← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الأحاديث، فيما يتعلق بسيرة النبي ﷺ ، وأوصافه، وأسمائه، وذكر ما يتعلق بالجهاد! وصحيح الإِمام البخاري (١) المتوفى (٢٥٦ هـ) فيه بعض ما يتعلق بحياة النبي ﷺ قبل البعثة وبعدها، كما ذكر كتاب (المغازي) وما يتعلق بخصائصه ﷺ وفضائله، وفضائل الصحابة ﵃ ومناقبهم، وذلك كله لا يقل عن عشر الكتاب! وصحيح الإِمام مسلم (٢) المتوفى (٢٦١ هـ) اشتمل على جزء كبير من سيرة النبي ﷺ وفضائله، وفضائل أصحابه، والجهاد والسير! ومسند الإِمام أحمد المتوفى (٢٤١ هـ) اشتمل على أحاديث كثيرة في ذلك، وقد جمع الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا ﵀ الشهير

стр. 107

بالساعاتي، في كتابه (الفتح الرباني لترتيب مسند الإِمام أحمد بن حنبل الشيباني ومعه بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني) ما يتعلق بالجهاد، والسير، والمناقب، في أجزاء كبيرة (١)! وأبو د اود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم .. لم تخل كتبهم من الجهاد، وطرف مما يتعلق بالسيرة .. وهكذا! ثالثاً: كتب المغازي والسير: وقد ألفت كتب خاصة في المغازي والسير، على سبيل الاستقلال في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، وأول من عرف بالمغازي والسير جماعة .. منهم: ١ - عروة بن الزبير بن العوام: أبوه الزبير حواري رسول الله ﷺ ، وأمه أسماء بنت الصديق التي شهدت الكثير من أحداث السيرة، وكان لها عمل مشهور مذكور في الهجرة، وكان عروة كثير الحديث، وقد خرّج له أصحاب الصحاح وغيرهم، ويعدّ أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، وقد جمع الدكتور محمد مصطفى الأعظمي مرويّات عروة بن الزبير من رواية أبي الأسود عن عروة فقط، ونشرت من قبَل مكتب التربية العربي لدول الخليج (٢)، توفي (٩٢ هـ) وقيل (٩٣ هـ) وقيلَ (٩٥ هـ)!

стр. 108

٢ - أبان بن عثمان بن عفان: ابن الخليفة الثالث ﵁ كان والياً على المدينة لعبد الملك ابن مروان سبع سنين، وعُرف بالحديث والفقه، والظاهر أن سيرته التي جُمعت لم تكن إلا صحفاً فيها أحاديث عن حياة رسول الله ﷺ وأيامه ومغازيه! ونقل ابن سعد عن المغيرة بن عبد الرحمن أنه خرج إلى الشام غير مرة غازياً، وكان في جيش مسلمة الذي احتبس بأرض الروم، حتى أقفلهم عمر ابن عبد العزيز وذهبت عينه، ثم رجع إلى المدينة فمات بها، وأوصى أن يُدفن بـ (أُحد) مع الشهداء فلم يفعل أهله، ودُفن بـ (البقيع)، وقد رُوي عنه، وكان ثقة قليل الحديث، إلا مغازي رسول الله ﷺ ، أخذها من أبان بن عثمان، فكان كثيراً ما تقرأ عليه، ويأمرنا بتعليمها (١)، وتذكر رواية أخرى أنه كتاب كبير، يبرز فضائل الأنصار (٢)، توفي (١٠٥ هـ)! ٣ - ابن شهاب الزهري: محمد بن مسلم بن عبيد الله شهاب (الزهري) عالم الحجاز والشام، أجمع العلماء على جلالته، أخرج له أصحاب الصحاح، والسنن، والمسانيد، وهو من أوائل من دوّنوا الحديث بأمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز المتوفى (١٠١ هـ) بل قيل: إنه أول من دوّن الحديث مطلقاً، وقيل: إنه أول من دوّن في

стр. 109

السيرة، وسيرته أول سيرة ألفت في الإسلام (١)، وهي من أوثق السير وأصحها (٢)، ويعتمد عليه ابن إسحاق كثيراً في السيرة، توفي (١٢٤ هـ) وقيل (١٢٥ هـ)! ثم جاء بعد هؤلاء طبقة أخرى .. من مشاهيرهم: ٤ - عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري: كان جده قتادة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد روى عمر المغازي والأخبار عن أبيه، ورواها عن عمر ابنه عاصم، قال فيه ابن سعد: كان راوية للعلم، وله علم بالمغازي والسير، أمره عمر بن عبد العزيز أن يجلس في مسجد دمشق، ويحدّث الناس بالمغازي، ومناقب الصحابة، ففعل (٣)، وكان من المصادر المهمة التي اعتمد عليها ابن إسحاق، والواقدي، توفي (١٢٠ هـ)، وقيل (١٢٩ هـ)! ٥ - عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري: جده الأعلى عمرو صحابي، بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، ليفقّههم في الدّين، ويعلّمهم القرآن والسنة، وجده محمد، قيل: له رؤية، مات يوم الحرّة، وأبوه أبو بكر كان قاضي المدينة، وواليها، وهو أول من دوّن الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز أو من أوائلهم، فقد نشأ إذن في بيت علم ورواية, وقد نقلت

стр. 110

عن عبد الله أخبار كثيرة، ذكرها ابن إسحاق، والواقدي، وابن سعد، والطبري (١)، توفي (١٣٥ هـ)! ثم جاء بعد هذه الطبقة طبقة أخرى عاشت في العصر العباسي الأول .. من أشهرهم: ٦ - موسى بن عقبة: مولى الزبيريّين، والظاهر أنه استفاد من هذه الصلة، قال فيه الإِمام مالك: عليكم بمغازي ابن عقبة، فهي أصح المغازي! وقال الذهبي: وأما مغازي موسى بن عقبة فهي في مجلد ليس بالكبير، سمعناها وغالبها صحيح ومرسل جيد، ولكنها مختصرة تحتاج إلى زيادة بيان وتتمة (٢)! وكانت سيرته التي كتبها مختصرة موجزة، وصل إلينا منها بعض مقتطفات، ينقل عنه ابن سعد، والطبري بعض أخبار السيرة (٣)، وكانت وفاته (١٤١ هـ)! ٧ - محمد بن إسحاق: من أصل فارسي، كان جده يسار من سبي (عين التمر) سباه خالد ابن الوليد وكان ولاؤه لقيس بن مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف، فلذلك قيل

стр. 111

له: المطلبي، ولد نحو سنة خمس وثمانين، لقي كثيراً من علماء المدينة وأخذ عنهم! قال عليّ بن المديني: مدار حديث رسول الله ﷺ على ستة (١)، فذكرهم، ثم قال: فصار علم الستة عند اثني عشر، أحدهم محمد بن إسحاق! وقال أيضاً: سمعت سفيان يقول: قال ابن شهاب: وسئل عن مغازيه، فقال: هذا أعلم الناس بها، يعني ابن إسحاق! وقال حرملة بن يحيى عن الشافعي: من أراد أن يتبحّر في المغازي فهو عيالٌ على محمد بن إسحاق! وقال أبو أحمد بن عدي: ولمحمد بن إسحاق حديث كثير، وقد روى عنه أئمة الناس: شعبة، والثوري، وابن عيينة، وحماد بن سلمة، وغيرهم! وقد روى المغازي عنه إبراهيم بن سعد، وسلمة بن الفضل، ومحمد ابن سلمة، ويحيى بن سعيد الأموي، وسعيد بن بزيع، وجرير بن حازم، وزياد البكائي، وغيرهم! وقد روى عنه (المبتدأ والمبعث)، ولو لم يكن لابن إسحاق من الفضل إلا صرف الملوك عن الاشتغال بكتب لا يحصل منها شيء إلا الاشتغال بمغازي رسول الله ﷺ ومبعثه ومبدأ الخلق، لكانت هذه فضيلة سبق إليها ابن إسحاق! ثم من بعده صنفها قوم آخرون، فلم يبلغوا مبلغ ابن إسحاق منها!

стр. 112

وقد فتشت أحاديثه الكثيرة فلم أجد في أحاديثه ما يتهيّأ أن يقطع عليه بالضعف، وربما أخطأ، أو يهم في الشيء بعد الشيء، كما يخطئ غيره، ولم يتخلف في الرواية عنه الثقات والأئمة، وهو لا بأس به! قال الذهبي (١): وقد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحد من العلماء، لأشياء، منها: تشيّعه، ونسب إلى القدر، ويدلس في حديثه، فأما الصدق فليس بمدفوع عنه! وقال البخاري: لو صح عن مالك تناوله من ابن إسحاق، فلربما تكلم الإنسان فيرمي صاحبه بشيء واحد، ولا يتهمه في الأمور كلها، قال: وقال إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح: نهاني مالك عن شيخين من قريش، وقد أكثر عنهما في الموطأ، وهما ممن يحتج بهما, ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم، نحو ما يذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبي، وكلام الشعبي في عكرمة، وفيمن كان قبلهم، وتناول بعضهم في العرض والنفس، ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة، ولم تسقط عدالتهم إلا ببرهان ثابت وحجة، والكلام في هذا كثير! وقال الذهبي: لسنا ندّعي في أئمة الجرح والتعديل العصمة من الغلط النادر، ولا من الكلام بنفس حاد فيمن بينهم وبينه شحناء وإحنة، وقد علم أن كثيراً من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر لا عبرة به (٢)، ولا سيما إذا وثّق الرجل جماعة يلوح على قولهم الإنصاف، وهذان الرجلان كل منهما قد نال من صاحبه، لكن أثر كلام مالك في محمد بعض اللين، ولم يؤثّر كلام محمد

стр. 113

فيه ولا ذرة، وارتفع نجم مالك وصار كالنجم، والآخر فله ارتفاع بحسبه، ولا سيما في السير، وأما أحاديث الأحكام فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة، إلى رتبة الحسن، إلا فيما شذّ فيه، فإنه يعدّ منكراً، هذا الذي عندي في حاله! وقال (١): والذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال، صدوق، وما تفرد ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئاً، وقد احتج به الأئمة! وقال (٢): كان أحد أوعية العلم، حَبْراً في معرفة المغازي والسير، وليس بذلك المتقين، فانحط حديثه عن رتبة الصحة، وهو صدوق في نفسه مرضي! وقال العراقي (٣): المشهور قبول حديث ابن إسحاق، إلا أنه مدلّس، فإذا صرّح بالتحديث كان حديثه مقبولاً! وقال ابن حجر (٤): ما يتفرد به وإن لم يبلغ درجة الصحيح فهو في درجة الحسن إذا صرّح بالتحديث .. وإنما يصحح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن، ويجعل كل ما يصلح للحجة صحيحاً، وهذه طريقة ابن حبان ومن ذكر معه! توفي ببغداد (١٥٠ هـ)، وقيل (١٥١ هـ)، وقيل (١٥٢ هـ)! ٨ - محمد بن عمر الواقدي: كان الثاني بعد ابن إسحاق في العلم بالمغازي والسير والتواريخ، قال فيه

стр. 114

الذهبي: جمع فأوعى، وخلط الغث بالسمين، والخرز بالدر الثمن، فاطرحوه لذلك، ومع هذا لا يستغنى عنه في المغازي، وأيام الصحابة وأخبارهم! وقال: وقد تقرر أن الواقدي ضعيف، يحتاج إليه في الغزوات والتاريخ, ونورد آثاره من غير احتجاج، أما في الفرائض فلا ينبغي أن يذكر! وقال: وزنه عندي أنه مع ضعفه، يكتب حديثه ويروى؛ لأني لا أتهمه بالوضع، وقول من أهدره فيه مجازفة من بعض الوجوه، كما أنه لا عبرة بتوثيق من وثقه، كيزيد، وأبي عبيد، والصاغاني، والحربي، ومعن، وتمام عشرة محدثين، إذ قد انعقد الإجماع اليوم على أنه ليس بحجة، وأن حديثه في عداد الواهي (١)! وقال البخاري: الواقدي مدني، سكن بغداد، متروك الحديث، تركه أحمد، وابن معين، وابن نمير، وإسماعيل بن زكريا، وقال في موضع آخر: كذبه أحمد، وقال معاوية بن صالح، قال لي أحمد بن حنبل: الواقدي كذاب (٢)! وقال ابن حجر: الواقدي إذا لم يخالف الأخبار الصحيحة ولا غيره من أهل المغازي فهو مقبول عند أصحابنا (٣)! وكانت كتبه عمدة للمؤرخين من بعده (٤)، ونقلوا منها واقتبسوا، وللواقدي كتاب (التاريخ الكبير) مرتب على السنين، اقتبس منه الطبري في

стр. 115

تاريخه كثيراً، وكتاب (الطبقات) ذكر فيه الصحابة والتابعين حسب طبقاتهم، ويظن أن كاتبه ابن سعد قد تأثر به في (طبقاته)، ولم يبق لما من كتبه إلا كتاب (المغازي)! توفي (٢٠٧ هـ)، وقيل (٢٥٩ هـ)! ثم جاء بعد ذلك طبقة أخرى .. من مشاهيرهم: ٩ - عبد الملك بن هشام: العلامة النحوي الأخباري (١)، أبو محمد، الذهلي السدوسي، وقيل: الحميري المعافري، البصري، نزيل مصر! وله كتاب في (أنساب حمير وملوكها)، وكتاب في (شرح ما وقع في أشعار السيرة من الغريب)، والكتاب الذي اشتهر به (السيرة النبويّة)، وهو مختصر لسيرة ابن إسحاق، مع بعض الزيادات، أو التعقيبات والتصحيحات، ولئن كانت سيرة ابن إسحاق لم تصلنا بعينها، فقد وصلتنا مهذبة على يد ابن هشام! وقد تلقاها عن زياد بن عبد الله البكائي شيخ ابن هشام (٢)، عن ابن إسحاق، وقد بيّن ابن هشام في مقدمة السيرة النبويّة منهجه حيال سيرة ابن إِسحاق فقال: (وأنا -إِن شاء الله- مبتدئ هذا الكتاب بذكر إِسماعيل بن إِبراهيم، ومَن وَلَد رسول الله ﷺ من ولده، وأولادهم لأصلابهم: الأول فالأول، من إِسماعيل إِلى رسول الله ﷺ ، وما يعرض من حديثهم،

стр. 116

- ﵁ وتاركٌ ذكر غيرهم من ولد إِسماعيل، على هذه الجهة للاختصار، إِلى حديث رسول الله ﷺ ، وتاركٌ بعض ما ذكره ابن إِسحاق في هذا الكتاب، مما ليس لرسول الله ﷺ فيه ذكر، ولا نزل فيه من القرآن شيء، وليس سبباً لشيء من هذا الكتاب، ولا تفسيراً له، ولا شاهداً عليه، لما ذكرت من الاختصار، وأشعاراً ذكرها لم أر أحداً من العلم بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض الناس ذكره، وبعض لم يقر لنا البكائي بروايته، ومستقص -إِن شاء الله- ما سوى ذلك منه مبلغ الرواية له، والعلم به)! (١) وقال الذهبي: هذب السيرة النبويّة، وسمعها من زياد البكائي، صاحب ابن إسحاق، وخفّف من أشعارها، وروى فيها مواضع من عبد الوارث ابن سعيد وأبي عبيدة، ورواها عنه محمد بن حسن القطان، وعبد الرحيم بن عبد الله بن البرقي، وأخوه أحمد بن البرقي (٢)! وقد قام الحافظ ابن حجر بتخريج الأحاديث المنقطعة في سيرة ابن هشام في مصنف مستقل، وللأسف فقد هذا المصنف (٣)! وكانت وفاته (٢١٨ هـ)! وقد شرح هذه السيرة شرحاً يدل على تبحّر في العلم، وتضلّع في علم اللغة والأدب والأخبار، الإِمام أبو القاسم السهيلي المتوفى (٥٨١ هـ) في كتابه القيّم (الروض الأنف) قال في مقدمته:

стр. 117

وبعد: فإني قد انتحيت في هذا الإملاء بعد طول استخارة ذي الطول والاستعانة بمن له القدرة والحول، إلى إيضاح ما وقع في سيرة رسول الله ﷺ ، التي سبق إلى تأليفها أبو بكر محمد بن إسحاق المطلبي، ولخصها عبد الملك بن هشام المعافري، المصري، النسابة النحوي، مما بلغني علمه، ويسر لي فهمه، من لفظ غريب، أو إعراب غامض، أو كلام مستغلق، أو نسب عويص، أو موضع فقه ينبغي التنبيه عليه، أو خبر ناقص يوجد السبيل إلى تتمته، مع الاعتراف بكلول الحد، عن مبلغ ذلك الحد، فليس الغرض المعتمد أن أستولي على ذلك الأمد، ولكن لا ينبغي أن يُدَعَّ الجحش من بذِّه الأعيار (١)، ومن سافرت في العلم همته فلا يلق عصا النسيان، وقد قال الأول: افعل الخير ما استطعت وإِن ... كان قليلاً فلن تحيط بكله ومتى تبلغ الكثير من الفضل ... إِذا كنت تاركاً لأقله (٢) ١٠ - محمد بن سعد: أبو عبد الله البصري، مولى بني هاشم، نزيل بغداد، وهو كاتب الواقدي (٣)، وأجل كتبه (الطبقات الكبرى) في ثمانية أجزاء (٤)!

стр. 118

وقد خصص الجزء الأول: للسيرة النبويّة الشريفة! والثاني: لغزوات النبي ﷺ ، وذكر مرضه ووفاته، ثم ذكر من كان يفتي بالمدينة، ومن جمع القرآن من أصحاب رسول الله ﷺ على عهده وبعده، وذكر من كان يفتي بالمدينة بعد أصحاب الرسول ﷺ من المهاجرين والأنصار! والثالث: لتراجم البدريّين من المهاجرين والأنصار! والرابع: لتراجم المهاجرين والأنصار ممن لم يشهدوا بدراً، ولهم إسلام قديم، وللصحابة الذين أسلموا قبل فتح مكة! والخامس: لذكر التابعين من أهل المدينة، والصحابة الذين نزلوا مكة والطائف، واليمن، واليمامة، والبحرين، ثم من كان بعد هؤلاء من الصحابة في تلك المدن من التابعين، فمن بعدهم! والسادس: للكوفيّين من الصحابة، ثم من كان في الكوفة بعدهم من التابعين، فمن بعدهم من أهل الفقه والعلم إلى زمنه! والسابع: لمن نزل أصقاعاً وبلاداً كثيرة من الصحابة، ومن بعدهم من التابعين وأتباعهم إلى زمنه، لكنه أكثر ذكر من نزل البصرة والشام ومصر، وأما باقي الدول فذكر عدداً قليلاً! والثامن: للنساء الصحابيّات! قال أبو بكر الخطيب: كان من أهل العلم والفضل، وصنف كتاباً كبيراً في طبقات الصحابة والتابعين والخالفين إلى وقته فأجاد فيه وأحسن! وقال: ومحمد بن سعد عندنا من أهل العدالة، وحديثه يدل على صدقه،

стр. 119

فإنه يتحرى في كثير من رواياته، ولعل مصعباً الزبيري ذكر ليحيى عنه حديثاً من المناكير التي يرويها الواقدي، فنسبه إلى الكذب (١)! وقال الذهبي: كان من أوعية العلم، ومن نظر في (الطبقات) خضع لعلمه (٢)! توفي (٢٣٠ هـ)! وإليك بعض أشهر الكتب المؤلفة: ١١ - جوامع السيرة لابن حزم الأندلسي الظاهري: وقد تخلى عن ذكر الأسانيد، ولم يشر إلى مصادره، لكنه صرح بالنقل عن خليفة بن خياط في ثلاثة مواضع، وعن تاريخ أبي حسان الزيادي في ثلاثة مواضع -أيضاً-، وعن الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر في موضع واحد، ورأى محققو كتابه أنه نقل عن (الدرر) كثيراً بتصرف (٣)! ورجح بين الروايات، وأثبت في كتابه ما اختاره، وحقق في تواريخ الأحداث، وغلبت عليه طريقة التخليص، فجرد السيرة من الأشعار والقصص (٤)! توفي (٤٥٦ هـ) (٥)!

стр. 120

١٢ - الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر: قال الحميدي: أبو عمر فقيه حافظ مكثر، عالم بالقراءة وبالخلاف، وبعلوم الحديث والرجال (١)! وقد اعتمد على سيرة ابن إسحاق، وسيرة موسى بن عقبة، وتاريخ ابن أبي خيثمة، إضافة إلى كتب الحديث، ولم يصرح بالنقل عن الواقدي إلا في موضع واحد، لكنه أشار إلى روايته لمغازيه، وقد صرح بمتابعة ابن إسحاق في البناء العام لكتابه، ولم يتقيد بذكر الإسناد كثيراً (٢)! توفي (٤٦٣ هـ)! ١٣ - عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير لابن سيد الناس: قال الحافظ ابن كثير (٣): الحافظ العلامة البارع فتح الدين بن أبي الفتح محمد بن الإِمام أبي عمرو محمد بن الإِمام الحافظ الخطيب، أبي بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن ييىح بن سيد الناس، الربعي، اليعمري، الأندلسي، الأشبيلي، ثم المصري، وقال: ساد أقرانه في علوم شتى من الحديث والفقه والنحو من العربيّة، وعلم السير والتواريخ وغير ذلك من الفنون، وقد جمع سيرة حسنة من مجلدين .. وكان شيخ الحديث بالظاهريّة بمصر، ولم يكن في مصر في مجموعه مثله في حفظ الأسانيد والمتون والعلل والفقه والملح والأشعار!

стр. 121

وذكر في مقدمة كتابه مصادره فقال: وعمدتنا فيما نورده من ذلك على محمد بن إسحاق، إذ هو العمدة في هذا الباب لنا ولغيرنا، غير أني قد أجد الخبر عنده مرسلاً، وعند غيره مسنداً، فأذكره من حيث هو مسند ترجيحاً لمحل الإسناد، وإن كانت في مرسل ابن إسحاق زيادة اتبعته بها, ولم أتتبع إسناد مراسيله، وإنما كتبت ذلك بحسب ما وقع لي، وكثيراً ما أنقل عن الواقدي، من طريق محمد بن سعد وغيره أخباراً، ولعل كثيراً منها لا يوجد عند غيره، فإلى محمد بن عمر انتهى علم ذلك أيضاً في زمانه (١)! توفي (٧٣٤ هـ)! ثم اختصره وسماه (العيون في تلخيص سيرة الأمين المأمون)، وقد شرحه برهان الدين إبراهيم بن محمد الحلبي، المتوفى (٨٤١ هـ) ونظمه الشمس محمد بن يونس الشافعي، المتوفى (٨٤٥ هـ) (٢)! ١٤ - زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيّم الجوزية: صاحب القلم الفيّاض، والعلم الواسع، استوعب في كتابه هذا -غالباً- هدي النبي ﷺ في شؤونه العامة والخاصة، وما لابسها من أمور يجدر بكل مسلم أن يقف عليها، ويتبيّن أمرها، وهو كتاب نفيس في الشمائل والآداب والفقه والمغازي، فهو مزيج من ذلك كله، وقد ظهر في طبعة محققة أعطت للكتاب مكانته اللائقة به (٣)! توفي (٧٥١ هـ)!

стр. 122

١٥ - الفصول في سيرة الرسول ﷺ لابن كثير: ويمتاز أسلوبه في هذا الكتاب بالبعد عن السجع والمحسنات البديعية (١)، إلا ما ورد في المقدمة، وبعض خواتيم الفصول! كما يمتاز بعاطفته الواضحة في حب الرسول ﷺ وأصحابه، ولم يعتمد على تجميع وحشد الروايات والأقوال، كما كان يفعل كثير ممن سبقه من كُتاب التاريخ والسير، وكما فعل هو في البداية والنهاية، كما سيأتي! ويمتاز -أيضاً- باشتماله على فصل الخصائص النبوية، وهو فصل يستحق أن يكون كتاباً مستقلاً! توفي (٧٧٤ هـ)! ١٦ - المواهب اللدنيّة بالمنح المحمديّة للقسطلاني الشافعي المصري: وهو كتاب جليل القدر، كبير النفع، لا نظير له في عالم الاستيفاء، وذكر الأقوال والآراء والحجج، اعتمد في ذلك على سيرة الحافظ ابن سيد الناس، وسيرة الشمس الشامي، وغيرهما! توفي (٩٢٣ هـ)! وقد شرح الكتاب كئيرون، ومن أجل الشروح شرح الإِمام الحافظ محمد ابن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المصري المالكي، المتوفى (١١٢٢ هـ) وهو شرح جليل تعرض فيه لنقد المرويات، وبيان صحيحها من ضعيفها، وبيان الراجح من الأقوال، وهو يدل على سعة علم الإِمام الزرقاني وتبحره (٢)!

стр. 123

تلك إشارات إلى أهم مصادر السيرة النبويّة المتداولة .. وهناك مصادر أخرى يضيق المقام عن ذكرها (١)! رابعاً: دلائل النبوة: ومع أن السيرة النبوّية معلومة للناس بجميع مراحلها، ومتجلّية لهم -كما أسلفنا- وأن التاريخ سجّل أن محمداً ﷺ رسول الله، وأنه قد اختير من قوم عرفوا بتملك زمام الفصاحة والبلاغة، والتصرّف في فنون القول وضروبه، حتى كان هدف العاقل منهم أن يكون شاعراً مفلقاً، أو خطيباً مصقعاً، وكانوا جميعاً يتفاخرون بالشعر والأدب، وأن آية خاتم النبيّين الكبرى هي القرآن الذي بلغ أقصى درجات البلاغة التي يعجز الخلق كل الخلق عن مجاراتها بحال من الأحوال، وأن معجزات الأنبياء السابقين في صورها العامة ملائمة لما اشتهر في زمان كل رسول، حتى إذا ما عجز الناس جميعهم عن الإتيان بمثلها، كان ذلك أكبر شاهد على صدق من ظهرت على يديه! وفي القرآن الكريم قصص لهذه المعجزات، ومن تتتع منهج القرآن وجد أنه اعتمد في الإقناع على المحاكمة العقليّة، والمشاهد المحسوسة لعظيم آلاء الله، والمعرفة التامّة بالرسول النبيّ ﷺ بما يجعل نزول القرآن عليه دليلاً على صدق دعوته: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت]!

стр. 124

إن مقالة هؤلاء عن الآيات يعنون بها الخوارق الماديّة التي صاحبت الرسالات من قبل، والتي لا تقوم حجة إلا على الجيل الذي شاهدها، بينما تقوم حجة الرسالة الخاتمة على كل من بلغته الدعوة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .. ومن ثم جاءت الآيات متلوة في الذكر الحكيم الذي لا تنفد عجائبه، والذي تتفتّح كنوزه لجميع الأجيال في جميع الأحوال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾ [العنكبوت]! ومع هذا أرادت قريش أن تتحدى الرسول ﷺ بأن يأتيهم بالخوارق الكونيّة: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾! فكان الرد عليهم: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ [الإسراء]! إن الأمر ليس مجرد خوارق كونيّة، فالتحدي قائم بالقرآن الكريم، ونقرأ قبل هذه الآيات: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء]! ونقرأ التعقيب على هذا في الآية التالية: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾ اً [الإسراء]! وفي هذه السورة نبصر التحدي الأكبر إنما هو بالقرآن الكريم، وأن الهدف

стр. 125

من الإيمان أن يعمل الناس صالحًا وفق ما أراده الله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء]! ونبصر منهج القرآن في بيان أن كثرة الخوارق لا تنشئ الإيمان في القلوب الجاحدة القاسية، والنفوس الميّتة الجاسية، ونحن نقرأ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾ [الإسراء]! ونبصر موقف أهل الإيمان عقب تلك الآيات مباشرة: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء]! وهكذا تصور الآيات مشهد الذين أوتوا العلم من قبله، وهم لا يتمالكون أنفسهم، وتنطلق ألسنتهم بما خالج مشاعرهم من إحساس عميق بالحق، ويغلبهم التأثر البالغ، فلا تكفي الكلمات في تصوير ما يجيش في صدورهم، فإذا القطرات التي تكونت خشوعاً، وتجمعت خضوعاً، تتساقط دموعاً! وشاء الحق -جل شأنه- أن يجمع الفضل من أطرافه لخاتم رسله، فأعطاه معجزات حسيّة؛ لأن الناس ليسوا سواء في الإدراك والتفكير، ومن ثم أوتي

стр. 126

من الآيات المتكاثرة ما لم يؤت غيره من الأنبياء، ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلاً منيفاً على سائر المعجزات! ونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: (ما أعطى الله نبيًّا شيئاً إلا أعطى الله محمداً ﷺ ما هو أكثر منه، فقيل له: أعطى الله عيسى ابن مريم إحياء الموتى، فقال الشافعي: حنين الجذع أبلغ؛ لأن حياة الخشبة أبلغ من إحياء الميّت، ولو قيل كان لموسى فلق البحر، عارضناه بفلق القمر، وذلك أعجب؛ لأنه آية سماويّة، وإن سئلنا عن انفجار الماء من الحجر، عارضناه بانفجار الماء من بين أصابعه ﷺ ؛ لأن خروج الماء من الحجر معتاد، أما خروجه من اللحم والدم فأعجب، ولو سئلنا عن تسخير الرياح لسليمان، عارضناه بالمعراج) (١)! وجاء في كتب السنة كثير من دلائل النبوّة (٢)، وحسبنا أن نذكر ما يلي: ١ - كتب السنة: أفرد الإِمام البخاري في صحيحه، باباً أسماه: (باب علامات النبوة في الإسلام) (٣)، وأتبعه بقيّة أحاديث علامات النبوة! وكذلك صنع الإمام مسلم في صحيحه, في معجزات النبي ﷺ (٤)!

стр. 127

وفي مسند الإمام أحمد، كذلك دلائل النبوة منثورة في مسند كل صحابي، وسبق أن أشرنا إلى جمع الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي ﵀ في كتابه: (الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني)، ما يتعلق بالسيرة في أجزاء كبيرة! ولم تخل كتب السنن المشهورة من ذلك! ويضيق المقام عن ذكر الكتب التي أفردت بالحديث عن دلائل النبوّة: ومن أقدم ما وصل إلينا من ذلك: ٢ - دلائل النبوّة لأبي نعيم: يعرض لفضائل الرسول ﷺ ، ويتناول ذكره في الكتب المتقدمة، كما يستعرض حياته، مشيراً إلى جانب المعجزة أو حجة التصديق في كل موقف، وفيه الصحيح وغير الصحيح (١)! توفي (٤٣٠ هـ)! ٣ - أعلام النبوّة للماوردي: وهو يعتمد على الحجة العقليّة، إلى جوار ما ينقله من آثار فيها الصحيح وغيره (٢)! ويبدأ بمقدمة عن الأدلة، ويفصل القول في أصل النبوات، ويتحدث عن معرفة الإله المعبود، ويثبت صحة التكليف، كما يثبت النبوات على وجه العموم، ويتحدث عن مدة العالم، وينقل أنها سبعة آلاف (٣) سنة!

стр. 128

ويعرض لعدة الرسل، ويذكر روايات لا ترقى إلى القبول، ويتحدث عن إثبات نبوة الرسول ﷺ ، ويرد على المانعين لنبوته من اليهود والنصارى، كما يتحدث عما تضمنه القرآن من أنواع إعجازه، ويذكر عصمة الرسول، وما شوهد من معجزات أفعاله، وما سمع من معجزات أقواله، وإنذاره بما سيحدث بعده، وظهور المعجزات، وما هجست به النفوس من إلهام العقول بنبوته، ومبادي نسبه وطهارة مولده، وأخلاقه .. توفي (٤٥٠ هـ)! ٤ - دلائل النبوّة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للبيهقي: يعرض معجزات الأنبياء السابقين في مدخل الكتاب، ثم يقول (١): (فأما النبي المصطفى، والرسول المجتبى .. فإنه أكثر الرسل آيات وبيّنات، وذكر بعض أهل العلم أن أعلام نبوته بلغت ألفاً! فأما (العلَم) الذي اقترن بدعوته ولم يزل يتزايد أيام حياته، ودام في أمته بعد وفاته، فهو القرآن العظيم، المعجز المبين، وحبل الله المتن)! وبعد أن يستعرض وجوه الإعجاز يقول (٢): (ثم إن لنبيّنا ﷺ وراء القرآن من الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة، ما لا يخفى، وأكثر من أن يحصى)! ويستعرض المعجزات إجمالاً، ويقول (٣): ثم إِن له من وراء هذه الآيات المعجزات: انشقاق القمر، وحنين الجذع، وخروج الماء من بين أصابعه!

стр. 129

ويقول (١): (ويُعلم أن كل حديث أوردته فيه قد أردفته بما يشير إلى صحته، أو تركته مبهماً وهو مقبول في مثل ما أخرجته، وما عسى أوردته بإسناد فيه ضعف أشرت إلى ضعفه، وجعلت الاعتماد على غيره)! وقد صنف جماعة من المتأخرين في المعجزات وغيرها كتباً، وأوردوا فيها أخباراً أخرى من غير تمييز منهم صحيحها من سقيمها, ولا مشهورها من غريبها، ولا مرويها من موضوعها، حتى أنزلها من حسنت نيّته في قبول الأخبار منزلة واحدة في القبول، وأنزلها من ساءت عقيدته في قبولها منزلة واحدة في الرد! وسرد الأخبار، واستنبط منها الدلائل .. ثم أفردها كلها مجتمعة في موضوع واحد، جمع في الجزء السادس من الطبعة الأخيرة المحققة! توفي (٤٥٨ هـ)! وقد اختصر كتاب البيهقي ابن الملقن المتوفى (٨٠٤ هـ) في كتاب (غاية السول في خصائص الرسول ﷺ )! ٥ - دلائل النبوة للأصبهاني: يشتمل على معجزات النبي ﷺ ، وأعلام نبوته، وآيات بعثته، ويذكر ما كان قبل البعثة، وفي أثنائها، وبعد وفاة النبي ﷺ ، ويذكر كرامات بعض الصحابة ﵃ في الفصل الثالث من الباب الأول تحت عنوان (كرامات الأولياء)! ويذكر الدافع على تأليف هذا الكتاب فيقول: (إن جماعة من أهل العلم

стр. 130

سألوني أن أملي عليهم مختصراً في دلائل النبوة، ومعجزات النبي ﷺ ، يعتمدون عليه، ويسكنون إليه، وتوخيت الاختصار والإيجاز، وضممت إلى ذلك طرفاً من مبعثه، ومغازيه، ومولده ﷺ وسراياه) (١)! ويسند عامة أحاديث الكتاب وآثاره بأسانيده، وربما تكلم عليها بالتجريح أو التعليق، بخلاف بعض مؤلفي كتب دلائل النبوة ممن تقدمه -كالماوردي مثلاً في أعلام نبوته- فإن كتبهم كانت تأتي عارية عن الأسانيد والطرق! ويشرح غريب الحديث، ويعرب الكلمات المشكلة مع توجيهها، وقد استفاد ممن ألف قبل في دلائل النبوة (٢)! توفي (٥٣٥ هـ)! خامساً: كتب الشمائل: وكتب الشمائل التي أفردتْها بالتأليف، تذكر طرفاً من أخلاق الرسول ﷺ ، وعبادته وهديه، ووصف سلوكه في نواحي حياته، باعتباره الأسوة الحسنة، وباعتبار صفاته وأحواله جانباً من جوانب سنته! ومن هنا نجد الصحاح، والسنن، والمسانيد، تحوي شمائل الرسول ﷺ منثورة بين العبادات، والمعاملات، والأخلاق، والزهد .. نذكر منها:

стр. 131

١ - الشمائل للترمذي: وأشهر ما عُرف من ذلك كتاب (الشمائل) للترمذي، المتوفى (٢٧٩ هـ)! يعرض فيه لحلية النبي ﷺ ، وشعره، وترجّله، وشيبه، وخضابه، وكحله، ولباسه، وعيشه، وخفه، ونعله، وخاتمه، وصفة سيفه، ودرعه، ومغفره، وعمامته، وإزاره، ومشيته، وتقنعه، وجلسته، وفرشه ووسادته، وما جاء في اتكائه، وصفة أكله، وخبزه، وإدامه، ووضوئه، وما يقول قبل الطعام، وبعده، وقدحه، وفاكهته، وشرابه، وصفة شربه، وتعطره وطيبه، وكيف كان كلامه، وإنشاده الشعر، ومسامرته وقصصه، ونومه، وعبادته، وضحكه وتبسمه، ومزاحه، وعبادته بعد طلوع الشمس، وتطوعه في بيته، وصومه، وتلاوة القرآن، وبكائه وخشوعه، وفراشه، وتواضعه، وأخلاقه، وأسمائه الكريمة، ومعاشرته، وسنه، ووفاته، وميراثه، وحجامته! تلك فهرسة أقدم كتاب في الشمائل للحافظ الترمذي، صاحب الجامع وغيره من الصنفات، وأحد الأئمة البارزين (١)! وقد اختصره الألباني بحذف إسناد المؤلف في كل حديث، إلا ما لا بد من ذكره من أعلاه، كالصحابي، وما دونه أحياناً، وحذف المتكرر إذا كان عن صحابي واحد، وإذا كان بين روايتيه اختلاف في المعنى أثبتهما معاً، كأن يقول: (وفي رواية: كذا وكذا)، وإذا كانت الرواية من طريق أخرى قال: (وفي طريق كذا وكذا)، وإذا كان فيها زيادة ضمها إلى الأولى وجعلها بين معكوفتين: []، وحذف كلام المؤلف عن الحديث إذا لم يكن فيه تصحيح أو تضعيف، أو

стр. 132

فائدة تذكر، وحرص أن يذكر مرتبة الحديث؛ لأنها الغاية من التخريج، وقد بلغ عدد أحاديث الكتاب قبل اختصاره قرابة (٤٠٠) أربعمائة حديث، وبعد اختصاره (٣٥٢) اثنين وخمسين وثلثمائة حديث، مائة ويضع منها تبين ضعف أسانيدها، فتتبع طرقها وشواهدها من الكتب الستة وغيرها، فشد عضد نصفها، وَرَفعها إلى مرتبة ثبوتها، وذكر الأرقام، كما ذكر الأرقام في التساهل في التخريج .. وقال (١): (إنني لأرجو مخلصاً أن يكون هذا الكتاب هادياً للمسلمين جميعاً إلى التعرف على ما كان عليه نبيناً ﷺ من الخلق الكريم، وما كان متحلياً به من الشمائل الكريمة، فيحملهم ذلك على الاهتداء بهديه، والتخلق بأخلاقه، والاقتباس من نوره، في زمن كاد كثير من المسلمين أن ينسوا قول الله ﵎ فيه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب]! ٢ - الوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي: يعرض سيرة الرسول ﷺ (٢)، ويتحدث عن دلائل النبوة، ويذكر خصائص الرسول، وشمائله، وهديه، وما يتعلق بنواحي حياته، ونظام معيشته، يقول في مقدمة كتابه: (وإني قد رأيت خلقاً من أمتنا (٣)، لا يحيطون علماً بحقيقة فضيلته،

стр. 133

فأحببت أن أجمع كتاباً أشير فيه إلى مرتبته، وأشرح حاله من بدايته إلى نهايته، وأدرج في ذلك الأدلة على صحة رسالته، وتقدمه على جميع الأنبياء في رتبته، فإذا انتهى الأمر إلى مدفنه في تربته، ذكرت فضل الصلاة عليه، وعرض أعمال أمته، وكيفية بعثته، وموقع شفاعته، وأخبرت بقربه من الخالق يوم القيامة ومنزلته)! وقطع على نفسه أن لا يورد إلا ما صح، ولكنه لم يستطع أن يفي بذلك (١)! توفي (٥٩٧ هـ)! ٣ - شمائل الرسول ودلائل نبوّته وفضائله وخصائصه لابن كثير: ذكر في أول الكتاب أنه سيفرد باباً للخصائص، ولكنه لم يصنع ذلك، وإن كان قد ذكر أحاديث متفرقة في بعض ما اختص به ﷺ (٢)! واقتصر في الفضائل على مقارنات بين ما أوتي خاتم النبيّين، وبين ما أوتي الأنبياء قبله! وتحدث ابن كثير عن موضوع الشمائل فقال في مقدمة كتابه هذا: (قد صنف الناس في هذا قديماً وحديثاً، كتباً مفردة وغير مفردة، ومن أحسن من جمع في ذلك فأجاد وأفاد الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ﵀، أفرد في هذا المعنى كتابه المشهور بالشمائل، ولنا به سماع متصل إليه! ونحن نورد عيون ما أورده فيه، ونزيد عليه أشياء مهمة، لا يستغني عنها المحدّث والفقيه) (٣)!

стр. 134

ومن ثم يعدّ ما أورده الحافظ ابن كثير أوفى ما يمكن جمعه، إذ إنه لم يترك جانباً مما ورد في كتب الحديث في الشمائل إلا وذكره، ورتب ذلك في أبواب دقيقة، فجهده يتمثل في الجمع والإحاطة، وفي دقة الترتيب وحسنه! توفي (٧٧٤ هـ)! سادساً: كتب جمعت بين التاريخ والسيرة: ونجد أنفسنا أمام الكتب التي جمعت بين التاريخ والسيرة .. نذكر منها: ١ - تاريخ الأمم والملوك للطبري: بدأ بذكر الدلالة على حدوث الزمان، وأول ما خلق بعد ذلك .. ثم ذكر آدم ﵇، وما كان بعده من أخبار الأنبياء والرسل، على ترتيب ذكرهم في التوراة، متعرضاً للحوادث التي وقعت في زمانهم، مفسراً ما ورد في القرآن الكريم بشأنهم، معرجاً على أخبار الملوك الذين عاصروهم وملوك الفرس، مع ذكر الأمم التي جاءت بعد الأنبياء، حتى مبعث خاتم النبيّين .. وذكر نسب الرسول ﷺ وبعض أخبار آبائه وأجداده .. وتزويج النبي ﷺ خديجة ﵂ وما كان من أمر رسول الله ﷺ قبل أن يتنبأ، وما كان بين مولده ووقت نبوته من الأحداث، واليوم الذي نُبئ فيه، وما تلا ذلك من الأحداث إلى وقت الهجرة .. ورتب كتابه بعد ذلك على الحوادث المذكورة، والأيام المشهورة، وإذا كانت أخبار الحوادث طويلة جزأها على حسب السنين، أو يشير إليها بالإجمال، ثم يذكرها في الموضع الملائم! وذكر الحوادث مروية، ولا يبدي في أسانيدها رأياً في معظم الأحيان!

стр. 135

ومن هنا كان النقد الموجه إليه؛ لأن ذكر الأخبار دون تمحيصها لا يليق بالمؤرخ الناقد البصير، وربما كان عذر الطبري في ذلك عذر من يذكرون الحديث بطرقه، تاركين الحكم للقارئ، وقد ذكر ذلك في مقدمة كتابه، حيث قال: (وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره فيه، مما اشترطت أني راسمه فيه، إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه، والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها فيه، دون ما أدرك بحجج العقول، واستنبط بفكر النفوس، إلا اليسير القليل منه؛ إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين، وما هو كائن من أخبار الحادثين، غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم، إلا بأخبار المخبرين، ونقل الناقلين، دون الاستخراج بالعقول، والاستنباط بفكر النفوس، فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقية، فليعلم أنه لم يؤت ذلك من قبَلنا، وإنما أتى من قبل ناقليه إلينا، وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدّي إلينا) (١)! وقد وقع لهذا الكتاب كثير من التكملات والمختصرات والترجمات، ولعل أول من ذيل عليه هو الطبري نفسه، قال السخاوي: (وله على تاريخه المذكور ذيل، بل ذيل على الذيل أيضاً)! أما الترجمة فكان أول من قام بها أبو علي محمد بن عبد الله العلقمي إلى

стр. 136

الفارسيّة، ثم نقلت من الفارسيّة إلى التركيّة في عهد أحمد باشا، كما ترجم من الفارسية إلى الفرنسية، طبعت سنة ١٨٧٤ م (١)! وعلى كل حال، ففي هذا الكتاب روايات غير صحيحة بحال! ولا تقبل روايتها في سيرة الرسول ﷺ بحال، وإن كان قد أوردها بالسند، على قاعدة: (من أسند فقد حمّل، ومن أرسل فقد تحمّل)! بيد أن ذلك لم يعد يصلح في عصرنا هذا الذي أصبحنا أحوج ما نكون فيه إلى معرفة الصحيح من غيره، وعرض السيرة في ضوء الأحاديث الصحيحة! توفي (٣١٠ هـ)! ٢ - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام (السيرة النبويّة) للذهبي: وهو كتاب تاريخ وتراجم معاً، وبهذا يختلف عن الموسوعة الضخمة الأخرى له، وهي (سير أعلام النبلاء) (٢)؛ لأنه قد استوعب في (تاريخ الإسلام) فئتين من المترجمين: المشهورين، والأعلام، واقتصر في (سير أعلام النبلاء) على تراجم الأعلام النبلاء، إلا أنه قد يذكر في نهاية بعض التراجم غير واحد من المشهورين، للتعرف بهم، على سبيل الاختصار، وتحديد وفياتهم .. ومن ثم فقد ألفه بعد (تاريخ الإسلام) وأضاف إليه أخباراً كثيرة، وتناول أشياء بالنقد والتحقيق! وقد عرض للأخبار والوقائع والأحداث التي أسهم فيها صاحب الترجمة، قبل أن يترجم له ويؤرخ وفاته، أو يتناول سيرته الذاتية، ومن ثم قدم (مغازي

стр. 137

النبي ﷺ على (الترجمة النبوية) ولذا كانت (المغازي) في الجزء الأول، و (السيرة النبوية) في الجزء الثاني، ثم (سيرة الخلفاء الراشدين) في الجزء الثالث .. والأجزاء الأول تعتبر أقل الأجزاء كمية للتراجم، وقد أوضح الحافظ الذهبي ذلك في حوادث السنة الأولى للهجرة، حيث يقول: (والسبب في قلة من توفي في هذا العام وما بعده من السنين, أن المسلمين كانوا قليلين بالنسبة إلى من بعدهم، فإن الإسلام لم يكن إلا ببعض الحجاز، أو من هاجر إلى الحبشة، وفي خلافة عمر -بل وقبلها- انتشر في الأقاليم، فبهذا يظهر لك سبب قلة من توفي في صدر الإسلام، وسبب كثرة من توفي زمان التابعين ممن بعدهم) (١)! ويقول الذهبي في مقدمة كتابه (٢): (هذا كتاب نافع إن شاء الله، ونعوذ بالله من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يُسمع، جمعته وتعبت عليه، واستخرجته من عدة تصانيف، يعرف به الإنسان مُهِمّ ما مضى من التاريخ, من أول تاريخ الإسلام إلى عصرنا هذا، من وفيات الكبار من الخلفاء والقراء، والزهاد والفقهاء، والمحدثين والعلماء، والسلاطين والوزراء، والنحاة والشعراء، ومعرفة طبقاتهم)! توفي (٧٤٨ هـ)! ٣ - البداية والنهاية لابن كثير: وهو موسوعة ضخمة، ابتدأ فيه بذكر قصص الأنبياء وأخبار الأمم الماضية،

стр. 138

ثم ذكر أخبار العرب وأحداث الجاهليّة، ثم سيرة الرسول ﷺ ، حتى وفاته، وقد شغلت نحو ثلاثة أجزاء من الكتاب، من أواخر الجزء الثاني حتى أواخر الجزء الخامس، وهي بذلك موزعة بين أربعة أجزاء، ثم تابع أحداث التاريخ الإسلامي منذ خلافة الصديق أبي بكر ﵁، حتى عصر ابن كثير في القرن الثامن الهجري، ثم ختمه بأشراط الساعة والفتن والملاحم وأحوال الآخرة! يقول الدكتور مصطفى عبد الواحد (١): وأول ما نلمسه في سيرة ابن كثير أنه اهتم بالأسانيد، تمشّياً مع صبغته الغالبة عليه كإمام محدّث، وأكثر مروياته عن أحمد، والبيهقي، وأبي نعيم! فلم يكتف بنقل ما كتبه أهل السير أمثال ابن إسحاق، وموسى بن عقبة، ولكنه جمع ما رواه أهل الحديث، ولذلك اكتسب مزيّة يتفرد بها بين من كتبوا في السيرة!! وقد نقد ابن كثير بعض الأسانيد، عندما يكون المتن غريباً، ليحكم على بعض الأحاديث، وأحياناً يبيّن درجة الحديث دون أن ينقد السند! ومن ثم نجده ينقل عن بعض كتب السيرة المفقودة، مثل كتاب موسى ابن عقبة، وكتاب الأموي في المغازي، كما ينقل عن بعض شروح السيرة، مثل: (الروض الأنف) للسهيلي، و (الشفا) للقاضي عياض! وفي مجال الاستشهاد بالشعر لا يهمل ابن كثير هذه الناحية، ولكنه لا يتابع ابن هشام في كل مروياته من الشعر، فيختصر بعضها ويهمل بعضها! وبالجملة فإن ابن كثير يحرص على جمع كل ما كتب في الموضوع الذي

стр. 139

يتناوله، ولكنه لا يدمج الأحاديث والأخبار بعضها في بعض، بل يحتفظ لكل نقل بطابعه ومكانه، وكثيراً ما يعوزه الترتيب في النقل، فلا ينسق الأخبار التي ينقلها حتى تكون وحدة منسجمة، فأحياناً يبدأ بالخبر المطول، ثم يذكر بعده أخباراً تحتوي على جانب من هذا الخبر أو تكرره! فإذا تتبعنا نقول ابن كثير عن غيره، وجدنا فيها ظاهرة عجيبة، هي: أنه يكاد لا يلتزم نص أي شيء، ينقله! فنقوله عن ابن إسحاق أغلبها بالمعنى، وقد تتبّعت ذلك في بعض الصفحات، ورأيت أن إثبات الفروق بين ابن كثير وابن إسحاق شيء يطول مداه، فابن كثير يقدّم ويؤخّر، ويزيد وينقص، ويغيّر ويبدّل، ويفوت بهذا التغيير والتبديل كثير من جمال عبارة ابن إسحاق وتناسقها! كذلك نجد روايات ابن كثير للأحاديث تختلف بعض الاختلاف عما في أيدي الناس من الكتب التي ينقل عنها .. فأحاديث البخاري التي يرويها ابن كثير بقوله: (وقال البخاري) لا تنطبق حرفيًّا مع صحيح البخاري الذي بين أيدينا، كذلك القول في روايته عن صحيح مسلم، وعن مسند أحمد، وعن دلائل النبوة لأبي نعيم، ودلائل النبوة للبيهقي، وعن الشفا للقاضي عياض، وعن الروض الأنف للسهيلي! فإذا ما تفحصنا منهج ابن كثير في الروايات، رأيناه لا يبالي برواية كثير من الأخبار الواهية! وقد كان بإمكانه ألا يلتفت إلى هذه الأخبار التي لا تتمالك أمام النقد، لكنه كان يذكر السند في ذلك -كما أسلفنا عن الطبري- وكان يعلّق على بعض هذه الأخبار بأنه (غريب جداً) أو (لم يخرجوه) ونحو ذلك!

стр. 140

لكننا مع ذلك نود أن لو أهمل الحافظ ابن كثير هذه الأخبار التي تزحم الأذهان، وتشوش على الحقائق .. وبخاصة فيما يتصل بحياة الرسول ﷺ ! توفي (٧٧٤ هـ)! سابعاً: أخبار مكة والمدينة والشعر: أما كتب أخبار مكة والمدينة، فقد ذكر المؤلفون فيها ما في هذين البلدين الطيّبين من بقاع وأماكن وأودية وجبال، وذكروا من تولى الإمارة في كل منهما، وما له علاقة بالرسول ﷺ ! وحسبنا أن نذكر في القديم: أ- أخبار مكة للأزرقي: المتوفى (٢٣٣ هـ)! ٢ - أخبار المدينة لعمر بن شبه: المتوفى (٢٦٢ هـ)! وفي الحديث: ٣ - مكة والمدينة في الجاهليّة وعصر الرسول للدكتور الشريف: وفيه ذكر كثير من المراجع في أخبار مكة والمدينة! ومعلوم أن هذه الكتب التاريخيّة فيها الكثير من الأحاديث الضعيفة والواهية! وأما الشعر فقد عني بنظم السيرة كثيرون، منهم من تقيد بسيرة ابن هشام، ومنهم من لم يتقيّد! فمن الأوّلين: ١ - شعر الشيخ عبد العزيز بن أحمد، المعروف بسيد الدرينى: المتوفى (٦٩٧ هـ) تقريباً!

стр. 141

٢ - شعر الشيخ فتح الدين محمد بن إبراهيم، المعروف بابن الشهيد: المتوفى (٧٩٣ هـ) في أكثر من عشر آلاف بيت! ومن الآخرين: ٣ - شعر الإمام الحافظ عبد الرحيم العراقي: المتوفى (سنة ٨٠٦ هـ)! ٤ - شعر الشيخ برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي: المتوفى (٨٨٥ هـ) (١)! ومن المحدثين: ٥ - شعر عبد الحميد الخطيب: في (كتاب سيرة سيد ولد آدم: تائية الخطيب)! وقد تضمن عدة مواضيع، ونشر القيم الأخير منه، وهو (سيرة سيد ولد آدم) ويحتوي على (٢٣٠٠) بيت، يقول في مقدمته (٢): (هذه السيرة ما هي إلا جزء من تائيتي الكبرى التي بلغت نحو ثمانية آلاف بيت، خمسة آلاف وسبعمائة منها في رسالته الشريفة، ضمنتها سر تأخير المسلمين، وحكمة التشريع الإسلامي، ومبادئ الإسلام وغاياته، كانت مجتمعة في (تائية الخطيب) ثم نشرتها في كتابي (أسمى الرسالات) وأفردت السيرة عن الرسالة، وطبعتها مستقلة في عام ١٣٦٢ هـ بالنظر لما لاحظته من افتتان الكثير من الناس في الزمن الأخير بحضارة الغرب، وأخلاق أهله وعاداتهم، حتى اتخذوا الغربيّين مثلاً علياً .. كيف لا وهو الذي ما بعث إلا ليتمم مكارم الأخلاق .. إلى أن قال: وأذكر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بما كان عليه نبيّهم، والذكرى تنفع المؤمنين)!

стр. 142

٦ - شعر أحمد محرم: في (ديوان مسجد الإسلام) (١) الذي قسمه إلى أربعة أجزاء، وفي الصفحة الأولى من كل جزء آيات تحث على الجهاد، وفي الثانية كلمات لبعض أئمة التابعين في علم المغازي والسير! وقد بدأ الحديث في الجزء الأول عن حياة الرسول ﷺ في مكة، ثم عن هجرته، ثم عن استقراره بالمدينة، ومؤاخاته بين المهاجرين والأنصار، وموقفه من اليهود والمنافقين، ثم تحدث عن الغزوات، وما وقع فيها من أحداث وبطولات، وقد استغرق هذا الجزءين: الثاني والثالث! وفي الجزء الرابع تحدث عن الوفود، ثم عن الكتب والرسل، ثم عن السرايا، وختم ذلك بآخر عمل قام به الرسول ﷺ قبل لحاقه بالرفيق الأعلى! توفي (١٩٤٥ م)! تلك إشارات إلى أهم مصادر السيرة، وحسبنا أن نشير إلى أن العلماء المغاربة -كما يقول الدكتور محمد فاروق النبهان: (عكفوا على رواية المصنفات المشرقيّة في السيرة، من خلال اتصالهم بعلماء المشرق، ونقل مدوّناتهم، حتى أصبحت الحركة العلميّة في المغرب مواكبة للحركة العلميّة في المشرق، ولم يكتف المغاربة بمجرد الرواية والنقل، وإنما أخضعوا ما نقلوه لموازين نقديّة أرست أسس مدرسة مغربيّة متميّزة بخصائص من الإبداع والتفوّق، ولم يلبث نتاج هذه المدرسة المغربيّة أن أخذ مكانه في المشرق، منافساً ومزاحماً ما سبق أن دوّنته تلك المدرسة، وتلقى المشارقة المصنّفات المغربيّة بحفاوة وتقدير، وأوسعوا

стр. 143

لهذه المصنّفات مكان الصدارة في الحلقات العلميّة، وأصبحت متداولة. مما يؤكد أن تراث الإسلام وليد حضارة ممتدة عريضة شارك في تشييدها علماء من المشرق والمغرب، تنافسوا وتسابقوا في أن يبنوا هذا الصرح الشاهد الممتد من ثقافة الإسلام) (١)! * * *

стр. 144

مناهج المؤلفين

стр. 145

مناهج المؤلفين أولاً: المنهج التاريخي ثانياً: المنهج الموضوعي ١ - (دلائل النبوة) و (الشمائل المحمدية) ٢ - (الهجرة النبوية ودورها في بناء المجتمع الإسلامي) ٣ - (الرسول ﷺ واليهود وجهاً لوجه) ٤ - (سيرة النبي) لشبلى نعماتي ٥ - (الرسول القائد) للواء الركن محمود شيت خطاب ٦ - موسى بن عقبة ٧ - محمد بن إسحاق ٨ - محمد بن عمر الواقدي ثالثاً: المنهج التبشيري الاستشراقي ١ - نقص معيب ٢ - تطور الموقف الغربي ٣ - أخطاء منهجيّة ٤ - المذهب الذاتي ٥ - مدرسة جديدة ٦ - الإيمان بالغيب ٧ - السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة. ٨ - (حياة محمد) للدكتور هيكل ٩ - المقياس الصحيح للحديث عنده حديث موضوع ١٠ - موقفه من حديث شق الصدر ١١ - وجوب التسليم بحديث شق الصدر ١٢ - حديث آخر موضوع ١٣ - الإسراء ووحدة الوجود ١٤ - بطلان فكرة وحدة الوجود ١٥ - إيجابيّات ١٦ - مصير هذه المدرسة اليوم
следующие страницы →