السفاك! وعرفنا لأول مرة أن في الدنيا أدباً عربياً، وشعراً عربياً، وخطباء يخطبون في غير المساجد ومن غير ديوان ابن نباتة المرتَّب على الشهور والأسابيع، الذي كان يحفظه السامعون من المصلين مثلما كان يحفظه الخطيب! ومرت أيام، ودُفن الاستقلال الوليد في وادي ميسلون، ولكن النهضة بقيت عائشة، ولبثت تسير قدماً حتى أثمرت مجلة «الرابطة الأدبية» التي صدر العدد الأول منها في الأول من أيلول سنة ١٩٢١. وكان والدي من المشتركين فيها فكنت أقرؤها. ولئن قرأت قبلها كتباً من كتب الأدب القديم، ثقفت المعوجّ من بياني وقومت لساني، فإن أول ما قرأته من الأدب الجديد على الإطلاق هو مجلة الرابطة.
ورأيت بين كتّابها كاتباً ظهر لي من بحثه، ظهر لي وأنا في تلك السن (صدّقوني) أنه من وزن آخر، وأنه أرجح وأوقر، وأنه كان يمسك هو بمفاتيح القاموس ويمتلك كنوز اللغة، فهو يعطي الألفاظ للأدباء يقولون وهو يهذّب مقالهم، ويكتبون وهو يصحح كتابهم، فتصورته كأستاذ بين تلاميذ بارعين. ثم رأيت صورته فصدق النظرَ التصور، لأني رأيتهم شباباً ورأيته كهلاً بينهم، بصلعته وهيبته ولحيته ... أو تخيلته كهلاً. وكانت هذه هي أول مرة سمعت فيها باسم الجندي.
ومن مباحث الجندي في «باب تهذيب الألفاظ» في «الرابطة» تعلمت أن في الدنيا شيئاً اسمه علم اللغة والتحقيق اللغوي.
وكانت المدرسة السلطانية الثانية التي كنا طلاباً فيها على عهد الشريف قد ألغيت، وذهبنا إلى مكتب عنبر، الثانوية الوحيدة في
стр. 177
دمشق، وهناك عرفنا الأستاذ سليم مدرّساً وقعدنا بين يديه تلاميذ.
ولكن هل أقفز قفزاً إلى حديث الأستاذ؟ ألا أحدثكم عمن علَّمنا قبله؟ عن سلفه الشيخ عبد الرحمن سلام؟ وعن الشيخ عبد القادر المبارك؟ أيقف شعراء العرب على حفرة طمستها الرياح وحجارة سوَّدتها النار ويبكون على آثار الخيام، ولا أقف عند ذكرى الرجلين اللذين لولاهما ولولا الجندي ما عرفت، ولا عرف العطار والمبارك والمحاسني والكرمي والأفغاني والجيرودي وسلطان وجمال الفرا ووجيه السمان، كيف يكون تأليف الكلام؟
امنحوني دقائق أحيي فيها مَن منح هذه العربية حياته كلها، ومن أعطى الشام هؤلاء الذين تعتز بهم من شعراء وخطباء وكتّاب.
لما دخلنا مكتب عنبر -يا سادة- وجدنا في درس العربية مفاجأتين: رجلين من نوادر الرجال. ولقد قلت مرة إن الرجل المهذب الاجتماعي كالنسخة المطبوعة من الكتاب، منها آلاف وآلاف، أما أمثال المبارك وسلام فكالنسخ المخطوطة؛ قد يكون فيها خرم أو غموض ولكنها أثمن من كل مطبوع لأنها مفردة ليس لها نظير.
أما الشيخ عبد الرحمن سلام فما رأيت (وما أظن أنني سأرى) من هو أطلق منه لساناً وأحلى بياناً؛ لقد كان عجباً من العجب، إذا احتاج أن يتكلم في موضوع لم يكن عليه إلاّ أن يفتح فمه ويحرك لسانه، فإذا المعاني في ذهنه، والألفاظ على شفتيه، والسحر من حوله، والأنظار متعلقة به، والأسماع ملقاة إليه، والقلوب مربوطة بحركة يديه! وكان يرتجل الشعر كما يرتجل الخطب، وكان يرمي
стр. 178
الكتاب (كتاب النحو) لا يباليه، ويتكلم من أول الساعة إلى آخرها في اللغة وفي الأدب وفي كل شيء ... كان يريد أن يربينا على السليقة العربية بالمحاكاة والمِران وينفخ فينا من سحره ليجعلنا أدباء قبل الأوان.
وأما المبارك فما رأيت (وما أظن أني سأرى) مدرّساً له مثل أسلوبه في الشرح والبيان، وفي امتلاك قلوب الطلاب، وفي نقش الحقائق في صفحات نفوسهم بهذه الضوابط المحكمة العجيبة التي تلخِّص في جملة واحدة بحثاً من البحوث. وكان يعلمنا الفقه ... ماذا قلت؟ الفقه؟ هذا هو اسم الدرس في عرف المدرسة، أما الدرس -في حقيقته- فكان فقهاً وتفسيراً وحديثاً ولغة وشعراً وأخباراً، وما شئتَ من كل نافع مفيد وكل طريف جديد.
وكان الأول هو الذي جرّأني على امتطاء صهوات المنابر ومقارعة الفرسان في ميادين البيان، وكان الثاني هو الذي أخذ بيدي فأطلعني على كنوز الثقافة العربية وطبع نفسي بطابعه، حتى لأستغرق أحياناً في الدرس فإذا بي أتكلم بلسان المبارك ولهجته وأتحرك مثل حركته والطلاب ينظرون مدهوشين (١).
стр. 179
وفي يوم من أيام سنة ١٩٢٣ دخل علينا الشيخ عبد الرحمن سلام، ولكن لا كما كان يدخل كل يوم، وألقى خطبة، ولكن لا كما كان يلقي؛ دخل حزيناً وألقى خطبة الوداع، وذهب وذهبت معه قلوبنا.
وجاءنا مدرس جديد فقعد على الكرسي، وما كان الشيخ ليقعد عليه أبداً، وفتح كتابه يقرر الدرس بصوت خافت وكلام لا يكاد يُسمع. وكان الأفغاني إلى جنبي فقلت له: مَن هذا؟ قال آسفاً: هذا والد سيدنا ... وأشار إلى نجم الدين، قلت: الأستاذ سليم الجندي؟ قال: نعم.
أهذا هو الأستاذ سليم الجندي؟ أهذا الذي أعجبت به لمّا قرأت له في مجلة الرابطة؟ يا ضيعة الأماني! ويا حسرتاه على أستاذنا الذي أضعنا، على الشيخ سلام!
سلام على سلام. بل سلام على العربية؛ لقد زهدت فيها وعزفت عنها، وعزمت لأتوجهنَّ بالاهتمام إلى درس آخر من دروس المدرسة. ما لي وللعربية وهذا مدرّسها؟ مدرس لا يخطب ولا يرتجل الشعر ولا يتلاعب بمُهَج السامعين؟! ومرَّ بي الدَّوْر، فأخرجني الأستاذ فأقامني على اللوح وأملي عليّ بيتين للمعري، وقال: اقرأ وفسّر وأعرب.
فانطلقت كما علمنا سلام، انطلقت أخطب في موضوع البيتين خطبة حماسية مجلجلة، فإذا بالأستاذ يبتسم ابتسامة أحسست كأنها سكين في قلبي، وكأنها دلو ماء أُلقي على جمرة حماستي، وقال: بعدُ بعدُ، فسّر أولاً معاني الكلمات الغريبة.
стр. 180
ووقفت كما وقف حمار الشيخ في العقبة! وسألني عن دقائق الإعراب، فوقفت وقفة أخرى. قال: أرأيت؟ أتَبني الدار قبل نحت الحجارة؟
ورأيتُني حقاً أبني الدار قبل نحت الحجارة ... أبني دوراً في الهواء!
وصَغُرت عليّ نفسي بقدر ما كبر الأستاذ. وعدت أبدأ قراءة النحو والصرف من جديد. وكان الكتاب الذي نقرؤه «قواعد اللغة العربية» (الجزء الرابع من الدروس النحوية لحفني ناصيف وأصحابه)، وهو كتاب يغني المتأدب، بل الأديب، عن النظر في كتاب غيره، وهو أعجوبة في جمعه وترتيبه وإيجاز عبارته واختياره الصحيح من القواعد، وهو أصح وأوسع من شذور الذهب ومن ابن عقيل التي كنت أقرؤها على أستاذيَّ الجليلين الشيخ أبي الخير الميداني والشيخ صالح التونسي.
وعكفنا عليه وملأنا حواشيه البيض، ثم ألحقنا بين صفحاته صحائفَ نملؤها بفوائد الأستاذ وشواهده وزياداته. وعرفنا -يوماً بعد يوم- مقدار النعمة التي أنعم الله بها علينا حين جعلَنا تلاميذ الأستاذ سليم الجندي. وكنا نفاخر إخواننا الذين يُقرئهم الشيخ الداودي، ونأتي بالمعضلات والصعاب نتصيدها من كتب الأدب وأفواه العلماء فنطرحها عليه، فنحظى بأجمع الجواب بلا مراجعة ولا كتاب ويرجعون هم بلا جواب.
وما أنتقص الداودي ﵀، فلقد كان معلماً فاضلاً، وكانت له أخلاق أعطر من زنبق الحقل وأطهر من ثلج الجبل،
стр. 181
وله قلب من الذهب، ولكنه لم يكن من بابَةِ الجندي. إن الذهب ذهب، ولكن إن قابلته بالجوهرة المفردة وارى بريقَه حياءً.
وأحببت الأستاذ الجندي حب الولد أباه وعرفت قدره، فكنت لا أكفّ عن سؤاله، أسأله في الصف وألحقه في الفرصة وأدخل معه غرفة المدرّسين، أشرب من معين علمه ولا أرتوي، أتزود من هذا المنهل العذب لسفري الطويل في صحراء الحياة، أسأله عن الغريب فلا تغيب عنه كلمة منه، كأنه قد وعى المعاجم وغيّبها في صدره، وأسأله عن التصريف والاشتقاق فيجيب على البديهة ما يُعيي العلماءَ جوابُه بعد البحث والتنقيب، وأسأله عن النحو فإذا هو إمامه وحجته، وألقي عليه بالبيت اليتيم وجدته في كتاب فإذا هو ينشد القصيدة التي ينمى إليها ويعرف بالشاعر الذي قالها.
لقد كان مدرّساً للعربية، ولكنه كان أكثر من مدرس. وكان عالماً من علماء البلد، ولكنه كان أكثر من عالم، ورُبّ مدرّس لا يكون عالِماً، وربّ عالم لا يكون عالماً إلاّ في بلده وبين أقرانه، وربّ عالم لا يكون عالماً إلاّ بالنسبة إلى عصره وزمانه. أما الجندي فقد كان أعلمَ علماء العربية في هذا العصر، وكان واحداً من أعلام العربية الأولين، ولكنه ضل طريقه في بيداء الزمان فجاء في القرن الرابع عشر الهجري لا في القرن الرابع!
أقرر هذا بعدما مشيت في البلاد وجالست العلماء، فما ثَمّ عالم مشهور في العربية في مصر والشام والعراق والحجاز والهند والملايو وأندونيسيا إلاّ عرفته. عرفت في مصر علماء الجامعة
стр. 182
المصرية وعلماء الجامع الأزهر والأدباء والكتاب، وأنا أؤكد لكم القول أني لم أجد فيهم من يفوق -في حفظه وضبطه وأمانته وملكته- الأستاذَ الجندي.
وكشفت فيه -يوماً- بحرَ علم آخر لم أكن أعرفه من قبل؛ سألته عن مسألة من الدين فإذا هو فقيه أصولي يروي الحديث ويعرف المقالات. ومن هنا، من هنا يا سادة، جاء حفاظه على اللغة ومعرفته بقدرها وغيرته عليها. لقد كتبت مرة أن إنكليزي القرن العشرين يقرأ أدب إنكليز القرن السادس عشر فلا يفهمه إلاّ بترجمان، ونحن نقرأ شعراً عربياً من ألف وأربعمئة سنة فنفهمه كما نفهم شعر شعرائنا اليوم!
فمن أين للعربية هذه المزية؟ وكيف ثبتت العربية برغم النكبات الثقال التي مرت بها؟ كيف عجزت الدول التركية والفارسية التي تعاقبت على بلاد العرب من أيام الواثق عن أن تقضي عليها؟ بل كيف استطاعت هي أن تقضي على عجمتهم وتدخلهم تحت لوائها؟ وما هو السر في قوة العربية وثباتها؟
إن السر في هذا الحصن المتين الذي حصّنها الله به: القرآن يا سادة، القرآن.
وهذا هو سبب نبوغ الجندي، حتى كان إمام العربية وهو ابن عصر حاول الأتراك أن «يترِّكوا» فيه كل عربي. السبب معرفةُ الجندي أن «العربية لغة القرآن»، وأن من أراد أن يكون إماماً فيها فليكن خادماً للقرآن. ولست أنا الذي يقول عنه هذا، بل لقد قاله هو بلسانه؛ قال في العدد الأول من مجلة الرابطة الأدبية،
стр. 183
في مقدمة باب تهذيب الألفاظ: "مُنيت اللغة العربية بضروب من النكبات، لو أنزلت على جبل شامخ لتصدّع، ولو أصاب غيرها من اللغات معشارُ ما أصابها منها لعفت رسومها واندرست معالمها، ولكن الفضل في سلامة هذه اللغة الكريمة ونجاتها من براثن الفناء والموت يرجع إلى القرآن الكريم". وقال بعد قليل: "وغايتنا إرشاد الألسن والأقلام إلى مواقع الفصاحة والصواب، وصرفها عن مظانّ الغلط ووجوه الركاكة. ولسنا نزعم في كل ما نكتبه السلامة من الزلل والعثار لأن العصمة لله وحده".
أسمعتم هذه الجمل الثلاث؟ لقد لخص فيها الجندي منهاجه كله؛ المنهاج الذي يشتمل الدين والعلم والخلق، لقننا مع العربية الدين وقصد التقرب إلى الله بخدمة لغة القرآن. وأخذَنا -من أول يوم- بالبعد عن الجرائد والمجلات وهذا الأدب الجديد، ولم يكن يملي علينا في الإعراب والاستظهار إلاّ الشعر الذي يُحتج بعربيته من الجاهلي والإسلامي، ويخرِّج لنا الألفاظ تخريج المحدّثين الأحاديث، فيميز لنا الصحيحَ من الدخيل والفصيحَ من الشاذ.
وهو -على ذلك كله- متواضع حييٌّ، غاض الطرف والصوت، حاضر النكتة، صافي القلب، حسن المعشر، رضيّ الخلق، مستقيم لا تستطيع مغريات الدنيا أن تحوله عن طريقه.
ولقد سار على هذا المنهج حياته كلها، ولكنه قاسى في هذا السير الأهوال. لم يكن يوضَع برنامج للعربية في المدارس ويبدَّل أو يؤلَّف كتاب أو يعدَّل إلاّ دعوا الجندي، فإذا جاء وجد أعداء
стр. 184
العربية وخَدَمة الاستعمار متربصين له، يريدون أن يجهّلوا أبناء العربية بالعربية حتى يبعدوهم عن القرآن فيسلبوهم أقوى سلاح يحاربون به الاستعمار، يسلكون لذلك أدق المسالك ويتخذون لذلك أخفى المكر، وكان عليه أن يحاربهم وحده، يدفع مكرهم بأخفى منه ويسلك لذلك أدق من مسالكهم، فينال ذلك من أعصابه ومن صحته، ولكنه يحتسبه جهاداً عند الله.
وسيكون له -إن شاء الله- أجر المجاهدين.
لقد كان الجندي جندياً يحمي حمى العربية أن يدخله لص من باب البرامج أو الكتب أو الامتحانات العامة، أو من باب اختيار الجَهَلة للتدريس، ما غفل يوماً ولا فارق مكانه، فلما سقط شهيداً صريع المعركة استُبيح الحمى ورتع اللصوص، ودخلوا من كل باب من هذه الأبواب. لقد بُدِّلت البرامج وغُيّرت الكتب وعيث في الأرض الفساد، وصار بعض مدرّسي العربية اليوم أضعف من بعض طلاب البكالوريا في تلك الأيام (١).
لقد تساقط الحُماة واحداً إثر واحد، المبارك والبزم والجندي ... وخلا من أسوده العرينُ، أفليس في الشِّبال من يحمي الذمار؟
بلى يا أستاذي، بلى!
стр. 185
هؤلاء هم تلاميذك، يقسمون على قبرك الطريّ أنهم ماشون على طريقك، حافظون لعهدك، محامون عن لغة القرآن التي صرمت حياتك كلها تحامي، وتربي المحامين، عنها. وما بحولنا وقوتنا، ولكن بحول الله وقوته وثقة بوعده: ﴿إنّا نَحنُ نزّلْنا الذِّكْرَ، وإنّا لهُ لَحَافِظون﴾؛ فكلما فتحوا للشر باباً (من تسهيل قواعد العربية أو درس اللهجات العامية) كان هو الذي يسده، وكلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، والظفر للقرآن برغم ما هو خامد من نارهم وما هو «ساطع» (١).
يا سادة، لقد صحبت الجندي تلميذاً وزميلاً في التجهيز وفي الكلية الشرعية، وسامرته ليالي طوالاً، وكنت معه في السفر والحضر، وفي نفسي عنه ذكريات ما كشفت لكم إلاّ طرف الطرف منها، ولو أردت أن أسردها كلها لأبقيتكم هنا إلى الصباح.
لقد كانت له -على جلالة قدره- أوهام، وهل تعيش الأوهام إلاّ في القلوب الكبار؟ ومن أوهامه أنه لم يكن يطيق أن يزور مريضاً أو يعزّي بفقيد، مخافة أن يسمع باسم الموت. وهذا هو الموت قد نزل به!
стр. 186
الموت، لو نجا منه أحد لكان أفضل الخلق محمداً رسول الله ﷺ .
الموت، ولكن هل مات الجندي؟ هل مات من مشى في موكب المؤرخين المحققين بكتابه «تاريخ المعرة»؟ ومن كان مع أئمة اللغويين بـ «إصلاح الفاسد»؟ ومع أعلام النحويين بـ «كتاب النحو»؟ ومع مؤرخي الأدب بـ «تاريخ أبي العلاء»؟
يا أستاذي، إن الموت حق، ولكنك ستحيا مرتين: مرة في هذه الدنيا باسمك وعلمك ما بقيت الدنيا، ومرة عند الله بإيمانك وخلقك ودفاعك عن لغة القرآن، وتلك هي الحياة الخالدة حقاً.
اللهم إني لا أتَألّى عليك، ولكن نبيك محمداً ﷺ قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث، صدقة جارية، وعلم نافع، وولد صالح يدعو له». اللهمّ وهذا علمه نافع أبداً، وهؤلاء أولاده، ونحن جميعاً أولاده، وما نحن بالصالحين ولكنا ندعو دعاء الصالحين:
اللهمّ ارحمه واعفُ عنه وأدخله جنتك، اللهمّ عوّض هذه العربية منه، اللهمّ لا تحرمنا أجره ولا تفتِنّا بعده واغفر لنا وله، اللهمّ آمين.
* * *
стр. 187
أول مقالة نشرتها وأوّل درسٍ ألقيته
نشرت سنة ١٩٤١
إني لأخط عنوان هذا الفصل وأنا أسخر من نفسي، إذ أحدث الناس حديث مقالاتي، والناس في شغل عني وعن مقالاتي بهذا الهول الهائل، والبلاء النازل، والغلاء الشامل (١)، وبالله العوذ مما هو أشد وأعظم.
ولعمر القراء ما أُكثر الحديث عن نفسي لزهوّ ولا لكبر ولا غرور، ولكنها صناعة الأدب يسوغ معها ما لا يسوغ مع غيرها. وإني -إذا أردتَ الجدّ- لمن أشد الأدباء زهادة في الأدب، وإخال أن الناس في أدبي لأزهد. ولولا كليمات أسمعهن أحياناً فيهن تعليق على ما أكتب أو ثناء عليه، أو رسائل في مثل ذلك قد تأتيني، أو فقرات قد أقرؤها في صحيفة فيها تنويه بي ... لولا ذلك (وما ذلك؟!) ما ظننت أن أحداً يقرأ مقالاتي!
وما قصدت هذا الموضوع قصداً، ولكني نبشت أوراقي أفتّش عن ورقة أريدها، فخرج في يدي عدد من «المقتبَس» قديم، تاريخه سنة أربع وعشرين وتسعمئة وألف، ففتحته أنظر فيه ففُتحت لي دنيا من الذكريات اللذة، وقرأته فقرأت فيه تاريخ
стр. 188
نفسي: رأيتني في الصفوف الأوائل من الثانوية وحولي رفقة ما رأيت بعدهم مثلهم في إقبالهم على الدرس وجلدهم عليه، وفي رسوخ ملكاتهم الأدبية وقوة طبعهم في الأدب وسليقتهم في اللغة، وتسابقهم إلى مطالعة نفائس المصنفات ومعرفة المصادر والأمهات (١). ولم يكونوا كشباب اليوم الذين يحاولون الكتابة قبل القراءة، ويغترون بالنشر فيحسبون أنهم أنداد وأقران لكل من يكتب في الصحيفة التي تنشر لهم، ويعلن أحدهم عن كتابه الذي سيصدره قبل أن يكتب منه عشر صفحات، وينتقد الكاتب الكبير وهو لا يحسن أن يقيم لسانه في قراءة مقالة من مقالاته، ويخدع المجلة عن أدبه فتظنه شيئاً فتخدع به القراء، وما لم أذكر من صفاتهم آلم وأنكى.
وكنت قد قرأت طائفة من الكتب أذكر أن منها «حياة الحيوان» للدميري، وهو أول ما طالعت من الكتب، وهو دائرة معارف (كما يسمونها اليوم) أو هو مُعْلَم (٢) جامع فيه فقه ولغة وأدب وقصص وتاريخ وخرافات وعلم وحقائق، أفدت منه كثيراً. و «الصاحبي» لأحمد بن فارس، وقد ألقى في نفسي إجلال العربية والإيمان بسعتها وجلالها، وحبب إليّ جزالة الأسلوب وفحولة اللفظ، ولا أزال إلى اليوم أعجب برسالة ابن فارس هذا إلى من أنكر فضل الجديد لأنه جديد ومال إلى تقديس كل قديم لأنه قديم،
стр. 189
وأعدّها من نفائس الآثار، وهي في مقدمة الكتاب. و «بلوغ الأرب» للألوسي، وقد أورثني التعصّب للعرب والمبالغة في ذلك، ثم علمت أنْ قد كان فيه زيف كثير كما كان فيه صحاح كثير، وما زلت أحفظ جملة صالحة من أخباره صحيحها وباطلها. و «الأغاني»، قرأته كله، أعني أخباره وقصصه دون ما فيه من أسانيد وأصوات وأشعار وأنساب، وهو رأس مالي في الأدب، وقرأت «الكشكول» و «المِخلاة»، و «مراقي الفلاح» في الفقه الحنفي، ألزمني والدي قراءته، أسبغ الله عليه رحمته. و «شرح رسالة ابن زيدون» المطبوع على هامش «الغيث المنسجم» ...
وكانت طريقتي في المطالعة أني إذا فرغت من دروس المدرسة دخلت مكتبتنا فتخيرت كتاباً فأخذته فنظرت فيه، فإن أعجبني مضيت فيه لا أدعه حتى أتمه، وإلا أخذت غيره. لا أستعين على ذلك بمرشد ولا أستهدي بهاد، إلا ما كان شيخنا الأستاذ اللغوي الشيخ عبد القادر المبارك يسمّيه لنا من الكتب ويرشدنا إليه. وكنا نأخذ الأدب عن الأديب الضليع المتفنّن الأستاذ سليم الجندي، وكان يحذّرنا -جزاه الله خيراً- أن نقرأ الجرائد والمجلات وكتابات أهل العصر (على اعترافه أن فيهم من أطفأت شمسُه بدورَ البلغاء من الأوائل) خشية أن نسيء الاختيار فتصيبنا عدوى الركاكة، وهي شر من عدوى الكوليرا والجذام! فدخلت الجامعة وأنا لا أعرف من العصريين إلاّ المنفلوطي ﵀، وكنت أظنه أبلغ كتّاب العصر ولا أعدل بأسلوب «نظراته» شيئاً حتى وقع في يدي «رفائيل» للزيات، فوجدته كنزاً من أغلى كنوز النثر وصَغُرت معه «عبرات» المنفلوطي حتى صارت كلا
стр. 190
شيء. ثم عرفت الرافعي وقد أصدر كتابه «تحت راية القرآن» (رفع الله به درجاته في الجنة)، فعلمت أن الله قد خلق مَن هو أبلغ من المنفلوطي، إي والله، ومِن عبد الحميد وابن المقفع وابن العميد، ومَن كنا نراهم يومئذ أئمة البلاغة واللَّسَن. على أني لم أنسَ المنفلوطي وترجمت عن شكري له ولأستاذيّ الجندي والمبارك بإهداء الثلاثة كتابي «الهيثميات»، وهو أول كتاب ألفته سنة ١٩٣٠، (وعلى أن رأيي في الرافعي قد بدّلته الأيام فلم أعد أستحسن من الأساليب إلا ما قارب الطبع وبَعُدَ عن الصنعة) (١).
أقول: إني أحسست بعد قراءة ما ذكرت من الكتب بشيء تجيش به نفسي فنفست عنها بمحاولة الكتابة، فاستوى لي مقال نسيت اليوم موضوعه، قرأته على رفيقي أنور العطار (وكان يومئذ يجرب قول الشعر)، فأشار عليّ أن أنشره، فاستكبرت ذلك. فما فتئ يزيّنه لي حتى لنت له، وغدوت على إدارة المقتبس، وكانت في شارع السنجقدار العظيم الذي صار خرائب وأطلالاً. فسلمت على أبي بسام الأستاذ أحمد كرد علي ﵀ ورحم جريدته ... ودفعت إليه المقال.
ولم يكن من إخواننا من يعرف طريق صحيفة أو يجرؤ على النشر فيها. وكنا يومئذ متلبسين بجريمة الحياء التي أقلع عنها شباب اليوم والحمد لله الذي لا يحمد على المكروه سواه! فنظر في المقال فرأى كلاماً مكتهلاً ناضجاً، ونظر في وجهي فرأى فتى فطيراً، فعجب أن يكون ذاك من هذا، وكأنه لم يصدقه فاحتال عليّ
стр. 191
حتى امتحنني بشيء أكتبه له زعم أن المطبعة تحتاج إليه فليس يصح تأخيره، فأنشأته له إنشاء من يسابق قلمه فكره، فازداد عجبه مني ووعدني بنشر المقال غداة الغد، فخرجت من حضرته وأنا أتلمس جانبَيّ أنظر هل نبتت لي أجنحة أطير بها لفرط ما استخفني السرور. ولو أني بويعت بإمارة المؤمنين ما فرحت أكثر من فرحي بهذا الوعد. وسرت بين الناس وكأني أمشي فوق رؤوسهم تعالياً وزهواً. وما أحسبني نمت تلك الليلة ساعة، بل لبثت أتقلب على الفراش أتصور أيَّ جنة من جنات عدن سوف أدخل في غداة الغد ... أيَّ كنز سأجد. وجعلت أترقب الصباح ولا ترقب عاشق متيم ينتظر وصلاً بعد طول الهجران، حتى إذا انبثق الصبح وأضحى النهار أخذت الجريدة، فإذا فيها المقال وبين يديه كلمة ثناء لو قيلت للجاحظ لرآها كبيرة عليه!
* * *
وعدت أنظر إلى الجريدة القديمة الصفراء وهي ماثلة بين أوراقي، وأفكر في هذا الأدب ماذا جني عليّ وماذا جنيت منه. لقد سرت بعد تلك المقالة أعدو في طريق النشر، فكتبت في جرائد الشام ووفدت على خالي الأستاذ محب الدين الخطيب في مصر، فأخذ بيدي وسدد خطواتي وكان لي أفضل مرشد ومعين، وأفدت من خلقه ومن علمه ومن ماله. ثم عدت إلى دمشق، ثم اتصلت بالرسالة، صديقة روحي وسميرة وحدتي، وكانت لي خير مدرسة، فيها الأستاذ الزيات خير مدرس.
وكنت إذا نظرت في كتاب، أو أصغيت إلى حديث، أو ضمني مجلس، أو شملتني عزلة، أو اضطجعت لأنام، أو نهضت
стр. 192
من منام، أو ذكرت ماضياً، أو فكرت في آت، أو أغمضت عيني متأملاً، أو فتحتهما على مشهد من مشاهد السماء والأرض ... أجد في كل ذلك موضوعاً لمقالة أكتبها أو فصل أُنشئه، وأجد الهمة حاضرة والذهن نشيطاً. ثم كرّت أيام وغبر دهر، وأصبحت لا أستطيع أن أخط سطراً على قرطاس، وإذا كتبت لم أدر كيف أكتب ولا لماذا. وأبعث بالذي أكتبه إلى «الرسالة» مضطرب الأعصاب مزلزلها، فإن أخّرَتْه غضبت، وإن ألفَيتُ به تطبيعاً وخطئات لم ينتبه لها المصحح تألمت، وإن وجدته نسب إليّ ما لم أقل وجعل في المقالة أخطاء تدل على جهل الكاتب وما هي مني ولا أنا صاحبها عزمت على ترك الكتابة بالمرة وكَبُر عليّ الأمر. ثم إن جاءت المقالة منشورة قرأتها مرة لأطمئن عليها ومرة لأنقدها مجرّداً من نفسي ناقداً لها، ثم أرميها فلا أطيق النظر فيها، ولا أجد من يحدثني عنها كأني أكتب لصخور الجبل لا لبني آدم!
فماذا أفدت من الأدب؟ أما إني لم أجد الأدب إلاّ عبثاً ولم أجد الأدباء إلاّ مجانين! يسعى الناس وراء المال ويسعون وراء سراب خادع يسمونه «المجد الأدبي»؛ كلما أقبلوا عليه نأى عنهم فما هم ببالغيه حتى يموتوا ... وما ينفع ميتاً ذكر في الناس ولا يغني عنه مجد، ما ينفعه إلاّ ما قدّم من عمل صالح. ولقد كان رفيقي سعيد الأفغاني أعقل مني، إذ كان يمد شفته ساخراً كلما حدثته عن آمالي في الحياة ورغبتي في أن أكون كاتباً يشار إليه بالأصابع، وكنا يومئذ في المدرسة الثانوية نتسابق إلى مطالعة الكتب ونتبارى في تلخيصها والملاحظة عليها. فما صنع الزمان بآمالي؟ لقد أراني أني كنت أسعى أطلب السراب فلا أصل إلى شيء، وما ثمة شيء حتى أبلغه!
стр. 193
هذه هي قصة ابتلائي بهذا الأدب الذي أنا تاركه اليوم، أو ظانٌّ أني تاركه، ومقبل على الفقه أجدّد العهد بما قرأت من كتبه وواهب له قوّتي ووقتي (١)، فليهنأ الذين يجدون فيّ سداً في وجوههم أن يبلغوا من الأدب ما يريدون، والذين يرون أني مزاحمهم على هذا المورد الآسن.
ولقد كنت أهزل يوم كتبت أفضل الأدب على العلم، وأين من أين؟ وهل تستوي الحقائق والأوهام؟ وهل من علمٍ يوازي علمَ الفقه ويضارعه شرفاً، وبه يُعرف الحلال من الحرام، وبه تضمن الحقوق ويدرأ الخصام ويعم السلام ... ؟ ولئن فزع الشباب من زيِّ أهل الفقه وخافوا أن يوصَموا بالجمود والرجعية، فما يُفزع ذلك مَن سمِّي بالشيخ وارتضاه له اسماً، ولا تثقل عليه عمامته إن كوّرها ولا لحيته إن أطلقها ... وللثياب، لا جرم، عمل في تكوين طبائع المرء وتوجيه سيرته، فأنت حين تتخفف من الثياب أو تتخذ ثياب أهل الرياضة (السبور)، فتلبس السراويلات المناكير القصار أو التبّان، تشعر بالخفة وتميل إلى القفز والتوثب وتكره القرار على الأرض، فإن أطلت لبسه أوشك أن يكون ذلك لك عادة. وإن لبست الجبة ولبثت على هامتك العمامة ملت إلى التوقر والرزانة، ولم تستطع أن تأتي ما هو مناف لها، وتنزهت حتى عن قعود في
стр. 194
قهوة أو ولوج سينمة، أو إسراع في مشية في طريق، أو مزحة نابية أو قهقهة مقرقعة في مجلس ... وتتطبع على ذلك حتى يعود لك طبعاً. وإن اتخذت (البرنيطة) جنحت بالضرورة إلى مصاحبة أهلها ومجالستهم، وملت عن المساجد ومجالس العبادة ولو كنت مصلياً متعبداً، ومن هنا جاء النهي عن التشبه بغير المسلمين، والأمثلة على ذلك كثيرة ...
على أني إن تركت الأدب فما أنا بتارك الكتابة. وإنّ من الكتابة لعلماً، وإن منها لإصلاحاً، وإن منها لما ينفع الناس ويدلهم على طريق الخير ... كما أن من الكتابة ما هو ثرثرة جميلة وتسلية سخيفة ولغو من القول يذهب جفاء ... فلينظر ذوو الأقلام ما يأخذون منها وما يدَعون، ولينظر القراء ما يقرؤون منها وما يهملون!
* * *
أعتذر إلى القراء مرة ثانية من الحديث عن نفسي، فإنه أثقل الأحاديث على أذن السامع، ولكنها صناعة الأدب، قاتلها الله!
ولقد أردت -حين شرعت في هذه المقالة- أن أقول أشياء كثيرة زورتها في نفسي وأعددتها، فلما بلغت الكلام عن أول درس ألقيته، وذكرت هذه المرحلة من حياتي التي قضيتها معلماً وتنقلت في الآفاق، ورأيت فيها من المتع والآلام ومن بيض الليالي وسود الأيام ما لا يعلم حقيقته إلا الله ... وما لم أصف في مقالاتي في «الرسالة» إلاّ الأقل الأقل منه ... لما بلغت ذلك اعتلج في نفسي من العواطف وثار فيها من الذّكَر ما عقل قلمي وحبسه عن المسير.
стр. 195
وكيف أجمع في مقالة واحدة ما تفرق من قلبي في جنّات دمشق وقد علّمت في كل مدرسة فيها، وفي «الحرش» الفتّان من بيروت حيث الكلية الشرعية، وعلى الشاطئ الوادع من دجلة حيث الثانوية المركزية، وفي طريق الأُبلّة إحدى متنزهات الدنيا الأربعة حيث الثانوية البصرية، وعلى سِيف الفضاء الأرحب من كركوك بلد الذهب الأسود الذي يشتعل أبداً، وعلى ضفة الفرات الجميل في دير الزور، البلد الكريم أهله ... وحيث أذكر ولا أذكر؟
إنها لتخطر على قلبي -الساعةَ- آلافٌ من الصور التي مرت من قبل على عينيّ، بل إني لأبصر الآن الآلاف من وجوه زملائي في التعليم وتلاميذي الذين أحببتهم، تنبعث من ظلام الذكريات ثم تطيف بي محيّية باسمة تتلو عليّ قصة نفسي، وتعيد إليّ ما مضى من عمري، فكيف إلى الاجتماع بهؤلاء الأصدقاء لأودعهم قبل أن يتجدد الفراق، ولأحدث بهم عهداً؟ كيف وقد تفرقوا تحت كل نجم؟! كيف وقد علا منهم مَن علا وهبط مَن هبط، وشغلتهم شواغل الحياة فلم يعودوا يذكرون معلّماً ولو لم ينسَهم ذلك المعلم! كيف ومنهم الوفي ومنهم الجاحد والناس معادن ...
يا رحمة الله للمعلمين، لمن كان له منهم قلب! وسلام على أيامي التي صرّمتها معلماً ... وعلى كل من يقرأ هذا الفصل من زملائي وتلاميذي، ولهم مني أوفى حبي، وتحيات قلبي.
* * *
стр. 196
وقفة على طلل
نشرت سنة ١٩٤٥
[في حمى المسجد الأموي وفي ظلال سوره العالي، بين مثوى البطل الأجلّ الملك الناصر صلاح الدين والمدرسة الكلاّسية الأثرية، وبين المدرستين السميساطية والإخنائية، تقوم المدرسة الجَقْمَقية الخالية المائلة التي بناها سنجر الهلالي، وجدّدها الملك الناصر سنة ٧٦١ هـ، ثم احترقت فجددها الأمير سيف الدين جَقْمَق فنُسبت إليه.]
ما مررت بهذه المدرسة الخربة المعطلة وذكرت ما أودعتها من عواطفي وما تركت فيها من حياتي إلاّ تلفت القلب، وصغى الفؤاد، واعتلجت في النفس خواطر وانبثقت للعين صور، أقر بالعجز عن صوغها ألفاظاً مقروءة وجملاً ووضعها في هذه القوالب الجامدة الضيقة وهي أشد انطلاقاً من النور وأوسع من الزمان ... ولا أجد -إذا أردت وصفها- إلا هذا الحديث المعاد وهذا القول المكرر المعار الذي لا يفتأ الشعراء من عهد امرئ القيس، الذي وقف واستوقف وبكى واستبكى، يعيدونه ويرددونه، وهو ما يزال جديداً في كل قلب سريعاً إلى كل لسان ... فأسائل هذه الجدران المائلة، وأخاطب ... هذه الغرف الخالية. وآه! لو تصف
стр. 197
هذه الجدران ما رأت وتنطق الأبواب، وآه! لو تعي المغاني وتحدّث المباني! وأنّى؟ وما وعت قلوب الناس ولا وفت حتى يفي الجماد!
هذه نفسي أسائلها: هل تعرف النفوس الوفاء، وهي تدور مع الدهر الدوار كيفما دار، تلبس لكل حالة لبوسها وتتخذ لكل يوم ميزانه؛ فيهون عندها اليوم ما عزَّ بالأمس، ويرخص ما غلا ويغلو ما رخص، نرى الشخص فلا نباليه وقبلاً كان مناط حبنا، وكنا نقنع إن كان وصله حظنا من دنيانا أو كان موضع إكبارنا وكان رضاه نهاية متمنانا، ونمر بالمكان لا نلتفت إليه وفيه ذقنا حلو العيش ومره، وفيه أثر من أنفسنا وفيه بقايا من أعمارنا؟!
لقد عشت دهراً لو قيل لي فيه إنه سيأتي عليك يوم تجوز فيه بهذه المدرسة فلا تقف عليها إلاّ وقفة التذكر والحنين، ثم تمضي لطيتك وتنساها بعد خطوات، لما صدقت! فكيف هانت عليّ هذا الهوان وقد كانت بالأمس نصف دنياي؟ وهل دنيا التلميذ إلاّ داره ومدرسته والطريق بينهما؟ وقد كانت أبداً في فكري وحسّي: في الصباح حين أتوجه إليها، وفي النهار حين أكون فيها، وفي المساء حين أعود منها؛ قد تجمعت فيها أفراحي كلها وأتراحي وأصدقائي جميعاً وأعدائي، وكانت بضعة مني. بل كيف أنكرت ذلك الطفل الذي كان في سنة ١٩١٨ تلميذاً فيها يحمل اسمي وملامح وجهي؟ كيف جوزت لنفسي أن أطّرح آراءه، وأهزأ بأفكاره، وأحقّر ما كان يعظمه؟ لقد ذهب المسكين ولا أدري أين ذهب، وجئت من بعده، ولكني لم أنسَ حوادثه. فهل الذاكرة هي الشيء الفرد الذي يبقى ثابتاً في الإنسان على حين تبدل العقول والأجسام؟
стр. 198
سلوا الفلاسفة إن كان عندهم علم، فما أنا بحمد الله من أهل الفلسفة!
* * *
سلوا الفلاسفة ودعوني أسترجع على باب هذه المدرسة أيامي التي ولّت. ولئن عاد أقوام إلى ماضيهم ليستريحوا إليه ويتسلوا بادِّكار أحداثه، فإنما أعود إلى الماضي لأحيا فيه، وأفرُّ إليه من حاضر أمقته وأجتويه. وأنا رجل كلما تقدمت به السنُّ ازداد إيغالاً في عزلته وهرباً من جماعته، فكأنه يقطع كل يوم خيطاً من هذا الحبل الذي يربط زورقه بآلاف الزوارق الصغيرة التي تمخر عباب الحياة مجتمعة، كما كانت تجتمع السفن إذ تجوز بحر الظلمات، فلا تخوض فيه ماء بل ناراً (١)، ناراً من تحتها لا تعلم متى تتفجر فتزلزل أرض البحر وتشعل جبال الموج، وأخرى من فوقها تحط عليها السماء رجوماً وتفتح عليها من جهنم أبواباً ... وإن عباب الحياة لأشد من ذلك شدة وأعظم هولاً.
حتى غدوتُ وقد رثَّ حبلي وتصرّم إلاّ خيوطاً؛ طائفة من الأصحاب لا يبلغون عد أصابع اليدين، وأماكن هي أقل من ذلك، لا ألقى سواهم ولا أرتاد غيرها. ولم يبق لي في لياليّ الطوال مؤنس أو سمير إلاّ هذه الكتب التي مللتها وملّتني وصارت مودّتها تكلفاً وحديثها مملولاً، وهذا الماضي أزدادُ كل يوم تعلقاً به وحنيناً إليه، أما المستقبل فأخافه ولا أجرؤ على التفكير فيه.
لذلك تراني إن لقيت رفيقاً من رفاق الصبا استوقفته وشممته
стр. 199
علّي أجد في ثيابه عبقاً من أزاهير الماضي الحلو الذي سَرَبْنا فيه جميعاً، يحملنا مرح الطفولة وعبثها اللذُّ، فجسنا خلال رياضِهِ وأوغلنا في دروبه المعشبة ومسالكه التي فتَّح على جانبيها الأقحوان وضحكت الشقائق، أحاول أن أستطلع من وراء هذا الشباب الذي نالت منه الليالي حتى أشرَفَ على الكهولة وهدّته مطالب العيش وأخذت منه رواءه وبهاءه، فبدا كالشجرة المنفردة القائمة على شفير الوادي عاجلها الخريف ببرده وعواصفه ... أحاول أن أرى من ورائه طلعة «ذلك» الصبيّ الفرح أبداً، الضاحك اللاهي، الذي كان رفيقي يوماً والذي أحببته وقاسمته مرحه ولهوه ... فإذا لم أرها أُبْتُ أجُرُّ رجلَ خائبٍ فُجِعَ في أعزّ آماله وفقد أحب أمانيه إلى قلبه، وإن وقفت على معهد من معاهد الصغر أو ملعب من ملاعب الطفولة فتّشت في زواياه وأركانه، وتحسست الحجارة من جدرانه، علّي أجد بينها ذكرى حلوة قد خبأتها يوماً ونسيتها.
ولذلك وقفت اليوم على «الجقمقية»، ولكني لم أجد فيها ما أريد. لقد عدا سارقان على أحلى ذكرياتي فسرقاه في غلس الليل كما يسرق النبّاشون الذهب من قبور الفراعنة، ولم يدَعا لي إلاّ كل تافه حقير. فبماذا أتحف القراء بعد الذي صنعه معي هذان اللصان: الزمان والنسيان؟!
* * *
هذه هي المدرسة التي أودعتُها عهد الطفولة وذكرياته العذاب، لا تزال قائمة جدرانها ماثلاً بنيانها، وهذه هي الطرقات التي كنت أسلكها غادياً إليها من داري ورائحاً منها إليها، وهذا هو «الأموي» العظيم الذي كنا نعرّج عليه كل يوم بكرة وظهراً وعشياً،
стр. 200
وما بيننا وبينه إلاّ أن نخرج من باب المدرسة فندخل من بابه، نغافل «الحسكي» ونقفز فيلحقنا بعصاه ونحن نتضاحك ونروغ منه، نعدو في صحن الجامع الواسع النظيف حتى يكل المسكين ويتعب فيدعنا مكتفياً بما تسعده به قريحته من روائع فن الهجاء، فإذا انصرف عنا وذهب الحافز لنا على اللعب عقلنا ودخلنا نستمع إلى أصحاب الحلقات فيه. هذا هو الأموي لا يزال على عظمته وجلاله، لا يدانيه في وسعته وفخامته مسجد في دنيا الإسلام، غير أن صورته في ناظري قد تبدلت وامّحت روعتها وبطل سحرها. وماذا تصنع الجدران والسقوف إذا ذهبت الوجوه ومضى الساكنون وتغيرت الروح؟ لقد أضحى الأموي غيرَ الأموي؛ فلا دروسه تلك الدروس ولا علماؤه أولئك العلماء ولا جوّه ذلك الجو. إن المدن كالأشخاص؛ تُخلق كل يوم خلقاً جديداً. وقد ماتت دمشق التي نشأنا فيها، دمشق الإسلامية المرحة الفاضلة التي لم يكن فيها ماخور مشهور ولا ميسر ظاهر ولا عورات باديات ولا حانات ولا مُلهيات، وكانت فيها المرأة لبيتها والرجل لأهله، والعلماء عاملين بعلمهم مطاعين في أمتهم، والحي كالبيت الواحد في تعاون أهله وتعاطفهم، والمساجد عامرة والرجولة بادية، وأهل الدين لا يأكلون به الدنيا ولا يتخذونه تجارة ... فيا أسفي على دمشق التي ماتت! ويا رحمة الله على تلك الأيام: أيام لم نكن نعرف من الدنيا إلا المتع الفاضلة والفضائل الممتعة، نلهو ونلعب ولكن لا كلهو فتية اليوم ولا كلعبهم. كان أقصى ما نأتيه أن نركض في الأموي، أو ننقسم عند المساء قسمين فنقيم بيننا سوق حرب سلاحها المقالع والعصي. وقد نجرح أو نكسر، ولكننا نتعلم الرجولة والقوة، ثم نرجع متفقين. وأن نتلهى عن الدرس بقراءة
стр. 201
قصة عنتر وحمزة البهلوان، نتلقى منهما ما ينقصنا من علم الكر والفر والمبارزة والقتال وأن نمكر بالمدرسين، وإن أممنا لهواً وأردناه فشهود خيال الظل (كراكوز)، وهو سينما تلك الأيام، ولا يراه منا إلا مقدوح في خلقه. أما التأنق والتجمل والترقق فلم نكن ندري منه شيئاً، وكان من العيب في أيامنا لبس البذلات لما تصور من أعضاء الجسم، فكنا نجيء إلى المدرسة بالقنابيز (الجلابيب)، وكنا نتعجل الشباب فنتخذ دواء (كان معروفاً) يطول به الشارب وينمو به قبل الأوان.
فأين أيامنا في هذه المدرسة، وهل تعود هذه الأيام؟ أين ذلك الشيخ الحبيب إلى كل نفس الجليل في كل عين، شيخ الشام ومعلمها ستين عاماً ... ستين عاماً وهو دائب على علمه العظيم يأخذ من هذه الأمة أطفالاً صغاراً فيردهم إليها شباباً متعلمين، يصب من عقله الذي يزيد على البذل في أدمغتهم، ومن إيمانه في صدورهم، فتعلم منه الولد وأبوه وجده. إي والله، هذه سجلات مدرسته فسلوها تنبئكم. ذلك هو الإمام الشيخ عيد السفرجلاني (١).
* * *
هذه هي المدرسة! هذا البنيان فأين السكان؟ أين رفاقي فيها؟ أين من كان يجمعهم مقعد واحد وكانوا سواء في كل شيء لا يَميز أحد منهم على أحد إلا بمقدار ما ينجح في درس أو ينال ثناء من أستاذ؟ وكان فلان الفقير عريف الصف والمقدَّم في التلاميذ،
стр. 202
وكان الشيخ يتخذ منه مثلاً مضروباً لأبناء الأغنياء، ويبشره بالمجد والمال والرتب وبأنه سيمشي على الورد المفروش حين يمشي أولئك على الشوك.
رحمك الله يا شيخنا، فلقد أصبت في كل ما كنت تقول إلاّ في هذا. تعال انظر ترَ الدهر قد ضرب بيننا، ففرق الإخوان وشتت الخلان، فتفرقوا في آفاق الأرض وانتثروا على سلم الحياة علاء وخفضاً، وسار الأكثرون على الأشواك فدميت أقدامهم الحافية، ومشى قوم على الورد والفل والياسمين وحازوا المال والمجد والرتب، ولن أسمّي لك أحداً كيلا أفجعك بآرائك وفضائلك!
لا، لا أحب أن أعود إلى هذا الحاضر فدَعوني أستمتع بادِّكار ماضيّ كما يستمتع المنقطع في البادية بما بقي في سفرته من زاد المدينة التي خرج منها وأضاع طريق العودة إليها. إني أبصر كل ما حولي قد تغير فأُنكره وأحسّ كأني صرت غريباً في وطني، ولقد كنت أنا وأخي أنور العطار لا نزال نحِنّ إلى الوطن ونراه في صفحة البدر عند المطار، وفي صفحة دجلة على الجسر، فتسيل قلوبنا رقة وشوقاً ونحن في بغداد بلدنا وبلد إخوة لنا أعزة كرام، وطريق الشام مفتوح، فكيف بمن صار يحسّ أن وطنه قد طواه الزمان واختبأ وراء السنين ولم يبق إليه من سبيل؟
فيا أيتها المدرسة، خبّرينا: لماذا لا نستطيع أن نعود أدراجنا في طريق الزمان كما نملك أن نرجع في طريق الأرض؟ لماذا لا نقدر أن نقف في الفترة السعيدة من أعمارنا كما يقف المسافر في البقعة الجميلة إذا جاز بها؟
стр. 203
إذن لعدت أدراجي فلصرت العمر كله تلميذاً فيك، أستمتع بجوار ذلك الشيخ النوراني وأعيش في جو أنيس من نصائحه ومواعظه وقصصه، وأبقى أبداً ذلك الطفل الذي لا يدري ما الشرّ ... هذا ما تمنيت أن أكونه، وهيهات أن تتحقق الأماني الكواذب!
* * *
إني كلما رأيت هذه المدرسة خالية خاوية خربة لا يحفل بها أحد ولا يذكر شيخها إنسان، أيقنت أن الجحود سجية في هؤلاء الناس. أتنسى دمشق شيخها ومعلمها الذي أحسن إليها؟ إن هذا الشيخ لم يكن عالماً مؤلفاً ولا سياسياً حاكماً ولا فيلسوفاً مفكراً، ولكنه بنى في نهضة دمشق ركناً لم يبنِ أضخم منه عالمٌ ولا حاكم ولا فيلسوف. لقد كان معلم أولاد ولكن أولاده صاروا قادة هذا البلد، لقد أنشأ مدرسة منظمة يوم لم يكن في دمشق إلا الكتاتيب، لقد كان مربياً بالفطرة لم يقرأ بستالوسي ولا تعلم أصول التدريس، ولكنه كان أحسن مربّ رأيته (١).
فيا أيها القراء، لا تقولوا: ومَن الشيخ عيد السفرجلاني؟ وما له يملأ صفحات الرسالة بأخبار نَكِرة في الرجال؟ فكم في ظلام النسيان من عظماء حقاً، وكم في ضياء الشهرة من أصنام قائمة نظنها ناساً وهي مبنية من جامد الصخر أو بارد النحاس!
* * *
стр. 204
بعد المرض
نشرت سنة ١٩٣٧
... يقولون إن الإنسان يأكل ليعيش، ولكني أعيش في هذه الأيام لآكل. آكل بشراهة ونهم حتى أحسّ الامتلاء ولا يبقى في المعدة مكان لذرّة، فأدع الطعام آسفاً وأنظر إلى الأطباق وما فيها نظرة المودِّع الحزين، ثم أقوم إلى كتابي فأفتحه أو إلى شبّاكي أطلّ منه، أتلهّى بهذا أو بذاك حتى أحسّ (أو أتوهم أني أحسّ) جوعاً، فأدعو بالطعام، أو تمضي ثلاث ساعات، فآكل ولو لم أكن جائعاً ... ألم يقل لي الطبيب: كُلْ كلَّ ثلاث ساعات؟!
ذلك لأني لبثت عشرين يوماً أشتهي قطعة الخبز فأطلبها وألح في طلبها فتمتنع عني، وأُحرمها فأراها في منامي، وأحلم بها في يقظتي تجسمها لي أمانيّ وأفكاري فأتخيل أني قد نلتها، فإذا أنا لم أنل إلا هذا اللبن (الحليب) الذي برمت به واجتويته، والذي يفضّل المريض رؤية عزرائيل على رؤيته يطالعه في الصباح وفي المساء، والذي كرهت لأجله كل أبيض ... حتى بياض الفجر وبياض النحر! والذي أصبح قذىً في عيني لا أطيق رؤيته وسمّاً في فِيّ لا أقدر على تذوقه ... ثم فرّجَ الله عني بعد الضيق وأنالني ما أشتهي من الأطعمة وأريد، فكيف لا أهجم عليها بشراهة ونهم،
стр. 205
وكيف تبلغ بي الحماقة أن أقوم عن المائدة وفي الأطباق بقية؟
* * *
لا أكاد أشبع من الطعام ولا من القراءة ولا من النظر في هذا الفضاء الفسيح، وهذه الجنات المتسلسلة تبدو من شبّاكي يعانق بعضها بعضاً حتى يستلقي آخرها في أحضان قاسيون ... لا أكاد أشبع من شيء لأني خرجت من هذا المرض كمَن وُلد ولادة جديدة، فهو لا يعرف الدنيا قط، وهو ينظر إليها بعيني طفل ذكي يدهشه كل شيء ويود لو يمتلكه ويأكله أو تحتويه يده ... ولأني خرجت منه ضعيفاً مهدوداً ولقد كنت من قبله قوياً نشيطاً.
استحممت يوماً في البحر، ثم خرجت منه متوثباً متحفزاً أكاد أطير مما أحسّ في جسمي من النشاط، فسرت على الشاطئ حتى حاذيت الصخرة «الروشة»، تلك الصخرة القائمة في البحر كأنها الطاق العظيم، أو كأنها قوس نصر أقامه الماء الهيّن الليّن الذي انتصر بصبره وثباته في جهاده على هذه الصخرة العاتية المتكبرة فجعلها فارغة جوفاء، ولا تزال على عتوها وكِبرها ... سنّةَ الله في المتكبرين، لا يكونون إلاّ فارغين! تلك التي يدْعونها في بيروت «صخرة الانتحار» لأن المجانين، أعداء أنفسهم وأوطانهم، يلقون بأنفسهم منها يثبون إلى ... إلى جهنم! وكانت الشمس مائلة إلى المغيب، تمنح البحر آخر هباتها فيبدو براقاً لامعاً قد لبس حلّةً من النور، فأكبرت هذه المخلوقات: الشمس والبحر والصخر، ووقفت صاغراً حيال عظمة الطبيعة وجلال الطابع ﷻ ، ثم غلب عليّ هذا النشاط الذي أُحسّ وبلغ دماغي فملأه ادعاء
стр. 206
وكبراً وغروراً، والمرء في فكره وعواطفه خاضع أبداً لحالة جسمه ودرجة صحته، فرأيت هذا الصخرَ إلى زوال قد عبث به الماء، والماءَ إلى ذهاب قد بخرته الشمس، والشمسَ إلى غياب قد ابتلعها البحر، ورأيتني وحدي الذي يبقى، أنا الذي فتَّتَ الصخر وأنا الذي أذلّ البحر وأنا الذي اتخذ الكون كله معمل تجارب لعقله وسخَّره لمنفعته، وأنا الذي يحوي في صدره عالَماً أكبر من هذا العالم ونوراً أبهى من هذه الشمس، وعواطف أعمق من هذا البحر وأرقَّ من هذا الماء وأشد من هذا الصخر ...
وذهبت إلى المدرسة وأنا أقول «أنا»، والعياذ بالله من «أنا» فإنها كلمة إبليس ... ذهبت ماشياً فأكلت من فوري أكل من لبث في البحر ساعتين، ومشى ساعة كاملة، من الروشة إلى الحرج، وكانت سكرة النشاط ونشوة «أنا» لا تزال ضاربة في رأسي، فذهبت مع الطلاب أمشي وأعدو وأثِبُ وأفعل كل ما لا يفعل عاقل، ولم أعد إلى المدرسة إلاّ غارقاً في العرق فشربت قازوزتين (١) مثلّجتين من «القازوز» وصارعت ... واغتسلت بالماء البارد، ونمت فأصبحت مريضاً!
* * *
يا لهذا المغرور الأحمق الذي أصاب ذرة من العلم، وعبث بالكون عبث الوليد يرفع ويضع، فلم يعد يرضيه إلاّ أن يدّعي الألوهية أو «يؤلِّه» هذا العلم ... يا لهذه القوة الكاذبة وهذه السطوة الفارغة، هذا القويّ الجبار الذي فتت الصخر وأذلّ البحر، يذلّه
стр. 207
مخلوقٌ من أصغر مخلوقات الله لا تراه لهوانه العين، يعيش الملايين منه في قطرة ماء، مخلوق واحد من أضعف المخلوقات يلقي الإنسان محطوماً، ويطيِّر هذه الأفكار كلها من رأسه حتى يعود ذليلاً خانعاً ... فكيف -ويحك- لو أصابك الله بعذاب من عنده؟ يا للأحمق المغرور!
* * *
أصبحت فإذا أنا قد نسيت أفكار الأمس ونسيت الأمس كله، وأحسست بالبعد عن الدنيا التي آلفها وأحبها. ولقد انقطعنا مرة في قلب جزيرة العرب، وتهنا في رمالها الموحشة سبعة عشر يوماً نسير وراء حدود العالم مع الوحش والآكام والشمس والعطش والموت، فما أحسست بأني بعيد عن الدنيا ولا بلغ بي ذلك كله ما بلغ بي هذا المرض القصير ... لقد أصبحت بلا ماض ولا مستقبل ولا حاضر إلاّ هذا الحاضر الضيق الأليم الذي يستقر في بطني حيث «الزائدة» الملتهبة، وفي خاصرتي حيث الرمل في الكلية. اصطلحت عليّ العلل واجتمعت المتناقضات، فالالتهاب لا يطفئه إلاّ كيس الثلج، ونوبة الرمل لا يصلحها إلاّ الماء الحار، فإن داويت هذه زدت تلك، وإن عالجت تلك انتقضت هذه!
* * *
أنساني المرض كل شيء، حتى ما أذكر أني كنت يوماً من الأيام أمشي وآكل وأشرب وأقرأ وأكتب وأمارس أنواعاً من الرياضة، ولا أذكر أني كنت أستطيع التفكير في آلاف المسائل وأعالج المئات من الأمور، وماتت الدنيا في عيني وأصبح
стр. 208
هذا الألم دنياي كلها، فأنا أطلق الفكر من عنانه فلا يخرج عنه ولا يجول إلاّ فيه، يتخيل أبشع أنواع المرض وأفظع ألوان الخطر، ثم ينطلق الفكر إلى العملية التي أكّدَ الأطباء أنه لا بد منها، فلا يكاد يشرع في تصورها حتى تسودّ الحياة في عيني وأراها كلها ألماً وشراً، وأتمنى أن لو كان أبي على مذهب المعرّي أو لو أن أمي لم تلدني ... ويوسوس لي الشيطان أن ما حق أبيك في أن يقضي عليك فيجيء بك؟ أليست حياتك متعلقة بك وحدك؟ فهل استشارك فيها، أو هو قد ضحى بك وبحريتك وسعادتك في سبيل لذته، أو هو لم يفكر فيك أبداً ولم تخطر له على بال؟ ... فأرى الشيطان يريد أن يزيدني على مرض جسمي مرض ديني، فألعن الشيطان وما جاء به، وإن مما يجيء به الشيطان لمَا يسمونه فناً وابتكاراً وتجديداً، ولكنه يبقى أبداً فناً شيطانياً ...
أدعُ هذا وأعود بفكري إلى سرير العمليات الذي حملني إليه المدير مرة ووكل بي الممرضات، وأقام عليّ طالبين يحرسانني وذهب إلى الطبيب يحضره، فوثبت أحمل أوجاعي وأناضل دون حريتي حتى بلغت الشارع حافياً، وركبت إلى الكلية أول سيارة رأيتها وأنجاني الله من العملية والأطباء (١)! والأطباء (والرجاء عدم المؤاخذة) قوم برئوا من العاطفة وانبتّوا من الشفقة، يشقّون بطون الناس -نسأل الله السلامة- ويخرجون أمعاءهم فيضعونها في طبق ... ويكسرون جماجم البشر ويعبثون في أدمغتهم، ويفعلون ما لو فعله غيرهم للحقه الشُّرَط واصطفّ له القضاة وفُتحت له
стр. 209
أبواب السجون وأعِدّت له حبال المشانق! ثم يتصدرون المجالس يفتخرون بأنهم أصدقاء الإنسانية ... أفأعطيهم بطني ليشقوه ويردّوني مريضاً بعد إذ أنا معافى وأتعجل الداء بنفسي؟ أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين!
* * *
لم يكن يفزعني شيء وأنا مريض مثل ما يفزعني الليل بسواده وامتداده؛ كنت أخافه أشد الخوف وأحسب لمجيئه الدقائق والثواني، وأرقبه كما يرقب المحكوم ساعة القتل، ذلك أني لم أكن أستطيع النوم ولا أطيق الجلوس، وإنما أستطيع أمراً واحداً هو الاضطجاع على قفاي أحدّق في السقف ليلاً ونهاراً ... ولطالما رأيت في السقف بقعة سوداء فخُيّل إليّ -لطول التحديق فيها- أنها حية تريد أن تنقضّ عليّ أو رُتَيْلاء كبيرة ذات تسع وتسعين رجلاً وعشرة رؤوس، أو مجموعة من العقارب أو عفريت من الجن أو جني من العفاريت، فأصيح فزعاً وأنطلق أهذي هذيان محموم حرارته أربعون!
إني لأضحك الآن وأكركر من الضحك حين يعيدون عليّ ما كانوا يسمعون مني إذ أهذي، وأرى فيه صورة واضحة لكثير مما أقرأ في الصحف والمجلات ينشره أصحابه على أنه أدب ويقرؤه الناس على أنه ثرثرة وهذيان محموم!
وكان أحبَّ شيء إليّ وأنا مريض أن يَكثر الناس من حولي، ثم يتحدثوا شتى الأحاديث لأخلص من وحدتي وأتسلى عن ألمي وأذكر جانباً مما في الحياة ... ولكني كنت أسمع أصواتهم كأنها خارجة من جوف بئر سحيق أو أعماق مغارة بعيدة، وأراهم من
стр. 210
خلال ضباب كثيف فلا أتبين صورهم ولا أصواتهم، وسرعان ما أملّ منهم وأطلب جديداً. كانت أيامي متشابهة متشاكلة فكنت أحب أن أجد كل لحظة شيئاً جديداً.
ضعفت قواي وضاعت إرادتي ولم يبقَ لي طاقة على المشي ولا قدرة على المحاكمة العقلية، ولم يبق حياً فيّ إلا لساني ... أكُلّ ذلك لأن جرثومة صغيرة دخلت جسمي؟! يا لضعف هذا الإنسان القويّ!
* * *
تألمت في هذا المرض لكني تعلمت؛ تعلمت في الحياة درساً جديداً (وما الحياة إلاّ دروس ...) هو أن المرض نعمة ليس بنقمة، وأنه لازم للإنسان لا يدرك قيمة الصحة ولا يعرف معنى الحياة ولا يرجع إلى نفسه إلاّ إذا مرض، هنالك يدرك معاني هذه الأشياء التي يمرّ بها وهو صحيحٌ مرّاً سريعاً لأنه مشغول عنها بما لا نهاية له من الصغائر والترّهات. وإن للمريض -قبل لذّة الصحة- لذتين؛ لذة هذا العطف الذي يُحاط به والحب الذي يغمره ... ولن أنسى أبداً عطف مدير الكلية وناظرها عليّ وحبَّ الطلاب إياي، وإني لأسيغ ذكرى الألم إذا تصوّرت هذين الطالبين اللذين كانا يقيمان الليل كله بجانبي، إذا قلت «آه» أو انقلبت من جنب إلى جنب كانا واقفَين أمامي، آثراني على أهلهما وفضّلا راحتي على راحتهما، أما عطف إخوتي وأهلي فلست أذكره.
ولذة أخرى، وهي اللذة الكبرى التي يجدها ساعة يلجأ إلى الله ويدعوه مخلصاً مضطراً. وكنت إذا وُصف لي مريض به مثل ما
стр. 211
بي اليوم يُدار بي من الرثاء له والخوف مما هو فيه، فلما غدوت مريضاً لم أجزع ولم أخف، وكانت تمرّ بي لحظات أضيق فيها بهذا القيد إلى السرير وهذا الألم، ويبلغ بي الضيق في الليل أقصاه، ولكنها كانت تمر بي لحظات كنت أرضى فيها كل الرضا، وأفيء فيها إلى ربي، وأرى ما أنا فيه امتحاناً لصبري ونعمة من الله تزيد في أجري، فأطمئنّ ويبلغ بي الأمر إلى أكثر من الاطمئنان ... إلى نوع من اللذة الخالصة لا أشعر بمثلها في الصحة، وإلى لون من النشاط القلبي لا أعرفه قط وأنا معافى. وأحسب أن لو أُصبت بأشد الأمراض وأقواها وأنا أقدر على هذا الرضا وأحس هذا الاطمئنان لما وجدت فيه إلاّ لذة!
هذا ما كنت أجده لا أبالغ ولا أتخيل، فأرجو أن يصدّقني القراء. وهذه نعمة من نِعَم الله الخفية على الإنسان ومظهرٌ من مظاهر القوة الهائلة التي أعطاه، فلا يحكم الإنسان على المريض أو البائس بظاهره فيشكّ في عدل الله ورحمته، ولكنْ ليدخل إلى الداخل، لعلّ وراء الجدار الخَرِب قصراً عامراً، ولعل خلف الباب الضخم كوخاً خَرِباً، ولعل في هذه الثياب الرثة وهذا الجسم الممزَّق البالي نفساً مشرقة سعيدة وإنساناً كاملاً.
عرفت من المرض أن المساواة التامة هي سنة الله في الحياة. انظروا المرض: هل يعرف غنياً أو فقيراً؟ هل يمتنع منه الملك الجبار رب القصر والحراس؟ وهل تمنع أبوابه وجنده هذا المخلوق التافه الصغير من الدخول؟ سدّ الأبواب وأغلق النوافذ وأقم الجند بالسلاح وعِشْ في صندوق مغلق ... إنه يدخل مع
стр. 212
الهواء الذي تنشقه والماء الذي تشربه والطعام الذي تأكله، ويحتل جسمك ويعيش في عينك وفمك ويسبح في دمك!
ترفّعْ عن المساكين وتكبّرْ على الفقراء يُرجِعْك المرضُ إلى صفوف المساكين والفقراء، فتَالَم كما يَالَمون، وتصيح مثل ما يصيحون. وكل ما في الحياة يسوّي بينك وبينهم. هل تنشق -أيها الغني- من الهواء هواء معطَّراً وينشقه الفقير بغير عطر، أم أن الهواء (وهو قوام الحياة) لك وله، قد سُوّي فيه بينك وبينه؟ هل تشرب ماء العيون معسولة مذاباً فيها السكر ويأخذها الفقير ملحاً أجاجاً؟ إن الهواء والماء والشمس والقمر والصحة والمرض والولادة والموت ... كل أولئك سطور خطَّ فيها اللهُ على صفحة الحياة أن الناس متساوون. هل سمعتم أن ابن الملك يولد -إذ يولد- مرتدياً الحرير، يمشي على رجليه إلى سريره ويلقي بنفسه خطبة ميلاده ويشرف من شبّاكه على شعبه، وابن السوقي يولد أخرس عارياً؟ افتحوا القبر المجصَّص الفخم وارفعوا ما فوقه من نصب وتماثيل وكتابات ونقوش، هل تجدون فيه عظاماً تضوع بالمسك وتفوح بالندِّ لأنها كانت تلبس الحرير وترتدي الديباج؟
هذا ما تعلمته من المرض!
وبعد، فلقد أطلت الكلام وآن أوان الطعام، ولا بد من قطع هذا الحديث! وأنا أحمد الله على الصحة والمرض، وأحمده على كل حال.
* * *
стр. 213
من التّعليم إلى القضاء
نشرت سنة ١٩٤١
يسألني كثير من الإخوان: كيف وجدت القضاء؟ إني وجدت القضاء راحةَ جسم وتعبَ بال، وعلوَّ منزلة وقلةَ مال، واكتسابَ علم وازديادَ أعداء، وحملاً كبيراً نسأل الله السلامة من سوء عاقبته.
أما أنه «راحة جسم» فذلك أني كنت في التعليم أتكلم ولا أسمع، فصرت الآن أسمع أكثر مما أتكلم. وكنت لا أقدر على السكوت لأني إن سكتّ تكلم العفاريت (أعني التلاميذ)، حتى إنه ربما أصابني أحياناً أذى في حلقي فجعلني أغصّ بالماء الزلال وأشرق بالريق وأجد للكلمة الواحدة أنطق بها مثل حزّة السكين، ثم لا أستطيع الصمت دقيقة لئلا يفلت من يدي طرف السّلكة فينفرط العقد ويبطل النظام. وكنت أدخل الصف (الفصل) وأخرج منه خمس مرات أو ستاً في اليوم ولا أقعد على كرسي، لئلا يرى الشيطان مني غفلة فيعطس في مناخر التلاميذ فيحدثوا في الفصل حدثاً، ويا ما أكثر أحداثهم! وأيسرُها ضجة كضجة حمّام انقطع ماؤه (كما يقول الشاميون في أمثالهم العامية). ثم إذا خرجت من الصف لأستريح راحة ما بين الدرسين (الحصتين)
стр. 214
لحقني طائفة من الطلاب يسألونني، فأقف لهم حتى ينفخ إسرافيل المدرسة في صُوره فيحشر الطلاب والمدرسون إلى نار العمل. فأصل آخر النهار بأوله وأنا قائم على أمشاط رجليّ ولساني لا يكف عن الدوران في فمي ... فغدوت الآن ولا عمل لي إلاّ القعود على كرسي القضاء، أقول الكلمة بعد الكلمة وأسمع سيلاً من الكلام مما له موضع أو ليس له مكان، وإلا كتابة القرارات (أي السجلات في عرف الفقهاء)، وقد كفاني الكاتب «أَحْمَدَ» الله فَعالَه كل ما سوى ذلك من الأعمال. وما ينغص عليّ هذه الراحة إلاّ خشية ثقل اللسان من كثرة الصمت فلا ينطلق -بعدُ- كما كان ينطلق، وإن كان ذلك نعمة تُرجى، وإن كان لساني هو مصدر أذاي ومن الخير لي أن يثقل أو يكِلّ!
أما «تعب البال» فلأني أحمل على عاتقي حقوق الناس وأحكم في الأعراض، وهي (لعمر أهل المروءة) أثمن من المال وأغلى، فإذا قمت أو قعدت لم أزل مفكراً في هذه القضية وتلك الدعوى، لا لصعوبة فيها أو تعقيد، فطريق القانون واضح لمن كان أكبر همه ظاهر القانون وكان دينُه عبادةَ حروفه، بل لأنفُذ من خلال الفكر إلى مقصِد القوانين، وهو إقامة العدل. فأنا أفكر لأعرف المحق من المبطل، وأنضو عن المتقاضيَين ثياب التصنّع والرياء لتبدو حقائقهم عارية، وما ذلك بالأمر اليسير ولا المطلب الهيِّن. وإذا كنت قد وصلت مرة بالفراسة في لحظة خاطفة إلى ما لا يوصل إليه بمرافعة شهود فذلك من فضل الله، بيد أنه لا يدوم، ولا بد من الرجوع إلى الحكم بالشهادات التي قد يعلم القاضي أنها شهادات الزور وأن الشهود فُسّاق لا عدالة لهم ولا تُقبل من
стр. 215
مثلهم شهادة (١) وكانت القرائن تقطع بكذبها. والقرائن والأمارات من أسباب الحكم (كما بيّن ذلك ابن قيم المدرسة الجوزية في كتابه الجليل «الطرق الحكمية»)، ولكن لا سبيل لنا إلى الأخذ بها إلاّ أن تنظر وزارة العدل في دمشق في الاقتراح الذي رفعتُه إليها في هذا الموضوع وتتخذه أساساً لإصلاح شامل يخلّص الناس من شهود الزور، الذين صارت لهم جماعات ومراتب وأجور مسعَّرة ودخل فيهم من يعتقد الناظر إليه أنه من الأولياء ويجده مباحثه من العلماء! وهذا شر استطار شرره وعمّ الأنام خبره وشملهم ضرره، فكيف يهدأ بال من يغلب على ظنه أو هو يعلم فساد البيّنة ثم يضطر إلى الحكم بها؟
هذا وقد نجاني الله -بما رُكّب في طبعي من الحدة في الخلق والشدة في الحق- من منغصات القضاء؛ من الوساطات والالتماسات والهدايا والرشوات والولائم والدعوات ... وسلمني من ذلك كله أني لا أعرف في الحق لطفاً ولا مجاملة ولا خجلاً ولا فرقاً، وأرجو دوام ذلك.
أما «علو المنزلة» فلأن لاسم القاضي -دون الحاكم المدني وإن علت رتبته وزادت وظيفته- له في الأسماع رنة إكبار وفي القلوب صورة إعظام، وله هيبة وله جلال، خلع ذلك المجدَ عليه أولئك الأبطالُ نجوم فلك العدل ودَرَاريه الهاديات، أفذاذ الدهر وأبكار الزمان الذين يحق لنا أن نفاخر بهم أمم الإنس