٢ - شعر الشيخ فتح الدين محمد بن إبراهيم، المعروف بابن الشهيد: المتوفى (٧٩٣ هـ) في أكثر من عشر آلاف بيت!
ومن الآخرين:
٣ - شعر الإمام الحافظ عبد الرحيم العراقي: المتوفى (سنة ٨٠٦ هـ)!
٤ - شعر الشيخ برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي: المتوفى (٨٨٥ هـ) (١)!
ومن المحدثين:
٥ - شعر عبد الحميد الخطيب: في (كتاب سيرة سيد ولد آدم: تائية الخطيب)!
وقد تضمن عدة مواضيع، ونشر القيم الأخير منه، وهو (سيرة سيد ولد آدم) ويحتوي على (٢٣٠٠) بيت، يقول في مقدمته (٢):
(هذه السيرة ما هي إلا جزء من تائيتي الكبرى التي بلغت نحو ثمانية آلاف بيت، خمسة آلاف وسبعمائة منها في رسالته الشريفة، ضمنتها سر تأخير المسلمين، وحكمة التشريع الإسلامي، ومبادئ الإسلام وغاياته، كانت مجتمعة في (تائية الخطيب) ثم نشرتها في كتابي (أسمى الرسالات) وأفردت السيرة عن الرسالة، وطبعتها مستقلة في عام ١٣٦٢ هـ بالنظر لما لاحظته من افتتان الكثير من الناس في الزمن الأخير بحضارة الغرب، وأخلاق أهله وعاداتهم، حتى اتخذوا الغربيّين مثلاً علياً .. كيف لا وهو الذي ما بعث إلا ليتمم مكارم الأخلاق .. إلى أن قال: وأذكر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بما كان عليه نبيّهم، والذكرى تنفع المؤمنين)!
стр. 142
٦ - شعر أحمد محرم: في (ديوان مسجد الإسلام) (١) الذي قسمه إلى أربعة أجزاء، وفي الصفحة الأولى من كل جزء آيات تحث على الجهاد، وفي الثانية كلمات لبعض أئمة التابعين في علم المغازي والسير!
وقد بدأ الحديث في الجزء الأول عن حياة الرسول ﷺ في مكة، ثم عن هجرته، ثم عن استقراره بالمدينة، ومؤاخاته بين المهاجرين والأنصار، وموقفه من اليهود والمنافقين، ثم تحدث عن الغزوات، وما وقع فيها من أحداث وبطولات، وقد استغرق هذا الجزءين: الثاني والثالث!
وفي الجزء الرابع تحدث عن الوفود، ثم عن الكتب والرسل، ثم عن السرايا، وختم ذلك بآخر عمل قام به الرسول ﷺ قبل لحاقه بالرفيق الأعلى!
توفي (١٩٤٥ م)!
تلك إشارات إلى أهم مصادر السيرة، وحسبنا أن نشير إلى أن العلماء المغاربة -كما يقول الدكتور محمد فاروق النبهان:
(عكفوا على رواية المصنفات المشرقيّة في السيرة، من خلال اتصالهم بعلماء المشرق، ونقل مدوّناتهم، حتى أصبحت الحركة العلميّة في المغرب مواكبة للحركة العلميّة في المشرق، ولم يكتف المغاربة بمجرد الرواية والنقل، وإنما أخضعوا ما نقلوه لموازين نقديّة أرست أسس مدرسة مغربيّة متميّزة بخصائص من الإبداع والتفوّق، ولم يلبث نتاج هذه المدرسة المغربيّة أن أخذ مكانه في المشرق، منافساً ومزاحماً ما سبق أن دوّنته تلك المدرسة، وتلقى المشارقة المصنّفات المغربيّة بحفاوة وتقدير، وأوسعوا
стр. 143
لهذه المصنّفات مكان الصدارة في الحلقات العلميّة، وأصبحت متداولة. مما يؤكد أن تراث الإسلام وليد حضارة ممتدة عريضة شارك في تشييدها علماء من المشرق والمغرب، تنافسوا وتسابقوا في أن يبنوا هذا الصرح الشاهد الممتد من ثقافة الإسلام) (١)!
* * *
стр. 144
مناهج المؤلفين
стр. 145
مناهج المؤلفين
أولاً: المنهج التاريخي
ثانياً: المنهج الموضوعي
١ - (دلائل النبوة) و (الشمائل المحمدية)
٢ - (الهجرة النبوية ودورها في بناء المجتمع الإسلامي)
٣ - (الرسول ﷺ واليهود وجهاً لوجه)
٤ - (سيرة النبي) لشبلى نعماتي
٥ - (الرسول القائد) للواء الركن محمود شيت خطاب
٦ - موسى بن عقبة
٧ - محمد بن إسحاق
٨ - محمد بن عمر الواقدي
ثالثاً: المنهج التبشيري الاستشراقي
١ - نقص معيب
٢ - تطور الموقف الغربي
٣ - أخطاء منهجيّة
٤ - المذهب الذاتي
٥ - مدرسة جديدة
٦ - الإيمان بالغيب
٧ - السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة.
٨ - (حياة محمد) للدكتور هيكل
٩ - المقياس الصحيح للحديث عنده حديث موضوع
١٠ - موقفه من حديث شق الصدر
١١ - وجوب التسليم بحديث شق الصدر
١٢ - حديث آخر موضوع
١٣ - الإسراء ووحدة الوجود
١٤ - بطلان فكرة وحدة الوجود
١٥ - إيجابيّات
١٦ - مصير هذه المدرسة اليوم
стр. 146
مناهج المؤلفين
وبعد أن أشرنا إلى مكانة السيرة النبويّة عبر التاريخ, وخصائصها، ومصادرها، نجد أنفسنا أمام الحديث عن مناهج المؤلفين في السيرة، فيما يلي:
أولاً: المنهج التاريخي:
وهو المنهج الذي التزمه المؤلفون في السيرة، والذي اعتمده مؤرخونا، وعرفوه باسم (الحوليات) (١)، وهو ذكر الحوادث كما وقعت، من حيث الزمان، دون النظر إلى الوحدة الموضوعيّة بين السابق واللاحق!
وفيه بيان وجه من وجوه عظمة الرسول ﷺ ، حيث كانت حياته -كما أسلفنا- صفحة عريضة من صفحات الجهاد -في الداخل والخارج- لإنقاذ البشريّة، فانتشلها من ضياع، وانتاشها من هلاك، وأنقذها مما كانت تتخبّط فيه من دياجير الظلام، وعقابيل الضلال، وواجه المشركين، واليهود، والنصارى، في معارك كثيرة!
وفيه -أيضاً- كثرة الآثار، مع كثرة عدم الالتزام بقواعد التحديث رواية ودراية، وربّ رجل مجروح عند أهل الحديث ثقة عند أهل السير، وعلّلوا ذلك باختلاف الغرضين، حيث إن غرض المحدث ذكر الأحاديث التي هي مناط معرفة الحلال والحرام، وغرض المؤلف في السير والتواريخ ذكر أخبار ليست مناط الحلال والحرام غالباً، فمن ثم تساهلوا، ووجدت في كتبهم الروايات
стр. 147
المرسلة، والمنقطعة، والمعضلة، والشاذة، والمنكرة، بل الموضوعة المختلقة على قلة، وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال:
(ثلاثة ليس لها أصل: التفسير، والملاحم، والمغازي)!
ومراده أنه يغلب فيها رواية المراسيل، والمنقطعات، والبلاغات، ونحوها، وإلا فقد صح فيها أحاديث كثيرة (١)!
ثانياً: المنهج الموضوعي:
نذكر منه ما يلي:
١ - (دلائل النبوّة) و (الشمائل المحمديّة):
كما سبق أن ذكرنا في مصادر السيرة ..
وظهرت دراسات موضوعية .. منها:
٢ - (الهجرة النبويّة ودروها في بناء المجتمع الإسلامي):
وهي دراسة تحليليّة في ضوء الكتاب والسنة، سبق أن قدمتُها في إذاعة القرآن الكريم صباحاً من دولة الكويت، وأعيدت إذاعتها في البرنامج العام، مساء طيلة ثلاثة أشهر، وطبعت بعد ذلك في كتاب، ونفدت طبعاته، في الكويت، وهي في طور الترجمة إلى اللغات الأجنبية:
توجهت بها إلى المهاجرين في سبيل الله، أنصار الحق ودعاته، وجنده وحُماته .. الذين يرجون الشهادة في سبيل الله!
إلى أصحاب البصائر والأبصار .. الذين يتطلّعون إلى آفاق النور والإخاء،
стр. 148
والإيثار والفداء، والبذل والعطاء، والحب والنقاء، والود والصفاء، ليعيشوا في أجواء الروح الرفافة الندى والظلال!
إلى الإخوة الأحبّة جُند الحق .. الذين صبروا وصابروا ورابطوا .. وزادتهم الِمحنُ مِنَحاً وثَبَاتاً!
أصدق الناس قولاً، وأجمعهم لُبًّا، وأقواهم عزماً، الجهاد شعارهم، واليقين دثارهم، لا تتغيّر بهم في خشية الله عادة، ولا تملكهم في مخافته هوادة!
إلى الأُخُوَّةِ الزّكيّة، الشافعية النقيّة، والمحبّة النديّة، والمودّة الرضيّة، والنفحة العلويّةَ، والألفة القدسيّة، التي تنشئ في القلب إدراكاً كاملاً، ونوراً شاملاً، ونبضاً متصلاً، وحياة مباركة، هي سراج ما بطن، وملاك ما علن، تنطف نوراً كأنها قناع رحمة الله!
بيّنت فيه معالم الهجرة من أرض لفّها الظلام والجحود، وخيّم عليها الظلم والكنود، إلى أرض سطع فيها نور الإسلام!
مبدأ تاريخ خير أمة أخرجت للناس، والحدّ الفاصل بين الحق والباطل، والخير والشر!
تضع يدك على معالم الطريق، كلما تمعّنت في أطيافها قرأت شجناً، واستعرضت جهاداً، وتبيّنت استشهاداً، ولست صدقاً، وأبصرت يقيناً!
ومن ثم فأنت غاضب على الباطل، كاره له، وأنت ثائر على الظلم بكل ما أوتيت، حتى الحياة تجود بها طائعاً مختاراً، إذا شاهدت من خلال أدوارها ما نزل بالمؤمنين الصادقين، وأنت في صحبة مباركة طيّبة لهم، تعايش أنفاسهم،
стр. 149
وتبصر جهادهم، وتبهرك مواقفهم، وهم يرجون الرضا والرضوان .. وهل هناك أسمى من الرضا والرضوان؟!
اللهم! أعطنا ولا تحرمنا!
ولا تلبث أن تقول معي: عونك اللهم!
وهذه المعالم حين تستقر في القلب المؤمن، تندفع بصاحبها لتحقيق ذاتها في عالم الواقع، وتتمثل حركة فاعلة في تكوين الشخصيّة الإسلامية، وبناء المجتمع الإسلامي، وفق معالم بناء الدولة الإسلاميّة في حياة الرسول ﷺ !
٣ - (الرسول ﷺ واليهود وجهاً لوجه):
وهي دراسات سبق أن قدمتُها -أيضاً- في إذاعة القرآن الكريم صباحاً من دولة الكويت، وأعيدت إذاعتها في البرنامج العام، مساء، طيلة سبعة أشهر، ذكرتُ فيها ما يجب أن يعرفه المسلمون عن اليهود!
وطُبعت في عشرة كتب، بعد (كامب ديفيد) في دار الوفاء بالمنصورة .. هي:
الأول: أسطورة الوطن اليهودي!
الثاني: الفكر اليهودي!
الثالث: موقف اليهود من الرسالة والرسول ﷺ !
الرابع: الطبيعة اليهوديّة!
الخامس: التآمر اليهودي على حياة الرسول ﷺ !
السادس: اليهود والخيانة!
السابع: القضاء على اليهود عسكريًّا!
стр. 150
الثامن: محاكمة اليهود!
التاسع: الخطر اليهودي!
العاشر: معالم النصر على اليهود!
انطلاقاً من أنه ليس لنا من سبيل تجتمع عليه وجهات نظر المؤمنين إلا التأسي بموقف الرسول ﷺ من اليهود وموقفهم منه، من خلال معرفة سماتهم عبر تاريخهم وفكرهم وموقفهم من الرسالة والرسول ﷺ !
ومن خلال الغزوات الخاصة باليهود، حيث كان لهم في شبه الجزيرة ما كان، ولم يتبيّن عداؤهم في أول الأمر سافراً، ولكن ما لبثوا أن كشفوا عن سماتهم، وأعلنوا الحرب والعدوان، وواجههم الرسول ﷺ .. حتى كان القضاء عليهم عسكرياً!
وهذا الموقف هو وحده الذي يجب أن نؤمن به جميعاً، وندعو إليه، ونتجمّع في رحابه، حتى تعود إلينا سيرتنا الأولى، ويتنزّل علينا وعد الله بالنصر: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب]!
وطبعتْ أخيراً في مجموعة كاملة، نفدت، والآن تحت الترجمة إلى لغات أجنبية أخرى!
٤ - (سيرة النبيّ ﷺ ) لشبلي نعماني:
وقد كتب شبلي نعماني كتابه (سيرة النبيّ ﷺ ) الذي بدأه (١٨٥٧ - ١٩١٤ م) في خمسة مجلدات، وأتمه سليمان الندوي، فأصبح في سبعة مجلدات!
стр. 151
الأول والثاني: ترجمة حياة النبي ﷺ ، مع دراسة عن الجزيرة العربيّة قبل الإسلام، ويعدّ هذا الكتاب خاتمة أعمال شبلي ﵀ وهو الذي كتب معظم فصوله، وكان حريصاً على الالتزام الدقيق بالنصوص الصحيحة, والرد على الشبهات التي أثارها غير المسلمين عن الإسلام ورسوله!
هذا في أسلوب رائع أنيق، حتى إن بعض فصول المجلد تعتبر -كما يقول مسعود الندوي- كأحسن ما كُتب باللغة الأردية!
الثالث: خاص بالمعجزات، كتبه والأجزاء التالية، سليمان الندوي، وله مقدمتان علميتان من الوجهتين الفلسفتين: القديمة والحديثة، أثبت فيهما إمكان المعجزات، وعدم معارضة العلوم العقليّة لها!
الرابع: يبحث في منزلة النبوة، والفرق بينها وبين منازل الإصلاح والتجديد والزعامة، ثم يبحث في العقائد، مستنداً إلى الكتاب والسنة، في مزج دقيق بين علومها وأسرارها!
الخامس: في العبادات!
السادس: في الأخلاق!
السابع: في المعاملات!
وكل منها موسوعة في موضوعه!
وجاء في المقدمة: (إن الواجب الأسمى والخدمة الكبرى التي تقدم إلى الإنسانيّة أن تجدّد وتضبط أخلاقيات الناس وثقافتهم، والوسيلة المعتادة لذلك هي العظات، والوسيلة الحديثة هي تأليف الكتب ذات المستوى الرفيع في السلوك ونشرها بين الناس، وهناك وسيلة أخرى هي إكراه الناس على غرس
стр. 152
الفضائل، ولكن أفضل الطرق وأصحها وأكثرها عمليّة، ليست الحديث ولا الكتابة ولا الإكراه، ولكن في ظهور شخص هو التصوير العام للفضائل، شخص تنعكس فيه الفضائل عمليًّا، وتعادل كل حركة من شفته عمل آلاف الكتب، وكل إشارة من يديه كأنها أمر ملكي، إن الفضائل التي تبدو في دنيانا هي انعكاسات من هؤلاء الرجال .. أما جميع العوامل الأخرى فلا تعدو أن تكون طلاء وزخرفة في صرح الحضارة) (١)!
ويقول: (ولكن هؤلاء الذين ظهروا قبل الرسول محمد ﷺ بعامة كانوا نماذج لفضائل معيّنة، على سبيل المثال: مدرسة المسيح كانت للتحمّل والصبر والسلام والتسامح والتواضع، ولا مكان للصفات الرفيعة اللازمة للإدارة والحكم!
بينما لا مجال فيما جاء عن نوح وموسى للتسامح العام!
من أجل ذلك كانت الحاجة إلى قائد جديد في كل مرحلة من مراحل الإنسانية .. ودائماً كان هناك انتظار لجديد يكمل به الدين، القائد الذي يستطيع أن يرفع سيفه، وأن يعيش معتكفاً أيضاً، قائد يستطيع أن يمارس حياة الحاكم والفاتح، كما يمارس حياة المسكين، والذي يستطيع أن يكون حاكم الدنيا وتالياً لأسماء الله الحسنى، والذي يستطيع أن يعيش حياة الفقر بالرضى وحياة الغنى بالقلب الكريم، هذا الرسول الكامل بين الخالق والكون، هذه الشخصيّة المحيطة، هذا التصور الحيّ لكلمات الله هو الذروة العليا في خلق الله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].
وليس هناك من شئ خالد في دنيا الفناء، ومن أجل ذلك لن تعمر فيها
стр. 153
هذه الشخصيّة الكاملة إلى الأبد، ولذلك كان من الضروري الاحتفاظ بصورتها الكاملة، كل كلمة منها، كل إشارة، كل لمحة من لمحات وجودها .. حتى نستطيع أن نفيد منها في كل مرحلة من مراحل الحياة عندما نحتاج إليها)!
ومن الغريب أن الصورة الكاملة لغير محمد ﷺ من الأنبياء غير محفوظة -كما أسلفنا- فمن حياة المسيح التي استمرت ثلاثاً وثلاثين سنة، نعرف الأحداث المرتبطة بالأعوام الثلاثة الأخيرة من حياته .. والتوراة الموجودة هي المصدر الوحيد للقليل الذي نعرفه عن موسى (١)!
وبعد أن تحدث عن الفروق المنهجيّة بين علماء الحديث وعلماء المغازي، قال: أليس بين أيدينا كتاب عن حياة الرسول ﷺ اعتمد اعتماداً كاملاً على الحديث الشريف الصحيح وحده) (٢)!
وقال: (إلى يوم الدين لن يستطيع أحد أن ينافس المسلمين في فخرهم بحفظ أدق تفاصيل كل حادث في حياة الرسول، بطريقة دقيقة وواعية)!
وقد سبق ذكر ذلك في حديثنا عن خصائص السيرة النبوية، وبيان أنها أصح سيرة لتاريخ نبي مرسل!
وفي رحلة منهجيّة استغرقت خمساً وثمانين صحيفة قبل أن ينتقل إلى دراسة التأليف الغربي عن السيرة، تابع ما عند الغرب من اتجاهات في كتابة السيرة، مركزاً على القرن السابع عشر وما بعده، وأورد قوائم بهذه المؤلفات، ذكرا منها سبعة عشر مؤلفاً في القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين (١٨١٥ - ١٩٠٩ م)!
стр. 154
ولخص النقاط التي ركز عليها الكتاب الأوروبيّون في الافتراء على حياة المصطفى ﷺ في:
١ - أنه تحول من النبوّة في مكة، إلى الملك والقوة والسيطرة في المدينة، بكل ما يحمل ذلك من إشعال الحروب، والقتل، والردع، وإراقة الدماء!
٢ - تعدد الزوجات والميل إلى النساء!
٣ - نشر الإسلام بالقوة!
٣ - إقرار الرق، وممارسته!
٥ - اتباع الأساليب الدبلوماسيّة، كما يمارسها الحكام الدنيويون!
وقد ناقش الكتاب كل هذه الافتراءات في مواضعها، ورد عليها بكل إفاضة!
وعرض المصادر التي أسس عليها جمع كتابه وتقسيمه في:
١ - ما جاء في القرآن الكريم، وهو المرجع الأعلى في السيرة!
٢ - ما جاء في الأحاديث الصحيحة, ورأى أن خطأ كبيراً حدث نتيجة البحث عن الموضوعات تحت عناوين معيّنة، فإذا لم يجدوا مالوا إلى الحديث الضعيف فاستعانوا به؛ بينما في كتب الحديث تفاصيل كثيرة جاءت كأنها حقائق ثانويّة ضمن موضوع أساسي، ويمكن -مع الدراسة الممعنة- جمع كل هذه التفاصيل الدقيقة والصحيحة عن حياة المصطفى ﷺ من الكتب الستة!
فميزة (سيرة النبي) أن شبلي قد استطاع أن يجمع فيه معظم التفاصيل من كتب الحديث، وأعاد تبويبها من جديد، وهي التي لم تجتذب أنظار مؤلفين سابقين!
стр. 155
٣ - وفيما يتعلق بالأحداث اليوميّة اكتفى بما جاء به ابن سعد في طبقاته، وابن هشام في السيرة، والطبري في التاريخ, وإذا ما كان لحادث قيمة كبيرة قام بتحقيقه تحقيقاً علميًّا دقيقاً!
٤ - إعداد كل المواد السابقة وتحقيقها!
وقسم كتابه بعد هذا إلى خمسة مجلدات، رأينا في التنفيذ أنها عدلت إلى سبعة، وعزم على طبع أي جزء منها بعد إنجازه، دون تقيد بالترتيب الموضوعي للأجزاء، وإذا كانت وفاته عام ١٩١٤ م فإن الجزء الأول قد صدر عام ١٩١٨ م والثاني عام ١٩٢٠ م ثم توالت الأجزاء!
يقول سليمان الندوي في مقدمة المجلد الثاني: ٢: ٢:
(عندما جاءت مخطوطة الكتاب إليّ -يقصد الجزءين: الأول والثاني بعد وفاة شبلي- أحسست أنها تحتاج إلى عدة فصول، بغيرها يظل الكتاب ناقصاً، ولم تكن عندي الشجاعة لأن أفكر في إضافة أي شيء إلى ما تركه المؤلف، ومرت فترة من التردّد الطويل، ثم عزمت على كتابة الفصول التي يحتاج إليها الكتاب، وبعد أيام عثرت على مجموعة من المذكرات كتبها المؤلف قبل وفاته بخمسة شهور، كانت المذكّرات الأخيرة هي رؤوس الموضوعات, ولم يكن لسروري حدود عندما قرأت المذكّرات، فوجدتها الفصول التي يحتاج إليها الكتاب، وأنها تطابق ما أحسست أن الكتاب محتاج إليه فكتبته، ولعلها كانت إشارة من الغيب له أن يضع هذه الخطوط لتكون عوناً لي على السير)!
ولقد كان الجزء الخاص بأحوال المصطفى غير كامل، وفي بعض الصفحات فراغات أكملها سليمان، وأضاف هوامش، وميز ذلك عن الأصل!
стр. 156
وصفوة القول: أن المجلد الأول يُعنى بالمنهج وما قبل الإسلام، وبالسير على أساس من التسلسل التاريخي، وحياة الرسول ﷺ في مكة والمدينة ومغازيه!
بينما يدرس الثاني السنوات الثلاث الأخيرة من حياة الرسول ﷺ ، مع عناية بنشر الدعوة، ورسله ووسائله، واستقبال الوفود، وإقامة المجتمع الجديد، ونظمه الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة، ثم يعرض الإسلام كدين: عباداته، ومعاملاته، وحلاله، وحرامه، ويدرس العام الأخير من حياة الرسول، وحجة الوداع!
وبعد أن يذكر وفاة الرسول ﷺ ، يخصص فصولاً لما ترك وراءه، وأخلاقه، ونظام حياته اليومية، ومستشاريه، والرسول ﷺ كخطيب (كيف يخطب .. طبيعته .. عظاته .. تأثيرها) ثم عباداته وأخلاقه وزوجاته وأبناؤه وحياته المنزليّة!
ويستغرق المجلدان معاً نحو تسعمائة صفحة في الطبعة الإنجليزيّة!
وهو كتاب أرجو أن يقدّم بجميع اللغات إلى المسلمين وغيرهم!
٥ - (الرسول القائد) للواء الركن محمود شيت خطاب:
يدل عنوانه على موضوعه، يقول في مقدمته:
(فكّرت في وضع هذا الكتاب، بعد أن قرأت كثيراً من المؤلفات العسكريّة الباحثة في تاريخ حروب القادة العظام، الذين لمعت أسماؤهم قديماً وحديثاً!
لقد أبرزت تلك المؤلفات بكل وضوح أعمال أولئك القادة، ووصفت معاركهم بتسلسل منطقي سهل، ووضّحت تلك المعارك بالخرائط والمخطّطات
стр. 157
والأشكال، وأظهرت الدروس المفيدة منها، فأضفت بذلك كله الخلود على حياة أولئك الرجال!
وعدت لأقارن بين هذا الأسلوب في البحث، وبين أسلوب المؤرخين عندنا في الحديث عن معارك قادة المسلمين، فعرفت كيف أضاء الأسلوب الأول معالم الطريق للباحثين، وحقق قيمة جديدة لأعمال بعض القادة، بينما طمس الأسلوب الثاني أعمالاً خالدة تستحق أعظم التقدير والإعجاب!
لقد قرأت أكثر كتب السيرة في تدبّر وإمعان، وحاولت أن أستشفّ منها كل نواحي العظمة التي تتّسم بها شخصيّة الرسول ﷺ ، ولكني وجدت أن عبقريّته العسكريّة التي لا تتطاول إليها أيّة عبقريّة أخرى لأيّ قائد في القديم أو الحديث، تكاد تكون متوارية محجوبة لم يتح لها من يكشف أسرارها، ويجلي عظمتها، بأسلوب حديث يجنح إلى الكشف والتحليل، وإبراز المواهب النادرة، خاصة من عسكري يستطيع أن يلم بنواحي العظمة العسكريّة التي تكمن فيها، ويظهرها جليّة للعيان، ومن هنا بقي الجانب العسكري من حياة الرسول ﷺ يشوبه الغموض حتى اليوم!
إن المسلم حقًّا هو الذي يقدّر الرسول ﷺ حق قدره، فيعترف بأن كفاية الرسول ﷺ قائداً متميزاً، وكفاية أصحابه جنوداً مميّزين، هي التي أمّنت لهم النصر العظيم!
أما أن نستند على الخوارق وحدها في الحرب، ونجعلها السبب المباشر لانتصار المسلمين، فذلك يجعل هذا النصر لا قيمة له من الناحية العسكرية، بالإضافة إلى مخالفة الأمر بالأسباب، وإعداد القوة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً!
إن أعمال الرسول ﷺ ، ومنها العسكرية، سنة متبعة، في كل زمان
стр. 158
ومكان، فهل يبقى أتباعه ينتظرون الخوارق لينتصروا على أعدائهم، أم يعدّون ما استطاعوا من قوة، كما قرر القرآن الكريم، لينالوا هذا النصر؟
إن سيرة الرسول ﷺ العسكريّة، تثبت بشكل جازم لا يتطرّق إليه الشك، أن انتصاره كان لشجاعته الشخصيّة، وسيطرته على أعصابه في أحلك المواقف، ولقراراته السريعة الحازمة في أخطر الظروف، ولعزمه الأكيد في التشبّث بأسباب النصر، ولتطبيقه كل مبادئ الحرب المعروفة في كل معاركه، تلك العوامل الشخصيّة التي جعلته يتفوّق على أعدائه في الميدان، ولو لم تكن تلك الصفات الشخصيّة المدعومة بقوة الإيمان بالله، لما كُتِب له النصر!
ويمتاز الرسول ﷺ عن غيره من القادة في كل زمان ومكان بميزتين مهمتين:
الأولى: أنه كان قائداً عصاميًّا!
الثانية: أن معاركه كانت للدفاع عن الدعوة، ولحماية نشر الإسلام، ولتوطيد أركان السلام، لا للعدوان والاغتصاب والاستغلال!
وقال: على ذلك يمكن تقسيم حياة الرسول ﷺ من الناحية العسكرّية إلى أربعة أدوار:
الأول: دور الحشد!
الثاني: دور الدفاع عن العقيدة!
الثالث: دور الهجوم!
الرابع: دور التكامل!
стр. 159
أما دور الحشد: فمن بعثته إلى هجرته إلى المدينة المنورة، واستقراره هناك، وفي هذا الدور اقتصر الرسول ﷺ على الحرب الكلامية، يبشر وينذر، ويحاول جاهداً نشر الإسلام، وبذلك كوّن النواة الأولى لقوات المسلمين، وحشدهم في المدينة المنورة بالهجرة إليها!
وأما دور الدفاع عن العقيدة: فمن بدء الرسول ﷺ بإرسال سراياه وقواته للقتال، إلى انسحاب الأحزاب عن المدينة بعد غزوة الخندق، وبهذا الدور ازداد عدد المسلمين، فاستطاعوا الدفاع عن عقيدتهم ضد أعدائهم الأقوياء!
وأما دور الهجوم: فمن بعد غزوة الخندق إلى ما بعد غزوة حنين، وبهذا الدور انتشر الإسلام في الجزيرة العربيّة كلها، وأصبح المسلمون قوة ذات اعتبار وأثر في بلاد العرب، فاستطاعوا سحق كل قوة تعرضت للإسلام!
وأما دور التكامل: وهو من بعد غزوة حنين إلى أن التحق الرسول ﷺ بالرفيق الأعلى، فقد تكاملت قوات المسلمين بهذا الدور، فشملت شبه الجزيرة العربية كلها، وأخذت تحاول أن تجد لها متنفّساً خارج شبه الجزيرة العربية، فكانت غزوة تبوك إيذاناً بمولد الدولة الإسلاميّة الكبرى!
بهذا التطور المنطقي، تدرجّ الرسول القائد العصامي بقواته من الضعف إلى القوة، ومن الدفاع إلى الهجوم، ومن الهجوم إلى التعرّض، وبذلك بزّ كل قائد في كل أدوار التاريخ؛ لأنه أوجد قوة كبيرة ذات عقيدة واحدة وهدف واحد من لا شيء!
تلك هي الميزة الأولى للرسول القائد ﷺ !
стр. 160
والميزة الثانية لقيادته هي: (أن معاركه كانت حرب فروسيّة بكل معنى الكلمة، الغرض منها حماية نشر الإسلام، وتوطيد أركان السلام، فلم ينقض عهداً، ولم يمثّل بعدو، ولم يقتل ضعيفاً، ولم يقاتل غير المحاريين)!
وقال: (إن مهمة القائد في العصور الغابرة كانت أصعب من مهمته في العصر الحديث؛ لأن سيطرة القائد ومزاياه الشخصية، كانت العامل الحاسم في الحروب القديمة، بينما يسيطر القائد في الحروب الحديثة على قواته الكبيرة بمعاونة عدد ضخم من ضباط الركن الذين يعاونونه في مهمته، ويراقبون تنفيذ أوامره في الوقت والمكان المطلوبين، كما يسيطر القائد على قواته بوسائط المواصلات الداخلية الدقيقة من أجهزة لاسلكية، ورادار طائرات وأقمار صناعية ووسائط آليّة)!
وقال: (إن حياة رسول التوحيد والجهاد عليه أفضل الصلاة والسلام هي أسوة حسنة للمسلمين في كل زمان ومكان .. وإن النبيّ العربيّ صلوات الله عليه وتسليمه يطالبكم اليوم جميعاً، أن تجاهدوا من أجل الوحدة، وتتوحّدوا من أجل الجهاد)!
وهو كتاب أرجو أن تخرّج الأحاديث الواردة فيه، وأن يجد سبيله إلى الكليّات الحربيّة في البلاد الإسلاميّة!
ثالثاً: المنهج التبشيري الاستشراقي:
والمؤلفات في سيرة الرسول ﷺ من عهد الرسالة إلى يومنا هذا، في مختلف الأوطان الإسلاميّة وغير الإسلاميّة، تعدّ بالألوف، وما أُلف بالأردية - وحدها- في موضوع السيرة يبلغ ألفاً إن لم يزد عليه، مع أنها لم تصر لغة تأليف
стр. 161
إلا منذ قرنين على الأكثر -كما يقول سليمان الندوي- ﵀ (١)، وحين ننظر إلى من ألف في السيرة ممن لا يؤمنون بالرسول ﷺ ، ولا يوقنون برسالته، نجد كثيرين في الهند، على اختلاف مللها، قد ألفوا في السيرة، ونجد المبشّرين والمستشرقين قد كتبوا في السيرة، إرواء لظمئهم العلمي، أو محاولة للطعن في الكثير الغالب!
وفي مجلة (المقتبس) التي كانت تصدر في دمشق قبل نصف قرن تقريباً إحصاء لما صنف في السيرة النبويّة بمختلف اللغات الأوروبيّة بلغ نحو (١٣٠٠) ثلثمائة وألف كتاب، ولو أضفنا إلى هذا العدد ما صدر من المطابع الأوروبيّة في السيرة النبويّة خلال أربعين سنة بعد ذلك الإحصاء الذي نشرفه مجلة (المقتبس) لأربى على ذلك كثيراً!
١ - نقص معيب:
وقد أصدر مرجليوث الذي كان أستاذاً للغة العربيّة في (جامعة أكسفورد) سنة ١٩٠٥ م كتابه (محمد) وجعله حلقة في سلسلة (عظائم الأمم) وهو لم يكتب كتابه هذا ليثني فيه على رسول الله ﷺ ، بل لعله لم يُؤلَّف كاتبٌ بالإِنجليزيّة أشدّ تحاملاً على الرسول ﷺ مما جاء في هذا الكتاب، وقد حاول مرجليوث أن يشوه كل ما يتعلق بالسيرة الشريفة، وأن يشكك في أسانيدها، ولم يأل جهداً في نقض ما أبرمه التاريخ, ومعارضة ما حققّه المحقّقون من المنصفين، لكنه مع كل هذا لم يتمالك عن الاعتراف في مقدمة كتابه بأن الذين كتبوا في سيرة محمد ﷺ لا ينتهي ذكر أسمائهم، وأنهم يرون أن من الشرف للكاتب أن ينال المجد بتبوّئه مجلساً بين الذين كتبوا في السيرة المحمديّة!
стр. 162
وقد كتب جون ديون بورت سنة ١٨٧٠ م كتاباً بالإِنجليزيّة في السيرة المحمديّة عنوانه: (اعتذار من محمد والقرآن) والذي يقرؤه يخيّل إليه أنه كتبه بنزعة الإخلاص والإنصاف، يقول في مقدمته: (لا ريب أنه لا يوجد في الفاتحين والمشرعين، والذين سنوا السنن, من يَعْرفُ الناسُ حياتَهُ وأحواله أكثر تفصيلاً وأشمل بياناً، مما يعرفون من سيرة محمد ﷺ وأحواله)!
وألقى ريورند باسورث سميث Basworth smith عضو كلية التثليث في أكسفورد سنة ١٨٧٤ م محاضرات عن (محمد والمحمديّة) في الجمعية الملكيّة لبريطانيا، طُبعت كتاباً -كان أيضاً- أشدّ تحاملاً على الرسول ﷺ !
وإذا أراد الإنسان أن يفهم الأحداث ويفسرها، ويربطها بما قبلها وما تلاها، ينبغي أن يكون لديه الاستعداد لإدراك مقومات النفس والحياة (١)!
- مقومات النفس البشريّة: روحيّة، وفكريّة، وحيويّة!
- ومقومات الحياة الإنسانيّة: معنويّة، وفطريّة، وماديّة!
وأن يفتح روحه وفكره للحادثة، ويستجيب لوقوعها في مداركه، ولا يرفض شيئاً من استجاباته لها إلا بعد تحرّج وتمحيص ونقد!
وإذا كان يتلقّاها -بادئ ذي بدء- وهو معطل الروح، أو الفكر، أو الحس، عن عمد أو غير عمد، فإن هذا التعطيل المتعمّد أو غير المتعمّد يحرمه استجابة معيّنة للحادثة التاريخيّة، وعنصراً من عناصر إدراكها وفهمها على الوجه الكامل، ومن ثم يجعل تفسيره لها خاطئاً أو ناقصاً!
стр. 163
هذه الاستجابة الناقصة، هي أول ظاهرة تتّسم بها بحوث هؤلاء عن الموضوعات الإسلاميّة، وبخاصة السيرة النبويّة، ذلك أن هناك عنصراً ينقص طبيعة هؤلاء بصفة عامة، لإدراك الحياة الإسلامية، بصفة خاصة (عنصر الروحيّة الغيبيّة) وبخاصة في العصور الحديثة بعد غلبة النظريّات الماديّة، والطريقة التجريبيّة على وجه أخص، وكلما كانت هذه الموضوعات الإسلاميّة ذات صلة وثيقة بالفترة الأولى من حياة الإسلام، كان نقص الاستجابة إليها أكبر في العقليّة الاستشراقيّة الحديثة!
وقد ذكرت (عنصر الروحيّة الغيبيّهَ) على وجه الخصوص؛ لأنه أظهر ما يبدو فيه هذا النقص في الطبيعة عند هؤلاء، وفيه تكمن معظم أوجه الاختلاف بين الطبيعتين، وهي شتى، وكثيرة!
هذه المقدمة لا بد منها لبيان ما في تناول هؤلاء للسيرة النبويّة من:
- نقص طبيعيّ في الإدراك والتقدير!
- ونقص طبيعيّ في الفهم والتعبير!
- ونقص طبيعيّ في التفسير والتصوير!
ذلك أن انعدام عنصر من عناصر الاستجابة للحادثة أو ضعفه لا بد أن يقابله نقص في القدرة على النظر إلى الحادثة من شتى جوانبها .. وضياع عنصر من عناصر التقويم والحكم أمر لا يؤمن معه سلامة الحكم، أو على الأقل لا يسلم على علاته!
هذا النقص يعدّ عيباً في منهج العمل ذاته، وليس مجرد خطأ جزئي في تفسير حادثة، أو تصوير حالة!
стр. 164
ومن ثم فالمنهج التبشيري الاستشراقي في البحث في السيرة النبويّة يسبّب تعطيل أحد عناصر الاستجابة، سواء كان ناشئاً عن الطبيعة الغربيّة ذاتها وملابسات حياتها البيئيّة والتاريخيّة، أم ناشئاً عن تعمد المؤرخ تعطيل هذا العنصر، استجابة لمنهج معيّن في الدراسة .. هذا المنهج غير صالح لتناول الحياة الإسلاميّة، ويتجلى عدم الصلاحية أوضح وأقوى في جانب الدراسات التي تتعلق بالرسالة والرسول ﷺ !
وثمة سبب معيب في قيمة الدراسات التاريخية عند هؤلاء للحياة الإسلاميّة!
ذلك، أنه لا يخفى أن كل مرئي يختلف شكله باختلاف زاوية الرؤية، وكذلك الشأن في الأحداث والوقائع!
والأوروبيّ بطبيعة الحال ميّال إلى اعتبار أوروبّا هي محور العالم، فهي نقطة الرصد في نظره، ومن هذه الزاوية ينظر إلى الحياة والناس والأحداث!
وإذا كان بدهياً أن أوروبّا لم تكن هي محور العالم في كل عصور التاريخ, والأوروبيّ لا يملك اليوم أن يتخلّص من وهم وضعها الحاضر حين ينظر إلى الماضي .. أدركنا مدى انحراف الزاوية التي ينظر بها الأوروبيّ للحياة الإسلاميّة، وبخاصة السيرة النبويّة .. ومدى أخطاء الرؤية .. ومدى أخطاء التفسير والأحكام الناشئة من هذه الرؤية المعيّنة!
ذلك كله على افتراض النزاهة العلميّة المطلقة، وانتفاء الأسباب التي تؤثّر على هذه النزاهة!
فإذا نحن وضعنا في الحساب ما لا بدّ من وضعه، وما لا يمكن إغفاله من
стр. 165
أسباب ملحّة قاهرة عميقة، طويلة الأجل، متجدّدة البواعث، تؤثّر في نظرة الأوروييّ، للرسالة والرسول، وللحياة الإسلاميّة، وللعالم الإسلامي:
- من اختلاف في العقيدة!
- إلى كراهية للرسالة والرسول!
- إلى ذكريات تاريخيّة مريرة!
- إلى صراع سياسي واقتصادي واستعماري!
- إلى نزوات شخصيّة والتواءات فكريّة!
- إلى آخر تلك البواعث القديمة والمتجددة أبداً!
إذا نحن وضعنا في الحساب ذلك كله -ولابد أن نضعه لنضع الأمور في نصابها- وأضفنا إليه خطأ الرؤية .. أمكن أن نتعرف حقيقة الدراسات التبشيريّة الاستشراقيّة في الفكر الإسلامي -وبخاصة في السيرة النبويّة- وأن نتحرز التحرز العلمي الواجب .. لا من قبول هذه الدراسات على علاتها فحسب؛ بل من قبول المنهج الذي قامت عليه، ومحاولة اتباعه في دراستنا الإسلاميّة على وجه خاص!
٢ - تطوّر الموقف الغربي:
(وبدأ الموقف الغربي من الرسالة والرسول ﷺ يتشكل في إطار ديني صرف، مترع بالتعصب والتشنج والانفعال، مليء بالحقد والغضب والكراهية، تحيطه جهالة عمياء، متعمدة أحياناً وغير متعمدة أحياناً -كما يقول الدكتور عماد الدين خليل- (١) جعلت بين القوم وشخصيّة رسولنا ﷺ سداً
стр. 166
يصعب اختراقه، والنتيجة ليست أبحاثاً تاريخية علميّة أو موضوعيّة بحال!، إنما ذلك السيل المنهمر من الشتائم والسباب، مارسها رجال دين من قلب الكنيسة النصرانيّة باتجاهاتها المختلفة!، ومارسها رجال علمانيّون لا علاقة لهم بالكنيسة من قريب أو بعيد، وقد استمر هذا التيّار حتى العصر الراهن)!
وذكر من أقوالهم ما يدل على ذلك!
ثم قال: (وقد كان للنتائج التي تمخضّت عنها الحروب الصليبيّة طعم مرّ في حلوق الغربيين ما ذاقوه أبداً!، وإن ليوبولد فايس (محمد أسد) يتحدث عن التجربة التي استحالت معضلة في مناهجهم يصعب تجاوزها فيقول:
(فيما يتعلق بالإسلام، فإن الاحتقار التقليدي أخذ يتسلّل في شكل تحزب غير معقول إلى بحوثهم العلميّة، وبقي هذا الخليج الذي حفره التاريخ بين أورويّا والعالم الإسلامي (منذ الحروب الصليبيّة) غير معقود فوقه جسر، ثم أصبح احتقار الإسلام جزءاً أساسيًّا من التفكير الأوروبّي، والواقع أن المستشرقن الأولين في الأعصر الحديثة كانوا مبشرين نصارى، يعملون في البلاد الإسلاميّة، وكانت الصورة المشوهة التي اصطنعوها من تعاليم الإسلام وتاريخه مدبّرة على أساس يضمن التأثير في موقف الأوروبيّين من الوثنيّين، غير أن هذا الالتواء العقلي قد استمر)!
ثم قال: (أما تحامل المستشرقين على الإسلام فغريزة موروثة، وخاصة طبيعية تقوم على المؤثرات التي خلفتها الحروب الصليبيّة، بكل ما لها من ذيول، في عقول الأوروبيّين) (١)!
стр. 167
٣ - أخطاء منهجيّة:
ونستطيع أن نضع أيدينا على عدد من الأخطاء والثغرات المنهجيّة لهذه البحوث الاستشراقيّة .. ونشير هنا بالتحديد إلى ثلاث من هذه الثغرات (١):
الأولى: المبالغة في الشك، والافتراض، والنفي الكيفي، واعتماد الضعيف الشاذ!
الثانية: إسقاط الرؤية الوضعيّة، العلمانيّة، والتأثيرات البيئيّة المعاصرِ؛ على الوقائع التاريخيّة!
الثالثة: رد معطيات السيرة إلى أصول نصرانيّة أو يهوديّة!
٤ - المذهب الذاتي:
وفي القرن التاسع عشر ظهرت طرائق كثيرة متنوعة في كتابة التاريخ وتدوينه، إلى جانب الطريقة الموضوعيّة، أو ما يسمونه بالمذهب العلمي، وقد تلاقى معظم هذه المذاهب -كما يقول الدكتور البوطي (٢) - فيما أطلق عليه اسم (المذهب الذاتي)، ويعد (فرويد) من أكبر الدعاة إليه، والمتحمسين له!
ولا يرى أقطاب هذا المذهب من ضير في أن يقحم المؤرخ نزعته الذاتيّة، أو اتجاهه الفكري أو المديني أو السياسي في تفسير الأحداث وتعليلها، والحكم على أبطالها!، بل إنهم يرون أن هذا هو واجب المؤرخ، لا مجرد وصف الأخبار، وتجميع الوقائع العارية!
стр. 168
ونحن وإن كنا لسنا بصدد الحديث عن المذاهب التاريخيّة ونقدها، فإن علينا ألا نخفي أسفنا أن يجد هذا المذهب -في عصر العلم والاعتزاز به وبمنهجيّته- دعاة إليه، ومؤمنين به، ذلك لأن هذا المذهب كفيل أن يمزق جميع الحقائق والأحداث التي يحتضنها الزمن في هيكله القدسي القديم الماثل أمام الأجيال، بفعل أخيلة التوسم، وشهوة الذات، وعصبيّة النفس والهوى، وكم من حقيقة مسخت، وأحداث نكّست، وأمجاد دثرت، وبرآء ظلموا، تحت سلطان هذه المحكمة الوهميّة الجائرة!
فهل كان لهذا المذهب الجديد تأثير على كتابة السيرة وطريقة تحليلها؟
٥ - مدرسة جديدة:
الحقيقة أن هذا المذهب الجديد في كتابة التاريخ قد أصبح أساساً لمدرسة جديدة في دراسة السيرة النبويّة وفهمها عند طائفة من الباحثين، فكيف نشأت هذه المدرسة؟ وما عوامل نشأتها؟ وما مصيرها اليوم؟
تعود نشأة هذه المدرسة إلى أيام الاحتلال البريطاني لمصر، حيث كانت آنذاك منبر العالم الإسلامي كما نعلم، يعنو إليه بتفكيره وعقله كلما أراد أن يعلم عن الإسلام علماً، كما يعنو إلى كعبة الله بوجهه كلما أراد حجاً أو صلاة!
وكان في استمرار هذا الصوت العظيم من جانب، وفي استمرار إنصات العالم الإسلامي إليه من جانب آخر، ما لا يدع للاحتلال البريطاني فرصة هدوء واستقرار .. ومهما أخضعت بريطانيا لنفسها الوادي كله تحت سلطان من قوة الحديد والنار، فإنه خضوع موقوف لا يُطمأن إليه، ما بقيت للأزهر الشريف هذه القيادة الحيّة!
стр. 169
وكان الاعتماد على نقطة ضعف أليمة، كانت تعاني منها مشاعر الأمة الإِسلاميّة عامة، بما فيها مصر وغيرها، وهي إحساس المسلمين بما انتابهم من الضعف والتخلف والشتات، إلى جانب ملاحظتهم للنهضة العجيبة التي نهضها الغرب في شتى المجالات الفكريّة والعلميّة والحضاريّة!
وقد كان المسلمون يتطلعون -ولا ريب- إلى اليوم الذي يتحرّرون فيه من الأثقال التي خلفتهم إلى الوراء، ليشتركوا مع الآخرين في رحلة الحضارة والمدنية والعلم الحديث!
من هذا السبيل تسلّل الهمس، بل الكيد الاستعماري إلى صدور بعض من قادة الفكر، ولقد كان مؤدى هذا الهمس أن الغرب لم يتحرر من أغلاله، إلا يوم أخضع الدّين لمقاييس العلم! فالدّين شيء، والعلم شيء آخر، ولا يتم التوفيق بينهما إلا بإخضاع الأول للثاني! وإذا كان العالم الإسلامي حريصاً حقًّا على مثل هذا التحرر فلا مناص له من أن يسلك الطريق ذاته، وأن يفهم الإسلام هنا كما فهم الغرب النصرانية هناك، ولا يتحقق ذلك إلا بتخلص الفكر الإسلامي من سائر الغيبيّات التي لا تفهم، ولا تخضع لمقاييس العلم الحديث!
وسرعان ما خضع لهذا الهمس أولئك الذين انبهرت أبصارهم بمظاهر النهضة الأوروبيّة الحديثة، ممن لم تترسّخ حقائق الإيمان بالله في قلوبهم، ولا تجلت حقائق العلم الحديث وضوابطه في عقولهم، فتنادوا فيما بينهم إلى التحرّر من كل عقيدة غيبيّة لم تصل إليها اكتشافات العلم الحديث، ولم تدخل تحت سلطان التجربة والمشاهدة الإنسانيّة!
فكان أن قاموا بما عرف بعد باسم الإصلاح المديني، واقتضى منهم ذلك أموراً عديدة، منها تطوير كتابة السيرة وفهمها، واعتماد منهج جديد في
стр. 170
تحليلها، يتّفق وما استهدفوه من الإعراض عن كل ما يدخل في نطاق الغيبيّات والخوارق التي لا يقف العلم الحديث منها موقف فهم أو قبول!
ولقد كان لهم في الطريقة الذاتيّة في كتابة التاريخ خير ملجأ يعينهم على تحقيق ما قصدوا إليه، وبدأت تظهر كتب في السيرة النبويّة، تستبدل بميزان الرواية والسند وقواعد التحديث وشروطه طريقة الاستنتاج الشخصي، وميزان الرضا النفسي، ومنهج التوسّم الذي لا يضبطه شيء إلا دوافع الرغبة، وكوامن الأغراض والمذاهب التي يضمرها المؤلف!
وقد ظهرت كتابات متفرّقة في الصحف المصريّة تحت عنوان (حياة محمد) في ملاحق السياسة عام ١٩٣٢ م على أنها ترجمة لكتاب (إميل درمنجم) تلخيص وتعليق الدكتور (محمد حسين هيكل)!
ثم ظهرت فصول (على هامش السيرة) في الأعداد الأولى من مجلة الرسالة عام ١٩٣٣ م، للدكتور (طه حسين)!
وظهرت فصول (عبقريّة محمد) عام ١٩٤٢ م بعد أن اشتعلت الحرب العالميّة الثانية بعامين، للأستاذ (عباس العقاد)!
وكان الكتّاب الثلاثة في ذلك الوقت من المعروفين في مجال الدراسات الأدبيّة والسياسيّة بأنهم عصريّون، قليلو الاهتمام بالدراسات الإسلاميّة، في الوقت الذي كانت جريدة السياسة تحمل حملات ضخمة على الإسلام، وتؤازر الغزو الثقافي!
بل لقد حمل (العقاد) حملة ضارية على الكتب الإسلاميّة التي صدرت عام ١٩٣٥ م في جريدة (روز اليوسف) وعدّها ظاهرة خطيرة، وقال:
стр. 171
(إن هذه الكتابات بمثابة مؤامرة على القضيّة الوطنيّة) (١)!
وتردّد يومها أن الدكتور (هيكل) قد أحرز قدرًا ضخماً من الكسب المادي من كتابه (حياة محمد) الذي سنعرض له فيما بعد!
ومن ثم أصبحت الكتابة الإسلاميّة موضع تقدير في نظر الكتاب!
غير أن أخطر ما هنالك أن (هيكل) و (علي عبد الرازق) أعلنا موقفاً خطيراً في مجلس الشيوخ، عندما أثير النقاش في كتابات (طه حسين) ووقفا للدفاع عنه، وتبيّن أن هذه الكتابة لم تصدر عن إيمان برسالة الإسلام (ديناً ودولةً)، وإنما كانت من الأعمال السياسيّة والحزبيّة!
وإذا كانت كتب (حياة محمد)، و (على هامش السيرة)، و (العبقريّات) قد هزّت وجدان المسلم وقتها، وأحدثت نوعاً من الإعجاب والتقدير، فإن هذا كان هدفاً مقصوداً في مواجهة حركة اليقظة الإسلاميّة التي تهدف إلى تقديم الإسلام كمنهج حياة، ونظام مجتمع، بكتابات إسلامية، من أقلام لها مكانتها السياسيّة في الجماهير، لتحويل التيار نحو المفاهيم الأخرى، وهو ما يسمى (تقديم البديل) المتشابه ظاهريًّا، والمختلف جوهراً، وهو بهذا استجابة ظاهرية للتيار الإسلامي، ومحاولة لاحتوائه!
وكان هذا هدفاً مقصوداً لفرض المفهوم الغربي على السيرة النبويّة، والتاريخ الإسلامي، وهو المفهوم البعيد عن الوحي والغيبات والمعجزات!
بيد أن هذه الظاهرة بالإعجاب بكتب هؤلاء عن السيرة النبويّة لم قدم
стр. 172
طويلاً، فقد تكشّفت خفاياها، وظهر بجلاء ووضوح أن منهج الكتابة لم يكن إسلامياً أصيلاً، وإنما تشوبه التبعيّة لمناهج الاستشراق والتغريب!
ورأينا الدكتور (طه حسين) قد أعلن أنه استوحى (على هامش السيرة) من كتاب (جيل لومتير) عنوانه (على هامش الكتب القديمة) وقد حشد فيه كل ما استطاع من أساطير اليونان وغيرهم!
وقد صرّح في مقدمة كتابه بقوله (١):
(هذه صحف لم تكتب للعلماء ولا للمؤرخين؛ لأني لم أرد بها إلى العلم، ولم أقصد بها إلى التاريخ, وإنما هي صورة عرضت لي أثناء قراءتي للسيرة، فأثبتها مسرعاً، ثم لم أر بنشرها بأساً، ولعلّي رأيت في نشرها شيئاً من الخير، فهي تردّ على الناس أطرافاً من الأدب القديم، قد أفلتت منهم، وامتنعت عليهم، فليس يقرأها منهم إلا أولئك الذين أتيحت لهم ثقافة واسعة عميقة في الأدب العربيّ القديم، وإنك لتلتمس الذين يقرؤون كتب القدماء في السيرة، وحديث العرب قبل الإسلام، فلا تكاد تظفر بهم .. إلى أن قال:
وفي أدبنا العربي على قوته الخاصة، وما يكفل للناس من لذة ومتاع، قدرة على الوحي، وقدرة على الإلهام، فأحاديث العرب الجاهليّن وأخبارهم لم تكتب مرّة واحدة، ولم تحفظ في صورة بعينها، وإنما قصّها الرواة في ألوان من القصص، وكتبها المؤلفون في صنوف من التأليف، وقل مثل ذلك في السيرة نفسها، فقد ألهمت الكتّاب والشعراء في أكثر العلوم الإسلاميّة، وفي أكثر البلاد الإسلاميّة أيضاً، فصوّروها صوراً مختلفة تتفاوت حظوظها
стр. 173
من القوّة والضعف، والجمال الفني، وقيل مثل هذا في الغزوات والفتوح .. إلى أن قال:
وأنا أعلم أن قوماً سيضيقون بهذا الكتاب؛ لأنهم مُحْدثون يكبرون العقل، ولا يثقون إلا به، ولا يطمئنون إلا إليه، وهم لذلك يضيقون بكثير من الأخبار والأحاديث التي لا يسيغها العقل ولا يرضاها، وهم يشكون ويلحّون في الشكوى حين يرون كلف الشعب بهذه الأخبار، وجدّه في طلبها، وحرصه على قراءتها والاستماع لها، وهم يجاهدون في صرف الشعب عن هذه الأخبار والأحاديث، واستنقاذه من سلطانها الخطر المفسد للعقول.
هؤلاء سيضيقون بهذا الكتاب بعض الشيء؛ لأنهم سيقرؤون فيه طائفة من هذه الأخبار والأحاديث التي نصبوا أنفسهم لحربها، ومحوها من نفوس الناس.
وأحبّ أن يعلم هؤلاء أن العقل ليس كل شيء، وأن للناس ملكات أخرى ليست أقلّ حاجة إلى الغذاء والرضا من العقل، وأن هذه الأخبار والأحاديث إذا لم يطمئن إليها العقل، ولم يرضها المنطق، ولم تستقم لها أساليب التفكير العلمي؛ فإن في قلوب الناس وشعورهم وعواطفهم وخيالهم وميلهم إلى السذاجة، واستراحتهم إليها من جهد الحياة وعنائها، ما يحبّب إليهم هذه الأخبار، ويرغّبهم فيها، ويدفعهم إلى أن يلتمسوا عندها الترفيه على النفس، حين تشق عليهم الحياة، وفرق عظيم بين من يتحدّث بهذه الأخبار إلى العقل على أنها حقائق يقرّها العلم، وتستقيم لها مناهج البحث، ومن يقدّمها إلى القلب والشعوب على أنها مثيرة لعواطف الخير، صارفة عن بواعث الشرّ، معينة على إنفاق الوقت، واحتمال أثقال الحياة، وتكاليف العيش ..)!
стр. 174
ومن ثم وجدنا (على هامش السيرة) قد مهّد إلى استلهام السيرة النبويّة في الأدبي العربي الحديث شعرًا ونثرًا، وفي الحضارة الجديدة المسموعة والمرئيّة في (التليفزيون)، فيما أعدته (أمينة الصاوي)، حتى قال الدكتور (طه حسين) في رسالته إليها سنة ١٩٤٣ م:
(وأول ما أسجله لك أنك تحسنين الحوار، على نحو الأستاذ (توفيق الحكيم)، وأنك بالغة شأواً عظيماً، وأني أنصحك بدراسة فن التمثيل) (١)!
والأستاذ (العقاد) قد بدأ عمله بمنطق غربي محض، هو فكرة (العبقريّة) التي تناولتها كتابات الغربيّين شوطاً طويلاً عن نوع من الامتياز أو الذكاء، في مجالات (الفن)، و (الموسيقى)، و (الشعر)، و (القصة) في الغرب، وفيما يتعلّق بالسيرة النبوّية، وما كتب عن الصحابة ﵃، دون تفرقة واضحة بين النبيّ والصحابي!!
مع أن له مواقف طيبة في مواجهة الغربيين الذين يكتبون عن (الدّين القيّم) (٢)!
٦ - الإيمان بالغيب:
وإذا كانت هذه المدرسة الجديدة في كتابة السيرة قد استبدلت بقواعد التحديث رواية ودراية منهجاً يتفق وما استهدف من الإعراض عن كل ما يدخل في نطاق الغيبيّات، فإن هذا يتعارض مع السمة الأولى من سمات المتقين: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ
стр. 175
يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة]!
وهذه السمة هي الوحدة الشعوريّة الإيجابيّة الفعالة .. الوحدة التي تجمع في نفوسهم بين الإيمان بالغيب (١)، والقيام بالفرائض، والإيمان بالرسل كافة، واليقين بعد ذلك بالآخرة .. هذا التكامل الذي تمتاز به العقيدة الإسلاميّة، وتمتاز به النفس المؤمنة بهذه العقيدة .. والجدير بأن تكون عليه العقيدة الأخيرة التي جاءت ليلتقي عليها الناس جميعاً، ولتهيمن على البشريّة جميعاً، وليعيش الناس في ظلالها بمشاعرهم وبمنهج حياتهم حياة متكاملة، شاملة للشعور والعمل، والإيمان والنظام!
ومن ثم لا تقوم حواجز الحسّ دون الاتصال بين أرواحهم والقوة الكبرى التي صدرت عنها، وصدر عنها الوجود .. ولا تقوم تلك الحواجز بين أرواحهم وسائر ما وراء الحسّ من حقائق وقوى وطاقات وخلائق وموجودات!
والإيمان بالغيب هو العقبة التي يجتازها الإنسان، فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه، إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيّز الصغير المحدود الذي تدركه الحواسّ -أو الأجهزة التي هي امتداد للحواسّ- وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود، في إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرة وتدبير، كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض، فليس من يعيش في الحيّز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته، ويتلقّى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه، ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان
стр. 176
من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود .. وأن وراء الكون ظاهره وخافيه، حقيقة أكبر من الكون، هي التي صدر عنها، واستمد من وجودها - وجوده .. تلك التي لا تدركها الأبصار، ولا تحيط بها العقول!
وعندئذ تصان الطاقة الفكرية المحدودة المجال عن التبدّد والتمزّق والانشغال بما لم تخلق له، وما لم توهب القدرة للإحاطة به، وما لا يجدي شيئاً أن تنفق فيه!
إن الطاقة التي وهبها الإنسان، وهبها ليقوم بالخلافة في هذه الأرض، فهي موكلة بهذه الحياة الواقعة القريبة، تنظر فيها، وتتعمّقها وتتقصّاها، وتعمل وتنتج، وتنمّي هذه الحياة وتجمّلها، على أن يكون لها سند من تلك الطاقة الروحيّة التي تتصل مباشرة بالوجود كله، وخالق الوجود، وعلى أن تدع لما لا يدرك حصته في الغيب الذي لا تحيط به العقول!
فأما محاولة إدراك ما وراء الواقع بالعقل المحدّد الطاقة بحدود هذه الأرض والحياة عليها دون سند من الروح الملهم والبصيرة الفتوحة، وترك حصة للغيب لا تدركها العقول!
فأما هذه المحاولة فهي محاولة فاشلة أولاً، ومحاولة عابثة أخيراً!
فاشلة؛ لأنها تستخدم أداة لم تخلق لرصد هذا المجال!
وعابثة؛ لأنها تبدّد طاقة العقل التي لم تخلق لمثل هذا المجال!
ومتى سلم العقل البشري بالبديهة العقليّة الأولى، وهي أن المحدود لا يدرك المطلق، لزمه -احتراماً لمنطقه ذاته- أن يسلّم بأن إدراكه للمطلق مستحيل، وأن عدم إدراكه لما لا يدرك لا ينفي وجوده في ضمير الغيب المكنون، وأن عليه أن
стр. 177
يكل الغيب إلى طاقة أخرى غير طاقة العقل، وأن يتلقى العلم في شأنه من العلم الخبير الذي يحيط بالظاهر والباطن، والغيب والشهادة!
وهذا الاحترام لمنطق العقل في هذا الشأن هو الذي يتحلّى به المؤمنون، وهو الصفة الأولى من صفات المتقين!
٧ - السيرة المحمديّة تحت ضوء العلم والفلسفة:
ومع أن الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيميّة، فإن جماعة الماديين في هذا الزمان كجماعة الماديّين في كل زمان ومكان، وعصر ومصر، وجيل وقبيل، يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى، إلى عالم البهيميّة الذي لا وجود فيه لغير المحسوس! ويسمون هذا (تقدميّة)!
وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إيّاها، فجعل صفتهم الأولى المميّزة صفة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾!
والحمد لله على نعمائه، والنكسة للمنتكسين والمرتكسين!
ومن ثم بدأت تظهر كتابات في السيرة النبويّة، يستبعد أصحابها كل ما يدخل في باب المعجزات والخوارق -وهو من المصادر عند المسلمين-كما أسلفنا- وأخذوا يرجون للرسول ﷺ صفة العبقرية والعظمة والبطولة وما شاكلها!
وانطلق (محمد فريد وجدي) ينشر سلسلة مقالاته في مجلة (نور الإسلام) في مصر تحت عنوان: (السيرة المحمديّة تحت ضوء العلم والفلسفة)، داعياً إلى فهم الإسلام والسيرة النبويّة عن هذا الطريق .. طريق ألا يستسلم العقل للغيبيات ولا للخوارق والمعجزات!
стр. 178
٨ - (حياة محمد) للدكتور هيكل:
ولقد كان كتاب (حياة محمد) للدكتور محمد حسين هيكل -كما أسلفنا- التجربة الرائدة في هذا المضمار، أعلن فيه أنه لا يريد أن يفهم حياة الرسول ﷺ إلا على هذه الطريقة الحديثة، حيث قال (١):
(إنني لم آخذ بما سجلته كتب السيرة، وكتب الحديث، ولم أنهج في التعبير عن مختلف الحوادث نهجها .. وإنني أفعل ذلك؛ لأنه الوسيلة الصالحة في نظر المعاصرين .. وما كان لي -وذلك شأني- أن أتقيّد بنهج الكتب القديمة وأساليبها .. وإن كثرة الكتب القديمة كانت تكتب لغاية دينيّة تعبديّة، على حين يتقيّد كتاب العصر الحاضر بالنهج العلمي والنقد العلمي .. لكني رأيت من الخير أن أنبسط بعض الشيء في بيان الأسباب التي دعت المفكّرين من أئمة المسلمين فيما مضى، وتدعوهم اليوم، كما تدعو كل باحث مدقّق، إلى عدم الأخذ جزافاً بكل ما ورد في كتب السيرة وفي كتب الحديث، وإلى التقيّد بقواعد النقد العلمي تقيّداً يعصم من الزلل)!
٩ - المقياس الصحيح للحديث عنده حديث موضوع:
وقال (٢): (وعندنا أن خير مقياس يقاس به الحديث، وتقاس به سائر الأنباء التي ذُكرت عن النبي، ما روى عنه ﵇ أنه قال: "إِنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فمني، وما خالفه فليس عني")!
стр. 179
قال: (وهذا مقياس دقيق، أخذ به أئمة المسلمين منذ العصور الأولى، وما زال المفكرون منهم يأخذون به إلى يومنا الحاضر)!
قلت: هذا المقياس الصحيح عنده حديث موضوع، وليس مقياساً دقيقاً كما زعم، ولم يأخذ به أئمة المسلمين منذ العصور الأولى!
ولم يأخذ به المفكّرون الذين يعتدّ بفكرهم، ولكن أخذ به أعداء السنة، والذين طعنوا في الأحاديث الصحيحة! وتابعوا المستشرقين في ذلك (١)!
وحسبنا أن نذكر -بإيجاز- أن هذا الحديث الموضوع قد ورد بعدة روايات لا يصلح شيء منها للاحتجاج والاستشهاد، وقد جمع ابن حزم في (الأحكام) (٢) بعض ألفاظ هذا الحديث وأبان عن عللها!
وجاء في (عون المعبود) (٣): (إنه حديث باطل لا أصل له، وقد حكى زكريا الساجي عن يحيى بن معين أنه قال: هذا حديث وضعته الزنادقة، ونقل الفتني في (تذكرة الموضوعات) (٤) عن الخطابي أيضاً: وضعته الزنادقة، وقد سئل الحافظ ابن حجر عن هذا الحديث فقال: إنه جاء من طرق لا تخلو عن مقال، وقد جمع طرقه البيهقي في كتابه (المدخل)، وقال الصغاني: هو حديث موضوع) (٥)!
стр. 180
١٠ - موقفه من حديث شق الصدر:
وقال في حديث شق الصدر:
(في هذه الفترة، وقبل أن يبلغ الثالثة، تقع الرواية التي يقصّونها، من أنه كان مع أخيه الطفل في سنّه في بَهم لأهله خلف بيوتهم، إذ عاد أخوه الطفل السعدي يعدو ويقول لأبيه وأمه: ذلك أخي القرشي قد أخذه رجلان، عليهما ثياب بيض، فأضجعاه فشقّا بطنه، فهما يسوطانه، ويروى عن حليمة أنها قالت عن نفسها وزوجها:
فخرجت أنا وأبوه، فوجدناه قائماً ممتقعاً وجهه، فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا له: مالك يا بني؟ فقال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاني فشقّا بطني، فالتمسا منه شيئاً لم أدر ما هو)!
ورجعت حليمة ورجع أبوه إلى خبائهما، وخشي الرجل أن يكون الغلام قد أصابه الجن، فاحتملاه إلى أمه بمكة!
ويروي ابن إسحاق في هذه الواقعة حديثاً عن النبي بعد بعثه، لكن ابن إسحاق يحتاط بعد أن يقصّ القصّة، ويذكر أن السبب في رده إلى أمه لم يكن حكايته الملكين، وإنما كان على ما روته حليمة لآمنة، أن نفراً من نصارى الحبشة رأوه معها حين رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه وسألوها عنه وقلّبوه، ثم قالوا: لنأخذن هذا الغلام فلنذهب به إلى ملكنا وبلدنا، فإن هذا الغلام كائن له شأن، نحن نعرف أمره، ولم تكد حليمة تنفلت به منهم، وكذلك يرويها