← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وقال ابن إسحاق (١): حدّثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس: أن معاوية بن أبي سفيان قال: كانت رؤيا من الله تعالى صادقة! قلت: يعقوب بن عتبة هذا مات سنة ١٢٨ هـ بينما معاوية ﵁ توفي سنة ٦٠ هـ، فالحجة منقطعة؛ لأنه لم يدرك معاوية (٢). وقال ابن القيّم بعد أن ذكر قول ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية، والحسن (٣): ولكن ينبغي أن يُعلم الفرق بين أن يقال: كان الإسراء مناماً، وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده، وبينهما فرق عظيم، وعائشة ومعاوية لم يقولا: كان مناماً، وإنما قالا أسري بروحه ولم يفقد جسده، وفرق بين الأمرين، فإن ما يراه النائم قد يكون أمثالاً مضروبة للمعلوم في الصور المحسوسة، فيرى كأنه قد عُرج به إلى السماء، أو ذُهب به إلى مكّة وأقطار الأرض، وروحه لم تصعد ولم تذهب، وإنما تلك الرؤيا ضرب له المثال، والذين قالوا: عُرج برسول الله ﷺ طائفتان: طائفة قالت: عُرج بروحه وبدنه! وطائفة قالت: عُرِج بروحه ولم يفقد بدنه! وهؤلاء لم يريدوا أن المعراج كان مناماً، وإنما أرادوا أن الروح ذاتها أُسري بها، وعُرج بها حقيقة، وباشرت من جنس ما تباشر به بعد المفارقة، وكان حالها في ذلك كحالها بعد المفارقة في صعودها إلى السماوات سماءً

стр. 1472

سماءً، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فتقف بين يدي الله ، فيأمر فيها بما يشاء، ثم تنزل إلى الأرض، والذي كان لرسول ﷺ ليلة الإسراء أكمل مما يحصل للروح عند المفارقة! ومعلوم أن هذا أمر فوق ما يراه النائم، لكن لما كان رسول الله ﷺ في مقام خَرْق العوائد، حتى شُقَّ بطنه، وهو حيٌّ لا يتألم بذلك، عُرِج بذات روحه المقدّسة حقيقة من غير إماتة، ومن سواه لا ينال بذات روحه الصعود إلى السماء إلا بعد الموت والمفارقة، فالأنبياء إنما استقرّت أرواحهم هناك بعد مفارقة الأبدان، ورُوح رسول الله ﷺ صعدت إلى هناك في حال الحياة ثم عادت، وبعد وفاته استقرّت في الرّفيق الأعلى مع أرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام! ومع هذا، فلها إشراف على البدن، وإشراق وتعلّق به، بحيث يردّ السلام على مَن سلّم عليه (١)! وبهذا التعلّق رأى موسى قائماً يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة، ومعلوم أنه لم يُعرج بموسى من قبره، ثم رُدّ إليه، وإنما ذلك مقام روحه واستقرارها. وقبره مقام بدنه واستقراره إلى يوم معاد الأرواح إلى أجسادها، فرآه يُصَلِّي في قبره، ورآه في السماء السادسة!

стр. 1473

كما أن وجه ﷺ في أرفع مكان في الرّفيق الأعلى مُستقرّة هناك، وبدنه في ضريحه غيرُ مفقود، وإذا سلّم عليه السلم ردّ الله عليه روحه حتّى يردّ ﵇، ولم يفارق الملأ الأعلى! ومن كثُفَ إدراكه، وغلظت طباعُه عن إدراك هذا، فلينظر إلى الشمس في علوّ محلّها، وتعلّقها، وتأثيرها في الأرض، وحياة النبات والحيوان بها! هذا، وشأن الرُّوح فوق هذا، فلها شأن، وللأبدان شأن! وهذه النار تكون في محلّها، وحرارتها تؤثّر في الجسم البعيد عنها، مع أن الارتباط والتعلّق الذي بين الروُح والبدن أقوى وأكمل من ذلك وأتمّ، فشأن الرُّوح أعلى من ذلك وألطف! فقل للعيون الرُّمْدِ إِيّاكِ أن تَري ... سَنَا الشَّمس فاستغشي ظلام اللّياليا القول الثالث: بالجسد يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح (١)، واستدلوا بآية الإسراء .. وقالوا: جعل المسجد الأقصى غاية الإسراء الذي وقع التعجّب به من الكفّار تعجّب استحالة، ومن المؤمنين تعجّب تعظيم، بعظيم قدرة الله الباهرة، والتمدّح بتشريف النبي ﷺ ، وإظهار الكرامة له بالإسراء، ولو كان الإسراء بجسده إلى مكان زائد عن المسجد الأقصى لذكره، فيكون أبلغ

стр. 1474

في المدح، فلمّا لم يقع ذكر المعراج في هذا الموضع مع كون شأنه أعجب، وأمره أغرب بكثير من الإسراء، دلّ على أنه كان مناماً، وأما الإسراء فلو كان مناماً لما كذّبوه ولا استنكروه! وأجيب كما ذكر ابن المنير بأن حكمة التخصيص بالمسجد الأقصى سؤال قريش له على سبيل الامتحان، على ما شاهدوه وعرفوه من صفة بيت المقدس، وقد علموا أنه لم يسافر إليه، فيجيبهم بما عاين -كما سبق- ويوافق ما يعلمونه، فتقوم الحجة، وكذلك وقع! ولهذا لم يسألوه عما رأى في السماء، ولا عهد لهم بذلك! وفي الشامي: وأجاب الأئمّة عن ذلك بأنه استدرجهم إلى الإيمان بذكر الإسراء، فلمّا ظهرت أمارات صدقه، ووضحت لهم براهين رسالته، واستأنسوا بتلك الآية، أخبرهم بما هو أعظم منها، وهو المعراج، فحدّثهم به، وأنزله الله في سورة النجم! قال ابن حجر (١): ويؤيد وقوع المعراج عقب الإسراء في ليلة واحدة رواية ثابت عن أنس عند مسلم -الحديث الأول الذي سبق- ففي أوّله: "أتيت بالبُراق .. " إلى أن قال: "ثم عرج بنا ... ". قال ابن القيم (٢): وكان الإسراء مرّة واحدة، وقيل: مرّتين (٣): مرّة يقظة، ومرّة مناماً، وأرباب هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك -الآتي- وقوله: (ثم استيقظت) وبين سائر الروايات!

стр. 1475

ومنهم من قال: بل كان هذا مرّتين، مرَّة قبل الوحي، لقوله في حديث شريك: (وذلك قبل أن يوحى إليه) ومرّة بعد الوحي، كما دلّت عليه سائر الأحاديث! ومنهم من قال: بل ثلاث مرّات: مرّة قبل الوحي، ومرّتين بعده! وكلّ هذا خبط، وهذه طريقة ضعفاء الظاهريّة من أرباب النقل الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات، جعلوه مرّة أخرى، فكلما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع! والصواب الذي عليه أئمّة النقل أن الإسراء كان مرّة واحدة بمكّة بعد البعثة! ويا عجباً لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مراراً، كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في صلّ مرّة تفرض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردّد بين ربّه وبين موسى، حتى تفسير خمساً، ثم يقول: "أمضيت فريضتي، وخفّفت عن عبادي" ثم يعيدها في المرّة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها عشراً عشراً، وقد غلّط الحفّاظ شريكاً في ألفاظه من حديث الإسراء -كما سيأتي! تلك هي الأقوال المشهورة، وهناك أقوال أخرى نتحدث عنها في حديث شريك بعون الله وتوفيقه! ونعود إلى كلام الإِمام ابن القيّم، نعود لنرى تشييده بكلام فلسفي لا يقبله الشيخ عرجون (١)، الذي قال:

стр. 1476

لابدّ من التساؤل حينئذ أمام الحماسة المتدفّقة في تشييد بناء هذا القول المتداعي: هل كان التصوّر للإسراء على قول القائلين بالرّوح ولم يفقد جسده ﷺ موجوداً في ذهن رسول الله ﷺ ، حين أخبر مجتمع الكفر من قريش برحلته الإعجازيّة، فاستمعوا له ما بين مصفّق وضاحك وساخر، إنكاراً وتكذيباً لما قال لهم، وحين استوصفوه المسجد الأقصى، وكان رسول الله ﷺ لم يثبت في ذاكرته بعض أشياء منه، فكرب كرباً شديداً، فجلاّه ربّ العزّة في الحجر، فجعل ينظر إليه ويخبر عمّا يسألون، فلمّا وافق وصفه ما عندهم ممّا عرفوه عن المسجد الأقصى، لكثرة تردّدهم عليه للتجارة وغيرها، قال قائلهم: أمّا الوصف فقد صدق فيه؟ وهل المسلمون وهم يستمعون إلى نبيّهم ﷺ يتحدّث عن رحلته الإعجازيّة يفهمون أنها رحلة روح فقط، تركت جسدها وانسلخت منه، ثم عادت إليه؟ ففيم إذن كان موقف الذين لم يصدقوا، وهم يعلمون أن الرُّوح لها شأنها الخاص الذي لا تقيّده المادّيّات، فتنطلق إلى أقصى المشرق ثم تعود إلى أقصى المغرب في لحظات من الزمن، وتباشر من الأمور المادّيّة ما يقتضي أعواماً وشهوراً، لو كان حصوله حصولاً ماديًّا؟ وهل كان ملأ قريش حين استمعوا إليه ﷺ ، وهو يحدثّهم عن رحلته، وعجائب ما رأى فيها من آيات الله في ملكوته في طريقه ذهاباً وجيئةً يفهمون أنها رحلة روح انسلخت عن جسدها، وتركته حيًا، حتى عادت إليه، وامتزجت به، كما كان حالها قبل الرحلة؟

стр. 1477

وإذن ففيم كان الإنكار والتكذيب والاستسخار؟! وهم يعلمون أن الأرواح لا ينكر عليها قطع المسافات البعيدة جدًا في زمن يسير، وقد قالوا في إنكارهم: إننا نضرب لها أكباد الإبل شهراً مصعدةً وشهراً آيبةً، وأنت تقول: إنك ذهبت إليها في لحظة من ليل، ثم عدت إلينا تحدّثنا؟ وهل لهذا الطراز من التخيّلات سند من أمثاله وشواهده في آثار الأنبياء ومعجزاتهم مثل ما وجد من الشواهد لنقل جسم عظيم من مكان قصيّ البعد في لحظة من ارتداد طرف العين، كنقل عرش ملكة سبأ، وهو ثابت بنصّ القرآن الكريم؟ وانسلاخ الروح عن الجسم وبقاؤه حيًّا ينتظرها هوس إشراقي متفلسف، انتقل إلى بعض الفارغين من أدعياء التصوّف الإشراقي الفلسفي، وقد جاء في بعض شروح عينيّة ابن سينا أن بعض متقدّمي متفلسفة الإشراق الوثنييّن قال: انسلخت عن بدني فعرفت من أنا، فهل هذا الهوس المأفون يتفق في شيء مع منهج الإِسلام وشريعته؟! ومن العجيب أن الإِمام ابن القيّم افتتح حديثه عن الإسراء -كما أسلفنا- بقوله: ثم أسري برسول الله ﷺ بجسده على الصحيح من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، راكباً على البراق، صحبة جبريل عليهما الصلاة والسلام! ففي قوله على الصحيح دليل على أن مقابله ليس صحيحاً، وإذا كان ذلك كذلك ففي أيّ شيء كانت الحماسة لتشييد قول غير صحيح، وإهمال القول الصحيح لمجرد السرد، وقصص الروايات؟

стр. 1478

إن آية الإسراء والمعراج كانت إعجازاً من الله تعالى، كرّم به نبيّه وحبيبه محمداً ﷺ ، أسرى به من المسجد الحرام بمكّة إلى المسجد الأقصى بإيلياء من الشام بروحه وجسده، وهو ﷺ كامل البشريّة، فأراه من عجائب آياته في ملكوته ما أراه، حفاوة به، وتشريفاً له ولأمّته، وعرج به جسماً وروحاً في كامل بشريّته، فسما في عروجه حتى سمع صريف أقلام الغيب تجري بمقادير الخلق في الكون، وفرضت عليه الصلاة، وأوتي من المنح الإلهيّة علماً وعملاً وبهاءً ما لم يؤت مثله أخذ من العالمين! هذا اعتقاد المسلمين كافة، وهو ما ندين الله عليه ونعتقده، والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين! قول باطل: ومع هذا فقد قال الدكتور هيكل بعد أن قدّم قول القائلين بأن الإسراء والمعراج إنما كانا بروح محمَّد ﷺ (١) وفي رأي آخرين أن الإسراء من مكّة إلى بيت المقدس كان بالجسد، مستدّلين على ذلك بما ذكر محمَّد ﷺ أنه شاهده في البداية .. وأن المعراج إلى السماء كان بالروح، ويذهب غير هؤلاء وأولئك إلى أن الإسراء والمعراج كانا جميعاً بالجسد. قلت: سبق بيان قول الجمهور مع الأدلة في هذا! وقال: ولنا في حكمة الإسراء رأي نبديه، ولسنا ندري أسبقنا إليه أم لم

стр. 1479

نُسبق، لكنا قبل أن نبدي هذا الرأي، بل لكي نبديه، يجب أن نروي قصّة الإسراء والمعراج على نحو ما جاءت به كتب السيرة! وذكر تصوير المستشرق (درمنجم) هذه القصّة ... ! ولا أدري كيف ينقل عن هذا المستشرق آية الإسراء والمعراج، ولا يذكر الأحاديث السابقة أو بعضها مما يثبت تواتر الحديث -كما قال المرتضى الزبيدي (١) - حيث رواه من الصحابة سبعٌ وعشرون نفساً، وأوصلهم الكتاني إلى خمسة وأربعين صحابيًا (٢)! وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية (٣): وأحاديث المعراج، وصعوده إلى ما فوق السماوات، وفرض الربّ عليه الصلوات الخمس حينئذ، ورؤيته لما رآه من الآيات، والجنّة والنار، والملائكة والأنبياء في السماوات، والبيت المعمور، وسدرة المنتهى وغير ذلك مما هو معروف متواتر في الأحاديث، وهذا النوع لم يكن لغيره من الأنبياء مثله، يظهر به تحقيق قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (البقرة: ٢٥٣)!

стр. 1480

فالدرجات التي رُفعَها محمَّد ﷺ ليلة المعراج -وسَيُرْفَعُها في الآخرة، كالمقام المحمود الذي يغَبطه به الأوّلون والآخرون- ليس لغيره مثلها .. ! قلت: ومع هذا التواتر للأحاديث لم يجد الدكتور هيكل إلا تصوير هذا المستشرق، وفيه ما فيه من طعن في الروايات المتواترة للإسراء والمعراج، مع أنه اعترف صراحة بأن في تصوير (درمنجم) خلافاً بزيادة أو نقص! أمّا عن هذا الرأي الذي أبداه، فقد أشار إليه بعنوان: الإسراء ووحدة والوجود: وقال: ففي الإسراء والمعراج في حياة محمَّد الرُّوحيّة معنى سام غاية السمو، معنى أكبر من هذا الذي يصوّرون، والذي قد يشوب بعضه من خيال المتكلّمة الخصب حظّ غير قليل، فهذا الرُّوح القويّ قد اجتمعت فيه في ساعة الإسراء والمعراج (وحدة هذا الوجود) بالغةً غاية كمالها، لم يقف أمام ذهن محمَّد وروحه في تلك الساعة حجاب من الزمان أو المكان أو غيرهما من الحجب التي تجعل حكمنا نحن في الحياة نسبيًا محدوداً بحدود قوانا المحسّة والمدبِّرة والعاقلة، تداعت في هذه الساعة كل الحدود أمام بصيرة محمَّد، واجتمع الكون كله في روحه، فوعاه منذ أزله إلى أبده وصوره في تطوّر وحدته إلى الكمال عن طريق الخير والفضل والجمال والحق في مغالبتها وتغلّبها على الشرّ والنقص، والقبح والباطل، بفضل من الله ومغفرة! وليس يستطيع هذا السموّ إلا قوّة فوق ما تعرف الطبائع الإنسانيّة، فإذا

стр. 1481

جاء بعد ذلك ممن اتّبعوا محمداً مَن عجز عن متابعته، في سموّ فكرته، وقوة إحاطته بوحدة الكون في كماله وفي جهاده لبلوغ هذا الكمال، فلا عجيب في ذلك ولا عيب فيه، والممتازون من الناس والموهوبون منهم درجات، وبلوغنا الحقيقة معرّض دائماً لهذه الحدود التي تعجز قوانا عن تخطيها! وإذا كان من القياس مع الفارق أن نذكر، لمناسبة ما نحن الآن بصدده، قصّة أولئك المكفوفين الذين أرادوا أن يعرّفوا الفيل ما هو؟ فقال أحدهم: إنه حبل طويل؛ لأنه صادف ذنبه! وقال الآخر: إنه غليظ كالشجرة؛ لأنه صادف رجله! وقال ثالث: إنه مدبّب كالرمح؛ لأنه صادف سنّه! وقال رابع: إنه مستدير ملتو؛ كثير الحركة؛ لأنه صادف خرطومه! فإن هذا المثل، مقروناً إلى الصورة لدى المبصر من الفيل لأول ما يراه، يسمح لنا بالموازنة بين إدراك محمَّد عنه (وحدة الكون والوجود)، وتصويره في الإسراء والمعراج؛ حيث يتّصل بأول الزمن من قبل آدم إلى آخره يوم البعث، وحيث تنعدم نهائية المكان، إذ يُطل بعين البصيرة من لدن سدرة المنتهى إلى هذا الكون يصبح أمامه سديماً، وبين ما يستطيع الكثير إدراكه من حكمة هذا الإسراء والمعراج، إذ يقفون عند تفاصيل ليست من وحدة الكون وحياته إلا كذرّات الجسم، بل كالذرّات العائقة به من غير أن يتأثّر بها نظامه، أين الواحدة من هذه الذرّات من حياة هذا الجسم، ومن

стр. 1482

نبض قومه، وإشراق روحه، وضياء ذهنه، وامتلائه بالحياة التي لا تعرف حدًّا؛ لأنها تتّصل من الوجود بكل حياة الوجود! والإسراء بالرّوح هو في معناه كالإسراء والمعراج بالرّوح جميعاً، سموًا وجمالًا وجلالاً، فهو تصوير قويٌّ للوحدة الرّوحيّة من أزل الوجود إلى أبده، فهذا التعريج على جبل سيناء، حيث كلم الله موسى تكليماً، وعلى بيت لحم حيث ولد عيسى، وهذا الاجتماع الرّوحيّ ضمّت الصلاة فيه محمدًا وعيسى وموسى وإبراهيم، مظهر قويٌّ لوحدة الحياة الدّينيّة، على أنها من قوام وحدة الكون في مَوْره الدائم إلى الكمال! والعلم في عصرنا الحاضر يقرّ هذا الإسراء بالرُّوح، ويقرّ المعراج بالرُّوح، فحيث تتقابل القوى السليمة يشعّ ضوء الحقيقة، كما أن تقابل قوى الكون في صورة معيّنة قد طوّع لـ (ماركوني)، إذ سلّط تيّاراً كهربائيًا خاصًا من السفينة التي كانت راسيةً بـ (البندقيّة)، وأن يضيء بقوّة موجات الأثير مدينة (سدني) في (أستراليا)! وفي عصرنا هذا يقرّ العلم نظريات قراءة الأفكار، ومعرفة ما تنطوي عليه، كما يقرّ انتقال الأصوات على الأثير ب (الراديو)، وانتقال الصور والمكتوبات كذلك، مما كان يعتبر فيما مضى بعض أفانين الخيال! وما تزال القوى الكمينة في الكون تتكشّف لعلمنا كل يوم عن جديد .. فإذا بلغ روح من القوّة، ومن السلطان، ما بلغت نفس محمَّد، فأسرى به الله ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله، ليريه من آياته، كان ذلك مما يقرّ العلم، وكانت حكمة ذلك هذه المعاني القويّة

стр. 1483

السامية في جمالها وجلالها، والتي تصوّر الوحدة الرّوحيّة، ووحدة الكون في نفس محمَّد تصويراً صريحاً، يستطيع الإنسان أن يصل إلى إدراكه إذا هو حاول السموّ بنفسه عن أوهام العاجلة في الحياة، وحاول الوصول إلى كنه الحقيقة العليا، ليعرف مكانه، ومكان العالم كله منها! لم يكن العرب من أهل مكة ليستطيعوا إدراك هذه المعاني، لذلك ما لبثوا حين حدّثهم محمَّد بإسرائه أن وقفوا عند الصورة المادّيّة من أمر هذا الإسراء، وإمكانه أو عدم إمكانه! ثم ساور أتباعه والذين صدّقوه أنفسهم بعض الرّيب فيما يقول! وقال كثيرون: هذا، والله إن العير لتطرد شهراً من مكّة إلى الشام مدبرة، وشهراً مقبلة، أيذهب محمَّد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكّة؟! ثم قال: وذهب من أخذتهم الرّيبة في الأمر إلى أبي بكر وحدّثوه حديث محمَّد، فقال أبو بكر: (والله لئن كان قاله لقد صدق، وما يعجبكم من ذلك! فوالله! إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار، فهذا أبعد مما تعجبون منه) ثم أقبل على النبي ﷺ يسأله عن وصفه، وكلما ذكر شيئاً قال: صدقت، أشهد أنك رسول الله .. فقال النبي ﷺ : "وأنت يا أبا بكر الصدّيق، فيومئذ سماه الصدّيق"! (١) قال: ويدلل الذين يقولون إن الإسراء بالجسد على رأيهم بأن قريشاً لمّا

стр. 1484

سمعت بأمر سراقة سألته وسأله الذين آمنوا به عن آية ذلك، فإنهم لم يسمعوا بشيء من مثله، فوصف لهم عيراً مرّ بها في الطريق، فضلّت دابّة من العير فدلهّم عليها، وأنه شرب من عير أخرى وغطّى الإناء بعد أن شرب منه، فسألت قريش في ذلك فصدّقت العير ما روى محمَّد عنهما! وأحسبك لو سألت الذين يقولون بالإسراء بالرُّوح في هذا لما رأوا فيه عجباً بعد الذي عرف العلم في وقتنا الحاضر من إمكان التنويم المغناطيسي للتحدّث عن أشياء واقعة في جهات نائية، ما بالك بروح يجمع وحدة الحياة الرّوحيّة في الكون كله، ويستطيع بما حباه الله من قوّة يتّصل بسرّ الحياة من أزل الكون إلى أبده! إبطال وحدة الوجود: هذا، والقول بـ (وحدة الوجود) قول شيطاني قديم، أبان بطلانه كثير من المحققين، كما أبان إبطاله والردّ على القائلين به، شيخ الإِسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى! (١) وحسبنا أن نذكر قول شيخنا الأستاذ الدكتور محمَّد أبو شهبة ﵀ (٢): إن فكرة (وحدة الوجود) فكرة خاطئة وافدة إلى الإِسلام فيما وقد إليه

стр. 1485

من آراء فاسدة، لا يشهد لها عقل ولا نقل، وهي من مخلّفات الفلسفات القديمة، وفيها ما فيها من أخطاء وأباطيل، وقد انتصر لها وتشيّع بعض المتصوفة الذين ينتسبون إلى الإِسلام، وكتبوا فيها فكان عاقبتهم الإلحاد في الله وصفاته! وقد أبان بطلانها كثير من علماء الأمة الراسخين في العلم، المتثبّتين في العقيدة، والقول بها يؤدّي إلى القول بالطبيعة، وقدم العالم، وإنكار الألوهيّة، وهدم الشرائع السماويّة التي قامت على أساس التفرقة بين الخالق والمخلوق، وبين وجود الربّ، ووجود العبد، وتكليف الخالق للخلق بما يحقّق لهم السعادة! ومقتضى هذا المذهب أن الوجود واحد، فليس هناك خالق ومخلوق، ولا عابد ومعبود، ولا قديم وحادث، وعابدو الأصنام والكواكب والحيوانات حين عبدوها إنّما عبدوا الحق؛ لأن وجودها الحق .. إلى آخر خرافاتهم التي ضلّوا بسببها، وأضلّوا غيرهم، والتي أضرّت بالمسلمين، وجعلتهم شيعاً وأحزاباً .. ولقد بلغ من بعضهم أنه قال: إن النصارى ضلّوا لأنّهم اقتصروا على عبادة ثلاثة، ولو أنهم عبدوا الوجود كله لكانوا راشدين، وقال بعض المعتنقين لهذه الفكرة: العبد حق والرّبّ حق ... يا ليت شعري من المكلّف؟ إِن قلت عبدٌ فذاك ربّ ... أو قلت ربٌّ أنّى يكلّف؟

стр. 1486

قال الإِمام تقيّ الدين أحمد بن تيمية الحراني في بعض كتبه، بعد أن ذكر الفناء المحمود، والفناء المذموم: ولهذا لمَّا سلك ابن عربي، وابن سبعين، وغيرهما هذه الطرق الفاسدة أورثهم ذلك (الفناء) عن وجود السويّ، فجعلوا الوجود واحداً، ووجود كل مخلوق هو عين وجود الحق، وحقيقة الفناء عندهم أن لا يرى إلا الحق، وهو الرائي والمرئي، والعابد والمعبود، والذاكر والمذكور، والناكح والمنكوح، والأمر الخالق هو الأمر المخلوق، وهو المتّصف بكل ما يوصف به الوجود من مدح وذم، وعبّاد الأصنام ما عبدوا غيره، وما ثمّ موجود مغاير له البتة عندهم، وهذا منتهى سلوك هؤلاء الملحدين!! وأكثر هؤلاء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود يقولون: فرعون أكمل من موسى، وإن فرعون صادق في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ لأن الوجود فاضل ومفضول، والفاضل يستحق أن يكون ربّ المفضول، ومنهم من يقول: (إنه مات مؤمناً، وأن تغريقه كان ليغتسل غسل الإِسلام) (١)!! فالحق أن فكرة (وحدة الوجود) فكرة زائفة، تصادم نصوص الدّين القطعية، ولا يدل عليها شيء، من قرآن أو سنّة، وأن العقيدة الإِسلاميّة السمحة براء من مذهب (وحدة الوجود)!

стр. 1487

إنكار النصوص وتحريفها: ثم إن تفسير الإسراء والمعراج بهذه الفكرة، وتصويرها هذا التصوير الذي ارتضاه (هيكل) يقتضي إنكارها، على حسب ما جاء به القرآن القطعيّ، والسنّة الصحيحة المشهورة -كما أسلفنا- فليس ثمّة إسراء حقيقة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بذات النبيّ ﷺ ، وليس هناك عروج بالنبيّ من بيت المقدس إلى السماوات السبع وما فوقهن، ولا صلاة بالأنبياء، ولا لقاء ولا تسليم، ولا تكليم الله لنبيّه، وإنما كل ذلك تمثيل وتقريب! وما الداعي إلى ذلك ما دام الكون كله قد اجتمع في روح النبي ﷺ -كما قال صاحب هذا الرأي: فالمسجد الحرام في وجه، والأقصى في روحه، والسماوات وما فيهنّ في روحه، ووجودها في وجوده. إغراب وتشويش: ثم ما الداعي إلى كل هذا التكلّف والإغراب من الدكتور هيكل في فهم نصوص صريحة، جاءت بلسان عربيّ مبين؟ وما الذي حدا به إلى أن (يشطح) هذه (الشطحات) التي لا داعي إليها! إن الإسراء والمعراج كما جاء بهما القرآن والأحاديث الصحاح المتواترة أقرب منالًا، وأشدّ استساغة لعقول الناس مما ذهب هو إليه .. ولو جلست زماناً لتفهم رجلاً أميًّا أو متعلّماً، بالإسراء والمعراج -على ما رأى الدكتور-

стр. 1488

ما أنت بمستطيع إفهامه هذه الألغاز والطلاسم التي حاول بها إحداث رأي جديد، لا يدري أسبق إليه أم لا! وهل تصوير الإسراء والمعراج بهذا التصوير إلا إشكال على عقول الكثرة من الناس، ومخاطبة لهم بما لا تبلغه عقولهم ومداركهم، وقد أُمرنا أن نحدّث الناس بما يعقلون، وأن ندع ما ينكرون، وفي الحكم الذهبية عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﷺ : (ما أنت بمحدّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة). (١) الحق أن الإغراب على القراء بمثل هذه الأفكار المسمومة، والآراء الشاذّة الغريبة تشكيك لهم في عقائدهم الصحيحة، وتسميم لعقولهم، وانحراف بهم عن فطرتهم السليمة، والحق أبلج لا يحتاج إلى تكلّف، وتعمّل وتفلسف، من غير داع: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ (ص)! كما أنه أثر من آثار مجاراة المستشرقين ومتابعتهم في أفكارهم! طريق الكفاح في مسير الدعوة: ومعلوم أن آية الإسراء والمعراج من أعجب ما أوتي الأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وتسليماته، رسمت في إطارها الإعجازي طريق مسير الرسالة في تشريعها، وتطبيق أحكامها، بما شاهد فيها رسول الله ﷺ ،

стр. 1489

ورأى من آيات ربّه في ملكوته من عجائب الكون التي أوتيها رسول الله ﷺ في صور من عالم الغيب، تتضاءل أمام جلالها وعظمتها كل صور المشاهد الأرضيّة! (١) وهذه الآيات لعجائب الملكوت هي في الحقيقة موطن الحفاوة بالنبي ﷺ ، ليمسح الله بها كل أثر لقيه ﷺ من آثار الفجور الوثنيّ، وطغيان الشرك، وعتوّ العناد، وبأو الاستكبار، والبغي في معاملة هؤلاء الفجرة له ﷺ ولأصحابه، ليزداد ﷺ علماً بأن رسالته في عمومها الأشمل، وخلودها المؤبّد، رسالة كفاح صبور أبديّ مستمر، ما قامت الحياة على ظهر هذه الأرض، وأنها دعوة نضال لا يعرف التوقّف والمهادنة؛ لأنها دعوة تستهدف إخراج الإنسانيّة من ظلمات الظلم والجهل إلى نور العدل والعلم، وتطهير هذه الإنسانيّة من أوضار الشرك، ورجس الوثنيّات، في صورها كافة وأشكالها، مهما ألبست من لبوس العلم الزائف والمعرفة المتهافتة -كما عرفنا في دعوى وحدة الوجود- وإنقاذ الحياة من ظلم الطغيان الممثل في جبروت المستعبدين للبشريّة في صورة زعماء وحكام وأباطرة، وثراء في المال، يسخّرونهم لقضاء شهواتهم الفاجرة، ويعملون على سرمدة الجهل فيهم، لتدوم لهم طاعتهم وتسخيرهم عبيداً لا يعرفون طعم الحريّة في حياتهم، حتى يعلم الناس كل الناس في مشارق الأرض ومغاربها أن التأسّي بالنبيّ ﷺ يتمثّل في إقامة منهجه في رسالته علماً وعملاً، وصبراً وجهاداً!

стр. 1490

وحتى يعلم وارثو منهجه ﷺ في الدعوة إلى الحق من حملة دعوته ورسالته المنتصبين للدعوة .. أنهم يحملون أثقال ما حُمّل رسول الله ﷺ في تطبيق منهجه على أنفسهم، وأقرب المقرّبين إليهم، وأبعد الأبعدين عنهم، ليكونوا مُثلاً حيّةً لحياته ﷺ في تبليغ رسالته، ونشر دعوته، تتحرّك بين الناس، حاملة لواء الوراثة النبويّة، يخفق في آفاق الأرض منادين: أن رسالة محمَّد ﷺ عقد لواء انتصارها على عتوّ المعاندين المستكبرين في الأرض في ظلّ (سدرة المنتهى) ليلة شرّفه الله بالإسراء والمعراج، وما عقد في السماء فلن يحلّ في الأرض! فلتسمع الدنيا بمن فيها وما فيها صوت الحق والخير والهدى في هذه الرسالة السرمديّة، وليستجب الذين يسمعون إلى دعوة العدل والحبّ والإخاء الإنسانيّ لله ولرسوله ﷺ ، وهو يدعوهم لما يحييهم! وعندئذ تتحقّق لهؤلاء الدعاة إلى الله، وراثة منهج محمَّد ﷺ في مشاهدة آثار آيات الله، وأعاجيب ملكوته، وأسرار ملكه في خزائنها في قلوب العباد؛ لأن كل قلب يفتح للحق والخير والتراحم الإنسانيّ هو سماء من سماوات البشريّة، تنحدر منه غيوث بشائر الإيمان والهدى والإخاء المواسي، بل المؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة! هكذا كان واقع رسالة محمَّد ﷺ في الحياة، بعد أن شرّفه الله تعالى بآية الإسراء والمعراج؛ لأنها كانت مبدأ التمكين في التطبيق العملي .. وهكذا كان تطبيق منهجه ﷺ الذي رجع به من رحلة السماء بين الناس والأشياء!

стр. 1491

دعاة على الطريق: والدعاة إلى الله بأيديهم مفاتيح القلوب التي أنزلت مع محمَّد ﷺ من سماء العزّة ليلة الإسراء والمعراج .. أمانة يتقلّدها العلماء بالله في أعناقهم، ليؤدّوها إلى أهلها، منهجاً وسلوكاً، كما أدّاها خاتم المرسلين ﷺ في حياته المباركة! ويوم تقاعس حاملو أمانة الوراثة في تبليغ الرسالة، ونشر دعوة الحق والنور والهدى، مُخْلدين إلى الأرض، تَلَمُّظاً للدّنيا، وغروراً بزخارفها وشهواتها .. وليس لهم منها إلا ما يتساقط من فتات موائد المفتونين بها من المترفين -لم يبق لهم من هذه الوراثة إلا عبء التحمّل في الدنيا وعسير الحساب في الآخرة، وقد ضُربت ليلة الإسراء والمعراج لهم الأمثال -كما سيأتي- لو كانوا يعقلون: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ (العنكبوت)! هذه حقائق يجب أن تستخلص من واقع آية الإسراء والمعراج ووقائعها وأحداثها في الأرض وفي السماء .. والروايات -كما سبق أن عرفنا- تصوّر ذلك أكمل تصوير!

стр. 1492

وقت الإسراء والمعراج: وأما عن الوقت فقد قال ابن حجر (١): اختلف في وقت المعراج، فقيل: كان قبل المبعث، وهو شاذ، إلا إن حُمل على أنه وقع حينئذ في المنام! قلت: وسيأتي بيان ذلك في ردّ الشبهة الأولى في حديث شريك! قال: وذهب الأكثر إلى أنه كان بعد المبعث، ثم اختلفوا، فقيل: قبل الهجرة بسنة، قاله ابن سعد وغيره (٢)، وبه جزم النووي، وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه، وهو مردود، فإن في ذلك اختلافًا كثيرًا يزيد على عشرة أقوال! وسيأتي مزيد بيان في الرد على ما ذهب إليه ابن حزم في ردّ الشبهة الثانية في حديث شريك! وقال: منها ما حكاه ابن الجوزي أنه كان قبلها بثمانية أشهر، وقيل: بستة أشهر، وحكى هذا الثاني أبو الربيع بن سالم (٣)، وحكى ابن حزم مقتضى الذي قبله؛ لأنه قال: كان في رجب سنة اثنتي عشرة من النبوّة، وقيل: بأحد عشر شهرًا، جزم به إبراهيم الحربي، حيث قال: كان في ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، ورجّحه ابن المنير في شرح السيرة لابن عبد البر،

стр. 1493

وقيل: قبل الهجرة بسنة وشهرين، حكاه ابن عبد البر، وقيل: قبلها بسنة وثلاثة أشهر، حكاه ابن فارس، وقيل: بسنة وخمسة أشهر، قاله السدي، وأخرجه من طريقه الطبريّ، والبيهقيّ، فعلى هذا كان في شوال أو في رمضان، على إلغاء الكسرين منه، ومن ربيع الأوّل، وبه جزم الواقدي، وعلى ظاهره ينطبق ما ذكره ابن قتيبة، وحكاه ابن عبد البر، أنه كان قبلها بثمانية عشر شهرًا، وعند ابن سعد (١) عن ابن أبي سبرة أنه كان في رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا، وقيل: كان في رجب، حكاه ابن عبد البر، وجزم به النوويّ في الروضة. (٢) قال السيوطي: المشهور أنه في رجب. (٣) وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين، حكاه ابن الأثير، وحكى عياض وتبعه القرطبي والنوويّ عن الزهري أنه كان قبل الهجرة بخمس سنين، ورجّحه عياض ومن تبعه. (٤) قال السيوطي (٥): وأما تعيين تلك الليلة، فعيّنها ابن سعد (٦) ليلة السبت لسبع عشرة من رمضان وقال ابن المنير كالحربي: إنها ليلة سبع

стр. 1494

وعشرين من ربيع الآخر، وبذلك رجّح القول بأنّه في ربيع الآخر قبل الهجرة بأحد عشر شهرًا؛ لأنه أحاط بتفصيل القضيّة وحرّرها بخلاف غيره، قال: -أي ابن المنير- ويمكن أن يعين اليوم الذي أسفرت عنه هذه الليلة، ويكون يوم الإثنين، استقراء من تاريخ الهجرة، فإنها على الأصح كانت يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الأوّل .. ثم قال: ويكون أول ربيع الآخر، وهو شهر الإسراء الأربعاء، بفرض ربيع الأوّل تامًا، وحينئذ فالسابع والعشرون منه الإثنين، وهو اليوم الذي أسفرت ليلة الإسراء عنه إن شاء الله، وحينئذ يوافق مولده يوم الإثنين، ومبعثه يوم الإثنين، وكذا هجرته ووفاته، فإن هذه الخمسة أطوار الانتقالات النبويّة، واتفق على أربعة منها أنها يوم الإثنين، فيقرب جدًا في الخامس أن يكون أسوتها، ويكون يوم الإثنين في حقّه ﷺ كيوم الجمعة في حق آدم ﵇! وقيل (١): الجمعة، وقيل: السبت، وقيك: ليلة السابع والعشرين من رجب، وعليه عمل الناس .. ثم قال: ذلك مما يغلب على الظنّ كونه راجحًا، واختاره المقدسي! بدء الإسراء: هذا عن الزمان، وأمّا ما ورد في المكان الذي بدأ منه الإسراء، فقد سبق في رواية الحديث الثاني قوله ﷺ : "فرُجّ عن سقف بيتي، وأنا بمكة" الحديث. وفي الحديث الثالث: "بينا أنا عند البيت" الحديث، لكن ورد

стр. 1495

في رواية للبخاري: "بينا أنا في الحطيم (١) - وربما قال في الحجر (٢) - مضطجعًا". (٣) والمراد بقوله: "في الحطيم" كما قال ابن حجر: الحجر (٤)، وأبعد من قال: المراد به ما بين الركن والمقام، أو بين زمزم والحجر، وهو وإن كان مختلفًا في الحطيم هل هو الحجر أم لا .. لكن المراد هنا بيان البقعة التي وقع ذلك فيها، ومعلوم أنها لم تتعدّد؛ لأنّ القصّة متّحدة؛ لاتّحاد مخرجها! وقيل: من شعب (٥) أبي طالب، وقيل: من بيت أم هانئ، وقيل: غير ذلك. (٦) قال ابن حجر بعد أن ذكر طرفًا من ذلك (٧): والجمع بين هذه الأقوال أنه نام في بيت أم هانئ، وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيته، وأضاف البيت إليه، لكونه كان يسكنه، فنزل منه الملك، فأخرجه من البيت إلى المسجد، فكان به مضطجعًا، وبه أثر النعاس، ثم أخرجه الملك

стр. 1496

إلى باب المسجد، فأركبه البراق، وقد وقع في مرسل الحسن عند ابن إسحاق أن جبريل أتاه، فأخرجه إلى المسجد، فأركبه البراق، وهو يؤيّد هذا الجمع!

стр. 1497

شبهات .. وردُّها

стр. 1498

شبهات ... وردُّها * حديث شريك. * الشبهة الأولى وردّها. * الشبهة الثانية وردّها. * الشبهة الثالثة وردّها. * الشبهة الرابعة وردّها. * الشبهة الخامسة وردّها. * الشبهة السادسة وردّها. * الشبهة السابعة وردّها. * الشبهة الثامنة وردّها. * رؤية النبي ﷺ ربَّه ليلة المعراج. * ثلاثة أقوال. - القول الأوّل. - القول الثاني. - بين القولين. - القول الثالث. - الراجح من الأقوال. * الشبهة التاسعة وردّها. * الشبهة العاشرة وردّها. * بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.

стр. 1499

شبهات ... وردُّها حديث شريك: كثر الكلام حول حديث شريك -كما أسلفنا- وأثيرت شبهات كثيرة! وإليك الحديث: قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني سليمان، عن شريك بن عبد الله أنه قال: سمعت ابن مالك يقول: ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يُوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أوّلهم: أيّهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال أحدهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى، فيما يرى قلبه، وتنام عينه، ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه، فوضعوه عند بئر زمز، فتولاه منهم جبريل، فشقّ جبريل ما بين نحره إلى لبّته، (١) حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده، حتى أنقى جوفه، ثم أتى

стр. 1500

بطست من ذهب فيه تَوْرٌ (١) من ذهب، محشُوًّا إيمانًا وحكمةً، فحشا به صدره ولغاديده -يعني عروق حلقه- (٢)، ثم أطبقه! ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابًا من أبوابها، فناداه أهل السماء، من هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمَّد، قال: وقد بُعث؟ قال: نعم، قالوا: فمرحبًا به وأهلًا، فيستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض، حتى يعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك فسَلِّمْ عليه، فَسَلَّمَ عليه، وردّ عليه آدم، وقال: مرحبًا وأهلًا بابني، نعم الابن أنت! فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطّردان، فقال: "ما هذان النهران يا جبريل؟ " قال: هذان النِّيل والفرات، عنصرهما (٣)، ثم مضى في السماء، فإذا نهر آخر عليه قصرٌ من لؤلؤ وزبرجد، فضرب يده فإذا هو مسك أذْفر (٤)، قال: "ما هذا يا جبريل؟ " قال: هذا الكوثر الذي خَبَأ لك ربّك!

стр. 1501

ثم عرج إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى، من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمَّد ﷺ ، قالوا: وقد بُعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به وأهلًا! ثم عرج به إلى السماء الثالثة، وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية! ثم عرج به إلى الرابعة، فقالوا له مثل ذلك! ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فقالوا له مثل ذلك! ثم عرج به إلى السادسة، فقالوا له مثل ذلك! ثم عرج به إلى السماء السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سمّاهم! فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه. وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة، بفضل كلام الله، فقال موسى: ربّ لم أظنّ أن ترفع عليّ أحدًا! ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبّار ربّ العزّة، فتدلّى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى خمسين صلاةً على أمّتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال: يا محمَّد! ماذا عهد إليك ربُّك؟ قال: عهد إليّ خمسين صلاةً كلّ يوم وليلة. قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليُخفِّف عنك ربّك وعنهم!

стр. 1502

فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل، كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل أن نعم، إن شئت، فعلا به إلى الجبّار، فقال وهو مكانه: يا ربِّ! خفف عنّا، فإن أمتي لا تستطيع هذا، فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يُردّده موسى إلى ربّه، حتى صارت إلى خمس صلوات! ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمَّد! والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه، فأمّتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع فليُخفِّف عنك ربّك، كل ذلك يلتفت النبي ﷺ إلى جبريل، ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل! فرفعه عند الخامسة فقال: يا ربّ! إن أمّتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم فخفِّف عنّا، فقال الجبّار: يا محمَّد! قال: لبَّيك (١) وسَعْدَيْك (٢)، قال: إنه لا يبدّل القول لديّ، كما فرضت عليك في أم الكتاب، قال فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أمّ الكتاب، وهي خمسٌ عليك! فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: خَفَّفَ عنّا، أعطانا

стр. 1503

بكل حسنة عشر أمثالها، قال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارجع إلى ربّك فليخفف عنك أيضًا، قال رسول الله ﷺ : "يا موسى قد والله اسْتَحييتُ من ربِّي مما اختلفت إليه"، قال: فاهبط باسم الله. قال: واستيقظ وهو في المسجد الحرام (١). وقال مسلم: حدثنا هارون بين سعيد الأيلي: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني سليمان، وهو ابن بلال، قال: حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر، قال: سمعت أنس بن مالك يحدّثنا عن ليلة أُسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفرٍ قبل أن يُوحى إليه، وهو نائمٌ في المسجد الحرام، وساق الحديث بقصّته نحو حديث ثابت البناني، وقدّم فيه شيئًا وآخر، وزاد ونقص! (٢) قلت: سبق أن قدمنا الحديث الأوّل من رواية مسلم وغيره، وعرفنا أنه أجود وأتقن، وقد سلم ممّا في غيره من الأحاديث! أما حديث شريك فقد قال ابن حجر: (٣) مجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من المشهورين عشرة أشياء، بل تزيد على ذلك!

стр. 1504

الشبهة الأولى وردّها: قال عبد الحق في الجمع بين الصحيحين: زاد فيه -يعني شريكًا- زيادةً مجهولةً، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفّاظ .. فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث. وسبق إلى ذلك أبو محمَّد بن حزم فيما حكاه الحافظ أبو الفضل بن طاهر في جزء سماه (الانتصار لأيامى الأنصار) فنقل عنه الحميدي عن ابن حزم قال: لم نجد للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئًا لا يحتمل مخرجًا إلا حديثين، ثم غلبه في تخريجه (١) الوهم، مع إتقانهما وصحة معرفتهما، فذكر هذا الحديث، وقال: فيه ألفاظ معجمة، والآفة من شريك، من ذلك قوله (قبل أن يوحى إليه)! (٢) قال ابن حجر (٣) في جملة (قبل أن يوحى إليه): وهو غلط لم يوافق عليه! وأجمع العلماء أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل الوحي؟ وقال: صرّح المذكورون بأن شريكًا تفرّد بذلك، وفي دعوى التفرّد نظر، فقد وافقه كثير بن خنيس -بمعجمة ونون مصغّر- عن

стр. 1505

أنس، كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في (كتاب المغازي) من طريقه! وقال ابن حزم: الآفة من شريك (١)، ورد أبو الفضل بن طاهر على ذلك بقوله: (٢) تعليل الحديث بتفرّد شريك، ودعوى ابن حزم أن الآفة منه شيء لم يسبق إليه، فإن شريكًا قبله أئمة الجرح والتعديل ووثّقوه، ورووا عنه، وأدخلوا حديثه في تصانيفهم، واحتجوا به، وروى عبد الله بن أحمد الدورقي، وعثمان الدارمي، وعباس الدوري، عن يحيى بن معين: لا بأس به، وقال ابن عديّ: مشهور من أهل المدينة. حدّث عنه مالك وغيره من الثقات، وحديثه إذا روى عنه ثقة لا بأس به، إلا أن يروي عنه ضعيف، قال ابن طاهو: وحديثه هذا رواه عنه ثقة، وهو سليمان بن بلال، قال: وعلى فرض تسليم تفرّده (قبل أن يوحى إليه) لا يقتضي طرح حديثه، فوهم الثقة في موضع من الحديث لا يسقط جميع الحديث، ولا سيما إذا كان الوهم لا يستلزم ارتكاب محذور، ولو ترك حديث من وهم في تاريخ لترك حديث جماعة من أئمة المسلمين، ولعله أراد أن يقول: بعد أن أوحي إليه، فقال: (قبل أن يوحى إليه)! قلت: ومما يقوّي هذا قوله في نفس الحديث (وقد بعث؟ قال:

стр. 1506

نعم)، ومن هنا كان هذا التأويل أولى، حتى يمكن الجمع، ومع هذا يمكن أن يكون الملائكة الذين أتوا النبي ﷺ قبل أن يوحى إليه، أتوه ليلة أخرى، كما جاء في الحديث أيضًا (حتى أتوه ليلة أخرى)، ولم يعيّن المدّة التي بين الحديثين -كما يقول ابن حجر- (١) فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أوحي إليه، وحينئذ وقع الإسراء والمعراج! وإذا كان بين المجيئين مدّة فلا فرق في ذلك بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة أو ليالي كثيرة أو عدة سنين، وبهذا يرتفع الإشكال عن رواية شريك، ويحصل به الوفاق، أن الإسراء كان في اليقظة، بعد البعثة، وقبل الهجرة، ويسقط تشنيع الخطَّابي وابن حزم وغيرهما بأن شريكًا خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثه! وأما ما ذكره بعض الشرّاح: أنه كان بين الليلتين اللتين أتاه فيهما الملائكة سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع، وقيل: عشر. وقيل: ثلاث عشرة، فيحمل على إرادة السنين، لا كما فهمه الشارح المذكور أنها ليال، وبذلك جزم ابن القيمّ في هذا الحديث نفسه! قلت: وبهذا يتبيّن أن شريكًا قبله كثير من أئمة الجرح والتعديل وأن هذا الحديث رواه عنه ثقة، وأنه لم يتفرّد به، ولا إشكال في الجمع بين قوله: (قبل أن يوحى إليه) وقوله: (وقد بعث؟ قال: نعم)! وأجاب بعضهم عن قوله: (قبل أن يوحى إليه) بأن القبليّة هنا في

стр. 1507

أمر مخصوص، وليست مطلقة، واحتمل أن يكون المعنى قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء والمعراج مثلًا، أي أن ذلك وقع بغتةً قبل أن ينذر به، ويؤيّده في حديث الزهري: "فرج عن سقف بيتي" (١). الشبهة الثانية وردّها: زاد ابن حزم على قوله السابق: الآفة من شريك، من ذلك قوله: (قبل أن يوحى إليه)، قال: وأنه حينئذ فرض عليه الصلاة، قال: وهذا لا خلاف بين أهل العلم إنما كان قبل الهجرة بسنة، وبعد أن أوحي إليه بنحو اثنتي عشرة سنة! (٢) قلت: وتلك أيضًا شبهة مردودة، حيث اختلفوا في تاريخ الإسراء والمعراج -كما سبق- اختلافًا كثيرًا! ومردودة أيضًا، حيث ذهب بعض العلماء إلى أن ذلك وقع مرّتين: مرَّة في المنام، توطئة وتمهيدًا أو تسهيلًا عليه، كما كان بدء نبوّته الرؤيا الصادقة -كما أسلفنا- ليسهل عليه أمر النبوّة! ومرّة ثانية في اليقظة .. قالوا: وبذلك يجمع بين الأحاديث. وممن اختار هذا القول أبو نصر القشيري، وابن العربي، والسهيلي! وجوّز بعض أصحاب هذا القول أن تكون قصّة المنام وقعت قبل البعث، لأجل ما في رواية شريك (وذلك قبل أن يوحى إليه)!

стр. 1508

قال السهيلي: (١) وهذا القول هو الذي يصحّ، وبه تتفق معاني الأخبار! قلت: سبق أن عرفنا أن الجمهور من المفسّرين والمحدّثين والفقهاء والمتكلّمين قد ذهبوا إلى أنهما وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسد النبي ﷺ وروحه بعد المبعث، فكيف يقول السهيلي عن القول بأن ذلك وقع مرّتين (هو الذي يصح؟!) وعلى كل فهو قول محتمل للجمع بين الأحاديث! وقال ابن كثير: (٢) تنبيه: ونحن لا ننكر وقوع منام قبل الإسراء، طبق ما وقع بعد ذلك، فإنه ﷺ كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وقد تقدّم مثل ذلك في حديث بدء الوحي (٣) أنه رأى مثل ما وقع له يقظةً منامًا قلبه، ليكون ذلك من باب الإرهاص والتوطئة والتثبت والإيناس! قال ابن حجر: (٤) وقوع التعدّد في قصّة المعراج التي فيها سؤاله عن كل نبيّ، وسؤال أهل كل باب: هل بعث إليه؟ وفرض الصلوات الخمس، وغير ذلك، فإن تعدّد ذلك في اليقظة لا يتّجه، فيتعيّن ردّ بعض الروايات المختلفة إلى بعض، أو الترجيح، إلا أنه لا

стр. 1509

يعد في جميع وقوع ذلك في الشام توطئة، ثم وقوعه في اليقظة على وفقه .. ومن المستغرب قول ابن عبد السلام في تفسيره: كان الإسراء في النوم واليقظة، ووقع بمكة والمدينة، فإن كان يريد تخصيص المدينة بالنوم، ويكون كلامه على طريق اللفّ والنّشر غير المرتّب، فيحتمل، ويكون الإسراء الذي اتّصل به المعراج، وفرضت الصلوات فيه في اليقظة بمكة، والآخر في الشام بالمدينة! الشبهة الثالثة وردّها: جاء في رواية شريك: (وهو نائم في المسجد الحرام)، ومن ثم ذهب بعضهم إلى أن ذلك وقع في المنام! قال البغوي: (١) هذا الاعتراض الذي اعترض به على رواية شريك لا يصح عندي؛ لأنّ ذلك كان رؤيا في النوم أراه الله تعالى قبل الوحي، بدليل آخو الحديث -أي حديث شريك الذي معنا- (واستيقظ وهو في مسجد الحرام) (٢)، ثم عرج به في اليقظة بعد الوحي، تحقيقًا لرؤياه من قبل، كما أنه ﵊ فتح مكّة في المنام عام الحديبية سنة ست من الهجرة، ثم كان تحقيقه سنة ثمان، ونزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧]

стр. 1510

قلت: سبق الردّ على قوله (قبل الوحي)، وتدفعنا ضرورة البحث إلى أن شريكًا لم ينفرد بتلك الرواية، وأن لفظ (نائم) يطلق على حال النبي ﷺ أوّل وصول الملك إليه، كما سيأتي من قول عياض! أمّا عن عدم انفراد شريك بالرواية، فقد سبق ذكر رواية الشيخين وغيرهما عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة ﵄ قال: قال النبي ﷺ : "بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان .. " الحديث، وتعدّدت الروايات في ذلك! وأمّا عن حال النبي ﷺ في هذا المقام، فقد قال عياض: وأما قولهم إنه قد سمّاها في الحديث منامًا، وقوله في حديث آخر "بين النائم واليقظان"، وقوله: "واستيقظ" (١) فلا حجة فيه؛ إذ قد يحتمل أن وصول الملك إليه كان وهو نائم، أو أوّل حمله والإسراء به وهو نائم، وليس في الحديث أنه كان نائمًا في القضيّة كلها، إلا ما يدلّ عليه (واستيقظ وهو في مسجد الحرام)، وفي لفظ (استيقظت) بمعنى أصبحت، واستيقظ من نوم آخر بعد وصول بيته، ويدل على أن مسراه لم يكن طول ليله! وقد يكون قوله: (واستيقظت وأنا في المسجد الحرام) لما كان غمره من عجائب ما طالع من ملكوت السماوات والأرض، وخامر باطنه من
следующие страницы →