئة جنيه في دمشق الفقيرة، فلماذا أعرضت عن المحاماة لم أشتغل بها وأقبلت على مهنة آخذ فيها خمسة جنيهات على مئة درس ألقيها على أربعين طالباً، يحتاج إسكاتهم وضبطهم إلى شرطيين مسلحَين بالبنادق الرشاشة؟! وإن من رفاقي في الثانوية مَنْ هو اليوم ناظر ثانوية كبيرة، وأنا أستاذ معاون، فلماذا درست الحقوق إذا كانت الوزارة لا تعرف أقدار الرجال إلاّ بما يحملون من شهادات الاختصاص، وكان صاحب الليسانس في الحقوق لا يعد أديباً في نظرها ولو كان شوقي زمانه، أو رافعي أوانه، وترى صاحب الليسانس في الأدب أديباً ولو كان أعيا من باقل وأجهل من جاهل؟! وكيف أنسى أني كنت من عشر سنين أقود طلاب دمشق كلهم وأغامر بهم في ميادين السياسة، وأني لو شئت لكنت نائباً من زمن طويل؟ إن الناس لم ينسوا ذلك فكيف أنساه أنا؟ إنهم يعلمون أن في قميصي خطيباً ما يقوم له أحد في باب الارتجال والإثارة وإيقاظ الهمم وصب الحمم، ولكن من الناس من يعقل الحسد ألسنتهم عن شهادة الحق. أستغفر الله؛ فما أحب الفخر، ولكني اضطررت فقلت. وهل أسكت إذا سكت الناس عن بيان حقي؟

стр. 117

إن للمظلوم كلمة وهذه إحدى كلماتي، فإن كانت فخراً فقديماً كان الفخر من فنون الأدب العربي، وإلاّ فهي ذكرى وتأريخ لأخلاق الناس وأطوار المجتمع. وكيف أنسى أنّي بين ماض أضعت فرصه ونسيت ذكرياته وفقدت فيه ذخراً من العواطف الجياشة والشعور المضطرم ... وحاضرٍ بدّدتُ أيامه بالرجوع إلى الماضي، وصرفت بكره وعشاياه في نبش الذكريات والبحث في أطلالها عن الجواهر والكنوز، فما كان إلاّ أن دفنت فيها كنز حياتي وجوهر عمري ... ومستقبلٍ لم أعد أرجو منه شيئاً لأني يئست من أن يأتيني منه خير. ومن يصدّق أني أتمنى لو كنت غبياً جاهلاً عييّاً لأستريح وأهنأ، لأني وجدت الذكاء يدفع إليّ الألم ويؤدي إلى الشقاء، وأني لأهمل القراءة عمداً كي أنسى ما علمت، فأغدو جاهلاً فلا آلم إن تقدمني الجهال من أمثالي ولا ألوم الحياة على ظلمها إيّاي ... فلا أستطيع، وأراني مدفوعاً إلى الازدياد من هذا العلم، كأنّ القدر يسوقني بعصاه إلى الاستكثار من القراءة، فأزداد بالعلم ألماً حين أرى علمي وَبالاً عليّ وأرى الجهّال يسبقونني ويسرقون منزلتي! ولو أني استبدلت بإحياء الليالي في المطالعة والدرس وثني الركب بين أيدي العلماء رحلةً واحدة إلى (تلك) الديار أعود منها بعد شهرين بشهادة في اللغة العربية لم تكتب سطورها بالعربية لكان ذلك خيراً لي وأجدى عليّ من علوم الأرض كلها لو حصلتها. ولكني كرهت أن أتوكأ في سيري إلى غايتي على غير أدبي، ونزّهت نفسي عن أن أجعل عمادي ورقة صار يحملها الغبيّ

стр. 118

والعييّ والجاهل واللص الذي يسرق مباحث الناس ويسطو على آثارهم! إن عمادي هذا القلم، وإنه لغصن من أغصان الجنة لمن يستحقها، وإنه لحطبة مشتعلة من حطب جهنم لمن كان من أهل جهنم! ولكن ما الفائدة من هذا الكلام؟ ما الفائدة وقد ولّى ربيع حياتي، وأدبرت أيامي، واستبدل قلبي بالأصيل المذهب ليلاً حالك السواد؟ لقد شخت حقاً، وصرت كالعجوز الذي حَطَمه الدهر وفجعه في أولاده فسيّره في مواكب وداعهم الباكية. وما أولادي إلا أمانيّ، وما قبور الأماني إلاّ القلوب اليائسة! فيا رحمة الله على تلك الأماني! يا رحمة الله على الأيام التي كنت فيها غراً مغفلاً أصدق كل خدّاع كذّاب يزعم أن في الدنيا فضيلة وخلقاً وأن قيمة الإنسان بما يملكه منهما! لقد خدعني المعلمون والأدباء، فلماذا أخدع تلاميذي؟ لماذا لا أقول لهم: إن المكر والكذب والنفاق هي في شرع الحياة فضائل، فأعدّوا قواكم لإصلاح المعوجّ من شرائعها، أو فانزلوا على حكمها فخاطبوها بلسانها وادخلوا من بابها؟ إن المربين والمعلمين سينكرون ذلك ويكبرونه ويرونه إفساداً لعقول الناشئة، فليكن إذن ما يريد المربون والمعلمون! يا رحمة الله على تلك الأيام! ومن يعيدها إليّ؟ من يرجع

стр. 119

إليّ ثقتي بالحب واطمئناني إلى الكتب وسكوني إلى النّاس؟ كنت أرى الحب أساس الحياة؛ عليه قام الكون وبه استمر الوجود، وكنت أؤمن به، فغدوت لا أؤمن إلا بالبغض، وصرت أحب أن أبغض وأبغض أن أحب! فمن يدلني على مصنَّف في أساليب البغض حتى أتقنها وأفهمها، فأبغض الناس كلهم؟ أبلَغَ الجفاف في القرائح والجدب في العقول ألاّ يصنَّف كتاب واحد في «البغضاء»، وقد ألف السخفاء ألف ألف كتاب في الحب؟! لا، بل من يرشدني إلى الفرار من مهنة الأدب والتخلص من الحب والبغض والعواطف كلها؟ مَن يحسن إليّ فيدعو لي بظهر الغيب أن يصحّح الله عزيمتي على ترك الأدب، أو ينقص من شقائي به؟ لقد أُعطيت عدة الأديب، ولكنّ الناس آذوني حتى أهملت عدتي فأسلمتها إلى الصدأ، فأكلها، ففنيت غيرَ مأسوف عليها! لا يأسف الناس لأنهم هم الأُلى أفنوها، ولا آسف أنا لأني لم أنل منها خيراً. فلا يغضب القراء إذا أنا ودّعت الأدب بالتحدث عن نفسي؛ فإني أرثيها قبل موتها، أرثي مواهبي المعطلة! لقد متّ، فدعوني لا تؤذوني بالانتقاد البارد، اذكروا محاسن موتاكم، وإذا لم تكن لهم محاسن فعفّوا عن ذكر مساويهم. ولا تَنْفُسوا على أخيكم «زفرة» يزيح بها عن صدره هماً ثقيلاً! * * *

стр. 120

كتاب مفتوح إلى الأستاذ أحمد أمين نشرت سنة ١٩٤٣ كان هنا شاعر لم يعرفه الناس حتى عرّفتهم به هدآتُ الأسحار؛ إذ كان يطوف فيها على مرابع حيّه، يغنيها على ربابه أعذب ألحانه وأشجى أغانيه، وكان ينادي الليلَ الراحل بأرقّ أسمائه فيلتفت الليل ويقف لحظة يصغي إليه، والفجرَ يستحثّه على الرحيل، وتنصت إليه قلوب العاشقين، فإن غنى بـ «يا ليل» هاج بها الشجن فأجابت من لوعتها بـ «آه ...»، ويعرفه القمر لأنه كان يسكب في نوره ألحانه، فتطفو على وجه النور، ثم تسيل من رقتها فيه وتمتزج به امتزاج الخمرة بالماء، فيشرب فيه أرباب القلوب خمرة نورانية تهيج في نفوسهم سكر الحب الطاهر والعاطفة الخيّرة .... وعرَّفتهم به الضمائر المؤمنة، إذ كان يهتف بها مع الفجر بالنشيد العلوي الذي يوقظ في نفس الإنسان الذي يسمعه «المَلَك»، فإذا استيقظ فيه المَلَك خنس «الشيطان» واستخذى «السبع»، فتعرف بنشيده لذة الإيمان، وما في الأرض لذة كلذة الإيمان ... شاعر لم يكن يعرف فضلاً (١)

стр. 121

من عروض الأوزان ولا سُلَّم الألحان، ولكنه يعرف كيف يعتصر قلبَه بيد الألم وكيف يُذيب نفسه بلهيب الذكريات، ثم يجعل من ذلك أشعاره التي يغنيها على ربابه، فتميل إليه القلوب وتحنو عليه، وتجد عنده الأنس والاطمئنان. غنّى للإيمان وللوطن وللحب، وأكثر الغناء. ولكن النغمة البارعة التي تجيش بها نفسه لم يتحرك بها لسانه، ولا جرَت بها يده على ربابه إلى اليوم. من أجل هذا كنت تراه -إذْ تراه- حائراً مضطرب الجوانح زائغ البصر، كأنما يفتّش في الفضاء عن شيء أضاعه، يفتّش وراء أفق الزمان عن الشيء الذي لم يجده فيه، فهو لا يفتأ ينظر إلى ماضيه يقلّبه ويجوس خلاله علّه يجد فيه ضالّته، فإذا افتقدها عاد إلى الآتي، يحاول أن يستشفّ بعين الأمل ما خَلْفَ بابه، فلا يشفّ البابُ عن شيء ... أما الحاضر فلا شأن له به ولا يعنيه أمره. أُعجب به الناس لما عرفوه وأحبوه، ثم ألفوه واطمأنّوا إليه، ثم تعودوا أن يروه ويسمعوه، فأضعفت العادة شعورهم به، فكانوا لا يدرون به إن حضر ولكنهم يفتقدونه إذا غاب ... ثم أصبحوا لا يعنيهم فقده ولا يعزّ عليهم غيابه! وطرَقَ الحيَّ «شعراءٌ» يضربون على الطبول الكبيرة ويصرخون بأغان فارغة مدوِّية كطبولهم، لا تدعو إلى فضيلة ولا تهزّ عاطفة ولا تمس من النفس موضع الإيمان، ولكنها تدعو إلى الشهوة وتثيرها في الأعصاب، لا تعرِفهم هدآتُ الأسحار ولا يدري بهم فُتونُ الفجر ولا شعاع القمر، ولكن تعرفهم أضواء الكهرباء الساطعة

стр. 122

في معابد الشيطان وهياكل الشهوة، وتعرفهم موائد الخمور في دور الفجور، فحفَّ الناس بهم وصفقوا لهم! عند ذلك كسر الشاعرُ ربابَه وانسلّ خارجاً من الحيّ بسكون، وأمَّ الجبل ليتخذ لنفسه من «الجادة السادسة» ملتجأ، يعصمه علوّه من أن يسمع قرع هذه الطبول، وعاد كالشيخ الذي صارت أيامُه الثلاثة يوماً واحداً، فطال أمسه حتى شمل يومه وامتدت ظلاله إلى غده، فلم يعد يعيش وإنما يعيش خيالُه في خيالات الماضي، كالشجرة التي عرَّتْها لفحاتُ كانون، فهي تعيش في ذكرى آذار المنصرم وزهره وتموز الماضي وثمره ... ومتى رجعت في كانون أزهار آذار (١)؟ أجل يا سيدي؛ لقد مات الشاعر ودُفن في جبة القاضي، ولو جاء أمرك إياه بالكتابة لـ «الثقافة» وفي عاطفته ذلك التوقد وفي أعصابه تلك النار، يوم كانت تنثال عليه المعاني وتجيش بالصور

стр. 123

نفسُه ويتحرك بالبيان لسانه من غير أن يحركه، حتى لكأنه الجواد الكريم يتفلّت من الشّكال، وكأنّ قلمه إذ يجري على الطّرس يسابق اليد التي تجريه والفكر الذي يمده، لوجدته أسرع إلى طاعتك من السيل الدفّاع إلى مستقره، بل أسرع من الطرب إلى نفس الكريم والحب إلى قلب الأديب! يوم كان يعيش في دنيا الناس وكأن له دنيا وحده؛ يرى فيها ما لا يرون ويسمع ما لا يسمعون: يرى في كل مشهد جمالاً، وفي كل جمال حلماً فاتناً يستغرق فيه مسحوراً، ويدرك من لذاذاته ومتعه ما لا يعرفه إلاّ مَنْ سمع حديث الجمال ووعاه بأُذن قلبه، وأمضى لياليه حالماً سادراً في أحلامه، فإذا صحا لم يجد ما يترجم به عن نفسه إلاّ لغة ضيقة قاصرة خُلقت للتعبير عن حاجات الأرض لا لوصف أحلام السماء! وماذا تصنع لغة لا تعرف للجمال كله -على ما لَه من الصور التي لا تنتهي والمعاني التي لا تنفد- إلا كلمة واحدة هي كلمة «الجمال»؟ وأنّى لها أن تترجم عن عالَم كله حياة وقوة وسحر؟ وكيف تقنعه وللجمال في عينيه صحائف يقرأ منها كل يوم جديداً؛ فلكل وجه جمال لا يقاس به غيره ولا يشبهه سواه، ولكل مقلة جمال، ولكل بسمة ولفتة، ولكل رنة صوت ولكل ومضة ثغر، ولكل واد وجبل ولكل سهل ونهَر، ولكل مقطوعة من الشعر وكل صورة في المتحف وكل زهرة في الروض، ولكل رائحة وكل نغمة ... فجمال ريا الياسمين، وجمال أريج الورد، وجمال عبق الزنبق، وجمال رَوْح الفُلّ، وجمال البَيَات والرصْد والحجاز والصَّبا، والعود والقانون والناي والكمَان، وجمال القصة المؤثرة والحكمة المتخيَّرة، وما شئت وما لم تشأ من أنواع الجمال في الوجود ... كل أولئك ليس

стр. 124

له في هذه اللغات البشرية إلاّ لفظ واحد يدل عليه ويشير إليه ... يا ما أفقر لغات البشر! وكان تذوُّق الجمال يهيج في نفسه الأدب، والأدب هو البثُّ، فلا تتمّ له متعة ولا يحلو له نعيم حتى يُشرك الناس معه في نعيمه. وكذلك الأديب؛ يجود على الناس بأعزّ شيء عليه: بشعوره وعواطفه، فيفتح لهم نفسه ويكشف لهم عن سرائره ولا يستأثر دونهم بشيء، فهم معه في ألمه وسروره ويأسه وأمله، يتلو عليهم نبأ حبه وبغضه وحركاته وسكناته، فيشاركونه حياته، ثم يقولون: عجباً لهذا الغبيّ الثرثار الذي لا يفتأ يتحدث عن نفسه، ولا ينفك مزهوّاً بها زهو الديك بريشه، مالئاً الصحائف بأخبارها، كأنّ الناس لا همَّ لهم إلاّ أن يسمعوا خبرها! ما درى الظالمون أنهم يتهمون بالأثَرة رجلاً هو أول المُؤْثِرين! وكان ينقل ما يحس به من معاني الخلود إلى لغة الفناء، فلا يبقى منه إلاّ الأقل الأقل، ثم يعدُّه للنشر فيضيع أكثر جماله الباقي بين مراعاة آداب المجتمع وقوانين النشر وأذواق الناشرين ونزعات القارئين، ثم ينشر فإذا هو يرضي القراء، وإذا منه المعجِب المطرِب المقيم المقعِد، ولكنه لا يرضى عنه ولا يُعجب به، لعلمه بأن خير ما كتب ما (١) لم يعبّر عنه بلفظ ولم يجرِ به قلمٌ على قرطاس ... وما كان يا سيدي ليفخر أو ليزهى، وإنه لأعرف الناس بنفسه وعيوبها وأدبه ونقائصه، ولكنك فتحت عليه باباً للذكريات أعياه الليلة سدُّه، وقد كان قبل اليوم مسدوداً.

стр. 125

وذو الشوقِ القديم وإنْ تسلّى ... مَشوقٌ حين يلقى العاشقينا وإنه لواحد ممّن وأَدَ هذا المجتمع ما كان لهم من ملكات ... كانت له «نفس» فماتت، أفما يُترَك ليرثي -يا قوم- نفسه؟ يذهب مال الرجل فيبكي ماله، ويُحرق بيته فيندب بيته، وتودي تجارته فيُعْوِل على تجارته، ويهجره حبيبه فيأسى على فقد حبيبه ... وتموت نفسه ويجِفُّ في حلقه لسانه فلا يُطلَق ليبكي نفسه وينوح على بيانه؟! * * * في أصيل يوم من أيام الخريف من سنة ١٩٢٨ وقف حيال جسر الزمالك في القاهرة شاب شارف العشرين من عمره، كان في السنّ التي يعيش فيها المرء للهوى والأحلام، فنظر إلى النيل مرة وإلى الفضاء الأرحب مرة، فذكّره الأفق البعيد المتّشح بأنوار الغروب بحلّته المنسوجة من خيوط الشمس بلداً له حبيباً إلى نفسه، هو أضوأ في عينيه من الأفق الذي توارى وراءه، وأمّاً له وإخوة كانوا هم جمال هذا البلد، وملاعب الصبا، ولِدات الطفولة ... ذكر دمشق، وكان له في كل بقعة منها ذكرى هي قطعة من حياته، وما حياة المرء إلاّ الذكريات! ذكرَ سفحَ قاسيون الأنيس وصخوره الضاحكة ضحك الجبروت، والربوةَ منبت الحبّ ومثوى الأماني، والغوطةَ جنة الدنيا وبستان الأرض، والميزانَ والشاذروان، والمِزّة وكيوان ... فهاج نفسَه الشوقُ وأثارها الحنين، فنسي مقعده في دار العلوم العليا، ونسي المطبعة السلفية في شارع الاستئناف التي تشرف فيها بلقاء الأعلام من علماء العصر من

стр. 126

أصدقاء خاله الكريم محب الدين: تيمور باشا والرافعي وأحمد أمين وعزام والخضر التونسي والغمراوي، ونسي جمعية الشبان المسلمين عند دار النيابة، وولّى وجهه شطر المحطة، فلم تكن إلاّ ساعات حتى كان هذا الفتى يودع القاهرة التي دنت له فيها الأماني ويركب متن الشوق إلى البلد الحبيب، لم يدرِ أنه ودّع -يوم ودّع مصر- مستقبله الأدبي ومجده، ونبوغه واستعداده، وفارق الأرض الخصبة الريانة يحمل بذوره لينثرها على الصخر الصلد ويرجو لها النبات! وترك القاهرة ورجع إلى البلد الذي يموت فيه الأديب، وكان ذلك أولَ سطر في صفحة شقائه! هذا الشاب الذي كان يتدفق حياة، ويتوثب نشاطاً، والذي كان له في كل ميدان جولة وكان في كل معمعة فارسها المعلم، والذي عمل للأدب وللإصلاح، وللسياسة وللصحافة، وللتعليم وللتصنيف، والذي عرفته العراق وعرفها، وأحبها وأحبه تلاميذه فيها، وبقي فيهم من يفي له ويذكر عهده وبقي هو وفياً للعراق ذاكراً عهدها. وكان شأنه في لبنان كشأنه في العراق، والذي مشى إلى الحجاز، وكان له في كل بلد أثر في نفوس أصدقائه وفي قلوب الآلاف المؤلفة من تلاميذه، الذين ما انفكّ يوليهم من نفسه وقلبه حتى لم يبقَ له نفس ولا قلب ... هذا الفتى أعادته الأيام بعد هذا كله شيخاً ولم يبلغ الأربعين، ميتاً يمشي مكفَّناً في جبة، وضُيّقت رحاب نفسه حتى أحاطت بها مواد القانون، وحطمت قلمه فتعثر فهو لا يجري إلاّ في حيثيات القرارات وصيغ المخالفات، وصَغُرت دنياه حتى صارت تحدّها جدران المحكمة الأربعة ... فماذا -يا سيدي- يرجى منه بعد هذا؟

стр. 127

قضى عليه بلده الذي أحبه وفارق من حبه مصر بعدما بسم له فيها المستقبل عن ثنايا بوارق، ولو أنه بقي في مصر، ومصر (موطن أسرته الأول) تعرف للأدب حقه وللأدب منزلته، لكان منه اليوم «شيء»! على أن مصر -إن أردت الحق- لا تحب إلاّ أبناءها ولا تبسم إلاّ لهم، وترى واحد الأديب المصري مئة، ومئة غيره لا تساوي عندها واحداً. وإلاّ فخبّرني بالله: لمَ يحتفل نقّادها بأصغر كتاب يصدر فيها ويشتغلون بالكلام عنه الأيام الطوال، ولا يخطّون كلمة ثناء أو نقد للكتاب القيم يصدر في بر الشام أو في العراق؟ وما له يعتب على مصر، وهذا بلده طاشت فيه الموازين وانقطعت الأسلاك وتبلبل الرأي، واختلط الحابل بالنابل والمتحليات بالعواطل، حتى إن الصحف لتجمع على مدح الكتاب وتقريظه وتهلل للشعر الجديد وتصفق، وما ثَمّ إلاّ منكَر من القول قد صيّروه معروفاً، أو ثقيل بارد استحبّوه أو غثّ متهافِت رأوه قوياً بليغاً؛ كأن الأدب صار لهواً وعبثاً، وكأن العربية انحلّت عُقَدها ولم يبقَ لها هذا «الكتاب» تعتصم به، فيحفظ عليها وحدتها ويكون بين أولها وآخرها السببَ الموصول والحبل المتين، فقديمها به حديث أبداً نفهمه اليوم ونتذوقه، وحديثها به قديم لو نشر الله العرب الأولين لفهموه وتذوقوه ... وكأن الأديب هو من ينزع عن جسمه جلدَه ليلبس جلداً مصنوعاً في المعامل التي هي (هناك)، ومن يود لو خلع رأسه ليركّب له رأساً فيه عقل من (هناك)، والذي يفرق بالجهات بين الحق والباطل، فما جاء من حيث تشرق الشمس كان باطلاً كله ولو كان الدينَ والأخلاق والشرف، وما جاء من حيث تغيب فهو

стр. 128

حق كله ولو كان الكفر والفسوق والعصيان! وحتى إن هذا البلد لينكر الأديب الصريح الثابت النسب الموصول السبب، ويحفل بكل لصيق دعيّ ... ولكن هل يشكو امرؤ بلدَه وأهله؟ بلادي وإن جارَتْ عليّ عزيزةٌ ... وأهلي وإن ضنّوا عليّ كِرامُ فلا عليكِ يا دمشق ما صنعتِ بمَن لم يكد يحبك أحدٌ مثلما أحبك، ولم يصف من جمالك كاتبٌ مثلما وصف ولا أشاد بذكرك مثلما أشاد، وهذي صديقتنا «الرسالة» أخت «الثقافة» شاهدة على ما يقول؛ لا يمنُّ ويؤذي بالمن، ولكن يعاتب ويشكو. * * * ولئن كتب الله لهذا «الميت» ولادة أخرى (والمرء يولَد فيه كل يوم رجل جديد ويموت رجل قديم) وأعاده إلى الحياة، فليضربنّ إن شاء الله في سماء الأدب بجناحَين مبسوطين، وليطلعن على آفاق لم يرها من قبل، وليحدّثنّ قراء «الثقافة» حديثاً هو أحلى من مناجاة الحب وحديث القلب، وإلاّ يُكتَبْ له ذلك فعليه رحمة الله، وما ضر الناس بفقده (شيئاً)! وهذا اعتذار تضمنته شكوى، فانشره يا سيدي مشكوراً، أو فدَعْه غيرَ ملوم: ولا بُدّ مِن شكوى إلى ذي مروءةٍ ... يُواسيك أو يُسْليك أو يَتَوجّعُ والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. * * *

стр. 129

جواب الأستاذ أحمد أمين ﵀: أرسلت «الثقافة» إلى الأستاذ الأديب الدمشقي ترجوه الخروج عن صمته والعودة إلى تلحينه، وقد عرفت منه كاتباً قديراً وأديباً متفنناً، فبعث بهذا الكتاب وأباح لنا نشره. ولعل هذا يكون سبباً باعثاً للأستاذ أن ينفّس عن نفسه، ويستعيد قلمه ويمتع القراء بآثاره، ويتحرر من الدنيا الضيقة التي يعيش فيها بين القضايا وكتب القانون وحيثيات الأحكام إلى الدنيا الواسعة، دنيا العواطف ودنيا الناس ومنازعهم ومشاكلهم وإصلاحهم، فما خُلق الأديب وَقفاً على مثل هذه الدنيا الضيقة. والأستاذ يعتب على المجلات المصرية أنها تشيد بالتافه من نتاج مصر ولا تشير إلى الجيد من نتاج الأقطار الأخرى كالشام والعراق، وقد سمعنا هذه الشكوى مراراً، وقد يكون فيها شيء من الحق، ولكن أكبر الظن أنه إهمال غير مقصود، ولعلّ كتّاب الشام والعراق يحملون كثيراً من التبعة، فالكتب الشامية والعراقية تظهر بين أظهرهم وهم أعلم الناس بها وبملابساتها وبقيمتها، فلو كتبوا عنها ونقدوها نقداً قيماً وعرّفوا بها تعريفاً صحيحاً لما تأخرت المجلات المصرية عن نشر مقالاتهم ومشاركتهم في الإشادة بالآثار القيمة منها. و «الثقافة» على الأقل تلتزم هذا وتتعهد به، وتعتقد أنها بذلك تسد نقصاً واضحاً فيها وفي سائر المجلات، وهو عدم إيفاء باب النقد حقه، سواء أكان النتاج مصرياً أو عراقياً أو شامياً. وفي انتظار مقالات الأستاذ نحييه ونشكره. * * *

стр. 130

الشفاء نشرت سنة ١٩٣٦ كان مصاباً بالسل، ولكنه سل غريب قاتل؛ لم يكن في الرئة ولا في الأمعاء، بل كان في النفس، في الفكر، فكان يعطل شعوره وتفكيره ويخنق حياته ويهد كيانه ... كان مصاباً بـ «داء الحب». خمدت جذوة قريحته، وتعطلت ملكاته كلها، وضاع ذكاؤه وبادت فطنته، وضاق كل شيء في نظره فأصبح يراه مقتضباً مختصراً: المسرات كلها اختُصرت في لقاء مَن يحب، والآلام في فراقه، والواجبات كلها في إرضائه، والمحرمات كلها في إغضابه، واختصر كتاب حياته وطمس اسمه وعنوانه، فكان حاشية صغيرة على هامش حياة التي يحبها، واختصرت الدنيا الطويلة العريضة المليئة بالفضائل والأمجاد، الفياضة بالجمال والحقيقة والخير، فكانت كلها هذه المرأة! وأقهَمَ عن الطعام واجتواه (١)، وأصبح خالفاً لا يشتهيه

стр. 131

ولا يميل إليه، وإذا اضطر أكَلَ أكْلَ من قزَّت نفسه واكتفى بلُقيمات ما يقمن صلبه، كأنّ هذا المرض لا يرضيه ما يفسد من النفس حتى يحطم الجسم! وأصابه الأرق، فأمسى يبيت ليله سهران مسهَداً، وإذا رنق النوم في عينيه (١) وغلبته حاجة جسمه خفق خفقة ثم أفاق فَزِعاً، يفكر في هذا الإنسان، يخاف أن يطير مع الأنفاس، أو يسيل مع الدمع، أو يغْرق في بحر عينيه! فهَزُلَ جسمه وخارت قواه وتراخت مفاصله، وشحب وجهه، وآض ساهماً رازماً، ضعيفاً مُخَبْخَباً (٢)، ولم يعد يعيش إلاّ على المجاز؛ يعيش بذكرى أيامه الماضية قبل أن يصيبه هذا السل، أيام كان ذا جسم قوي وفكر ثاقب وقلب شاعر ... ولم يعد ينتفع بنفسه أو ينتفع بها الناس بشيء، لأنه أصبح لا لنفسه ولا للناس ولا للحياة، ولكن لإنسان واحد يحبه. وهكذا الحب أبداً: مرض في الجسم، وضيق في الفكر، وفرار من حومة الحياة! * * * وكان أمس، وكان يوماً من أيام الخريف في بغداد، هبت فيه الرياح خرقاء هوجاء مُعصِفة، تُذَعذع (٣) الأشجار، وتثير الأوراق،

стр. 132

وتكسر الأغصان، وتمتد إلى كل شيء في الطبيعة فتعيث فيه وتعبث به، وتدفعه من ههنا وههنا ... معتكرة تسفي التراب وتحمل هذا الغبار الناعم الدقيق (١) الذي يملأ الجو ويخالط كل ذرة من ذرات الهواء، وينتشر في السماء كمثل السحاب، يمنع الشمس ويحجب المرئيات، ولا يمنع منه شيء، فهو يدخل الغرف مهما أحكمت إغلاق الباب وضبطت النوافذ، وينفذ من خلال الثياب مهما كانت حصيفة محكمة، ويخش (٢) في العيون والمناخر والآذان وفي أصول الشعر، ويمر إلى أجواف الصناديق وبطون الخزائن وقلوب الساعات ... بل إنه -لدقته وخفته وسرعته- ليكاد يدخل في نفسه! وكان على صاحبنا أن يغدو إلى عمله في بغداد، وكان ينزل ضاحية من ضواحيها، فتردد ثم لم يجد من الأمر بداً، فتحزّم وتدثّر وتعطّف بمعطفه الثخين، والْتَحَفَ فوقه بالمِمْطَر (المشمّع) يتقي به المطر، ولف شَملة على عنقه، ولبس قفازيه، وأخذ عصاه فتوكأ عليها، وسار الهوينى لا يطيق حراكاً؛ لكثرة ما يحمل من ثياب، ولطول الطريق وشدة الرياح، وما به من الضعف والإعياء. * * * وكان وحده في طريق (الصُّلَيْخ)، لم يجد سيارة يركبها ولا قوماً يصحبهم، فنزل ماشياً. وكان الطريق طويلاً على طرفيه النخيل تعبث به الرياح، فتميل بجذوعه وتحرك أغصانه فتفرقها

стр. 133

ثم تجمعها، فتبدو كأنما هي مراوح ضخمة تحركها يد لا تُرى فتُروِّح بها على وجه الدنيا، وكانت تظهر أوائلها وتغيب أواخرها في هذا السحاب الترابي الذي يغطي على كل شيء ويصل الأرض بالسماء، فترى الطريق كأنه صاعد إليها، أو تراها كأنها هابطة إليه! وكانت الرياح زَعْزَعاً (١) شديدة، تميل بالأشجار وتعصف بالغصون، ولم يكن ثابتاً وسط الرياح إلا صاحبنا بعصاه وضَعفه وأحماله ... ولَحَظَ ذلك من نفسه، وأعجبه أن يلحظه ويفكر فيه، وعراه شيء من الاعتداد بالنفس، وازداد حتى ملأه الشعور بقوّته، فجعل ينظر في عِطْفيه زهواً وتيهاً، وجعل يتأمل دخيلته ويفكر في نفسه: مَن هو؟ وما هذه الحياة التي يحياها؟ ... واشتدت الرياح وعزفت، ثم صفرت صفيراً، فلم يبالِ بها ولم يحفلها، لأنّ زوبعة أخرى أشد هولاً قد هبّت في نفسه ... تنطح هذا الجبل وتريد أن تنسفه. فوقف يفكر: لماذا يضيّق حياته بيده؟ لماذا يعطل فكره وملكاته؟ أكل ذلك لأنه وجد إنساناً جميلاً ظن أنه يحبه؟ لتكن جميلة أو قبيحة، ما شأنه هو بها؟ ومَن قال إنه لا يعيش إلاّ بها؟ ماذا كان يصنع قبل أن يعرفها؟ ألم يكن يعيش؟ ألم تكن حياته أجمل وأحفل بالعظائم وأملأَ بالفضائل؟ هل كان هذا الحب إلاّ مرضاً عُضالاً هدَّ جسمَه ومحا مواهبه وفلَّ عزيمته، وأقام بينه وبين الحياة سداً من لحم ودم؟

стр. 134

يا للسخف! أيحكم على نفسه بالألم الدائم والقلق المستمر، ليحظى ذلك الإنسان بالسرور والاطمئنان؟ أيوجب على نفسه الشحوب لأنها مورّدة الوجنتين؟ أيختار المرض والهزل لمجرد أنها صحيحة بضّة؟ ... يا للخجل! ألا يرى الدنيا إلاّ في عيني هذا الإنسان؟ أيقنع من السعادة والمجد والعلم والبطولة والدفء والنور والحياة بابتسامة واحدة؟ وبدا له الحب كأسخف شيء يكون! * * * وكانت الدنيا قد استُطير لبها وجُنَّ جنونها، وهطلت الأمطار سريعة قوية تضرب وجهه ... فأحس بالقوة والنشاط، وجعل ينشق ملء رئتيه وتبرق عيناه بريق العزم، ثم ألقى عصاه وشملته ونزع عنه هذه الأحمال من الثياب ... وانتفض وضرب الفضاء بقبضتيه، وصاح صيحة الفرح: قد شُفيت! ثم انطلق نحو الدنيا الواسعة ... لم تعد محرَّمة عليه، لأنه لم يعد يحب! * * *

стр. 135

الوَحدة [«... إن كل عناء في الحياة مصدره أننا نحيا منعزلين، وكل ما نبذل من جهودنا لا نريد به إلاّ الفرار من هذه العزلة». جي دوموباسان] نشرت سنة ١٩٣٧ ما آلمني شيء في الحياة ما آلمتني الوَحدة. كنت أشعر -كلما انفردت- بفراغ هائل في نفسي، وأحس بأنها غريبة عني ثقيلة عليّ لا أطيق الانفراد بها، فإذا انفردت بها أحسست أن بيني وبين الحياة صحارى قاحلة وبِيداً ما لها من آخر، بل كنت أرى العالم في كثير من الأحيان وحشاً فاغراً فاه لابتلاعي، فأحاول الفرار، ولكن أين المفرُّ من نفسي التي بين جنبيّ ودنياي التي أعيش فيها؟ إن نفسي عميقة واسعة، أو لعلي أراها عميقة واسعة لطول ما أحدق فيها وأتأمل جوانبها، فتخيفني بسعتها وعمقها ويرمضني أنه لا يملؤها شيء مهما كان كبيراً ... وهذا العالم ضيق، أو لعلي أراه ضيقاً لاشتغالي عنه بنفسي وشعوري بسعتها، فأراه يخنقني بضيقه. إني أجمع العالم كله في فكرة واحدة أرميها في زاوية من

стр. 136

زوايا نفسي، في نقطة صغيرة من هذا الفضاء الرحيب، ثم أعيش في وحدة مرعبة أنظر ما يملأ هذا الفضاء. إني كلما انفردت بنفسي، فتجرأت على درسها والتغلغل في أعماقها، بدت لي أرحبَ وأعجب. فما هذا المخلوق الذي يحويه جسم صغير لا يشغل من الكون إلاّ فراغاً ضيقاً كالذي يشغله صندوق أو كرسي ... ويحوي هو «المكان» كله، ويشمل «الزمان»، وينتقل من الأزل إلى الأبد في أقل من لحظة، وينتظم «الوجود» كله بفكرة، وتكاد الحياة نفسها تضل في أغواره؟ من المستحيل أن نفهم هذا المخلوق الذي ندعوه «النفس»، لذلك نخاف الوحدة ونفرّ منها. إننا نخشى نفوسنا ولا نستطيع أن ننفرد بها، فنحب أن نشتغل عنها بصحبة صاحب أو حب حبيب أو عمل من الأعمال ... ونخشى الحياة، ونحب أن نقطعها بحديث تافه أو كتاب سخيف، أو غير ذلك مما نملأ به أيامنا الفارغة. وإذا نحن اضطررنا مرة إلى مواجهة الحياة ومقابلة الزمان خالياً من أُلهية نلهو بها -كما يكون في ساعة الانتظار- مللنا وتبرمنا بالحياة وأحسسنا بأن الفلك يدور على عواتقنا. أفليس هذا سراً عجيباً من أسرار الحياة: يكره المرء نفسه ويخشاها وهي أحب شيء إليه، ويفر منها ... ويضيق بحياته وهي أعز شيء عليه، ويسعى لتبديدها وإضاعتها؟! * * * عجزت عن احتمال هذه الوَحدة وثقل عليّ هذا الفراغ الذي أحسه في نفسي، فخالطت الناس واستكثرت من الصحابة. فوجدت في ذلك أنساً لنفسي واجتماعاً لشملي، فكنت أتحدث

стр. 137

وأمرح وأمزح وأُضحك وأَضحك، حتى ليظنني الرائي أسعد خلق الله وأطربهم، بَيد أني لم أكن أفارق أصحابي وأنفرد بنفسي حتى يعود هذا الفراغ الرهيب وترجع هذه الوحدة الموحشة. انغمست في الحياة لأملأ نفسي بمشاغل الحياة وأُغرق وحدتي في لجة المجتمع، واتصلت بالسياسة وخببت فيها ووضعت وكتبت وخطبت، فكنت أحسُّ وأنا على المنبر بأني لست منفرداً وإنما أنا مندمج في هذا الحشد الذي يصفق لي ويهتف ... ولكني لا أخرج من النديِّ ويرفضُّ الناس من حولي وأنفرد في غرفتي حتى يعود هذا الفراغ أهول مما كان، وترجع الوحدة أثقل؛ فكأنما ما نقصت هناك إلا لتزداد هنا، كالماء تسد مخرجه فينقطع، ولكنك لا ترفع يدك حتى يتدفق ما كان قد اجتمع فيه ... فماذا يفيدني أن أُذكر في مئة مجلس أو يمر اسمي على ألف لسان، وأن يتناقش فيّ الناس ويختصموا، إذا كنت أنا في تلك الساعة منفرداً مستوحشاً متألماً؟ وجدت الشهرة لا تفيد إلاّ اسمي، ولكن اسمي ليس مني ولا هو (أنا)، فأحببت أن أجد الأنس بالحب وأن أنجو به من وحدتي، فلم أجد الحب إلاّ اسماً لغير شيء، ليس له في الدنيا وجود، وإنما فيها تقارب أشباح: أُعانقُها والنفسُ بعدُ مَشوقَةٌ ... إليها، وهلْ بعدَ العِناقِ تَدَانِ؟ وألثُمُ فاها كي تزولَ صَبابَتي ... فيشتَدُّ ما أَلقى من الهَيَمانِ كأنّ فؤادي ليس يَشفي غليلَه ... سوى أن يرى الرّوحينِ تلتَقِيانِ ولكن أنى تلتقي الأرواح؟ وأين هذا الحب الجارف القوي

стр. 138

الخالص الذي يأكل الحبيبين كما تأكل النار المعدن ثم تخرجهما جوهراً واحداً مصفّى نقياً ما فيه «أنا» ولا «أنت»، ولكن فيه «نحن»؟ فنفضت يديّ من الحب، ويئست من أن أرى عند الناس الاجتماع المطلق، فعدت بطوعي أنشد الوحدة المطلقة. * * * صرت أكره أن ألتقي بالناس، وأنفر من المجتمعات، لأني لم أجد في كل ذلك إلاّ اجتماعاً مزيفاً: يتعانق الحبيبان، ولو كُشف لك عن نفسيهما لرأيت بينهما مثل ما بين الأزل والأبد، ويتناجى الصديقان ويتبادلان عبارات الود والإخاء، ولو ظهر لك باطنهما لرأيت كلاًّ منهما يلعن الآخر، وترى الجمعية الوطنية أو الحزب الشعبي، فلا تسمع إلاّ خطباً في التضحية والإخلاص ولا ترى إلاّ اجتماعاً واتفاقاً بين الأعضاء، ولو دخلت في قلوبهم لما وجدت إلاّ الإخلاص للذات وحب النفس وتضحية كل شيء في سبيل لذة شخصية أو منفعة! وجدتني غريباً بين الناس، فتركت الناس وانصرفت إلى نفسي أكشف عالمها وأجوب فيافيها وأقطع بحارها وأدرس نواميسها، وجعلت من أفكاري وعواطفي أصدقاء وأعداء، وعشت بحب الأصدقاء وحرب الأعداء! * * * إنّ مَن حاول معرفة نفسه عرضت له عقبات كَاداء ومشقات

стр. 139

جِسام، فإن هو صبر عليها بلغ الغاية. وما الغاية التي تطمئن معها النفس إلى الوحدة، وتأنس بالحياة، وتدرك اللذة الكبرى؟ ما الغاية إلاّ معرفة الله. وسيظل الناس تحت أثقال العزلة المخيفة حتى يتصلوا بالله ويفكروا دائماً في أنه معهم وأنه يراهم ويسمعهم؛ هنالك تصير الآلام في الله لذة، والجوع في الله شبعاً، والمرض صحة، والموت هو الحياة السرمدية الخالدة. هنالك لا يبالي الإنسان ألاّ يكون معه أحد، لأنه يكون مع الله. * * *

стр. 140

ذكريات نشرت سنة ١٩٣٧ هما موقفان لا أزال أذكرهما، أو تغمض عيني كف الغاسل: أما الأول فعلى ضفاف بردى، في الثامن والعشرين من أيلول ١٩٢٦. وأما الثاني فعلى شاطئ دجلة، في الخامس من أيار ١٩٣٧. * * * كان بردى يخطو على مهل متهللاً منطلق الوجه، يردّ على الشمس الوليدة أولَ تحياتها وهي تغمره برشاش من عطر أشعتها الحمراء ... وكنت في السيارة الفخمة، أنظر إلى جموع المودّعين من الصحب والرفاق، الذين خرجوا من بيوتهم في هذا الصباح ليودّعوني قبل نزوحي إلى العراق، فأقلب النظر في وجوههم شاكراً لهم فضلهم حزيناً لفراقهم، ثم أتأمل بردى صديق الصبا وسمير الوحدة ونجيّ النفس، فأبصر في خلاله ظلال الحور والصفصاف تميس دلالاً وتيهاً، وأرى ظلال المآذن البعيدة السامقة تضطرب

стр. 141

في الماء فأبصر فيها ذكرياتي حية تطالعني وتحدّثني، وتعيد على مسمعي قصة حياتي وتتلو عليّ تاريخي، فأحس بلوعة الفراق وأشعر في تلك الساعة بأني أحب دمشق ... دمشق مثوى ذكرياتي، ودنياي من الدنيا، وغاية أملي في حياتي ... ثم يطوي المرج هذه الصور كلها ولا يدع حيال عيني إلاّ صور إخوتي، فأتأملها بعين دامعة وقلب واجف خائف من الفراق، ثم تجتمع كلها في وجه واحد، هو أحبُّ الوجوه إليّ وأدناها إلى قلبي ... وألمح في الماء مشهداً طال عليه العهد ونأى به الزمان، فأراه ينفض عنه غبار السنين العشر ويعود حياً جديداً. رأيتني في محطة الحجاز، آية الفن الحديث في دمشق، والمحطة مائجة بأهلها كما يموج البحر بمياهه؛ فمن مسافر عَجِل، ومن مودِّع باك، ومن بائع يصيح ... ومن آت وذاهب، وطالع ونازل. وكنت منزوياً في ركن من أركان القطار المسافر إلى حيفا وإلى جانبي أختي الصغيرة ... أنظر إلى بعيد، فأرى هناك، في أخريات الناس، امرأة تمسك بيديها طفلين، متلفعة بملاءة لا تبدي منها شيئاً، ولكن وراء هذا القناع الأسود عينين تفيضان بالدمع عالقتين بمكاننا من القطار، وخلال تلك الضلوع قلباً يخفق شوقاً ويسيل دمعاً، ووراء هذه الوقفة الساكنة الهادئة ناراً تضطرم في الجوف وزلزالاً شديداً يدك نفسها دكاً ... وصفر القطار الذي يحملنا إلى مصر، فازداد القلب خفقاناً واضطراباً، ثم قذف إلى الجو بدخانه كأنما هو حي قد أخذ بموقف الوداع، فزفر زفرة الحزن الدفين والألم الحبيس، ثم هدر وسار

стр. 142

وراحت المحطة تبتعد عنا وعيني عالقة بيد تلك المرأة التي تلوح لي بمنديل أبيض، حتى غاب عني كل شيء. هناك تلفتُّ فرأيتني وحيداً، ورأيت القطار يجدّ لينأى بي عن أهلي وبلدي، فهممت بإلقاء نفسي من نافذة القطار ... لولا أن تعلقت بي أختي التي كانت على صغرها أكبر مني، وعلى أنوثتها أقوى وأجلد! أردت أن ألقي بنفسي لأني لم أكن أتخيل أن في استطاعتي الحياة يوماً واحداً بعيداً عن أمي، التي كان تعلقها بنا وتعلقنا بها لا يشبه ما نرى من الأمهات والأبناء، وكان ... آه، ماذا تفيد «كان»، وقد كان ما كان؟ تلك هي أمي التي مرَّ على «غيابها» عني سنوات طوال، ولكني أحسُّ كأن الحادثة كانت أمس، فتحز في نفسي ولا أطيق أن أكتب عنها حرفاً. تلك هي أمي التي كانت لي أماً وأباً بعد أبي رحمهما الله، وكانت حبيبة، وكانت أستاذة، وكانت دنياي، وكانت آخرتي ... وكانت أمي. تلك هي أمي التي فوجئتْ كما تُفاجَأ الشجرة الغضة الفينانة في ربيعها الزاهر، حين تعصف بها العاصفة فتدعها جذعاً مقطوعاً جافاً. تلك هي أمي التي ما نسيتها -علِمَ الله- أبداً، ولم أذكرها أبداً! إنها تملأ نفسي ولكني لا أجري ذكرها على لساني. أراها

стр. 143

في أحلامي حية فأشعر كأني عدت حياً وأهم بعناقها، وأفتح عيني فأجد على وجهي حَرّ لطمة الدهر الساخر، ولكني أحمل اللطمة وأغضي على القذى، ولا أخبر إخوتي بشيء لئلا أذكّرهم ما هم ناسون أو أجدّد لهم بالمصيبة عهداً، فأهمل ذكرى أمي ويهملونه ... ولعلّ كل واحد منهم يحسُّ مثلما أحس ويكتم مثلما أكتم! ذكرت ذلك ساعة الوداع لأني كنت متألماً، وليس لآلامي كلها إلاّ معنى واحد هو أني أذكر وفاة أمي، ذلك هو الألم عندي لا ألم سواه. فلما صحوت نظرت في وجوه المودّعين فلمحت وجه أمي مرة ثانية، ولكني لمحته حياً ماثلاً في وجوه إخوتي الأحباء. فودّعته بدمعة من العين وابتسامة على الفم وإشارة بالكف، ثم سارت بنا السيارة تطوي الأرض وتستقبل الصحراء ... ذلك هو الموقف الأول! * * * أما الموقف الثاني فقد كان على شطّ دجلة في الهزيع الأول من الليل، وكانت محطة بغداد الغربية زاخرة بعشرات من خير شباب بغداد وزهرة فتيانها، تركوا دروسهم وامتحانهم القريب وخرجوا من دورهم في هذا الليل ليودّعوا صديقاً أحبهم وأحبوه وأخلصوا له الحب وأخلص لهم ... ذلك الصديق هو أنا، وأولئك هم تلاميذي، بل إخوتي، جاؤوا يودّعونني لا قياماً بواجب رسمي

стр. 144

ولا رغبة في ثواب ولا رهبة من عقاب، ولكن وفاء وحباً. والحب أجمل ما في الوجود والوفاء أقدس ما فيه بعد الإيمان ... وكنت مستنداً إلى نافذة القطار الذي سيحملني إلى البصرة، أصغي إلى خطبهم وأشعارهم التي صبوا فيها عواطفهم وكتبوها بمداد قلوبهم، أتأمل فلا أرى -والله- إلا بردى ودمشق وإخوتي. وغبت عني في شبه ذهول، فما انتبهت إلاّ وأنا وحيد في القطار. أضم إلى قلبي هذه الهدية التي قدمها إليَّ تلاميذي. وأطللت من النافذة فلم أجد إلاّ الظلام ... * * * لما دخلت عليهم الصف أول مرة كنت مشتاقاً إلى بلدي كارهاً لغربتي متألماً ملتاعاً، فلم أرَ في الصف إلاّ عيوناً جامدة وقلوباً معرضة وأفواهاً مغلقة، وكانوا عندي من العدم لأنه لم يكن لهم في ذاكرتي وجود. ولكن لم ألبث أن وضعت بين أيديهم قلبي فأحببتهم كما يحب الأخ أخاه (أحبهم في مجموعهم لا أحب واحداً منهم ...)، وأخلص لهم، وأحرص على رضاهم، وأحس الفرح يغمر نفسي إذا قدمت لواحد منهم خيراً أو درأت عنه شراً، ويتصدع فؤادي إن وجدت أحدهم متألماً، فلا أني (١) أخفف ألمه وأدفع عنه حزنه، وكنت أعيش بهم ولهم ومعهم. ووضعت بين أيديهم رأسي أطلعهم على كل ما اختزنته فيه هذه السنين الطوال؛ أستغل أضعف المناسبات لأطلعهم على

стр. 145

جمال الأدب العربي، وعظمة التراث الإسلامي، وقيمة التفكير الحديث، واتجاه النقد الجديد. وأعلّمهم الاستقلال الفكري، وأحفزهم إلى المناقشة، ولا أستغل في إقناعهم سلطة المدرّس لأن ذلك ضعف، ولكن أستعملُ قوةَ المُحقِّ ولَسْنَ الجَدِل النظّار (١). وأعترف لهم بالحق إذا ظهر على لسانهم، وأقر بأني لا أدري ما لا أكون أدريه ... وأبعث فيهم ملكاتهم المهمَلة، وأشجعهم على الإنتاج والنشر. وكان زملاؤنا من المدرّسين يحذرونني عواقب هذه الطريقة لأن الطلاب (في رأيهم) لا يقدّرون قيمة الحرية واللطف ويحسبونها عجزاً وضعفاً ويتخذونها سبيلاً إلى الشغب، ولكني وجدتهم يقدرون قيمتها ويحترمون المدرس العادل العالِم اللطيف أكثر مما يحترمون المدرس الجبار العنيف، ووجدت هذه الطريقة قد أجدت جَدىً كبيراً، فأقبل الطلاب على الأدب وقد كانوا عنه منصرفين، وصار أحبَّ الدروس إليهم وقد كانوا يكرهونه، ونشأ فيهم كتّاب وشعراء ونقّاد يؤمل منهم بعث الحياة الأدبية في العراق في بضع سنين. وضعت بين أيديهم رأسي وقلبي، فلما أثمرت الثمرة، ولما تحركت هذه العيون بالإخلاص وأقبلت هذه القلوب بالحب وتفتحت هذه الأفواه عن أجمل أحاديث العلم والأدب والود ... ولما مُحيت تلك الفروق كلها وزال التكلف بين المدرس
следующие страницы →