توالي اشتداد المحن
* خُسران ملأ قريش
* مواقف الجمهور من الدعوة
* منهج الدعوة إلى الله
* رزء الحميّة القوميّة بوفاة أبي طالب
* شعر أبي طالب في مدح الرسول ﷺ
* وصيّة أبي طالب لقومه
* وفاة أبي طالب
* رزء الإِسلام ونبيّه بوفاة خديجة ﵂
* حقيقة الرسالة
* تسامي حياة الصديقيّة المؤمنة
* ورقة يؤكّد فراسة خديجة
* دور خديجة ﵂
* موت خديجة ﵂ وتسليم الله عليها وتبشيرها
* الرسول ﷺ في الطائف
* قدوم الجنّ وإسلامهم
* توجيه ربّاني
стр. 1332
توالي اشتداد المحن
خُسران ملأ قريش:
وقد حزَّ في أنفس طغاة الشرك أن يبوء بالخُسران المبين تدبيرهم السيّء، ومكرهم الحقود، إذ ردّ الله كيدهم في نحورهم، وحاق بهم سوء مكرهم، فشرقوا بما دبّروا، وازدادوا عتوًّا وفجوراً في عتوّهم فافتنّوا في تعذيب من تمكّنوا من تعذيبه من المؤمنين، ومنعوهم من كل ما يحفظ عليهم دماء الحياة ويسدّ الرمق .. والمؤمنون صابرون محتسبون، لا يزيدهم هذا الطغيان إلا رسوخاً في يقينهم، وإيماناً برسالة دينهم، واستمساكاً بعقيدتهم .. واستشرى الحقد في صدور أحلاس الوثنيّة فأحرق قلوبهم، وزئر كل قبيل منهم بكل من كان يمتّ إليهم من المؤمنين بصلة قرابة، أو ولاية أو حلف، فلم ينل ذلك من إيمانهم شيئاً، فكان هذا الثبات على الإيمان تحت أسواط التعذيب أغيظ لملأ الكفر من عتاة المشركين، ولاسيّما أن النبي ﷺ بعد أن خرج بمن معه من المؤمنين من محنة الحصار مظفَّراً قويًّا، ماضي العزيمة، لا يصدّه عن المضيّ في نشر دعوته فادح البلاء، ولا يثنيه عن تبليغ رسالته زمجرة الطغيان .. ازداد تحرّكه وازداد اتّصاله بالناس في مجتمعاتهم ومحافلهم وأنديتهم، يدعو إلى الله، ويسمعهم آياته، فلم يكن ﷺ يسمع بمنزل شريف من أشراف العرب إلا جاءه ودعاه وقومه إلى الله، فازداد بذلك انتشار الدعوة، وتسامعوا بتفاصيل محنة الحصار، وتقاسم الطغاة البغاة العتاة على الكفر والقطيعة، وعرفوا تأييد الله لنبيّه ﷺ في نقض تلك الصحيفة الظالمة التي تعاهد فيها الظالمون، وتقاسموا على القتل والفتك بأبشع صوره .. وذاع في أسواق العرب ومواسمهم ما وقع في الحصار من معجزات باهرات وآيات قاهرات!
стр. 1333
مواقف العامة من الدعوة:
ونبصر مواقف العامة من الدعوة، ونحن نذكر مواقف الذين كان منهم من يسمع النبي ﷺ ، ويؤخذ بما يسمع من هداية فيحسن الرد .. ومنهم من يقف حائراً لا يخطو إلى ساحة الإيمان ... ومنهم من كان يسيء الردّ في جفوة جاهلة، وعنجهيّة فاجرة، وبأو مغرور .. مع أدب الدعوة المعروف .. ومنهم من طمع واشرأبّ للدنيا، ورأى في عرض النبي ﷺ نفسه عليهم في مضاربهم ومنازلهم يدعوهم إلى أن يؤوه حتى يبلّغ رسالة ربّه -كما أسلفنا- فرصةً سانحةً لتحقيق مآربه من العلوّ في الأرض، فكان النبي ﷺ يُفهمهم في هدوء ويقين أن أمره وأمر دعوته ورسالته ليس أمر دنيا تحاز، ولا مطامع فيها تنجز، ولا مآرب من مظاهرها تحقَّق .. وإنما أمره أمر دعوة إلى الله الحق، مالك الدنيا والآخرة، وهو ﷺ ليس له من الأمر شيء، والأمر كله بيد الله يضعه حيث يشاء، وهو في أشدّ الحاجة إلى من يحرزه ويأويه ويحفظه مما يُراد به من القتل والفتك .. إنه رسول الله ﷺ ، ليس عليه إلا بلاغ رسالة الله، وليس أن يعد أحداً بأن الأمر بعده له؛ لأن الملك لله تعالى يؤتيه من يشاء، وليس وراء ذلك منزلة من منازل الصدق والأمانة والإخلاص!
قال ابن إسحاق (١): حدثني الزهري أنه ﷺ أتى بني عامر بن ععصعة، فدعاهم إلي الله ، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم- يقال له: (بَيحرة بن فراس)، قال ابن هشام: فراس بن عبد الله بن سلمة (الخير)
стр. 1334
ابن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة: والله! لو أنّي أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إِن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال ﷺ : "الأمر لله يضعه حيث يشاء"!
قال: فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإِذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا! لا حاجة لنا بأمرك، فأَبَوْا عليه!
قال ابن إِسحاق: فلما صدر الناس رجعتْ بنو عامر إِلى شيخ لهم، قد كانت أدركتْه السنّ، حتّى لا يقدر أن يوافي معهم الواسم، فكانوا إِذا رجعوا إِليه حدّثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلمَّا قدموا عليه ذلك العام سألهم عمّا كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتىَ من قريش، ثم أحدُ بني عبد المطَّلب، يزعم أنه نبيّ، يدعونا إِلى أن نمنعه ونقوم معه، ونخرج به إِلى بلادنا، قال: فوضع الشيخ يديه على رأسه، ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تلافٍ؟ هل لذُناباها من مطلب؟ والذي نفسُ فلان بيده! ما تقوّلها إِسماعيلي قطّ، وإِنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم!
قال ابن إِسحاق: فكان رسول ﷺ على ذلك من أمره، كلما اجتمع له الناس بالوسم أتاهم يدعو القبائل إِلى الله، وإِلى الإِسلام، ويعرض عليهم نفسه، وما جاء به من الله من الهُدى والرحمة، وهو لا يسمع بقادم يقدم مكّة من الدرب، له اسم وشرف، إِلا تصدَّى له، فدعاه إِلى الله، وعرض عليه ما عنده!
قال ابن إِسحاق: وحدثني عاصم بن عُمر بن قَتادة الأنصاريّ، ثم الظّفَريّ، عن أشياخ من قومه، قالوا:
стр. 1335
قدم سويد بن صامت، أخو بني عمرو بن عوف، مكّة حاجًّا أو معتمراً، وكان سويد إِنما يسمّيه قومه فيهم: (الكامل)، لجَلده وشعره، ونسبه، وهو الذي يقول:
ألا ربَّ مَنْ تدعو صديقاً ولو ترى ... مقالتَه بالغيب ساءك ما يفري (١)
مقالته كالشهد ما كان شاهداً ... وبالغيب مأثور (٢) على ثُغْرة النحر (٣)
يسرُّك باديه وتحت أديمه ... نميمةُ غِشٍّ تَبْتَرِي (٤) عَقب (٥) الظهر
تبين لك العينان ما هو كاتِمٌ ... من الغِلِّ والبغضاء بالنّظر الشّزر (٦)
فرِشْني (٧) نجير طالما قد بَرَيْتَنِي (٨) ... فخير الموالي من يريش ولا يَبْرِي
стр. 1336
وهو الذي يقول: ونافرَ (١) رجلاً من بني سُلَيْم، ثم أحد بني زِعب بن مالك مائة ناقة، إِلى كاهنة من كهّان العرب، فقضت له، فانصرف عنها هو والسُّلميّ، ليس معهما غيرها، فلمَّا فرقت بينهما الطريق، قال: ما لي يا أخا بني سُلِيم، قال: أبعث إِليك به، قال: فمن لي بذلك إِذا فتَّني به؟ قال: أنا، قال: كلاّ، والذي نفس سويد بيده، لا تفارقني حتى أوتَى بمالي، فاتخذا، فضرب به الأرض، ثم أوثقه رباطاً ثم انطلق به إِلى دار بني عمرو بن عوف، فلم يزل عنده، حتى بعثت إِليه سُليم بالذي قال، فقال له في ذلك:
لا تحسبَنِّي يا بن زعب بن مالك ... كمن كنت تِرْدى بالغُيوبِ وتَخْتِل (٢)
تحوَّلتَ قِرْناً إِذ صُرِعتَ بِعزَّةٍ ... كذلك إِن الحازم المتحوِّل
ضربْتُ به إِبطَ الشمال فلم يزل ... على كل حَالٍ خدُّه هو أسفل
في أشعار كثيرة كان يقولها: فتصدّى له رسول الله ﷺ حين سمع به، فدعاه إِلى الله وإِلى الإِسلام.
فقال: له سويد: (فلعلَّ الذي معك مثل الذي معي) فقال له رسول الله ﷺ : "وما الذي معك؟ " قال: مجلة لقمان -يعني حكمة لقمان- فقال له رسول الله ﷺ : "اعْرِضْها عليّ" فَعرَضَها عليه، فقال له: "إِن هذا الكلام
стр. 1337
حسن، والذي معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله تعالى عليّ، هو هُدى ونورٌ. فتلا عليه رسول الله ﷺ ، ودعاه إلى الإِسلام، فلم يَبعُد منه، وقال: إن هذا القول حسن، ثم انصرف عنه، فقدم المدينة على قومه، فلم يلبث أن قتلته الخزْرج، فإِن كان رجال من قومه ليقولون: إِنا لنراه قد قُتل وهو مسلم، وكان قتله يوم بعاث! (١)
منهج الدعوة إلى الله:
تلك المحن القاسية كانت صيقَلاً لعزائم المؤمنين (٢)، ومدداً لرسول ﷺ ، ودروساً للتربية، في مستقبل الدعوة القريب والبعيد، وتأسيساً لمنهج الوراثة في الدعوة إلى الله!
ومن ثم لم تكن تلك المحن سوانح تمرّ، ولكنها كانت ثوابت تتوالى صورها وتتابع ألوانها، فلم تكن تمضي محنة حتى تتبعها شدّة، ولم تكد تذهب شدّة حتى تليها محنة، وكان الاعتصام بالصبر الصبور هو الدّرع الحصينة التي يلجأ إليها رسول الله ﷺ وأصحابه، ولم يعرف أن موقفاً من هذه المواقف استفزَّه ﷺ ، فغيّر من هدوئه ووداعته، ولم يعرف أن أحداً من أصحابه الأوَّلين آثر العافية على مرارة الصبر، والرضا بمحن البلاء!
ولهذا كان لابدّ أن تستوفي المسيرة نصيبها من (التمحيص الذي يصنع حياة المجتمع المسلم)، ليقوى على الإمساك بزمام القيادة الإنسانيِّة إلى آفاق العزَّة وصادق الإيمان بالله إلهاً واحداً، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد!
стр. 1338
رزء الحميّة القوميّة بوفاة أبي طالب:
كان أبو طالب -واسمه عبد مناف بن عبد المطّلب (١) - عمّ رسول الله ﷺ ، وأخو أبيه عبد الله بن عبد المطّلب شقيقه لأبيه وأمّه - وريث مكانة أبيه عبد المطّلب في زعامة بني عبد مناف وهاشم، سادة قريش، القوّامين على خدمة البيت الحرام بمكة!
وكان أبو طالب وصيّ أبيه في كفالة حفيده محمَّد ﷺ بالقيام على رعايته وحفظه وحمايته، وكانت سنُّ محمَّد ﷺ يوم مات جدّه عبد المطّلب ثماني سنوات، وقد ضمّ أبو طالب ابن أخيه محمداً ﷺ إلى حضْنِ كفالته، وجعله مع عياله، يحوطه ويحفظه ويحرص على راحته أشدّ الحرص، وقام بكفالته أحسن القيام، وأحبّه حبًّا لم يحبّه أحداً من ولده، وصبّ به صبابةً شديدة، لم يكن يطيق معها أن يفارقه، فكان ملازماً له في غدوّه ورواحه، وحلّه وترحاله، وسفره وإقامته، ونومه ويقظته، وقد ثبت -كما أسلفنا- أنه صحبه في بعض أسفاره للتجارة، وهو غلام يَفَعة، حتى شبّ محمَّد ﷺ في ظلّ هذه الكفالة شاباً رويًّا، ونشأ نشأة عزيزة كريمة حبيبة، واشتدّ ساعده، وبدرت رجولته مبكره، وشارك عمومته وأبناءهم في العمل ليكسب رزقه، وأبو طالب لا يغفل عنه لحظة، يسدّده في عمله، ويوجّهه في سعيه، راعياً، أو تاجراً، أو مقارضاً .. واستوى شباب محمَّد ﷺ في ظلّ هذه الكفالة الموفَّقة رجلاً، ضرباً من الرجال لا تعرفه الجاهليّة في أخلاقها، وعاداتها، ومعارفها، فكان فيهم الأمين الصدوق، الوفيّ، الكريم الودود الألوف .. وكان أبو طالب كثير
стр. 1339
العيال، قليل المال، وكان يهوى أن يرى ابن أخيه محمدا ﷺ يعيش عيشةً سويّةً، لا يشر فيها بضائقات الحياة، وشظف العيش مع عياله!
ولمَّا بعث الله محمداً ﷺ رسولاً إلى الناس كافّةً، وقف ملأ الشرك والوثنيّة موقف العناد المستكبر، والمكابرة العاتية، والفجور الطاغي، فكذّبوه، وآذوه، وأغروا به ليقتلوه -كما أسلفنا- ووقف عمه أبو طالب يذود عنه، وينصره ويحميه، بكل ما أوتي من وسيلة وقوّة .. جعل نحوه دون نحوه، وحياته فداء لحياته .. في مواقفه الكثيرة.
فلم ينالوا من رسول الله ﷺ نيلاً إلا في غيبة من عمه ونصيره .. ورسول الله ﷺ دائب النهوض في نشر دعوته إلى الله وتوحيده، لا يصدّه عن سيره شيء، فلا يهاب وعيداً، ولا يرهب زمرجة .. واشتدَّ حقد المشركين، وتعدّدت شكاواهم إلى أبي طالب من ابن أخيه الذي سفّه أحلامهم .. وعاب ديانتهم، فكان أبو طالب يردّهم ردًّا رفيقاً، ويكلّم النبي ﷺ فيما كلموه في شأنه، فيرى منه عزيمة ماضية، لا يصدّها عن وجهها صادّ ولا يردّها عن مضيتها رادّ، إيماناً منه برسالة نفسه، ووجوب تبليغها إلى الناس، مهما تكن الحوائل والعقبات، فكانت هذه القوّة القاهرة في عزيمة رسول الله ﷺ تنفص عن كاهل أبي طالب ما يثقله من أعباء الذود عن ابن أخيه في دعوته ورسالته، وتغسل عن قلبه ما يعتريه أمام تألّب قومه عليه، وتجمّعهم ضدّه، فيشتدّ في نصرة رسول الله، ويعلن ذلك في شعره الرصين، لا يبالي في غضبة ملأ الشرك وتهديدهم!
стр. 1340
شعر أبي طالب في مدح الرسول ﷺ -:
ولأبي طالب في مواقفه هذه قصائد مشهورة، تعدّ من غرر أجود الشّعر العربي في أقوى عصوره .. ومن أشهر ذلك لاميّته الذائعة التي يقول فيها في مدح رسول الله ﷺ ، وحوطه وحمايته، وحقيقة ما جاء به من رسالة خالدة:
كذبتم -وبيت الله- نُبْزَى ... ولمَّا نُطاعِن دونه ونناضِل
ونُسْلمه حتى نُصرَّع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحوائل
وينهض قومٌ في الحديد إِليكم ... نُهوض الروايا تحت ذات الصلاصل
وما ترك قوم -لا أبالك- سيّداً ... يحوط الذّمار غير ذربٍ مواكل
إلى أن قال:
وأبيض يُستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلَّاك من آل هاشم ... فهم عنده في رحمة وفواضل
стр. 1341
لعمري لقد كلّفت وجداً بأحمد ... وإِخوته دأب المحبّ المواصل
إلى أن قال:
فلا زال في الدّنيا جمالاً لأهلها ... وزيناً لمن والاه ربّ المثاكل
فمن مثله في الناس أيّ مؤمل ... إِذا قاسه الحكام عند التفاضل
حليم رشيد عادل غير طائش ... يوالي إِلهاً ليس عنه بغافل
لقد علموا أن ابننا لا مكذّب ... لدينا ولا يُعني بقول الأباطل
إلى أن قال:
فأصبح فينا أحمد في أرومة ... تقصّر عنه سَوْرة المتطاول
حديث بنفسي دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذّرى والكلاكل
فأيّده ربّ العباد بنصره ... وأظهر ديناً حقّه غير باطل
стр. 1342
ومن قوله في قصيدة طويلة:
والله لن يصلوا إِليك بجمعهم ... حتى أوسّد في التراب دفينا
هذه صورة من مواقف أبي طالب في حياطته رسول الله ﷺ وحمايته، ومناصرته، والغضب له، إذا ضمَّت إلى مواقفه العظيمة منذ كفالته له ﷺ شاباً يافعاً، وغلاماً فارهاً، ورجلاً مسدّداً، عاملاً في الحياة، ثم نبيًّا ورسولاً، ائتلفت من ذلك كله صورة كاملة في إطار كفاح أبي طالب ونضاله دونه ﷺ للذّود عنه وحمايته!
وقد توّج أبو طالب مواقفه بأشرف موقف، وأنبله وأشجعه، وأقواه، وأوجعه لقلوب الملأ الوثنيّ من طغاة المشركين!
ذلك هو موقفه في النهوض لكبح جماح المستكبرين التمرّدين من عتاة الكفر، وقد تقاسموا على قتل محمَّد ﷺ علانية .. وموقفه للقضاء على صحيفة الفجور التي تعاهدت فيها قريش على استئصال شأفة بني عبد مناف صبراً في حصار الشَّعب لوقوفهم جانب أبي طالب، ينصرونه في مناصرته لمحمد ﷺ بتجميعه رجالات قومه من بني هاشم الذين انضمّ إليهم بنو المطلب، ودخلوا معهم في هذا الحصار الظلوم -كما عرفنا- وبتدبيره حياطة رسول الله ﷺ ، والحفاظ عليه، وحمايته من الاغتيال والفتك به، حتى قضى الله أمره بنقض الصحيفة الفاجرة، وتمزيقها شرّ ممزّق!
وخرج أبو طالب مع قومه ومن ناصرهم بخروج رسول الله ﷺ من الشِّعب ظافراً منصوراً، مؤيّداً من الله تعالى بما أيّده به من معجزاته القاهرة، وآياته
стр. 1343
الباهرة، يتابع سيره في نشر دعوته، وتبليغ رسالته إلى الناس في محافلهم ومجتمعاتهم ومواسمهم وأسواقهم، يعرضها على كل شريف قوم يُذكر له، لا يناله من الأذى ما يصدّه عن قصده وغايته، تهيّباً لعمه وناصره أبي طالب، السيّد المطاع في قومه، القويّ في حميّته وحمايته، الشجاع في غضباته، الجسور في مواقفه!
وصيّة أبي طالب لقومه:
وقد ظلَّ أبو طالب على حدبه وحرصه على رسول الله ﷺ إلى آخر لحظة من حياته، بل أراد أن يبقى أثر ذلك بعد وفاته ..
قال السهيلي (١): وحُكي عن هشام بن السائب أو ابنه أنه قال: لمَّا حضرت الوفاة أبا طالب جمع إِليه وجوه قريش فأوصاهم فقال: يا معشر قريش، أنتم صفوة الله من خلقه، وقلب العرب، فيكم السيّد المطاع، وفيكم المقدّم الشجاع، والواسع الباِع، واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيباً إِلَّا أحرزتموه، ولا شرفاً إِلاّ أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة. ولهم به إِليكم الوسيلة، والناس لكم حرب، وعلى حربكم أَلْب، وإِنّي أوصيكم بتعظيم هذه الْبنِيّة، فإِن فيها مرضاة للربّ، وقواماً للمعاش، وثباتاً للوطاة، صِلُوا أرحامكم ولا تقطعوها، فإِن في علة الرحم منسأة في الأجل، وسعة في العدد، واتركوا البغي والعقوق، ففيهما مهلكة القرون قبلكم، أجيبوا الداعي، وأعطوا السائل، فإِن فيهما شرف الحياة والمات، عليكم بصدق الحديث، وأداء الأمانة، فإِن فيهما محبّة في الخاص ومكرمة
стр. 1344
في العام، وإِنّي أوصيكم بمحمد خيراً، فإِنه الأمين في قريش، والصدّيق في العرب، وهو الجاهع لكل ما أوصيتكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان، وأنكره اللسان، مخافة الشنآن، وايم الله! كأنّي أنظر إِلى صعاليك العرب، وأهل البر في الأطراف، والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وعظَّموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذناباً، ودورها خراباً، وضعفاؤها أرباباً، وإِذا أعظمهم عليه أحوجهم إِليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأصغت له فؤادها، وأعطته قادها، دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم، كونوا له ولاة، ولحزبه حماة، والله! لا يسلك أحد منكم سبيله إِلا رشد ولا يأخذ أحد يهديه إِلا سعد، ولو كان لنفس في مدّة، ولأجلي تأخير، لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي، ثم هلك أبو طالب!
وفاة أبي طالب:
ومات أبو طالب سنة عشر من المبعث، بعد الخروج من الشِّعب بزمن يسير (١)، وقيل: توفي في رمضان، قبل خديجه ﵂ بثلاثة أيام (٢)، وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين (٣)، وقيل: كان بين وفاته ووفاة خديجة شهر وخمسة أيام! (٤)
стр. 1345
وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما عن سعيد بن المسيّب عن أبيه أنه أخبره: (١)
أنه لمَّا حضرتْ أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ ، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أميّة بن المغيرة، قال رسول الله ﷺ لأبي طالب: "يا عمّ، قل لا إِله إِلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله" فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أميّة، أترغب عن ملّة عبد المطّلب، فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلّمهم: هو على ملّة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إِله إِلا الله، فقال رسول الله ﷺ : "أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أنْهَ عنك، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيَ﴾ (التوبة: ١١٣)!
زاد مسلم: فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] (التوبة)! وأنزل الله تعالى في أبي طالب، فقال لرسوله ﷺ : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ (القصص)!
وهذا صريح على وفاته كافراً (٢)، وشاء الله أن يموت أبو طالب قبل
стр. 1346
الهجرة، حتّى لا يتوهّم أحدٌ أن له مدخلاً في دعوة الرسول ﷺ ، أو يظن أن المسألة قبليّة أو أسريّة، أو زعامة ومنصب!
وحينئذ نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه تراباً (١)، ودخل على بيته ووضع على رأسه التراب، فغسلته عنه إحدى بناته، وهي تبكي، والرسول ﷺ يقول لها: "لا تبكي يا بنيّة، فإِن الله مانع أباك"، ويقول: "ما نالت منّي قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب" (٢).
وسبق ذكر بعض الروايات في ذلك!
وقد سمّى بعض المؤرّخين هذا العام (عام الحزن)، لشدة ما كابد في هذا العام من الشدائد في سبيل دعوة الحق، وتضييق قريش الخناق عليه في محاولة منهم لإغلاق أبواب الدعوة في وجهه ﷺ !
ولا نميل إلى الموافقة على هذه التسمية (عام الحزن) لأنها وردت في حديث رواه القسطلاني في المواهب، ومن رواته (صاعد)، وهو غير ثقة؛ ولأن حياته ﷺ كانت شدائد يعجز الخيال المحلّق ذاته في تصوّر أحداثها، وقد تواترت الأدلة في ذلك. (٣)
стр. 1347
رزء الإِسلام ونبيّه بوفاة خديجة ﵂:
وقد كانت أم المؤمنين السيدة خديجة ﵂ وزيرة صدق للنبي ﷺ ، على دعوته، تواسيه وتخفّف عنه مواجع ما يلقى من الناس، فيسكن إليها، وتطمئن نفسه إلى مواساتها، ويستعيد نشاطه بما تصبه في قلبه من حنان الزوجة التي تقدر حياة هذا الزوج الأكرم قدرها، وتعرف له مكانته في حمله أعظم أمانة حملها كاهل بشر في الحياة، وقد شهدت منه مشرق رسالته ما لم يشهده غيرها من الناس، فآمنت به وصدّقته رسولاً أميناً لله تعالى -كما أسلفنا- يتلقّى وحيه، ويبلّغ رسالته، فيلقى من البلاء ما تنوء تحت ثقله ثوابت الرواسي، فتنفّس عنه وتشجّعه وتعينه على الصبر، وتفتح له باب الأمل، وتمسح عن صدره ضائقات الصدور، وتعيد إليه البسمة الحانية، وتهمس له بلواطف العواطف، فينهض من عندها وهو أكمل الناس يقيناً، وأرضاهم نفسها، وأرهفهم حسًّا، وأقواهم عزيمة، وأصدقهم صبراً، وأرسخهم إيماناً برسالته، وأعرفهم بموجبات حمل هذه الرسالة وأرضاهم بتحمّل أثقالها!
وقد قضت أم المؤمنين السيدة خديجة ﵂ في كنف رسول الله أشقّ مراحل الدعوة، فكانت حياتها معه أوفى حياة زوجة لزوجها، وأبرّ حياة شريكة لشريكها، كانت تشاركه مباهجه ومسرّاته، وتهيّئ له أسباب تفرّغه لعبادة ربّه، تخدمه في بيته بقلبها وعقلها وروحها وبدنها، وتردّ عنه عاديات الحياة بين قومه، حتى إذا جاءته النبوّة بطلائعها ووحيها كانت أوّل من آمن به
стр. 1348
وصدّقته، وزادته من حبّها وحنانها ما كان له نعم المعين في هذه المرحلة التي كانت مرحلة إعداد للرسالة الخاتمة الخالدة!
حقيقة الرسالة:
ورسالة محمَّد ﷺ ليست كالرسالات التي سبقتها في المنهج العملي؛ لأنها رسالة عامة خاتمة لجميع الرسالات الإلهيّة .. بدأت بالتصفية لعلائق البشريّة بالطبيعة الروحانيّة التي يتلقّى بها وحي التبليغ عن الملأ الأعلى -كما سبق في حديثنا عند بدء الوحي- وحدّث الرسول ﷺ بما رآى، ولقي وتلقّى، فعرفت أم المؤمنين خديجة بفراستها الواحية، وحسّها المرهف، وشعورها المستشرق أن هذا الأمر لم يعد أمر حياة زوجيّة، يملؤها الحنان والوفاء، ولكنها وثبت إلى حياة جديدة في معالمها التي تنبئ عنها إرهاصاتها .. إلى حياة رسالة ورسوله، وحياة دعوة إلى ما لم تعرفه البيئة التي يعيش فيها محمَّد ﷺ ، وما لم يعرفه المجتمع العام الذي يتقلّب بين جنباته محمَّد ﷺ .. إلى حياة تهدم وتبني، تهدم الشرك والوثنيّة، وتبني التوحيد .. تهدم الظلم وتبني العدالة .. تهدم الباطل في جميع صوره ومظاهره وتبني الحق بأدلّته وبراهينه .. تهدم الاستعباد الماديّ وتبني الحريّة الروحانيّة .. تهدم الشرّ وتبني الخير .. تهدم التقليد البليد الأبله وتبني انطلاق العقل إلى المعرفة والهداية!
تسامي حياة الصدّيقية المؤمنة:
فلترتفع خديجة الصدّيقة الأولى بحياة الزوجيّة الوفيّة إلى حياة الصدّيقيّة العظمى، حياة الإيمان بالرسالة والرسول ﷺ ،ولتنهض بالعبء المثقل في
стр. 1349
حياتها الجديدة مع زوجها رسول الله ﷺ ، ولتكن معه وزيرة صدق، ورفيق إخلاص وفداء، ولتكتشف الطريق بأسلوبها الخاص، لتزيده تثبيتاً في النهوض بحياته الجديدة، ولتضاعف له حبّها وحنانها، وقد ذكر لها -كما سبق- مخاوفه من ألا يستطيع النهوض بعبء ما حمله في حياته الجديدة، فكشفت له ﷺ ما يعلمه من نفسه، من أنه مجمع مكارم الأخلاق، وموئل الفضائل، ومنتجع الشمائل، ومنبع المحامد، ومصدر الخير .. هو الصادق الأمين، الذي لا يُخْزى ولا يُخذل، سنة الله في الحياة، فليهدأ روعه، وليزدد إيماناً بأنه المنصور المنتصر، وليزدد يقيناً بأنه سينهض بعبء رسالته؛ لأن الله أجتباه لها: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام: ١٢٤)!
ورقة يؤكد فراسات خديجة:
وهؤلاء أهل العلم الأوّل، فلتذهب خديجة إلى عليمهم وقارئ الكتاب الأول: ورقة بن نوفل، ليخبرها بما عنده، بعد أن تحدّثه بما رأت وسمعت، وكان تصديق ورقة آية من فراسة خديجة ﵂، وأنبأ ورقة محمداً ﷺ بالنبأ العظيم .. نبأ الرسالة الخاتمة وأثقالها -كما أسلفنا-، فكان ذلك إيذاناً بأن حياة الدّعة والرّاحة قد ولت، وأن حياة الجهاد والنّضال والشدّة قد بدأت، فلتكن وقفتها إلى جانب محمَّد ﷺ في حياته الجديدة .. حياة الرسالة والرسول ﷺ وقفة تتسامى إلى مستوى ما ينتظره من شدّة وكفاح!
وصدقت خديجة الصدّيقة بسبقها إلى الإيمان سبقاً لم يشاركها فيه أحد .. ومضتْ ﵂ في طريق هذا السبق تقفو أثر رسول الله ﷺ ، وتتبع خطواته، لتحيط بخبره علماً، حريصة عليه أشدّ ما يكون حرص زوجة أمينة
стр. 1350
وفيّة على زوج حبيب، حفيظةً عليه أشدّ ما يكون الحفظ من صدّيقة راسخة اليقين برسالة رسول كريم!
ومرَّت الحياة في ظل وفاء الزوجيّة وصدّيقيّة الإيمان بين محمَّد الزوج الحبيب، ومحمد الرسول الكريم ﷺ ، وبين خديجة الزوجة والوفيّة، وخديجة الصدّيقة المؤمنة، برسالة هذا الرسول الكريم ﷺ !
دور خديجة ﵂:
وبدأ الكفاح الصارم، والنضال العتيّ بين الحق والباطل .. الحق الذي تمثله رسالة محمَّد ﷺ ، والباطل الذي يصوّره فجور الشرك والوثنيّة في ملأ الكفر .. ولم يكن لخديجة في هذا الكفاح المرير صوت يُسمع؛ لأنها ﵂ كانت معتصمة بأدب أدّبها الله به، وعلم علّمها الله إيّاه .. فهي زوج محمَّد ﷺ وأم ولده قبل أن تأتيه رسالة ربّه، فعملها في البيت، وهو عمل كبير عظيم، يسدي للرسالة فضلاً، ويمدّها بقوّة تستجدّ بها ثباتها أمام عتوّ الكفر؛ لأن محمداً الرسول ﷺ أحوج ما يكون وهو يخوض نضالاً مريراً في سبيل نشر دعوته وتبليغ رسالته إلى عاطفة الوفاء في زوجة صادقة الإيمان برسالته، تنسكب في قلبه برداً وسلاماً؛ إذ يؤوب إلى بيته، فيحدث ويتحدّث في جوّ عاطفي يظلّله الإيمان والحب، وتهوّن عليه الصعاب، وتجدّد عزائمه، ويقوى صبره -ويجتمع أمره، ويخرج إلى حياة الناس مجتمع الإرادة، سويّ الشخصية، مسيح الآلام، فسيح الآمال، رويّ الفؤاد بالصفح والعفو والإحسان!
وبهذا الأدب الإلهي الذي اعتصمت بعواصمه خديجة ﵂ عاشت في كنف محمَّد الزوج ﷺ ، ومحمد الرسول ﷺ ، تتقاسم معه الشعور
стр. 1351
بالسعادة في التطلّع إلى آمال المستقبل في آفاق الحياة، وتقاسمه الإحساس بأعباء الحاضر وآلامه، في ظل أثقال نشر الدعوة، وتبليغ الرسالة، معتصمة بالصبر الجميل، تأسّياً به ﷺ في مجالات الحياة، فيما ترى بين يديها من حاله ﷺ بعد إذ أنزلت عليه الرسالة بشدائدها، وقوّة دفعها الذي استحوذ على إحساساته ومشاعره، وسائر قواه الفكريّة والروحيّة والبدنيّة!
حتى إذا بلغ طغيان أحلاس الشرك من ملأ الكفر ذروة الفجور العتيّ، إذ تعاقدوا فيما بينهم، وتعاهدوا بعد أن يئسوا من أن ينالوا من رسول الله ﷺ نيلاً، وكتبوا بهذا التعاهد وثيقة في صحيفة ظالمة، ضمنوها مقاطعة بني عبد مناف ممن يقف إلى جانب محمَّد ﷺ لنصره وحمايته من سوء ما يريد الطغاة الفجّار -وفي المقدمة سائر المؤمنين بدعوته، المصدّقين برسالته من غيرهم، فلا يبيعوهم ولا يناكحوهم، ويمنعون عنهم كل ما يرفقهم في حصارهم، وألا تأخذهم بهم رأفة أبداً، حتى يسلموا محمداً للقتل أو يموتوا صبراً!
ودخلت خديجة ﵂ حصار الشِّعب مع زوجها محمَّد رسول الله ﷺ تشاركه آلام المحنة ومرارتها راضية صابرة محتسبة .. وظلّت معه تواسيه وتخفّف عنه وقع هذا الظلم الفاجر بما تبديه من احتمال ورضا، وهو ﷺ ساكن القلب إلى وفائها ومودّتها، وحبّها له حبّ جدّ وإجلال، وحرص وحفاظ!
حتى قضى الله تعالى قضاءه في هذه المقاطعة الظالمة، التي مكثت سيفاً مصلتاً على أعناق كل من يئل إلى محمَّد ﷺ إيماناً به وتصديقاً برسالته، أو حميّةً قوميّةً له، فمزّقت صحيفتها بعد ثلاث سنين من كَتْبها بأيدي مَنْ كتبها، وقيام من عاهد على ما فيها من ظلم وفجور وقطيعة!
وخرج رسول الله ﷺ من الحصار ظافراً منصوراً بما صنع الله له من تدبير
стр. 1352
حكيم مُحْكم، يتابع سيره في نشر دعوته، وتبليغ رسالته، وخرجت معه زوجه الوفيّة خديجة إلى بيتها تتابع سيرها في الحياة زوجة أمينة، مستظلة بظل الوفاء وصادق الإيمان!
موت خديجة وتسليم الله عليها وتبشيرها:
ولكنها ﵂ لم تلبث إلا قليلاً بعد الخروج من الحصار حتى لبّت نداء ربّها راضية مرضيّة، وسبق أن ذكرنا الأقوال في تاريخ وفاتها!
يروي الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله!، هذه خديجة قد أتت ومعها إِناء فيه إِدام، أو طعام، أو شراب، فإِذا هي أتَتْك، فاقرأْ ﵍ من ربّها ومِنِّي، وبشِّرها ببيت في الجنة، من قصب، لا صَخَب فيه ولا نصب". (١)
قال ابن حجر: قوله (٢) "فاقرأ ﵍ من ربّها ومنّي" زاد الطبراني: (هو السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام)، والنسائي من حديث أنس قال: (قال جبريل للنبي ﷺ : إِن الله يقرئ خديجة السلام) يعني فأخبرها (فقالت: إِن الله هو السلام، وعلى جبريل السلام، وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته)، زاد ابن السنّي من وجه آخر: (وعلى من سمع السلام، إِلا الشيطان).
стр. 1353
قال العلماء: في هذه القصة دليل على وفور فقهها؛ لأنها لم تقل (وعليه السلام) كما وقع لبعض الصحابة، حيث كانوا يقولون في التشهد: (السلام على الله)، فنهاهم النبي ﷺ ، وقال: "إِن الله هو السلام، فقولوا: التحيات لله ... "
فعرفت خديجة لصحة فهمها، أن الله لا يردّ ﵇، كما يردّ على المخلوقين؛ لأن السلام اسم من أسماء الله، وهو أيضاً دعاء بالسلامة، وكلاهما لا يصح أن يردّ به على الله، فكأنها قالت: كيف أقول ﵇، والسلام اسمه، ومنه يطلب، ومنه يحصل؛ فيستفاد منه أن لا يليق بالله إِلا الثناء عليه، فجعلت مكان ردّ السلام عليه، ثم غايرت بين ما يليق بالله وما يليق بغيره فقالت: (وعلى جبريل السلام) ثم قالت: (وعليك السلام).
أجل! إنها أم المؤمنين خديجة ﵂، وأم ولده، إلا إبراهيم ﵇، فأمه السيدة مارية القبطيّة ﵂ .. وماذا يستطيع القلم أن يكتب وهو سابح في آفاق هذه الحياة المباركة الطيّبة ليستشفّ ويرى ويكتب؟!
وسبق أن ذكرنا في حديثنا عن بدء الوحي تصديقها للنبي ﷺ في أوّل وهلة، وثباتها في الأمر مما يدل على قوّة يقينها، ووفور عقلها، وصحة عزمها ﵂!
стр. 1354
الرسول ﷺ في الطائف:
سبق أن عرفنا عاليّة الدعوة الإسلاميّة .. وأن منافذ تبليغ الرسالة بمكة قد سدّت بعد وفاة خديجة وأبي طالب، وأن الجوّ قد خلا لأحلاس الشرك، وفجّار الوثنيّة في مكة التي أظلمت فجاجها أمام الدعوة إلى الله تعالى، وضاقت بمواسمها، وأسواقها، ومحافلها ومجتمعاتها، وأنديتها ومضارب القبائل في بطحائها على رسول الله ﷺ (١).
ومن ثم لم يجد فيها متنفّساً لدعوته، ولا منتجعاً لتبليغ رسالته؛ لأن سفهاء قريش، ومن وراءهم من أهل العتو والطغيان، والجحود والكفران طمعوا فيما لم يكونوا يطمعون فيه، وأبو طالب على قيد الحياة -كما عرفنا!
وكان لابدّ لرسول الله ﷺ من السير قدماً في القيام بنشر دعوته، وتبليغ رسالة ربّه، وأرض الله واسعة .. وهي بجميع أرجائها ومواطنها منازل للدّعوة إلى الحقّ والهدى، وأينما يُشرق النور فهناك الأفق الذي تطلع منه شمس الهداية، فلتذهب الدعوة إلى الله مذاهبها في الأرض، حيث يتاح لها، ولتفارق مكة إلى عودة ظافرة، تطهّرها من أرجاس الفجور في أشباح البأو العنيد، والاستكبار البليد!
والنبي ﷺ في حدود أقصى استطاعته، وأبلغ مدى طاقته يدأب في تبليغ وحي الله تعالى إلى عباد الله، لا يني، ولا يتوقّف، فإذا سدّت منافذ التبليغ في جانب من الأرض بقيت سائر الجوانب والواطن مهْيَعاً يجب سلوكه!
فمكّة بمن فيها من العتاة الطغاة البغاة العاندين، والفجّار المستكبرين وما
стр. 1355
فيها من مهانة الشرك وأوثانه، أبت أن تستجيب إلى الإيمان بدعوة الحقّ، وأبت أن تقبل هداية الله، وأعرضت مدبرة ماكرة، ووقفت سدًّا عنيداً دون نشر الدّعوة إلى الحق والخير، بل طغت وتجاوزت كل حدّ من العتوّ والفجور، ودبّرت مؤتمرةً لتفتك بالنبي ﷺ ، وتقتله غيلة وغدراً -كما أسلفنا- لا لشيء إلا لأنه يدعوهم إلى أن يقولوا ربّنا الله، لا ندّ له ولا شريك في ملكه: ﴿يُرِيدُونَ أَن يطْفِئُوا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى الله إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرسَلَ رَسولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْركُونَ (٣٣)﴾ (التوبة).
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ (الصف).
ومن ثم سعى رسول الله ﷺ إلى (الطائف) -وفيها (ثقيف)، وكانوا كما قال المقريزي- أخواله، ولم تكن بينه وبينهم عداوة، يلتمس من أهلها النصرة والمنعة، والاستجابة إلى توحيد الله وهدايته، فأقام فيهم ﷺ شهراً، يجتمع بسادتهم وأشرافهم، يدعوهم إلى قبول الحق ونصرته!
روى ابن إسحاق قال: (١) لما انتهى رسول الله ﷺ إِلى الطائف، عمد إِلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إِخوة ثلاثة:
стр. 1356
عبد ياليل بن عمرو بن عُمير، ومسعود بن عمرو بن عُمير، وحبيب بن عمرو بن عُمير بن عفو بن عقدة بن نميرة بن عوف بن ثقيف.
وعند أحدهم امرأة من قريش، من بني جُمح!
فجلس إِليهم رسول الله ﷺ ، فدعاهم إِلى الله، وكلّمهم بما جاءهم له من نُصرته على الإِسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه!
فقال أحدهم: هو يمرط (١) ثياب الكعبة إِن كان الله أرسلك.
وقال الآخر: أما وجد الله أحداً يرسله غيرك!
وقال الثالث: والله لا أكلمك أبداً، لئن كنت رسولاً من الله كما تقول؛ لأنت أعظم خطراً من أن أردّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلمك!
فقام رسول الله ﷺ من عندهم، وقد يئس من خبر ثقيف، وقد قال لهم -فيما ذُكر لي- "إِذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عنّي"، وكره رسول الله ﷺ أن يبلغ قومه، فيؤذِرَهم (٢) ذلك عليه (٣).
قال ابن هشام: قال عبيد بن الأبرص:
стр. 1357
ولقد أتاني عن تميم أنهم ... ذئروا لقتلي عامر وتعصّبوا
فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبّونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجؤوه إِلى حائط لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إِلى ظلّ حبلة (١) من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إِليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسول الله ﷺ -فيما ذكر لي- المرأة التي من بني جمح فقال لها: "ماذا لقينا من أحمائك؟ ".
فلما اطمأن رسول الله ﷺ قال- فيما ذكر لي: "اللهم! إِليك أشكو ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربّي، إِلى من تكلني؟ إِلى بعيدٍ يتجهمُني؟ أم إِلى عدوٍّ ملّكته أمري؟ إِن لم يكن بك عليّ غضب فلا أُبالي، ولكن عافيتك هي أوسَعُ لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظّلمات، وَصلح عليه أمر الدنيا والآخرة. من أن تنزِل بي غضبَك، أو يَحِلَّ عليّ سخطك، لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إِلا بك" (٢).
стр. 1358
قال: فلما رآه ابنا ربيعة: عتبة وشيبة، وما لقي، تحرّكت له رحمهما، فدعَوَا غلاهاً لهما نصرانيًّا، يقال له عدّاس، فقالا له: خذ قِطفاً من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إِلى هذا الرجل، فقل له يأكل منه، ففعل عدّاس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ ، ثم قال له: كل، فلمّا وضع رسول الله ﷺ فيه يده قال: "باسم الله" ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إِن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله ﷺ : "ومن أهل أيّ البلاد أنت يا عدّاس؟ وما دينك؟ " قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى، فقال رسول الله ﷺ : "من قرية الرجل الصالح يونس بن متَّى" فقال له عدّاس: وما يُدريك ما يونس بن متَّى؟ فقال رسول الله ﷺ : "ذاك أخي، كان نبيًّا وأنا نبيّ، فأكبّ عداس على رسول الله ﷺ يقبِّل رأسه ويديه وقدميه! (١)
قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أمّا غلامك فقد أفسده عليك، فلمّا جاءهما عدّاس قالا له: ويلك يا عدّاس! (٢) ما لك تقبّل رأسه هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيّدي، ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إِلاّ نبيّ، قالا له: ويحك يا عدّاس، ولا يصرفنّك عن دينك. فإِن دينك خير من دينه!
стр. 1359
وفي رواية موسى بن عقبة، (١) أن سفهاء الطائف قعدوا للرسول ﷺ صفّين على طريقه فلمّا مرّ بين صفيهم جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة، وكانوا أعدوها، حتى أدموا رجليه، وكان ذلك من أشدّ ما لقي الرسول ﷺ في جهاده!
وسبق أن ذكرنا ما رواه الشيخان وغيرهما أن عائشة ﵂ سألت رسول الله ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟ قال: "لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إِذ عرفت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إِلى ما أردت، فانطلقت -وأنا مهموم- على وجهي، فلم أستفق إِلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإِذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإِذا جبريل، فناداني، فقال: إِن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إِليهم ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلّم عليّ، ثم قال: يا محمَّد، إِن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً"!
وهنا نبصر الرسول ﷺ في اختياره الثلاثة الذين كانوا سادة ثقيف يومذاك يعطينا الدليل على أهمية دعوة الزعماء الذين ينساق الناس وراءهم .. وبعد أن رفضوا قبول دعوته تبيّن أن غيرهم في الغالب سيرفضها، ومن ثم لم يستغرق مقامه في الطائف وقتاً طويلاً!
стр. 1360
ونبصر صبر الرسول ﷺ على هؤلاء الذين واجهوه بسوء العاملة -كما عرفنا- ومع ذلك كله لم يطلب من الله أن ينتقم منهم، بل دعا الله ﵎ أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده .. ومن ثم كان قدوم ثقيف مسلمة -كما سيأتي بعد حصار الطائف ورجوعه إلى المدينة!
قدوم الجنّ وإسلامهم:
قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله ﷺ انصرف من الطائف راجعاً إلى مكة، حين يئس من خبر ثقيف، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلّي، فمرّ به النّفر من الجنّ الذين ذكرهم الله ﵎، وهم -فيما ذكر لي- سبعة نفر من جنّ أهل نصيبين، فاستمعوا له، فلمّا فرغ من صلاته ولّوْا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا، وأجابوا إلى ما سمعوا، فقصّ الله خبرهم عليه ﷺ ، قال الله : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ويُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾! (الأحقاف).
وقال ﵎: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾! (الجن) إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة (١).
وأخرج الحاكم وغيره عن ابن مسعود قال: هبطوا، يعني: الجنّ، على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، قالوا: صه، وكانوا تسعة، أحدهم زوبعة، فأنزل الله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ إلى قوله: ﴿ضَلالٍ مُّبِينٍ (٣٢)﴾! (٢).
стр. 1361
وأخرج أحمد وغيره عن الزبير: ﴿وَإِذ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَستَمِعونَ الْقُرآنَ﴾ قال: بنخلة، ورسول الله ﷺ يصلّي العشاء: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾! (الجن). (١)
ويروي الشيخان وغيرهما عن ابن عباس ﵄، قال: انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه، عامدين إِلى سوق عُكاظ، وقد حِيلَ بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسِلَت عليهم الشُّهب، فرجعت الشياطين إِلى قومهم، فقالوا: مَا لكمْ؟ فقالوا: حيلَ بيننا وبين خبر السماء، وأُرسِلَتْ علينا الشُّهب! قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إِلا شيءٌ حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومَغَارِبها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء! فانصرف أولئك الذين توجَّهوا نحو تِهامة إِلى النبي ﷺ ، وهو بنخلَةَ، عَامدينَ إِلى سوق عُكَاظ، وهو يُصَلِّي بأَصْحَابِهِ صلاة الفجر، فلمّا سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله! الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إِلى قومهم، وقالوا: يا قومنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾! فأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِليَّ﴾! وإِنما أوحي إِليه قول الجن! (٢).
стр. 1362
ويروي مسلم وغيره عن ابن عباس ﵄، قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار، أنهم بينما هم جلوسٌ ليلةً مع رسول الله ﷺ رُمِيَ بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله ﷺ :"ماذا كنتم تقولون في الجاهليّة إِذا رُمِيَ بمثل هذا؟ "! قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: وُلِدَ الليلة رجل عظيمٌ، ومات رجل عظيمٌ، فقال رسول الله ﷺ : فإِنها لا يُرْمَى بها لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكنْ ربُّنا ﵎ اسمه، إِذا قضَى أمْراً سَبَّحَ حَملةُ الْعَرْش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونَهُمْ، حتى يَبْلُغَ التّسْبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلُونَ حَمَلَة العَرْش لحملة العَرْش: ماذا قال ربّكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، قال فَيَسْتَخْبرُ بعض أهل السموات بَعْضاً، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدُّنْيا، فَتَخْطَفُ الجِنُّ السّمْعَ، فيقذفون إِلى أوليائهم، ويرْمُون به، فما جاؤوا به على وجهه فهو حقٌّ، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدُون"! (١)
ويروي أحمد وغيره بسند صحيح عن ابن عباس ﵄، قال: كان الجن يسمعون الوحي، فيستمعون الكلمة فيزيدون فيها عشراً، فيكون ما سمعوا حقًّا، وما زادوه باطلاً، وكانت النجوم لا يُرمى بها قبل ذلك، فلما بُعث النبيُّ ﷺ كان أحدُهم لا يأتي مَقْعَدَه إِلا رُمِيَ بشهاب يُحرق ما أصاب، فَشَكَوْا ذلك إِلى إِبليس، فقال: ما هذا إِلا من أمر قدْ
стр. 1363
حدثَ، فبثَّ جنوده، فإذا هم بالنبي ﷺ يصلِّي بين جَبَلَيْ نَخْلَة، فأتَوهُ فأخبروه، فقال: هذا الحدثُ الذي حدثَ في الأرض! (١)
ويطالعنا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾ (الأحقاف)!
ومقالة النفر من الجنّ (٢) - مع خشوعهم عند سماع القرآن- تتضمن أسس الاعتقاد الكامل: تصديق الوحي، ووحدة العقيدة بين التوراة والقرآن، والاعتراف بالحق الذي يهدي إليه، والإيمان بالآخرة وما ينتهي إلى المغفرة وما ينتهي إلى العذاب من الأعمال، والإقرار بقوّة الله وقدرته على الخلق، وولايته وَحْده للعبادة والربط بين خلق الكون وإحياء الموتى!
وذكر القرآن لحادث صرف نفر من الجنّ ليستمعوا القرآن من النبي ﷺ ، وحكاية ما قالوا وما فعلوا .. هذا وحده كاف بذاته لتقرير وجود الجنّ، ولتقرير وقوع الحادث، ولتقرير أن الجنّ هؤلاء يستطيعون أن يستمعوا للقرآن بلفظه
стр. 1364
العربي المنطوق كما يلفظه رسول الله ﷺ ، ولتقرير أن الجنّ خلق قابلون للإيمان وللكفران، مستعدّون للهُدى وللضلال، وليس هناك من حاجة إلى تثبيت أو تأكيد لهذه الحقيقة؛ فما يملك إنسان أن يزيد الحقيقة التي يقرّرها الله سبحانه ثبوتاً!
وهذا الكون من حولنا حافل بالأسرار .. حافل بالقوى والخلائق المجهولة لنا كنهاً وصفةً وأثراً .. ونحن نعيش في أحضان هذه القوى والأسرار .. نعرف منها القليل، ونجهل منها الكثير، وفي كل يوم نكشف بعض هذه الأسرار، وندرك بعض هذه القوى، ونتعرّف إلى بعض هذه الخلائق تارةً بذواتها. وتارةً بصفاتها، وتارةً بمجرّد آثارها في الوجود من حولنا!
ونحن ما نزال في طريق المعرفة لهذا الكون، الذي نعيش نحن وآباؤنا وأجدادنا، ويعيش أبناؤنا وأحفادنا، على ذرّة من ذرّاته الصغيرة .. هذا الكوكب الأرضيّ الذي لا يبلغ أن يكون شيئاً يذكر في حجم الكون أو وزنه!
وما عرفناه اليوم -ونحن مانزال في الطريق- يعدّ بالقياس إلى معارف البشريّة قبل خمسة قرون فقط عجائب أضخم من عجيبة الجنّ، ولو قال قائل للناس قبل خمسة قرون عن شيء من أسرار الذرّة التي نتحدّث عنها اليوم لظنّوه يتحدّث عمّا هو أشدّ غرابةً من الجن قطعاً!
ونحن نعرف ونكشف في حدود طاقتنا البشريّة، المعدّة للخلافة في هذه الأرض، ووفق مقتضيات هذه الخلافة، وفي دائرة ما سخّره الله لنا ليكشف لنا عن أسراره، وليكون لنا ذلولاً، كيما نقوم بواجب الخلافة في الأرض .. ولا نتعدّى معرفتنا وكشوفنا في طبيعتها وفي مداها -مهما امتدّ الأجل بالبشريَّة،
стр. 1365
ومهما سخّر لنا من قوى الكون وكشف لنا من أسراره، لا نتعدّى تلك الدائرة .. دائرة ما نحتاجه للخلافة في هذه الأرض، وفق حكمة الله وتقديره!
وسنكشف كثيراً، وسنعرف كثيراً، وستفتح لنا عجائب من أسرار هذا الكون وطاقاته .. مما قد تعتبر أسرار الذّرة بالقياس إليه شيئاً يسيراً .. ولكننا سنظلّ في حدود الدائرة المرسومة للبشر في المعرفة، وفي حدود قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (٨٥)﴾ (الإسراء)! قليلاً بالقياس إلى ما في هذا الوجود من أسرار وغيوب لا يعلمها إلا خالقه وقيّومه. وفي حدود تمثيله لعلمه غير المحدود، ووسائل المعرفة البشريّة المحدودة بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (لقمان: ٢٧)!.
فليس لنا -والحالة هذه- أن نجزم بوجود شيء أو نفيه، وتصوّره أو عدم تصوّره، من عالم الغيب المجهول، ومن أسرار هذا الوجود وقواه، لمجرّد أنه خارج عن مألوفنا العقليّ أو تجاربنا المشهودة، ونحن لم ندرك بعد كل أسرار أجسامنا وأجهزتها وطاقاتها، فضلاً على إدراك أسرار عقولنا وأرواحنا!
وقد تكون هناك أسرار ليست داخلةً في برنامج ما يكشف لنا عنه أصلاً، وأسرار ليست داخلةً في برنامج ما يكشف لنا عن كنهه، فلا يكشف لنا إلا عن صفته أو أثره أو مجرد وجوده .. لأن هذا لا يفيدنا في وظيفة الخلافة في الأرض!
فإذا كشف الله ﵎ عن القدر المقسوم لنا من هذه الأسرار والقوى. عن طريق كلامه -لا عن طريق تجاربنا ومعارفنا الصادرة من طاقاتنا الموهوبة لنا من لدنه أيضاً- فسبيلنا في هذه الحالة أن نتلقّى هذه الهبة بالقبول والشكر والتسليم .. نتلقّاها كما هي؛ فلا نزيد عليها ولا ننقص منها؛ لأن
стр. 1366
المصدر الوحيد الذي نتلقّى عنه مثل هذه المعرفة لم يمنحنا إلا هذا القدر بلا زيادة، وليس هنالك مصدر آخر نتلقّى عنه مثل هذه الأسرار!
ومن هذا النصّ القرآني، ومن نصوص سورة الجنّ، والأرجح أنها تعبير عن الحادث نفسه، ومن النصوص الأخرى المتناثرة في القرآن عن الجنّ، ومن الآثار النبوية الصحيحة -التي قدّمنا بعضها عن الجنّ- نستطيع أن ندرك بعض الحقائق عن الجن .. ولا زيادة:
هذه الحقائق تتلخّص في أن هنالك خلقاً اسمه الجنّ، مخلوق من النار، لقول إبليس في الحديث عن آدم: ﴿قَالَ أَنَا خَيرٌ مِّنْه خَلَقتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقتَهُ مِن طِينٍ (٧٦)﴾ (ص)!
ويروي مسلم وغيره عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "خلقت الملائكة من نور، وخُلق الجانّ من مارج من نار، وخلق آدم مما وُصِفَ لكم" (١).
وإبليس كان من الجنّ (٢)، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (الكهف)!
وهذا الخلق له تجمعات خاصة، وأصناف خاصة!
يروي الحاكم وغيره عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: قال
стр. 1367
رسول الله ﷺ (١): "الجنُّ ثلاثة أصناف، صنفٌ لهم أجنحة يطيرون في الهواء .. وصنف حيّات وكلاب، وصنف يحلّون ويظعنونَ".
وله تجمعّات تشبه تجمّعات البشر في قبائل وأجناس: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ (الأعراف)!
وله قدرة على الحياة على هذا الكوكب -لا ندري أين- قال تعالى لآدم وإبليس معاً: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ (البقرة)!
ويطالعنا ما رواه مسلم وغيره عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال فوجدته يُصلِّي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكاً في عراجين (٢) في ناحية البيت فالتفتُّ فإِذا حيَّةٌ، فوثبْت لأقتلها، فأشار إِليّ: أن اجْلِس، فجلسْت، فلمّا انصرف أشار إِلى بيت في الدّار، فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم، قال: كان فيه فَتًى منّا حديث عهد بِعُرْسٍ. قال: فخرجنا مع رسول الله ﷺ إِلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنْصاف النّهار، فيرجع إِلى أهله، فاستأذنه يوماً، فقال له رسول الله ﷺ : "خذ عليك سلاحك، فإِنِّي أخشى عليه قريظة" فأخذ الرجل سلاحه، ثم رجع فإِذا
стр. 1368
امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إِليها الرمح ليطعنها به، وأصابته غيْرةٌ فقالت له: اكْفُفْ عليك رُمْحَك، وادخُل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإِذا بحيّة عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إِليها بالرمّح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدّار، فاضطربت عليه، فما يُدري أيّهما كان أسرع موتاً، الحيّة أم الفتى؟ قال فجئنا إِلى رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له، وقلنا: ادْعُ الله يُحْييه لنا، فقال: "استغفروا لصاحبكم" ثم قال: "إِن بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيّام، فإِن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإِنما هو شيطان".
وفي رواية: "إِن لهذه البيوت عوامر، فإِذا رأيتم شيئاً منها فحرّجوا عليها ثلاثاً، فإِن ذهب، وإِلا فاقتلوه، فإِنه كافر"، وقال لهم: "اذهبوا فادفنوا صاحبكم" (١).
وفي رواية للشيخين وغيرهما عن ابن عُمر ﵄: أنه سمع النبي ﷺ يخطب على المنبر يقول: "اقتلوا الحيّات، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر، فإِنهما يطمسان البصر، ويستسقطان الحبل" (٢).
هذا، والجنّ الذين سخّروا لسليمان ﵇ (٣)، كانوا يقومون بأعمال في الأرض تقتضي أن يكونوا مزوّدين بالمدرة على الحياه فيها، وأن للجن قدرةً
стр. 1369
كذلك على الحياة خارج هذا الكوكب، لقول الله تعالى حكايته عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ (الجن)!
وأنه يملك التأثير في إدراك البشر، وهو مأذون في توجيه الضالّين منهم -غير عباد الله- للنصوص السابقة، ولقوله تعالى في حكاية إبليس اللعين: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ (ص)!
وأنه يستطيع أن يسمع صوت الإنسان ويفهم لغته، بدلالة استماع نفر من الجن للقرآن وفهمه والتأثّر به، وأنه قابك للهدى والضلال، بدلالة قول هذا النفر: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ (الجن)!
وبدليل ذهابهم إلى قومهم منذرين، يدعونهم إلى الإيمان بعد ما وجدوه في نفوسهم، وعلموا أن قومهم لم يجدوه بعد!
ونعود إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾ (الأحقاف)!
نعود فنرى تدبيراً من الله تعالى أن يصرف هؤلاء النفر من الجنّ إلى استماع القرآن في هذا الوقت، بعد تلك الظروف القاسية التي عرضنا لها، لا مصادفةً عابرةً، وكان في تقدير الله أن تعرف الجنّ نبأ الرسالة الخالدة الخاتمة الأخيرة، كما عرفت من قبل رسالة موسى عله السلام، وأن يؤمن فريق منهم وينجو من النار المعدّة لشياطين الجنّ، كما هي معدّة لشياطين الإنس سواء!
стр. 1370
ويرسم النصّ مشهد هذا النفر وهم يستمعون إلى هذا القرآن، ويصوّرون لنا ما وقع في حسّهم منه، من الرّوعة والتأثّر والرهبة، والخشوع: ﴿فَلَمَّا حَضرُوهُ قَالُوا أَنصتُوا﴾! وتلقي هذه الكلمة ظلال الموقف كله مدّة الاستماع: ﴿فَلَمَّا قضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَومِهِم مُّنذِرِينَ (٢٩)﴾!
وهذه كتلك تصوّر الأثر الذي انطبع في قلوبهم من الإنصات للقرآن، فقد استمعوا صامتين منتبهين حتى النهاية .. فلما انتهت التلاوة لم يلبثوا أن سارعوا إلى قومهم، وقد حملت نفوسهم ومشاعرهم منه ما لا تطيق السكوت عليه، أو التلكؤ في إبلاغه والإنذار به، وهي حالة من امتلأ حسه بشيء جديد، وحفلت مشاعره بمؤثر قاهر غلاب، يدفعه دفعاً إلى الحركة به، والاحتفال بشأنه وإبلاغه للآخرين في جد واهتمام: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾!
ولّوا إلى قومهم مسارعين يقولون: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾! يصدّق كتاب موسى في أصوله، فهم إذن كانوا يعرفون كتاب موسى، فأدركوا الصلة بين الكتابين بمجرد سماع آيات من هذا القرآن؛ لأن طبيعتها تشي بأنها من ذلك النبع الذي نبع منه كتاب موسى. وشهادة هؤلاء الجن البعيدين -نسبياً- عن مؤثّرات الحياة البشرية، بمجرد تذوقهم لآيات من القرآن، ذات دلالة وذات إيحاء عميق!
ثم عبّروا عما خالج مشاعرهم منه، وما أحسته ضمائرهم، فقالوا عنه: ﴿يَهدِي إِلَى الْحَقِّ وَإلَى طَرِيقٍ مسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾!
ووقع الحق والهدى في هذا القرآن هائل ضخم، لا يقف له قلب غير