لسان النبي ﷺ كلمات أخبث الكفر، وأن النبيّ ﷺ قبل ذلك، وتلاه فيما تلا من آيات الله، واستقرّ ذلك عنده اعتقاداً حتى سجد في آخر السورة، وسجد معه المشركون، تعظيماً لآلهتهم التي مدحت بهذا الكلام الخبيث حتى نزل ملك الوحي بعد مضيّ قدر من الزمن، فاستقرأ النبيّ ﷺ آيات السورة التي جاء بها إليه، فقرأ النبيّ ﷺ ، وزاد (في زعم مثبتي أكذوبة الغرانيق) كلمات الشيطان في مدح الأوثان، فنبّهه جبريل ﵇ ... فكيف ينسب للنبي ﷺ ، وهو المحفوظ بالعصمة من تلبيس الشيطان أنه يأمر بأمر، ثم يأمر بخلافه في (قصة الغرانيق الكاذبة الماطلة)؟!
وكيف يكون مصدّقاً في الأمرين؟
الأمر الأوّل، وهو زعم إلقاء الشيطان على لسانه أخبث الكفر!
والأمر الثاني، وهو إزالة هذا الضلال الكفور الذي يستحيل أن يكون النبي ﷺ قاله بلْه أمر به!
وإذا صدق في الأمرين في (أكذوبة الغرانيق)، فماذا يبقى له ﷺ من الثقة به في النفس، لتتلقّى عنه ما يبلّغه من رسالته عن الله تعالى من الهداية؟
وإذا قال بعد ذلك أنه أمر بالأمرين:
أمر الحق الذي أزال به ما ألقاه الشيطان، وأمر الباطل الذي لبّس به عليه الشيطان، إذن فالأمر الثاني -أي الناسخ لما ألقاه الشيطان من الكفر والضلال هو من عند الله، وأن الأمر الأوّل المنسوخ ليس كذلك -أي ليس من عند الله- فكيف يكون ذلك أدلّ على اعتماده الصدق وقوله الحق، ولا شكّ أن الأمر الأوّل كذب وافتراء على الله تعالى ويستحيل وقوعه من النبي ﷺ !
стр. 1262
فإذا قال (الغرنوقيّون) إنه قد وقع فقد نسبوا الكذب المتعمّد على الله إلى النبي ﷺ ! فيما بلّغه عنه، فأين الصدق الذي يدلّ عليه؟
وإذا نسب إليه ﷺ الكذب في الأمر الأوّل المنسوخ فما برهان صدقه في الأمر الثاني، وهو الناسخ الذي نزل لمحو الباطل، وأنه ليس من عند الله، وإنما هو من عمل الشيطان وتلبيسه!
هذه كلها أباطيل حكيت من نسج الزندقة وأخبث الكفر، وخدع بها الأغرار -إن صحت بعض روايات المراسيل في أكذوبة الغرانيق- فكيف قبلها الشيخ الإِمام ابن تيمية، وهو صاحب الرسوخ في فقه الرواية ونقد الأسانيد؟!
وقد انتهى الشيخ الإِمام ابن تيمية إلى القول بأن الذين يثبتون العصمة بمعنى عدم وقوع الذنب من الأنبياء والمرسلين، ولاسيّما فيما يبلّغونه عن الله تعالي تأوّلوا بمثل تأويلات (الجهميّة) و (القدريّة) و (الدّهريّة) لنصوص (الأسماء والصفات) ونصوص (القدر) ونصوص (المعاد)، بل أوسع الشيخ في التهمة للنافين وقوع الذنب من الأنبياء والرسل فرماهم بـ (القرمطة) إلى أن قال: وهؤلاء يقصد أحدهم تعظيم الأنبياء فيقع في تكذيبهم، ويريد الإيمان بهم فيقع في الكفر بهم!
وتهمة (الجهميّة) و (القدريّة) و (القرمطة) تهمة تقليديّة شائعة، ولا سيّما في عصر الشيخ الإِمام ابن تيميّة على ألسنة المنتحلين لطريقته ومذهبه، يُرمى بها كل من يفهم نصوص الأسماء والصفات فهماً تنزيهيًّا يليق بجلال الله وكمال ألوهيَّته!
يقول الشيخ عرجون: وإنما عرضنا رأي الشيخ الإمام وناقشناه مناقشة
стр. 1263
تفصيليَّة بعد ما منّ الله به في إبطال (أقصوصة الغرانيق)؛ لأن دويّ سمعة الشيخ وهالات الإجلال من حوله جعل كثيراً من الناس لا يتفقّهون فيما قيل، ولكنهم يكتفون بمن قال، فأردنا أن ننبّه على ما في إثبات (أكذوبة الغرانيق) من خطورة على العقيدة التوحيديّة التي كان الشيخ الإِمام أحرص عليها، وعلى دعائمها بني مريدوه، والآخذون بآرائه، مجده التاريخيّ بين أعلام أئمة علماء الأمة!
ويقول: وقد ناقشنا رأي الشيخ الإِمام في (أقصوصة الغرانيق) مناقشة بحث علمي، وهي أشدّ هدماً للعقيدة التوحيديّة، من كثير من القضايا والمسائل التي قرن بها اسمه في اجتهاديّاته، ولقي في سبيلها كثيراً من البلاء والمحن- لئلا يقع في خطئها من يتمسّك بالتقليد والاغترار بهالات الأسماء!
ويقول: والبحث العلميّ لا يقف هيّاباً لهالات الأسماء، وإنما يقف مع الحجّة والبرهان، وقد حُذِّرْنا من زلة العالم، وعثرة الأكابر، والله يهدي من يشاء وإليه المصير!
قلت: معلوم أن كل إنسان مهما علا قدره يؤخذ منه ويرد، مع تقديرنا لجهود ومكانة شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى!
رأي أهوج للكوراني:
هذا، وللشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني ... رأي متزيّدٌ جريء أهوج، حاول فيه تصحيح (أسطورة الغرانيق الكاذبة الباطلة) حتى كأنه هو واضعها، لم يكتف فيه بالبحث في أسانيد روايات القصّة، كما صنع غيره من مثبتيها، ولم يبال بما تؤدي إليه من معان خطيرة في
стр. 1264
سيرة سيّد المرسلين ﷺ ، ولكنه تزيّد باجتهاده متعالماً، واختلق للقصّة سبباً وحكمةً، لم يسبقه إليهما أحدٌ من ملّة الإِسلام، زعم أنها وقعت لهذا السبب، بتلك الحكمة، وخف على نفسه ودينه أن يقيم منهما حكماً على النبي ﷺ ، ليكشف أنه كان مفتقراً إلى (التأديب) لأنه افتأت على إرادة الله وقدره، فأراد إيمان الناس جميعاً، والله لم يرد ذلك ولا قدّره، فكان ﷺ محلاً للتأديب والتصفية من آثار هذه الإرادة حتى تفنى إرادته في إرادة الله تعالى، فلا يريد إلا ما يريد الله، ويقدّره، فسلّط عليه الشيطان ليغويه، ويلقي على لسانه في أثناء تلاوته لآيات الله المنزلة من عند الله كلمات كافرة تمدح الأوثان، وتجعل منهم شفعاء لعابديهم، تُرضي شفاعتهم وتُرتجى، وإذا كان شيء غير أكفر الكفر وصفاً يمكن أن يوصف به هذا الهوج الأحمق فليكن هذا الوصف مستعاراً لنعت موقف الكوراني إبراهيم بن حسن (خاتمة المتزندقين في عصره)!
فإذا قيل للشيخ إبراهيم الكوراني: إن الله تعالى عصم أنبياءه عن تسلّط الشيطان عليهم، وأخبر عن هذه العصمة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ (الحجر)!
وفي قوله تعالى حاكياً على لسان إبليس استثناءهم من إغوائه: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ (ص)!
قال: في تأويل آيات الله في (فلسفة متزندقة) لم يجرؤ أحد من مثبتي (أبطولة الغرانيق) على القول بمثله: إن السلطان المنفي هو الإغواء، أعني التلبيس المخلّ بأمر الدّين، وهو الذي وقع الإجماع على أن النبي ﷺ معصوم منه، وأما الإغواء غير المخلّ بأمر الدّين فلا دليل على نفيه ولا إجماع على العصمة منه، إذن هناك إغواء للشيطان في زعم هذا الكوراني، إغواء يخلّ بأمر
стр. 1265
الدّين، وإغواء لا يخلّ بأمر الدّين!
قلنا: أليس هذا تحريفاً في تفسير آيات الله تعالى المنزِّهة لعباده المخلصين عن تسلّط الشيطان عليهم بإغوائه وإضلاله وتلبيسه؟! والآيات مطلقة في نفي سلطان الشيطان وإغوائه، والإطلاق هو اللائق بعصمة الأنبياء!
فمن أين للشيخ الكوراني هذا التقسيم المخترق، الذي جعل من إغواء الشيطان إغواءً مخلاً بأمر الدّين، هو فقط مخلّ العصمة عنده، وأما الإغواء الذي لا يخلّ بأمر الدّين، فليس هو مخلاً لعصمة تمنع من وقوعه وتسلّط الشيطان على الأنبياء به؟!
ثم كيف يكون إغواء الشيطان غير مخلّ بالدّين، وعداوة الشيطان كلها للإنسان مرجعها إلى إفساد الدّين بتزيين الكفر والفسوق والعصيان؟!
وإذْ فرض الشيخ الكوراني هذا التقسيم المبتدع واقعاً، فليكن شرعاً وديناً تسري أحكامه على الناس الأنبياء فمن دونهم، وليكن الإغواء الذي لا يخلّ بأمر الدّين -وإن كان لا وجود له في واقع الحياة- هو الذي لا تتعلّق به العصمة، وبه يتسلّط الشيطان عليهم فيغويهم ويضلّهم ويلبّس عليهم، ويريهم أن الشيطان ملك، وأن الملَك شيطان، وأن الأوثان آلهة تشفع لعابديها، وشفاعتها مرجوّة مرتضاة!
وبهذا الإغواء -الذي لا يخلّ بأمر الدّين- وقعت (أخلوقة الغرانيق لتأديب النبي ﷺ على افتئاته على الله تعالى) وفرض إرادته في إيمان الناس جميعاً، مراغمة لإرادة الله تعالى الذي لم يرد إيمان جميع الناس ولا قدره!
هكذا منطق (فلسفة الشيخ إبراهيم الكوراني المتزندقة) الذي أراد به
стр. 1266
الكلام في (أكذوبة الغرانيق المتزندقة)، فالشيطان أغوى سيّد الخلق محمداً ﷺ إغواءً لا يخلّ بأمر الدّين، ولبّس عليه وأراه أنه أمن الوحي جبريل، وألقى على لسانه، وهو ﷺ يتلو آيات الله المنزلة عليه في سورة (النجم) كلمات أخبث الكفر من الكلمات التي تمدح الأوثان، وتؤكد أن لها شفاعةً مرجوّة مرتضاة، فيتقبّل النبي ﷺ هذه الكلمات الخبيثة الكافرة على أنها مما نزل عليه من آيات الله -من قبيل الإغواء الذي لا يخلّ بأمر الدّين في شرعة الشيخ إبراهيم الكوراني- ويبقى النبي ﷺ على هذا الإغواء زمناً لا يُدرى مدى طوله، حتى ينزل عليه أمين الوحي جبريل فيستقرئه ما أنزله عليه من آيات الله، فيقرأ النبي ﷺ الآيات من أول سورة (النجم) إلى قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾! ثم يقول بعدها: (تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى) فيقول أمين الوحي جبريل: ما جئتك بهذا، هذا من الشيطان!
هذا هو الإغواء الذي تزعم (أخلوقه الغرانيق) في رواياتها الباطلة أنه وقع للنبيّ ﷺ لتأديبه في فلسفة الشيخ الكوراني، وأنه لم يعصم منه؛ لأنه إغواء لا يخلّ بأمر الدّين في شرعة الشيخ إبراهيم الكوراني، وإذا كانت زيادة كلمات الكفر بأبشع صورة في آيات القرآن الكريم إغواء غير مخلّ بأمر الدّين، والشعبي ﷺ غير معصوم منه، فأين الإغواء المخلّ بأمر الدّين الذي يعصم منه؟!
أمران باطلان:
وقد انفرد الشيخ إبراهيم الكوراني في سبيل (تصحيح أكذوبة الغرانيق الباطلة بأمرين، لم يقل بهما أحدٌ من متقدّمي أهل العلم ولا متأخّريهم):
стр. 1267
الأمر الأول:
هذا التقسيم لإغواء الشيطان إلى إغواء لا يخلّ بأمر الدّين، فلا يُعصم منه الأنبياء فمن دونهم، وإغواء يخلّ بأمر الدّين، فيعصم منه الأنبياء!
فالقسم الأول يكون للشيطان فيه سلطانه المطلق الذي يعبث في العقائد والعبادات، وسائر الفضائل، يضلّ به الأنبياء فمن دونهم من خلّص المؤمنين!
والقسم الثاني هو المنفي فيه سلطان الشيطان في القرآن الكريم، وهو الذي وقع الإجماع على أن النبيّ ﷺ معصوم منه!
الأمر الثاني:
إن الشيخ إبراهيم الكوراني في سبيل تصحيح (أكذوبة الغرانيق الباطلة) ابتدع حكمةً لوقوعها بصورتها التي حكتها الروايات الواهية الواهنة -ولا ندري- وهو العالم الذي يصفه العلاّمة الآلوسي بخاتمة المتأخّرين -كيف خفّ على نفسه ودينه اختلاقها، ورضيها على علمه ودينه لتصحيح (أكذوبة ضالة مضلة كافرة خبيثة)!
وكلام الشيخ إبراهيم الكوراني اعتمدنا في نقله ومناقشته على نقل العلاّمة المفسّر الجامع شهاب الدّين محمود الآلوسي في تفسيره (روح المعاني)؛ لأننا رأيناه يقول عنه (شيخنا)، ولكنه كان في سوق كلامه ومناقشته حرّ الكلمة منطقي الجدل، لا يمنعه توقير فضل (المشيخة) من الجهر بالحق!
قال الآلوسي (١): وذهب إلى صحة القصة -أي أكذوبة الغرانيق- خاتمة
стр. 1268
المتأخّرين الشيخ إبراهيم الكوراني ثم المدني، وذكر -أي الكوراني- بعد كلام طويل: أنه تحصّل من ذلك أن الحديث -أي في رواية قصة الغرانيق- أخرجه غير واحد من أهل الصحة -وهذا كذب- وأن رواته ثقات بسند سليم- وهذا تضليل - متصل عن ابن عباس، وبثلاثة أسانيد صحيحة عن ثلاثة من التابعين من أئمة التفسير، الآخذين عن الصحابة، وهم سعيد بن جبير، وأبو بكر ابن عبد الرحمن، وأبو العالية!
قال الشيخ عرجون: وهذا استدلال فاسد .. وأشار إلى روايات الأقصوصة والحديث مع الإمامين: الحافظ ابن حجر، وشيخ الإِسلام ابن تيمية .. وقال: وما نظن أن أحداً يعتقد أن طائر خاتمة المتأخرين الشيخ إبراهيم الكوراني يقع في أفق الحافظ ابن حجر، وهو المتفق على إمامته في فنون الحديث والأثر، وله فيها المؤلفات التي تقوم عليها دراسة علوم الحديث في معاهد الإِسلام وجامعاته!
وقد قال البيهقي: هذه الثقة غير ثابتة من جهة النقل، فهل يُقال هذا الكلام من إمام لا يختلف الناس في سعة علمه بالحديث وفنونه، في حديث يخرجه غير واحد من أهل الصحة، ويرويه ثقات بسند سليم متّصل؟
وإذا كان في كلمة الإِمام البيهقي إجمال، فإليك قول جهبذ المحدّثين الثاني من داء الإجمال في شفائه، القاضي عياض بن موسى اليحصبي: يكفيك في توهن هذا الحديث أنه لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند صحيح سليم متّصل، وإنما أولع به وبحث له المفسّرون والمؤرّخون المولعون بكل غريب، المتلقّفون من الصحف كل صحيح وسقيم، أي من ضراب الكوراني!
стр. 1269
هذا نص مفصل الكلمات في ردّ ادّعاء الشيخ إبراهيم الكوراني! فالحديث لم يخرجه أحد قط من أهل الصحة، ولا رواه قط ثقة بسند صحيح سليم من النقد والوهن، متّصل بصحابي، فضلاً عن النبي ﷺ !
ونضيف إلى كلام هؤلاء الأئمة في ردّ ادّعاء الشيخ إبراهيم الكوراني أن حديث الغرانيق أخرجه غير واحد من أهل الصحة ورواته ثقات بسند صحيح متّصل ما سبق لنا، وهو كلام نردّ به على من تمسّك بمراسيل الروايات -ولو صحت أسانيدها- في تصحيح قصة الغرانيق، وقد قدّمناه، ولكنا نعيده لنؤكّد أن (قصة الغرانيق أكذوبة باطلة خبيثة من وضع الزنادقة أعداء الإِسلام)!
ذلك أن هذه (الأقصوصة الغرنوقية أكذوبة أحاديثها كلها مرسلة، والحديث المرسل من قبيل الضعيف عند جمهور المحدّثين) كما صرّح به ابن الصلاح، والمتّصل منها بابن عباس، وهو حديث سعيد بن جبير (دخله الشك)، وهذا قطعاً يضعفه، ويوهن الاحتجاج به، وهو مع هذه العلّة القادحة له علّة أخرى، هي أنه موقوف على ابن عباس، لم يرفع قط إلى النبي ﷺ !
وقصّة الغرانيق تدخل في صميم العقيدة؛ لأنها (تناقض التوحيد وتبطل عصمة الأنبياء وترفع الثقة بالنبوّة والوحي) وكل ذلك لا يقبل في ثبوته مثل ذلك!
مفاسد رأي الكوراني:
قال الآلوسي (١): وفي البحر أن هذه القصة سئل عنها الإِمام محمد بن إسحاق جامع السيرة النبوّية فقال: هذا من وضع الزنادقة، وصنّف في ذلك
стр. 1270
كتاباً، وذكر الشيخ أبو منصور الماتريدي في كتاب حصص الأتقياء: أن قوله: تلك الغرانيق العلا، من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة، حتى يلقوا بين الضعفاء، وأرقّاء الدّين، ليرتابوا في صحّة الدّين، وحضرة الرسالة بريئة من مثل هذه الرواية)!
وذكر غير واحد أنه يلزم على القول بأن الناطق بذلك النبيّ ﷺ بسبب إلقاء الشيطان الملبّس بالملك أمور - وهي هذه المفاسد:
المفسدة الأولى (١):
تسلّط الشيطان عليه ﷺ ، وهو بالإجماع معصوم من الشيطان؛ ولا سيّما في هذا في أمر من أمور الوحي والتبليغ والاعتقاد، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ (الحجر)!
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ (النحل)!
قال الكوراني في ردّه على هذا الوجه من المفسدة: إن السلطان المنفيّ عن العباد المخلصين هو الإغواء -أعني التلبيس المخلّ بأمر الدّين، وهو الذي وقع الإجماع على أن النبيّ ﷺ معصوم منه، وأمّا غير المخلّ فلا دليل على نفيه- قلنا: ولا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول- ولا إجماع على العصمة منه-، قلنا: هذا افتراء، وإلا فأين من خالف؟ وما هنا غير مخلّ لعدم منافاته للتوحيد، بل فيه تأديب وتصفية، وترقية للحبيب الأعظم ﷺ ؛ لأنه ﷺ تمنّى الهُدى للكل، وليس عليه ﷺ حالة الإلقاء
стр. 1271
تمنّي هدي الكل المصادم للقدر المنافي لما هو الأكمل، ليترقّى إلى الأكمل، وقد حصل ذلك بهذه المرّة، ولذا لم يقع التلبيس مرّة أخرى، بل يُرسَل بعد من بين يديه ومن خلفه رصداً .. إلخ.
قال الشيخ عرجون: وقد قدّمنا بعض القول في مناقشة هذه المفسدة، وها نحن أولاً، نسوق ما ساقه الألوسي في ردّ هذه المفسدة، مع ما يسنح الفكر، فنضيفه إلى كلامه!
قال العلامة الآلوسي في نقض اعتراض الكوراني على المفسدة الأولى (١): إن التلبيس بحيث يشتبه الأمر على النبي ﷺ ، فيعتقد أن الشيطان ملَك مخل بمقام النبوّة ونقص فيه، فإن الوليّ الذي دونه ﷺ بمراتب، لا يكاد يخفى عليه الطائع من العاصي، فيدرك نور الطاعة وظلمة المعصية، فكيف بمن هو سيّد الأنام، ونور عيون قلوب الأولياء، يلتبس عليه من هو محض نور بمن هو محض ديجور .. ولذلك قال المحقّقون: إن الأنبياء ﵈ ليس لهم خاطر شيطاني، وكون ذلك ليس منه، بل كان مجرّد إلقاء على اللسان دون القلب ممنوع - وإلا فما دليله؟ ألا ترى أنه قال: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾! دون ألقى الشيطان على لسانه، وتسمية القراءة أمنية، لا أن القارئ يقدر الحروف في قلبه أوّلاً، ثم يذكرها شيئاً فشيئاً، وأيضاً حفظه لذلك ﷺ إلى أن أمسى كما جاء في بعض الروايات، فنبّهه جبريل ﵉، يبعد كون الإلقاء على اللسان فقط، على أنّا لو سلّمنا ذلك وقلنا: إن الشيطان ألقى على لسانه ﷺ ، ولم يلق في قلبه، كما هو شأن الوحي المشار إليه بقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ (الشعراء)!
стр. 1272
وقلنا: إن ذلك ممَّا يعقل- للزم أن يعلم ﷺ من خلو قلبه واشتغال لسانه أن ذلك ليس من الوحي في شيء ولم يحتج إلى أن يعلمه جبريل ﵇!
والقول بأنه لُبِّس عليه الحال ﷺ للتأديب والترقية إلى المقام الأكمل في العبوديّة، وهو فناء إرادته ﷺ في إرادة مولاه ، حيث تمنّى إيمان الكلّ وحرصه عليه، ولم يكن مراداً لله تعالى ممّا لا ينبغي الالتفات إليه؛ لأن القائل به زعم أن التأديب بذلك كان بعد قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ (الأنعام)!
ولا شك أن التأديب به لم يُبق ولم يذر، ولم يُقرن بما فيه تسلية أصلاً، فإذا قيل -والعياذ بالله- إن ذلك لم ينجع فكيف ينجع ما دونه؟!
وأيضاً أيّة دلالة في الآية على (التأديب)، وهي لم تخرج مخرج العتاب بل مخرج التسلية على أبلغ وجه، عما كان يفعل المشركون من السعي في إبطال الآيات، ولا نسلّم أن ترتيب الإلقاء على التمنّي، مع ما في السباق والسياق مما يدلّ على التسلية عن ذلك يجدي نفعاً في هذا الباب، كما لا يخفى على ذوي الألباب!
ويرد على قوله أنه بعد حصول التأديب بما ذكر، كان يُرسَل من بين يديه ومن خلفه رصدٌ يحفظونه من إلقاء الشيطان، أنه لم يدل دليل على تخصيص الإرسال بما بعد ذلك، بل الظاهر أن ذلك كان في جميع الأوقات، فقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ (الجن)!
стр. 1273
قال: كان النبي ﷺ إذا بعث إليه الملك بالوحي بعث معه ملائكة يحرسونه من بين يديه ومن خلفه أن يتشبّه الشيطان بالملك، وقد ذكروا أن- كان- في ذلك للاستمرار! (١)
وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: ما جاء جبريل ﵇ بالقرآن إِلى النبي ﷺ إِلا ومعه أربعة من الملائكة حفظة!
وهذا صريح في ذلك، ولاشك أن الإلقاء عند من يقول به كان عند نزول الوحي .. ثم ساق الآلوسي حديث ابن عباس من طريق العوفي عند ابن جرير وابن مردويه، للاستدلال على أن الإلقاء كان عند نزول الوحي!
وهذا الحديث في أحاديث الدر المنثور .. ثم قال الآلوسي معقّباً على الحديث، فعلى هذا ونحوه يكون الرصد موجوداً مع عدم ترتّب أثر عليه .. ثم أيّة فائدة في إنزال الرصد إذا لم يحصل به الحفظ؟ بل كيف يسمّى رصداً؟
المفسدة الثانية (٢):
من المفاسد اللازمة على القول بأن الناطق بما ألقاه الشيطان هو النبي ﷺ : زيادته ﷺ في القرآن ما ليس منه، وذلك مما يستحيل عليه ﷺ لمكان العصمة!
وأجاب الشيخ الكوراني على هذا الوجه من المفسدة فقال: إن المستحيل النافي للعصمة أن يزيد ﷺ أي في القرآن- من تلقاء نفسه- هذا افتراء -أي يزيد فيه ما يعلم أنه ليس منه، وما هنا ليس كذلك؛ لأنه ﷺ إنما أَتبع فيه الإلقاء الملبّس عليه في حالة خاصّة فقط، تأديباً أن يعود لمثل تلك الحالة!
стр. 1274
قال العلاّمة الآلوسي: وما ذكر في هذا الاعتراض -أي على المفسدة الأولى- يعلم منه ما في الجواب الثاني من الاعتراض، وهو ظاهر!
يقول الشيخ عرجون: ونحن نقول: يالله، من علم يفرّق بين زيادة في القرآن، يزيدها الشيطان، ويلقيها إلى النبي ﷺ ، ويتقبلها النبي ﷺ على أنها من القرآن معتقداً قرآنيّتها -كما يزعم الغرنوقيون من أمثال الكوراني- بعد أن لبّس عليه الشيطان، وأراه أنه ملك الوحي، ويتلوها النبي ﷺ ملبِّساً بها على الأمة، ويدعوها- بمقتضى وجوب التأسّي به، ومتابعته فيما يبلّغه عن الله تعالى -وهو في غمرة التلبيس عليه إلى اعتقاد ما فيها من الشرك، ومدح الأوثان بما يناقض عقيدة التوحيد التي هي أساس للرسالة التي بعثه الله بها، (هذا منطق مأفون)!
وبين زيادة في القرآن الكريم تكون من النبي ﷺ -كما زعم الكوراني- فنجعل الزيادة الشيطانية الخبيثة ممكنة الوقوع بل واقعة -في زعم الغرنوقيّين- ولا تنافي العصمة، والزيادة من النبي ﷺ وهي مستحيلة الوقوع- هي التي تنافي العصمة، فالشيطان يزيد في القرآن ما يشاء من الكفر والشرك، والنبيّ ﷺ يتقبّل زيادات الشيطان، ويبلّغها لأمّته، على أنها من عند الله، وتسلب عنه ﷺ خاصة العلم بالقرآن، وبراعة أسلوبه ومعانيه الإيمانيّة، وحقائقه التوحيديّة!
(هذا هو البلاء الذي ليس فوقه بلاء)، وا رحمةً للإسلام والمسلمين من هذا العلم الكفور الذي يصيب كبد الإِسلام فيزهق روحه، ويقضي على أصوله، تحت ظلال تكوير العمائم الضخمة!
стр. 1275
وقد لمح العلاّمة الآلوسي أن ردّ الشيخ إبراهيم الكوراني على الوجه الثاني سن المفاسد اللازم على صحة أخلوقة الغرانيق، يحمل في طيّاته أن النبي ﷺ إذا قبل ما ألقى الشيطان على لسانه لم يكن على علم بإعجاز القرآن، فأخذ في بيان هذا فقال:
وقد يقال إن إعجاز القرآن معلوم له ﷺ ضرورة، كما ذهب إليه أبو الحسن الأشعريّ، بل قال القاضي: إن كل بليغ بمذاهب العرب وغرائب الصنعة يعلم ضرورة إعجازه، وذكر أن الإعجاز يتعلّق بسورة أو قدرها من الكلام، بحيث يتبيَّن فيه تفاصيل قوى البلاغة!
فإذا كانت آية بقدر حروف سورة، وإذا كانت (سورة الكوثر) فهو معجز، وعلى هذا يمتنع أن يأتي الجن والإنس ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً بمقدار أقصر سورة منه تشبهه في البلاغة، ومتى أتى أحد بما يزعم فيه ذلك لم تنفق سوقه عند رسول الله ﷺ ، وكذا عند كل بليغ محيط بما تقدّم، ولم يخف على الرسول ﷺ ، ولا على ذلك البليغ عدم إعجازه، فلا يشتبه عنده بالقرآن أصلاً، ولا شكّ أن ما ألقى الشيطان على ما في بعض الروايات حروفه بقدر حروف سورة الكوثر، بل أزيد إن اعتبر الحرف المشدّد بحرفين، وهو: (وإنهن لهن الغرانيق العلا، وأن شفاعتهن، لهي التي ترتجى)، الواردة فيما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب!
فإن كان ما ذكر ممّا يتعلّق به الإعجاز، فإن كان معجزاً لزم أن يكون من الله تعالى لا من إلقاء عدوه، ضرورة عجزه كسائر الجن والإنس عن الإتيان بذلك، وإن لم يكن مما يتعلّق به الإعجاز فهو كلام غير يسير، يتنبه البليغ الحاذق إذا سمعه أثناء كلام فوقه بمراتب، لكونه ليس منه، فيبعد كل البعد أن يخفى
стр. 1276
عليه ﷺ قصور بلاغته عن بلاغة شيء من آيات القرآن، سواء قلنا بتفاوتها في البلاغة، كما اختاره أبو نصر القشيري وجماعة، أم قلنا بعدم التفاوت كما اختاره القاضي، فيعتقد أنه قرآن حتى ينبهه جبريل ﵇، لا سيّما وقد تكرّرت على سمعه الشريف حلاوة الآيات، ومازجت لحمه ودمه، والواحد منّا وإن لم يكن من البلاغة بمكان إذا سمع شعر شاعر وتكرّر على سمعه يعلم إذا دُسّ بيت أو شطر في قصيدة له أن ذلك ليس له، وقد يطالب بالدليل فلا يزيد على قوله: لأن النَّفَس مختلف!
قال العلاّمة الآلوسي: وهذا البعد متحقّق عندي على تقدير كون الملقى ما في الرواية الشائعة: وهو (تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى)، أيضاً لا سيّما على قول جماعة: إن الإعجاز يتعلّق بقليل القرآن وكثيره من الجمل المفيدة، لقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ (الطور)!
والقول بأن النبيّ ﷺ خفي عليه ذلك التأديب فيه ما فيه، ولا يبعد استحقاق قائله للتأنيب، بل أبلغ التعزير، إذا لم يكن هذا الذي قاله الكوراني داخلاً في الإطار العام للارتداد عن الدّين!
ونقول إذ فتح العلاّمة الآلوسي (باب الجزاء في هذه القالة الهوجاء): إن القول بأن النبي ﷺ خفي عليه ذلك لتأديبه يستحق صاحبه أقصى مراتب التعزير، الذي يصحّ أن يبلغ به ما تبلغ خطورة الجرم وما يترتّب عليها من آثار جسام، ولو انتهى إلى عقوبة بتقدير الشرع!
стр. 1277
المفسدة الثالثة:
ومن المفاسد اللازمة على كون النبي ﷺ هو الناطق بما ألقاه الشيطان: اعتقاده ﷺ ما ليس بقرآن أنه قرآن، مع كونه بعيد الالتئام متناقضاً، ممتزج المدح بالذّم، وهو خطأ شنيع، لا ينبغي أن يتساهل في نسبته للنبي ﷺ ! (١)
وقال الشيخ عرجون (٢): وشناعة خطئه تظهر فيما يأتي: أولاً: نسبة النبي ﷺ إلى أنه لا يفرق في أسلوب الكلام بين كلام الله المعجز ببراعة أسلوبه وروعة بيانه، وهو ﷺ القيّم الأعلى، والعقل الأوّل في معرفة إعجاز القرآن، وذلك الإعجاز الذي عرفه آحاد الأعراب، وأفراد العرب، فسجدوا له عند سماعه، ولم يكونوا قد آمنوا به، فقد روي مشهوراً أن أحد الأعراب سمع قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ (يوسف: ٨٥)!
فسجد، فقيل له في ذلك، ولم يكن مؤمناً، فقال: إنما سجدت لروعة بلاغته!
وسبق أن ذكرنا قصة الوليد بن المغيرة، وقد سمع بعض آيات القرآن فقال قولته المشهورة: (والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه، وما هو بقول بشر)!
وموقف عتبة بن ربيعة، حين سمع في وفادته إلى النبي ﷺ ليعرض عليه المال والجاه والملك، ويكفّ عن تبليغ رسالته .. ورجع إلى قومه بوجه غير وجهه الذي فارقهم عليه، لما لحقه من الأخذة والدهش، لسماعه ما لم يسبق له
стр. 1278
أن سمع مثله روعةً وبلاغةً وحقائق كونيّةً، وأمثالها من الأحداث المشهورة المعروفة في تاريخ مطلع الرسالة، وأيّام كفاحها الأولى في نضالها المرير!
هؤلاء الأجلاف أهل الجهالة الجاهلة، والوثنيّة الضالّة، يدركون إعجاز القرآن، ويفرقون بينه وبين سائر الكلام، ومحمد ﷺ سيّد البشر لقانة وعقلاً، وأفضلهم فضلاً، وأنبلهم نفساً، وأصفاهم طبيعة، يُدخل عليه الشيطان أقبح الكلام عقيدة، وأسقطه أسلوباً، وأحطّه معاني، فيتقبّله -في زعم الغرنوقيّين- وما فيه من التناقض، وامتزاج المدح بالذم، والكفر بالإيمان، والتوحيد بالشرك، هذا الذي لم يكن ولا يكون، وهو المستحيل عقلاً ونقلاً، ولا يعتقده مؤمن، ولا يقبله إلا عقل ممرور!
أمّا من جهة العقل فلما يلزمه لزوماً بيّناً من نسبة الجهل بإعجاز القرآن إلى النبيّ ﷺ ، ولما يلزمه لزوماً بيّناً من الافتراء على الله وتقويله ما لم يقل، وما ينزله في وحيه .. ولما يلزمه لزوماً بيّناً من سلب العصمة عن النبي ﷺ فيما يبلّغه عن الله تعالى، والعصمة في هذا مما أجمع عليه الناس سوى (الغرنوقية) .. ولما يلزمه لزوماً بيّناً تبليغ الكفر في مدح الأوثان إلى الأمّة، والأمة مأمورة بالتأسّي بالنبيّ ﷺ ومتابعته فيما يبلّغه إليها .. وهذا يتضمّن هدم الرسالة التوحيديّة، ويرفع أعلام الشرك .. ولما يلزمه لزوماً بيّناً من رفع الثقة بالنبيّ ﷺ والوحي كله فيما يستقبل من الزمان!
وأمّا من جهة النقل، فلقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (الإسراء: ٦٥)! ولما يلزمه من تصديقه للكافرين في قولهم عن القرآن: ﴿بَلِ افْتَرَاهُ﴾ (الأنبياء: ٥)! وفي قولهم: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (الشورى: ٢٤)! ولقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ
стр. 1279
لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ (الحاقة)! ولقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾ (الأحقاف)! وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (النجم)!
إلى غير ذلك من النصوص القرآنيّة، والآيات التي تتحدّث عن تبليغ رسالة الله تعالى إلى الخلق صدقاً وعدلاً!
لكن الشيخ إبراهيم الكوراني (وأئمته الغرنوقيين) لا يقتنعون بهذا كله، ويضربون به لفح الأعاصير في سبيل تصحيحهم (أكذوبة الغرانيق)، ولا نقتحم الغيب فنتظنَّن لالتفات النيّات والمقاصد، وإلي الله الملتقى وهو عليم بذات الصدور!
ويردّ الشيخ إبراهيم الكوراني على الوجه الثالث من وجوه المفاسد الغرنوقيّة، فيقول الآلوسي (١): وما ذكره في الجواب من أنه لابدّ من حمل الكلام على الاستفهام أو حذف القول، وهو دون الأوّل -إذا صحّ الخبر- لكن إثبات صحّة الخبر أشدّ من خرط القتاد، فإن الطاعنين فيه من حيث النقل -كما عرفنا- علماء أجلاّء، عارفون بالغثّ والسمين من الأخبار، وقد بذلوا الوسع في تحقيق الحقّ فيه، فلم يرووه إلا مردوداً، أو ممّا ألقى الشيطان إلى أوليائه معدوداً، وهم أكثر ممن قال بقبوله، ومنهم من هو أعلم منه، ويغلب على الظن أنهم وقفوا على رواته في الطرق فرأوهم مجروحين، وفات ذلك القائل بالقبول، ولعمري إن القول بأن هذا الخبر مما ألقاه الشيطان على بعض ألسنة الرواة -أي المغفّلين- ثم وفّق الله تعالى جمعاً من خاصّته لإبطاله لأهون من
стр. 1280
القول بأن حديث الغرانيق مما ألقاه الشيطان على رسول الله ﷺ ، ثم نسخه كما يقول الغرنوقيّون، ولا سيّما وهو ممّا لا يتوقّف على صحته أمر دينيّ، ولا معنى آية، ولا، ولا، سوى أنها حصول شُبَه في قلوب كثير من ضعفاء المؤمنين، لا تكاد تدفع إلا بجهد جهيد!
قلنا: وسوى أنها تفتح لأعداء الإِسلام المتربّصين به من الملاحدة، وشراذم المستشرقين، ولمائم المبشّرين المتعصّبين، وهم أكثر الناس عدداً وأقواهم عدّة، وأقدرهم على ترويج الباطل بما يملكون من وسائل الترويج -كما أسلفنا- ولو لم يكن من فوائد القضاء عليها ودفنها في أحشاء مختلقيها سوى سدّ هذا الباب الشرير المفسد لكفى، فضلاً للأقلام التي تشرع أسنّتها، لهدم باطلها، وتبيين خبثها!
قال الشيخ عرجون: ونضيف إلى نقض العلاّمة الآلوسي لردّ الشيخ إبراهيم الكوراني دقيقةً تهدم بنيان (الغرنقة) في كلام الشيخ الكوراني: ذلك أنه يقول: لابدّ من حمل الكلام على الاستفهام أو حذف القول -أي في رواية القصّة الغرنوقية -ومعنى ذلك أن النبي ﷺ لم يلبّسْ عليه- ولم يُلْق الشيطان على لسانه شيئاً، ولم يُسلب العصمة، ولكنّه ﷺ فيما يتصوّر الغرانقة حين يتأوّلون في روايات القصّة - حين تلا ﷺ آيات ذمّ الأوثان وعابديها من المشركين الوثنيّن بأسلوب الإنكار والتوبيخ في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ (النجم)! عجيب من شناعة أمرهم، وقبح اعتقادهم، وسوء قالتهم، فبيّن عن إنكاره وتعجّبه بحكاية ما يصفون به أوثانهم بجملة استفهاميّة إنكاريّة مقرعة، محذوفة أداء الاستفهام، أو بجملة إخبار تحكي قولهم بحذف القول!
стр. 1281
وهذا الذي ذهب إليه الشيخ الكورانيّ يهدم أصل اختراقه لأقصوصة (التأديب) الذي زعمه حكمة لتلبيس الشيطان في إلقائه كلمات الكفر على لسان النبيّ ﷺ ، كما هو نصّ مرسل سعيد بن جبير، أصح ما تمسّك به الغرنوقيّون!
وإذا كان ذلك كذلك فلا وجه لطنطنة الشيخ الكورانيّ بأخلوقة (التأديب) الجافية والتصفية والترقية؛ لأن لاحق كلامه هنا يهدم سابقه، وعندئذ يرجع الكلام إلى مجرّد النظر في ثبوت صحة الحديث، وقد أثبتنا ضعفه؛ بل بطلانه، وقال عنه الآلوسي: ودون إثبات صحته خرط القتاد، ويؤيّد عدم ثبوته مخالفته لظواهر الآيات، فقد قال سبحانه في وصف القرآن: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ (فصلت)!
والمرابط بالباطل ما كان في نفسه، وذلك الملقى كذلك، وإن سوّغ نطق النبيّ ﷺ تأويله بأحد التأويلين، والمراد بـ ﴿لَا يَأْتِيهِ﴾ استمرار النفي، لا نفي الاستمرار، وقال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (الحجر)!
فجيء بالجملة الاسميّة مؤكّدة بتأكيدين، ونسب الحفظ المحذوف متعلّقه إفادة للعموم إلى ضمير العظمة، وفي ذلك من الدلالة على الاعتناء بأمر القرآن ما فيه، وقد استدلّ بالآية من استدلّ على حفظ القرآن من الزيادة والنقص!
وكون الإلقاء المذكور لا ينافي الحفظ لأنه نسخ، ولم يبق إلا زماناً يسيراً لا يخلو من نظر، والظاهر أنه وإن لم يناف الحفظ في الجملة، لكنه ينافي الحفظ المشار إليه في الآية، على ما يقتضيه ذلك الاعتناء، تم إن قُبِل بما روي عن
стр. 1282
الضحاك من أن سورة (الحج) مدنيّة لزم بقاء ما ألقى الشيطان قرآناً في اعتقاد النبي ﷺ زماناً طويلاً والمؤمنين زماناً طويلاً، والقول بذلك من الشناعة بمكان، بل هو أكبر من الشناعة، وأقرب إلى الكفر منه إلى الإيمان!
وقال جل وعلا: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (النجم)!
والظاهر أن الضمير لما ينطق به النبي ﷺ ، فقد أخرج الدارمي وغيره عن يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي، عن حسان قال: كان جبريل ينزل على النبي ﷺ بالسنّة، كما ينزل بالقرآن. (١)
والمتبادر من لحن الخطاب أن جميع ما ينطق به ﷺ من ذلك ليس عند إلقاء الشيطان، كما أنه ليس عن هوى!
قال العلاّمة الآلوسي: وبقيت آيات كثيرة أخرى في هذا الباب، ظواهرها تدلّ على المدّعي أيضاً، وتأويل جميع الظواهر الكثيرة لقول شرذمة قليلة بصحّة الخبر المنافي لها، مع قول جم غفير بعد الفحص التام بعدم صحته، مما لا يميل إليه القلب السليم، ولا يرتضيه الطبع المستقيم، ويبعد القول بثبوته أيضاً عدم إخراج أحد من المشايخ الكبار، له في شيء من الكتب الستة، مع أنه مشتمل على قصّة غريبة، وفي الطباع ميل إلى سماع الغريب وروايته!
المفسدة الرابعة:
ومن المفاسد اللازمة على كون النبي ﷺ هو الناطق بما ألقى الشيطان من كلمات الكفر والشرك، أن يكون النبي ﷺ قد اشتبه عليه ما يلقيه الشيطان بما
стр. 1283
يلقيه عليه الملك وهو يقتضي أنه ﷺ على غير بصيرة فيما يوحى إليه، وفيما يبلّغه عن الله تعالى، ويقتضي أيضاً جواز تصوّر الشيطان بصورة الملك، ملبّساً على النبي ﷺ ولا يصح ذلك -كما قال في الشفاء- لا في أوّل الرسالة ولا بعدها، والاعتماد في ذلك على دليل المعجزة!
وقال ابن العربي: تصوّر الشيطان في صورة الملك ملبّساً على النبي ﷺ كتصوّره في صورة النبي ﷺ ملبّساً على الخلق، وتسليط الله تعالى له على ذلك كتسليطه في هذا، فكيف يسوغ في لبّ سليم استجازة ذلك؟ ولكن الغرنوقيّين استجازوه وقالوا بوقوعه لسيّد الخلق خاتم النبيين ﷺ ؛ لأنه لا ألباب لهم!
وأجاب الشيخ الكوراني على هذه المفسدة، فقال: إن هذا الاشتباه في حالة خاصّة للتأديب لا يقتضي أن يكون النبي ﷺ على غير بصيرة، فيما يوحى إليه في غير تلك الحالة!
قلنا: أيّ (تأديب) هذا الذي يردّده الكوراني، وقد أبطل وجوده بوجود أساسه في زعمه، وكان أساسه التمسّك بنصّ مرسل سعيد بن جبير وأمثاله من المراسيل الواهية الواهنة التي زعمت أن الشيطان ألقى على لسان النبي ﷺ كلمات الكفر الخبيث بمدح الأوثان، وأن النبيّ ﷺ نطق بما ألقاه الشيطان على لسانه، ملبّساً عليه بأنه ملك الوحي، وملبّساً عليه أن ما ألقاه على لسانه قرآن أوحي إليه به في البين من آيات سورة (النجم)، وكان هذا التلبيس (تأديباً) للنبي ﷺ وتصفية له، وترقيةً إلى الأكمل؛ لأنه ﷺ أراد إيمان الجميع، وهذا على خلاف إرادة الله وتقديره!
ثم ذهب الشيخ الكوراني في ردّه على الوجه الثالث من وجوه المفاسد في
стр. 1284
قصّة الغرانيق إلى التنصّل من نصّ رواية المراسيل، وقال: إنه لابدّ من حمل الكلام الشيطاني على الاستفهام وحذف أداته، أو على إضمار القول من المشركين، وهذا بلا شكّ تطويح بمصدر (التأديب) إلى هاوية البطلان؛ لأنه حينئذ لا تلبيس على النبي ﷺ ، فيكون المقام مقام (تأديب)، كما زعم من لم يرجُ لله وقاراً في عصمة الأنبياء!
على أن ردّ الشيخ الكورانيّ يحمل دلائل الإمعان والاستمساك بأن النبي ﷺ ليس معصوماً من تلبيس الشيطان، ولا من اشتباه ما يلقيه من خبيث الكلمات، وفجور الكفر بآيات القرآن، ويكون ﷺ مسلوب البصيرة في معرفة ما يوحى إليه من آيات الله وشرائعه، وليحكم على هذا أهل العقول من سائر الفرق والطوائف والنحل: لأنه أمر فوق إدراك العقول!
ولا وزن لتخصيصهم -الغرنوقيّين- هذا السلب ببعض الأحوال، وهي كما يزعمون الحالة الموجبة لـ (التأديب)؛ لأن ما جاز في بعض الأحوال، لا دعاء سبب باطل له يجوز أن يكون في غيرها الادعاء سبب له؛ لأن سبب (التأديب مختلق باطل)؛ لأنه مبنيّ على باطل، وهو ادّعاء أن النبي ﷺ أراد هدي الكلّ، وهذه الإرادة منافية لإرادة الله عدم هداية الكلّ، فاستحق النبي ﷺ في زعم الكوراني- التأديب من أجل إرادته هدي الكلّ، والغرنوقيون يتحكّمون في حياة النبي ﷺ ، وفي إرادته، وفي تبليغ رسالته إلى الخلق، ليفرضوا كما فرض الخوارج المارقون من الدّين نقائص توجب -في زعمهم- التأديب، ولا شكّ أن هذا منزع جاف منكر خبيث، هو منزع الخوارج!
ثم قال الشيخ الكوراني: وأما قول عياض: لا يصحّ أن يتصوّر الشيطان بصورة الملك، ويلبّس عليه ﷺ ، فإن أراد به أنه لا يصحّ أن يلبّس تلبيساً قادحاً
стр. 1285
فهو مسلّم، لكنه لم يقنع، دن أراد مطلقاً ولو كان غير مخلّ فلا دليل عليه، ودليل المعجزة إنما ينفي الاشتباه المخلّ بأمر النبوّة المنافي للتوحيد، القادح في العصمة، وما ذكره غير مخل، بل فيه تأديب!
وافتراءات أن في تلبيس الشيطان تلبيساً قادحاً مخلاًّ بالنبوّة والعصمة، وتلبيساً غير قادح ولا مخلّ بالنبوّة والعصمة، قد بيّنا أنها فرىً كاذبةً مختلقةً، ويستحيل أن يلبّس الشيطان على النبي ﷺ ، ويريه أنه ملكَ الوحي، ويعتقد ذلك النبي ﷺ ، وأن يلبّس عليه -فيلقي على لسانه كلمات الكفر والشرك، ويعتقدها النبي ﷺ حتى ينبه على افترائها!
وقد عرضنا فيما سبق لـ (أخلوقة التأديب) التي اخترقها الشيخ الكوراني عند تملّصه من رأيه في (أكذوبة الغرانيق)، إذ هبّ عندما سدّت عليه المسالك إلى القول بأنه لابدّ من حمل الكلام الشيطانيّ على الاستفهام أو إضمار القول، وحينئذ فلا إلقاء من الشيطان على لسان النبي ﷺ ولا تأديب لسيّد الكاملين!
ثم قال الشيخ إبراهيم الكوراني: وأمّا ما ذكره ابن العربي فقياس مع الفارق؛ لأن تصوّر الشيطان في صورة النبي ﷺ مطلقماً منفيّ بالنصّ الصحيح، وتصوّره في صورة النبي ملبّساً على الخلق إغواء يعمّ، وهو سلطان منفيّ بالنصّ عن المخلصين، وأمّا تصوّره في صورة الملك في حالة خاصّة ملبّساً على النبي ﷺ فليس من السلطان المنفيّ ولا بالتصوّر الممنوع، نعوذ بالله من الحور بعد الكور!
سبحان الله .. تلبيس يغوي النبي ﷺ ويشبِّه عليه أخبث الكفر فيما ألقاه الشيطان -بزعم الغرنوقيّين- بآيات الله من القرآن المجيد جائز عند الشيخ
стр. 1286
الكوراني لـ (التأديب)، وتلبيس يغوي العامة ممنوع منفيّ بالنصّ عن المخلَصين؟ فهل في دنيا العقل السليم أبشع من هذا أو أقبح اعتقاداً منه؟ ولكن التعصّب لا يبالي بصاحبه أن يخرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق!
المفسدة الخامسة:
ومن المفاسد اللازمة على كون النبيّ ﷺ هو الناطق بما ألقاه الشيطان على لسانه من كلمات الكفر ومدح الأوثان، التقوّل على الله إمّا محمداً، وإما خطأ، أو سهواً، وكل ذلك محال في حقّه ﷺ ، وقد أجمعت الأمّة -على ما قال القاضي عياض- على عصمته ﷺ فيما كان طريقه البلاغ من الأقوال عن الأخبار، بخلاف الواقع، لا قصداً ولا سهواً!
قال الشيخ الكوراني (١): التقوّل تكلّف القول، ومن لا يتبع إلا ما ألقي إليه من الله تعالى حقيقة، أو اعتقاداً -فاسداً- ناشئاً عن تلبيس غير مخلِّ، لا تكلّف للقول عنده، فلا تقوّل على الله تعالى أصلاً!
هذا منطق (٢) الغرنوقيّين، فهم يرون أن قولاً لبّس به الشيطان على النبي ﷺ ، وأدخله عليه على أنه من القرآن، وبلّغه النبي ﷺ للأمة كذلك بعد أن قبله واعتقده، وهو أخبث القول وأشدّه مناقضة لعقيدة التوحيد، وأسرعه هدماً ونقضاً لأصول الرسالة لا يعدّ (في نظر الغرنوقيّين) تقوّلاً على الله تعالى؛ لأن التقوّل تكلّف القول وهذا لا تكلّف فيه، وإنما ألقي إليه إلقاء أشبه بالزحلقة، فلم يميز بينه وبين كلام الله المنزل بالوحي الصادق في إعجازه الأسلوبيّ والمعنويّ،
стр. 1287
رغم ما في القول المزحلق من الشيطان على لسان النبيّ ﷺ من مراغمة ومناقضة لحقائق القرآن وهدايته!
لكن المفسّرين والثقاة من أئمة اللغة يأبون تخريج الغرنوقيّين للفظ التقوّل في القرآن ويقولون: التقوّل هو الافتراء على الله، وتقويله ما لم يقل، قال أبو حيان في (البحر) -وهو من أساطين العربيّة وأئمّة اللغة- والتقوّل: أن يقول الإنسان عن آخر إنه قال شيئاً لم يقله، فمن اتّبع ما ألقى إليه ملبّساً عليه على أنه من عند الله، وليس هو من الله، مفتر على الله، متقوّل عليه؛ لأنه قوّله ما لم يقل!
وقال ابن منظور في (لسان العرب): وأقوله ما لم يقل، وقوّله ما لم يقل كلاهما ادّعى عليه .. وتقوّل فلان عليّ باطلاً: أي قال عليّ ما لم أكن قلت، وكذبَ عليّ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ (الحاقة)!
فزعم الشيخ الكوراني أنه لا تقوّل أصلاً فيما ألقاه الشيطان من خبيث الكلم، وقبله النبي ﷺ في زعمه- وبلّغه إلى الأمّة على أنه موحى إليه مراغمة لأهل اللغة، ومجازفة في قضايا العلم، بل هو تقوّل مفضيّ قطعاً وقوعه من رسول الله ﷺ بنص الآية!
ومما يضحك الثكالى قياس الشيخ إبراهيم الكوراني قصّة الغرانيق، وما وقع فيها من أكاذيب ومفاسد خطيرة على قصّة السهو في الصلاة، ثم ختم هذه الأضحوكة فقال: فكما أن السهو للتشريع غير قادح في منصب النبوّة كذلك الاشتباه في الإلقاء لـ (التأديب) غير قادح! (١)
أليس كذلك يقول (أرسطو شيخ الفلسفة الكورانيّة والمنطق الهلاهيلي)،
стр. 1288
وما بعد منطق أرسطو حجّة لقائل، وقد نسي الشيخ الكورانيّ أن أرسطو وتلاميذه عجماً وعرباً يشترطون لصحة نتيجة القياس الأرسطي صحة قضاياه وصدقها، وقياس الشيخ الكوراني باطل، فالصغرى فيه كاذبة؛ لأن كون ما يلقي الشيطان من الكفر والشرك صدقاً، بناء على اعتقاد أن المُلْقي ملك باطل؛ لأن الملْقي شيطان وليس ملكاً، والاعتقاد الفاسد لا يجعل الكذب والباطل صدقاً وحقًّا، وإذا أبطلت صغرى قياس الشيخ الكوراني فقد انهدم بنيان قياسه كله، وتبرأ منه أرسطو وإخوانه من المتفلسفة العقلانيّين!
المفسدة السادسة:
ومن المفاسد اللازمة على كون النبي ﷺ هو الناطق بما ألقاه الشيطان على لسانه، الإخلال بالوثوق بالقرآن، فلا يؤمن فيه التبديل والتغيير، ولا يندفع هذا الإخلال بالوثوق بقوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ (الحج: ٥٢)! لأن هذا القول ينسخ ما يلقي الشيطان، يحتمل أنه -أي الناسخ- مما ألقاه الشيطان؛ إذ لا فرق -كما قال العلاّمة البيضاوي- قال الكورانيّ: يرد على ذلك لا إخلال بالوثوق بالقرآن عند الذين أوتوا العلم والذين آمنوا؛ لأن وثوق كل منهم تابع لوثوق متبوعهم الصادق الأمين، فإذا جزم بأمر أنه كذا جزموا به، وإذا رجع عن شيء بعد الجزم رجعوا عنه، كما هو شأنهم في نسخ غير هذا من الآيات التي هي كلام الله تعالى لفظاً ومعنى، إذ قبل نسخ ما نسخ لفظه كانوا جازمين بأنهم متعبّدون بتلاوته، وبعد النسخ جزموا بأنهم متعبّدون بتلاوته، وما نسخ حكمه كانوا جازمين بأنهم مكلّفون بحكمه، وبعد النسخ جزموا بأنهم ما هم مكلّفين به، فقول البيضاوي: إن ذلك لا يندفع بقوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ﴾ إلخ؛ لأنه أيضاً يحتمله ليس بشيء؛ لأنه إن أراد أنه
стр. 1289
يحتمله عند الفرق الأربع المذكورة في الآيات، وهم الذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم، والذين أوتو العلم، والذين آمنوا، فهذا ممنوع لدلالة قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (الحج: ٥٤)! على انتفاء الاحتمالين عند فريقين من الفرق الأربع بعد النسخ والإحكام!
وإن أراد البيضاوي أنه يحتمله في الجملة، أي عند بعض دون بعض، فهو مسلّم، وغير مضرّ، لعدم إخلاله بالوثوق بالقرآن عند الذين أوتوا العلم، والذين آمنوا، وأمّا إخلاله بالنسبة إلى الفريقين الآخرين فهو مراد الله !
قلنا: هذا الترديد فاسد؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ إلخ محتمل أن يكون من إلقاء الشيطان؛ لأن جواز التلبيس والاشتباه رفع الثقة إطلاقاً، وليس لنصّ دون نصّ، فكل ما يدّعى قرآنيّته فالاحتمال قائم فيه، فلا ثقة عند أيّة فرقة من الفرق المذكورة في الآية؛ لأن ثقة الذين أوتوا العلم، والذين آمنوا، متابعة لوثوق متبوعهم، وهو في -زعم الغرنوقيّين- ملبّس عليه في الْمُلْقِي والْمُلْقَى، فهو لا جزم عنده إلى أن يبين له بوحي جديد، وهو أيضاً موضع احتمال، وهكذا تصبح -الرسالة والوحي والنبيّ والقرآن- في زعم الغرنوقيّين- معبثة وشكوكاً!
قال العلاّمة الآلوسي: إنه إذا فتح باب التلبيس لا يوثق بالوثوق في شيء أصلاً، لجواز أن يكون كل وثوق ناشئاً عن تلبيس، كالوثوق بأن (تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى)، قرآن، فلما تطرّق الاحتمال إلى الوثوق جاز أن يتطرّق إلى الرجوع عنه، ولا يظهر فرق بينهما، فلا يعوّل حينئذ على جزم، ولا على رجوع!
стр. 1290
وقول الكوراني فيما ذكره البيضاوي عليه الرحمة: ليس بشيء، هو ليس بشيء؛ لأن منع الاحتمال عند الفرق الأربع بعد القول بجواز التلبيس مكابرة، والآية التي ادّعى دلالتها على انتفاء الاحتمالين عند الفريقين بعد النسخ والإحكام فيها ذلك الاحتمال، والحقّ أنه لا يكاد يفتح باب قبول الشرائع ما لم يسدّ هذا الباب، ولا يجدي نفعاً كون الحكمة المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ (الحج)! آبية عن بقاء التلبيس، فلا أقلّ من أن يتوقّف قبول معظم ما يجيء به النبي ﷺ إلى أن يتبيّن كونه ليس داخلاً في باب التلبيس، مع أنا نرى الصحابة ﵃ يسارعون إلى امتثال الأوامر عند إخباره ﷺ إيّاهم بوحي الله تعالى إليه بها من غير انتظار ما يجيء بعد ذلك فيها، مما يحقّق أنها ليست عن تلبيس!
ثم قال العلاّمة المفسّر شهاب الدين السيد محمود الآلوسي، معقّباً على ما ساقه من (أخبار هذه الأقصوصة الغرنوقيّة): وتوسّط جمع في أمر هذه القصّة، فلم يثبتوها كما أثبتها الكورانيّ كافأة الله بما يستحق من أنه ﷺ نطق بما نطق محمداً للتلبيس أنه وحي، حاملاً له على خلاف ظاهره- مختلقاً ما يجافي الأدب مع رسول الله ﷺ في ادّعائه أن هذا التلبيس كان لـ (تأديب) رسول الله ﷺ وهو سيّد الكَمَلة من الأنبياء والمرسلين الذي خصّه ربّه بأعظم الثناء، وبارع المدحة، فقال له يخاطبه مواجهةً: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (القلم)! ولم ينفوها بالكليّة كما نفاها أجلّة أثبات، قال الآلوسي: وإلى النفي كلية أميل، بل أثبتوها على وجه غير الوجه -الجافي المنتفج- الذي أثبته الكوراني، واختلفوا في إثباتهم للقصّة على الوجه المغاير لإثبات الكوراني، على أوجه من التأويل، وكلها أوجه مما لا ينبغي عندي أن يلتفت إليها!
стр. 1291
ثم قال الآلوسي: وفي شرح الجوهرة الأوسط، أن حديث الغرانيق ظاهره مخالف للقواطع، قال الآلوسي: وأقبح الأقوال التي رأيناها في هذا الباب، وأظهرها فساداً أنه ﷺ أدخل تلك الكلمة من تلقاء نفسه، حرصاً على إيمان قومه، ثم رجع عنها، ويجب على قائل ذلك التوبة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ (الكهف)! وأنت تعلم أن تفسير الآية، أعني قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ (الحج: ٥٢) إلخ! لا يتوقف على ثبوت أصل هذه القصة!
قال شيخنا عرجون ﵀: وإنما أطلنا رشاء القول في البحث مع الشيخين الإمامين: ابن تيمية، وابن حجر، لمكانهما من العلم والمعرفة، ولما لهما من التوقير والتقدير بين رعيل الأئمة الأعلام، دفعاً للخشية على قلوب كثير من المؤمنين خاصّةً وعامّةً أن يخونها الاعتقاد في مكانة الشيخين، فتذهب بها إلى هاوية من الحيرة والشكّ فيما تقتضيه هذه الأقصوصة الغرنوقيّة من مخاطر ومخاطر على العقيدة التوحيديّة، وأصول الإيمان، ومعرفة قدر القرآن العظيم، وتقدير النبي ﷺ في قداسة نبوّته ورسالته، وفتح باب التقوّل على الله وعلى كتابه ورسوله عند أعداء الإِسلام، ولأن نغلط بعض الرواة أو نزيّف رأي بعض أصحاب الشهرة الداوية التي تحمل فوق هاماتها هالات التقديس الذي لا يقبل النقد والمناقشة عند مقلّديهم -وذلك وفق قواعد التحديث، رواية ودراية ورد الشيهات ودحض المفتريات- خير ألف مرّة من تسليم ما ينسب إليهم في هذه الأقصوصة الخبيثة الباطلة التي تعصف بالإيمان عصفاً يلقيه في مهابّ الشكوك والحيرات!
فكل أحد سوى رسول الله ﷺ يجوز في حقه الوهم والخطأ والنسيان، وقد
стр. 1292
وقى الله الأمّة شرّ هذه الأقصوصة المتزندقة فلم تثبت برواية مسندة صحيحة، فلم يتدنّس بروايتها صحابي قط، ولا تابعي من ذوي الثقة الأعلام!
أمّا مصابرتنا للشيخ الكوراني، وبيان زيف كلامه، وخروجه عن جادّة الصواب مع رسول الله ﷺ ، وتهوّره في حماقة لا يعرفها أهل العلم والإيمان، فخشية أن ينخدع بأباطيله وأكاذيبه من يقرأ كلامه في سياق الآلوسي الذي كبا به جواد الحقّ فغلط، فقال في وصف هذا الكوراني (إنه خاتمة المحقّقين)!
والله تعالى وحده العلم بالنيّات، وهو المجازي بعدله كل عمل اكتسبه عبدٌ من عباده، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل!
آيات القرآن:
ومعلوم أن الرسل عندما يكلّفون حمل الرسالة إلى الناس (١)، يكون أحبّ شيء إلى نفوسهم أن يجتمع الناس على الدعوة، وأن يدركوا الخير الذي جاءوهم به من عند الله فيتّبعوه .. ولكن العقبات في طريق الدعوات كثيرة .. والرسل بشر محدودو الأجل، وهم يحسّون هذا ويعلمونه، فيتمنَّون لو يجذبون الناس إلى دعوتهم بأسرع طريق .. يودون مثلاً لو هادنوا الناس فيما يعزّ على الناس أن يتركوه من عادات وتقاليد وموروثات، فيسكتوا عنها مؤقّتاً، لعلّ الناس أن يفيئوا إلى الهُدى، فإذا دخلوا فيه أمكن صرفهم عن تلك الموروثات العزيزة!
ويودّون مثلاً لو جاروهم في شيء يسير من رغبات نفوسهم رجاء
стр. 1293
استدراجهم إلى العقيدة، على أمل أن تتمّ فيما بعد تربيتهم الصحيحة التي تطرد هذه الرغبات المألوفة!
ويودّون، ويودّون .. من مثل هذه الأماني والرغبات البشريّة المتعلّقة بنشر الدعوة وانتصارها .. ذلك على حين يريد الله أن تمضي الدعوة على أصولها الكاملة، وفق موازينها الدقيقة، ثم من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فالكسب الحقيقيّ للدّعوة في التقدير الإلهيّ الكامل غير المشوب بضعف البشر وتقديرهم هو أن تمضي على تلك الأصول وفق تلك الموازين، ولو خسرت الأشخاص في أوّل الطريق، فالاستقامة الدقيقة الصارمة على أصول الدعوة ومقاييسها كفيلة أن تثني هؤلاء الأشخاص أو من هم خير منهم إلى الدعوة في نهاية المطاف، وتبقى مُثُل الدعوة سليمة لا تخدش، مستقيمة لا عوج فيها ولا انحناء!
ويجد الشيطان في تلك الرغبات البشريّة، وفي بعض ما يترجم عنها من تصرّفات أو كلمات فرصة للكيد للدعوة، وتحويلها عن قواعدها، وإلقاء الشبهات حولها في النفوس .. ولكن الله يحول دون كيد الشيطان، ويبيّن الحكم الفاصل فيما وقع من تصرّفات أو كلمات .. ويكلف الرسل أن يكشفوا للناس عن الحكم الفاصل، وعما يكون قد وقع منهم من خطأ في اجتهادهم للدعوة، كما حدث في بعض تصرّفات الرسول ﷺ ، وفي بعض اتجاهاته، مما بين الله فيه بياناً في القرآن!
بذلك يبطل الله كيد الشيطان، ويحكم الله آياته، فلا تبقى هناك شبهة في الوجه الصواب: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الحج)!
فأمّا الذين في قلوبهم مرض من نفاق أو انحراف، والقاسية قلوبهم من
стр. 1294
الكفّار المعاندين، فيجعلون في مثل هذه الأحوال مادّةً للجدل واللّجاج والشقاق: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾ (الحج)!
وأما الذين أوتوا العلم والمعرفة فتطمئن قلوبهم إلى بيان الله وحكمه الفاصل: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾ (الحج)!
وفي حياة النبي ﷺ ، وفي تاريخ الدعوة الإِسلامية نجد أمثلة من هذا، تغنينا عن تأويل الكلام، الذي أشار إليه الإِمام ابن جرير ﵀!
وهنا نذكر ما رواه الترمذي وغيره عن عائشة ﵂ قال:
أنزل ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ (عبس)! في ابن أمّ مكتوم الأعمى، أتى رسول الله ﷺ فجعل يقول: يا رسول الله! أرشدني، وعند رسول الله ﷺ رجلٌ من عظماء المشركين، فجعل رسول الله ﷺ يُعرض عنه، ويُقبل على الآخر، ويقول: "أترى بما أقول بأساً" فيقول: لا، ففي هذا أنزل! (١)
وقد أجمع المفسّرون على أن سبب نزول الآية: أن قوماً من أشراف قريش كانوا عند النبي ﷺ ، وقد طمع في إِسلامهم، فأقبل عبد الله بن أمّ مكتوم، فكره رسول الله ﷺ أن يقطع عليه ابن أمّ مكتوم كلامه، فأعرض عنه فنزلت. (٢)
وتطالعنا الآيات: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)
стр. 1295
وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢)﴾ (عبس)!
وهذا التوجيه الذي نزل بشأن هذا الحادث هو أمر عظيم جداً، أعظم بكثير مما يبدو لأول وهلة .. إنه معجزة، هو والحقيقة التي أراد إقرارها في الأرض، والآثار التي ترتّبت على إقرارها بالفعل في حياة البشريّة، ولعلّها هي معجزة الإِسلام الأولى، ومعجزته الكبرى كذلك، ولكن هذا التوجيه يرد هكذا، تعقيباً على حادث فردي، على طريقة القرآن الإلهيّة في اتخاذ الحادث المفرد والمناسبة المحدودة فرصةً لتقرير الحقيقة المطلقة، والمنهج المطرد! (١)
وبهذا ردّ الله للدعوة موازينها الدقيقة وقيمها الصحيحة، وصحّح تصرّف رسول الله ﷺ الذي دفعته إليه رغبته في هداية صناديد قريش، طمعاً في إسلام مَن وراءهم وهم كثيرون .. فبيّن الله له أن استقامة الدعوة على أصولها الدقيقة أهمّ من إسلام أولئك الصناديد، وأبطل كيد الشيطان من الدخول إلى العقيدة من هذه الثغرة، وأحكم الله آياته، واطمأنّت إلى هذا البيان قلوب المؤمنين!
ويروي مسلم عن سعد -هو ابن أبي وقاص- قال: (٢)
كنّا مع النبيّ ﷺ ستّة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترؤن علينا.
قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجلٌ من هذيل، وبلال، ورجلان لَسْتُ أُسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه،
стр. 1296
فأنزل الله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (الأنعام: ٥٢)!
وهكذا ردّ الله للدّعوة قيمها المجرّدة، وموازينها الدقيقة، وردّ كيد الشيطان فيما أراد أن يدخل من تلك الثغرة، ثغرة الرغبة البشرية في استمالة كبراء قريش بإجابة رغبتهم في أن لا يحضر هؤلاء الفقراء مجلسهم مع رسول الله ﷺ .. وقيم الدعوة أهمّ من أولئك الكبراء، وما يتبع إسلامهم من إسلام الألوف معهم، وتقوية الدعوة في نشأتها بهم -كما كان يتمنّى رسول الله ﷺ والله أعلم بمصدر القوّة الحقيقيّة، الكامنة في الاستقامة التي لا ترعى هوى شخصيًّا ولا عُرفاً جارياً!
ولعله مما يلحق بالمثلين المتقدمّين ما حدث في أمر زينب بنت جحش ابنة عمة رسول الله ﷺ ، فقد روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁:
أن هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ (الأحزاب: ٣٧)! نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة! (١)
وفي رواية عنه ﵁ قال: (جاء زيد بن حارثة) يشكو، فجعل النبي ﷺ يقول: "اتق الله وأمسك عليك زوجك".
قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوّجكنّ أهاليكن، وزوّجني الله من فوق سبع سموات! (٢)
стр. 1297
قال ابن حجر (١): أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السّدّي، فساقها سياقاً واضحاً حسناً، ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمّها أميمة بنت عبد المطلب عمّة رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ أراد أن يزوّجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثم إِنها رضيت بما صنع رسول الله ﷺ ، فزوّجها إِيّاه، ثم أعلم الله نبيّه ﷺ بعد أنها من أزواجه، فكان يستحي أن يأمر بطلاقها. وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله ﷺ أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه، ويقولوا: تزوّج امرأة ابنه، وكان قد تبنّى زيداً).
ثم قال ابن حجر: ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم، والطبري، ونقلها كثير من المفسرين، لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد!
والحاصل أن الذي كان يخفيه النبيّ ﷺ هو إخبار الله إيّاه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس: تزوّج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهليّة عليه من أحكام التبنّي بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوّج امرأة الذي يُدعى ابناً، قال: ووقوع ذلك من إمام المسلمين، ليكون أدعى لقبولهم، قال: وإنما وقع الخبط في تأويل متعلّق الخشية، والله أعلم! (٢)
وهكذا أنفذ الله شريعته وأحكمها، وكشف ما خالج خاطر رسول الله ﷺ
стр. 1298
من كراهية القوم لزواجه من زينب، ولم يكن للشيطان أن يدخل من هذه الثغرة، وترك الذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم، يتخذون من هذه الحادثة، مادّة للشقاق والجدال .. ما تزال!
درس للدعاة:
ولقد تدفع الحماسة والحرارة أصحاب الدعوات -بعد الرسل- (١) والرغبة الملحة في انتشار الدعوات وانتصارها .. تدفعهم إلى استمالة بعض الأشخاص أو بعض العناصر بالإغضاء في أوّل الأمر عن شيء من مقتضيات الدعوة، يحسبونه هم ليس أصيلاً فيها، ومجاراتهم في بعض أمرهم، كي لا ينفروا من الدّعوة ويخاصموها!
ولقد تدفعهم كذلك إلى اتخاذ وسائل لا تستقيم مع موازين الدعوة الدقيقة، ولا منهج الدعوة المستقيم، وذلك حرصاً على سرعة انتصار الدعوة وانتشارها، واجتهاداً في تحقيق (مصلحة الدعوة)!
و (مصلحة الدعوة الحقيقيّة) في استقامتها على المنهج دون انحراف قليل أو كثير، أمّا النتائج فهي غيب لا يعلمه إلا الله، فلا يجوز أن يحسب حملة الدّعوة حساب هذه النتائج؛ إنما يجب أن يمضوا على نهج الدّعوة الواضح الصريح الدّقيق، وأن يدعوا نتائج هذه الاستقامة لله، ولن تكون إلا خيراً في نهاية المطاف!
وها هو ذا القرآن الكريم ينبّههم إلى أن الشيطان يتربص بأمانيّهم تلك، لينفذ منها إلى صميم الدّعوة!
стр. 1299
وإذا كان الله قد عصم أنبياءه ورسله، فلم يمكن الشيطان أن ينفذ من خلال رغباتهم الفطريّة إلى دعوتهم، فغير المعصومين في حاجة إلى الحذر الشديد من هذه الناحية، والتّحرّج البالغ، مخافة أن يدخل عليهم الشيطان من ثغرة الرّغبة في نصرة الدعوة، والحرص على ما يسمونه (مصلحة الدعوة)!
إن كلمة (مصلحة الدعوة) يجب أن ترتفع من قاموس أصحاب الدعوات؛ لأنها مزلة، ومدخل للشيطان يأتيهم منه، حين يعزّ عليه أن يأتيهم من ناحية (مصلحة الأشخاص)!
ولقد تتحوّل (مصلحة الدعوة) إلى صنم يتعبّده أصحاب الدعوة، وينسون معه منهج الدعوة الأصيل!
إن على أصحاب الدّعوة أن يستقيموا على نهجها، ويتحرّوا هذا النهج، دون التفات إلى ما يعقبه هذا التحرّي من نتائج، قد يلوح لهم أن فيها خطراً على الدّعوة وعلى أصحابها!
فالخطر الوحيد الذي يجب أن يتقوه هو خطر الانحراف على النهج لسبب من الأسباب، سواء كان هذا الانحراف كثيراً أو قليلاً، والله أعلم منهم بالمصلحة وهم ليسوا بها مكلّفين، إنما هم مكلفون بأمر واحد، ألا ينحرفوا عن المنهج، وألا يحيدوا عن الطريق!
ويعقب السياق على تلك الآيات، وما فيها من صيانة لدعوة الله من كيد الشيطان بأن الذين يكفرون بها مدحورون، ينتظرهم العذاب المهين: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾ (الحج)!
стр. 1300
ذلك شأن الذين كفروا مع القرآن كله، يذكره السياق بعد بيان موقفهم مما يلقي الشيطان في أمنيات الأنبياء والرسل، لما بين الشأنين من تشابه واتصال، فهم لا يزالون في ريبة من القرآن وشك .. منشأ هذه الرّيبة أن قلوبهم لم تخالطها بشاشة الإيمان، فتدرك ما فيه من حقيقة وصدق، ويظل هذا حالهم ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾! بعد قيام الساعة .. ووصف هذا اليوم بالعقيم وصف يلقي ظلاً خاصاً، فهو يوم لا يعقب .. إنه اليوم الأخير!
في هذا اليوم الملك لله وحده، فلا ملك لأحد، حخى الملك الظاهري الذي كان يظنّه الناس في الأرض ملكاً .. والحكم يومئذ لله وحده، وهو يقضي لكل فريق بجزائه المقسوم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾! جزاء الكيد لدين الله، وجزاء التكذيب بآياته البيّنات، وجزاء الاستكبار عن الطاعة لله والتسليم!
اعتباران:
والسجود -كما عرفنا- يرجع إلى اعتبارين: (١)
الاعتبار الأول:
أن الذي كان يقرأ السورة هو محمد ﷺ النبيّ، الذي تلقى هذا القرآن مباشرةً من مصدره، وعاشه وعاش به!
وفي سورة (النجم) خاصةً كان يعيش لحظات، عاشها في الملأ الأعلى،