فأنزل الله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (الأنعام: ٥٢)!
وهكذا ردّ الله للدّعوة قيمها المجرّدة، وموازينها الدقيقة، وردّ كيد الشيطان فيما أراد أن يدخل من تلك الثغرة، ثغرة الرغبة البشرية في استمالة كبراء قريش بإجابة رغبتهم في أن لا يحضر هؤلاء الفقراء مجلسهم مع رسول الله ﷺ .. وقيم الدعوة أهمّ من أولئك الكبراء، وما يتبع إسلامهم من إسلام الألوف معهم، وتقوية الدعوة في نشأتها بهم -كما كان يتمنّى رسول الله ﷺ والله أعلم بمصدر القوّة الحقيقيّة، الكامنة في الاستقامة التي لا ترعى هوى شخصيًّا ولا عُرفاً جارياً!
ولعله مما يلحق بالمثلين المتقدمّين ما حدث في أمر زينب بنت جحش ابنة عمة رسول الله ﷺ ، فقد روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁:
أن هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ (الأحزاب: ٣٧)! نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة! (١)
وفي رواية عنه ﵁ قال: (جاء زيد بن حارثة) يشكو، فجعل النبي ﷺ يقول: "اتق الله وأمسك عليك زوجك".
قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوّجكنّ أهاليكن، وزوّجني الله من فوق سبع سموات! (٢)
стр. 1297
قال ابن حجر (١): أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السّدّي، فساقها سياقاً واضحاً حسناً، ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمّها أميمة بنت عبد المطلب عمّة رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ أراد أن يزوّجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثم إِنها رضيت بما صنع رسول الله ﷺ ، فزوّجها إِيّاه، ثم أعلم الله نبيّه ﷺ بعد أنها من أزواجه، فكان يستحي أن يأمر بطلاقها. وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله ﷺ أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه، ويقولوا: تزوّج امرأة ابنه، وكان قد تبنّى زيداً).
ثم قال ابن حجر: ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم، والطبري، ونقلها كثير من المفسرين، لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد!
والحاصل أن الذي كان يخفيه النبيّ ﷺ هو إخبار الله إيّاه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس: تزوّج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهليّة عليه من أحكام التبنّي بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوّج امرأة الذي يُدعى ابناً، قال: ووقوع ذلك من إمام المسلمين، ليكون أدعى لقبولهم، قال: وإنما وقع الخبط في تأويل متعلّق الخشية، والله أعلم! (٢)
وهكذا أنفذ الله شريعته وأحكمها، وكشف ما خالج خاطر رسول الله ﷺ
стр. 1298
من كراهية القوم لزواجه من زينب، ولم يكن للشيطان أن يدخل من هذه الثغرة، وترك الذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم، يتخذون من هذه الحادثة، مادّة للشقاق والجدال .. ما تزال!
درس للدعاة:
ولقد تدفع الحماسة والحرارة أصحاب الدعوات -بعد الرسل- (١) والرغبة الملحة في انتشار الدعوات وانتصارها .. تدفعهم إلى استمالة بعض الأشخاص أو بعض العناصر بالإغضاء في أوّل الأمر عن شيء من مقتضيات الدعوة، يحسبونه هم ليس أصيلاً فيها، ومجاراتهم في بعض أمرهم، كي لا ينفروا من الدّعوة ويخاصموها!
ولقد تدفعهم كذلك إلى اتخاذ وسائل لا تستقيم مع موازين الدعوة الدقيقة، ولا منهج الدعوة المستقيم، وذلك حرصاً على سرعة انتصار الدعوة وانتشارها، واجتهاداً في تحقيق (مصلحة الدعوة)!
و (مصلحة الدعوة الحقيقيّة) في استقامتها على المنهج دون انحراف قليل أو كثير، أمّا النتائج فهي غيب لا يعلمه إلا الله، فلا يجوز أن يحسب حملة الدّعوة حساب هذه النتائج؛ إنما يجب أن يمضوا على نهج الدّعوة الواضح الصريح الدّقيق، وأن يدعوا نتائج هذه الاستقامة لله، ولن تكون إلا خيراً في نهاية المطاف!
وها هو ذا القرآن الكريم ينبّههم إلى أن الشيطان يتربص بأمانيّهم تلك، لينفذ منها إلى صميم الدّعوة!
стр. 1299
وإذا كان الله قد عصم أنبياءه ورسله، فلم يمكن الشيطان أن ينفذ من خلال رغباتهم الفطريّة إلى دعوتهم، فغير المعصومين في حاجة إلى الحذر الشديد من هذه الناحية، والتّحرّج البالغ، مخافة أن يدخل عليهم الشيطان من ثغرة الرّغبة في نصرة الدعوة، والحرص على ما يسمونه (مصلحة الدعوة)!
إن كلمة (مصلحة الدعوة) يجب أن ترتفع من قاموس أصحاب الدعوات؛ لأنها مزلة، ومدخل للشيطان يأتيهم منه، حين يعزّ عليه أن يأتيهم من ناحية (مصلحة الأشخاص)!
ولقد تتحوّل (مصلحة الدعوة) إلى صنم يتعبّده أصحاب الدعوة، وينسون معه منهج الدعوة الأصيل!
إن على أصحاب الدّعوة أن يستقيموا على نهجها، ويتحرّوا هذا النهج، دون التفات إلى ما يعقبه هذا التحرّي من نتائج، قد يلوح لهم أن فيها خطراً على الدّعوة وعلى أصحابها!
فالخطر الوحيد الذي يجب أن يتقوه هو خطر الانحراف على النهج لسبب من الأسباب، سواء كان هذا الانحراف كثيراً أو قليلاً، والله أعلم منهم بالمصلحة وهم ليسوا بها مكلّفين، إنما هم مكلفون بأمر واحد، ألا ينحرفوا عن المنهج، وألا يحيدوا عن الطريق!
ويعقب السياق على تلك الآيات، وما فيها من صيانة لدعوة الله من كيد الشيطان بأن الذين يكفرون بها مدحورون، ينتظرهم العذاب المهين: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾ (الحج)!
стр. 1300
ذلك شأن الذين كفروا مع القرآن كله، يذكره السياق بعد بيان موقفهم مما يلقي الشيطان في أمنيات الأنبياء والرسل، لما بين الشأنين من تشابه واتصال، فهم لا يزالون في ريبة من القرآن وشك .. منشأ هذه الرّيبة أن قلوبهم لم تخالطها بشاشة الإيمان، فتدرك ما فيه من حقيقة وصدق، ويظل هذا حالهم ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾! بعد قيام الساعة .. ووصف هذا اليوم بالعقيم وصف يلقي ظلاً خاصاً، فهو يوم لا يعقب .. إنه اليوم الأخير!
في هذا اليوم الملك لله وحده، فلا ملك لأحد، حخى الملك الظاهري الذي كان يظنّه الناس في الأرض ملكاً .. والحكم يومئذ لله وحده، وهو يقضي لكل فريق بجزائه المقسوم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾! جزاء الكيد لدين الله، وجزاء التكذيب بآياته البيّنات، وجزاء الاستكبار عن الطاعة لله والتسليم!
اعتباران:
والسجود -كما عرفنا- يرجع إلى اعتبارين: (١)
الاعتبار الأول:
أن الذي كان يقرأ السورة هو محمد ﷺ النبيّ، الذي تلقى هذا القرآن مباشرةً من مصدره، وعاشه وعاش به!
وفي سورة (النجم) خاصةً كان يعيش لحظات، عاشها في الملأ الأعلى،
стр. 1301
وعاشها مع الروح الأمين .. مكشوفة عنه الحجب (١)، مزاحة عنه الأستار .. يتلقَّى من الملأ الأعلى .. يسمع ويرى .. ويحفظ ما وعى .. وهي لحظات خصّ بها ذلك القلب المصفّى، ولكن الله يمنّ على عباده، فيصف لهم هذه اللحظات وصفاً موحياً مؤثراً، ينقل أصداءها وظلالها وإيحاءها إلى قلوبهم .. حتى لكأنهم كانوا شاهديها!
وتطالعنا نفحات مباركات طيبات .. تمسّ القلوب، ويرتجف لها الكيان تحت وقع اللمسات المتتابعة .. والغيب المحجوب لا يراه إلا الله، والعمل المكتوب لا يندّ ولا يغيب عن الحساب والجزاء .. والمنتهى إلى الله في نهاية كل طريق يسلكه العبيد، والحشود الضاحكة، والحشود الباكية .. وحشود الموتى، وحشود الأحياء .. والنطفة تهتدي في الظلمات إلى طريقها، وتخطو خطواتها وتبرز أسرارها فإذا هي ذكر وأنثى .. والنشأة الأخرى ومصارع الغابرين ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾!
﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾!
وتجيء الصيحة الأخيرة التي تهزّ الكيان هزًّا: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾!
وفي هذه الصيحة الأخيرة يهتزّ الكيان كله .. وذلك سرّ من أسرار القرآن الكريم!
стр. 1302
والشأن في المؤمن أن يتلقَّى هذا الذكر في وجل وارتعاش، وفي تأثر شديد تقشعرّ منه الجلود، ثم تهدأ النفوس، وتأنس القلوب بهذا الذكر، فتلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ (الزمر)!
وتلك صورة حيّة حسّاسة ترسمها الكلمات، فتكاد تشخص فيها الحركات!
الاعتبار الثاني:
معلوم أن المشركين لم تكن قلوبهم ناجية من الرعشة والرجفة -كما أسلفنا- وهم يستمعون إلى النبي ﷺ ، إنما كان العناد المصطنع هو الذي يحول بينهم وبين الإذعان .. ومثل هؤلاء إذا استمعوا إلى سورة (النجم) من محمد ﷺ أقرب ما يقبله العقل ويؤيّده النقل أن تصادف قلوبهم لحظة الاستجابة التي لا يملكون أنفسهم إزاءها، وأن يؤخذوا بسلطان القرآن الكريم فيسجدوا مع الساجدين .. بلا غرانيق ولا غيرها من روايات المفترين!
ومن فضل الله على الدعاة أن القرآن دستورهم .. وأن الاحتكام إلى منهج الله في كتابه ليس نافلةً ولا تطوّعاً ولا موضع اختيار (١) .. إنما هو الإيمان .. أو فلا إيمان: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (الأحزاب).
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)
стр. 1303
إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾ (الجاثية)!
والأمر إذن جد .. إنه أمر العقيدة من أساسها .. ثم هو أمر سعادة هذه البشريّة أو شقائها .. والبشريّة -وهي من صنع الله- لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله، ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يقدّمه هذا القرآن: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢﴾ (الإسراء)!، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ (الإسراء)!
هكذا على وجه الإطلاق فيمن يهديهم وفيما يهديهم، فيشمل الهُدى أقواماً وأجيالاً بلا حدود من زمان أو مكان، ويشمل ما يهديهم إليه كل منهج وكل طريق، وكل خير يهتدي إليه البشر في كل زمان ومكان، وعصر ومصر، وجيل وقبيل!
يهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور، بالعقيدة الواضحة البسيطة التي لا تعقيد فيها ولا غموض، والتي تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة، وتطلق الطاقات البشريّة الصالحة للعمل والبناء، وتربط بين نواميس الكون الطبيعيّة ونواميس الفطرة البشريّة في تناسق واتّساق!
ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه، وبين عقيدته وعمله، فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم، متطلّعة إلى أعلى وهي مستقرّة على الأرض، وإذا العمل عبادة، متى توجّه الإنسان به إلى الله، ولو كان هذا العمل متاعاً واستمتاعاً بالحياة! (١)
стр. 1304
ويهدي للتي هي أقوم في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة، فلا تشقّ التكاليف على النفس حتى تملّ وتيأس من الوفاء، ولا تسهل وتترخّص حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار، ولا تتجاوز القصد والاعتدال، وحدود الاحتمال!
ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض: أفراداً وأزواجاً، وحكومات وشعوباً، ودولأَ وأجناساً، ويقيم هذه العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التي لا تتأثّر بالرأي والهوى، ولا تميل مع المودّة والشنآن، ولا تصرفها المصالح والأغراض .. الأسس التي أقامها العلم الخبير لخلقه، وهو أعلم بمن خلق، وأعرف بما يصلح لهم في كل أرض وفي كل جيل، فيهديهم للتي هي أقوم في نظام الحكم، ونظام المال، ونظام الاجتماع، ونظام التعامل الدّولي اللائق بعالم الإنسان!
ويهدي للتي أقوم في تبنّي الرسالات السماوية جميعها، والربط بينها كلها، وتعظيم مقدّساتها، وصيانة حرماتها، بجميع عقائدها السماويّة في سلام ووئام!
وصيّة أخويّة:
وأوصي الدعاة إلى الله تعالى بأن يحفظوا القرآن في صدورهم ويتفقّهوا في معانيه، وأن يكونوا قرآناً حيًّا متحرّكاً في حياتهم!
قال الشاعر وليد الأعظمي (١):
стр. 1305
الله غاتُنا وهل من غايةٍ ... أسمى وأغلى من رضى الرحمنِ
وزعيم دعوتنا الرسول وما لنا ... غير الرسولِ محمدٍ من ثانِ
دستورنا القرآن وهو منزّل ... والعدل كل العدل في القرآنِ
وسبيل دعوتنا الجهاد وإِنه ... إِن ضاع ضاعت حرمة الأوطانِ
والموت أمنية الدعاة فهل ترى ... ركناً يعاب بهذه الأركانِ
* * *
رجاء أن نكون مصاحف في هذه الحياة، وتهبّ نفحات القرن الأول، ويولد للإسلام عالم جديد، يكون قضاء الله الغالب، وقدره الذي لا يرد!
وقال الأخ العلامة الدكتور القرضاوي تحت عنوان: (فتى القرآن):
أنا إِن سألت القوم عنّي من أنا؟ ... أنا مؤمن سأعيش دوْماً مؤمنا!
فليعلم الفجّار أني ها هنا ... لن أنحني لن أنثني لن أركنا!
стр. 1306
* * *
إِنّي رأيت الله في أكوانه ... وسمعت صوت الحق في قرآنهِ
ولست حكمته وفيض حنانه ... في سيرة المختار في إِيمانهِ
* * *
أنا مسلم هل تعرفون السلما ... أنا نور هذا الكون إِن هو أظلما!
أنا في الخليقة ريّ من يشكو الظما ... وإِذا دعى الداعي أنا حامي الحمى!
* * *
أنا مصحف يمشي وإِسلام يُرى ... أنا نعمة علويّة فوق الثرى
الكون لي ولخدمتي قد سُخِّرا ... ولمن أنا؟ أنا للذي خلق الورى
* * *
أنا من جنود الله حزب محمّد ... وبغير هدي محمَّد لا أهتدي
стр. 1307
حاشاي أن أُصغي لدعوة مُلْحد ... وأنا فتى القرآن وابن المسجدِ!
أنا كوكب يهدي القوافل في السّرى ... وأنا الشهاب إِذا رأيت المنكرا
ما لي سوى نفسٍ تعزّ على الشّرَا ... قد بِعْتُها لله والله اشترى (١)
جمعنا الله في مستقرّ رحمته إخواناً على سرر متقابلين، آمين آمين آمين!
стр. 1308
محنة الحصار الاقتصادي
المقاطعة الظالمة
стр. 1309
محنة الحصار الاقتصادي
المقاطعة الظالمة
* قوّة عزيمة الرسول ﷺ
* التآمر على قتل النبي ﷺ
* تدبير أبي طالب لحماية الرسول ﷺ
* سبب كتابة الصحيفة
* شدّة حرص أبي طالب وشعره
* آية الله في الصحيفة
* سعي أبي طالب
* كاتب الصحيفة
* شدّة الحصار
* كاتبها ماحيها
* تحرّك العواطف
* لؤم نحيزة أبي جهل
* شعر أبي طالب بعد تمزيق الصحيفة
* المقاطعة في الصحيح
* دروس للدعاة
* إعداد لتحمل أثقال الدعوة
* مسيرة الدعوة
стр. 1310
محنة الحصار الاقتصادي المقاطعة الظالمة
سبق أن عرفنا قول ورقة للنبي ﷺ في حديث بدء الوحي: (هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حَيًّا إِذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : "أومخرجيَّ هُمْ"؟! قال: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلا عُودي، وإِن يُدركني يومك أنصرك نصراً مؤزّراً، ثم لم يلبث ورقة أن توُفِّي، وفتر الوحي).
وأبصرنا معالم الابتلاء في:
- الاضطهاد والتعذيب!
- والمساومة والإِغراء!
- والهجرة إِلى الحبشة!
وأبصرنا قوّة الإِيمان في مواجهة هذا الابتلاء الذي يعجز الخيال عن تصوّره .. وأن الحسّ لا يتلقّاه إِلا بهول وروع .. !
وهذا هو الطريق!
قوّة عزيمة الرسول ﷺ -:
ومع ذلك لم يفتر رسول الله ﷺ لحظة واحدة عن القيام بأمر ربّه في تبليغ رسالته، ونشر دعوته (١)، وهو يلقى من عن البلاء وفوادح الإيذاء وسفاهة
стр. 1311
السفهاء، وإقامة العقبات في سبيل سير الدعوة إلى أهدافها، والوصول بها إلى غايتها، صابراً محتسباً، عفوًّا صفوحاً، كريماً حليماً؛ مما جعل دعوة الحق والهداية تدخل إلى كل مجتمع ومحفل وناد في مواسم العرب وأسواقهم حتى أصبح لها في كل قبيلة ذكر، وعند كل قوم أثر ومشهد، وتحدّث الناس عن هذه الدعوة بين موافق معجب ومخالف مقلّد!
التآمر على قتل النبي ﷺ -:
وقد أحفظ ذلك عتاولة الشرك، وغطارفة الوثنيّة، وملأ الكفر من المستكبرين في قريش، فاشرأبّت أعناق الحقد الأسود في قلوبهم، وتعرّجت طرائق المقاومة، وأبلسوا في متائه الحيرة، وعُمِّي عليهم الرأى، وغُمِّيَتْ عليهم دلائل الهداية فلم يعرفوا إلاّ الشرّ وذرائعه، وإلاّ سوء المكر ووسائله، وانتهوا إلى مجثم الشيطان يستنزلون أوامره، وتلقّوها من وحيه سوداء مظلمة، حاقدةً مضطغنةً، وراحوا يمكرون ويدبّرون، لينفذوا أبشع جريمة غادرة، بعد أن أعيتهم مواقف العزيمة الصارمة الماضية، التي لا ينحسر مدّها، ولا يتوقّف توثّبها، في ثبات ورسوخ من اليقين الذي ملأ حياة محمَّد ﷺ ، وحياة أصحابه ﵃، فاستهانوا بكل بلاء، واحتملوا كل إيذاء وتعذيب، وسخرية واستهزاء، فلم يبق أمام ظلم ذوي القربى إلا قاصمة الظهر، فقد طرقوا كل باب من أبواب الشرّ والفجور، فلم يُجدهم شيئاً، وانتثروا آخر سهامهم، فلم يجدوا فيها إلًا سهماً واحداً لم يجرّبوه!
ذلك أن يقتلوا محمداً ﷺ علانيةً، ليجعلوا قومه بني هاشم أمام عاصفة لا قبل لهم بالوقوف أمام زمجرتها وتدميرها!
стр. 1312
فقد أخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب فيما رواه عنه موسى بن عقبة صاحب المغازي، وهذا لفظ حديث القطان، قال: (١) ثم إِن المشركين اشتدّوا على المسلمين كأشدّ ما كانوا، حتى بلغ المسلمين الجهد، واشتدّ عليهم البلاء، واجتمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله ﷺ علانيةً!
تدبير أبي طالب لحماية الرسول ﷺ -:
فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بني عبد المطلب، وأمرهم أن يدخلوا رسول الله ﷺ شِعبهم، ويمنعوه ممن أراد قتله، فاجتمعوا على ذلك، مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حميّةً، ومنهم من فعله إيماناً ويقيناً .. وذلك في المحرّم من السنة السابعة من النبوّة!
ثم أمر رسول الله ﷺ من كان بمكّة من المؤمنين أن يخرجوا إلى الحبشة، وهذه هي الهجرة الثانية -كما أسلفنا- ومن قوي على البقاء بمكّة دخل مع النبي ﷺ وقومه الحصار بالشّعب!
سبب كتابة الصحيفة:
فلمّا عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله ﷺ ، واجتمعوا على ذلك اجتمع المشركون من قريش، فأجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم، ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم إلا أن يسلموا رسول الله ﷺ للقتل!
стр. 1313
وكتبوا بمكرهم صحيفةً وعهوداً ومواثيق أن لا يقبلوا من بني هاشم أبداً صلحاً، ولا تأخذهم بهم رأفة، حتى يسلموا محمداً ﷺ للقتل، فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، واشتدّ عليهم البلاء والجهد، وقطعوا عنهم الأسواق، فلا يتركون طعاماً يقدم مكّة، ولا بيعاً، إلا بادروهم إليه فاشتروه، يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله ﷺ !
شدّة حرص أبي طالب وشعره:
وكان من شدّة حرص أبي طالب على رسول الله ﷺ ، وبالغ حياطته وحفظه أنه كان مدّة زمن الحصار إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله ﷺ فاضطجع على فراشه المعدّ لنومه، حتى يرى ذلك من أراد بالنبي ﷺ مكراً لاغتياله، فإذا نوّم الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله ﷺ ، وأمر رسول الله ﷺ أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه!
قال ابن إسحاق: (١) فلما اجتمعت على ذلك قريش وصنعوا فيه الذي صنعوا، قال أبو طالب:
ألا أبلغا عنّي على ذات بيننا ... لؤيًّا وخصّا من لؤيّ بني كعب
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمداً ... نبيًّا كموسى خُطَّ في أوّل الكتبِ
стр. 1314
وأن عليه في العباد محبّة ... ولا خير (١) ممن خصه الله بالحبَّ
وأن الذي ألصقتمو من كتابكم ... لكم كائن نحساً كراغبة السّقَبِ
أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفَر الثّرى ... ويصبحَ من لم يجن ذنباً كذي الذّنبِ
ولا تتبعوا أمر الوُشاة وتقطعوا ... أواصِرنا بعد المودّة والقُربِ
وتستحيلوا حرباً عواناً وربما ... أمرَّ على من ذاقَهُ جَلَبُ الحربِ
فلسْنا وربِّ البيت نسلم أحمداً ... لعزَّاء من عضّ الزمان ولا كرّبِ
ولمّا تَبِنْ مِنّا ومنكم سوالف ... وأيْدٍ أثّرت بالقساسيّة الشُّهْبِ
بمعترك ضيّق ترى كسر القنا ... به والنسورَ الطغم يعكفن كالشّربِ
стр. 1315
كأن محِال الخيل في حجراته ... ومعمعة الأبطال معركة الحبِّ
أليس أبونا هاشمٌ شدَّ أزره ... وأوصى بنيه بالطّعان وبالضّزبِ
ولسنا نملّ الحرب حتّى تملّنا ... ولا نشتكي ما قد ينوء من النّكبِ
ولكننا أهل الحفاظ والنُّهىَ ... إنا طار أرواحُ الكُماة من الرُّعبِ
نقض ما تعاهدوا عليه:
فلمّا كان رأس ثلاث سنين (١) -أي من ابتداء دخولهم الشِّعب- تلاوم رجال من بني عبد مناف ومن بني قصيّ، ورجال سواهم من قريش، قد ولدتهم نساء من بني هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم، واستخفوا بالحق، واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر، والبراءة منه!
آية الله في الصحيفة:
وبعث الله على صحيفتهم التي كان المكر فيها برسول الله ﷺ الأرَضَةَ فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق!
стр. 1316
ويقال: كانت معلّقةَ في سقف البيت، ولم تترك اسماً لله فيها إلا لحسته،، وبقي ما كان فيها من شرك أو ظلم، أو قطيعة رحم!
وفي رواية لابن سيد الناس عن ابن هشام قال: (١) وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قال لأبي طالب: "يا عم، إِن ربِّي قد سلّط الأرَضَةَ على صحيفة قريش، فلم تدع فيها اسماً لله إِلا أثبتته، ونفت منها القطيعة، والظلم، والبهتان".
قال: أربّك أخبرك بهذا؟ قال: "نعم" قال: فوالله! ما يدخل عليك أحد، ثم خرج إِلى قريش فقال: يا معشر قريش؛ إِن ابن أخي أخبرني، وساق الخبر. بمعنى ما ذكرناه!
سعي أبي طالب:
قال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبني، فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطّلب، حتى أتى المسجد، وهو حافل من قريش، فلمَّا رأرهم عامدين إليهم أنكروا ذلك، وظنّوا أنهم خرجوا من شدة البلاء، فأتَوْهُم ليعطوهم رسول الله ﷺ ، فتكلّم أبو طالب، فقال: قد حدثت أمور بينكم لم تُذكر لكم، فأتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها، فلعلّه أن يكون بيننا وبينكم صلح -وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة، قبل أن يأتوا بها- فأتوا بالصحيفة معجبين بهلالا يشكون أن رسول الله ﷺ مدفوع إِليهم، فوضعوها بينهم، وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع
стр. 1317
قومكم وعشيرتكم، فإِنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد، جعلتموه خطراً لمهلكة قومكم وعشيرتكم وفسادهم!
فقال أبو طالب: إِنما أتيتكم لأعطيكم أمراً لكم فيه نصَف!
إِن ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني أن الله بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم، ومحا كل اسم هو له فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم إِيّانا، وتظاهركم علينا بالظلم، فإِن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فأفيقوا، فوالله! لا نسلمه أبداً حتى نموت من عند آخرنا، وإِن كان الذي قال باطلاً دفعناه إِليكم فقتلتم أو استحييتم!
قالوا: رضينا بالذي تقول، ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب، قالوا: والله إِن كان هذا قطّ إلا سحر صاحبكم فارتكسوا، وعادوا بشرّ ما كانوا عليه من كفرهم، والشدّ على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين!
كاتب الصحيفة:
وهذه الرواية تقول: إن الصحيفة كانت عند هشام بن عمرو بن الحارث العامري، وقيل: هو كاتبها، والمعروف أن الصحيفة علّقت في جوف الكعبة تأكيداً للتمسك بما فيها من عهود ومواثيق، وفي كاتبها بعد هذا القول اختلاف، قيل: إنه منصور بن عكرمة، وقيل إنه بغيض بن عامر، وقيل: إنه النضر بن الحارث، وفي هؤلاء الثلاثة قيل: فشلّت يده أو أصابعه!
وذكر أن كاتب الصحيفة (١) منصور بن عكرمة فشلّت يده .. وللنُّساب من
стр. 1318
قريش في كاتب الصحيفة قولان: أحدهما: أن كاتب الصحيفة هو بغيض بن عامر بن هاشم بن عبد الدار، والقول الثاني: منصور بن عبد بن شرحبيل بن هاشم من بني عبد الدار، وهو خلاف ابن إسحاق الذي ذهب إلى أن كاتب الصحيفة هو منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي!
شدة الحصار:
وكانت المحنة في هذا الحصار الظلوم شديدة، قاسية، موجعة، مؤلمة، قابلها المؤمنون بالصبر الجميل، والتحمّل الكريم!
قال السهيلي: إنهم جهدوا حتى كانوا يأكلون الخَبط وورق الشجر، حتى إن أحدهم ليضع كما تضع الشاة، وكان فيهم سعد بن أبي وقّاص، روي أنه قال: لقد جعت حتى إنّي وطئت على شيء فوضعته في فمي وبلعته، وما أدري ما هو إلى الآن!
وفي رواية يونس: أن سعداً قال: خرجت ذات ليلة لأبول، فسمعت قَعْقَعَةً تحت البول، فإذا قطعة من جلد بعير يابسة، فأخذتها وغسلتها، ثم أحرقتها، ثم رضضتها وسفسفتها بالماء، فقويت بها ثلاثاً!
وكان طغاة المشركين وهم مستغرقون في عتوّهم وفجورهم إذا قدمت العير مكّة، يأتي أحد هؤلاء المحصورين السوق، ليشتري شيئاً من الطعام لعياله، فيقدم المتبوب بلعنة الله أبو لهب عدوّ الله فيقول:
يا معشر التجار، غالوا على أصحاب محمَّد، حتى لا يدركوا معكم شيئاً، فقد علمتم ما لي ووفاء ذمتي، فأنا ضامن من أن لا خسار عليكم، فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافاً، حتى يرجع إلى أطفاله، وهم يتضاغَوْن من
стр. 1319
الجوع، وليس في يديه شيء يطعمهم به، ويغدو التجار على أبي لهب، فيزكّيهم فيما اشتروا من الطعام واللباس، حتى جهد المؤمنون ومن معهم جوعاً وعرياً!
كاتبها ماحيها:
ومن عجائب حكمة العلم الحكيم عزّ شأنه أن أحسن القوم بلاءً، في كشف هذه الغمّة، ونقض الصحيفة الظالمة الفاجرة هو أشدّهم لها في بدء أمرها حماسة، كاتبها كما قيل، والأمين على حفظها، كما قيل أيضاً: هشام بن عمرو بن لؤيّ. وأبو عمرو أخو نضلة بن هشام لأمّه، الذي بدّل الله شدّته على المؤمنين رأفة ورحمة، وجفاءه عطفاً، وقطيعته وصلاً، فكان من أوصل القوم للمؤمنين ومن معهم، وكان شريفاً في قومه ذا مروءة ونخوة!
كان -كما يقول ابن إسحاق- يأتي بالبعير ليلاً قد أوقره طعاماً، حتى إذا أقبل به فم الشِّعب خلع خطامه من رأسه، ثم ضرب على جنبه، فيدخل الشِّعب عليهم، ثم يأتي قد أوقره بزًّا، أو برًّا فيفعل به مثل ذلك!
تحرك العواطف:
قال محمَّد بن سعد: كان هشام بن عمرو العامري أوصل قريش لبني هاشم، حين حُوصروا في الشَّعب، أدخل عليهم في ليلة ثلاثة أحمال طعاماً، فعلمت بذلك قريش، فمشوا إِليه حين أصبح فكلّموه في ذلك، فقال: إِني غير عائد لشي خالفكم، فانصرفوا عنه، ثم عاد الثانثة، فأدخل عليهم ليلاً حملاً أو حملين، فغالظته قريش، وهمّت به، فقال أبو سفيان ابن حرب: دعوه رجل وصل أهل رحمه، أما إِني أحلف بالله! لو فعلنا مثل ما فعل كان أحسن بنا!
стр. 1320
وهو أول من نهض في نقض الصحيفة الظالمة، جمع إِليه من صناديد قريش ثلّةً لم يزل يفتل لهم في الذّروة والغارب، حتى استنزلهم إِلى رأيه، فمشى إِلى زهير بن أبي أميّة بن المغيرة، وأمّه عاتكة بنت عبد المطّلب، أخت أبي طالب، وعمّة رسول الله ﷺ ، وهذه سياسة في الرأي تدلّل على ثقوب فكرة، وذكاء قريحة، وتأتسّيه للأمور من قبلتها ووجهها، فقال له: يا زهير: أقد رضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثّياب، وتنكح النساء، وأخوالك قد علمت لا يُباع لهم، ولا يُبتاع منهم، ولا ينكحون ولا يُنكح إِليهم، أما إِنّي أحلف بالله! أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام، ثم دعوته إِلى ما دعاك إِليه منهم ما أجابك إِليه أبداً!
فانظر إِلى معرفته بدخائل النفوس، وإِثارة حفائظها لتقدم على ما تريد غير مبالية بما يكون من كوائن الأخطار في سبيل الوصول إِلى الهدف!
فقال زهير وقد استهواه منطقه: ويحكم يا هشام!! فماذا أصنع؟ إِنما أنا رجل واحد، والله! لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها!
وقال هشام: قد وجدت رجلاً، قال: فمن هو؟ قال: أنا، قال زهير: ابغنا رجلاً ثالثاً!
فذهب هشام إِلى المطعم بن عدي، فقال له: يا مطعم، أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك، موافق لقريش فيه، أما والله! لو أمكنتموهم من هذه لتجدنّهم إِليهم منكم سراعاً، قال مطعم: ويحك فماذا أصنع؟ إِنما أنا رجل واحد، قال: قد وجدت ثانياً، قال: من هو؟ قال: أنا، قال: ابغنا ثالثاً، قال قد فعلت، قال: من هو؟ قال: زهير بن
стр. 1321
أبي أميّة، قال: ابغنا رابعاً، فذهب هشام إِلى أبي الْبَخْتَرِي ابن هشام، فقال له نحواً ممّا قال لمطعم بن عديّ، فقال أبو الْبَختَرِي: وهل من أحد يُعين على ذلك؟ قال: نعم، قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أميّة، والمطعم بن عدي، وأنا معك، قال: ابغنا خامساً، فذهب هشام إِلى زمعة بن الأسود بن عبد المطَّلب بن أسد، فكلّمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال زمعة: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إِليه من أحد؟ قال: نعم، ثم سمَّى له القوم، فاتعدوا خَطْم الْحجُون ليلاً بأعلى مكّة، فاجتمعوا هناك، فأجمعوا أمرهم، وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير: أنا أبدؤكم، فأكون أوّل من يتكلّم، فلمّا أصبحوا غدوا إِلى أنديتهم، وغدا زهير بن أبي أميّة عليه حلّة، فطاف بالبيت سبعاً، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكّة، أنأكل الطعام، ونلبس الثّياب، وبنو هاشم هلكى لا يُباع لهم، ولا يُبتاع منهم، والله! لا أقعد حتى تشقّق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة!
لؤم نحيزة أبي جهل:
قال أبو جهل -وكان في ناحية المسجد- كذبت، والله! لا تشق! قال زمعة ابن الأسود: أنت والله! أكذب، ما رضينا كتابها، حيث كتبت، قال أبو الْبَخْتَرِي صدق زمعة، لا نرضى ما كُتب فيها، ولا نقرّ به، قال المطعم ابن عدي: صدقتما، وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إِلى الله منها، ومما كتب فيها، وقال هشام بن عمرو نحواً من ذلك، فقال المخذول الفاجر أبو جهل: هذا أمر قُضي بليل، تُشوور فيه بغير هذا المكان، وأبو طالب جالس في ناحية المسجد، فقام المطعم إِلى الصحيفة ليشقّها، فوجد الأرَضة قد أكلتها، إِلا (باسمك اللهم)!
стр. 1322
وكانت تلك الوثبة في القيام لنقض الصحيفة الظالمة القاطعة بعد أن أخبر رسول الله ﷺ عمّه أبا طالب بما أخبر به بالوحي في شأن الصحيفة، وتحدّث به أبو طالب إِلى ملأ قريش، فوجدوه كما قال الصادق المصدوق، عندما أتوا بالصحيفة ونظروا فيها، فقالوا عناداً وفجوراً: هذا سحر، وعزموا على المضيّ في عتوّهم وعنادهم، ولكنهم فوجئوا بهشام بن عمرو ومن قام معه من صناديدهم ينكرون ما في هذه الصحيفة القاطعة من الظلم، وغلظ الأكباد، وهمّ المطعم بتشقيق الصحيفة، فلم يجدوا فيها إِلا (باسمك اللهم)!
وباء ملأ قريش بالخزي والخذلان، ونصر الله رسوله ﷺ !
وقد استفحل فجور أبي جهل في هذه المحنة، فكان يترصّد كل شيء يدخل إِلى الشِّعب، ليمنع ما عسمى أن يكون فيه بعض الإِسعاف للمحصورين، وهم يقاسون مع نسائهم وأطفالهم مرارة الجوع والعري في محبسهم وعزلتهم!
فقد ذكر سائر الرّواة أن أبا جهل لقي حكيم بن حزام بن خويلد، ومعه غلام يحمل قمحاً يريد به عمّته خديجة، وهي في الشِّعب، فتعلّق به، وقال: أتذهب بالطعام إِلى بني هاشم، والله! لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكّة، فجاءه أبو الْبَخْتَري بن هشام، فقال: مالك وله، قال: يحمل الطعام إِلى بني هاشم، قال أبو الْبَخْتَري: طعام كان لعمته عنده، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خَلِّ سبيل الرجل، فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه!
فأخذ له أبو البَخْتري لحى بعير ففربه به فشجّه، ووطئه وطأ شديداً،
стр. 1323
وحمزة ﵁ يرى ذلك، ويكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله ﷺ وأصحابه فيشمتوا بهم!
ورسول الله ﷺ دائب يدعو قومه ليلاً أو نهاراً وسرًا وجهرًا!
شعر أبي طالب بعد تمزيق الصحيفة:
قال ابن إِسحاق: (١) فلمّا مزّقت -أي الصحيفة- وبطل ما فيها قال أبو طالب، فيما كان من أمر أولئك القوم الذين قاموا في نقض صحيفتهم يمدحهم:
ألا هل أتى بَحَريَّنا (٢) صنع ربِّنا ... على نأْيهم والله بالناس أَروَد
فيُخْبِرهم أن الصحيفة مُزِّقَتْ ... وأن كُلَّ ما لم يرضَه الله مفسد
تراوحَها إِفكٌ وسحرٌ مُجَمَّع ... ولم يَلْفَ سِحْراً آخر الدهر يصعدُ
تداعَى لها من ليس بقرقر ... فطائرها في رأسها يتردّدُ
стр. 1324
وكانت كفاءً وقعة بأثيمة ... ليُقطع منها ساعدٌ ومقلدُ
ويظعن أهل المكّتين فيهربوا ... فرائصهم من خشية الشرّ ترعدُ
ويترك حراث يقلّب أمره ... أيُتَّهَم فيها عند ذاك ويُنْجِدُ
وتصعد بين الأخشبين كتيبة ... لها حدجٌ سهم وقوس ومرهدُ
فمن ينش من حضار مكة عزّة ... فعزتنا في بطن مكّة أتلدُ
نشأنا بها والناس فيها قلائل ... فلم ننفك تزداد خيراً وتحمدُ
ونُطعم حتى يترك الناس فضلهم ... إِذا جعلت أيدي المفيضين ترعدُ
جزى الله رهطاً بالحجون تجمّعوا ... على ملأ يهدي لحزْم ويُرشد
قعوداً للذي خطم الحجون كأنهم ... مقاولةٌ بل هم أعزّ وأمجدُ
стр. 1325
أعان عليها كل صقر كأنه ... إِذا مشى في رفرف الدّرع أحردُ
جرئٌ على جلّ الخطوب كأنه ... شهاب بكفيّ قابس يتوقدُ
من الأكرمين من لؤي بن غالب ... إِذا سيم خسفاً وجهه يتربدُّ
طويل النّجاد خارجٌ نصف ساقه ... على وجهه يسقي الغمام ويسعدُ
عظيم الرّماد سيّد وابن سيّدٍ ... يحضّ على مقري الضيوف ويحشدُ
ويبني لأبناء العشيرة صالحاً ... إِذا نحن طفنا في البلاد ويمهدُ
ألظَّ بهذا الصلح كل مبرّأ ... عظيم الواء أمره ثمّ يُحمدُ
قضَوْا ما قَضوْا في ليلهم ثم أصبحوا ... على مهل وسائر الناس رُقدُ
هم رجعوا سهل بن بيضاء راضياً ... وسُرَّ أبو بكر بها ومحمَّدُ
стр. 1326
متى شرك الأقوام في حل أمرنا ... وكنّا قديماً قبلها نتودّدُ
وكنا قديماً لا نقر ظلامة ... وندرك ما شئنا ولا نتردد
فيا لقصيّ هل لكم من نفوسكم ... وهل لكم فيما يجيء به غدُ
فإِني وإِيّاكم كما قال قائلٌ ... لَدَيْكَ البيان لو تكلّمت أسودُ
قال السهيلي (١): أسود اسم جبل قتل به قتيل، ولم يعرف قاتله، فقال أولياء المقتول: لديك البيان لو تكلّمت أسود، أي يا أسود لو تكلمت لأبنت لنا عمن قتله!
المقاطعة في الصحيح:
وإذا كنا قد ذكرنا نصوص المقاطعة، كما وردت، فحسبنا أن هذه المقاطعة قد وردت الإشارة إليها فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ حين أراد قدوم مكّة: "منزلنا غداً إِن شاء الله، بخَيْفِ بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر".
وفي رواية عنه ﵁ قال: قال النبي ﷺ من الغد يوم النحر -وهو بمنى-
стр. 1327
"نحن نازلون غداً بِخيفِ بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر يعني بذلك المحصّب، وذلك أن قريشاً وكنانة تَحالَفَتْ علي بني هاشم وبني عبد المطّلب -أو بني المطّلب- أن لا يناكحوهم ولا يُبايعوهم حتى يسْلمُوا إِليهم النبي ﷺ ". (١)
إعداد لتحمّل أثقال الدعوة:
قد كان خروج النبي ﷺ من محنة الحصار، وتقاسم المشركين على فجور الكفر، هو ومن معه من المؤمنين الذين بقوا في مكّة، ولم يهاجروا مع إخوانهم أصحاب الهجرة الثانية إلى الحبشة -كما أسلفنا- ومن دخل معه من بني هاشم والمطّلب حميّة قوميّة، وهم على دين قومهم من الشرك والوثنيّة في السنة العاشرة من البعثة قبل الهجرة إلى المدينة بثلاث سنين!
وقد كان الدخول إلى الشَّعب وبدء الحصار هلال المحرم سنة سبع من النبوّة -كما عرفنا- وكانت مدّة هذا الحصار الظلوم ثلاث سنين في رواية موسى بن عقبة، أو سنتين في رواية محمَّد بن سعد، وقد ذكر ابن إسحاق الروايتين على الشك، فقال: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثاً، وقد كانت هذه المحنة لوناً من ألوان التربية التي تعهّد الله بها نبيّه محمداً ﷺ ليعدّه لتحمّل أثقال
стр. 1328
الدعوة إلى الله، وتبليغ رسالاته، بما كان فيها من شدائد ومحن وتمحيص لعزائم أهل الإيمان!
دروس للدعاة:
ونبصر عبر التاريخ أنه لا يخلو زمان ولا مكان من أهل المروءة، وعلى الدعاة أن يسعوا دائماً إلى الاهتمام بمن يتوسّم فيهم هذه الخصلة للاستفادة منهم في أوقات الشدائد والمحن! (١)
ونبصر أعداء الله في كل زمان ومكان وجيل وقبيل وعصر ومصر يلجؤون إلى استخدام سلاح محاربة الدعاة في أرزاقهم، ليستكينوا ويرجعوا عما يدعون إليه، وهو أسلوب يتّفق عليه المشركون والمنافقون عبر التاريخ .. ولو كان الدعاة إلى الله موظّفين أو عاملين في دولة تخالفهم فيما يدعون إليه، للجأت تلك الدولة إلى فصلهم من أعمالهم، كوسيلة من وسائل الحرب التي تتخذها ضدّهم، ولكن الوسيلة المتاحة في ذلك الوقت في هذا الميدان كانت المقاطعة بتلك الكيفيّة التي وقفنا عليها .. وعلى الدعاة أن يعوا هذه الحقيقة بأبعادها المختلفة!
ونبصر فيما أصاب الرسول ﷺ من ابتلاءات، وما أصاب أصحابه ﵃ -كما أسلفنا -عزاء لكل مؤمن فيما يصيبه في هذه الحياة من بلاء ومصائب!
ونبصر -أيضاً- أنه لا تخلو جاهليّة من الجاهليّات القديمة أو الحديثة من قيم يمكن الاستفادة منها، فقد ضحّى بنو هاشم تضحيات كبيرة في سبيل قيمهم
стр. 1329
الجاهليّة الخاصة بحماية الغريب .. وإذا وُجدت قيم في مجتمعاتنا المعاصرة، مثل قوانين حقوق الإنسان، أو اللجوء السياسي، أو الحريّة الفكريّة، فلا ضير من الاستفادة منها، كما استفاد المسلمون الأوائل من مؤازرة بني هاشم لهم في حصار الشعب!
مسيرة الدعوة:
ولما انتهى أمر هذه الصحيفة (١) الظالمة القاطعة، وأفسدها الله بتدبيره، إذ جعل فسادها على أيدي قوم من صناديدهم وغطاريفهم، وفتَّ ذلك في أعضادهم، وفرّق كلمتهم، وجلّلهم بالعار والشنار، خرج رسول الله ﷺ ورهطه، فعاشوا وخالطوا الناس، وعادت دعوة الإِسلام إلى سيرتها الأولى، يحملها رسول الله ﷺ إلى مضارب القبائل ومجتمعات الناس في المواسم والأسواق، وكان ﷺ يخرج إلى محافل العرب يسأل عن أشراف الناس وساداتهم، ويجلس إليهم يدعوهم إلى إيوائه، حتى يؤدّي رسالة ربّه، حتى قيّض الله له من ادّخرهم في أزل الغيب لنصرة دينه، والتشرّف بإيواء نبيّه ﷺ .. أولئك أنصار الله، وأنصار رسوله وكتائب الإسلام!
стр. 1330
توالي اشتداد المحن
стр. 1331
توالي اشتداد المحن
* خُسران ملأ قريش
* مواقف الجمهور من الدعوة
* منهج الدعوة إلى الله
* رزء الحميّة القوميّة بوفاة أبي طالب
* شعر أبي طالب في مدح الرسول ﷺ
* وصيّة أبي طالب لقومه
* وفاة أبي طالب
* رزء الإِسلام ونبيّه بوفاة خديجة ﵂
* حقيقة الرسالة
* تسامي حياة الصديقيّة المؤمنة
* ورقة يؤكّد فراسة خديجة
* دور خديجة ﵂
* موت خديجة ﵂ وتسليم الله عليها وتبشيرها
* الرسول ﷺ في الطائف
* قدوم الجنّ وإسلامهم
* توجيه ربّاني
стр. 1332
توالي اشتداد المحن
خُسران ملأ قريش:
وقد حزَّ في أنفس طغاة الشرك أن يبوء بالخُسران المبين تدبيرهم السيّء، ومكرهم الحقود، إذ ردّ الله كيدهم في نحورهم، وحاق بهم سوء مكرهم، فشرقوا بما دبّروا، وازدادوا عتوًّا وفجوراً في عتوّهم فافتنّوا في تعذيب من تمكّنوا من تعذيبه من المؤمنين، ومنعوهم من كل ما يحفظ عليهم دماء الحياة ويسدّ الرمق .. والمؤمنون صابرون محتسبون، لا يزيدهم هذا الطغيان إلا رسوخاً في يقينهم، وإيماناً برسالة دينهم، واستمساكاً بعقيدتهم .. واستشرى الحقد في صدور أحلاس الوثنيّة فأحرق قلوبهم، وزئر كل قبيل منهم بكل من كان يمتّ إليهم من المؤمنين بصلة قرابة، أو ولاية أو حلف، فلم ينل ذلك من إيمانهم شيئاً، فكان هذا الثبات على الإيمان تحت أسواط التعذيب أغيظ لملأ الكفر من عتاة المشركين، ولاسيّما أن النبي ﷺ بعد أن خرج بمن معه من المؤمنين من محنة الحصار مظفَّراً قويًّا، ماضي العزيمة، لا يصدّه عن المضيّ في نشر دعوته فادح البلاء، ولا يثنيه عن تبليغ رسالته زمجرة الطغيان .. ازداد تحرّكه وازداد اتّصاله بالناس في مجتمعاتهم ومحافلهم وأنديتهم، يدعو إلى الله، ويسمعهم آياته، فلم يكن ﷺ يسمع بمنزل شريف من أشراف العرب إلا جاءه ودعاه وقومه إلى الله، فازداد بذلك انتشار الدعوة، وتسامعوا بتفاصيل محنة الحصار، وتقاسم الطغاة البغاة العتاة على الكفر والقطيعة، وعرفوا تأييد الله لنبيّه ﷺ في نقض تلك الصحيفة الظالمة التي تعاهد فيها الظالمون، وتقاسموا على القتل والفتك بأبشع صوره .. وذاع في أسواق العرب ومواسمهم ما وقع في الحصار من معجزات باهرات وآيات قاهرات!
стр. 1333
مواقف العامة من الدعوة:
ونبصر مواقف العامة من الدعوة، ونحن نذكر مواقف الذين كان منهم من يسمع النبي ﷺ ، ويؤخذ بما يسمع من هداية فيحسن الرد .. ومنهم من يقف حائراً لا يخطو إلى ساحة الإيمان ... ومنهم من كان يسيء الردّ في جفوة جاهلة، وعنجهيّة فاجرة، وبأو مغرور .. مع أدب الدعوة المعروف .. ومنهم من طمع واشرأبّ للدنيا، ورأى في عرض النبي ﷺ نفسه عليهم في مضاربهم ومنازلهم يدعوهم إلى أن يؤوه حتى يبلّغ رسالة ربّه -كما أسلفنا- فرصةً سانحةً لتحقيق مآربه من العلوّ في الأرض، فكان النبي ﷺ يُفهمهم في هدوء ويقين أن أمره وأمر دعوته ورسالته ليس أمر دنيا تحاز، ولا مطامع فيها تنجز، ولا مآرب من مظاهرها تحقَّق .. وإنما أمره أمر دعوة إلى الله الحق، مالك الدنيا والآخرة، وهو ﷺ ليس له من الأمر شيء، والأمر كله بيد الله يضعه حيث يشاء، وهو في أشدّ الحاجة إلى من يحرزه ويأويه ويحفظه مما يُراد به من القتل والفتك .. إنه رسول الله ﷺ ، ليس عليه إلا بلاغ رسالة الله، وليس أن يعد أحداً بأن الأمر بعده له؛ لأن الملك لله تعالى يؤتيه من يشاء، وليس وراء ذلك منزلة من منازل الصدق والأمانة والإخلاص!
قال ابن إسحاق (١): حدثني الزهري أنه ﷺ أتى بني عامر بن ععصعة، فدعاهم إلي الله ، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم- يقال له: (بَيحرة بن فراس)، قال ابن هشام: فراس بن عبد الله بن سلمة (الخير)
стр. 1334
ابن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة: والله! لو أنّي أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إِن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال ﷺ : "الأمر لله يضعه حيث يشاء"!
قال: فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإِذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا! لا حاجة لنا بأمرك، فأَبَوْا عليه!
قال ابن إِسحاق: فلما صدر الناس رجعتْ بنو عامر إِلى شيخ لهم، قد كانت أدركتْه السنّ، حتّى لا يقدر أن يوافي معهم الواسم، فكانوا إِذا رجعوا إِليه حدّثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلمَّا قدموا عليه ذلك العام سألهم عمّا كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتىَ من قريش، ثم أحدُ بني عبد المطَّلب، يزعم أنه نبيّ، يدعونا إِلى أن نمنعه ونقوم معه، ونخرج به إِلى بلادنا، قال: فوضع الشيخ يديه على رأسه، ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تلافٍ؟ هل لذُناباها من مطلب؟ والذي نفسُ فلان بيده! ما تقوّلها إِسماعيلي قطّ، وإِنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم!
قال ابن إِسحاق: فكان رسول ﷺ على ذلك من أمره، كلما اجتمع له الناس بالوسم أتاهم يدعو القبائل إِلى الله، وإِلى الإِسلام، ويعرض عليهم نفسه، وما جاء به من الله من الهُدى والرحمة، وهو لا يسمع بقادم يقدم مكّة من الدرب، له اسم وشرف، إِلا تصدَّى له، فدعاه إِلى الله، وعرض عليه ما عنده!
قال ابن إِسحاق: وحدثني عاصم بن عُمر بن قَتادة الأنصاريّ، ثم الظّفَريّ، عن أشياخ من قومه، قالوا:
стр. 1335
قدم سويد بن صامت، أخو بني عمرو بن عوف، مكّة حاجًّا أو معتمراً، وكان سويد إِنما يسمّيه قومه فيهم: (الكامل)، لجَلده وشعره، ونسبه، وهو الذي يقول:
ألا ربَّ مَنْ تدعو صديقاً ولو ترى ... مقالتَه بالغيب ساءك ما يفري (١)
مقالته كالشهد ما كان شاهداً ... وبالغيب مأثور (٢) على ثُغْرة النحر (٣)
يسرُّك باديه وتحت أديمه ... نميمةُ غِشٍّ تَبْتَرِي (٤) عَقب (٥) الظهر
تبين لك العينان ما هو كاتِمٌ ... من الغِلِّ والبغضاء بالنّظر الشّزر (٦)
فرِشْني (٧) نجير طالما قد بَرَيْتَنِي (٨) ... فخير الموالي من يريش ولا يَبْرِي