الحديث الثالث:
ويروي الشيخان وغيرهما عند قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة ﵄ قال: قال ﷺ :
"بينا أنا عند البيت، بين النائم واليقظان -وذكر-يعني رجلاً بين الرجلين- فأُتيتُ بطستٍ من ذهبٍ ملآن حكمةً وإِيماناً، فشقَّ من النحر إِلى مراقّ (١) البطن، ثم غُسل البطن بماء زمزم، ثم ملئ حكمةً وإِيماناً.
وأُتِيتُ بدابّة أبيض، دون البغل وفوق الحمار: البراق، فانطلقت مع جبريل، حتى أتينا السماء الدّنيا، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أُرسل إِليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على آدم، فسلّمت عليه، فقال؛ مرحباً بك من ابن ونبيّ!
فأتينا السماء الثانية، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد ﷺ ، قيل: أُرسل إِليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على عيسى ويحيى، فقالا: مرحباً بك من أخٍ ونبيّ!
فأتينا السماء الثالثة، قيل مَن هذا؟ قيل: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أرسل إِليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به
стр. 1437
ولنعم المجيء جاء، فأتيت على يوسف، فسلّمت، فقال: مرحباً بك من أخٍ ونبيّ!
فأتينا السماء الرابعة، قيل: مَن هذا؟ قيل: جبريل؟ قيل: من معك؟ قيل: محمَّد ﷺ ، قيل: وقد أُرسل إِليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على إِدريس، فسلّمت عليه، فقال: مرحباً بك من أخٍ ونبيّ!
فأتينا السماء الخامسة، قيل: مَن هذا؟ قيل: جبريل، قيل: ومَن معك؟ قال: محمَّد ﷺ ، قيل: وقد أُرسل إِليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على هارون فسلّمت عليه، فقال: مرحباً بك من أخٍ ونبيّ!
فأتينا على السماء السادسة، قيل: مَن هذا؟ قيل: جبريل، قيل: مَن معك؟ قيل: محمَّد ﷺ ، قِيل: وقد أُرسل إِليه؟ مرحباً به، نعم المجيء جاء، فأتيت على موسى فسلّمت عليه، فقال: مرحباً بك من أخٍ ونبيّ، فلمَّا جاوزت بكى، قيل: ما أبكاك؟ قال: يا ربّ! هذا الغلام الذي بُعث بعدي، يدخل الجنّة من أمّته أفضل مما يدخل من أمّتي!
فأتينا السماء السابعة، قيل: مَن هذا؟ قيل: جبريل، قيل: مَن معك؟ قيل: محمَّد، قيل: وقد أُرسل إِليه؟ مرحباً به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على إِبراهيم، فسلّمت عليه، فقال: مرحباً بك من ابن ونبيّ!
стр. 1438
فَرُفِع لي البيت العمور، فسألت جبريل، فقال: هذا البيت المعمور، يصلّي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إِذا خرجوا لم يعودوا إِليه آخر ما عليهم!
ورُفعَت لي سدرة المنتهى، فإِذا نبقها كأنه قلال هجر، وورقها كأنه آذان الفيلة، في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فسألت جبريل، فقال: أما الباطنان ففي الجنّة، وأمّا الظاهران النيل والفرات!
ثم فُرضتْ عليّ خمسون صلاة، فأقبلت حتى جئت موسى، فقال: ما صنعت؟ قلت: فُرضتْ عليَّ خمسون صلاة، قال: أنا أعلم بالناس منك، عالجت بني إِسرائيل أشدّ المعالجة، وإِن أمّتك لا تُطيق، فارجع إِلى ربّك فَسَلْه، فجعلها أربعين، ثم مثله، ثم ثلاثين، ثم مثله، فجعل عشرين، ثم مثله، فجعل عشراً.
فأتيت موسى، فقال: مثله، فجعلها خمساً، فأتيتُ موسى، فقال: ما صنعت؟ قلت: جعلها خمساً، فقال مثله، قلت: فسلّمت، فنُودي: إِنّي قد أمضيت فريضتي، وخفّفت عن عبادي، وأجزي الحسنة عشراً". (١)
стр. 1439
الحكمة في اختصاص كل نبيّ بسماء:
وأمّا عن الحكمة في اختصاص كل نبيّ بالسماء التي التقاه بها، فقد اختلف في ذلك، كما يقول ابن حجر (١) فقيل: ليظهر تفاضلهم في الدرجات، وقيل: لمناسبة تتعلّق بالحكمة في الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، فقيل: أمروا بملاقاته، فمنهم من أدركه من أوّل وهلة، ومنهم من تأخّر فلحق، ومنهم من فاته، وهذا زيفه السهيلي فأصاب، وقيل: الحكمة في الاقتصار على هؤلاء المذكورين للإشارة إلى ما سيقع له ﷺ مع قومه، من نظيرما وقع لكل منهم:
فأمّا آدم فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنّة إلى الأرض، بما سيقع للنبيّ ﷺ من الهجرة إلى المدينة، والجامع ما حصل لكل منهما من المشقّة، وكراهة فراق ما ألفه من الوطن، ثم كان مآل كل منهما أن يرجع إلى موطنه الذي أخرج منه!
وبعيسى ويحيى على ما وقع له من أول الهجرة من عداوة اليهود وتماديهم في البغي عليه، وإرادتهم وصول السوء إليه!
وبيوسف على ما وقع له من قريش في نصبهم الحرب له، ولإرادتهم هلاكه، وكانت العاقبة له!
وبإدريس على رفيع منزلته عند الله!
وبهارون على أن قومه رجعوا إلى محبّته بعد أن آذوه!
стр. 1440
وبموسى على ما وقع له من معالجة قومه!
وبإبراهيم في استناده إلى البيت المعمور بما ختم له ﷺ في آخر حياته من إقامة مناسك الحج، وتعظيم البيت!
قال ابن حجر: وهذه مناسبات لطيفة، أبداها السهيلي، فأوردتها منقحة ملخصة. (١)
وقال ابن أبي جمرة: الحكمة في كون آدم في السماء الدّنيا؛ لأنه أوّل الأنبياء، وأوّل الآباء، وهو أصل، فكان أوّلاً في الأولى، ولأجل تأنيس النبوّة بالأبوّة!
وعيسى في الثانية؛ لأنه أقرب الأنبياء عهداً من محمَّد!
ويليه يوسف؛ لأن أمّة محمَّد تدخل الجنة على صورته!
وإدريس في الرابعة، لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيَّا (٥٧)﴾ (مري)!
والرابعة من السبع وسط معتدل!
وهارون لقربه من أخيه موسى!
وموسى أرفع منه لفضل كلام الله!
وإبراهيم؛ لأنه الأب الأخير، فناسب أن يتجدّد للنبيّ ﷺ بلقيه أُنساً، لتوجّهه بعده إلى عالم آخر، وأيضاً فمنزلة الخليل تقتضي أن تكون أرفع المنازل، ومنزلة الحبيب أرفع منزلته، فلذلك ارتفع النبي ﷺ عن منزلة إبراهيم إلى قاب قوسين أو أدنى!
стр. 1441
صلاة النبي ﷺ بالأنبياء:
يروي أحمد وغيره بسند حسن عن زرّبن حبيش، عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله ﷺ قال:
"أُتِيتُ بالبراق، وهو دابّة أبيض طويل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فلم نُزايل (١) ظهره أنا وجبريل، حتى أتيت بيت المقدس، ففُتحت لنا أبواب السماء، ورأيت الجنّة والنار"!
قال حذيفة بن اليمان: ولم يُصَلِّ في بيت المقدس، قال زرّ: فقلت له: بلى، قد صلى ﷺ قال حذيفة: ما اسمك يا أصلع؟ فإِنّي أعرف وجهك، ولا أدْرِي ما اسمك؟ فقلت: أنا زِرّ بن حُبَيش، قال: وما يدريك أنه قد صلّى؟ قال: فقلت يقول الله:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾!
فقال: فهل تجده صلّى؟ لو صلّى لصلّيتم فيه كما تصلّون في المسجد الحرام!
قال زرّ: وربط الدابّة بالحلقة التي يربط بها الأنبياء!
فقال حذيفة: أو كان يخاف أن تذهب منه، وقد أتاه الله بها! (٢)
стр. 1442
وفي رواية لأحمد عنه عن حذيفة ﷺ ، وهو يحدّث عن ليلة أسري بمحمد ﷺ .. إلى أن قال: دخله ﷺ ليلتئذ وصلَّى فيه ... الحديث. (١)
قال ابن كثير: وهذا الذي قاله حذيفة نفي، وما أثبته غيره من الصلاة وربط الدابّة مقدّم عليه! (٢)
وحذيفة رضي الله تعالى عنه يحكي ما بلغه، وقد ثبت عند غيره من الصحابة ﵃ -كما سبق- في حديث مسلم وأحمد عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ صلى في بيت المقدس، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. (٣)
وجاء في رواية لأحمد بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ قال: ليلة أُسرِي بنبيّ الله ﷺ ، ودخل الجنّة، فسمع في جانبها ونجساً (٤)، قال: "يا جبريل ما هذا؟ " قال: هذا بلال المؤذّن، فقال نبيِّ الله ﷺ حين جاء إِلى الناس: "قد أفلح بلال، رأيت له كذا وكذا! ".
стр. 1443
قال: فلقيه موسى ﷺ فرحّب به، وقال: مرحباً بالنبيّ الأمّي، فقال: "وهو رجل آدمٌ طويلٌ، سَبطٌ شعرُه مع أُذُنَيه أو فوقهما" فقال: "مَنْ هذا يا جبريل؟ " قال: هذا موسى ﵇!
قال: فمضى فلقيه عيسى، فرحّب به، وقال: "مَنْ هذا يا جبريل؟ " قال: "هذا عيسى" قال: فمضى فلقيه شيخٌ جليلٌ مهيبٌ، فرحّب به، وسلّم عليه، وكلهم يُسَلِّم عليه، قال: "مَن هذا يا جبريل؟ " قال: هذا أبوك إِبراهيم!
قال: فنظر في النار، فإِذا قوم يأكلون الجِيَف، قال: "مَنْ هؤلاء يا جبريل؟ " قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس" (١)، ورأى رَجُلاً أحمر أزرق جعداً (٢) شَقِيًّا إِذا رأيته قال: "منْ هذا يا جبريل؟ " قال: هذا عاقر الناقة!
قال: فلمّا دخل النبي ﷺ المسجد الأقصى قام يُصلِّي، ثم التفت فإِذا النبيّون أجمعون يُصلّون معه، فلما انصرف جيء بِقَدَحَينِ، أحدهما عن اليمين، والآخر عن الشمال، في أحدهما لَبَن، وفي الآخر عَسَلٌ، فأخذ اللبن فشرب منه، فقال الذي كان معه القدح: أصبْتَ الفطرة! (٣)
وجاء ذلك صريحاً في رواية مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً -كما سيأتي:
стр. 1444
حكمة اجتماع الأنبياء في الصلاة:
وانطلاقاً من ضرورة الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين، وفق ما جاء صريحاً في الكتاب والسنة، ومن اجتماع الأنبياء في الصلاة -كما عرفنا- نبصر وجهاً من وجوه الحكمة في كون معجزة الإسراء والمعراج تبدأ من المسجد الحرام، أول بيت وضع للناس في مكّة، إلى المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، ثم إلى السماوات العلى .. وفي هذا ربط بين رسالات التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل ﵈، إلى محمَّد خاتم النبيّين، عليهم صلوات الله وتسليماته أجمعين!
وربط كذلك بين الأماكن المقدّسة لرسالات الرسل جميعاً!
ومن هنا نبصر الدعوة تمتدّ زماناً ومكاناً .. ونبصر التكامل الإنسانيّ في رحاب هذه المعجزة، في صورة اجتماع الأنبياء في صلاة واحدة .. والصلاة في حقيقتها صلةٌ بالله، وتوجّه إليه بالجَنان واللسان والحركة!
ونبصر توجيهاً إلى الإنسانيّة عبر آباد الزمان وأبعاد المكان أن تكون على طريق واحد، هو طريق الخير للجميع .. بيد أن الواقع الإنسانيّ يندى له الجبين، والبشريّة مازالت تتعثّر وتتعثّر -كما يشهد الواقع الأليم!
كما نبصر الألوان في حديث الإسراء والمعراج تتساقط دونها حواجز
стр. 1445
اللون والتفرقة العنصريّة .. تلك التي مازالت تعاني منها المجتمعات التي قطعت مراحل ومراحل من التقدّم المادّيّ، بينما ظلّت في طفولة عقليّة إزاء الألوان والأجناس!
بين الرسول ﷺ وقريش:
وحدّث الرسول ﷺ الناس بما حدث.
فقد روى أحمد وغيره بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
"لما كان ليلة أسري بي، وأصبحت بمكّة، فظعت (١) بأمري، وعرفت أن الناس مكذِّبِيّ"!
فقعد معتزلاً حزيناً، قال: فمرّ عدوّ الله أبو جهل، فجاء فجلس عليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم" قال: ما هو؟: "إِنه أُسري بي الليلة" قال: إِلى أين؟ قال: "إِلى بيت المقدس" قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ (٢) قال: "نعم" قال:
стр. 1446
فلم يُرِه أنه يكذّبه مخافة أن يجحد الحديث إِن دعا قومه إِليه، قال: أرأيت إِن دعوتُ قومك تحدّثهم ما حدّثتني؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم" فقال: هيا معشر بني كعب بن لؤي، حتى قال: فانتفضَتْ إِليه المجالس، وجاؤوا حتى جلسوا إِليهما، قال: حدِّث قومك بما حدثتني!
فقال: رسول الله ﷺ : "إِنّي أُسريَ بي الليلة" قالوا: إِلى أين؟ قال: "إِلى بيت المقدس" قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟! قال: "نعم"، قال: فمن بين مُصَفِّقٍ، ومن بين واضعٍ يده على رأسه، مُتَعَجِّباً للكذب زَعَم!! قالوا: وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد، وفي القوم من قد سافر إِلى ذلك البلد، ورأى المسجد، فقال رسول الله ﷺ : "فذهبت أنعتُ، فما زلت أنعتُ حتى التبس عليَّ بعض النّعت" قال: "فجيء بالمسجد وأنا أنظر، حتى وُضع دون دار عِقال -أو عقيل- فنعتّه وأنا أنظر إِليه" قال: "وكان مع هذا نعتٌ لم أحفظه" قال: فقال القوم: أمّا النعت فوالله لقد أصاب! (١)
وفي رواية للشيخين وغيرهما عن جابر بن عبد الله ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
стр. 1447
"لمَّا كذّبتني قريش قمت في الحجر، فجلى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا انظر إِليه". (١)
وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ :
"لقد رأيتني في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت القدس، لم أُثْبِتهَا (٢)، فكرِبْتَ كُربةً ما كربت مثله قط (٣)، قال: فرفعه الله لي أنظر إِليه، ما يسألوني عن شيء إِلَّا أنبأتُهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإِذا موسى قائمٌ يُصَلِّي، فإِذا رجلٌ ضَربٌ جَعدٌ كأنه من رجال شنوءة، وإِذا عيسى ابن مريم ﵇ قائم يُصلّي، أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعود الثّقفي، وإِذا إِبراهيم ﵇ قائمٌ يُصلّي، أشبه الناس به صاحبكم (يعني نفسه) فحانت الصلاة فأمَمْتُهم، فلمّا فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمَّد! هذا مالك صاحب النار، فسلِّمْ عليه، فالتفتُّ إِليه فبدأني بالسلام". (٤)
стр. 1448
وفي رواية لأحمد وغيره بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ قال:
"أُسرِيَ بالنبيّ ﷺ إِلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته، فحدّثهم بمسيره، وبعلامة بيت المقدس، وبعيرهم، فقال ناس، قال حسن (١): نحن نصدّق محمداً ﷺ ، فارتدّوا كفّاراً، فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل، وقال أبو جهل: يخوّفنا محمدٌ بشجرة الزّقُّوم! هاتُوا تمرًا وزبْداً، فتزقّموا، ورأى الدجال في صورته رؤيا عَيْن، ليس رؤيا منام، وعيسى، وموسى، وإِبراهيم، صلوات الله عليهم، فسئل النبي ﷺ عن الدّجَّال؟ فقال: "أقمرُ هِجان -قال حسن: قال: رأيته فَيْلَمانيًّا أقمر هِجاناً- إِحدى عينيه قائمة، كأنّها كوكبٌ دُرِّيٌّ، كأن شعر رأسه أغْصانُ شجرة، ورأيت عيسى شابًّا أبيضَ، جَعْد الرّأس، حديد البصر، مُبَطَّنَ الخَلْق، ورأيت موسى أسحَمَ آدَمَ، كثير الشّعر -قال حسن: الشَّعْرَة- شديدَ الخلْق، ونظرت إِلى إِبراهيم، فلا أنظر إِلى إِربٍ من آرابه، إِلاّ نظرت إِليه منِّي، كأنّه صاحبكم، فقال جبريل ﵇: سلِّم على أبيك، "فسلّمت عليه"! (٢)
стр. 1449
وأخرج البيهقي من طريق عباد بن حنيف، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، أنه قال (١):
لمّا ذكر الله الزّقوم خوّف به هذا الحيّ من قريش، فقال أبو جهل: هل تدرون ما هذا الزّقوم الذي يخوّفكم به محمَّد؟ قالوا: لا، قال نتزبّد بالزّبدة، أما والله لئن أمكننا لنتزقَمها تزقيماً، فأنزل الله فيه:
﴿وَالشَّجَرَةَ الْملْعُونَةَ في الْقُرآن﴾
يقول: المذمومة:
﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُم إِلَّا طُغيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾ (الإسراء)!
وأخرج الطبري (٢) بسنده عنه ﵁، قوله:
﴿وَالشَّجَرَةَ الْملْعُونَةَ في الْقُرآن﴾! قال:
هي شجرة الزّقوم، قال أبو جهل: أيخوّفني ابن أبي كبشة بشجرة الزّقوم، ثم دعا بتمر وزبد، فجعل يقول: زقمني، فأنزل الله تعالى:
﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ (الصافات)!، وأنزل فيهم:
стр. 1450
﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾!
قال ابن حجر (١) في بيان ما رآه ﷺ ليلة الإسراء: من ذلك ما وقع عند النسائي من رواية يزيد بن أبي مالك أنس قال: قال رسول الله ﷺ :
"أُتيت بدابّة فوق الحمار ودون البغل ... " الحديث، وفيه: "فركبت ومعي جبريل، فسرت، فقال: أنزل فصل، ففعلت، فقال: أتدري أين صلّيت؟ صلّيت بطيبة، وإِليها المهاجَرة" يعني بفتح الجيم!
ودفع في حديث شدّاد بن أوس عند البزّار، والطبراني، أنه:
أول ما أُسري به مرّ بأرض ذات نخل، فقال له جبريل: انزل فصلّ، فنزل فصلّى، فقال: صلّيت بيثرب. ثم قال في رواية، ثم قال: انزل فصلّ مثل الأول، قال: صلّيت بطور سيناء، حيث كلَّم الله موسى، ثم قال: أنزل -فذكرت مثله، قال: صلّيت ببيت لحم، حيث ولد عيسى.
وقال في رواية شدّاد بعد قوله يثرب، ثم مرّ بأرض بيضاء، فقال: انزل فصلّ، فقال: صلّيت بمدين!
وفيه أنه دخل المدينة من بابها اليماني، فصلَّى في المسجد!
وفيه أنه مرّ في رجوعه بعير لقريش فسلّم عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت محمَّد!
стр. 1451
وفيه أنه أعلمهم بذلك، وأن عيرهم تقدم يوم كذا، فقدمت الظهر، يقدمهم الجمل الذي وصفه!
وزاد في رواية يزيد بن أبي مالك:
"ثم دخلت بيت المقدس، فجمع لي الأنبياء، فقدّمني جبريل حتى أممتهم"!
وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة عن أنس، عند البيهقي في الدلائل:
أنه مرّ بشيء يدعوه متنحّياً عن الطريق، فقال له جبريل: سر، وأنه مر على عجوز فقال: "ما هذه؟ " فقال: سر، وأنه مرّ بجماعة فسلّموا، فقال له جبريل: اردد عليهم!
وفي آخره فقال له:
الذي دعاك إِبليس، والعجوز الدنيا، والذين سلّموا إِبراهيم وموسى وعيسى!
ثم قال بعد أن ذكر بعض المشاهد التي سنتحدث عنها -كما سيأتي: وفي حديث أبي هريرة عند البزار والحاكم:
"أنه صلّى ببيت المقدس مع الملائكة، وأنه أتي هناك بأرواح الأنبياء، فأثنوا على الله، وفيه قول إِبراهيم: "لقد فضلكم محمَّد"!
стр. 1452
وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم عن أنس:
"ثم بعث له آدم فمن دونه، فأمّهم تلك الليلة" أخرجه الطبراني.
ثم قال: وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني في الأوسط:
"ثم أقيمت الصلاة، فتدافعوا، حتى قدموا محمداً"، ثم قال: وفي حديث ابن عباس:
"فجيء بالمسجد وأنا أنظر إِليه حتى وضع عند دار عقيل، وأنا أنظر إِليه"
وهذا أبلغ في المعجزة، ولا استحالة فيه، فقد أحضر عرش بلقيس في طرفة عين لسليمان، وهو يقتضي أنه أزيل من مكانه، حتى أحضر إِليه، وما ذاك في قدرة الله بعزيز!
ووقع في حديث أم هانئ عند ابن سعد:
"فخيّل لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، فإِن لم يكن مغيراً من قوله "فجلى" وكان ثابتاً احتمل أن يكون المراد أنه مثل قريب منه، وأشار إِلى حديث "أريت الجنة والنار" وتأوّل قوله: "جيء بالمسجد" أي جيء بمثاله، والله أعلم!
ووقع في حديث شدّاد بن أوس عند البزّار والطبراني ما يؤيد الاحتمال الأول، ففيه:
стр. 1453
"ثم مررت بعير قريش -فذكر القصة- ثم أتيت أصحابي بمكّة قبل الصبح، فأتاني أبو بكر، فقال: أين كنت الليلة؟ " فقال:
"إِني أتيت بيت المقدس"، فقال: إِنه مسيرة شهر، فصفه لي، قال: "ففتح الله لي شراكاً كأنّي أنظر إِليه، لا يسألني عن شيء إِلا أنبأته عنه".
وفي حديث أم هانئ أيضاً أنهم قالوا له: كم للمسجد من باب؟
قال:
"ولم أكن عددتها، فجعلت أنظر إِليه وأعدها باباً باباً"!
وفيه عند أبي يعلى أن الذي سأله عن صفة بيت المقدس هو المطعم بن عدي، والد جبير بن مطعم، وفيه من الزيادة:
فقال رجلٌ من القوم: هل مررتَ بإِبل لنا في مكان كذا وكذا؟ قال: "نعم، لهم ناقة حمراء" قالوا: فأخبرنا عن عدتها، وما فيها من الرعاة، قال: كنت عن عدّتها مشغولاً"، فقام فأتى الإِبل فعدّها وعلم ما فيها من الرعاء، ثم أتى قريشاً فقال: "هي كذا وكذا، وفيها من الرعاء فلان وفلان، فكان كما قال"!
قال الشيخ أبو محمَّد بن أبي جمرة:
الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج إلى السماء، إرادة
стр. 1454
إظهار الحق، لمعاندة من يريد إخماده؛ لأنه لو عرج به من مكّة إلى السماء لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلاً إلى البيان والإيضاح، فإنه لمّا ذكر أنه أسري به إلى بيت المقدس سألوه عن تعريفات جزئيّات من بيت المقدس، كانوا رأوها وعلموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك، فلمَّا أخبرهم بها حصل التحقيق بصدقه فيما ذكر من الإسراء في ليلة، وإذا صحّ خبره في ذلك لزم تصديقه في بقيّة ما ذكره، فكان ذلك زيادةً في إيمان المؤمن، وزيادة في شقاء الجاحد المعاند!
وقال ابن حجر (١):
اختلف في حال الأنبياء عندما لقي النبيّ ﷺ إيَّاهم ليلة الإسراء، هل أُسري بأجسادهم لملاقاة النبيّ ﷺ تلك الليلة، أو أن أرواحهم مستقرّة في الأماكن التي لقيهم النبي ﷺ ، وأرواحهم مشكلة بحسب أجسادهم، كما جزم به أبو الوفاء بن عقيل، واختار الأوّل بعض شيوخنا، واحتجّ بما ثبت في مسلم عن أنس أن النبي ﷺ قال:
"رأيت موسى ليلة أسري بي قائماً يصلّي في قبره" فدلّ على أنه أسري به لا مرّ به!
قال ابن حجر:
وليس ذلك بلازم، بل يجوز أن يكون لروحه اتصال بجسد الأرض، فلذلك يتمكّن من الصلاة وروحه مستقرّة في السماء ..
стр. 1455
وقال القرطبي في المفهم:
ظاهر حديث أنس أنها -أي سدرة المنتهى- في السابعة، لقوله بعد ذكر السماء السابعة: "ثم ذهب بي إلى السدرة"، وفي حديث ابن مسعود، أنها في السادسة، وهذا تعارض لا شك فيه، وحديث أنس هو قول الأكثر، وهو الذي يقتضيه وصفها بأنها التي ينتهي إليها علم كل نبيّ مرسل، وكل ملك مقرّب على ما قال كعب، قال: وما خلفها فغيب لا يعلمه إلا الله أو من أعلمه، وبهذا جزم إسماعيل بن أحمد، وقال غيره: إليها منتهى أرواح الشهداء، قال: ويترجّح حديث أنس بأنّه مرفوع، وحدث ابن مسعود موقوف، كذا قال، ولم يعرج على الجمع، بل جزم بالتعارض!
قال ابن حجر:
ولا يعارض قوله إنها في السادسة ما دلّت عليه بقيّة الأخبار أنه وصل إليها بعد أن دخل السماء السادسة؛ لأنه يحمل على أن أصلها في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في السابعة، وليس في السادسة منها إلا أصل ساقها!
وأشار إلى حديث أبي ذر أوّل الصلاة "فغشيها ألوان لا أدري ما هي" وبقيّة حديث ابن مسعود المذكور، قال تعالى:
﴿إِذ يَغشَى السّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ (النجم)!
стр. 1456
قال: فراش من ذهب، كذا فسر المبهم في قوله: ﴿مَا يَغْشَى﴾ بالفراش!
ووقع في رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس "جراد من ذهب" قال البيضاوي: وذكر الفراش وقع على سبيل التمثيل، لأن من شأن الشجر أن يسقط عليها الجراد وشبهه، وجعلها من الذهب لصفاء لونها وإضاءتها في نفسها اهـ.
ويجوز أن يكون من الذهب حقيقة، ويخلق فيه الطيران، والقدرة صالحة لذلك!
وفي حديث أبي سعيد وابن عباس: "يغشاها الملائكة"!
وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: "على كل ورقة منها ملك"!
ووقع في رواية ثابت عن أنس عند مسلم: "فلمّا غشيها من أمر الله ما غشيها تغيّرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها"!
وفي رواية حميد عن أنس عند ابن مردويه نحوه، لكن قال: تحوّلت قوتاً، ونحو ذلك!
وقوله: "فإذا نبقها" بفتح النون وكسر الموحدة وسكونها أيضاً، قال ابن دحية: والأوّل هو الذي ثبت في الرواية، أي التحريك، والنبق معروف، وهو تمر السدر!
стр. 1457
وقوله: "مثل قلال هجر" قال الخطابي: القلال بالكسر جمع قُلّة. بالضم -هي الجرار، يريد أن ثمرها في الكبر مثل القلال، وكانت معروفة عند المخاطبين، فلذلك وقع التمثيل بها، قال: وهي التي وقع تحديد الماء الكثير بها في قوله ﷺ : "إذا بلغ الماء قلّتين ... " (١).
قال محمَّد بن إسحاق (٢):
القلّة هي الجرار، والقلّة التي يستقى فيها، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: (إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء، ما لم يتغيّر ريحه أو طعمه، وقالوا: يكون نحواً من خمس قرب)!
قال ابن حجر:
قال ابن دحية: واختيرت السدرة دون غيرها؛ لأن فيها ثلاثة أوصاف: ظلّ ممدود، وطعام لذيذ، ورائحة ذكيّة، فكانت بمنزلة الإيمان الذي يجمع القول والعمل والنيّة، والظلّ بمنزلة العمل، والطعم بمنزلة النيّة، والرائحة بمنزلة القول!
стр. 1458
وفي قوله: "أربعة أنهار ... "، قال ابن حجر:
يحتمل أن تكون سدرة المنتهى مغروسة في الجنة، تخرج من تحتها، فيصح أنها من الجنة .. قال ابن أبي جمرة: فيه أن الباطن أجل من الظاهر؛ لأن الباطن جعل في دار البقاء، والظاهر جعل في دار الفناء، ومن ثمّ كان الاعتماد على ما في الباطن، كما قال ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". (١)
قوله: "وأما الظاهران فالنيل والفرات"، ووقع في رواية شريك -كما سيأتي- "أنه رأى في السماء الدنيا نهرين يطردان" فقال له جبريل: هما النيل والفرات عنصرهما، والجمع بينهما أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى، مع نهري الجنة، ورآهما في السماء الدنيا دون نهري الجنّة، وأراد بالعنصر عنصو امتيازهما بسماء الدنيا!
قال ابن دحية:
ووقع في حديث شريك أيضاً: "ومضى به يرقى السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربّك".
ووقع في رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس عند ابن أبي حاتم أنه بعد أن رأى إبراهيم قال:
стр. 1459
"ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة حتى انتهى إلى نهر عليه خيام اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعليه طير خضر، أنعم طير رأيت، قال جبريل: هذا الكوثر الذي أعطاك الله، فإذا فيه آنية الذهب والفضة يجري على رضراض من الياقوت والزمرد، ماؤه أشدّ بياضاً من اللبن، قال: فأخذت من آنيته، فاغترفت من ذلك الماء فشربت، فإذا هو أحلى من العسل، وأشد رائحة من المسك"!
وفي حديث أبي سعيد:
"فإذا فيها عين تجري يقال لها السلسبيل، فينشق منها نهران، أحدهما الكوثر، والآخر يقال له نهر الرحمة"، قلت: فيمكن أن يفسّر بهما النهران الباطنان المذكوران في الحديث!
وكذا روي عن مقاتل، قال: الباطنان السلسبيل والكوثر، وأما الحديث الذي رواه مسلم بلفظ: "سيحان وجيحان، والنيل والفرات، من أنهار الجنّة، فلا يغاير هذا؛ لأن المراد به أن في الأرض أربعة أنهار أصلها من الجنّة، وحينئذ لم يثبت لسيحون وجيحون أنهما ينبعان من أصل سدرة المنتهى، فيمتاز النيل والفرات عليهما بذلك، وأمّا الباطنان المذكوران في الحديث فهما غير سيحون وجيحون، والله أعلم!
قال النووي: في هذا الحديث أن أصل النيل والفرات من الجنّة، وأنهما يخرجان من أصل سدرة المنتهى، ثم يسيران حيث شاء الله، ثم ينزلان إلى
стр. 1460
الأرض، ثم يسيران فيها، ثم يخرجان منها، وهذا لا يمنعه العقل، وقد شهد به ظاهر الحديث فليعتمد!
وأما قول عياض:
إن الحديث يدلّ على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض، لكونه قال: إن النّيل والفرات يخرجان من أصلها، وهما بالشاهدة يخرجان من الأرض، فيلزم منه أن يكون أصل السدرة في الأرض، وهو متعقّب، فإن المراد بكونهما يخرجان من أصلها غير خروجهما بالنبع من الأرض، والحاصل أن أصلها من الجنّة، وهما يخرجان أوّلاً من أصلها، ثم يسيران إلى أن يستقرّا في الأرض، ثم ينبعان، واستدلّ به على فضيلة ماء النّيل والفرات، لكون منبعهما من الجنّة، وكذا سيحان وجيحان!
قال القرطبي:
لعلّ ترك ذكرهما في حديث الإسراء، لكونهما ليسا أصلاً برأسهما، وإنما يحتمل أن يتفرّعا عن النّيل والفرات، قال: وقيل إنما أطلق على هذه الأنهار أنها من الجنّة تشبيهاً لها بأنهار الجنّة، لما فيها من العذوبة والحسن والبركة، والأول أولى، والله أعلم!
стр. 1461
حقيقة الإسراء والمعراج:
وبعد أن عرضنا -إجمالاً- لأهم الأدلّة، نبصر دعوةً تنادي المسلم، وتدعوه أن يتحرّك ويرتفع، فالإسراء لم يكن لغير محمَّد ﷺ ، والمعراج كذلك .. والمسلم من أتباع هذا النبيّ الذي أسرى الله به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في لحظات، وعرج به إلى السماوات العلا في لمحات، إلى أن جاوز مرتبةً وقفت عندها الخواطر والأماني .. ومن ثم يتحرّك المؤمن في طريق الصعود، فقد عبّد الرسول ﷺ طريق الحق، وذلّل سبيل الهُدى، وتحمّل ما تحمّل .. وقد فتحت هذه الآية الربّانيّة عوالم، وقدّمت معالم، وأبصرتنا آفاق المجد واسعة!
ونبصر المسلم الصادق لا يختص بأرض دون أرض، ولا يحدّه مكان دون مكان، فهو كالشمس تشرق لتضيء الدنيا كلها، ومكانها في العلياء .. ونبصره يتحرّك لتبليغ دعوة الله إلى خلق الله، عسى أن يفتح الله به قلوباً غلفاً، وآذاناً صمًّا، وأعيناً عمياً!
وإذا ما كانت هذه الآية عوضاً عن جفوة الأرض وفقد النصير فإن مطلع سورة الإسراء -كما أسلفنا- يبصّرنا بالتنزيه والتقديس، وختامها يدعونا إلى الحمد، ووسط البدء والختام نقرأ عقب دعاوى المشركين عن الآية:
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ (الإسراء)!
стр. 1462
ونبصر كل شيء يتوجّه إلى الله، فإذا الكون كله حركة وحياة، وإذا الوجود كله تسبيحة شجيّة نديّة، تنبض بها كل ذرّة في هذا الكون، وتنتفض تسبّح الله، وترتفع في جلال وكمال إلى الخالق جلّ شأنه!
ونبصر إعلان وراثة خاتم النبيّين ﷺ لمقدّسات الرسل قبله، واشتمال رسالته على هذه المقدّسات، وارتباط رسالته بها جميعاً، فهي رحلة مباركة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان، وتشمل آماداً وآفاقاً أوسع من الزمان (١)، وتتضمّن معاني أكبر من المعاني الغريبة التي تتكشَّف عنها للنظرة الأولى!
ونبصر السياق ينتقل في مفتتح سورة الإسراء من صيغة التسبيحِ لله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ إلى صيغة التقرير: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ إلى صيغة الوصف: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وفقاً لدقائق الدلالات التعبيريّة بميزان دقيق حسّاس!
فالتسبيح يرتفع موجّهاً إلى ذات الله سبحانه، وتقرير القصد من الإسراء يجيء منه تعالى نصًا، والوصف بالسميع البصير في صورة الخبر الثابت لذاته الإلهيّة، وتجتمع هذه الصيغ المختلفة في الآية الواحدة لتؤدّي دلالتها بدقّة كاملة!
وإنه لمشهد كونيّ فريد، حين يتصوّر المؤمن كل شيء يسبّح بحمد الله .. وإن الوجدان ليرتعش وهو يستغرق تلك الحقيقة في كل ما حوله ممّا يراه وممّا لا يراه!
стр. 1463
وحين تشفّ الروح وترفّ وتصفو تدرك سراً من أسرار هذا الوجود!
ونبصر مطلع السورة ووسطها وختامها يتّسق مع جوّ الإسراء اللطيف، والرحلة من المسجد الحرام -أول بيت وضع للناس- إلى المسجد الأقصى، وهي تربط عقيدة التوحيد في موكب الأنبياء والأماكن المقدّسة!
ونبصر اتجاهاً إلى الهدف الواحد الذي بعث الله النبيّين لدعوه الناس إليه، وسجوداً لله الذي كرّم الإنسان، ووقوفاً وراء خاتم النبيّين الذي جاء ليتمّم البناء، ويضع اللبنة المحكمة الأخيرة!
وفي سَبَحَات من الجلال والجمال والكمال، وفضاء لا يعلم مداه إلا الله، نبصر المعراج إلى مستوى لم يكن لغير محمَّد ﷺ !
ونبصر تشويقاً للمسلم، ليصعد معارج الكمال، وليلقى كل صعب، ويعلو كل مركب خطر!
وفي هذا نداء قويّ يهزّ أعطاف المؤمن هزاً، ويهمس في أذنه:
لست مجرد إنسان في هذه الحياة!
لست مجرد كائن في هذا الوجود!
فلك روح دونها كل روح لا تؤمن بالله!
ولك همة عالية دونها قمم الجبال!
وقد خلقت لتحلّق وتعلو دائماً!
ومن ثم يعلو ويعرج بروحه، ويسمو بفكره، ويتحرّك في طريق الصعود!
стр. 1464
وهنا نبصر في الإنسانيّة خلفاً صالحاً لسلف صالح، يحمل الراية، ويؤمن بالرسل، ويمثّل الوحدة الكبرى بين الرسالات والرسل جميعاً!
وتلك هي قاعدة التصوّر الإيماني التي تجعل من خير أمّة أخرجت للناس الأمّة الوارثة لتراث العقيدة الحقّة، الموصولة بهذا الأصل العريق، السائرة في طريق الحق، على هدى ونور .. وفي الوقت ذاته تقدّم هذه الحقيقة التي تبصرها في سلوك المسلمين وعقيدتهم، وفي معالم عرض الدعوة الإسلاميّة على الناس .. فتلك رسالتنا، وتلك مسؤوليتنا، وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمّة المسلمة، لتعرف حقيقتها، وتعرف مكانتها، وأنها أخرجت لتكون لها القيادة!
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: ١٤٣)!
وقد اختلفوا في حقيقة الإسراء والمعراج اختلافاً كثيراً، وكلمة (حقيقة) اقتبستها من قول السيوطي تحت عنوان (في حقيقته) (١) -أي الإسراء والمعراج- هل كانا في ليلة واحدة أم لا؟
وأيهما كان قبل الآخر؟ وهل كان في اليقظة أو المنام، أو بعضه في اليقظة وبعضه في المنام؟ وهل كان مرّة أو مرتين أو مرّات؟
القول الأول:
وهو قول الجمهور من المفسّرين والمحدّثين والفقهاء والمتكلّمين: أنهما وقعا في ليلة واحدة في اليقظة!
стр. 1465
وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، وفي المقدمة قوله تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ (الإسراء)!
لأن التسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، ولو كان مناماً لم يكن فيه كبير شيء!
ولمَّا بادرت قريش إلى إنكاره -كما أسلفنا- ولأن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد -كما عرفنا- ولو كان مناماً لم يقل ﴿بِعَبدِهِ﴾ بل (بروح عبده)!
قال ابن حجر: ولا ينبغي العدول عن ذلك؛ إذ ليس في العقل ما يحيله، حتى يحتاج إلى تأويل! (١)
قال السيوطي: ولأنه حمل على البراق، والرّوح لا تحمل، وإنما يحمل البدن! (٢)
وقال ابن القيّم: أُسري برسول الله ﷺ بجسده على الصحيح، من المسجد الحرام إلى بيت المقَدس، راكباً على البراق، صحبة جبريل عليهما الصلاة والسلام، فنزل هناك، وصلّى بالأنبياء إماماً! (٣)
стр. 1466
وفي شرح المواهب اللدنيّة، قال الرازي (١): قال أهل التحقيق: الذي يدلّ على أنه تعالى أسْرى بروح سيّدنا محمَّد ﷺ وجسده معاً يقظةً من مكّة إلى المسجد الأقصى القرآن والخبر!
أما القرآن، فهو قوله تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾!
وتقرير الدليل أن العبد اسم للجسد والروح، فواجب أن يكون الإسراء حاصلاً بجميع الجسد والروح، إذ لو كان مناماً لقال بروح عبده، ويدلّ عليه قوله:
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾ (العلق)!
ولا شك أن المراد هنا مجموع الجسد والروح؛ لأن العبد هنا محمَّد ﷺ ، والناهي له عن الصلاة أبو جهل، وهو لا ينهاه عن الصلاة بروحه!
وأيضاً قال :
﴿وَأَنَّهُ لمَّا قَامَ عَبدُ اللهِ يَدعُوهُ﴾ (الجن: ١٩)!
والمراد جميع الجسد والروح!
وفي قوله: ﴿أَسرَى بِعَبدِهِ لَيْلاً﴾!
إذ الآيات تحمل على نظيرها!
стр. 1467
واحتجّوا أيضاً بظاهر قوله ﷺ : "أُسْري بي" لأن الأصل في الأفعال أن تحمل على اليقظة، حتى يدلّ دليل على خلافه عقلي أو شرعي!
قال عياض وتبعه غيره: الحق والصحيح أنه إسراء بالجسد والروح في القصة كلها، وتدل عليه الآية نصًا، وصحيح الأخبار إلى السماوات استفاضة، ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل، إلا عند الاستحالة، وليس في الإسراء بجسده حال يقظته استحالة تؤذن بتأويل، إذ لو كان مناماً لقال (بروح عبده)، ولم يقل ﴿بِعَبْدِهِ﴾!
وقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ (النجم)! أي ما عدل عن رؤية ما أمر به من عجائب الملكوت، وما جاوزها، لصراحة ظاهره، في أنه بجسده يقظة؛ لأنه أضاف الأمر إلى البصر، وهو لا يكون إلا يقظة بجسده، بشهادة: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ (النجم)!
ولو كان مناماً لما كانت فيه آية ولا معجزة خارقة للعادة دالَّة على صدقه، وإن كانت رؤيا الأنبياء وحياً؛ إذ ليس فيها من الأبلغيّة وخرق العادة ما فيه يقظة، على أن ذلك إنما يعرفه من صدقه وصدق خبره!
وإن ذلك لو كان مناماً لما كان فيه فتنة للضعفاء الذين وقعوا في بليّة عظيمة توقعهم في العذاب -كما أسلفنا- لتكذيبهم وإنكارهم لخبر الصادق بما هو خارق للعادة، ولا استبعده الأغبياء، ولا كذّبوه فيه؛ لأن مثل هذا من المنامات لا ينكر، بل لم يكن منهم ذلك إلا وقد علموا أن خبره
стр. 1468
إنما كان عن إسرائه بجسده وحال يقظته؛ ولأن الدواب لا تحمل الأرواح، وإنما تحمل الأجسام!
وقد تواترت الأخبار بأنه أسري به على البراق، وهو دابّة، فوجب كونه بالجسد والروح معاً! (١)
وقال ابن القيم: أسري برسول الله ﷺ بجسده على الصحيح، من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، راكباً البراق، صحبة جبريل عليهما الصلاة والسلام، فنزل هناك، وصلّى بالأنبياء إماماً (٢)، وربط البراق بحلْقة باب المسجد.
وقد قيل: إنه نزل ببيت لحم، وصلّى فيه، ولم يصحّ ذلك عنه البتة!
ثم عُرِجَ به تلك الليلة من بيت المقدس ... إلخ! (٣)
القول الثاني:
وذهب جماعة إلى أن الإسراء كان بروحه في المنام! (٤)
قال ابن إسحاق (٥): حدثني بعض آل أبي بكر: أن عائشة زوج النبيّ ﷺ كانت تقول: ما فُقد جسد رسول الله ﷺ ، ولكن الله أسرى بروحه!
قلت: هذا غير ثابت، وإن صرح ابن إسحاق بالسماع، فسنده
стр. 1469
منقطع (١)، وقد رواه الطبري (٢)، قال عياض (٣): وأمّا قول عائشة ما فقد جسده، فعائشة لم تحدّث عن مشاهدة؛ لأنها لم تكن حينئذ زوجة، ولا في سنّ من يضبط، ولعلها لم تكن ولدت بعد .. ويقول: وأيضاً فليس حديث عائشة بالثابت، والأحاديث الأخرى أثبت. (٤)
قال الكوثري (٥): وأمّا ما يروى عن عائشة من قولها: ما فُقد جسد رسول الله ﷺ ، لكنه أسري بروحه، فغير ثابت عنها البتة؛ لأنه من رواية ابن إسحاق بلفظ: حدّثني بعض آل بكر، فمن هو هذا؟ وأين ابن إسحاق المتوفى في منتصف القرن الثاني الهجري من إدراك زمن عائشة (٦)!
وفي هذا دحض لمن يرى أن الإسراء كان في المنام!
وفي شرح المواهب أن الشاميّ نقل في قول عائشة: (ما فُقد) بالبناء للمفعول، وما (فقدتُ) بالبناء للفاعل، وإسناد الفعل لتاء المتكَلم، وقد حكاهما في الشفاء روايتين، فقال أولاً: وأما قول عائشة (ما فُقد جسده) فهي لم تحدّث عن مشاهدة ... إلخ .. ثم قال: وأيضاً فقد روي (ما فَقدتُ) قال: ولم يدخل بها النبي ﷺ إلا بالمدينة!
стр. 1470
وكل هذا يوهنه، بل الذي يدلّ عليه صحيح قولها إنه بجسده الشريف، لإنكارها رؤيته لربّه رؤية عين، ولو كانت عندها مناماً لم تنكره، وحديثها هذا ليس بالثابت عنها .. يعني لما في متنه من العلّة القادحة، وفي سنده من انقطاع، وراو مجهول!
وقال ابن دحية في التنوير (١): إنه حديث موضوع عليها، وقال في معراجه الصغير، قال إمام الشافعيّة أبو العباس بن سريج: هذا حديث لا يصح، وإنما وضع ردًا للحديث الصحيح!
وأجيب على تقدير صحته بأن عائشة لم تحدّث به عن مشاهدة؛ لأنها لم تكن إذ ذاك زوجاً، ولا في سنّ من يضبط ..
قال عياض: وإذا لم تشاهد ذلك عائشة دلّ على أنها حدّثت بذلك عن غيرها، فلم يرجح خبرها على خبر غيرها!
وكان الظاهر أن يقول: فرجح خبر غيرها، على خبرها: أي لعدم تبوثه عنها، كما أفصح به!
وقال التفتازاني في الجواب على تقدير الصحة: أي ما فُقد جسده عن الروح، بل كان مع روحه، وكان المعراج للجسد والرّوح جميعاً!
وهو جواب حسن، على ما فيه من كونه خلاف المتبادر من اللفظ!
قال السيوطي: فلم يرجح خبرها، مع قول أم هانئ بخلافه (٢)!
стр. 1471
وقال ابن إسحاق (١): حدّثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس: أن معاوية بن أبي سفيان قال: كانت رؤيا من الله تعالى صادقة!
قلت: يعقوب بن عتبة هذا مات سنة ١٢٨ هـ بينما معاوية ﵁ توفي سنة ٦٠ هـ، فالحجة منقطعة؛ لأنه لم يدرك معاوية (٢).
وقال ابن القيّم بعد أن ذكر قول ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية، والحسن (٣): ولكن ينبغي أن يُعلم الفرق بين أن يقال: كان الإسراء مناماً، وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده، وبينهما فرق عظيم، وعائشة ومعاوية لم يقولا: كان مناماً، وإنما قالا أسري بروحه ولم يفقد جسده، وفرق بين الأمرين، فإن ما يراه النائم قد يكون أمثالاً مضروبة للمعلوم في الصور المحسوسة، فيرى كأنه قد عُرج به إلى السماء، أو ذُهب به إلى مكّة وأقطار الأرض، وروحه لم تصعد ولم تذهب، وإنما تلك الرؤيا ضرب له المثال، والذين قالوا: عُرج برسول الله ﷺ طائفتان:
طائفة قالت: عُرج بروحه وبدنه!
وطائفة قالت: عُرِج بروحه ولم يفقد بدنه!
وهؤلاء لم يريدوا أن المعراج كان مناماً، وإنما أرادوا أن الروح ذاتها أُسري بها، وعُرج بها حقيقة، وباشرت من جنس ما تباشر به بعد المفارقة، وكان حالها في ذلك كحالها بعد المفارقة في صعودها إلى السماوات سماءً
стр. 1472
سماءً، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فتقف بين يدي الله ، فيأمر فيها بما يشاء، ثم تنزل إلى الأرض، والذي كان لرسول ﷺ ليلة الإسراء أكمل مما يحصل للروح عند المفارقة!
ومعلوم أن هذا أمر فوق ما يراه النائم، لكن لما كان رسول الله ﷺ في مقام خَرْق العوائد، حتى شُقَّ بطنه، وهو حيٌّ لا يتألم بذلك، عُرِج بذات روحه المقدّسة حقيقة من غير إماتة، ومن سواه لا ينال بذات روحه الصعود إلى السماء إلا بعد الموت والمفارقة، فالأنبياء إنما استقرّت أرواحهم هناك بعد مفارقة الأبدان، ورُوح رسول الله ﷺ صعدت إلى هناك في حال الحياة ثم عادت، وبعد وفاته استقرّت في الرّفيق الأعلى مع أرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام!
ومع هذا، فلها إشراف على البدن، وإشراق وتعلّق به، بحيث يردّ السلام على مَن سلّم عليه (١)!
وبهذا التعلّق رأى موسى قائماً يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة، ومعلوم أنه لم يُعرج بموسى من قبره، ثم رُدّ إليه، وإنما ذلك مقام روحه واستقرارها. وقبره مقام بدنه واستقراره إلى يوم معاد الأرواح إلى أجسادها، فرآه يُصَلِّي في قبره، ورآه في السماء السادسة!
стр. 1473
كما أن وجه ﷺ في أرفع مكان في الرّفيق الأعلى مُستقرّة هناك، وبدنه في ضريحه غيرُ مفقود، وإذا سلّم عليه السلم ردّ الله عليه روحه حتّى يردّ ﵇، ولم يفارق الملأ الأعلى!
ومن كثُفَ إدراكه، وغلظت طباعُه عن إدراك هذا، فلينظر إلى الشمس في علوّ محلّها، وتعلّقها، وتأثيرها في الأرض، وحياة النبات والحيوان بها!
هذا، وشأن الرُّوح فوق هذا، فلها شأن، وللأبدان شأن!
وهذه النار تكون في محلّها، وحرارتها تؤثّر في الجسم البعيد عنها، مع أن الارتباط والتعلّق الذي بين الروُح والبدن أقوى وأكمل من ذلك وأتمّ، فشأن الرُّوح أعلى من ذلك وألطف!
فقل للعيون الرُّمْدِ إِيّاكِ أن تَري ... سَنَا الشَّمس فاستغشي ظلام اللّياليا
القول الثالث:
بالجسد يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح (١)، واستدلوا بآية الإسراء .. وقالوا: جعل المسجد الأقصى غاية الإسراء الذي وقع التعجّب به من الكفّار تعجّب استحالة، ومن المؤمنين تعجّب تعظيم، بعظيم قدرة الله الباهرة، والتمدّح بتشريف النبي ﷺ ، وإظهار الكرامة له بالإسراء، ولو كان الإسراء بجسده إلى مكان زائد عن المسجد الأقصى لذكره، فيكون أبلغ
стр. 1474
في المدح، فلمّا لم يقع ذكر المعراج في هذا الموضع مع كون شأنه أعجب، وأمره أغرب بكثير من الإسراء، دلّ على أنه كان مناماً، وأما الإسراء فلو كان مناماً لما كذّبوه ولا استنكروه!
وأجيب كما ذكر ابن المنير بأن حكمة التخصيص بالمسجد الأقصى سؤال قريش له على سبيل الامتحان، على ما شاهدوه وعرفوه من صفة بيت المقدس، وقد علموا أنه لم يسافر إليه، فيجيبهم بما عاين -كما سبق- ويوافق ما يعلمونه، فتقوم الحجة، وكذلك وقع!
ولهذا لم يسألوه عما رأى في السماء، ولا عهد لهم بذلك!
وفي الشامي: وأجاب الأئمّة عن ذلك بأنه استدرجهم إلى الإيمان بذكر الإسراء، فلمّا ظهرت أمارات صدقه، ووضحت لهم براهين رسالته، واستأنسوا بتلك الآية، أخبرهم بما هو أعظم منها، وهو المعراج، فحدّثهم به، وأنزله الله في سورة النجم!
قال ابن حجر (١): ويؤيد وقوع المعراج عقب الإسراء في ليلة واحدة رواية ثابت عن أنس عند مسلم -الحديث الأول الذي سبق- ففي أوّله: "أتيت بالبُراق .. " إلى أن قال: "ثم عرج بنا ... ".
قال ابن القيم (٢): وكان الإسراء مرّة واحدة، وقيل: مرّتين (٣): مرّة يقظة، ومرّة مناماً، وأرباب هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك -الآتي- وقوله: (ثم استيقظت) وبين سائر الروايات!
стр. 1475
ومنهم من قال: بل كان هذا مرّتين، مرَّة قبل الوحي، لقوله في حديث شريك: (وذلك قبل أن يوحى إليه) ومرّة بعد الوحي، كما دلّت عليه سائر الأحاديث!
ومنهم من قال: بل ثلاث مرّات: مرّة قبل الوحي، ومرّتين بعده!
وكلّ هذا خبط، وهذه طريقة ضعفاء الظاهريّة من أرباب النقل الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات، جعلوه مرّة أخرى، فكلما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع!
والصواب الذي عليه أئمّة النقل أن الإسراء كان مرّة واحدة بمكّة بعد البعثة!
ويا عجباً لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مراراً، كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في صلّ مرّة تفرض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردّد بين ربّه وبين موسى، حتى تفسير خمساً، ثم يقول: "أمضيت فريضتي، وخفّفت عن عبادي" ثم يعيدها في المرّة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها عشراً عشراً، وقد غلّط الحفّاظ شريكاً في ألفاظه من حديث الإسراء -كما سيأتي!
تلك هي الأقوال المشهورة، وهناك أقوال أخرى نتحدث عنها في حديث شريك بعون الله وتوفيقه!
ونعود إلى كلام الإِمام ابن القيّم، نعود لنرى تشييده بكلام فلسفي لا يقبله الشيخ عرجون (١)، الذي قال: