← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

المصدر الوحيد الذي نتلقّى عنه مثل هذه المعرفة لم يمنحنا إلا هذا القدر بلا زيادة، وليس هنالك مصدر آخر نتلقّى عنه مثل هذه الأسرار! ومن هذا النصّ القرآني، ومن نصوص سورة الجنّ، والأرجح أنها تعبير عن الحادث نفسه، ومن النصوص الأخرى المتناثرة في القرآن عن الجنّ، ومن الآثار النبوية الصحيحة -التي قدّمنا بعضها عن الجنّ- نستطيع أن ندرك بعض الحقائق عن الجن .. ولا زيادة: هذه الحقائق تتلخّص في أن هنالك خلقاً اسمه الجنّ، مخلوق من النار، لقول إبليس في الحديث عن آدم: ﴿قَالَ أَنَا خَيرٌ مِّنْه خَلَقتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقتَهُ مِن طِينٍ (٧٦)﴾ (ص)! ويروي مسلم وغيره عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "خلقت الملائكة من نور، وخُلق الجانّ من مارج من نار، وخلق آدم مما وُصِفَ لكم" (١). وإبليس كان من الجنّ (٢)، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (الكهف)! وهذا الخلق له تجمعات خاصة، وأصناف خاصة! يروي الحاكم وغيره عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: قال

стр. 1367

رسول الله ﷺ (١): "الجنُّ ثلاثة أصناف، صنفٌ لهم أجنحة يطيرون في الهواء .. وصنف حيّات وكلاب، وصنف يحلّون ويظعنونَ". وله تجمعّات تشبه تجمّعات البشر في قبائل وأجناس: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ (الأعراف)! وله قدرة على الحياة على هذا الكوكب -لا ندري أين- قال تعالى لآدم وإبليس معاً: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ (البقرة)! ويطالعنا ما رواه مسلم وغيره عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال فوجدته يُصلِّي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكاً في عراجين (٢) في ناحية البيت فالتفتُّ فإِذا حيَّةٌ، فوثبْت لأقتلها، فأشار إِليّ: أن اجْلِس، فجلسْت، فلمّا انصرف أشار إِلى بيت في الدّار، فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم، قال: كان فيه فَتًى منّا حديث عهد بِعُرْسٍ. قال: فخرجنا مع رسول الله ﷺ إِلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنْصاف النّهار، فيرجع إِلى أهله، فاستأذنه يوماً، فقال له رسول الله ﷺ : "خذ عليك سلاحك، فإِنِّي أخشى عليه قريظة" فأخذ الرجل سلاحه، ثم رجع فإِذا

стр. 1368

امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إِليها الرمح ليطعنها به، وأصابته غيْرةٌ فقالت له: اكْفُفْ عليك رُمْحَك، وادخُل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإِذا بحيّة عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إِليها بالرمّح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدّار، فاضطربت عليه، فما يُدري أيّهما كان أسرع موتاً، الحيّة أم الفتى؟ قال فجئنا إِلى رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له، وقلنا: ادْعُ الله يُحْييه لنا، فقال: "استغفروا لصاحبكم" ثم قال: "إِن بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيّام، فإِن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإِنما هو شيطان". وفي رواية: "إِن لهذه البيوت عوامر، فإِذا رأيتم شيئاً منها فحرّجوا عليها ثلاثاً، فإِن ذهب، وإِلا فاقتلوه، فإِنه كافر"، وقال لهم: "اذهبوا فادفنوا صاحبكم" (١). وفي رواية للشيخين وغيرهما عن ابن عُمر ﵄: أنه سمع النبي ﷺ يخطب على المنبر يقول: "اقتلوا الحيّات، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر، فإِنهما يطمسان البصر، ويستسقطان الحبل" (٢). هذا، والجنّ الذين سخّروا لسليمان ﵇ (٣)، كانوا يقومون بأعمال في الأرض تقتضي أن يكونوا مزوّدين بالمدرة على الحياه فيها، وأن للجن قدرةً

стр. 1369

كذلك على الحياة خارج هذا الكوكب، لقول الله تعالى حكايته عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ (الجن)! وأنه يملك التأثير في إدراك البشر، وهو مأذون في توجيه الضالّين منهم -غير عباد الله- للنصوص السابقة، ولقوله تعالى في حكاية إبليس اللعين: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ (ص)! وأنه يستطيع أن يسمع صوت الإنسان ويفهم لغته، بدلالة استماع نفر من الجن للقرآن وفهمه والتأثّر به، وأنه قابك للهدى والضلال، بدلالة قول هذا النفر: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ (الجن)! وبدليل ذهابهم إلى قومهم منذرين، يدعونهم إلى الإيمان بعد ما وجدوه في نفوسهم، وعلموا أن قومهم لم يجدوه بعد! ونعود إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾ (الأحقاف)! نعود فنرى تدبيراً من الله تعالى أن يصرف هؤلاء النفر من الجنّ إلى استماع القرآن في هذا الوقت، بعد تلك الظروف القاسية التي عرضنا لها، لا مصادفةً عابرةً، وكان في تقدير الله أن تعرف الجنّ نبأ الرسالة الخالدة الخاتمة الأخيرة، كما عرفت من قبل رسالة موسى عله السلام، وأن يؤمن فريق منهم وينجو من النار المعدّة لشياطين الجنّ، كما هي معدّة لشياطين الإنس سواء!

стр. 1370

ويرسم النصّ مشهد هذا النفر وهم يستمعون إلى هذا القرآن، ويصوّرون لنا ما وقع في حسّهم منه، من الرّوعة والتأثّر والرهبة، والخشوع: ﴿فَلَمَّا حَضرُوهُ قَالُوا أَنصتُوا﴾! وتلقي هذه الكلمة ظلال الموقف كله مدّة الاستماع: ﴿فَلَمَّا قضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَومِهِم مُّنذِرِينَ (٢٩)﴾! وهذه كتلك تصوّر الأثر الذي انطبع في قلوبهم من الإنصات للقرآن، فقد استمعوا صامتين منتبهين حتى النهاية .. فلما انتهت التلاوة لم يلبثوا أن سارعوا إلى قومهم، وقد حملت نفوسهم ومشاعرهم منه ما لا تطيق السكوت عليه، أو التلكؤ في إبلاغه والإنذار به، وهي حالة من امتلأ حسه بشيء جديد، وحفلت مشاعره بمؤثر قاهر غلاب، يدفعه دفعاً إلى الحركة به، والاحتفال بشأنه وإبلاغه للآخرين في جد واهتمام: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾! ولّوا إلى قومهم مسارعين يقولون: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾! يصدّق كتاب موسى في أصوله، فهم إذن كانوا يعرفون كتاب موسى، فأدركوا الصلة بين الكتابين بمجرد سماع آيات من هذا القرآن؛ لأن طبيعتها تشي بأنها من ذلك النبع الذي نبع منه كتاب موسى. وشهادة هؤلاء الجن البعيدين -نسبياً- عن مؤثّرات الحياة البشرية، بمجرد تذوقهم لآيات من القرآن، ذات دلالة وذات إيحاء عميق! ثم عبّروا عما خالج مشاعرهم منه، وما أحسته ضمائرهم، فقالوا عنه: ﴿يَهدِي إِلَى الْحَقِّ وَإلَى طَرِيقٍ مسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾! ووقع الحق والهدى في هذا القرآن هائل ضخم، لا يقف له قلب غير

стр. 1371

مطموس، ولا تصمد له روح غير معاندة ولا مستكبرة ولا مشدودة بالهوى الجامح اللئيم .. ومن ثمّ لمس هذه القلوب لأوّل وهلة، فإذا هي تنطق بهذه الشهادة، وتعبّر عما مسّها منه هذا التعبير! ثم مضوا في نذارتهم لقومهم في حماية المقبنع المندفع، الذي يحسِّ أن عليه واجباً في النذارة، لا بد أن يؤديه: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾! فقد اعتبروا نزول هذا الكتاب إلى الأرض دعوة من الله لكل من بلغته من إنس وجنّ، واعتبروا محمداً ﷺ داعياً إلى الله بمجرد تلاوته لهذا القرآن واستماع الثقلين له، فنادوا قومهم بهذا النداء، وآمنوا كذلك بالآخرة، وعرفوا أن الإيمان والاستجابة لله يكون معهما غفران الذنب، والإجارة من العذاب، فبشّروا وأنذروا بهذا الذي عرفوه! ويطالعنا قوله جلّ شأنه: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾! وهنا نبصر تكلة طبيعية لنذارة النفر لقومهم، فقد دعوهم إلى الاستجابة والإيمان، فالاحتمال قويّ وراجح أن يبيّنوا لهم أن عدم الاستجابة وخيم العاقبة، وأن الذي لا يستجيب لا يعجز الله أن يأتي به ويوقع عليه الجزاء، ويذيقه العذاب الأليم، فلا يجد له من دون الله أولياء ينصرونه أو يعينونه، وأن هؤلاء المعرضين ضالون ضلالاً بيناً عن الصراط المستقيم! وكذلك الآية التي بعدها: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾!

стр. 1372

وهنا نبصر تعجيباً من أولئك الذين لا يستجيبون لله، حاسبين أنهم سيفلتون، أو أنه ليس هناك حساب ولا جزاء! وتلك لفتة إلى كتاب الكون المنظور .. وكثيراً ما يتضمّن السياق القرآني مثل هذا التناسق .. فيتم التطابق على الحقيقة الواحدة في السورة الواحدة! وكتاب الكون يشهد بالقدرة البدعة ابتداء لهذا الخلق الهائل: السماوات والأرض، ويوحي للحسّ البشريّ بيسر الإحياء بعد الموت .. وهذا الإحياء هو المقصود، وصياغة القضية في أسلوب الاستفهام، والجواب أقوى وآكد في تقرير هذه الحقيقة .. تم يجيء التعقيب التالي: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ فتضم الإحياء وغيره في نطاق هذه القدرة الشاملة لكل شيء كان أو يكون! وعند ذكر الإيحاء يرتسم مشهد الحساب كأنه شاخص للعيون: ﴿﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)﴾! ويبدأ المشهد حكايته أو مقدمة لحكاية: ﴿وَيَوْمَ يعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾! وبينما السامع في انتظار وصف ما سيكون، إذا المشهد يشخص بذاته، وإذا الحوار قائم في المشهد المعروض: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقّ﴾! ويا له من سؤال؟ بل يا لها من قارعة للذين كانوا يكذبون ويستهزئون ويستعجلون .. واليوم تتلوَّى أعناقهم على الحق الذي كانوا ينكرون، والجواب في خزي وفي مذلّة وفي ارتياع: ﴿بَلَى وَرَبِّنَا﴾! هكذا هم يقسمون: ﴿وَرَبِّنَا﴾! .. ربهم الذي كانوا لا يستجيبون لداعيه، ولا يستمعون لنبيه ولا يعترفون بربوبيته، ثم هم اليوم يقسمون على الحق الذي أنكروه!

стр. 1373

عندئذ يبلغ السؤال غاية من الترذيل والتقريع .. ويقضى الأمر، وينتهي الحوار: ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)﴾! سؤال تقريع ورد قصير! الجريمة ظاهرة، والجاني معترف، فإلى الجحيم! وسرعة المشهد مقصودة، فالمواجهة حاسمة، ولا مجال للأخذ والرد، لقد كانوا ينكرون، فالآن يعترفون، والآن يذوقون! توجيه ربّانيّ: وعلى هذا المشهد الحاسم في مصير الذين كفروا، وعلى مشهد الإيمان من أبناء عالم آخر ... يجيء الإيقاع الأخير، توجيهاً للرسول ﷺ أن يصبر عليهم، ولا يستعجل لهم، فقد رأى ما ينتظرهم، وهو منهم قريب: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾! وكل كلمة في الآية ذات رصيد ضخم، وكل عبارة وراءها عالم من الصور والظلال، والمعاني والإيحاءات، والقضايا والقيم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾! توجيه يقال لمحمد ﷺ ، وهو الذي احتمل ما احتمل، وعانى من قومه ما عانى -كما سبق -وهو الذي نشأ يتيماً، وجرّد من الوليّ، والحامي، ومن كل أسباب الأرض واحداً بعد واحد: الأب، والأمّ، والجدّ، والعمّ، والزوجة الوفيّة ﵂ .. وخلص لله ولدعوته مجرّداً من كل شاغل، كما هو مجرّد من كل سند أو ظهير .. وهو الذي لقي من قومه أشدّ ما لاقى من الأبعدين، وهو الذي خرج يستنصر القبائل والأفراد بلا نصرة،

стр. 1374

ولقي استهزاء السفهاء ورجمهم له بالحجارة، حتى دميت قدماه الطاهرتان، فما يزيد على أن يتوجه إلى ربّه بذلك الابتهال الخاشع النبيل -كما عرفنا! وبعد ذلك كله يحتاج إلى توجيه ربّه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾! ألا إنه لطريق شاق .. طريق جهاد هذه الدعوة .. طريق مرير،، حتى لتحتاج نفس كنفس النبي ﷺ في تجرّدها وانقطاعها للدعوة، وفي ثباتها وصلابتها، وفي صفائها وشفافيتها .. تحتاج إلى التوجيه الرباني بالصبر وعدم الاستعجال على خصوم الدعوة المتعنّتين! نعم وإن مشقّة هذا الطريق لتحتاج إلى مواساة .. وإن صعوبته لتحتاج إلى صبر .. وإن مرارته لتحتاج إلى جرعة حلوة من رحيق العطف الإلهيّ المختوم .. تشجيع وتصبير وتأسية وتسلية .. ثم تطمين: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يوعَدُونَ لَمْ يلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَار﴾! إنه أمد قصير .. ساعة من نهار .. وإنها حياة خاطفة تلك التي يمكثونها قبيل الآخرة وإنها لتافهة لا تترك وراءها من الواقع والأثر في النفوس إلا مثلما تتركه ساعة من نهار .. ! ثم يلاقون المصمير المحتوم! تم يلبثون في الأبد الذي يدوم! وما كانت تلك الساعة إلا بلاغاً قبل أن يحقّ الهلاك والعذاب الأليم: ﴿بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾!

стр. 1375

لا. وما الله يريد ظلماً للعباد! لا. وليصبر الداعية على ما يلقاه! فما هي إلا ساعة من نهار! تم يكون بعد ذلك ما يكون! ونبصر في إيمان الجنّ بهذه الصورة، بعد أن نال الرسول ﷺ ما ناله على أيدي (ثقيف) تسليةً أنسته آلامه، وأن أهل الأرض لو تخلّوا عن قبول الرسالة فذلك إلى حين، وفي العوالم الأخرى من يشدّ أزره! ونبصر من مآثر الجاهلية العرف الذي له مكانته في نفوسهم، ويعرف بـ (حق اللجوء السياسي) وفق مصطلح (الدبلوماسيّة الحديثة)، وذلك أن رسول الله ﷺ لمَّا انصرف عن الطائف .. صار إلى حراء -كما نقل ابن هشام - (١) ثم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال: أنا حليف، والحليف لا يُجير، فبعث إلى سهيل بن عمرو، فقال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب، فبعث إلى المطعم بن عديّ، فأجابه إلى ذلك، ثم تسلّح المُطعم وأهل بيته، وخرجوا حتى أتوا المسجد، ثم بعث إلى رسول الله ﷺ : أن ادخل، فدخل رسول الله ﷺ ، فطاف بالبيت وصلى عنده، ثم انصرف إلى منزله، فذلك الذي يعني حسّان بن ثابت! وقال حسان بن ثابت: (٢)

стр. 1376

أعين ألا ابكي سيّد الناس واسفحي ... بدمع فإِن أنزفته فاسكبي الدمّا وبكّي عظيم المشْعَرَين وربَّها ... على الناس معروفٌ له ما تكلّما فلو كان مجدٌ يُخلد اليومَ واحداً ... من الناس أبقى مجده اليوم مُطعِما أجرتَ رسول الله منهم فأصبحوا ... عبادك ما لبيَّ ملبٍّ وأحْرَما فلو سُئِلَتْ عنه معدٌّ بأسرها ... وقحطانُ أو باقي بقيّة جُرْهُما لقالوا هو المْوُفِي بخُفره جاره ... وذِمَّته يوماً إِذا ما تذمَّما فما تطلُع الشمس المنيرة فوقَهم ... على مِثْله منهم أعزَّ وأكرما إِباءً إِذا يأبى وأكرم شيمَةً ... وأنْومَ عن جارٍ إِذا الليل أظْلَما

стр. 1377

وقال أحمد محرّم: (١) ما رأينا كالمطعم بن عديّ ... جافياً واصلاً هُيوماً جسُورا آثر الكفْرَ ملةً وأجار الدّينَ ... مستضعفاً يدور شطيرا (٢) رام بالطائف المقام فأعيا ... فانثنى يطلب الأمان حسيرا (٣) وكّل الله بالنبوّة منه ... أسداً يملأ القضاء زئيرا قائماً في السلاح يجمع حَولَيْـ ... ـه شبُولاً تحمي الحمى ونمُوُرا يمنع القوم أن يصدّوا رسولَ ا ... لله عن بيته ويأبى الخُفُورا (٤)

стр. 1378

نقض الحلف من قريش فأمسى ... أسلمتْهُ العربي وكان مريرا (١) عجباً للغويّ يعطيك منه ... عملاً صالحاً ورأياً فطيرا (٢) ما رأينا من ظنّ بالزّرع شرًّا ... فحمى أرضه وصان البذورا لو جزى الله كافراً أجر ما أحْـ ... سن يوماً لخلته مأجورا ونبصر رسول الله ﷺ يحفظ للمطعم بن عديّ هذا الصنيع، فيقول فيما رواه البخاري وغيره عن محمَّد بن جبير بن مطعم، أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: "لو كان المطعم بن عديًّ حيًّا، ثم كلّمني في هؤلاء النَّتْنَى لَتَركتُهم له" (٣). ونبصر هذا الجوار لم يقيد حركة النبي ﷺ وأصحابه في الدعوة إلى الله تعالى!

стр. 1379

ونعود إلى الهجرة إلى الحبشة، لنبصر ذلك فيما رواه البخاري وغيره من حديث طويل، أن عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ قالت: لم أعقل أبويّ قطّ إِلاّ وهما يدينان الدّين، ولم يمرَّ علينا يومٌ إِلاّ يأتينا فيه رسول الله ﷺ طَرَفي النّهار: بُكرةً وعَشِيَّةً، فلما ابتُلي المسلمون، خرج أبو بكر مُهاجراً نحو أرض الحبشة، حتى بلغ برك الغمام لقيه ابن الدّغِنَّة -وهو سيّد القارة- فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأُريد أن أسيح في الأرض، وأعبد ربِّي! قال ابن الدّغنّة: فإِن مِثلك يا أبا بكر لا يخْرُج ولا يُخْرَج، إِنك تكسب المعدوم، وتصل الرّحم، وتحمل الْكلَّ، وتقري الضّيف، وتُعين على نوائب الحقّ، فأنا لك جار، ارْجِع واعبد ربَّك ببلدك! فرجع، وارتحل معه ابن الدّغّنة، فطاف ابن الدغنّة عشيّة في أشراف قريش فقال لهم: إِن أبا بكر لا يخرج مثْله ولا يُخرج، أتُخرجون رجلاً يكسب المعْدُوم، ويصل الرّحم، ويحمل الكلّ، ويَقْري الضّيْف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذِّبْ قريش بجوار ابن الدّغنّة، وقالوا لابن الدّعنة: مُرْ أبا بكر فليعبُدْ ربّه في داره، فليُصلِّ فيها وليقرأْ ما شاء، ولا يُوذينا بذلك، ولا يَستَعْلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدّغنّة لأبي بكر! فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربّه في داره، ولا يَسْتعلن بصلاته. ولا يقرأ في غير داره!

стр. 1380

ثم بَدَا لأبي بكر، فابْتَنَى مسجداً بفناء داره، وكان يُصليِّ فيه ويقرأ القرآن، فيتعرف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه، وينظرون إِليه! وكان أبو بكر رجلاً بكاء لا يملك عينيه إِذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إِلى ابن الدّغنّة، فقدم عليهم، فقالوا: إِنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك، على أن يعبد ربّه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإِنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه، فإِن أحبّ أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإِن أبى إِلا أن يُعلن بذلك فسله أن يرد عليك ذمّتك، فإنا قد كرهنا أن يخْفِرك، ولسنا بمقرين لأبي بكر الاستعلان! قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إِلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإِما أن تقتصر على ذلك وإِما أن ترجع إِليّ ذمتي فإِني لا أحب أن تسمع العرب أني أُخْفِرتُ في رجل عقدت له! فقال أبو بكر: فإِني أرد إِليك جوارك، وأرضى بجوار الله ، والنبي ﷺ يومئذ بمكة. (١) وهذا الموقف يشبه موقف عمر بن الخطاب في رد جوار خاله العاصي، رغبة أن يكون كغيره من المسلمين. (٢)

стр. 1381

هذا، وحق اللجوء يستفيد منه الدعاة إلى الله لتبليغ الدعوة، كما نرى ونشاهد في عالمنا الإِسلامي المعاصر! ونبصر في إسلام من أسلم أن الرسول ﷺ رجع إلى مكة بما هو خير كله، بما فيه من معالم على طريق الدعوة والدعاة! وهنا يطالعنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد ﵁: سمع النبي ﷺ يقول يوم خيبر: "لأعطين الراية رجلاً يفتح الله على يديه، فقاموا يرجون لذلك أيهم يُعطى، فغدوا وكلهم يرجو أن يُعطى فقال: "أين علي؟ " فقيل: يشتكي عينيه، فأمر فدُعي له، فبصق في عينيه، فبرأ مكانه، حتى كأنه لم يكن به شيء، فقال: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: "على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إِلى الإِسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله! لأن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم". (١) تلك إشارات إلى أهم معالم طريق جهاد الدعوة .. رجاء أن تكون زاداً للدعاة إلى الله! وتعود إلينا سيرتنا الأولى، وتهب نفحات القرن الأول، ويولد للإسلام عالم جديد يكون قضاء الله الغالب، وقدره الذي لا يُرد!

стр. 1382

الجامع الصحيح للسيرة النبوية [٦] «الإسراء والمعراج - منحة ربانية بعد اشتداد المحن» تأليف الدكتور سعد المرصفي

стр. 1383

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة الطَّبعة الأولى ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م مكتبة ابْن كثير ص. ب: ١١٠٦ حَولي ٣٢٠١٢ الكويت تليفون: ٢٢٦٣١٢٩٨ - فاكس: ٢٢٦٥٧٠٤٦

стр. 1384

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾

стр. 1385

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ (الأعراف)! ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (الأنبياء)! ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ (الأحزاب)!

стр. 1386

(في علم المغازي خير الدنيا والآخرة)! الزهري (كنا نعلّم مغازي رسول الله ﷺ ، كما نعلم السورة من القرآن الكريم)! زين العابدين علي بن الحسين (كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول: يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيّعوا ذكرها)! إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص

стр. 1387

مقدمة الإسراء والمعراج من أعظم الأحداث في تاريخ الإِسلام؛ إذ يتضمَّن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تتكشَّف عن النظرة الأولى لتشمل آماداً وآفاقاً أوسع من الزمان والمكان، وتربط بين عقيدة التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل ﵉ إلى خاتم النبيِّين محمَّد ﷺ ، وتربط الأماكن المقدَّسة لرسالات التوحيد جميعاً، معلنة وراثة خاتم النبيين ﷺ لمقدّسات الرسل قبله، واشتمال رسالته على هذه المقدّسات وارتباط رسالته بها جميعاً! وإذا كان اليهود قد ترهَّلت نفوسهم، وأسنت ورتعت في الفسق والمجانة، واستهتروا بالقيم والمقدّسات، وولغوا في الأعراض والحرمات، وعاثوا في الأرض فساداً، فإنهم بذلك قد أخذوا بأسباب الهلاك الحتميّة ليحق القول عليهم، وتجري فيهم سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلاً! فها هي أمة الإِسلام تستيقظ من جديد وتمسح عن عينيها غشاوة البعد عن منهج رسالتها، وتضع قدميها على طريق الفئة المؤمنة الأولى ليتحقق لها وعد نطق الشجر والحجر، ويعود لها تمكينها وتفرض هيبتها، وليس هذا ببعيد، بل قريب قريب! والله أسأل: التوفيق والسداد! والعون والرشاد! إنه سميع مجيب! الكويت في: غرة ربيع الآخر ١٤٣٠ هـ ٢٧ من مارس ٢٠٠٩ م راجي عفو ربه سعد محمَّد محمَّد الشيخ (المرصفي) أستاذ الحديث وعلومه كلية الشريعة والدراسات الإِسلامية جامعة الكويت. سابقاً

стр. 1388

منحة ربَّانيَّة

стр. 1389

منحةٌ ربَّانية * طريق الدعوة: * أعظم آيات الإعجاز الكوني: * تشريف وتكريم: * آيات الأنبياء: * رسالة عقليَّة علميَّة خالدة: * القرآن آية التحدي العظمى: * الآيات الحسيَّة لخاتم النبيين ﷺ * انشقاق القمر: * نبع الماء من بين أصابع النبي ﷺ : * تكثير الطعام القليل: * حنين الجذع: * التحدِّي بالقرآن: * آية الإسراء أرفع المراتب: * مفهوم الإسراء: * مفهوم المعراج: * حكم الإسراء والمعراج: * أهم الأحاديث: - الحديث الأول: - الحديث الثاني: - الحديث الثالث: * الحكمة في اختصاص كل نبيّ بسماء: * صلاة النبي ﷺ بالأنبياء: * بين الرسول ﷺ وقريش: * حقيقة الإسراء والمعراج: - القول الأول: - القول الثاني: - القول الثالث: - قول باطل: * الإسراء ووحدة الوجود: * إنكار النصوص وتحريفها: * إغراب وتشويش: * دعاء على الطريق: * طريق الكفاح في مسيرة الدعوة: * وقت الإسراء والمعراج: * بدء الإسراء:

стр. 1390

منحةٌ ربَّانيَّة طريق الدعوة: سبق أن عرفنا -في طريق جهاد الدعوة- كيف وقفت قريش موقف العناد والجحود، والضلال والكنود، وعادت الرسول ﷺ ، وظلَّت عقبةً كؤوداً في سبيل دعوة الحقّ، ولجّت في العداوة والكفران، وتمادت في الإيذاء والطغيان! وهنا تطالعنا أعظم آيات الإعجاز الكونيّ لنبيِّنا محمَّد ﷺ ، التي كُتب بمداد نورها الحرف الأوّل في سطر الحفاوة الربَّانيَّة الذي افتتحت به نفحات الفرج، وانكشاف غُمم المحن والبلاء، وضائقات المعوّقات التي كان يقيمها طغاة الشرك، وعتاولة الوثنيّة أمام الرسول ﷺ في طريق تبليغ رسالته، ونشر دعوته .. دعوة الهُدى والنور، إعلاءً لكلمة الله .. كلمة الحق والعدل، والخير والإصلاح، والإخاء بين أبناء الإنسانيَّة كافّة، وزرع المحبَّة بين الناس من كل جنس ولون، وعصر ومصر، وجيل وقبيل، أينما وجدوا من أرض الله؛ لأن هذه المنحة الربَّانيَّة جاءت بعد مقتضياتها التي كان من أظهرها العام الذي ابتُلي فيه رسول الله ﷺ بفقد زوجه ومأنس قلبه، ومطمئن فؤاده، وزيرة الصدق له في دياجير المحن، وهي تخفّف عنه آلامه، وتمسح عن نفسه ما كان يلمُّ به من حزن، لما يلقاه من عتوّ الشرك، وفجور الوثنيّة على أيدي أحلاسها من المستكبرين الطغاة البغاة العتاة (١)،

стр. 1391

ربائب الجهل الظلوم، من ملأ قريش، الذين كان يدعوهم إلى النجاة، ويأبون إلا أن يكون مأواهم النار، لا يخفّف عنهم من عذابها، وما هم منها بمخرجين! تلك زوجه الصّدِّيقة المصدَّقة، الأمينة الطاهرة، سيّدة نساء العالمين، السيّدة خديجة أمّ المؤمنين ﵂! ثم بفقد الحفيّ القويّ الحميّ الجريء، المطاع في قومه، العظيم في حياته، الحدب المدافع عن رسول الله ﷺ حميّةً قوميّة .. العزيز في حسبه، الفارع في نسبه .. الذي إذا دعا لنضال الحماية لدفع مذلة الضّيم أجابته السيوف المنافية الهاشميّة، شاكيةً تأبى أن تقرّ في أغمادها، حتى يُقضى بينها وبين من يتلمّظ لعداوتها، ويتعرض لملاقاتها وسخطها! ذلك الفحل لا يُجدع أنفه، ولا يطمع في مهادنته إذا اسْتُغضب .. أبو طالب بن عبد المطّلب، سيّد البطحاء، عمّ رسول الله ﷺ صنو أبيه، صاحب المواقف التي أرعبت أفئدة ملأ قريش، وروّعت أمنهم، وذهبت باستقرارهم، وأذلت استكبارهم، دفاعاً عن سياج العزّة الهاشميّة التي أبى عليها تعزّزها بالسؤدد والمجد والشرف في العرب قاطبةً، أن تقبل ضَيماً في شخص وحيد الدنيا في عليا المكارم محمَّد الأمين ﷺ ، حفيّها، ونور حياتها، ولباب أفئدتها، يهبّون إذا أهبهم شيخهم أبو طالب، ويسكنون متحفّزين إذا سكّنهم، فهم طوع إرادته، ورهن إشارته! وهاتان المحنتان المتعاقبتان في زمن يسير -كما أسلفنا- من أشدّ ما لقي محمَّد رسول الله ﷺ من أحزان الدّنيا؛ لأنه ﷺ فقد بفقدهما حنان

стр. 1392

الأنس، وعاطفة الحبّ في الزوج المحبّة الأمينة، وفقد القوّة الحامية، والحدب في عمّه الذي وقف إلى جانبه يُدافع عنه، ويقوِّي عزيمته، ويردّ عنه سفه السفهاء، وعتوّ البغاة العتاة الطغاة، وفجور الفجّار! ولا سيما كان فقدهما عقب محنة مريرة قاسية، تجلّت فيها بشاعة اللؤم العتيّ، وفظاعة الحقد الوثنيّ، والاستكبار العنيد .. تلك هي محنة الحصار الاقتصادي، والمقاطعة الصارمة، والإجاعة المميتة ثلاث سنين، بين البؤس والحرمان، وأنين الأطفال، ودموع النساء .. هذا الحصار الذي تعاهدت عليه قريش، وأفقدها كل عاطفة حيوانيّة، بَلْه إنسانيّة، كان أشدّ على النبيّ ﷺ وأصحابه- ومن دخل معهم حميّة من الهاشميّين والمطّلبيين، إيلاماً ومضاضة وقسوة -من سنيّ يوسف ﵇، وكانت أيّامها أظلم الحوالك في دنيا الظلم والفجور، حتّى أكل المحصورون ما لم يؤكل، وصبروا على ما لم يصبر عليه الصُّبَّر من أولي البلاء والمحن، مع ما سبق ذلك من سفه سفهاء قريش، وفجور ملئها في إيذاء النبي ﷺ في صور متعدّدة، وأشكال مختلفة، تدلّ على حنق مغيظ، وغيظ حانق حقود! وكان من آثار ذلك في تبليغ الرسالة، وقوّة الحميّة القوميّة، أن خرج رسول الله ﷺ بعد يأسه من طغاة الوثنيّة البليدة لدعوة الحقّ والهُدى، ويأسه ﷺ أن يتركوه يبلّغ رسالة ربّه، ويخلّوا بينه وبين الناس في محافلهم وأسواقهم وتجمّعاتهم، ليدعوهم إلى الله الواحد الأحد، الذي يجب أن يفرد بإخلاص العبادة -إلى الطائف حيث ثقيف .. ليؤوه وينصروه، حتى

стр. 1393

يُبلِّغ رسالة ربّه .. فلقي منهم -كما عرفنا- أفراداً وجماعات، السّفه الطائش، ولؤم الضيافة، وشراسة الخلق، ورذالة الطبع، وخسّة المروءة، فقد فَظِع بكبرائهم أن يسمعوا منه أنه رسول الله، وأنّه يدعو إلى توحيد الله، وخلع الأصنام والأوثان، فأساؤوا ردّه من أوّل وهلة، وتنمّروا له من أوّل كلمة .. وسلّطوا عليه غلمانهم وسائر سفهائهم، فوقفوا له في الطريق سِمَاطَيْن، يرمونه بالحجارة، حتى لقي من سوء ما لقي .. وبلغ مأمناً يهابه جبناء ثقيف، فرجعوا عنه .. وْعاد ﷺ إلى مكّة وملؤها وسفهاؤها على أخبث ما كانوا من غيظ حقود! وهكذا تجمّعت غمامات الآلام على النبيّ ﷺ ، وتكاثفت سحب العوائق أمام نهوضه بتبليغ رسالة ربّه، وانتشر الشر في آفاق الحياة، واحلولك الظلام في جنباتها، وتقاصر الأمل عن غايته، وضاقت حلقات العزائم عند كثير، واستحكم الشرُّ في نفوس الشرّيرين، وتثاءب اليأس المظلم، وبقي رسول الله ﷺ وحيداً يُقلِّب وجهه في السماء، انتظاراً للفرج، وترقّباً لانجلاء غمامات المحن والبلايا!! لقد كانت هذه المرحلة الكفاحيّة غير المتكافئة تمحيصاً للمؤمنين .. ودروساً لتربية صدق العزائم عند طلائع السابقين .. وإعداداً لكتائب الدعاة إلى الله تعالى في التأسّي برسول الله ﷺ ، صبراً جميلاً، واحتمالاً لنوازل البلاء، وتوجيهاً للأحداث بفكر حكيم محكم، وسياسة رحيمة، تجعل من العدوّ صديقاً حميماً، ومن السفيه الجهول حكيماً عليماً!

стр. 1394

أعظم آيّات الإعجاز الكوني: وهنا نبصر القدم التي سال منها الدم الطاهر في الطائف -كما عرفنا- تستقيم على الطريق (١)، من أوّل بيت وُضع للناس إلى بيت بارك الله تعالى حوله .. ثمّ إلى السماوات العُلا! ونبصر رحمة الله الرحمن الرحيم بعبده وحبيبه محمَّد ﷺ .. حيث شاهد من آيات ربّه ما شاهد، وعاين من أمارات العناية به وبدعوته ما زاده يقيناً إلى يقين بنجاح دعوته، وتبليغ رسالته، والنصر على أعدائه .. وأطلعه الله على ما زاد النفس رضًى، والقلب نوراً، والرّوح أنساً، فقد جاءت تلك المنحة الربّانيّة تثبيتاً له على طريق المقاومة الطويل، وتكريماً في أعقاب سنين طويلة من الصبر والمصابرة، والصمود والكفاح! وجاءت تتويجاً لهذه السنين الصعبة، فقد رفعه إلى السماوات، وأطلعه على جوانب الإعجاز في الكون الكبير .. ! وجاءت امتحاناً لإيمان الصحابة وتصديقهم بكل ما يخبر به، ويدعو إليه! وجاءت اختباراً لمدى ثباتهم على الإيمان، واستجابتهم إلى تحقيق الغاية من رسالته، وهي إخراج الناس من عبوديّة الشيطان إلى عبادة الرحمن! وهو مدى رحب تتجاوز أبعاده الملموس والمحسوس والمسموع

стр. 1395

والمنظور .. ويتأتَّى عن الوقائع، ويمتدّ بعيداً بعيداً صوب الآفاق التي ترفع قدر الإنسان! وهكذا كانت آية الإسراء في جوّها الخاصّ والعامّ (١) بلسماً لجراح بشريّة محمَّد ﷺ التي نالها أعداء الحقّ والخير بالإيذاء .. وكانت سراجاً وهّاجاً أضاء الطريق أمام دعوته إلى الله! وكانت نوراً تبلج من آفاق العناية الربّانيّة علماً ومعرفة، وشرفاً وفضلاً، ليقيم له ﷺ ولدعوته ورسالته الخالدة الخاتمة معالم الطريق الذي أسّس على الكفاح الصبور، في سبيل الحقّ والخير والهُدى والإصلاح، بغير إعجاز مادّيّ يُكرِه الناس على الاستجابة إلى الإيمان بالدّعوة، ليكون ذلك رسماً لطريق الدّعوة إلى الله أينما كانت، ومَعْلَماً للدّعاة إلى الله، حيثما كانوا وكيفما كانوا! وهكذا كانت -أيضاً- آية الإسراء في حقيقتها ومقاصدها صورةً جامعةً للقدوة في العلم والمعرفة، والعمل لإصلاح الحياة .. وبُشرى بابتداء عهد البناء والمعرفة، ومطالعة آيات الله في ملكوت السماوات والأرض المسخّرة للإنسان، وتحقيقاً لخلافة الأمّة التي يربّيها نبيّ الإِسلام ﷺ بعقيدته وتعبّداته وشرائعه وأحكامه، وسياسته، وآدابه، ونظمه ومناهجه في الحياة، لتقيم من هذه العقائد والتعبّدات والشّرائع والآداب والنّظم والمناهج بناءً شامخاً تأوي إليه الإنسانيّة إخوةً متحابّين، لتكون خير أمّة أُخرجت من ضمير الغيب للناس!

стр. 1396

تشريف وتكريم: ومن ثمَّ كانت آية الإسراء أشرف آية مادّيّة حسيّة أوتيها نبيٌّ من رسل الله، وهي أجلّ ما أعطيه محمَّد الأمين خاتم الأنبياء والمرسلين من الآيات الحسّيّة، والكرامات المادّيّة، وهي في فضلها وعظمة الحفاوة تالية للقرآن الكريم في روعة دلالتها على صدق نبوّة محمَّد ﷺ ، وعموم رسالته وخلودها، وما له عند الله من مكانة ورفعة شأن، ممَّا فُضِّل به على جميع الأنبياء والمرسلين بعد القرآن العظيم! وقد كانت آيات الأنبياء والمرسلين -التي جعلها الله برهان صدقهم في دعواهم أنهم رسل من عند الله إلى قومهم، يدعونهم إلى توحيد الله وإلى الهُدى والخير- آيات ماديّة حسّيّة تخرق نواميس نظام الترابط المادّي بصورة قاهرة، لا طاقة للبشر بها، ولو اجتمعوا بعلومهم وأفكارهم وتجاربهم وحيلهم على معارضتها بوسائلهم البشريّة المادّيّة، فلا يجدون ذريعةً لردّها، إلا المكابرة والعناد، وأعناقهم لها خاضعة! وآيات الأنبياء والمرسلين ومعجزاتهم إنما تجري على مقتضى سنن إلهيّة خاصّة، لا سبيل لتحكّم العقل فيها، وفي إدراك حقائقها، وتعرّف أسبابها .. والعقل بمعزل تام عن تحكيمه في ثبوتها .. ومدار التصديق بها على صحة ثبوتها هو الإخبار بها في واقع الوجود بسند صحيح، لا يعتريه ريب، ولا يعارض متنه أصل أثبت منه وأدخل في أصول الإسلام!

стр. 1397

آيات الأنبياء: وقد ضرب الله المثل في القرآن الكريم لهذه الآيات الحسّيّة المادّيّة التي أوتيها مَن ذُكِروا في القرآن من المرسلين .. وكان من أبينها وأكثرها ذكراً آيات موسى وعيسى ﵉، وآياتهما أهدى الآيات الحسّيّة المادّيّة سبيلاً، وأظهرها إعجازاً، وأقواها حجّةً، وأبلغها أثراً! فعصا موسى ﵇ لها خصائص سائر العصيِّ في بعدها عن حلول نوع من الحياة فيها، وقد أخبر عنها موسى حين سئل من رب العزّة- سؤال تأنيس وتمهيد، لا سؤال استخبار- بقوله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسَى (١٧)﴾ (طه)! بما يعلمه عنها من حقيقتها الأصيلة، ومن الأسباب التي اتخذها لها، فقال: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخرَى (١٨)﴾ (طه)! من كل مأرب تؤديه عصا، فيدفع بها عن نفسه صولة عدوّ، ويقيمها عموداً ليسدل عليها ما يقيه من الحرّ والبرد، ولكنها حيثما أريد لها أن تجري على السنن الإلهيّة الخاصّة خرجت عن طبيعة العصا التي لا تحيلها الحياة إلى طبيعة أخرى قابلة للحياة، فانقلبت جانًّا يتحرّك، وثعباناً يلقف ما يأفك سحرة فرعون، بكل ما فيه من وسائل مادّيّة، وإلى أن ضرب بها موسى البحر فانفلق فلقتين، فكانت كل فلقة منه كالطّود العظيم في قوّة تماسك ذرّاته، والماء طبيعته سيّالة يستحيل عليها هذا التماسك في نواميس السنن

стр. 1398

العامّة للكون، وإلى أن يضرب بها الحجر الصلد فينبجس منه الماء اثنتي، عشرة عيناً، لكل قوم من بني إسرائيل شرب معلوم منها! وتصوير عيسى ﵇ قطعةً من الطّين الذي له خصائص الطّين، بكل ما فيها من بعد ومنافاة للحياة على هيئة طائر، ثم ينفخ فيه فيصير طائراً بإذن الله، يتحرّك ويطير، ويذهب ويجيء، ويأكل ويشرب، ويغرّد ويرفرف! ومسّه بيده الأكمه الذي لم ير النّور ببصره قطّ يجعله بصيراً بإذن الله! ومسحه على الأبرص الذي ابتلي بداء عجز عنه طبّ عصره يشفيه من مرضه العضال! ونداؤه الميّت الذي غير عليه من الزّمن ما غير، يقيمه من قبره بإذن الله إنساناً حيًّا، يتحرّك ويمشي ويتكلّم، ويفكّر ويخبر ويرشد ويسترشد! والمقصود بذلك من هذه الآيات التي وقعت على يد هذين الرسولين الكريمين بيان أن سنن الله في الكون لا يقيّدها نظام الترابط الكونيّ في نواميس السنن العامّة! ويطالعنا قوله جل شأنه: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا

стр. 1399

وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ (آل عمران)! ونبصر حسم التعقيب في حقيقة عيسى ﵇ وفي طبيعة الخلق والإرادة التي تنشئ كل شيء .. ولكن أيّة غرابة فيها حين تقاس إلى خلق آدم أبي البشر .. وتتجلّى حقيقة الخلق كله، وتدخل إلى النفس في يسر وفي وضوح ... وتلك هي طريقة ﴿الذِّكرِ الْحَكِيمِ﴾ في مخاطبة الفطرة بالمنطق الفطري الواقعي في أعقد القضايا، وهي اليسر الميسور! وما كان الرسول ﷺ ممترياً ولا شاكاً فيما يتلوه عليه ربّه في لحظة من لحظات حياته، وإنما هو التثبيت على الحق، ندرك عنه مدى ما كان يبلغه كيد أعداء الجماعة المسلمة في بعض أفرادها في ذلك الحين، كما ندرك ما تتعرض له الأمّة المسلمة في كل جيل من هذا الكيد، وضرورة تثبيتها على الحق الذي معها في وجه الكائدين والخادعين، ولهم في كل جيل أسلوب من أساليب الكيد جديد .. ! ونبصر الحقائق التي تقرّرها الآيات واضحة الدلالة! ونبصر معجزات عيسى ﵇ تتعلّق بإنشاء الحياة أو ردّها، أو ردّ العافية وهي فرع عن الحياة، ورؤية غيب بعيد عن مدى الرؤية .. وهي

стр. 1400

في صميمها تتسق مع مولد عيسى، ومنحة الوجود والحياة على غير مثال إلا مثال آدم ﵇! ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾ (آل عمران)! وإذا كان الله قادراً أن يجري هذه المعجزات على يد واحد من خلقه، فهو قادر على خلق ذلك الواحد من غير مثال .. ولا حاجة إذن لكل الشبهات والأساطير التي نشأت عن هذا المولد الخاص متى ردّ الأمر إلى مشيئة الله الطليقة! (١) وهكذا كانت آيات الأنبياء والرسل قبل رسالة خاتم النبيين محمَّد ﷺ حسّيّة ومادّيّة؛ لأن مدارك الإنسان وقوى تفكيره كانت مجذوبةً إلى الأرض، بقوّة التماسك العنصري في ترابط ذرّات الكون! رسالة عقليّة علميّة خالدة: وحين بلغت النبوّة مداها في التآخي مع العقل الإنساني -وهو قوّة لا سلطان للمادّة عليها- وقد بلغ العقل رشده واستوى تفكيره، أرسل الله تعالى محمداً ﷺ برسالة كاملة المعالم في أصول العقائد والتعبّدات،

стр. 1401

وأنظمة الحياة، ختم بها رسالات المرسلين، قامت على دعائم من القواعد والأصول العامة المحكمة، جعلها هاديةً للعقل في مسيرته مع الحياة، يسترشد بها، ليستخرج من أصولها أحكام الأحداث والوقائع المتجدّدة التي لا تتناهى، دون حاجة إلى الوقوف عند نصّ ربما لا يفي بالمقصود! ومن ثمَّ كانت خصّيصة هذه الرسالة الخاتمة في خلودها بخلود الحياة في تآخيها مع العقل الإنسانيّ الذي اكتمل رشده، وشبّ عن طريق المحاكاة والتقليد والتبعيّة! ومن هذه الخصّيصة لهذه الرسالة الخاتمة في تآخيها مع العقل، كان لا بدَّ في آيات صدقها، وبراهن حقّيّتها، ودلائل إعجازها من أن تكون مسايرةً لهذا التآخي العقلي، مناسبة له في منابعه الإدراكيّة، هاديةً له في أسس التشريع، مهتديةً به في تطبيق الوقائع، على تلك الأسس والأصول! وعندئذ لم يبق للإعجاز الحسيّ وآياته المادّيّة قوّة دلالته على حقّيّة ماجاءت به من الهُدى والخير، فكانت الآية العظمى، والمعجزة الكبرى التي وقع بها التحدّي والاستدلالّ على صدق حامل أمانتها آية عقليّة، علميّة، فكريّة .. يجد فيها كل عقل مجاله الإدراكي .. ويجد فيها كل عالم طريقه إلى المعرفة واليقين .. ويجد فيها الفكر (المتطوّر) مجالاً لسبحات أطواره، بعيداً عن الجمود المادّيّ .. ليستصفي من أصولها الحقّ خالصاً من شوائب الخداع والتضليل!

стр. 1402

القرآن آية التحدّي العظمى: تلك هي آيات الكتاب المبين، القرآن العظيم، الجامع لمنازل الخير وجوامع الهُدى والنّور، الذي تحدّى بذاته وإعجازه كل عَيْلم عليم، وكل عقل محكم حكيم، وكل فكر غوّاص عميق، بما جاءت به آياته من حقائق ومعان هادية، ومقاصد مستهدفة للحق، كما تحدّى كل فصيح بليغ، وكل ذي بيان وبراعة في روعة الإحسان، بأسلوبه ونظمه وجزالة ألفاظه، ونصاعة جمله وكلماته، ونسق آياته، فكان آية الصدق على دعوى الرسالة الخالدة، بما فيه من ألوان الهداية، فهو معجزتها الكبرى، وآيتها العظمى التي كانت به خاتمة الرسالات الإلهيّة، فلا رسالة لله تعالى إلى الخلق بعدها، ولا كتاب ينزل بعد كتابها من السماء، وقد صبّ الله تعالى فيض إحسانه في آيات كتابها، خالدةً لا تنتهي وباقيةً لا تنفد! ومن هنا كانت فيوضات الله لا تنقطع، ولكنها مستمرّة سرمديّة عن طريق آياتها في كتابها الحكيم المحكم، فالنظر فيه، وتدبّر حقائقه ومعانيه، ومعرفة هدايته، والغوص في حكَمه هي طريق الإيمان، وهذه سبيل ممهّدة للعقل، وطريق موطأة للفكر، يَهتدي بها السالكون إلى مشارع الإيمان، وهي عامرة بالسائرين فيها الذين أقيمت لهم منائر الحق، ونصبت لهم معالم الهداية، وأنيرت لهم آفاقها، ليهتدوا بها في دياجير أوهام العلم التجريبيّ وتخيّلاته وتخرّصاته وظنونه إلى نور الحقّ واليقين! لا تتوقّف مسيرته، ولا تخدو عن الراغبين مشارعه، فهو داعٍ مستجاب، وهادٍ خِرِّيت لا يضلّ الطريق أبداً، ومرشد لا يملّ ولا يعيا،

стр. 1403

مشارعه مفعمةٌ بالواردين، ومسالكه مليئةٌ بالقاصدين، وروّاده قوافلهم متواصلةٌ لا تنقطع، وداخلو ساحته متوافدون، لا قوّة تدفعهم إليه إلَّا قوّة الحق فيه، ولا وسائل تجذبهم إليه إلَّا وسيلة الرّغبة فيه! وإلى هذه الحقائق والمعاني أشار النبي ﷺ في قوله الجامع فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من الأنبياء نبيٌّ إلا أعْطي من الآيات ما مثله آمَن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحْياً أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة" (١). الآيات الحسيّة لخاتم النبيين ﷺ -: وإذا كان القرآن العظيم هو الآية العظمى، والمعجزة الكبرى التي وقع بها التحدّي للدلالة على صدق نبيّنا محمَّد- ﷺ ، ولا يزال هذا التحدّي قائماً إلى يوم القيامة، في كل زمان ومكان، وجيل من الناس وقبيل، مهما بلغت الحياة من أطوار التقدّم العلميّ، لما فيها من أبديّة الهداية التي لا تنتهي، كما انتهت الآيات الحسّيّة المادّيّة التي أوتيها رسُل الله تعالى برهاناً على صدق دعواهم في رسالاتهم -فقد أوتي نبينا محمَّد ﷺ من الآيات الحسّيّة المادّيّة، وعجائب خرق نواميس الترابط المادّيّ في عناصر الكون ما لم يؤت مثله كيفاً وكمًّا نبيّ من الأنبياء ﵈!

стр. 1404

ومن الآيات الحسّيّة المادّيّة التي أوتيها نبيّنا محمَّد ﷺ ، والتي لم تدخل في إطار التحدّي بها، ما ثبت وفق قواعد التحديث روايةً ودرايةً! وإذا كانت معجزات الأنبياء السابقين في صورها العامّة ملائمة لما اشتهر في زمان كل رسول، حتى إذا ما عجز الناس عن الإتيان بمثلها كان ذلك أكبر شاهد على صدق من ظهرت على يديه .. فقد شاء الحق جلّ شأنه أن يجمع الفضل من أطرافه، لخاتم رسله، فأعطاه معجزات حسّيّة؛ لأن الناس ليسوا سواء في الإدراك والتفكير، ومن ثم أوتي من الآيات المتكاثرة ما لم يؤت غيره من الأنبياء .. ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلاً منيفاً على سائر المعجزات! ونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: ما أعطى الله نبيًّا إلا أعطى الله محمدًا ﷺ ما هو أكثر منه، فقيل له: أعطى عيسى ابن مريم إحياء الموتى، فقال الشافعي: حنين الجذع أبلغ؛ لأن حياة الخشبة أبلغ من إحياء الميّت، ولو قيل: كان لموسى فلق البحر، عارضناه بفلق القمر، وذلك أعجب؛ لأنه آية سماويّة، وإن سئلنا عن انفجار الماء من الحجر، عارضناه بانفجار الماء من بين أصابعه ﷺ ؛ لأن خروج الماء من الحجر معتاد، أمّا خروجه من اللحم والدم فأعجب، ولو سئلنا عن تسخير الرياح لسليمان عارضناه بالمعراج! (١) وفي القرآن الكريم قصص لهذه المعجزات .. ومن تتبّع منهج القرآن

стр. 1405

وجد أنه اعتمد في الإقناع على المحاكمة العقليّة، والمشاهد المحسوسة لعظيم آلاء الله، والمعرفة التامّة بالرسول النبيّ الأمّيّ بما يجعل نزول القرآن عليه دليلاً على صدق دعوته: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (العنكبوت)! ومقالة هؤلاء عن الآيات يعنون بها الخوارق المادّيّة التي صاحبت الرسالات من قبل، والتي لا تقوم حجّة إلَّا على الجيل الذي شاهدها .. بينما تقوم حجّة الرسالة الخاتمة على كل من بلغته الدّعوة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .. ومن ثم جاءت آياتها متلوّة في الذكر الحكيم الذين لا تنفد عجائبه، والذي تتفتّح كنوزه لجميع الأجيال في جميع الأحوال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾ (العنكبوت)! وقد أرادت قريش أن تتحدّى الرسول ﷺ بأن يأتيهم بالخوارق الكونيّة، وسجّل القرآن الكريم ذلك في سورة الإسراء: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ
следующие страницы →