في الماء فأبصر فيها ذكرياتي حية تطالعني وتحدّثني، وتعيد على مسمعي قصة حياتي وتتلو عليّ تاريخي، فأحس بلوعة الفراق وأشعر في تلك الساعة بأني أحب دمشق ... دمشق مثوى ذكرياتي، ودنياي من الدنيا، وغاية أملي في حياتي ... ثم يطوي المرج هذه الصور كلها ولا يدع حيال عيني إلاّ صور إخوتي، فأتأملها بعين دامعة وقلب واجف خائف من الفراق، ثم تجتمع كلها في وجه واحد، هو أحبُّ الوجوه إليّ وأدناها إلى قلبي ... وألمح في الماء مشهداً طال عليه العهد ونأى به الزمان، فأراه ينفض عنه غبار السنين العشر ويعود حياً جديداً.
رأيتني في محطة الحجاز، آية الفن الحديث في دمشق، والمحطة مائجة بأهلها كما يموج البحر بمياهه؛ فمن مسافر عَجِل، ومن مودِّع باك، ومن بائع يصيح ... ومن آت وذاهب، وطالع ونازل. وكنت منزوياً في ركن من أركان القطار المسافر إلى حيفا وإلى جانبي أختي الصغيرة ... أنظر إلى بعيد، فأرى هناك، في أخريات الناس، امرأة تمسك بيديها طفلين، متلفعة بملاءة لا تبدي منها شيئاً، ولكن وراء هذا القناع الأسود عينين تفيضان بالدمع عالقتين بمكاننا من القطار، وخلال تلك الضلوع قلباً يخفق شوقاً ويسيل دمعاً، ووراء هذه الوقفة الساكنة الهادئة ناراً تضطرم في الجوف وزلزالاً شديداً يدك نفسها دكاً ...
وصفر القطار الذي يحملنا إلى مصر، فازداد القلب خفقاناً واضطراباً، ثم قذف إلى الجو بدخانه كأنما هو حي قد أخذ بموقف الوداع، فزفر زفرة الحزن الدفين والألم الحبيس، ثم هدر وسار
стр. 142
وراحت المحطة تبتعد عنا وعيني عالقة بيد تلك المرأة التي تلوح لي بمنديل أبيض، حتى غاب عني كل شيء.
هناك تلفتُّ فرأيتني وحيداً، ورأيت القطار يجدّ لينأى بي عن أهلي وبلدي، فهممت بإلقاء نفسي من نافذة القطار ... لولا أن تعلقت بي أختي التي كانت على صغرها أكبر مني، وعلى أنوثتها أقوى وأجلد!
أردت أن ألقي بنفسي لأني لم أكن أتخيل أن في استطاعتي الحياة يوماً واحداً بعيداً عن أمي، التي كان تعلقها بنا وتعلقنا بها لا يشبه ما نرى من الأمهات والأبناء، وكان ... آه، ماذا تفيد «كان»، وقد كان ما كان؟
تلك هي أمي التي مرَّ على «غيابها» عني سنوات طوال، ولكني أحسُّ كأن الحادثة كانت أمس، فتحز في نفسي ولا أطيق أن أكتب عنها حرفاً.
تلك هي أمي التي كانت لي أماً وأباً بعد أبي رحمهما الله، وكانت حبيبة، وكانت أستاذة، وكانت دنياي، وكانت آخرتي ... وكانت أمي.
تلك هي أمي التي فوجئتْ كما تُفاجَأ الشجرة الغضة الفينانة في ربيعها الزاهر، حين تعصف بها العاصفة فتدعها جذعاً مقطوعاً جافاً.
تلك هي أمي التي ما نسيتها -علِمَ الله- أبداً، ولم أذكرها أبداً! إنها تملأ نفسي ولكني لا أجري ذكرها على لساني. أراها
стр. 143
في أحلامي حية فأشعر كأني عدت حياً وأهم بعناقها، وأفتح عيني فأجد على وجهي حَرّ لطمة الدهر الساخر، ولكني أحمل اللطمة وأغضي على القذى، ولا أخبر إخوتي بشيء لئلا أذكّرهم ما هم ناسون أو أجدّد لهم بالمصيبة عهداً، فأهمل ذكرى أمي ويهملونه ... ولعلّ كل واحد منهم يحسُّ مثلما أحس ويكتم مثلما أكتم!
ذكرت ذلك ساعة الوداع لأني كنت متألماً، وليس لآلامي كلها إلاّ معنى واحد هو أني أذكر وفاة أمي، ذلك هو الألم عندي لا ألم سواه.
فلما صحوت نظرت في وجوه المودّعين فلمحت وجه أمي مرة ثانية، ولكني لمحته حياً ماثلاً في وجوه إخوتي الأحباء. فودّعته بدمعة من العين وابتسامة على الفم وإشارة بالكف، ثم سارت بنا السيارة تطوي الأرض وتستقبل الصحراء ...
ذلك هو الموقف الأول!
* * *
أما الموقف الثاني فقد كان على شطّ دجلة في الهزيع الأول من الليل، وكانت محطة بغداد الغربية زاخرة بعشرات من خير شباب بغداد وزهرة فتيانها، تركوا دروسهم وامتحانهم القريب وخرجوا من دورهم في هذا الليل ليودّعوا صديقاً أحبهم وأحبوه وأخلصوا له الحب وأخلص لهم ... ذلك الصديق هو أنا، وأولئك هم تلاميذي، بل إخوتي، جاؤوا يودّعونني لا قياماً بواجب رسمي
стр. 144
ولا رغبة في ثواب ولا رهبة من عقاب، ولكن وفاء وحباً. والحب أجمل ما في الوجود والوفاء أقدس ما فيه بعد الإيمان ... وكنت مستنداً إلى نافذة القطار الذي سيحملني إلى البصرة، أصغي إلى خطبهم وأشعارهم التي صبوا فيها عواطفهم وكتبوها بمداد قلوبهم، أتأمل فلا أرى -والله- إلا بردى ودمشق وإخوتي.
وغبت عني في شبه ذهول، فما انتبهت إلاّ وأنا وحيد في القطار. أضم إلى قلبي هذه الهدية التي قدمها إليَّ تلاميذي. وأطللت من النافذة فلم أجد إلاّ الظلام ...
* * *
لما دخلت عليهم الصف أول مرة كنت مشتاقاً إلى بلدي كارهاً لغربتي متألماً ملتاعاً، فلم أرَ في الصف إلاّ عيوناً جامدة وقلوباً معرضة وأفواهاً مغلقة، وكانوا عندي من العدم لأنه لم يكن لهم في ذاكرتي وجود. ولكن لم ألبث أن وضعت بين أيديهم قلبي فأحببتهم كما يحب الأخ أخاه (أحبهم في مجموعهم لا أحب واحداً منهم ...)، وأخلص لهم، وأحرص على رضاهم، وأحس الفرح يغمر نفسي إذا قدمت لواحد منهم خيراً أو درأت عنه شراً، ويتصدع فؤادي إن وجدت أحدهم متألماً، فلا أني (١) أخفف ألمه وأدفع عنه حزنه، وكنت أعيش بهم ولهم ومعهم.
ووضعت بين أيديهم رأسي أطلعهم على كل ما اختزنته فيه هذه السنين الطوال؛ أستغل أضعف المناسبات لأطلعهم على
стр. 145
جمال الأدب العربي، وعظمة التراث الإسلامي، وقيمة التفكير الحديث، واتجاه النقد الجديد. وأعلّمهم الاستقلال الفكري، وأحفزهم إلى المناقشة، ولا أستغل في إقناعهم سلطة المدرّس لأن ذلك ضعف، ولكن أستعملُ قوةَ المُحقِّ ولَسْنَ الجَدِل النظّار (١). وأعترف لهم بالحق إذا ظهر على لسانهم، وأقر بأني لا أدري ما لا أكون أدريه ... وأبعث فيهم ملكاتهم المهمَلة، وأشجعهم على الإنتاج والنشر.
وكان زملاؤنا من المدرّسين يحذرونني عواقب هذه الطريقة لأن الطلاب (في رأيهم) لا يقدّرون قيمة الحرية واللطف ويحسبونها عجزاً وضعفاً ويتخذونها سبيلاً إلى الشغب، ولكني وجدتهم يقدرون قيمتها ويحترمون المدرس العادل العالِم اللطيف أكثر مما يحترمون المدرس الجبار العنيف، ووجدت هذه الطريقة قد أجدت جَدىً كبيراً، فأقبل الطلاب على الأدب وقد كانوا عنه منصرفين، وصار أحبَّ الدروس إليهم وقد كانوا يكرهونه، ونشأ فيهم كتّاب وشعراء ونقّاد يؤمل منهم بعث الحياة الأدبية في العراق في بضع سنين.
وضعت بين أيديهم رأسي وقلبي، فلما أثمرت الثمرة، ولما تحركت هذه العيون بالإخلاص وأقبلت هذه القلوب بالحب وتفتحت هذه الأفواه عن أجمل أحاديث العلم والأدب والود ... ولما مُحيت تلك الفروق كلها وزال التكلف بين المدرس
стр. 146
والطلاب، ولم يبق إلاّ إخوة يعيش الواحد منهم للجميع ويعمل الجميع للواحد ... جاء الأمر بنقلي إلى البصرة!
* * *
وها أنذا الآن في البصرة في هذه الغرفة الصغيرة، أذكر مجالسنا على شاطئ دجلة فيخفق قلبي خفقاناً شديداً، وأتمثل أمامي صورة أخي الشاعر وهو ينشدنا أعذب أشعاره التي تشبه في رقتها نسيم الماء الرخيّ اللين، وفي انسيابها دجلةَ التي خلع عليها الغروب ثوباً منسوجاً من خيوط النور فيه مئة لون ... وأذكر «ليلة المطر»؛ ليلة جلسنا في هذه الحديقة التي تنبسط وراء المطار المدني في بغداد وأمامنا الفضاء الذي يمتد إلى ... دمشق، لا يحجبه شيء، وكان مصباح المطار الأحمر القوي يريق ضوءه على الحديقة ومَن فيها فيجعلها كأنها بقعة من عالم مسحور، لا يشبهه شيء، ولكنه جميل أخّاذ يملأ النفس نشوة وسكراً، وكانت الطبيعة تبدو أمامنا كأنها لوحة خَطّتها ريشة أبرع المصورين، فهذه الحمرة العجيبة، وزرقة السماء الصافية، وسواد الليل عند الأفق، والنساء بثيابهن الملونة المبرقشة، والنادلون بقُمُصهم البيض، يمشون على الحشائش لا يسمع لهم صوت، يتكلمون همساً ...
وكان النسيم رخيّاً ناعشاً، تميل منه الأزهار فتفوح من أثوابها رائحة العطر فتطفو على هذا النسيم، والأضواء البعيدة كأنها تائهة في الظلام فهي ترتجف من الخوف، وقد جمعت الطبيعة في تلك الليلة سحرها كله: صفاء السماء، وسكون الليل، والربيع الذي
стр. 147
زخرف هذه الحديقة ورصعها بالورد والزهر ووضع فيها خلاصة فنه ونِتاج عبقريته.
وكان كل شيء عاشقاً قد سكر بخمرة الجمال وراح يحلم؛ فالصحراء الواسعة قد سكرت وتغلغلت في الظلام منفردة تحلم بالظل والماء، والسهول المجاورة راحت تحلم بربيع دائم، وعاد الأمس حياً حالماً بالخلود، وأطلّ الغد نَشوان يحلم بليلة مثل هذه الليلة.
وكنت أحلم ... فما راعني وهبط بي من سماء أحلامي إلاّ ضحكة عذبة رقيقة كأنها رنين الذهب، لم أسمعها بأذني ولكني رأيتها بعيني تتدحرج طافية على وجه النسيم الأحمر حتى غاصت في الظلام الساكن، وعاد الصمت ... وكانت ضحكة عاشقين قد نسيا الوجود وما فيه وغابا في حلم حي يقظان! فهاج ذلك صديقي الشاعر، فانحنى عليّ وألقى في أذني إحدى أغانيه (الجديدة):
زرعت روض شفتي بالقبل فأزهر وأينع، ولكن لم يقطفه أحد فذوى وجف.
وأعددت سرير الحب في قلبي وضمّخته بالعطر، ولكن لم يهجع عليه أحد فعلاه الغبار.
كأن الناس لمّا خُلقوا قُسموا أنصافاً، ثم نثروا في الحياة، فمن وجد نصفه صار إنساناً، ومن وجد غيره كان مسخاً، ومن لم يجد بقي نصف إنسان.
فأين أنت يا نصفي الآخر؟
стр. 148
لقد ضاع النصف الذي فيه قلبي، فمَن هي التي يخفق قلبي في صدرها؟
من هي التي تنظر بعيني، وتسمع بأذني؟
من هي التي لم أرَها أبداً، ولا أرى غيرها أبداً؟
شعرت بأن أغاني الشاعر قد سَمَتْ بي إلى عالَم كله خير وجمال، وشعرت بنشوة عجيبة، وعلمت أن ما أنا فيه غاية السعادة ونهاية السمو، وإذا أنا أسمع نغمة موسيقية فاتنة عادت تسمو بي، حتى رأيت ما كنت فيه أرضاً وهذي سماء، فذكرت كلمة فاجنر: «تبدأ الموسيقى حيث ينتهي الشعر».
واختلط علينا الجمال، فصار طاقة واحدة قد اجتمع فيها همس الحب وألحان الموسيقى بعبق الزهر، وأريج العطر بخيوط الأشعة وروعة الألوان، فصرنا نسمع ما يُرى، ونشم ما يُسمع، وصارت الحواس كلها حاسة واحدة ... هي حاسة الجمال!
* * *
وها أنذا أذكر مئات من الذكريات، وأتمثل طلابي كلهم أمامي حتى إني لأمدُّ يدي أصافحهم فلا تقبض يدي إلاّ الهواء، فأرتدّ مذعوراً وأجلس يائساً. لقد غدا هؤلاء الفتيان جزءاً مني لأنهم عاشوا في نفسي ذكريات كما عشت في نفوسهم ذكرى، فنحن مجتمعون ولو نأت بنا الديار!
وها أنذا آلفُ هذا البلد الذي كرهته واجتويته، وأصبر على شظف العيش فيه من أجل هؤلاء الطلاب الذين أحبوني
стр. 149
هم أيضاً، وأحببتهم وتعلقوا بي، فلا يأتون المدرسة إلاّ لسماع درسي، فإن لم يكن لي درس أقاموا في بيوتهم يجِدُّون ويستعدون للامتحان، ولا يدّخرون وسعاً في إسداء يد إليّ أو دفع الألم عني ... ويحرصون على راحتي أكثر من حرصهم على نجاحهم في امتحانهم، ويفضلون كلمة مني على كلمة يقولها القانون.
أصبر من أجل هؤلاء الذين أغرس الآن حبهم في قلبي لأنتزعه منه غداً وأدعه جريحاً ... أفهذه حياة المعلم؟ ماذا يبقى من قلبٍ في كل مدرسة منه قطعة؟
هنيئاً لمعلم ليس له قلب ...
ويا ويل المعلم إذا كان إنساناً!
* * *
стр. 150
مما حدث لي
أذيعت سنة ١٩٤٥
أنا رجل يتصورني القراء من بعيد «شيئاً» أكبر من حقيقتي، فلماذا أفضح نفسي عندهم؟ وعمَّ أتحدث إليهم، والأحاديث كثيرة، وما حدث لي يملأ كتباً؟
ثم قلت: لماذا لا أتحدث عن هذا ... عن حقيقتي في نفسي وصورتي عند القراء؟ ولي في هذا الباب طرائف عجيبة. وأنا أكتب من أكثر من عشرين سنة في جرائد الشام ومجلات مصر ولبنان كتابة شيخ مكتهل، فكان القراء يحسبونني شيخاً أشيَب الشعر محنيّ الظهر يدبُّ دبيباً، وعلى وجهه من كتابة الأيام والتجارب سطور من «الأخاديد» فوق سطور. وما كنت أحب أن أذيع هذه الطرائف لأنها لا تنفع السامعين وإن كانت قد تلذّ لهم، ولكن المحطة أرادت أن أحدّث المستمعين عن بعض ما حدث لي، مضحِكاً كان أم غير مضحك. ولا بأس فالضحك ينفع الجسم ويدفع الدم ويزيد الشهية، أما المصيبة فأن تجيء النكتة باردة لا تضحك، أو أن أكون ثقيلاً يتخفف. والثقيل إذا تخفّف صار طاعوناً ... والعياذ بالله.
стр. 151
سيداتي وسادتي ... مما وقع لي:
أن جاءني مرة (وكنت في عنفوان الشباب أكتب في أوائل كتابتي في الرسالة عام ١٩٣٣) ثلاثة من الغرباء عن البلد، لم يعجبني شكلهم ولم يطربني قولهم، فوقفت على الباب أنظر إليهم فأرى الشكل يدل على أنهم غِلاظ (١)، وينظرون إليّ فيرون فيّ «ولداً». فقالوا: هذه دار فضيلة الشيخ الطنطاوي؟ قلت كارهاً: نعم. فقالوا: الوالد هنا؟ قلت: لا. قالوا: فأين نلقاه؟ قلت: في مقبرة الدحداح، على الطريق المحاذي للنهر من جهة الجنوب. قالوا: يزور أمواته؟ قلت: لا. قالوا: إذن؟ قلت: هو الذي يُزار ... فصرخ أحدهم في وجهي صرخة أرعبتني وقال: مات؟ كيف مات؟ قلت: جاء أجله فمات. قالوا: عظّم الله أجركم، إنّا لله وإنا إليه راجعون، يا خسارة الأدب! قلت: إن والدي كان من أجلّ أهل العلم ولكن لم يكن أديباً. قالوا: مسكين، أنت لا تعرف أباك!
وانصرفوا وأغلقت الباب، وطفقت أضحك وحدي مثل المجانين. وحسبت المسألة قد انتهت، فما راعني العشية إلاّ الناس يتوافدون عليّ فأستقبلهم، فيجلسون صامتين إن كانوا لا يعرفون شخصي، ومَن عرفني ضحك وقال: ما هذه النكتة السخيفة؟ قلت: أيُّ نكتة؟ فأخرج أحدهم الجريدة وقال: هذه، هل تتجاهل؟ فأخذتها وإذا فيها: «نعي الكاتب الـ ... كذا وكذا، علي الطنطاوي»!
هذه واحدة.
стр. 152
ومما حدث لي أنني:
لما كنت في العراق سنة ١٩٣٦ نُقلت مرة من بغداد إلى البصرة إثر خصومة بيني وبين مفتش دخل على الصف فسمع الدرس، فلما خرجنا «نافق» لي فقال إنه معجب بكتابتي وفضلي، «ونافقت» له فقلت إني مكبِر فضلَه وأدبه (وأنا لم أسمع اسمه من قبل). ثم شرع ينتقد درسي فقلت: ومَن أنت يا هذا؟
وقال لي وقلت له ... وكان مشهداً طريفاً أمام التلاميذ رأوا فيه مثلاً أعلى من «تفاهم» أخوين، وصورة من التهذيب والأخلاق. ثم كتبت عنه مقالة كسرتُ بها ظهره، فاستقال و «طار» إلى بلده ونُقلت أنا -عقوبةً- إلى البصرة.
وصلت البصرة فدخلت المدرسة، فسألت عن صف «البكالوريا» بعد أن نظرت في لوحة البرنامج ورأيت أن الساعة لدرس الأدب، وتوجهت إلى الصف من غير أن أكلّم أحداً أو أعرفه بنفسي.
فلما دنوت من باب الصف وجدت المدرس، وهو كهل بغدادي على أبواب التقاعد، يخطب التلاميذ يودّعهم، وسمعته يوصيهم (كرماً منه) بخَلَفه الأستاذ الطنطاوي ويقول هذا وهذا ويمدحني ... فقلت: إنها مناسبة طيبة لأمدحه أنا أيضاً وأثني عليه. ونسيت أني حاسر الرأس وأني -من الحر- أحمل معطفي على ساعدي وأمشي بالقميص وبالأكمام القصار، فقرعت الباب قرعاً خفيفاً وجئت أدخل. فالتفت إليّ وصاح بي: إيه زمال وين فايت؟ (والزمال الحمار في لغة البغداديين). فنظرت لنفسي: هل أذناي
стр. 153
طويلتان؟ هل لي ذيل؟ ... فقال: شنو؟ ما تفتهم (تفهم)؟ أمّا زمال صحيح. وانطلق بـ «منولوج» طويل فيه من ألوان الشتائم ما لا أعرفه وأنا أسمع مبتسماً.
ثم قال: تعال لمّا نشوف تلاميذ آخر زمان، وقف إحكِ شو تعرف عن البحتري، حتى تعرف إنك زمال ولاَّ لأ؟
فوقفت وتكلمت كلاماً هادئاً متسلسلاً، بلهجة حلوة ولغة فصيحة. وبحثت وحللت وسردت الشواهد وشرحتها، وقابلت بينه وبين أبي تمام ... وبالاختصار، ألقيت درساً يلقيه مثلي ... والطلاب ينظرون مشدوهين، ممتدة أعناقهم محبوسة أنفاسهم، والمدرس المسكين قد نزل عن كرسيه وانتصب أمامي وعيناه تكادان تخرجان من محجريهما من الدهشة ولا يملك أن ينطق، ولا أنظر أنا إليه كأني لا أراه حتى قُرع الجرس.
قال: مَن أنت؟ ما اسمك؟
قلت: علي الطنطاوي.
وأدع للسامعين الكرام أن يتصوروا موقفه!
والبصرة بندقية العرب، فيها مع كل شارع قناة. فأنت إن شئت انتقلت بحراً وإن شئت سرت براً، وفيها شط العرب، لا يعدل جمالَه وأنت تخطر فيه العشيةَ بهذه الزوارق الحلوة مكانٌ في الدنيا. والبصرة كانت دارَ الأدب ومثابة الشعر ومنبع العربية، وتاريخها تاريخ البيان العربي. ولكن أيامي في البصرة كانت شقاء دائماً، وكانت إزعاجاً مستمراً. ولي فيها أحاديث مضحكات وأحاديث
стр. 154
مبكيات، ولولا أن أجاوز هذه الدقائق التي منحتني إياها المحطة لعرضت لأحاديثها.
ولكن لا، ولك أيتها الإذاعة الشكر على أن حدّدتِ الوقت، فتركتِني أتعلل بذكريات أمسي وحدي، وأن أعيش في ماضي على هواي، لا يرقبني المستمعون ولا يشاركني لذة الادّكار أحد.
* * *
стр. 155
مقدّمة ديوان (١)
[هذه مقدمة ديوان شاعر كان لي صديقاً وكان أخاً، أنشرها كما كتبت سنة ١٩٤٨ لم أبدل فيها حرفاً، وإن كانت الدنيا تبدّل الأصدقاء وتودي بالصداقات.]
لقد وعدت الأستاذ أنور العطار بهذه المقدمة منذ خمس وعشرين سنة، من يوم أسمعني أول مقطوعة له. قلت له: ستصير يا أنور شاعراً كبيراً، وسأصير أنا كاتباً وأكتب مقدمة ديوانك.
ولقد صار أنور شاعراً كبيراً فهل صرت أنا كاتباً؟ إنني كتبت إلى اليوم أكثر من خمسة آلاف صفحة، أنشأتها إنشاء ولم أجمعها جمعاً، ونقلتها عن قلبي لم أنقلها عن الكتب، ولكني لم أصر كاتباً، لأنني أعجز الليلة عن إنشاء أحب الفصول إليّ وأوجبها عليّ: هذه المقدمة التي وعدت بها أنور من خمس وعشرين سنة!
стр. 156
لقد قعدت لأكتبها، فأحسست أنها قد عادت لي أيامي المواضي التي افتقدتها وأيقنت أنها لن تعود، ورُفع لي الستار عن عالم كله حبٌّ وطهر وجمال، عالم عشت فيه أنا وأنور أمداً، ثم أضعناه وضللنا طريقه. عالم كان حقيقة فصار (مع الأسف) ذكرى، وكان واقعاً فغدا خيالاً، وكنا فيه فصرنا غرباء عنه، لا نراه إلاّ بقلوبنا من خلال ضباب الماضي.
فُتحت عليّ أبواب الذكريات، وكرَّ عليّ هذا الماضي كأنما هو (فِلْم) حافل بكل جميل ونبيل، (فِلم) طويل عُرض في لحظات وقد تصرّمَتْ في تأليفه وإخراجه ثلاثون سنة، (فِلم) كنّا نحن أبطاله وكنا نحن ممثليه، فصرنا نرى فصوله تعرض علينا من بعيد.
رأيت الفصل الأول من هذا الفلم، وكان في المدرسة الثانوية الوحيدة في دمشق، «مكتب عنبر»، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، عندما أبصرت أنور العطار أول مرة. أبصرت تلميذاً رقيق العود، دقيق الملامح، أنيق المظهر من غير أن يبدو عليه أثر الغنى، شارد النظرات، يمر في ظلال الجدران خفيف الوطء حالم الخطى، كأنه طيف يمرُّ على خيال نائم، يعتزل التلاميذ لا يكاد يثب وثبهم ولا يلعب لعبهم، فسألت عنه من يعرفه، فقال: هذا تلميذ شاعر اسمه أنور العطار. وما كنت أؤمن يومئذ بغير شعراء الجاهلية والشعراء الإسلاميين، ولا أرضى لنفسي أن أقرأ شعر المتنبي ولا يرضى ذلك لي مشايخي لئلا تفسد (قالوا) مَلَكتي، ولم أسمع -بعد- باسم شوقي ولا باسم المنفلوطي، فما أبهت لهذا الشاعر الذي اسمه أنور العطار ولا طلبت صحبته، ولا ظننت
стр. 157
أنه سيكون بيني وبينه اتصال، حتى كانت تلك المصادفة المسعدة التي كان لها في حياتي وفي حياته أبلغ الأثر:
كانت هذه المصادفة على باب «المدرسة البادرائية» في ليلة من ليالي رمضان، أيام كان رمضان يزور دمشق حقاً وكانت تدري دمشق بزيارته وتحتفل بلقياه، وكنت خارجاً منها فواجهت أنور داخلاً إليها، فوقف يحييني ووقفت أحييه، وكلمني وكلمته، واتصل الحديث ونحن قيام تحت مصباح الشارع حتى جاء ذكر شوقي، فأنشدني قصيدة له، قرأها بصوت عذب حالم حنون، فأحسست أنه كان يمسّ بكل كلمة من القصيدة حبة القلب مني، فأحببته. وأنت تلقى المرء أول مرة فتحسّ بأنك تحبه أو أنك تكرهه، لا تدري لحبك ولا لكرهك سبباً ... سرّ ركَّبَه الله في نفس الإنسان.
وفهمت منه أنه يسكن في السمَّانة، وكنت أقيم في الديمجية، فاصطحبنا. وذكرت له موت والدي في تلك الأيام، فطفق يحدثني عن موت والده وهو صغير، واجتزنا سوق العمارة (والعمارة في دمشق كحي الحسين والأزهر في مصر، إن ضاع منك رمضان ببهائه وجماله وجدته في الحسين أو في العمارة، وإن خفيت عنك معالم حسنه في كل مكان وجدتها في العمارة أو في الحسين)، ولكني ما أدركت تلك الليلة شيئاً من هذا البهاء، لقد كان ما أسمع من أنور أبهى عندي مما أرى، وجعلنا طريقنا على «الدحداح»، وهنالك، على قبر أبيه وعلى قبر أبي، وُلدت هذه الصداقة التي أثمرت شعراً ونثراً وحباً وإخلاصاً، وكانت من أسعد الصداقات. وهنالك، في مدينة الأموات، عاشت هذه المودة التي لا يستطيع أن يعدو عليها الموت، لأن الأدب أكسبها الخلود.
стр. 158
وكرَّتْ فصول (الفِلم) تتتالى، فرأيتني غدوت صديقه وغدا صديقي، يبثّني شَكاته وأبثه شَكاتي، ويجد في حياتي مشابه من حياته وأجد في حياته مشابه من حياتي، قد ألّف بيننا الأدب وألّف بيننا اليتم، وأننا كنا مستورين، على حالة هي فوق الفقر ودون الغنى ... حتى كأنني هو وكأنه أنا.
وصار يُسمعني شعره، فأجد بواكير شاعر متمكن لا محاولات طالب مبتدئ، وأجد في هذه «البواكير» قوة في التعبير وجِدَّة في التفكير، وأبياتاً سائرة وصوراً رائعة، فهو يقول في الدموع:
عَجَبي من لغةٍ غامضة ... تُطرِبُ الناسَ على شتّى لُغاها
وهو بيت نبيل في مبناه وفي معناه. ويقول في وصف العمر (عمر البائس):
والعمرُ يَحكي مُستغيثاً عَلا ... أنينُه ثم تولّى صداه
وطفق أنور يرسل قطع الشعر، شعر القلب، تتراً (١). يستقيه
стр. 159
من معين صاف لا ينضب، فتتناقله الألسنة وتمشي به الصحف، وتستقبل فيه العربيةُ شاعراً جديداً ملهَماً، ويفتح له أستاذنا محمد كرد علي أبواب المَجمع، فيقيم له ولإخوانه الثلاثة (١) حفلة تكريمية ينشد فيها أنور قصيدة من الشعر الجيد عنوانها «الشاعر»، يحسن اختيار موضوعها وألفاظها ومعانيها، وتشق له هذه القصيدةُ الطريقَ إلى مجلة «الزهراء» التي كان يصدرها في مصر خالي محب الدين الخطيب، والتي كانت أرقى مجلة أدبية في تلك الأيام. وكنت أودُّ أن ينشرها الشاعر في هذا الديوان (الذي لم يضمَّ إلاّ الأقل من شعره)، ليعرف منها القراء كيف كان أنور ينظم الشعر قبل عشرين سنة، وكنت أودُّ -إذ لم تكن في الديوان- أن أرويها كلها، ولكنها طويلة تملأ صفحات من هذه المقدمة.
وشعر أنور في تلك الفترة آهاتٌ أبدعها الفن صوراً، ودموعٌ صاغها البيان شعراً، ومقطعات حلوة، ما أدري ماذا زهّدَ الشاعرَ فيها فلم يثبت منها في هذا الديوان إلاّ مقطوعة «الحمامة».
* * *
ورأيت فصول (الفِلم) تتتالى ... فرأيت فيها كل دقيق وجليل من حياة أخي في الصغر وفي الكبر، ورفيقي في السفر وفي الحضر، وأنيسي في المسرة وفي الكدر: أنور.
رأيت أيامنا في المدرسة ونحن تلاميذ، نعيش من الأدب في
стр. 160
دنيا الخيال إذ أعجزتنا دنيا الواقع أن نجد فيها ما نصبو إليه ونتمناه، لا نصدق متى ينقضي النهار وننجو من هذيان جماعة الرياضيات وطلاسم أصحاب الكيمياء حتى نفر إلى كتب الأدب، نقرأ كل بارع من القول ونتدارس كل رائع من البيان.
ورأيت أنور وقد بذَّ الأدباءَ جميعاً في «العلم ...» بالرياضيات، حتى لقد عرف قطر الدائرة وأضلاع المثلث، ولم يبقَ عليه ليبلغ نهاية العلم إلاّ أن يعرف القاسم المشترك الأعظم الذي لم يسمع به امرؤ القيس ... رأيته دائباً يكد ذهنه ويمسح عرقه، يحاول أن يفهم سر المعضلة الكبرى التي لا يُفهم لها سر، ويحل المشكلة التي لا يُعرف لها حل: الجذر التكعيبي. وأشهد أني جزت الأربعين من عمري، ورأيت أياماً سوداً ولقيت شدائد ثقالاً، وسلكت البوادي المقفرة، وركبت البحار الهائجة، وعلوت متون السحب، فما رأيت في البر ولا في البحر ولا في الجو شيئاً أشد ولا أصعب من هذا الجذر التكعيبي!
ورأيتنا وقد فرقت بيننا الأيام أمداً، فاشتغلت أنا بالصحافة وغامرت في السياسة، وآثر أنور التعليم، فكان مدير المدرسة الأولية في منين، في هذه القرية النائمة في حجر القلمون الأدنى، ترى مواكب الأحلام بأجمل «عين» وأشدها سحراً وأكثرها فتوناً: عين منين. مَن لم يرَ عين منين ما عرف سحر العيون، ولا رأى جمال الينابيع، ولا رشف خمر الجمال على مائدة الطبيعة ... فكنت أزوره (١) فأقضي ليلة أو ليلتين في جنة قد جمعت فيها النعم، أسكر
стр. 161
فيها سكرين: سكر الجمال وسكر البيان، وأخضع فيه لسحرين: سحر الطبيعة وسحر الشعر، وأجمع فيها الماضي البهي ذكرى حلوة، والآتي الشهي أملاً مُرتجى، في حاضر ضاع في نشوة اللذة حتى لم يبقَ لنا منه حاضر نحسه وندركه، نقضي الأصباح نستمع إلى أشعار السواقي المتحدرة من الينبوع وأشعار أنور، ونقطع الأماسي عند الصخور التي أفضنا عليها من قلوبنا الحياة فصارت تحنو علينا وتولينا الحب، وأرقنا عليها البيان فأمست تحدثنا، تتلو علينا أحاديث الغابرين وتقص قصص الأسلاف من غسّان (١) أصحاب المجد المؤثل، فنحس كأنْ قد عاد الماضي ورجعت «القصور البلق» عامرة وبُعث المجد وعاش الحب، حتى لكأننا نسمع همس العشاق وآهات نشواتهم ووسوسة قبلاتهم، ونرى خيالات العناق من وراء الأستار!
أيام سعدنا بها، وما سعدنا بالصخر ولا بالماء ولكن بأحلام الشباب. رحمة الله على شبابنا وعلى تلك الأيام.
ورأيتنا وقد صرت أنا معلماً في الجبل من دمشق (في المهاجرين)، وصار هو معلماً في السفح (في الصالحية)، فكنا نرتقب المساء ارتقاباً، فإذا حل انحدرت أنا من هنا وانحدر هو من هناك، حتى نلتقي عند العَفيف (٢)، نفرح بهذا اللقاء فرح حبيبين التقيا بعد طول الفراق.
стр. 162
ورأيت أيام العراق، زهرة أيامنا أنا وأنور وزينتها، أيام بغداد ... سلام المحبة والوفاء منا على بغداد، وسلام على أهليها، وسلام على الأثري والجوادي وروح الراوي وعلى إخواننا وعلى تلاميذنا (١) فيها.
ويا ما كان أحلى أيام بغداد، ويا ما أبهى لياليها، ويا ما أطيب ما حملنا منها من ذكريات! على دجلتها سلام بردى، وعلى نخيلها سلام الحور، وعلى أبوذيّتها سلام العتابا، وعلى أعظميتها وكرّادتها ورستميتها سلام الربوة والمزة والشاذروان ...
لقد كنّا فيها معاً أبداً؛ يدرّس أنور في صف وأنا في صف، وربما دخلت فدرّست مكانه وقعد فاستمع، وربما دخل فدرّس مكاني وقعدت فاستمعت. ونمشي على الجسر معاً، وما في الأرض مكان أحفل بذكريات المجد والشعر والغرام من جسر بغداد. ونتبع الشط، ونرتاد الرياض، نزور قصور الخلفاء ومواطن الشعراء وخلوات المحبين، نؤم الديارات والأطلال والمقابر، نتنسم عرف الأجداد ونستروح رائحة الماضي، نستنطق دجلة ونستخبر الآثار ونسأل النخيل، ونسمع من الأرض ومن الناس أخبار الماضي الفخم، وأحاديث الجدود العبقريين، وقصص المجد الذي لم ترَ عينُ الزمان ولم يحمل متنُ الأرض مجداً أجلّ
стр. 163
منه ولا أعظم ولا أرسخ أساساً ولا أعلى ذُرَى. ولم يكن يرانا الناس إلاّ معاً، ولا يقولون إلا أنور وعلي وعلي وأنور، وربما خلطوا فقالوا علي العطار وأنور الطنطاوي!
لقد كانت أيام بغداد أجدى الأيام على أنور، ففيها اختزن في نفسه أجمل الصور، وفيها نظم أروع القصائد، وفيها ابتدأ في حياة الشاعر عهد جديد هو عهد الشعر القومي: شعر الحماسة الوطنية، فازدادت بذلك هذه القيثارة السحرية وتراً جديداً خرجت منه أطيب النغمات.
رأيت هذا كله فأحسست أن الدنيا تدور بي، واختلطت عليّ الصور وتداخلت المشاهد، فلم أعد أستطيع أن أتبين شيئاً ولم أستطع أن أكتب شيئاً.
* * *
ورأيت فصول (الفِلم) تتتالى، فإذا نحن في سنة ١٩٣٠ وقد بقيت بلا عمل (عقب عودتي من سفرتي الثانية من مصر)، فأخذني أنور إلى إدارة فتى العرب فقدمني إلى معروف الأرناؤوط لأعمل معه في الجريدة. وقد عملت معه شهوراً، وصارت الجريدة ملتقانا أنا وأنور، وصارت مدرستنا الثانية نأخذ فيها من نفس معروف ومن أدب معروف. وما رأينا في الأدباء مَن هو أحلى حديثاً وأظهر صفاء وأملأ بالأدب الحق من فرعه إلى قدمه من معروف، إذ كنتَ تشعر وأنت معه أنه يعلو بك عن المادة ويسمو عن المطامع، ويوصلك بحديثه وابتسامته وطفولته إلى عالم كله حب وعاطفة
стр. 164
وتجرد، وشيء آخر كنت أحسه ولا أملك التعبير عنه، شيء مثل الذي تحسه وأنت تقرأ في رواية معروف «عمر بن الخطاب»، ومثل الذي تحسه وأنت تسمع حديث أنور عندما يكون أنور في سبحاته الشعرية ...
ورأيتنا ونحن في مطلع سنة ١٩٣٣ وقد لقيت أنور، فقال لي: لك عندي مفاجأة تسرك، قلت: وما هي؟ قال: لا، إلا أن تتغذى معي في الدار. فذهبت معه، فإذا هي مفاجأة تسر حقاً: العدد الأول من مجلة «الرسالة».
ومن ذلك اليوم دخل بيننا (نحن الاثنين) صديق ثالث أحببناه وأحبنا، وهو الزيات ورسالته، وصارت الرسالة مدار أحاديثنا وصارت مستقر أدبنا، وصار الزيات أخاً لنا كبيراً وصديقاً عزيزاً، وإن كنت لم أرَه إلاّ بعد ذلك بثلاث عشرة سنة ولم يره أنور إلى الآن.
ورأيت أيام المعجزة التي ظهرت على يد الصديق منير العجلاني وكانت تُظن من باب المستحيلات؛ أيام المجمع الأدبي (١)، حين ألّفَ بين رجال ما كنا نتخيل أنها تؤلف بينهم الأيام، لاختلاف مذاهبهم في الأدب وتباعد مسالكهم في التفكير وتباين طرقهم في الحياة، وكانت أيام ألفة ونشاط وأمل، فأعقبها أيام افتراق ويأس وكسل ... فيا ليت منيراً الوزير يكمل ما بدأه منير المحامي!
* * *
стр. 165
رأيت هذا كله، فحرت ماذا أصف وعمَّ أتكلم. وكيف أستطيع أن أجمع في كلمات دنيا من العواطف وعالماً من الذكريات وآلافاً مؤلفة من المشاعر كانت أَثْبَتَ من الزمان لأنها بقيت وقد ذهب الزمان، وكانت أجمل من العمر لأنها هي جمال العمر؟
رأيت «هذا» كله، وما «هذا» إلاّ تلخيص لحياة أنور، الشاعر الذي عاش حياته كلها كما يعيش الشعراء الخلّص الملهَمون، شعراء القلب والروح واللسان لا شعراء الألفاظ وحدها والبيان، الشاعر في قلبه المتفتح أبداً للجمال المترع بالخير الممتلئ بالحب، وفي لسانه الذي يفيض أبداً بالبيان وينفث السحر الحلال.
وفي هذا التلخيص تحليل شاعرية أنور؛ فإذا أخذتم عليه أنه كان حليف الحزن صديق الأسى، قد وقف شعره على تقديس الألم العبقري فبكى الأحلام الضائعة كما بكى الأوراق المتناثرة في «الخريف»، وخلّد مظاهر الأسى في النفس وفي الطبيعة، فاعلموا أنه لم يكن يستطيع غير ذلك، وأن الشاعر لا يطبع نفسه كما يشتهي ولكن يطبعه الله بطابع البيئة والزمان، ويكوِّن مشاعره في طفولته قبل أن يشعر هو ليكوِّن مشاعره كما يريد، ولو استطاع أن يصغر فمه أو يجمل أنفه لاستطاع أن يبدل قلبه ويحول عواطفه!
وقد نشأ أنور مثلما نشأت أنا، وفتح عينيه على الدنيا والحرب العالمية قائمة (١)، ودمشق في أشد أيامها، ومظاهر البؤس والألم في كل مكان، فكان يرى الازدحام كل صباح على الفرن
стр. 166
(ولم يكن يفتح منه إلاّ كوّة صغيرة يبرز منها رأس الخباز ليعطي السعيد من الناس كتلة سوداء لا يعرف ما هي على التحقيق، وإن كان يعرف أن اسمها «الرغيف») والجياع ينبشون المزابل ويأكلون قشور البطيخ، والنساء يعملن من دون الرجال لأن رجال دمشق قد أكلتهم الحرب، والاسم المرعب، اسم جمال باشا، يملأ القلوب فزعاً. ثم رأى المشانق وشهد المآتم، فامتلأت نفسه بهذه الصور القاتمة حتى لم يبقَ فيها مكان لغيرها، وإذا هو رأى الأعراس والأفراح أيام الشريف فإن هذه الأيام لم تكد تبدأ حتى انتهت، ولم نكد نستمتع بفرحة الاستقلال في حفلة التتويج حتى ذقنا غصة الانتداب في مأساة ميسلون.
فلا تلوموا أنور إن كان الحزن طابع شعره، وأن الفرح فيه مثل الفجر الأول لا يكاد يبدو بياضه في الأفق حتى تبتلعه بقايا الليل، فهذا هو السبب. ولا تلوموه إن تغزل فتكلم عن الرؤى والأحلام وترك الحقائق وعلا إلى سماء الخيال ولم ينزل إلى أرض الواقع، وأنه عمم وجَمْجَمَ فلم يخصص ولم يصرّح، فإن البيئة التقية التي نشأ فيها أنور لم تكن ترى في الحب إلاّ «ذنباً» على صاحبه أن يستغفر الله منه، وأنا أؤكد أن أنور كـ «نصيب» الشاعر الذي سمّى قوسه ليلى ليتغزل بها. إن أنور لم يتصل في حياته بفتاة على نحو ما يفعل شباب اليوم، وإنه كان أعف وأشرف من أن يفكر في هذا أو يحاوله، فمن هنا جاء الذي تلومونه عليه.
ولا تأخذوا على أنور أنه حبس نفسه في هذه الدائرة الضيقة وقصر عليها شعره ولم يخرج إلى الفضاء الأرحب، ولم يعش في الدنيا الواسعة التي يعيش فيها أكثر الشعراء والناس، فإن أنور
стр. 167
أمضى صباه (كما أمضيت صباي) في عالم ضيق كانت حدوده تلك المسالك الملتوية الموصلة إلى مكتب عنبر، وتلك الساقية الصغيرة المطيفة بمقبرة الدحداح، وذلك الطريق الموحش الذي كان ينتهي عنده العمران ويبدأ منه عالم الظلام والفزع واللصوص، والذي كان اسمه «قفا الدور» فصار يسمى اليوم «شارع بغداد»، أفخم شوارع دمشق الجديدة.
إن أنور يخشى اليوم أن يفارق عالمه الشعري الذي أحبه أو يتجاوز حدوده، كما كان يخشى من قبل أن يتجاوز قفا الدور أو يتخطى مكتب عنبر. ولكن عالم أنور الشعري عالم واسع على ضيقه لأنه عالم القلب، ولأنه متصل بالله؛ وقد تضيق على المرء الأرض كلها إن اقتصر عليها ولا يضيق عليه شبر واحد سما حتى اتصل بالسماء.
وعاش أنور في عهد جِد ويقظة وإقبال على العلم والعمل، وحفظ أنور عشرات القصائد من جِياد أشعار العرب، فجاء أسلوبه كالماء الصافي، فيه عذوبة ولين وفيه -إن تدفق- قوة ومضاء، وكان في شعره أثر الجد ومؤهلات الخلود، لا كأشعار أصحاب المناسبات وطالبي إعجاب العوام. وكان نسجه كالحرير المتين المفوف المنقوش النقش البارع، لا كالنسج الرخيص الذي يتمزق من اللمس وتذهب ألوانه من رؤية الشمس!
ما مشى أنور على الطريق الذي فتحه له مَن قبله، بل على طريق شقه هو لمن بعده، وكان أنور إمام جماعة الشباب ولم يكن مؤتمّاً تابعاً، ولولا نفَس من شعر شوقي في مثل «ليل الحزين»
стр. 168
من بواكيره وروح من الأدب الفرنسي في بعضها لقلت بأن أنور لم يقلّد في أسلوبه أحداً أبداً. وهل لشاعر مثل الذي لأنور في وصف الطبيعة وفي وصف البلدان وفي وصف الرؤى والأحلام، حتى يقلده أنور؟
* * *
وبعد، فهذا ديوان الوفاء للعربية: نَخَلَ مفرداتها فاختار أطيبها، وعرض أساليبها فاصطفى أحلاها. وديوان الوفاء لأقطارها: جرى بردى منذ الأزل، وقام لبنان، فهل قال شاعر في بردى مثل الذي قال أنور؟ هل نظم في لبنان مثل ما نظم؟ وهل يعرف القارئ في الشعر الحديث قصيدة في وصف الطبيعة أعظم من «لبنان» التي اشتمل عليها هذا الديوان (١)؟ أنا لا أبالغ ولا أغالي، وهذا الشعر الحديث بين أيدي الناس، فمَن عرف أعظم منها فليقل ... ولكن «المعاصرة» حرمان، وأزهد الناس في العالم أهله وجيرانه، وستمحص السنون هذا الشعر وهذا النثر، وتميز الزجاج من الجوهر والنحاس من الذهب، وهنالك -بعد أن يذهب الرجال وتنقطع الصداقات والعداوات ولا يبقى إلاّ الأدب الذي يستحق الخلود- تُعرف قيمة «لبنان» وقيمة «بردى»، وهنالك -بعد أن
стр. 169
يعفي النسيان على أسماء كثيرة تملأ اليوم الأسماع وتشغل الناس- يحتل اسم أنور العطار مكانَه مع أسماء الشعراء الخالدين (١)!
* * *
стр. 170
أستاذنا الجندي
ألقيت في حفلة الأربعين سنة ١٩٥٥
إن من أصعب الصعب أن أقوم لأؤبن رجلاً لا أعرف عنه شيئاً، وأصعب منه -يا سادتي- أن أؤبن رجلاً أعرف عنه كل شيء! أن أختصر ثلاثاً وثلاثين سنة في عشر دقائق، أن أجمع البحر في قطرة والروض في زهرة، وذكريات أستاذي سليم الجندي في كلمة تأبين.
لقد اقتنيتها دقيقة دقيقة؛ أجمعها وأحصيها كل يوم كما يجمع الشحيح فلساً إلى فلس ويحفظها، حتى اجتمع لي في صحبته ثلث قرن، فهل تروني أفرط فيها؟ لقد كتمتها سراً في القلب ونجوى للنفس وزاداً لي في مفازات العمر، فهل أكشفها اليوم وأعلنها وأبيحها كل سامع؟
إنها ذكرياتي أنا، وما الحياة لولا الذكريات؟ وإن أنا فعلت فمن أين أبدأ؟ من أين؟ ... وما أعددت لهذا المقام كلاماً لأني ما كنت أتوقع أن أقوم يوماً فأؤبن الأستاذ سليم الجندي.
كنت أظن أن حبلي منه لن ينقطع أبداً، الحبل الذي غُزلت خيوطه من مسالك اللحظات في مسارب الزمان. وكل حبل مودة إلى
стр. 171
انقطاع، وكل حي إلى ممات، ولكنها أماني النفوس ... حتى جاءني الزميل الكريم الأستاذ نورس الجندي من أربعين يوماً (لا كنتِ يا هذي الأربعون) فقال لي والوجه ملتاع وفي الصوت ارتجاف: عظّمَ الله أجرك بالأستاذ سليم! ومرَّ على خاطري كل سليم أعرفه إلاّ الأستاذ الجندي، وقلت له: من؟ قال: أستاذكم سليم الجندي. وشُدهت ولبثت دقيقة لا أفقه ما يقول، لأن هذه الكأس أكبر من أن تُساغ بجرعة، ورحت أتجرعها على مهل حتى فهمتها.
فهمت أنه قد مضى الرجل الذي لم يبقَ تحت أديم السماء مَن هو أعلم منه بلسان العرب: لغة واشتقاقاً ونحواً وبلاغة وعَروضاً ورواية وضبطاً، ولا مَنْ هو أوفى لها وأغير عليها. وأنه لم يعد في ديار الشام مَنْ أستطيع أن أذهب إليه أنا والأفغاني والعطار (١) كلما دَهَمتنا عِظام المشكلات في العربية، نحملها إليه ليحل لنا عقدها. ولم يبقَ في الدنيا كلها من نقول له في العربية: «يا أستاذنا»، وأن علينا بعد اليوم أن نعتمد على أنفسنا كما يعتمد الضابط على نفسه حين يفتقد القائد العبقري وسط المعمعة الحمراء. وهيهات أن يسد أحد مكان قائد المعركة بين العربية والعجمة، حجة العرب، سليم الجندي (٢)!
стр. 172
ولم أعد أستطيع أن أقول لهؤلاء الإخوان، وللزركلي والجيرودي (١)، كلما رابنا ريب الحياة وشجانا زيف المودات وفقد المروءات: هلمّ إلى الجندي نجد عنده مثل الذي يجده الغريق حين ترفعه يد المنقذ إلى طلق الهواء.
لقد تحققت أن سليم الجندي مات، فأحسست كأن قد زاغ بصري وزلزلت أعصابي ومرّ في أذنيّ نهرٌ هدّار. لا تظنوا أني أبالغ أو أتخيل خيال شاعر؛ لا، وما أنا بالشاعر وما صناعتي نسج التهاويل. ما أنا إلاّ مصوّر يحمل آلته يطوف بها، يصوّر مشاهد الحياة وخطرات النفس، مصور فطوغرافي مسكين ينقل صوره نقلاً، ولست المصور المبدع الفنان الذي يحمِّل لوحاته ما لم يكن ولا يكون ... مخلوق يدب على أرض الواقع على حين يضرب الشعراء أمواج الجو بأجنحة النسور.
وليست هذه هي الصدمة الأولى؛ لقد عراني مثلها مرات من قبل. عرتني يوم مات أبي، وكان لي أباً وكان لي معلماً، كما كان للعشرات من أكبر رجال هذا البلد اليوم. وما أمدح أبي، وهل قمت هذا المقام للفخر؟ ولكني أقرر إحدى الحقائق. ويوم مات شيخ الشام وأستاذ كل متعلم فيها ممن هم اليوم فوق الأربعين، الشيخ عيد السفرجلاني. ويوم مات أذكى إنسان عرفته، لا أستثني
стр. 173
أحداً أبداً، أستاذنا مسلّم عناية. ويوم مات الأستاذان الحبيبان عبد القادر المبارك وعبد الرحمن سلام (١).
أولئك رجال بكيتهم كما بكيت الأستاذ الجندي بدموع قلبي.
وهل تستكثرون عليّ أن أنضح بالدمع قبور رجال هم ملؤوا قلبي بالعاطفة التي ينبع منها الدمع؟ وهم غرسوا فيه دوحة الحب التي من ثمارها الوفاء؟
وهل كان أولادهم الذين خرجوا من أصلابهم أحق ببكائهم مني؟ لقد صرمت في صحبة الشيخ عبد القادر المبارك مدة أطول من كل ما عاشه في الدنيا نصف أبنائه، لقد عرفت من عبد الرحمن سلام ما لم يعرفه أهله وأولاده، لقد كنت لهؤلاء أكثر من تلميذ، بل (ودعوني أقلها) لقد كنت لهم أكثر من ولد.
التلميذ تلميذ ما دام المعلم على منبره، فإن نزل المعلم عن المنبر وخرج التلميذ من المدرسة سار كل في طريق، فلم يعد بينهما إلا ذكرى أيام مرت ولن تعود. والولد يرى في أبيه العبقري مظاهر إنسانيته التي يشترك فيها الناس جميعاً، فتختلط بمظاهر العبقرية التي يمتاز بها عن الناس جميعاً، ومن هنا قالوا: أزهد الناس في العالم أهله وجيرانه، والمريد لا يرى منه إلا الجانب
стр. 174
العلوي الخالد، لذلك تخلد صلته به أبداً وتعلو. والولد يشارك أباه طعامه وشرابه، والمريد يشاركه فكره وشعوره. والولد يرث عن أبيه ماله، والمريد يرث علمه.
لا أعني أولاد الفقيد الجندي، فهم جميعاً من النابغين النابهين، ولكن هل يزعمون أنهم أحق باللوعة عليه مني؟ هل كانت الصلات بين شيخ الأدباء وبين أنجاله الأطباء أقوى من الصلات الفكرية بينه وبين تلميذه الأديب؟ وهل ما يمتّون به من صلة النسب أمتن في مقاييس الخلود مما أمُتُّ به من صلة الأدب؟
عفوَكم يا سادة، عفوَكم. لقد تركت طريق موضوعي لأني أبصرت رياض الذكريات تلوح لي عن يمين وشمال، فلم أتمالك أن تنكّبت طريقي لأقطف منها وردة أو زهرة أو أعود بشمّة من رياها وعطرها، وسأرجع إلى هذا الذنب مرات في هذا الخطاب!
وهل لكلمتي هذه موضوع؟ إن موضوعها ذكريات، ومتى حصرت الذكريات أرقام الحاسب وأشكال المهندس؟ ذكريات، وهل في الحياة أمتع من التعلل بكأس الذكريات، والنشوة بخمرة الأماني؟ وأنا أعلم -يا سادة- أن أثقل الكلام في ميزان الأذواق كلمة «أنا»، ولكني مضطر الليلة إليها؛ لأن الذكريات لا بد فيها من ذاكر، فكيف أنشر المطويّ من ذكرياتي أن أغفلت ذاتي؟ فائذنوا لي أن أعود إلى مواضي أيامي، إلى عهد الدراسة الابتدائية، يوم كان يحكم دمشق الرجل المرعب جمال باشا وصحبه الاتحاديون الملحدون، وكنا نحفظ الأسماء التركية نسردها كل صباح سرداً بلا فهم ولا علم، وكنا نقرأ النحو العربي بالتركية على المعلّم التركي،
стр. 175
وكان التركي هو اللسان الرسمي للبلاد، به يخاطب الحاكمون وينشد أغانيه المنشدون. لقد حسب الاتحاديون أنهم بهذا يقضون على العربية ويرثون أمجادها ويدّعون لأنفسهم مكارمها. أرأيتم الصبي الهزيل يلبس ثوب العملاق؟ أأبصرتم الأحمق الذي يلصق بالصمغ ورقة على وجه أبي الهول عليها اسمه، ليصحح خطأ التاريخ ويثبت أنه هو الذي نحت أبا الهول؟! هذا هو مثال الاتحاديين الذين ظنوا أنهم -بلغة ملفقة محدثة، وبمئة قصيدة وقصة، وبالسيف المصلت على أعناق العباد- يستطيعون أن يقتلوا اللغة التي كانت معجزة العبقرية الإنسانية؛ لأنها لم تنشأ كاللغات، فالتاريخ يعرف طفولة كل لغة وشبابها ويعرف تدرّجها في طريق الكمال، أما العربية فلم يعرفها التاريخ إلاّ كاملة مكملة، لأنها أسنّ من التاريخ! ولكن مالي وما لهذه التفاصيل الآن؟ حسبكم أن تعرفوا أننا كنا في أواخر هذا الليل الذي خاضت حِنْدِسَه (١) العربيةُ، وكانت تتخبط فيه في مسراها على غير هدى لولا من حملوا لها المصابيح تحت طِباق الظلام، أولئك الأعلام من رواد هذه النهضة الجديدة.
وعلى ضوء هذي المصابيح وَضَحَ للسارين الدرب، فسار الركب، وكان الفجر قد حل، ولكن سحابة الاتحاديين كانت تحجبه عن العيون (قلت الاتحاديين ولم أقل الأتراك)، فلما انزاحت السحابة ملأ الأفقَ نورُ الفجر. ونُشرت رسائل وكتب، وألقيت خطب ومحاضرات، وكان النادي العربي ... ومن عجب أن قام النادي العربي أمام «أوتيل فيكتوريا» حيث كان ينزل جمال
стр. 176
السفاك! وعرفنا لأول مرة أن في الدنيا أدباً عربياً، وشعراً عربياً، وخطباء يخطبون في غير المساجد ومن غير ديوان ابن نباتة المرتَّب على الشهور والأسابيع، الذي كان يحفظه السامعون من المصلين مثلما كان يحفظه الخطيب! ومرت أيام، ودُفن الاستقلال الوليد في وادي ميسلون، ولكن النهضة بقيت عائشة، ولبثت تسير قدماً حتى أثمرت مجلة «الرابطة الأدبية» التي صدر العدد الأول منها في الأول من أيلول سنة ١٩٢١. وكان والدي من المشتركين فيها فكنت أقرؤها. ولئن قرأت قبلها كتباً من كتب الأدب القديم، ثقفت المعوجّ من بياني وقومت لساني، فإن أول ما قرأته من الأدب الجديد على الإطلاق هو مجلة الرابطة.
ورأيت بين كتّابها كاتباً ظهر لي من بحثه، ظهر لي وأنا في تلك السن (صدّقوني) أنه من وزن آخر، وأنه أرجح وأوقر، وأنه كان يمسك هو بمفاتيح القاموس ويمتلك كنوز اللغة، فهو يعطي الألفاظ للأدباء يقولون وهو يهذّب مقالهم، ويكتبون وهو يصحح كتابهم، فتصورته كأستاذ بين تلاميذ بارعين. ثم رأيت صورته فصدق النظرَ التصور، لأني رأيتهم شباباً ورأيته كهلاً بينهم، بصلعته وهيبته ولحيته ... أو تخيلته كهلاً. وكانت هذه هي أول مرة سمعت فيها باسم الجندي.
ومن مباحث الجندي في «باب تهذيب الألفاظ» في «الرابطة» تعلمت أن في الدنيا شيئاً اسمه علم اللغة والتحقيق اللغوي.
وكانت المدرسة السلطانية الثانية التي كنا طلاباً فيها على عهد الشريف قد ألغيت، وذهبنا إلى مكتب عنبر، الثانوية الوحيدة في
стр. 177
دمشق، وهناك عرفنا الأستاذ سليم مدرّساً وقعدنا بين يديه تلاميذ.
ولكن هل أقفز قفزاً إلى حديث الأستاذ؟ ألا أحدثكم عمن علَّمنا قبله؟ عن سلفه الشيخ عبد الرحمن سلام؟ وعن الشيخ عبد القادر المبارك؟ أيقف شعراء العرب على حفرة طمستها الرياح وحجارة سوَّدتها النار ويبكون على آثار الخيام، ولا أقف عند ذكرى الرجلين اللذين لولاهما ولولا الجندي ما عرفت، ولا عرف العطار والمبارك والمحاسني والكرمي والأفغاني والجيرودي وسلطان وجمال الفرا ووجيه السمان، كيف يكون تأليف الكلام؟
امنحوني دقائق أحيي فيها مَن منح هذه العربية حياته كلها، ومن أعطى الشام هؤلاء الذين تعتز بهم من شعراء وخطباء وكتّاب.
لما دخلنا مكتب عنبر -يا سادة- وجدنا في درس العربية مفاجأتين: رجلين من نوادر الرجال. ولقد قلت مرة إن الرجل المهذب الاجتماعي كالنسخة المطبوعة من الكتاب، منها آلاف وآلاف، أما أمثال المبارك وسلام فكالنسخ المخطوطة؛ قد يكون فيها خرم أو غموض ولكنها أثمن من كل مطبوع لأنها مفردة ليس لها نظير.
أما الشيخ عبد الرحمن سلام فما رأيت (وما أظن أنني سأرى) من هو أطلق منه لساناً وأحلى بياناً؛ لقد كان عجباً من العجب، إذا احتاج أن يتكلم في موضوع لم يكن عليه إلاّ أن يفتح فمه ويحرك لسانه، فإذا المعاني في ذهنه، والألفاظ على شفتيه، والسحر من حوله، والأنظار متعلقة به، والأسماع ملقاة إليه، والقلوب مربوطة بحركة يديه! وكان يرتجل الشعر كما يرتجل الخطب، وكان يرمي
стр. 178
الكتاب (كتاب النحو) لا يباليه، ويتكلم من أول الساعة إلى آخرها في اللغة وفي الأدب وفي كل شيء ... كان يريد أن يربينا على السليقة العربية بالمحاكاة والمِران وينفخ فينا من سحره ليجعلنا أدباء قبل الأوان.
وأما المبارك فما رأيت (وما أظن أني سأرى) مدرّساً له مثل أسلوبه في الشرح والبيان، وفي امتلاك قلوب الطلاب، وفي نقش الحقائق في صفحات نفوسهم بهذه الضوابط المحكمة العجيبة التي تلخِّص في جملة واحدة بحثاً من البحوث. وكان يعلمنا الفقه ... ماذا قلت؟ الفقه؟ هذا هو اسم الدرس في عرف المدرسة، أما الدرس -في حقيقته- فكان فقهاً وتفسيراً وحديثاً ولغة وشعراً وأخباراً، وما شئتَ من كل نافع مفيد وكل طريف جديد.
وكان الأول هو الذي جرّأني على امتطاء صهوات المنابر ومقارعة الفرسان في ميادين البيان، وكان الثاني هو الذي أخذ بيدي فأطلعني على كنوز الثقافة العربية وطبع نفسي بطابعه، حتى لأستغرق أحياناً في الدرس فإذا بي أتكلم بلسان المبارك ولهجته وأتحرك مثل حركته والطلاب ينظرون مدهوشين (١).
стр. 179
وفي يوم من أيام سنة ١٩٢٣ دخل علينا الشيخ عبد الرحمن سلام، ولكن لا كما كان يدخل كل يوم، وألقى خطبة، ولكن لا كما كان يلقي؛ دخل حزيناً وألقى خطبة الوداع، وذهب وذهبت معه قلوبنا.
وجاءنا مدرس جديد فقعد على الكرسي، وما كان الشيخ ليقعد عليه أبداً، وفتح كتابه يقرر الدرس بصوت خافت وكلام لا يكاد يُسمع. وكان الأفغاني إلى جنبي فقلت له: مَن هذا؟ قال آسفاً: هذا والد سيدنا ... وأشار إلى نجم الدين، قلت: الأستاذ سليم الجندي؟ قال: نعم.
أهذا هو الأستاذ سليم الجندي؟ أهذا الذي أعجبت به لمّا قرأت له في مجلة الرابطة؟ يا ضيعة الأماني! ويا حسرتاه على أستاذنا الذي أضعنا، على الشيخ سلام!
سلام على سلام. بل سلام على العربية؛ لقد زهدت فيها وعزفت عنها، وعزمت لأتوجهنَّ بالاهتمام إلى درس آخر من دروس المدرسة. ما لي وللعربية وهذا مدرّسها؟ مدرس لا يخطب ولا يرتجل الشعر ولا يتلاعب بمُهَج السامعين؟! ومرَّ بي الدَّوْر، فأخرجني الأستاذ فأقامني على اللوح وأملي عليّ بيتين للمعري، وقال: اقرأ وفسّر وأعرب.
فانطلقت كما علمنا سلام، انطلقت أخطب في موضوع البيتين خطبة حماسية مجلجلة، فإذا بالأستاذ يبتسم ابتسامة أحسست كأنها سكين في قلبي، وكأنها دلو ماء أُلقي على جمرة حماستي، وقال: بعدُ بعدُ، فسّر أولاً معاني الكلمات الغريبة.
стр. 180
ووقفت كما وقف حمار الشيخ في العقبة! وسألني عن دقائق الإعراب، فوقفت وقفة أخرى. قال: أرأيت؟ أتَبني الدار قبل نحت الحجارة؟
ورأيتُني حقاً أبني الدار قبل نحت الحجارة ... أبني دوراً في الهواء!
وصَغُرت عليّ نفسي بقدر ما كبر الأستاذ. وعدت أبدأ قراءة النحو والصرف من جديد. وكان الكتاب الذي نقرؤه «قواعد اللغة العربية» (الجزء الرابع من الدروس النحوية لحفني ناصيف وأصحابه)، وهو كتاب يغني المتأدب، بل الأديب، عن النظر في كتاب غيره، وهو أعجوبة في جمعه وترتيبه وإيجاز عبارته واختياره الصحيح من القواعد، وهو أصح وأوسع من شذور الذهب ومن ابن عقيل التي كنت أقرؤها على أستاذيَّ الجليلين الشيخ أبي الخير الميداني والشيخ صالح التونسي.
وعكفنا عليه وملأنا حواشيه البيض، ثم ألحقنا بين صفحاته صحائفَ نملؤها بفوائد الأستاذ وشواهده وزياداته. وعرفنا -يوماً بعد يوم- مقدار النعمة التي أنعم الله بها علينا حين جعلَنا تلاميذ الأستاذ سليم الجندي. وكنا نفاخر إخواننا الذين يُقرئهم الشيخ الداودي، ونأتي بالمعضلات والصعاب نتصيدها من كتب الأدب وأفواه العلماء فنطرحها عليه، فنحظى بأجمع الجواب بلا مراجعة ولا كتاب ويرجعون هم بلا جواب.
وما أنتقص الداودي ﵀، فلقد كان معلماً فاضلاً، وكانت له أخلاق أعطر من زنبق الحقل وأطهر من ثلج الجبل،