← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وأنظمة الحياة، ختم بها رسالات المرسلين، قامت على دعائم من القواعد والأصول العامة المحكمة، جعلها هاديةً للعقل في مسيرته مع الحياة، يسترشد بها، ليستخرج من أصولها أحكام الأحداث والوقائع المتجدّدة التي لا تتناهى، دون حاجة إلى الوقوف عند نصّ ربما لا يفي بالمقصود! ومن ثمَّ كانت خصّيصة هذه الرسالة الخاتمة في خلودها بخلود الحياة في تآخيها مع العقل الإنسانيّ الذي اكتمل رشده، وشبّ عن طريق المحاكاة والتقليد والتبعيّة! ومن هذه الخصّيصة لهذه الرسالة الخاتمة في تآخيها مع العقل، كان لا بدَّ في آيات صدقها، وبراهن حقّيّتها، ودلائل إعجازها من أن تكون مسايرةً لهذا التآخي العقلي، مناسبة له في منابعه الإدراكيّة، هاديةً له في أسس التشريع، مهتديةً به في تطبيق الوقائع، على تلك الأسس والأصول! وعندئذ لم يبق للإعجاز الحسيّ وآياته المادّيّة قوّة دلالته على حقّيّة ماجاءت به من الهُدى والخير، فكانت الآية العظمى، والمعجزة الكبرى التي وقع بها التحدّي والاستدلالّ على صدق حامل أمانتها آية عقليّة، علميّة، فكريّة .. يجد فيها كل عقل مجاله الإدراكي .. ويجد فيها كل عالم طريقه إلى المعرفة واليقين .. ويجد فيها الفكر (المتطوّر) مجالاً لسبحات أطواره، بعيداً عن الجمود المادّيّ .. ليستصفي من أصولها الحقّ خالصاً من شوائب الخداع والتضليل!

стр. 1402

القرآن آية التحدّي العظمى: تلك هي آيات الكتاب المبين، القرآن العظيم، الجامع لمنازل الخير وجوامع الهُدى والنّور، الذي تحدّى بذاته وإعجازه كل عَيْلم عليم، وكل عقل محكم حكيم، وكل فكر غوّاص عميق، بما جاءت به آياته من حقائق ومعان هادية، ومقاصد مستهدفة للحق، كما تحدّى كل فصيح بليغ، وكل ذي بيان وبراعة في روعة الإحسان، بأسلوبه ونظمه وجزالة ألفاظه، ونصاعة جمله وكلماته، ونسق آياته، فكان آية الصدق على دعوى الرسالة الخالدة، بما فيه من ألوان الهداية، فهو معجزتها الكبرى، وآيتها العظمى التي كانت به خاتمة الرسالات الإلهيّة، فلا رسالة لله تعالى إلى الخلق بعدها، ولا كتاب ينزل بعد كتابها من السماء، وقد صبّ الله تعالى فيض إحسانه في آيات كتابها، خالدةً لا تنتهي وباقيةً لا تنفد! ومن هنا كانت فيوضات الله لا تنقطع، ولكنها مستمرّة سرمديّة عن طريق آياتها في كتابها الحكيم المحكم، فالنظر فيه، وتدبّر حقائقه ومعانيه، ومعرفة هدايته، والغوص في حكَمه هي طريق الإيمان، وهذه سبيل ممهّدة للعقل، وطريق موطأة للفكر، يَهتدي بها السالكون إلى مشارع الإيمان، وهي عامرة بالسائرين فيها الذين أقيمت لهم منائر الحق، ونصبت لهم معالم الهداية، وأنيرت لهم آفاقها، ليهتدوا بها في دياجير أوهام العلم التجريبيّ وتخيّلاته وتخرّصاته وظنونه إلى نور الحقّ واليقين! لا تتوقّف مسيرته، ولا تخدو عن الراغبين مشارعه، فهو داعٍ مستجاب، وهادٍ خِرِّيت لا يضلّ الطريق أبداً، ومرشد لا يملّ ولا يعيا،

стр. 1403

مشارعه مفعمةٌ بالواردين، ومسالكه مليئةٌ بالقاصدين، وروّاده قوافلهم متواصلةٌ لا تنقطع، وداخلو ساحته متوافدون، لا قوّة تدفعهم إليه إلَّا قوّة الحق فيه، ولا وسائل تجذبهم إليه إلَّا وسيلة الرّغبة فيه! وإلى هذه الحقائق والمعاني أشار النبي ﷺ في قوله الجامع فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من الأنبياء نبيٌّ إلا أعْطي من الآيات ما مثله آمَن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحْياً أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة" (١). الآيات الحسيّة لخاتم النبيين ﷺ -: وإذا كان القرآن العظيم هو الآية العظمى، والمعجزة الكبرى التي وقع بها التحدّي للدلالة على صدق نبيّنا محمَّد- ﷺ ، ولا يزال هذا التحدّي قائماً إلى يوم القيامة، في كل زمان ومكان، وجيل من الناس وقبيل، مهما بلغت الحياة من أطوار التقدّم العلميّ، لما فيها من أبديّة الهداية التي لا تنتهي، كما انتهت الآيات الحسّيّة المادّيّة التي أوتيها رسُل الله تعالى برهاناً على صدق دعواهم في رسالاتهم -فقد أوتي نبينا محمَّد ﷺ من الآيات الحسّيّة المادّيّة، وعجائب خرق نواميس الترابط المادّيّ في عناصر الكون ما لم يؤت مثله كيفاً وكمًّا نبيّ من الأنبياء ﵈!

стр. 1404

ومن الآيات الحسّيّة المادّيّة التي أوتيها نبيّنا محمَّد ﷺ ، والتي لم تدخل في إطار التحدّي بها، ما ثبت وفق قواعد التحديث روايةً ودرايةً! وإذا كانت معجزات الأنبياء السابقين في صورها العامّة ملائمة لما اشتهر في زمان كل رسول، حتى إذا ما عجز الناس عن الإتيان بمثلها كان ذلك أكبر شاهد على صدق من ظهرت على يديه .. فقد شاء الحق جلّ شأنه أن يجمع الفضل من أطرافه، لخاتم رسله، فأعطاه معجزات حسّيّة؛ لأن الناس ليسوا سواء في الإدراك والتفكير، ومن ثم أوتي من الآيات المتكاثرة ما لم يؤت غيره من الأنبياء .. ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلاً منيفاً على سائر المعجزات! ونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: ما أعطى الله نبيًّا إلا أعطى الله محمدًا ﷺ ما هو أكثر منه، فقيل له: أعطى عيسى ابن مريم إحياء الموتى، فقال الشافعي: حنين الجذع أبلغ؛ لأن حياة الخشبة أبلغ من إحياء الميّت، ولو قيل: كان لموسى فلق البحر، عارضناه بفلق القمر، وذلك أعجب؛ لأنه آية سماويّة، وإن سئلنا عن انفجار الماء من الحجر، عارضناه بانفجار الماء من بين أصابعه ﷺ ؛ لأن خروج الماء من الحجر معتاد، أمّا خروجه من اللحم والدم فأعجب، ولو سئلنا عن تسخير الرياح لسليمان عارضناه بالمعراج! (١) وفي القرآن الكريم قصص لهذه المعجزات .. ومن تتبّع منهج القرآن

стр. 1405

وجد أنه اعتمد في الإقناع على المحاكمة العقليّة، والمشاهد المحسوسة لعظيم آلاء الله، والمعرفة التامّة بالرسول النبيّ الأمّيّ بما يجعل نزول القرآن عليه دليلاً على صدق دعوته: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (العنكبوت)! ومقالة هؤلاء عن الآيات يعنون بها الخوارق المادّيّة التي صاحبت الرسالات من قبل، والتي لا تقوم حجّة إلَّا على الجيل الذي شاهدها .. بينما تقوم حجّة الرسالة الخاتمة على كل من بلغته الدّعوة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .. ومن ثم جاءت آياتها متلوّة في الذكر الحكيم الذين لا تنفد عجائبه، والذي تتفتّح كنوزه لجميع الأجيال في جميع الأحوال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾ (العنكبوت)! وقد أرادت قريش أن تتحدّى الرسول ﷺ بأن يأتيهم بالخوارق الكونيّة، وسجّل القرآن الكريم ذلك في سورة الإسراء: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ

стр. 1406

يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾! فكان الردّ عليهم: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ (الإسراء)! والأمر ليس مجرّد خوارق كونيّة، فالتحدّي قائم بالقرآن الكريم، وفي نفس السورة نقرأ قبل هذه الآيات: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾! ونقرأ التعقيب في الآية التالية: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾ (الإسراء)! وفي نفس السورة نبصر أن التحدّي الأكبر إنما هو بالقرآن الكريم، وأن الهدف الكبير من الإيمان أن يعمل الناس صالحاً وفق ما أراده الله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ ﴿الإسراء: ٥٩)! ونبصر منهج القرآن في بيان أن كثرة الخوارق لا تنشئ الإيمان في القلوب الجاحدة القاسية، والنفوس الميّتة الجاسية، ونحن نقرأ في نفس السورة:

стр. 1407

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾ (الإسراء)! ونبصر موقف أهل الإيمان عقب تلك الآيات مباشرة: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ (الإسراء)! وهكذا تصوّر الآيات مشهد الذين أوتوا العلم من قبله، وهم لا يتمالكون أنفسهم .. وتنطلق ألسنتهم بما خالج مشاعرهم من إحساس عميق بالحق، ويغلبهم التأثّر البالغ، فلا تكفي الكلمات في تصوير ما يجيش في صدورهم، فإذا القطرات التي تكوّنت خشوعاً، وتجمّعت خضوعاً، تتساقط دموعاً! ونبصر تسجيل القرآن الكريم لهذه الآية في أول سورة الإسراء:

стр. 1408

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ (الإسراء)! ونبصرها منحةً ربَّانيَّة بعد اشتداد المحن .. ونبصر التنزيه والتقديس في مطلع تلك الآية .. كما نبصر الحمد في ختام السورة: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ (الإسراء)! انشقاق القمر: ويطالعنا قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ (القمر)! إنه مطلع باهر مثير، على حادث كونيّ كبير، وإرهاص بحادث أكبر، لا يُقاس إليه ذلك الحدث الكونيّ الكبير: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾!

стр. 1409

يا له من إرهاص! ويا له من خبر! لقد رأوا الحدث الأوّل فلم يبق إلا أن ينتظروا الحدث الأكبر .. وتمضي الآيات واضحة الدلالة .. والروايات عن انشقاق القمر، ورؤية العرب له في حالة انشقاقه ثابتة وفق قواعد التحديث رواية ودراية .. يروي الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن مسعود ﷺ قال: انشقّ القمر على عهد النبي ﷺ شقّين، فقال النبي ﷺ : "اشهدوا" (١)! وفي رواية عن أنس ﷺ : أن أهل مكّة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر. (٢) وفي رواية عن ابن عباس ﵄: أن القمر انشقّ زمان النبي ﷺ . (٣)

стр. 1410

تلك أهم روايات انشقاق القمر .. تحددّ مكان الحادث وزمانه وهيئته .. وهي آية واجه بها القرآن الكريم المشركين في حينه، ولم يرو عنهم تكذيب لوقوعه، فلا بد أن يكون قد وقع فعلاً بصورة يتعذَّر معها التكذيب (١)، ولو على سبيل المراء الذي كانوا يمارونه في الآيات، لو وجدوا منفذاً للتكذيب، وكل ما روي عنهم أنهم قالوا: سحرنا! ولكنهم هم أنفسهم اختبروا الأمر، فعرفوا أنه ليس بسحر، فلئن كان قد سحرهم فإنه لا يسحر المسافرين خارج مكة الذين رأوا الحادث وشهدوا به، حين سئلوا عنه، كما في بعض الروايات! ونبصر توجيه القلب البشريّ إلى آيات الله القائمة في الأنفس والآفاق، وفي أحداث التاريخ سواء .. ومن ثم نبصر الإشارة إلى اقتراب الساعة، باعتبار هذه البشارة لمسة للقلب البشريّ ليستيقظ ويستجيب! وانشقاق القمر إذن كان آيةً كونيّةً يوجه القرآن الكريم القلوب إليها، كما يوجّهها دائماً إلى الآيات الكونيّة الأخرى، ويعجب من أمرهم وموقفهم إزاءها، كما يعجب من مواقفهم تجاه آيات الله الكونيّة الأخرى! إن الخوارق الحسّيّة قد تدهش القلب البشريّ في طفولته، قبل أن يتهيأ لإدراك الآيات الكونيّة القائمة الدائمة والتأثر بإيقاعها الثابت الهادئ ..

стр. 1411

وكل الخوارق التي ظهرت على أيدي الرسل عليهم صلوات الله وتسليماته، قبل أن تبلغ البشريّة الرشد والنضوج يوجد في الكون ما هو أكبر منها وأضخم، وإن كان لا يستثير الحسّ البدائي كما تستثيره تلك الخوارق! والقمر في ذاته آية أكبر! هذا الكوكب بحجمه، ووضعه، وشكله، وطبيعته، ومنازله، ودورته، وآثاره في حياة الأرض، وقيامه هكذا في الفضاء بغير عمد! هذه هي الآية الكبرى القائمة الدائمة حيال الأبصار وحيال القلوب، توقع إيقاعها، وتلقي ظلالها، وتقوم أمام الحسّ شاهداً على القدرة المبدعة التي يصعب إنكارها إلا عناداً أو مراءً! وقد جاء القرآن ليقف بالقلب البشريّ في مواجهة الكون كله، وما فيه من آيات الله القائمة الثابتة، ويصله بهذا الكون وآيات الله فيه في كل لحظة لا مرّة عارضة في زمان محدود، يشهدها جيل من الناس في مكان محدود! والكون كله هو مجال النظر والتأمّل في آيات الله التي لا تنفد، ولا تذهب، ولا تغيب، وهو بجملته آية، وكل صغيرة فيه وكبيرة آية .. والقلب البشريّ مدعوّ في كل لحظة لمشاهدة الخوارق القائمة الدائمة، والاستماع إلى شهادتها الفاصلة الحاسمة .. وعجائب الإبدل الممتعة، التي يلتقي فيها الجمال بالكمال، والتي تستجيش انفعال الدهش والحيرة مع وجدان الإيمان والاقتناع الهادئ العميق! ونبصر في مطلع السورة تلك الإشارة إلى اقتراب الساعة وانشقاق

стр. 1412

القمر، إيقاعاً يهزّ القلب البشريّ هزًّا، وهو يتوقّع الساعة التي اقتربت، ويتأمّل الآية التي وقعت، ويتصوّر أحداث الساعة في ظل هذا الحدث الكونيّ الذي رآه المخاطبون بهذا الإيقاع المثير! ومع اقتراب الموعد المرهوب، ووقوع الحادث الكونيّ المثير، وقيام الآيات التي يرونها في صور شتّى .. فإن تلك القلوب كانت تلج في العناد، وتصرّ على الضلال، ولا تتأثّر بالوعيد كما لا تتأثّر بإيقاع الآيات الكثيرة الكافية للعظة والكفّ عن التكذيب! (١) نبع الماء من بين أصابع النبيّ ﷺ -: ويطالعنا نبع الماء من بين أصابع النبيّ ﷺ فيما رواه الشيخان وغيرهما عن سالم عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قد رأيتني مع النبيّ ﷺ ، وقد حضرت العصر. وليس معنا ماءٌ غير فضلة، فجعل في إناء، فأتى النبي ﷺ به، فأدخل يده فيه، وفرّج أصابعه، ثم قال: "حيَّ على أهل الوضوء، البركة من الله" فلقد رأيت الماء يتفجّر من بين أصابعه، فتوضّأ الناس وشربوا، فجعلت لا آلو ما جعلت في بطني منه، فعلمت أنه بركة. قلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألف وأربعمائة! (٢)

стр. 1413

وفي رواية عن أنس ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ ، وحانت صلا العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأُتي رسول الله ﷺ بوضوء، فوضع رسول الله ﷺ في ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضّؤوا منه. قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، حتّى توضّؤوا عن آخرهم. (١) وفي رواية عن عبد الله ﵁ قال: كنا نعدّ الآيات بركةً، وأنتم تعدّونها تخويفاً، كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر فَقَلَّ الماء، فقال: اطلبوا فضلةً من ماء، فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخَل يده في الإناء، ثم قال: "حَيَّ على الطهور المبارك، والبركة من الله" فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. (٢)

стр. 1414

تكثير الطعام القليل: ويطالعنا تكثير الطعام القليل فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أنس قال: قال أبو طلحة لأمّ سُليم: لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفاً، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم، فأخرجت أقراصاً من شعير، ثم أخرجتْ خماراً لها، فلفّت الخُبز ببعضه، ثم دسّته تحت يدي، ولا ثتني ببعضه، ثم أرسلتْني إلى رسول الله ﷺ ، قال: فذهبْتُ به، فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد، ومعه الناس، فقمْتُ عليهم، فقال لي رسول الله ﷺ : "آرْسَلَكَ أبو طلحة؟ " فقلت: نعم، قال: "بطعام" قلت: نعم، فقال رسول الله ﷺ لمن معه: "قوموا". فانطلق وانطلقْتُ بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أمّ سُليم، قد جاء رسول الله ﷺ بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ ، فأقبل رسولُ الله ﷺ وأبو طلحة معه، فقال رسول الله ﷺ : "هَلُمِّي يا أمّ سُليم ما عندك"، فأتتْ بذلك الخُبْز، فأمر به رسول الله ﷺ ففُتَّ، وعصرت أمّ سُليم عُكَّةً فأدَمَتْه، ثم قَال رسول الله ﷺ فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة"، فأذن لهم، فأكلوا حتى

стр. 1415

شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة" فأكل القوم كلهم حتى شبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلاً! (١) وتعددت الروايات في ذلك! حنين الجذع: ويطالعنا حنين الجذع فيما رواه البخاري وغيره عن جابر عبد الله ﵄ قال: إن النبيّ ﷺ كان يقوم إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار - أو رجل: يا رسول الله! ألا نجعل لك منبراً؟ قال: "إن شئتم" فجعلوا له منبراً، فلما كان يوم الجمعة دُفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصّبيّ، ثم نزل النبي ﷺ فضمّه إليه، يئن أنين الصَّبيّ الذي يُسكَّن، قال: "كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها"! وفي رواية: كان المسجد مسقوفاً على جذوع من نخل، فكان النبيّ ﷺ إذا خطب يقوم إلى جِذْع منها، فلما صُنع له المنبر فكان عليه، فسمعنا

стр. 1416

لذلك الجذعِ صَوْتاً كصوت العِشَارِ، حتى جاء النبيّ ﷺ فوضع يده عليها، فسَكنت! وفي رواية: كان رسول الله ﷺ يقوم إلى أصل شجرة -أو قال: إلى جذع- ثم اتخذ منبراً، قال: فحنّ الجذع، قال جابر: حتى سمعه أهل المسجد، حتى أتاه رسول الله ﷺ فمسحه فسكن، فقال بعضهم: لو لم يأته، لحَنَّ أبداً إلى يوم القيامة! (١) قال ابن حجر (٢): وفي حديث أبي الزبير عن جابر عند النسائي في الكبير: اضطربت تلك السارية كحنين الناقة الخلوج - والخلوج: الناقة التي انتزع منها ولدها. وفي حديث أنس عند ابن خزيمة: فحنّت الخشبة حنين الوالد! وفي روايته الأخرى عند الدارمي: خار ذلك الجذع كخوار الثور! وفي حديث أبيّ بن كعب عند أحمد والدارمي وابن ماجه: فلما جاوزه خار الجذع حتى تصدعّ وانشق!

стр. 1417

وفي حديثه: فأخذ أبيّ بن كعب ذلك الجذع لمَّا هدم المسجد، فلم يزل عنده، حتى بلي وعاد رفاتاً! ثم قال: وفي حديث بريدة عند الدارمي، أن النبيّ ﷺ قال له: "اختر أن أغرسك في المكان الذي كنت فيه، فتكون كما كنت -يعني قبل أن تفسير جذعاً- وإن شئت أن أغرسك في الجنّة، فتشرب من أنهارها، فيحسن نبتك وتثمر، فيأكل منك أولياء الله، فقال النبي ﷺ : "اختار أن أغرسه في الجنة". قال البيهقي: قصّة حنين الجذع من الأمور الظاهرة، التي حملها الخلف عن السلف ... وفي الحديث دلالة على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكاً كالحيوان، بل كأشرف الحيوان، وفيه تأييد لقول من يحمل ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ﴾ (الإسراء: ٤٤)! على ظاهره، وقد نقل ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن أبيه عن عمرو بن سواد عن الشافعي قال: -كما سبق- ما أعطى الله نبيًّا ما أعطى محمداً، فقلت: أُعطي عيسى إحياء الموتى، قال: أعطى الله محمداً حنين الجذع، حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذاك! ويطول بنا الحديث لو حاولنا ذكر الأحاديث في استجابة الجمادات لدعائه ﷺ لها وإتيانها إليه .. وإبراء المرضى وردّ ما انفصل من أعضاء الإنسان .. وغير ذلك من الروايات الصحيحة وفق قواعد التحديث رواية ودراية!

стр. 1418

التحدّي بالقرآن: وهذه الآيات المعجزة، والعجائب الخارقة للعادة، على كثرتها وتنوّعها، وصحة وقوع حوادثها، لم يقع بها التحدّي العام لإثبات دعوى الرسالة، كما وقع بالقرآن الكريم، الذي تحدّى العالمين، فكان هو بذاته ونصّه موطن الدعوة والشاهد على صدقها شهادة بلغت مبلغ اليقين (١)، فقد أهاب القرآن الكريم بغطارفة المشركين الوثنيين، وكانوا أرفع البشر فصاحة، وأبلغهم بياناً، وأروعهم بلاغة، وأبرعهم منطقاً، وأذربهم ألسنة، وأهداهم إلى طريق البراعة البيانيّة سبيلاً، وكانوا يدلّون على الناس بصفاء قرائحهم وحدّة مداركهم، فتحدّاهم أن يأتوا بحديث مثله، آية فما فوقها، وقد تدرّج معهم التحدّي بعشر سور من مثله، ثم إلى سورة واحدة، ولم يتركهم بعد هذه المراتب المتدرّجة حتى غمز قناتهم، وأذلّ استكبارهم، وسخر بغرورهم، وهزأ بتنفّجهم وغطرستهم، فأنبأهم وهو يتحدّاهم بأنهم عاجزون عن معارضته عجزاً لا تواتيهم فيه قدرة على هذه المعارضة، في أي صور التحدّي المتدرجّ، فقال لهم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ (البقرة)!

стр. 1419

ثم أيأسهم بما وخز عنجهيّتهم وخزاً موجعاً، لا أمل من ورائه قطّ في المعارضة، فقال الله لرسوله محمَّد ﷺ : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ (الإسراء)! وذكر الجنّ في هذه الآية بيان لبلوغ التحدّي والتعجيز غاية يقف عندها غرور التفاصح الأجوف ذليلاً خزيان لا يبين! فالآيات الحسّيّة المادّيّة التي أعطيها نبيّنا محمَّد ﷺ كانت تشريفاً وتكريماً له، وإشارةً بمنزلته عند ربّه، وتنبيهاً للغافلين الذين لم تتبوأ عقولهم مكانتها من الرشد في الإدراك، حتى تتكامل له ﷺ دعائم تبليغ رسالته في عمومها وخلودها، ليجد فيها وفي وسائل عرضها كل عقل إنسانيّ طلبته المصاحبة لاستعداده، حتى إذا نهض من كبوة جهله، واستشرف آفاق العلم والمعرفة وجد أمامه القرآن العظيم كتاباً محكماً حكيماً، صدوق الدّلالة، عميق البرهنة، سيّال الفكرة، منطلق الحقائق، غزير المعاني، لطيف المأخذ، خالد التحدّي، أَبَديّ الإعجاز بهدايته، مهيمناً على ما جاء به الأنبياء والمرسلون من آيات قاهرة، على مثلها يؤمن البشر: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ (فصلت)! ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (فصلت)!

стр. 1420

قال الدكتور دراز (١) ﵀: إن التاريخ سجّل على أهل اللغة أنفسهم في عصر نزول القرآن، وما أدراك ما عصر نزول القرآن؟ هو أزهى عصور البيان العربي، وأرقى أدوار التهذيب اللغوي، وهل بلغت المجامع اللغويّة في أمّة من الأمم ما بلغته العربيّة في ذلك العصر من العناية بلغتها، حتّى أدركت هذه اللغة أشدّها، وتمّ لها بقدر الطاقة البشريّة تهذيب كلماتها وأساليبها؟! ما هذه المجموع المحتشدة في الصحراء؟! وما هذه المنابر المرفوعة هنا وهناك؟! إنها أسواق العرب تعرض فيها أنفس بضائعهم، وأجود صناعتهم، وما هي إلا بضاعة الكلام، وصناعة الشعر والخطابة، يتبارون في عرضها، واختيار أحسنها، والمفاخرة بها، ويتنافسون فيها أشدّ التنافس، يستوي في ذلك رجالهم ونساؤهم، وما أمْرُ حسَّان والخنساء وغيرهما بخاف على متأدّب! فما هو إلا أن جاء القرآن .. وإذا الأسواق قد انفضّت، إلا منه، وإذا الأندية قد صفرت، إلا عنه، فما قدر أحد منهم أن يباريه أو يجاريه، أو يقترح فيه إبدال كلمة بكلمة، أو حذف كلمة أو زيادة كلمة، أو تقديم واحدة وتأخير أخرى! ذلك على أنه لم يسدّ عليهم باب المعارضة، بل فتحه على مصراعيه، بل دعاهم إليه أفراداً أو جماعات، بل تحدّاهم وكرّر عليهم ذلك التحدّي في صور شتّى، متهكّماً بهم، متنزّلأَ معهم إلى الأخفّ فالأخفّ: فدعاهم أول مرة أن يجيئوا بمثله! ثم دعاهم أن يأتوا بعشر سور مثله!

стр. 1421

ثم بسورة واحدة من مثله! انظر كيف تنزّل معهم في هذه المرتبة من طلب المماثل إلى طلب شيء مما يماثل، كأنه يقول: لا أكلفكم بالمماثلة العامة، بل حسبكم أن تأتوا بشيء فيه جنس المماثلة ومطلقها، وبما يكون مثلاً على التقريب لا التحديد! وهذا أقصى ما يمكن من التنزّل، ولذا كان هو آخر صنيع التحدّي نزولاً، فلم يجيء التحدّي بلفظ (من مثل) إلا في سورة البقرة المدنيّة، وسائر المراتب بلفظ (مثله) في السور التي نزلت قبل ذلك بمكّة! فتأمّل هذا الفرق فإنه طريف، وأسأل الله أن يوفقنا وإيّاك لفهم أسرار كتابه والانتفاع بهدايته وآدابه! وأباح لهم في كل مرّة أن يستعينوا بمن شاؤوا ومن استطاعوا، ثم رماهم والعالم كله بالعجز في غير مواربة، فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ (الإسراء) وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ (البقرة: ٢٤)! فانظر أيّ إلهاب! وأيّ استفزاز!

стр. 1422

لقد أجهز عليهم بالحكم الباب المؤبد في قوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾! ثم هدّدهم بالنار! ثم سوّاهم بالأحجار! فلعمري لو كان فيهم لسان يتحرّك لما صمتوا عند منافسته، وهم الأعداء الألدّاء، وأباة الضيم الأعزّاء، وقد أصاب منهم موضع عزتهم وفخارهم، ولكنهم لم يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى معارضته، ولا سلماً يصعدون به إلى مزاحمته، بل وجدوا أنفسهم منه أمام طود شامخ، فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً .. حتى إذا استيأسوا من قدرتهم واستيقنوا عجزهم ما كان جوابهم إلا أن ركبوا متن الحتوف، واستنطقوا السيف بدل الحروف، وتلك هي الحيلة التي يلجأ إليها كلّ مغلوب! الحجّة والبرهان، وكل من لا يستطيع دفعاً عن نفسه بالقلم واللسان! ومضى عصر نزول القرآن، والتحدّي قائم، ليجرّب كل امرئ نفسه .. وجاء العصر الذي بعده، وفي البادية وأطرافها أقوام لم تختلط أنسابهم، ولم تنحرف ألسنتهم، ولم تتغيّر سليقتهم، وفيهم من لو استطاعوا أن يأتوا هذا الدّين من أساسه، ويثبتوا أنهم قادرون من أمر القرآن، على ما عجز عنه أوائلهم لفعلوا، ولكنهم ذلت أعناقهم له خاضعين، وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فُعل بأشياعهم من قبل! ثم مضت تلك القرون، وورث هذه اللغة عن أهلها الوارثون .. غير أن هؤلاء الذين جاؤوا من بعد، كانوا أشدّ عجزاً، وأقلّ طمعاً، في هذا المطلب العزيز، فكانت شهادتهم على أنفسهم مضافة إلى شهادة التاريخ على أسلافهم، وكان برهان هذا الإعجاز قائماً أمامهم من طريقين:

стр. 1423

وجداني! وبرهاني! ولا يزال هذا دأب الناس والقرآن، حتى يرث الله الأرض ومن عليها! آية الإسراء أرفع المراتب: وقد كان فيما أوتيه نبيّنا محمَّد ﷺ من الآيات الحسّيّة المادّيّة آيات جمعت أرفع مراتب التشريف، وأعلى درجات التكريم، وأبلغ منازل التعظيم، لم يعط مثلها نبيّ من الأنبياء، انفردت بنصّ قرآنيّ، أثبتها منوِّهاً بخطر قدرها، وهو نصّ صريح لا يقبل التأويل، ولا يحتمل الجدل، ذلك هو آية الإسراء، التي يقول الله تعالى في شأنها: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ (الإسراء)! ومن ثمَّ كان جحود وقوع آية الإسراء، وإنكار وجودها مُخرجاً عن ملّة الإِسلام بإجماع المسلمين؛ لأنه إنكار لنصّ قرآنيّ صريح، وخرق لإجماع الأمّة إجماعاً لم يعرف له مخالف من المسلمين كافة، عامّتهم وخاصّتهم، والتأوّل في كيفيّة وقوع هذه الآية العجيبة العظيمة، وكونها وقعت بالجسد والرّوح معاً، أي بالصورة البشريّة التي يطلق عليها لفظ (عبد) كما هو اعتقاد جمهور المسلمين، من عهد الصحابة ﵃، وإلى أن يرث

стр. 1424

الله الأرض ومن عليها .. أو وقعت بالرّوح فقط، أو رؤيا مناميّة رآها ﷺ ، كما نسب إلى آحاد في روايات لا تقوم لها أسانيد- لا يخدش إجماع المسلمين على أن الله تعالى أسرى بعبده محمَّد ﷺ ! مفهوم الإسراء: والإسراء مصدر أسرى، مأخوذ من السرى، وهو سير الليل، تقول: أسرى وسرى إذا سار ليلاً بمعنى، هذا قول الأكثر، وقال الحوفي: أسرى: سار ليلاً، وسرى: سار نهاراً، وقيل: أسرى: سار من أول الليل، وسرى: سار من آخره، وهذا أقرب! (١) مفهوم المعراج: أمَّا المعراج فهو مفعال من العروج، ويطلق على الصعود، وكأنه آلة له، وأصله: عَرَج -بفتح الراء-يعرُج- بضمّها: إذا صعد، وسيأتي في الأحاديث أن النبي ﷺ عُرج به إلى السماوات السبع فما فوقها، ورجع من ليلته، وبهذا يتضح أن المعراج يطلق على صعود النبي ﷺ إلى السماوات السبع وما فوقها، ورجوعه في جزء من الليل! (٢)

стр. 1425

حكم الإسراء والمعراج: والإسراء -كما عرفنا- ثابت بالقرآن الكريم، وثابت أيضاً بالأحاديث الكثيرة (١) التي رواها الشيخان وغيرهما -كما سيأتي-، وقد تواترت (٢) الأخبار بأنه ﷺ أسري به على البراق، وعليه فالإسراء، متواتر، وكونه على البراق كذلك! ونقل ابن كثير (٣) عن أبي الخطاب عمر بن دحية في كتابه (التنوير في مولد السراج المنير) قوله: تواترت الروايات في حديث الإسراء ... ثم قال: فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ (الصف)! أما المعراج فقد أشار إليه القرآن الكريم -كما سيأتي- وثبت بالأحاديث الصحيحة التي رواها الشيخان وغيرهما، ولذلك لا يجوز إنكاره! ولا شك أن قطع مسافة تضرب أكباد الإبل لقطعها شهراً مصعدةً، وشهراً آيبةً، في جزء من الليل أمر خارق لنواميس الطبيعة وقوانينها، ونظمها التي أقامها الله على سنن عامّة في ترابط ذرّات الكون وعناصره، تسير عليها منذ أوجد الله تعالى بقدرته هذا الكون العظيم!

стр. 1426

ونعود إلى قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ (الإسراء)! نعود فنبصر سورة الإسراء تبدأ بتسبيح الله، وهو أليق حركة نفسيّة تتَّسق مع جوّ الإسراء اللطيف، وأليق صلة بين العبد والرّبّ في ذلك الأفق الوضيء! وهذا لا يقال إلا في الأمور المستبعدة عادة لتعاظمها (١)، والتي لا تألفها مدارك العقول في متعارف الحياة، وقد تنكرها لأوّل وهلة، نظراً للسنن العامّة التي قام عليها نظام الكون وطبيعة الترابط بين عناصره ومكوّناته، فإذا رُميت بسهم التأمّل ومعرفة اقتدار الله تعالى وقهره لكل مخلوق له من مادّة أو نظام، رجعت العقول إلى التصديق والقبول، ما لم يصدّها العناد المستكبر، وآمنت بأن لله تعالى في عظمة اقتداره وقهر سلطانه سنناً خاصّة لها أسبابها ومناسباتها وأزمانها وأحداثها ودواعيها؛ لأن الألوهيّة الحقّة القاهرة القادرة المدبّرة الحكيمة لا تقيّدها من مخلوقة لها مرئيّة أو معلومة، لدى العقول، أو معتادة في متعارف الحياة ومألوفاتها، بل إن هذه الألوهيّة الحقّة تقتضي أن يكون الإطلاق الكامل حقًّا لها في مشيئة كينونة ما تشاء كونه! ولكن ذلك يجري على نظام خاصّ مقدّر -وهو ما سمّيناه بالسنن الخاصّة التي تقتضيها مناسباتها في أزمانها وأشخاصها وأحدائها- شُرِّف به

стр. 1427

نبيّنا محمَّد ﷺ ووقع له بحالته الطبيعيّة الكاملة بشريّةً وروحاً، فلم تفقد روحه جسمه، ولم يُفارق جسمه روحَه، بل أسرى بهما ربّ العزة جل شأنه، وهذه الحالة الكاملة لشخص النبيّ ﷺ التي لا تفارق فيها الرُّوح جسمَها المقدور لها في الحياة به ومعه في تلازم امتزاجيّ لا يعرف حقيقته إلا الله تعالى هي التي يطلق عليها في لغة العرب عند التفاهم، وفي عرف الناس كافّةً عند التعامل تعريفاً لفظ (عبد)، كما جاء في آية الإسراء ويتأكّد ذلك بإضافة التشريف والتكريم لهذا العبد المكرّم التي خصّه الله بها في هذا المقام، فقال: ﴿سُبحَانَ الَّذِي أَسرَى بِعَبدِهِ﴾! لاستشعار وقوع ما لم يكن في حسبان العقول، وقد جرى عرف القرآن الأسلوبي على ذلك، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبدُ اللهِ يَدْعُوهُ﴾ (الجن: ١٩)! والقائم الذي يدعو الله هو الشخص المؤلف من روح وجسد، ويزيد ذلك تأكيداً تحديد مبدأ الإسراء ونهايته، وهذا في المتعارف لدى العقول لا يقال إلا في أمر مادّيّ يفيد الانتقال من مكان إلى مكان! فالإسراء كان قطعاً بمقتضى منطوق الآية الكريمة ومفهومها وإشاراتها ولوائحها بأكمل ما يطلق عليه لفظ (عبد)، وهو شخص النبيّ ﷺ المكوّن من روحه وجسده، لم تُفارق روحُه جسدَه، ولم يفقد جسدُه روحَه في جميع لحظات الرحلة المباركة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومن المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام ذهاباً وأوبةً، فلا وجه مطلقاً لصرف هذه الحقيقة عن وجهها الذي تدلّ عليه الآية دلالةً بيّنةً!

стр. 1428

أهم الأحاديث: والأحاديث في الإسراء والمعراج كثيرة، يطالعنا منها ما يلي: الحديث الأول: ونجد أنفسنا أمام الحديث الأول، وهو أجود أحاديث الإسراء والمعراج وأتقنها -كما يقول السيوطي (١) - وهو حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، فإنه أجود وأتقن، وقد سلم ممَّا في غيره من التعارض -كما سيأتي: قال مسلم: حدّثنا شيبان بن فرّوخ. حدّثنا حمّاد بن سلمة. حدّثنا ثابت البُنَاني، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: "أُتيتُ بالبُراق (وهو دابةٌ أبيض طويلٌ فوق الحمار ودون البَغْل، يضع حافره عند فنتَهى طَرفه) قال: فركبتُه حتى أتيتُ بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة التي يَربِطُ به (٢) الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد فصلّيت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جُبريل ﵇ بإِناء من خمر وإِناء من لَبنٍ، فاخترت اللّبن، فقال جبريل ﷺ : اخترت الفطرة! ثم عرج بنا إِلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال:

стр. 1429

جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بُعِت إِليه؟ قال: قد بُعث إِليه، فَفُتِحَ لنا، فإذا أنا بآدم، فرحّب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إِلى السماء الثانية، فاستفتح جبريلُ ﵇، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بُعِثَ إِليه؟ قال: قد بُعِثَ إِليه، فَفُتِحَ لنا، فإِذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم، ويحيى بن ذكريَّاءَ صلوات الله عليهما، فرحَّبَا ودعَوَا لِي بخير. ثم عَرَج بِي إِلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد ﷺ ، قيل: وقد بُعِثَ إِليه؟ قال: قد بُعِثَ إِليه، فَفُتِحَ لنا، فإِذا أنا بيوسف ﷺ ، إِذا هو قد أُعطي شَطر الحُسْن، فرحّب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إِلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل ﵇؟ قيل: مَنْ هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قال: وقد بُعِثَ إِليه؟ قال: قد بُعثَ إِليه، فَفُتِح لنا، فإِذا أنا بإِدريس، فرحّب ودعا لي بخير، قال الله : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ (مريم)! ثم عرج بنا إِلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد. قيل: وقد بُعِثَ إِليه؟ قال: قد بُعِث إِليه، ففتح لنا، فإِذا أنا بهارون ﷺ ، فرحّب ودعا لي بخير.

стр. 1430

ثم عرج بنا إِلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بُعِثَ إِليه؟ قال: قد بُعِثَ إِليه، فَفُتِحَ لنا، فإِذا أنا بموسى ﷺ ، فرحَّب ودعا لي بخير! ثم عرج (١) إِلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد ﷺ ، قيل: وقد بُعِثَ إِليه؟ قال: قد بُعِثَ إِليه، فَفُتِحَ لنا، فإِذا أنا بإِبراهيم ﷺ ، مسنداً ظهره إِلى البيت المعمور، وإِذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إِليه! ثم ذهب بي إِلى السِّدرة المنتهى (٢)، وإِذا ورقُها كآذان الفِيَلَةِ، وإِذا ثمرها كالقِلال (٣)، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيّرت، فما أحدٌ من خلق الله يستطيع أن يَنْعتها من حُسْنها، فأوحى الله إِليَّ ما أوحى، ففرض عليَّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إِلى موسى ﷺ ، فقال: ما فرض ربك على أمّتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال:

стр. 1431

ارجع إِلى ربّك، فاسأله التخفيف، فإِن أمّتك لا يطيقون ذلك، فإِنّي قد بَلَوْت بني إِسرائيل وخَبَرْتُهُم! قال: فرجعت إِلى ربّي فقلت: يا ربِّ! خَفِّف على أمّتي، فحطَّ عنِّي خمساً، فرجعتُ إِلى موسى فقلت: حطّ عَنِّي خمساً! قال: إِن أمّتك لا يطيقون ذلك، فارجع إِلى ربّك فاسأله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربّي ﵎ وبين موسى ﵇، حتى قال: يا محمَّد! إِنّهن خمسُ صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومَن هَمَّ بحسنة فلم يعْملها كُتِبَتْ له حسنة، فإِن عملها كُتِبَتْ عشراً، وَمَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فلم يعملها لم تكتب شيئاً، فإِن عملها كُتِبَتْ سَيِّئَةً واحدة! قال: فنزلت حتى انتَهَيتُ إِلى موسى ﷺ فأخبرته، فقال: ارجع إِلى ربِّك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله ﷺ ، فقلت: قد رجَعْت إِلى ربِّي حتى استَحيَيْتُ منه! " (١)

стр. 1432

قلت: سلم هذا الحديث من التعارض الذي سيأتي -كما قال السيوطي- ولذا قدّمته على غيره في الترتيب، وأيضاً ذكر الإسراء إلى بيت المقدس قبل المعرج، وفيه إثبات أن النبيّ ﷺ أتى بيت المقدس في ليلة المعراج، وبه قال الجمهور! الحديث الثاني: يروي الشيخان وغيرهما عن ابن شهاب عن أنس بن مالك، قال: كان أبو ذرٍّ يحدّث أن رسول الله ﷺ قال: "فُرِجَ (١) عن سقف بيتي وأنا بمكّة، فنزل جبريل ففرج (٢) صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بِطسْتٍ (٣) من ذهب ممتلئٍ حكمةً وإِيماناً، فأفرغَه في صدري، ثم أطبقه! ثم أخذ بيدي، فَعَرَجَ بي إِلى السماء الدنيا، فلمَّا جئت إِلى السماء الدّنيا، قال جبريل لخازن السماء: افتح، قال: مَنْ هذا؟ قال: هذا جبريل، قال: هل معك أحد؟ قال: نعم، معي محمَّد ﷺ ، فقال: أرسل إِليه؟ قال: نعم، فلمّا فَتَحَ علونا السماء الدنيا، فإِذا رجلٌ قاعدٌ على يمينه أسودَةٌ (٤)، وعلى يساره أسودةٌ، إِذا نظر قِبَل يساره بكى،

стр. 1433

فقال: مرحباً بالنبيّ الصالح، والابن الصالح، قلت لجبريل: مَن هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نَسَمُ بَنِيه، فأهل اليمين منهم هم أهل الجنّة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإِذا نَظر عن يمينه ضحك، وإِذا نَظَر قبَل شماله بكى! حتى عرج بي إِلى السماء الثانية فقال لخازنها: افْتَحَ، فقال له خازنها مثل ما قال الأول، ففتح"! قال أنس: فذكر أنه وجد في السماوات آدم، وإِدريس، وموسى، وعيسى، وإِبراهيم، صلوات الله عليهم، ولم يثْبِتْ كذلك منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدّنيا، وإِبراهيم في السماء السادسة! قال أنس: فلمّا مرَّ جبريل بالنبي ﷺ قال: مرحباً بالنبيّ الصالح، والأخ الصالح، فقلت: "مَن هذا؟ " قال: هذا إِدريس! ثمَ مررت بموسى فقال: مرحباً بالنبيّ الصالح، والأخ الصالح، قلت: "من هذا؟ " قال: هذا موسى! ثمَّ مررت بعيسى فقال: مرحباً بالأخ الصالح، والنبيّ الصالح، "من هذا؟ " قال: هذا عيسى! ثمّ مررت بإِبراهيم فقال: مرحباً بالنبيّ الصالح، والابن الصالح، قلت: "من هذا؟ " قال: هذا إِبراهيم ﷺ !

стр. 1434

قال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس، وأبا حَبَّةَ الأنصاري، كانا يقولان: قال النبي ﷺ : "ثم عُرِجَ بي حتّى ظهرتُ لِمُستَوى أسمع فيه صَرِيف (١) الأقلام"! قال ابن حزم، وأنس بن مالك: قال النبيّ ﷺ : "فَفَرض الله على أمّتي خمسين صلاة، فرجعتُ بذلك، حتى مررْتُ على موسى، فقال: ما فَرَضَ الله لك على أُمَّتِك؟ قلت: فرض خمسين صلاةً، قال: فارجِعْ إِلى ربّك، فإِن أُمَّتَك لا تطيق ذلك، فراجعني فوضَع شَطرها (٢)، فرجعت إِلى موسى، قلت: وضعَ شطْرها، فقال: راجع ربّك، فإِن أمّتك لا تُطيق، فراجعت فوضَعَ شَطرَها، فرجعت إِليه، فقال: ارجِعْ إِلى ربّك، فإِن أمّتك لا تُطيق ذلك، فراجعتُه فقال: هي خمس وهي خمسون، لا يُبَدّل القول لديَّ، فرجعت إِلى موسى فقال: راجِع ربّك، فقلت: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ ربِّي، ثم انطلق إِلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدْرِي ما هيَ، ثم أُدخِلْتُ

стр. 1435

الجنَّة، فإِذا فيها حبايل (١) اللؤلؤِ، وإِذا تُرَابُها الْمِسْكُ". (٢)

стр. 1436

الحديث الثالث: ويروي الشيخان وغيرهما عند قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة ﵄ قال: قال ﷺ : "بينا أنا عند البيت، بين النائم واليقظان -وذكر-يعني رجلاً بين الرجلين- فأُتيتُ بطستٍ من ذهبٍ ملآن حكمةً وإِيماناً، فشقَّ من النحر إِلى مراقّ (١) البطن، ثم غُسل البطن بماء زمزم، ثم ملئ حكمةً وإِيماناً. وأُتِيتُ بدابّة أبيض، دون البغل وفوق الحمار: البراق، فانطلقت مع جبريل، حتى أتينا السماء الدّنيا، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أُرسل إِليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على آدم، فسلّمت عليه، فقال؛ مرحباً بك من ابن ونبيّ! فأتينا السماء الثانية، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد ﷺ ، قيل: أُرسل إِليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على عيسى ويحيى، فقالا: مرحباً بك من أخٍ ونبيّ! فأتينا السماء الثالثة، قيل مَن هذا؟ قيل: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أرسل إِليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به

стр. 1437

ولنعم المجيء جاء، فأتيت على يوسف، فسلّمت، فقال: مرحباً بك من أخٍ ونبيّ! فأتينا السماء الرابعة، قيل: مَن هذا؟ قيل: جبريل؟ قيل: من معك؟ قيل: محمَّد ﷺ ، قيل: وقد أُرسل إِليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على إِدريس، فسلّمت عليه، فقال: مرحباً بك من أخٍ ونبيّ! فأتينا السماء الخامسة، قيل: مَن هذا؟ قيل: جبريل، قيل: ومَن معك؟ قال: محمَّد ﷺ ، قيل: وقد أُرسل إِليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على هارون فسلّمت عليه، فقال: مرحباً بك من أخٍ ونبيّ! فأتينا على السماء السادسة، قيل: مَن هذا؟ قيل: جبريل، قيل: مَن معك؟ قيل: محمَّد ﷺ ، قِيل: وقد أُرسل إِليه؟ مرحباً به، نعم المجيء جاء، فأتيت على موسى فسلّمت عليه، فقال: مرحباً بك من أخٍ ونبيّ، فلمَّا جاوزت بكى، قيل: ما أبكاك؟ قال: يا ربّ! هذا الغلام الذي بُعث بعدي، يدخل الجنّة من أمّته أفضل مما يدخل من أمّتي! فأتينا السماء السابعة، قيل: مَن هذا؟ قيل: جبريل، قيل: مَن معك؟ قيل: محمَّد، قيل: وقد أُرسل إِليه؟ مرحباً به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على إِبراهيم، فسلّمت عليه، فقال: مرحباً بك من ابن ونبيّ!

стр. 1438

فَرُفِع لي البيت العمور، فسألت جبريل، فقال: هذا البيت المعمور، يصلّي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إِذا خرجوا لم يعودوا إِليه آخر ما عليهم! ورُفعَت لي سدرة المنتهى، فإِذا نبقها كأنه قلال هجر، وورقها كأنه آذان الفيلة، في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فسألت جبريل، فقال: أما الباطنان ففي الجنّة، وأمّا الظاهران النيل والفرات! ثم فُرضتْ عليّ خمسون صلاة، فأقبلت حتى جئت موسى، فقال: ما صنعت؟ قلت: فُرضتْ عليَّ خمسون صلاة، قال: أنا أعلم بالناس منك، عالجت بني إِسرائيل أشدّ المعالجة، وإِن أمّتك لا تُطيق، فارجع إِلى ربّك فَسَلْه، فجعلها أربعين، ثم مثله، ثم ثلاثين، ثم مثله، فجعل عشرين، ثم مثله، فجعل عشراً. فأتيت موسى، فقال: مثله، فجعلها خمساً، فأتيتُ موسى، فقال: ما صنعت؟ قلت: جعلها خمساً، فقال مثله، قلت: فسلّمت، فنُودي: إِنّي قد أمضيت فريضتي، وخفّفت عن عبادي، وأجزي الحسنة عشراً". (١)

стр. 1439

الحكمة في اختصاص كل نبيّ بسماء: وأمّا عن الحكمة في اختصاص كل نبيّ بالسماء التي التقاه بها، فقد اختلف في ذلك، كما يقول ابن حجر (١) فقيل: ليظهر تفاضلهم في الدرجات، وقيل: لمناسبة تتعلّق بالحكمة في الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، فقيل: أمروا بملاقاته، فمنهم من أدركه من أوّل وهلة، ومنهم من تأخّر فلحق، ومنهم من فاته، وهذا زيفه السهيلي فأصاب، وقيل: الحكمة في الاقتصار على هؤلاء المذكورين للإشارة إلى ما سيقع له ﷺ مع قومه، من نظيرما وقع لكل منهم: فأمّا آدم فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنّة إلى الأرض، بما سيقع للنبيّ ﷺ من الهجرة إلى المدينة، والجامع ما حصل لكل منهما من المشقّة، وكراهة فراق ما ألفه من الوطن، ثم كان مآل كل منهما أن يرجع إلى موطنه الذي أخرج منه! وبعيسى ويحيى على ما وقع له من أول الهجرة من عداوة اليهود وتماديهم في البغي عليه، وإرادتهم وصول السوء إليه! وبيوسف على ما وقع له من قريش في نصبهم الحرب له، ولإرادتهم هلاكه، وكانت العاقبة له! وبإدريس على رفيع منزلته عند الله! وبهارون على أن قومه رجعوا إلى محبّته بعد أن آذوه!

стр. 1440

وبموسى على ما وقع له من معالجة قومه! وبإبراهيم في استناده إلى البيت المعمور بما ختم له ﷺ في آخر حياته من إقامة مناسك الحج، وتعظيم البيت! قال ابن حجر: وهذه مناسبات لطيفة، أبداها السهيلي، فأوردتها منقحة ملخصة. (١) وقال ابن أبي جمرة: الحكمة في كون آدم في السماء الدّنيا؛ لأنه أوّل الأنبياء، وأوّل الآباء، وهو أصل، فكان أوّلاً في الأولى، ولأجل تأنيس النبوّة بالأبوّة! وعيسى في الثانية؛ لأنه أقرب الأنبياء عهداً من محمَّد! ويليه يوسف؛ لأن أمّة محمَّد تدخل الجنة على صورته! وإدريس في الرابعة، لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيَّا (٥٧)﴾ (مري)! والرابعة من السبع وسط معتدل! وهارون لقربه من أخيه موسى! وموسى أرفع منه لفضل كلام الله! وإبراهيم؛ لأنه الأب الأخير، فناسب أن يتجدّد للنبيّ ﷺ بلقيه أُنساً، لتوجّهه بعده إلى عالم آخر، وأيضاً فمنزلة الخليل تقتضي أن تكون أرفع المنازل، ومنزلة الحبيب أرفع منزلته، فلذلك ارتفع النبي ﷺ عن منزلة إبراهيم إلى قاب قوسين أو أدنى!
следующие страницы →