← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود .. وأن وراء الكون ظاهره وخافيه، حقيقة أكبر من الكون، هي التي صدر عنها، واستمد من وجودها - وجوده .. تلك التي لا تدركها الأبصار، ولا تحيط بها العقول! وعندئذ تصان الطاقة الفكرية المحدودة المجال عن التبدّد والتمزّق والانشغال بما لم تخلق له، وما لم توهب القدرة للإحاطة به، وما لا يجدي شيئاً أن تنفق فيه! إن الطاقة التي وهبها الإنسان، وهبها ليقوم بالخلافة في هذه الأرض، فهي موكلة بهذه الحياة الواقعة القريبة، تنظر فيها، وتتعمّقها وتتقصّاها، وتعمل وتنتج، وتنمّي هذه الحياة وتجمّلها، على أن يكون لها سند من تلك الطاقة الروحيّة التي تتصل مباشرة بالوجود كله، وخالق الوجود، وعلى أن تدع لما لا يدرك حصته في الغيب الذي لا تحيط به العقول! فأما محاولة إدراك ما وراء الواقع بالعقل المحدّد الطاقة بحدود هذه الأرض والحياة عليها دون سند من الروح الملهم والبصيرة الفتوحة، وترك حصة للغيب لا تدركها العقول! فأما هذه المحاولة فهي محاولة فاشلة أولاً، ومحاولة عابثة أخيراً! فاشلة؛ لأنها تستخدم أداة لم تخلق لرصد هذا المجال! وعابثة؛ لأنها تبدّد طاقة العقل التي لم تخلق لمثل هذا المجال! ومتى سلم العقل البشري بالبديهة العقليّة الأولى، وهي أن المحدود لا يدرك المطلق، لزمه -احتراماً لمنطقه ذاته- أن يسلّم بأن إدراكه للمطلق مستحيل، وأن عدم إدراكه لما لا يدرك لا ينفي وجوده في ضمير الغيب المكنون، وأن عليه أن

стр. 177

يكل الغيب إلى طاقة أخرى غير طاقة العقل، وأن يتلقى العلم في شأنه من العلم الخبير الذي يحيط بالظاهر والباطن، والغيب والشهادة! وهذا الاحترام لمنطق العقل في هذا الشأن هو الذي يتحلّى به المؤمنون، وهو الصفة الأولى من صفات المتقين! ٧ - السيرة المحمديّة تحت ضوء العلم والفلسفة: ومع أن الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيميّة، فإن جماعة الماديين في هذا الزمان كجماعة الماديّين في كل زمان ومكان، وعصر ومصر، وجيل وقبيل، يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى، إلى عالم البهيميّة الذي لا وجود فيه لغير المحسوس! ويسمون هذا (تقدميّة)! وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إيّاها، فجعل صفتهم الأولى المميّزة صفة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾! والحمد لله على نعمائه، والنكسة للمنتكسين والمرتكسين! ومن ثم بدأت تظهر كتابات في السيرة النبويّة، يستبعد أصحابها كل ما يدخل في باب المعجزات والخوارق -وهو من المصادر عند المسلمين-كما أسلفنا- وأخذوا يرجون للرسول ﷺ صفة العبقرية والعظمة والبطولة وما شاكلها! وانطلق (محمد فريد وجدي) ينشر سلسلة مقالاته في مجلة (نور الإسلام) في مصر تحت عنوان: (السيرة المحمديّة تحت ضوء العلم والفلسفة)، داعياً إلى فهم الإسلام والسيرة النبويّة عن هذا الطريق .. طريق ألا يستسلم العقل للغيبيات ولا للخوارق والمعجزات!

стр. 178

٨ - (حياة محمد) للدكتور هيكل: ولقد كان كتاب (حياة محمد) للدكتور محمد حسين هيكل -كما أسلفنا- التجربة الرائدة في هذا المضمار، أعلن فيه أنه لا يريد أن يفهم حياة الرسول ﷺ إلا على هذه الطريقة الحديثة، حيث قال (١): (إنني لم آخذ بما سجلته كتب السيرة، وكتب الحديث، ولم أنهج في التعبير عن مختلف الحوادث نهجها .. وإنني أفعل ذلك؛ لأنه الوسيلة الصالحة في نظر المعاصرين .. وما كان لي -وذلك شأني- أن أتقيّد بنهج الكتب القديمة وأساليبها .. وإن كثرة الكتب القديمة كانت تكتب لغاية دينيّة تعبديّة، على حين يتقيّد كتاب العصر الحاضر بالنهج العلمي والنقد العلمي .. لكني رأيت من الخير أن أنبسط بعض الشيء في بيان الأسباب التي دعت المفكّرين من أئمة المسلمين فيما مضى، وتدعوهم اليوم، كما تدعو كل باحث مدقّق، إلى عدم الأخذ جزافاً بكل ما ورد في كتب السيرة وفي كتب الحديث، وإلى التقيّد بقواعد النقد العلمي تقيّداً يعصم من الزلل)! ٩ - المقياس الصحيح للحديث عنده حديث موضوع: وقال (٢): (وعندنا أن خير مقياس يقاس به الحديث، وتقاس به سائر الأنباء التي ذُكرت عن النبي، ما روى عنه ﵇ أنه قال: "إِنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فمني، وما خالفه فليس عني")!

стр. 179

قال: (وهذا مقياس دقيق، أخذ به أئمة المسلمين منذ العصور الأولى، وما زال المفكرون منهم يأخذون به إلى يومنا الحاضر)! قلت: هذا المقياس الصحيح عنده حديث موضوع، وليس مقياساً دقيقاً كما زعم، ولم يأخذ به أئمة المسلمين منذ العصور الأولى! ولم يأخذ به المفكّرون الذين يعتدّ بفكرهم، ولكن أخذ به أعداء السنة، والذين طعنوا في الأحاديث الصحيحة! وتابعوا المستشرقين في ذلك (١)! وحسبنا أن نذكر -بإيجاز- أن هذا الحديث الموضوع قد ورد بعدة روايات لا يصلح شيء منها للاحتجاج والاستشهاد، وقد جمع ابن حزم في (الأحكام) (٢) بعض ألفاظ هذا الحديث وأبان عن عللها! وجاء في (عون المعبود) (٣): (إنه حديث باطل لا أصل له، وقد حكى زكريا الساجي عن يحيى بن معين أنه قال: هذا حديث وضعته الزنادقة، ونقل الفتني في (تذكرة الموضوعات) (٤) عن الخطابي أيضاً: وضعته الزنادقة، وقد سئل الحافظ ابن حجر عن هذا الحديث فقال: إنه جاء من طرق لا تخلو عن مقال، وقد جمع طرقه البيهقي في كتابه (المدخل)، وقال الصغاني: هو حديث موضوع) (٥)!

стр. 180

١٠ - موقفه من حديث شق الصدر: وقال في حديث شق الصدر: (في هذه الفترة، وقبل أن يبلغ الثالثة، تقع الرواية التي يقصّونها، من أنه كان مع أخيه الطفل في سنّه في بَهم لأهله خلف بيوتهم، إذ عاد أخوه الطفل السعدي يعدو ويقول لأبيه وأمه: ذلك أخي القرشي قد أخذه رجلان، عليهما ثياب بيض، فأضجعاه فشقّا بطنه، فهما يسوطانه، ويروى عن حليمة أنها قالت عن نفسها وزوجها: فخرجت أنا وأبوه، فوجدناه قائماً ممتقعاً وجهه، فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا له: مالك يا بني؟ فقال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاني فشقّا بطني، فالتمسا منه شيئاً لم أدر ما هو)! ورجعت حليمة ورجع أبوه إلى خبائهما، وخشي الرجل أن يكون الغلام قد أصابه الجن، فاحتملاه إلى أمه بمكة! ويروي ابن إسحاق في هذه الواقعة حديثاً عن النبي بعد بعثه، لكن ابن إسحاق يحتاط بعد أن يقصّ القصّة، ويذكر أن السبب في رده إلى أمه لم يكن حكايته الملكين، وإنما كان على ما روته حليمة لآمنة، أن نفراً من نصارى الحبشة رأوه معها حين رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه وسألوها عنه وقلّبوه، ثم قالوا: لنأخذن هذا الغلام فلنذهب به إلى ملكنا وبلدنا، فإن هذا الغلام كائن له شأن، نحن نعرف أمره، ولم تكد حليمة تنفلت به منهم، وكذلك يرويها

стр. 181

الطبري، لكنه يحيطها بالريبة؛ إذ لم يذكرها في هذه السنة من حياة محمد، ثم يعود فيذكر أنها وقعت قبيل البعث وسنه أربعون سنة! وقال: لا يطمئن المستشرقون، ولا يطمئن جماعة من المسلمين كذلك إلى قصة الملكين هذه، ويرونها ضعيفة السند، فالذي رأى الرجلين في رواية كتاب السيرة إنما هو طفل لا يزيد على سنتين إلا قليلاً، وكذلك كانت سن محمد يومئذ، والروايات تجتمع على أن محمداً أقام ببني سعد إلى الخامسة من عمره، فلو كان هذا الحادث قد وقع وسنّه سنتان ونصف السنة، ورجعت حليمة وزوجها إذ ذاك إلى أمه، لكان في الروايتين تناقض غير مقبول! ولذلك يرى بعض الكتاب أنه عاد مع حليمة مرة ثالثة، ولا يرضى المستشرق (سير وليم موير) أن يشير إلى قصة الرجلين في ثيابهما البيضاء، ويذكر أنه إن كانت حليمة وزوجها قد نَبها لشيء أصاب الطفل فلعله نوبة عصبية أصابته، ولم يكن لها أن تؤذي صحته لحسن تكوينه، ولعل آخرين يقولون: إنه لم يكن في حاجة إلى من يشق بطنه أو صدره، ما دام الله قد أعده يوم خلقه لتلقي رسالته! ويرى (درمنجمِ) أن هذه القصة لا تستند إلى شيء، غير ما يفهم من ظاهر الآيات: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾ [الشرح]! وأن ما يشير القرآن إليه إنما هو عمل روحي بحت، الغاية منه تطهير هذا القلب وتنظيفه، ليتلقى الرسالة القدسيّة خالصاً، ويؤدّيها مخلصاً تمام الإخلاص، محتملاً عبء الرسالة المضني! وإنما يدعو المستشرقين ويدعو المفكّرين من المسلمين إلى هذا الموقف من

стр. 182

ذلك الحديث أن حياة محمد كانت كلها إنسانيّة سامية، وأنه لم يلجأ في إثبات رسالته إلى ما لجأ إليه من سبقه من أصحاب الخوارق، وهم في هذا يجدون من المؤرخين العرب والمسلمين سنداً حين ينكرون من حياة محمد النبي العربي كل ما لا يدخل في معروف العقل، ويرون ما ورد من ذلك غير متّفق مع ما دعا القرآن إليه من النظر في خلق الله، وأن سنة الله لن تجد لها تبديلاً، غير متفق مع تعيير القرآن المشركين أنهم لا يفقهون أن ليست لهم قلوب يعقلون بها) (١)! ١١ - وجوب التسليم بحديث شقّ الصدر: ونجد أنفسنا أمام ضرورة وجوب التسليم بحديث شقّ الصدر، فقد روى مسلم وغيره عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشقّ عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظّ الشيطان منك، ثم غسله في طمست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إِلى أمّه (يعني ظئره) فقالوا: إِن محمداً قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره (٢)!

стр. 183

وفي رواية للشيخين وغيرهما عن قتادة عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة في حديث الإِسراء والمعراج: فأتيت بطست من ذهب ملآن حكمة وإِيماناً، فشق من النحر إِلى مراق البطن، ثم غسل البطن بماء زمزم، ثم ملئ حكمة وإِيماناً .. (الحديث) (١)! قال ابن حجر: استنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة الإسراء، وقال: إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد، ولا إنكار في ذلك، فقد تواترت الروايات به، وثبت شق الصدر -أيضاً- عند البعثة، كما أخرجه أبو نعيم في (الدلائل) ولكل منهما حكمة! فالأول: وقع فيه من الزيادة، كما عند مسلم من حديث أنس: (فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك)، وكان هذا في زمن الطفولة، فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم وقع شق الصدر عند البعث، زيادة في إكرامه؛ ليتلقّى من ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شق الصدر عند إرادة العروج إلى السماء، ليتأهّب للمناجاة، ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرّة الثالثة، كما تقرر في شرعه ﷺ ! وجميع ما ورد من شق الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك، من الأمور

стр. 184

الخارقة للعادة، مما يجب التسليم له، دون التعرض لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك! قال القرطبي في (المفهم): لا يلتفت لإنكار الشق ليلة الإسراء؛ لأن رواته ثقات مشاهير (١)! وبهذا تتهافت تلك الدعاوى واحدة بعد الأخرى في إنكار حديث شق الصدر! ١٢ - حديث آخر موضوع: وننتقل سراعاً إلى ما أورده في كتابه هذا عن زهد الرسول ﷺ في الطعام واللباس، والأساس الذي وضعه للحضارة، حيث قال: (الأساس الذي وضعه محمد للحضارة الجديدة التي يقيمها، يتلخص بصورة واضحة، فيما روي عن علي بن أبي طالب، أنه سأل رسول الله ﷺ عن سنته، فقال (٢): "المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والفقر فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي، وقرة عين في الصلاة"! قال الشوكاني: ذكره القاضي عياض، وآثار الوضع عليه لائحة (٣)!

стр. 185

وسئل عنه ابن حجر في فتاويه فقال: لا أصل له (١)! ١٣ - الإسراء ووحدة الوجود: وقال في حكمة الإسراء: (ولنا في حكمة الإسراء رأي نبديه! ولسنا ندري أسُبقنا إليه أم لم نُسبق! وسرد تصوير المستشرق (درمنجم) ثم قال: وأنت تقع على ما قصه منثوراً في كتب السيرة، وإن كنت تجد فيها خلافاً بزيادة أو نقص في بعض نواحيها ..) ثم قال: وهنا موضوع الرأي الذي نريد أن نبديه، ولا ندري أسُبقنا إليه أم لم نُسبق، ففي الإسراء والمعراج في حياة محمد الروحيّة معنى سَامٍ غاية السُمو، معنى أكبر من هذا الذي يصوّرون، والذي قد يشوب بعضه من خيال المتكلمة الخصب حظ غير قليل، فهذا الروح القوي قد اجتمعت فيه ساعة الإسراء والمعراج وحدة هذا الوجود بالغة غاية كمالها، لم يقف أمام ذهن محمد وروحه في تلك الساعة حجاب من الزمان أو المكان أو غيرهما من الحجب التي تجعل حكمنا نحن في الحياة نسبيًّا محدوداً بحدود قوانا المحسّة والمدبرة والعاقلة، تداعت في هذه الساعة كل الحدود أمام بصيرة محمد، واجتمع الكون كله في روحه، فوعاه منذ أزله إلى أبده، وصوره في تطور وحدته إلى الكمال عن طريق الخير والفضل والجمال والحق في مغالبتها، وتغلبها على الشر والنقص والقبح والباطل، بفضل من الله ومغفرة! وليس بمستطيع هذا السمو إلا قوة فوق ما تعرف الطبائع الإنسانيّة، فإذا جاء بعد ذلك ممن اتبعوا محمداً من عجز عن متابعته في سمو فكرته، وقوة

стр. 186

إحاطته بوحدة الوجود في كماله، وفي جهاده لبلوغ هذا الكمال فلا عجيب في ذلك ولا عيب فيه) (١)! ١٤ - بطلان فكرة وحدة الوجود: وفكرة وحدة الوجود، كما يقول أستاذنا الدكتور محمد أبو شهبة ﵀ (٢) فكرة خاطئة وافدة إلى الإسلام فيما وفد إليه من آراء فاسدة، وهي من مخلفات الفلسفات القديمة، وقد انتصر لها وتشيّع بعض المتصوفة الذين ينتسبون إلى الإسلام، وكتبوا فيها، فكان عاقبتهم الإلحاد في الله وصفاته! وقد أبان بطلانها كثير من علماء الأمة الراسخين في العلم، المتثبتين في العقيدة، والقول بها يؤدي إلى قول بالطبيعة، وقدم العالم، وإنكار الألوهيّة، وهدم الشرائع السماويّة التي قامت على أساس التفرقة بين الخالق والخلوق، وبين وجود الرب ووجود العبد، وتكليف الخالق للخلق بما يحقق لهم السعادة! ومقتضى هذا المذهب أن الوجود واحد، فليس هناك خالق ولا مخلوق، ولا عابد ولا معبود، ولا قديم ولا حديث! وعابدو الأصنام والكواكب والحيوانات حين عبدوها إنما عبدوا الحق؛ لأن وجودها وجود الحق، إلى آخر خرافاتهم التي ضلّوا بسببها، وأضلّوا غيرهم، والتي أشرف بالمسلمين، وجعلتهم شيعاً وأحزاباً! ولقد بلغ من بعضهم أنه قال: إن النصارى ضلّوا؛ لأنهم اقتصروا على عبادة ثلاثة، ولو أنهم عبدوا الوجود كله لكانوا راشدين، وقال بعض المعتنقين لهذه الفكرة الفاسدة:

стр. 187

العبد حق والرب حق ... يا ليت شعري من المكلف؟ إِن قلت عبد فذاك رب ... أو قلت رب أنى يكلف؟ قال العلامة تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني بعد أن ذكر الفناء المحمود، والفناء المذموم (١): (ولهذا لمَّا سلك ابن عربي، وابن سبعين، وغيرهما، هذه الطرق الفاسدة أورثهم ذلك (الفناء عن وجود السوي) فجعلوا الموجود واحداً، ووجود كل مخلوق هو عين وجود الحق، وحقيقة الفناء عندهم ألا يرى إلا الحق، وهو الرائي والمرئي، والعابد والمعبود، والذاكر والمذكور، والناكح والمنكوح، والآمر الخالق هو الآمر المخلوق، وهو المتصف بكل ما يوصف به الوجود من مدح وذم، وعباد الأصنام ما عبدوا غيره، وما ثم موجود مغاير له البتة عندهم، وهذا منتهى سلوك هؤلاء الملحدين .. ! وأكثر هؤلاء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود يقولون: إن فرعون أكمل من موسى، وإن فرعون صادق في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾؛ لأن الوجود فاضل ومفضول، والفاضل يستحق أن يكون ربّ المفضول، ومنهم من يقول: مات مؤمناً، وإن تغريقه كان ليغتسل غسل الإسلام)! وهكذا نرى أن هذه العقيدة الزائفة تصادم نصوص الدين القطعيّة، ولا

стр. 188

توافق شيئاً من الكتاب والسنة النبويّة، وأن العقيدة الإسلاميّة السمحة براء من مذهب وحدة الوجود (١)! وتفسير الإسراء والمعراج بهذه الفكرة يقتضي إنكارهما، على حسب ما جاء به القرآن والسنة الصحيحة المشهورة، فليس هناك إسراء حقيقة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بذات النبي ﷺ ، وليس هناك عروج بالنبي ﷺ من بيت المقدس إلى السموات السبع، ولا صلاة بالأنبياء، ولا لقاء ولا تسليم، ولا تكليم! وما الداعي إلى ذلك ما دام الكون كله قد اجتمع في روح النبي ﷺ ، كما قال صاحب هذا الرأي، فالمسجد الحرام والأقصى في روحه، والسموات وما فيهن في روحه! ثم ما الداعي إلى كل هذا التكليف والإغراب من الدكتور هيكل ﵀ في فهم نصوص صريحة جاءت بلسان عربي مبين؟! والإسراء والمعراج كما جاء بهما القرآن والأحاديث الصحيحة -كما سيأتي- أقرب منالاً، وأشد استساغة لعقول الناس مما ذهب إليه! ولو جلست زماناً لتفهم رجلاً أميًّا أو متعلماً بالإسراء والمعراج، على ما رأى الدكتور هيكل، ما أنت بمستطيع إفهامه هذه الألغاز والطلاسم، التي حاول بها إحداث رأي جديد، لا يدري سُبق إليه أم لا؟! وهل تصوير الإسراء والمعراج بهذا التصوير إلا إشكال على عقول الكثرة من

стр. 189

الناس، ومخاطبة لهم بما لا تبلغه عقولهم ومداركهم، وقد أمرنا أن نحدث الناس بما يعقلون، وأن ندع ما ينكرون، وفي الحكم الذهبية عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁؛ ما أنت بمحدث قوم حديثاً لا تبلغه عقولهم إِلا كان فتنة لبعضهم! الحق أن الإغراب على القراء بمثل هذه الأفكار المسمومة تشكيك لهم في عقائدهم الصحيحة, وتسميم لعقولهم بالآراء الزائفة، والحق أبلج وأوضح، لا يحتاج إلى تكلف وتعمل وتفلسف من غير داع! ١٥ - إيجابيّات: هذا، ومع أن الدكتور هيكل كتب هذه الأفكار تحت عنوان: (حياة محمد) الذي قلّد فيه المستشرقين -كما أسلفنا- حتى صار تقليده لهم في الاسم والمسمى، فإنه لا يخلو من الجابيّات، في مناقشة المستشرقين بمنطقهم في كثير مما ذهبوا إليه، مثل أسباب خطأ المستشرقين (١)، وفرية الصرع (٢)، والطعن في عجز محمد عن الطعن في رسالته (٣)، وتهافت حديث الغرانيق (٤)، والمسيحية والقتال (٥)، وصيحة المستشرقين في مسألة زينب بنت جحش (٦)، والمستشرقين والحضارة الإسلاميّة (٧)!

стр. 190

١٦ - مصير هذه المدرسة اليوم: وهكذا وجد أبطال هذه المدرسة الجديدة، في اتباع المذهب الذاتي في كتابة التاريخ, الميدان الفسيح الذي يمكنهم من نبذ كل ما لا يعجبهم من حقائق السيرة النبويّة، مهما جاءت مدعمة بدلائل العلم واليقين، متخذين من ميولهم النفسيّة، ورغباتهم الشخصيّة، وأهدافهم البعيدة، حاكماً مطلقاً على حقائق التاريخ, وتحليل ما وراءه من العوامل، وحكماً مطلقاً لقبول ما ينبغي قبوله، ورفض ما يجب رفضه (١)! وآخر المضحكات العجيبة التي جاءت عن هذا الطريق، تصير النبوة في حياة الرسول ﷺ وإيمان الصحابة ﵃ وعموم الفتح الإسلامي، بأن جميعه لم يكن إلا ثورة يسار ضد يمين، أثارتها النوازع الاقتصاديّة، انتجاعاً للرزق، وطلباً للتوسع، وألهبتها ردود الفعل لدى الفقراء ضد الأغنياء وأصحاب الإقطاع! كانت هذه الطريقة في دراسة السيرة خصوصاً، والتاريخ الإسلامي عموماً، مكيدة خطيرة عشيت عن رؤيتها أعين البسطاء من بعض المسلمين، وصادفت هوى وقبولاً عند طائفة أخرى من المنافقين وأصحاب الأهواء! لقد غاب عن أعين أولئك البسطاء، أن ذلك الهمس الاستعماري الذي يدعو المسلمين إلى ما أسموه بثورة إصلاحية في شؤون العقيدة الإسلاميّة، إنما استهدف في الحقيقة نسف هذه العقيدة من جذورها! وغاب عنهم أن تفريغ الإسلام من حقائقه الغيبية إنما يعني حشوه بمنجزات ناسفة، تحيله أثراً بعد عين؛ ذلك لأن الوحي الإلهي -وهو ينبوع الإسلام

стр. 191

ومصدره- يعدّ قمة الخوارق والحقائق الغيبيّة كلها, ولا ريب أن الذي يسرع إلى رفض ما جاء في السنّة النبويّة من خوارق العادات، بحجة اختلافها عن مقتضى سنن الطبيعة ومدارك العلم الحديث، يكون أسرع إلى رفض الوحي الإلهي كله بما يتبعه ويتضمنه من إخباراته عن النشور والحساب، والجنة أو النار، بالحجّة الطبيعيّة ذاتها! كما غاب عنهم أن الدين الصالح في ذاته لا يحتاج في عصر ما إلى مصلح يتدارك شأنه، أو إصلاح يغيّر من جوهره! غاب عن هؤلاء الناس لعذا كله، مع أن إدراكهم له كان من أبسط مقتضيات العلم، لو كانوا يتمتّعون بحقيقته، وينسجمون مع منطقيّته، ولكن عيونهم غشيت في غمرة انبهارها بالنهضة الأوروبيّة الحديثة، وما قد حف بها من شعارات العلم وألفاظه، فلم تبصر من حقائق المنطق والعلم إلا عناوينها وشعاراتها، وقد كانوا في أمس الحاجة إلى فهم كامل لما وراء تلك العناوين، وإلى هضم صحيح لمضمون تلك الشعارات، فلم يعد يستأثر بتفكيرهم إلا خيال نهضة (إصلاحية) تطوّر العقيدة الإسلاميّة هنا، كما تطوّرت العقيدة النصرانية هناك! وهكذا، فقد كان عماد هذه المدرسة الحديثة هياجاً في النفس، أكثر من أن يكون حقيقة علميّة مدروسة استحوذت على العقل! والحقيقة أن الاهتمام بهذه المدرسة في كتابة السيرة وفهمها، والحماسة التي ظهرت يوماً ما لدى البعض في الأخذ بها إنما كان منعطفاً تاريخيًّا .. ومرّ! وعذر أولئك الذين كتب عليهم أن يمرّوا بذلك المنعطف أو يمرّ هو بهم، أنهم كانوا -كما أسلفنا- يفتحون أعينهم إذ ذاك على خبر النهضة العلميّة في

стр. 192

أوروبّا، بعد طول غفلة وإغماض، وإنه لأمر طبيعي أن تنبهر العين عند أول لقياها مع الضياء، فلا تتبيّن حقيقة الأشياء، ولا تتميّز الأشباه عن بعضها، حتى إذا مرّ وقت، واستراحت العين إلى الضياء، أخذت الأشياء تتمايز، وبدت الحقائق واضحة جليّة لا لبس فيها ولا غموض! وهذا ما قد تم فعلاً، فقد انجابت الغاشية، وَصَفَت أسباب الرؤية السليمة أمام الأبصار .. أبصار الجيل الواعي المثقّف اليوم .. جيل الصحوة الإسلاميّة المباركة، فانطلق يتعامل مع حقيقة العلم وجوهره، بعد أولئك الذين أخذوا بألفاظه، وانخدعوا بشعاراته، ثم عادوا وقد أيقنوا ببصيرة الباحث العلم، والمفكّر الحر، بأن شيئاً مما يسمى بالخوارق والمعجزات لا يمكن أن تتنافى في جوهرها مع حقائق العلم وموازينه! ذلك لأن الخوارق سميت كذلك لخرقها لما هو مألوف أمام الناس، وما كان للإلف أو العادة أن يكون مقياساً علمياً لما هو ممكن وغير ممكن .. وهيهات أن يقضي العلم يوماً ما بأن كل ما استأنست إليه عين الإنسان مما هو مألوف ممكن الوقوع، وأن كل ما استوحشت منه عين الإنسان مما هو غير مألوف له غير ممكن الوقوع! ولقد علم كل باحث ومثقّف اليوم بأن أحدث ما انتهت إليه مدارك العلماء في هذا الصدد، هو أن العلاقة التي نراها بين الأسباب ومسبّباتها, ليست إلا علاقة اقتران مطرد، اكتسبت تحليلاً، ثم تعليلاً، ثم استنبط منها القانون الذي هو تابع لظهور تلك العلاقة، وليس العكس! فإن رحت تسأل القانون العلميّ عن رأيه في خارقة أو معجزة إلهيّة، قال لك بلسان الحال الذي يفقهه كل عالم بل كل متبصر بثقافة العصر: ليست

стр. 193

الخوارق والمعجزات من موضوعات بحثي واختصاصي؛ فلا حكم لي عليها بشيء، ولكن إذا وقعت خارقة من ذلك أمامي فإنها تصبح في تلك الحال موضوعاً جاهزاً للنظر والتحليل، ثم الشرح والتعليل، ثم تغطى تلك الخارقة بقانونها التابع لها! وقد انقرض الزمن الذي كان بعض العلماء يظنون فيه أن أثر الأسباب الطبيعية في مسبباتها أمر حتمي يستعصي على التخلف والتغيير، وانتصر الحق الذي طالما نبه إليه ودافع عنه علماء المسلمين عامة، والإمام الغزالي خاصة، من أن علاقات الأسباب بمسبّباتها ليست أكثر من رابطة اقتران مجردة، وما العلم في أحكامه وقوانينه إلا جدار ينهض فوق أساس هذا الاقتران وحده، أما سرّ هذا الاقتران فهو عند الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى! نعم، لا بد أن يشترط كل إنسان عاقل يحترم العقل والحقيقة، لقبول أي خبر، سواء تضمن أمراً خارقاً أو مألوفاً، شرطاً واحداً، وهو أن يصل الخبر إليه عن طريق علمي سليم ينهض على القواعد التي عرفناها، وأن سيرة الرسول ﷺ أصح سيرة لتاريخ نبي مرسل، ومن ثم يأخذنا العجب كل مأخذ، عندما نتذكر مرة أخرى تلك الأخطاء المنهجيّة، وآثار تلك المدرسة الجديدة! أليس هذا من أفجع الكوارث النازلة برأس العلم؟! تلك إشارات إلى مناهج المؤلفين في السيرة النبويّة!

стр. 194

خصائص المنهج الصحيح في الدراسة

стр. 195

خصائص المنهج الصحيح في الدراسة ١ - في رحاب القرآن الكريم ٢ - الأحداث الصحيحة ٣ - فقه السيرة في تفسير الأحداث ٤ - خطوات الدعوة ٥ - عوامل البناء ومعازل الفداء ٦ - عطاء السيرة بين الماضي والحاضر ٧ - واجبنا نحو الرسول ﷺ -

стр. 196

خصائص المنهج الصحيح في الدراسة وتفرض منهجيّة البحث أن أذكر معالم المنهج الصحيح للدراسة -كما أرى - فيما يلي: ١ - في رحاب القرآن الكريم: سبق أن ذكرنا أن القرآن الكريم هو المصدر الأول في دراسة السيرة النبويّة، وذكرنا بعض الآيات في ذلك، ومن ثم نجد أنفسنا في أشد الحاجة إلى عرض الآيات المتعلقة بحوادث السيرة ووقائعها، وتنزيلها على حسب الوقائع والحوادث، والإفادة منها! وحسبنا أن نشير إلى كتاب (سيرة الرسول ﷺ : صور مقتبسة من القرآن الكريم) للأستاذ محمد عزة دروزة ﵀ انطلاقاً من أن القرآن الكريم هو أصدق الكتب قاطبة، وهو أوعاها وأحفظها لما مرّ بالبشريّة من أحقاب وحوادث، خلّدها هذا الكتاب الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت]، وهو خير مصور لشخصيّة الرسول ﷺ , وليس هناك أبرّ ولا أصدق، ولا أوفى بالكلام منه؛ لأنه يشف عما كان في الشخصيّة النبويّة الكريمة من قوى ومواهب، جعلت صاحبها ﷺ موضع التكريم والعناية الربانيّة، وأهلاً للاصطفاء بالرسالة العلويّة؛ ولأنه يطلعنا على الناحية الرائعة حقًّا من الظروف والأدوار التي تقلّبت فيها الدعوة، حتى انتهت إلى ذلك النصر العزيز، والفتح المبين (١)!

стр. 197

ومعلوم أن أصحاب المنهج التاريخي في السيرة النبويّة لم يعرضوا الآيات القرآنيّة في أحداث السيرة، كما عرضها الأستاذ محمد عزة دروزة! ومن هنا رأيت ضرورة ذكر الآيات القرآنيّة التي لابد منها في المنهج الصحيح في الدراسة، لنعرف كيف تسلّم (الدّين القيّم) القيادة بعد ما ظهر الفساد، وأسنت الحياة، وتعفّنت الأفكار، وذاقت البشريّة الويلات من القيادات الضالة، ومن ثم ظهر الفساد وعم بما كسبت الأيدي! ولنعرف أن (الدّين القيّم) تسلّم القيادة بهذا القرآن، وبالتصور الجديد الذي جاء به القرآن، وبالشريعة المستمدة من هذا التصور، فكان ذلك مولداً جديداً للإنسان أعظم في حقيقته من المولد الذي كانت به نشأته! ولنعرف أن هذا القرآن أنشأ للحياة تصوّراً جديداً على الوجود والحياة والقيم، كما حقق للبشريّة واقعاً اجتماعيًّا فريداً، كان يعز على خيالها تصوره مجرّد تصور قبل أن ينشئه لها القرآن إنشاءً (١)! ولنعرف ما لهذا الواقع من النظافة والجمال، والرقي والكمال، والعظمة والجلال، والسمو والارتفاع، والبساطة واليسر، والواقعية والإيجابية، والتوازن والتناسق، بحيث لا يخطر للبشرية على بال، لولا أن الله أراده لها، وحقّقه في حياتها! ولنعرف كيف وقعت النكبة القاصمة، ونحّى الإسلام عن القيادة، لتتولاها الجاهليّة مرة أخرى، في صورة من صورها الكثيرة، من التفكير المادي الذي تتعاجب به البشرية اليوم، كما يتعاجب الأطفال بالثوب المبرقش، واللعبة الزاهية الألوان!

стр. 198

ولنعرف أن هناك عصابة من المضلّلين الخادعين أعداء البشرية، يضعون لها المنهج الإلهي في كفة، والإبداع الإنساني في عالم المادة في الكفة الأخرى، ثم يقولون لها: اختاري! إما المنهج الإلهي في الحياة والتخلي عن كل ما أبدعته يد الإنسان في عالم المادة، وإما الأخذ بثمار المعرفة الإنسانيّة والتخلي عن منهج الله! وهذا خداع لئيم خبيث! فالمنهج الإلهي ليس عدواً للإبداع الإنساني، إنما هو منشئ لهذا الإبداع وموجّه له الوجهة الصحيحة .. ذلك كي ينهض الإنسان بمقام الخلافة في الأرض .. هذا المقام الذي منحه الله إياه، وأقدره عليه، ووهبه من الطاقات المكنونة ما يكافئ الواجب المفروض عليه فيه، وسخر له من القوانين الكونية ما يعينه على تحقيقه، ونسق بين تكوينه وتكوين هذا الكون ليملك الحياة والعمل والإبداع .. على أن يكون الإبداع نفسه عبادة لله، ووسيلة من وسائل شكره على آلائه العظام، والتقيّد بشرطه في عقد الخلافة، وهو أن يعمل ويتحرك في نطاق الأسوة الحسنة بالرسول ﷺ ، ومعالم السيرة النبويّة، كما هي في القرآن، والواقع! ولنعرف أن الحياة في رحاب الآيات المتعلقة بالسيرة النبويّة نعمة كبرى يعجز القلم عن تصويرها, ولا يعرفها إلا من فقهها وأبصرها في حياة خاتم النبيّين ﷺ ، ومن ثم نحيا في كنف الله ورعايته، ونعمل جاهدين على أن نكون خلفاً صالحاً لسلف صالح، وتنطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة، وتنطلق الطاقات الإنسانيّة الصالحة للعمل والبناء، وتعود إلينا سيرتنا الأولى! ٢ - الأحاديث الصحيحة: سبق أن ذكرنا في مصادر السيرة كثرة الآثار, وأنها قد كثر فيها عدم الالنزام

стр. 199

بما صح، وجاءت خلواً من تمييز المقبول من المردود، ومن ثم لا يكتفى بذكر من روى الحديث إذا لم يكن في الصحيحين أو أحدهما؛ بل لا بد من الالنزام بقواعد التحديث رواية ودراية، ولا تذكر الروايات الضعيفة، والموضوعة! لا في مجال الرد، انطلاقاً من أن السيرة جزء من الحديث -كما أسلفنا- وأن المسلم مطالب بالتأسي بالرسول ﷺ ، وذلك يتطلب المعرفة الصحيحة, فكيف إذا كان من أهل العلم والدعوة إلى الله؟! وحسبنا أن نشير إلى رد بعض أقوال أهل العلم في المراد بالخشية في حديث بدء الوحي (١)، ورد بلاع التردّي من رؤوس شواهق الجبال (٢) -كما سيأتي- وما إلى ذلك مما يطول الحديث فيه ويطول! ومن هنا كان علينا أن نلتزم قواعد التحديث رواية ودراية، وأن نحيط بها إحاطة دقيقة صحيحة، لنتعرف معالم حياة الرسول ﷺ ! ٣ - فقه السيرة في تفسير الأحداث: ولا نقف عند حد عرض الآيات القرآنيّة المتعلّقة بالسيرة، والأحاديث الصحيحة؛ لأن فقه السيرة لا يكون في مجرد سردها، وإنما يكون في تفسيرها للأحداث، والاهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفيّة التي تجمع بين شتاتها، وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقات، متفاعلة الجزئيّات، ممتده مع الزمن والبيئة، امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان! ومن ثم يعيش المسلم بعقله وروحه، ونفسه وحسّه، وشعوره وإدراكه،

стр. 200

في جو الإسلام كعقيدة وفكر ونظام، وفي جو الحياة الإسلاميّة المباركة الطيّبة كصورة واضحة المعالم والسمات، من حياة البشريّة الواقعيّة! وهذه الحياة في هذا الجو ضروريّة جداً لتفتح نوافذ الإدراك، لا لفهم الحياة فحسب، بل لإدراكها ككائن حي، وإدراك مواقع الحوادث والوقائع في جسم هذا الكائن الحي (١)! وإنه ليعزّ على الإنسان في أيّة فترة من فترات الإنسانيّة أدركها إدراكاً حقيقياً داخلياً، إلا أن يتجاوب معها بكل ذاتيّته، وأن يعيش في جوّها بكامل مؤثّراتها وإيحاءاتها؛ فليست هذه خصيصة قاصرة على الحياة اليوميّة الإسلاميّة، وإن كانت أكثر وضوحاً بالقياس إلى تلك الحياة؛ لأن مقوماتها تختلف في كثير من أنواعها وماهيّاتها عن مقومات ما عداها! وإنه ليصعب أن نتصوّر إمكان دراسة الحياة الإسلاميّة كاملة، دون إدراك كامل لروح العقيدة الإسلاميّة، ولطبيعة فكرة الإسلام عن الكون والحياة والإنسان، ولطبيعة استجابة المسلم لتلك العقيدة، وطريقته في الاستجابة للحياة كلها في ظل تلك العقيدة! وهذه الخصائص كلها لا يمكن أن تطلب عند باحث غير صادق مدرك، إلا إذا تجرد من الهوى، وتخلص من التعصّب! ولابد من إدراك البواعث الحقيقية لتصرفات الناس في خلال هذه الحياة الإسلاميّة، وعلاقة هذه البواعث بالحوادث والتطورات! ولابد من ربط هذا كله بطبيعة الفكرة الإسلاميّة، لا في شكلها الخارجي وخطواتها العمليّة فحسب، ولكن في تفسيرها للعلاقات الكونيّة، والعلاقات

стр. 201

الإنسانيّة، والعلاقات الاجتماعيّة، وفي تصويرها لنظام الحكم، وسياسة المال، وطرق التشريع، ووسائل التنفيذ .. إلى غير ذلك من مقومات الحياة، وبالتالي من مقوّمات التاريخ لهذه الحياة! إن المعارك الحربيّة، والمعاهدات السياسيّة، والاحتكاكات الدولية، وما إليها، مما يُعنى به التاريخ غالباً أكثر من سواه، إنها كلها محكومة بعوامل أخرى، يختلف الباحثون في إدراكها وتقديرها .. كل يخضع للفلسفة التي تسيطر على تفكيره وتقديره، ولطريقة إدراكه للحياة في عمومها! وللمسلم مزيّة هنا في دراسة الحياة الإسلاميّة عامة، والسيرة النبويّة خاصة؛ لأن طريقة إدراكه تمت بصلة قوية إلى حقيقة هذه العوامل المؤثرة في سير التاريخ, ومن ثم فهو أقدر على التلبس بها واستنباطها، والاستجابة لها استجابة كاملة! وعلى ضوء إدراكه لطبيعة العقيدة الإسلاميّة، وطريقة استجابة المسلمين لها، يستطيع أن يزن دوافع الحياة الإسلاميّة في تلك الفترة التاريخيّة، والقيم الإنسانية الكامنة فيها، وأسباب النصر والهزيمة في كل خطوة! ويتصوّر الحياة الظاهرة والباطنة لتلك الجماعات الإنسانيّة في مهد الإسلام، وفي البلاد التي انساح فيها! ويضمّ إلى الجوانب الظاهرة التي لا يدرك غير المسلمين سواها في الغالب، كل الجوانب الروحيّة التي يعدّها الإسلام واقعاً من الواقع، ويحسب لها حسابها في سير الزمان، وتشكّل الحياة في كل زمان ومكان، وجيل وقبيل! ولمَّا كانت الحياة الإسلاميّة فترة من الحياة البشريّة، ولمَّا كان المسلمون

стр. 202

جماعة من بني الإنسان في حيّز من الزمان والمكان، ولمَّا كان الإسلام رسالة كونيّة بشريّة غير محدودة بالزمان والمكان، فإن التاريخ الإسلامي لا يمكن فصله من التاريخ الإنساني .. وقد تأثّرت تلك الفترة -من غير شك- بتجارب البشريّة كلها من قبل، وبخاصة تلك العوامل التي كانت واقعة عند مولد الرسول ﷺ ، ثم أثرت بدورها في تجارب البشرية من بعد، وتلك الجهات التي امتدّت إليها أو جاورتها، فلابد إذن عند عرض التاريخ الإسلامي عامة، والسيرة النبويّة خاصة من الإلمام بالصورة التي انتهت إليها تجارب الإنسانيّة قبيل مولد الإسلام، والحالة التي صارت إليها المجتمعات البشرّية في الأرض، وبخاصة العقائد الدينيّة، وسائر ما يتعلق بها من أفكار وفلسفات ونظريّات، والأوضاع الاجتماعيّة، وما يتعلق بها من نظم الحكم، وسياسة المال، وعلاقات المجتمع، والأخلاق والعادات والأفكار، كي تتبيّن على ضوئها حقيقة دور الرساله والرسول ﷺ ! ويمكن تفسير استجابة العالم لهذا النظام الجديد قبولاً أو رفضاً، وتصوّر أسباب الصراع، وعوامل النصر والهزيمة، وعناصر التفاعل والتدافع، والتلاقي والانعكاس، على مرّ الأيام! وإذا كان الإلمام بوضع العالم إذ ذاك ضروريًّا؛ فإن الإلمام بوضع شبه الجزيرة العربيّة وتصور الحياة فيها، من نواحيها كافة أكثر ضرورة، بوصفها مهد الإسلام الأول من جهة، ومركز التجمّع والانسياح من جهة أخرى! تُرى، هل كانت مصادفة عابرة أن يظهر الرسول ﷺ في هذا الموضع من الأرض في هذا الزمان؟! إن هنالك نظاماً مقدورًا، وقصداً مقصوداً، وتدبيراً معيّناً، وترتيباً

стр. 203

موضوعياً، لتلقي هذه الظواهر كلها، حيث التقت كي تؤدي دوراً معيّناً، ليس أقل نتائجه تخطيط خريطة العالم، في عالم الظاهر، وفي عالم الشعور، على هذا الوضع الذي صارت إليه الأمور، منذ ذلك التاريخ البعيد! وهذا يسوق إلى دراسة حياة الرسول ﷺ في هذا السياق الكوني للتاريخ! وتسوق هذه الدراسة من كل جوانبها، وسائر ما يحيط بها إلى أن ندرك نظاماً مقدوراً، وقصدًا مقصوداً، وموافقات مدبرة .. فلم تكن مصادفة عابرة في الاختيار لهذا الحدث الفريد الوحيد عبر التاريخ .. ومن ثم تتبيّن المعالم الكليّة التي تضمنها هذا الحدث قبل البدء في دراسة الأحداث العالميّة التي تمت على هذا الأساس! وبذلك تتهيَّأ صورة مستكملة الجوانب لكل الأوضاع التي نشأت عنها الاستجابات التي وقعت بالفعل في تاريخ الإسلام، في الفترة التي قلت ظهوره، كما يتهيّأ تفسير هذه الاستجابات تفسيراً صحيحاً مستكملاً لكل عناصر الحكم والتقدير! وبذلك يكون التاريخ عمليّة استبطان وتجاوب في ضمائر الأشياء والأشخاص والأزمان والأحداث، ويتصل بناموس الكون، ومدارج البشرية، ويصبح كائناً حياً، ومادة حياة! ٤ - خطوات الدعوة: ومتى استقام الأمر على ذلك النهج، وبرزت تلك المقوّمات الأساسيّة لحقيقة الرسالة والرسول ﷺ ، وطبيعة البيئة التي استقبلت الدعوة، واستقبلت الرسول ﷺ ، وطبيعة المجتمع الإنساني الذي كان يعاصر مولد الإسلام، وطبيعة العقائد والأفكار التي كانت تسوده يوم ذاك!

стр. 204

متى برزت تلك المقوّمات الأساسيّة سهل تتبّع نشاطها وتفاعلها وصيرورتها، وأمكن تصوّر وتصوير خطوات الدعوة على عهد خاتم النبيّين ﷺ ! هذه الخطوات التي تسير متأثرة في هذا الجيل تبرز في جلاء: - كيف تجمّع المسلمون حول الرسول ﷺ ، ومن أي نوعيّة كانوا؟! - وكيف صاغ الرسول ﷺ هؤلاء، وكيف أعدّهم للمهمة العظمى؟! - وكيف بني الرسول ﷺ نظامه، وعلى أيّ الأسس قام هذا النظام؟! - وماذا كان عند هؤلاء من استعداد لتلبية هذا الحدث أو معارضته؟! - وما الواقع الحقيقي لكل جزئية من جزئيّات هذه السيرة؟! إلى آخر هذه المعالم التي تصوّر المرحلة الأولى من مراحل حياة الإسلام التي أعقبتها المرحلة الثانية: - مرحلة المدّ الإسلامي! - المرحلة التي انساح فيها الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها! - مرحلة الفيض العجيب، الذي لم يعرف له العالم نظيراً في سرعته وفي قوته، لا من ناحية الفتح العسكري وحده، ولكن من ناحية التأثير الروحي، والفكري والاجتماعي أيضاً، بل من الناحية الإنسانيّة الشاملة التي شهدت تحولاً كاملاً في خط سير التاريخ, على مولد هذا الدّين، وانتشاره ذلك الانتشار العجيب! ٥ - عوامل البناء ومعاول الفناء: وهنا تبدو قيمة المنهج الذي أشرنا إليه في دراسة السيرة النبويّة خاصة، والتاريخ الإسلامي عامة، ويمكن معرفة عوامل البناء وأسباب الفناء التي قامت

стр. 205

في تلك المساحة الفسيحة التي امتدّ إليها (الدّين القيّم)، ويمكن تتبّع تفاعله مع الأفكار والعقائد التي كانت سائدة أو سائرة فيها، ومع النظم الاجتماعيّة التي كانت تظلها، ومع الظروف الاقتصادية والمعالم التاريخيّة والملابسات الإنسانية، في أخصب بقاع الأرض وأكثرها حضارة في ذلك الزمان! والمدّ الإِسلاميّ لم يقف عند الحدود التي وصلت إليها فتوحاته العسكريّة؛ فلقد امتدّت الموجبة الفكريّة، والحضارة التي كوّنها إلى ما وراء حدود العالم الإسلامي قطعاً! ولابد من دراسة آثار هذا المد فيما وراء الحدود، طرداً وعكساً، في حياة العالم الإسلامي ذاته، وفي حياة العالم الإنساني كله! ودراسة هذه التفاعلات في ضوء هذا المنهج الذي عرضنا معالمه كفيلة بأن تنشئ صورة واضحة السمات للعالم الإنساني وخطواته الحيّة، مختلفة عن الصورة التي اعتاد غير المسلمين أن يرسموها، والتي اعتدنا أن نراها في كتاباتهم! والتي يعتنقها كثيرون من أبناء جلدتنا، الذين يتكلّمون بألسنتنا، ويدافعون عنها أكثر من دفاع أساتذتهم المستشرقين! ثم يجيء دور انحسار المدّ الإِسلاميّ! وعلى ضوء هذا المنهج، وضوء دراسة المراحل التاريخية السالفة يمكن أن نتبين أسباب هذا الانحسار، وعوامله الداخليّة والخارجيّة جميعاً! وهنا نتساءل: أكان هذا الانحسار شاملاً أم جزئيًّا، وسطحياً أم عميقاً؟! وما أثر هذا الانحسار في خط سير التاريخ, وفي أحوال البشر، وفي قواعد التفكير والسلوك، وفي العلاقات الدوليّة والإنسانيّة؟!

стр. 206

وما وزن الأفكار والنظم والعقائد التي استحدثتها الإنسانيّة بالقياس إلى نظائرها في الإسلام؟! وماذا كسبت البشريّة، وماذا خسرت، من وراء انحسار المدّ الإسلامي، وظهور المدّ الإلحادي؟! ومن ثم يصبح الحديث عن العالم الإسلامي طبيعيًّا وفي أوانه، وقائماً على أسسه الواضحة الصريحة، وليس حديثاً تمليه العاطفة أو يحدوه التعصب من هذا الجانب أو ذاك، ويصبح الحديث عن القديم والحديث -وفق هذا المنهج- مسلسل الحلقات، متشابك الأواصر، ويتحدّد دور الإسلام في هذا التاريخ وفي الماضي وفي الحاضر .. وتتبيّن خطوطه في المستقبل على ضوء الماضي والحاضر! ٦ - عطاء السيرة بين الماضي والحاضر: ومن ثم، يتم استعراض أحداث السيرة النبويّة في وحدة موضوعيّة: - وفق معطيات القرآن الكريم -كما أسلفنا- وهي كثيرة وضرورية! - والسنة النبويّة الصحيحة, وفق أصول التحديث رواية ودراية! - والإفادة من الأرضيّة التاريخيّة الثابتة، التي تحرّكت فوقها الأحداث ونمت، واكتسبت ملامحها النهائيّة! - والنظرة الشموليّة التكامليّة، التي تدرس حركة الإسلام في منهج شامل كامل، له خصائصه! في إطار القيم والتوجيهات، والقواعد والأسس، التي جاء بها (الدّين القيّم) ليقيمها في قلوب الجماعة المسلمة عبر التاريخ, وفي حياتها كلها على سواء!

стр. 207

وهكذا تصبح هذه الأحداث مادة للتربية، ودليلاً وترجماناً للحياة الإسلاميّة الممتدّة وأحداثها، وعوامل البناء ومعاول الفناء! ومن ثم نبصر التقابل بين العوامل والمعاول، والحق والباطل، على سواء! وسبق أن قدمت دراسات موضوعيّة في السيرة النبويّة -كما ذكرت في المنهج الموضوعي- تلتزم الموضوعية والأحاديث الصحيحة, وفق قواعد التحديث رواية ودراية، والإفادة من المعالم التاريخيّة والتربويّة التي تفيدنا في واقعنا المعاصر! وأسأل الله العون والسداد، والتوفيق والرشاد، على الكتابة عن: (الرسول ﷺ والنصارى وجهاً لوجه)، حتى نتبيّن حقيقة دور النصارى في العداء للرسالة والرسول في القديم والحديث على سواء! والكتابة كذلك عن: (الرسول الداعي)! و (الرسول العابد)! و (الرسول في البيت)! و (الرسول المربي)! وما إلى ذلك من الدراسات التربويّة الموضوعيّة التي نحن في أشد الحاجة إليها! إن السيرة النبويّة فيض من العطاء متدفق، لا يغيض ماؤه، ولا يتوقّف عطاؤه، ومن أخلص النية، وجرد الطويّة، وطرح الغرض، وتخلص من الهوى، وابتعد عن الردى، وأحبّ الحق، وعقد العزم، وجدّ في الطلب،

стр. 208

فلابدّ أن تتفتّح له كوة جديدة عميقة من كواها المشعة بنور الحق والحقيقة، يستضيء بنورها ويضيء! وها نحن نعيش بداية القرن الخامس عشر الهجري، بعد أن ودعنا القرن الحافل بالمآسي الصارخة، والعبر القارعة! وعجلة الزمان تُطوى بنا يوماً بعد يوم، وحين تُطوى نقف على مفترق الطريق! وما أحوجنا في هذه اللحظة الفارقة أن نحاسب أنفسنا! على الماضي، فنندم على الأخطاء، ونستقيل العثرات، ونقوّم المعوج، ونستدرك ما فات! وعلى المستقبل، فندرك أن جيلنا قد ولد في منعطف تاريخي، أفضى به - في مجموعه- إلى أن تنفرج الشقّة بين سلوكه، والشمول والتكامل في الفكر والسلوك .. ولفّه ضباب الشعارات البراقة، في إطار ماكر جائر، من هؤلاء الجاهلين الذين أرادوا تحقيق شهواتهم، ونشر ضلالاتهم، جاهدين ألا ينكشف حالهم، ويتعرّى هدفهم! ومن ثم حالوا بيننا وبن حقيقة الإسلام في الوحدة والتوحيد، والفكر والسلوك، والحياة والتشريع، وأقاموا فصاماً نكداً بيننا وبين هذه الحقائق التي ينطلق بها اللسان معبراً عن العقيدة التي تعمر الجنان: - الله غايتنا! - والرسول قدوتنا! - والقرآن شرعتنا! - والجهاد سبيلنا!

стр. 209

- والموت في سبيل الله أسمى أمانينا! وركّزوا على تمكين غيبوبة الضمير، والعقل والوعي، عن واقع المسير، في الضباب الكثيف، وما يجر إليه من سوء المصير! وهذا الواقع أقوى من إنكار المنكرين، وجحود الجاحدين! ولن يفقد الحقيقة هويّتها أن يكفر بها معاند ماكر، أو يتسلّط عليها مخادع جائر! وعلينا أن نفقه عطاء سيرة الرسول ﷺ بين الماضي والحاضر! ونرى كيف ظهرت (خير أمة أخرجت للناس) في ثلاث وعشرين سنة، كانت متفرّقة متشاكسة، فأصبحت متحدة متآلفة! كانت الأمم تنظر إليها بعين الازدراء، فأصبحت معزّزة الجانب، تفتح البلاد، وتضرب على أعدائها بسلطانها الكريم! كانت في ظلمات من الجهل، فأصبحت في نور من العلم، دون أن يُجلب إليها من بلاد أجنبيّة، وإنما هو ذلك الرسول ﷺ بما يُلقي إليها من الحكمة بنفسه، ويزكّيها بما يتحلّى به، ويما يدعوها إلى خصال الشرف والحمد! نرى الرسول ﷺ أقام بين يدي هذه الأمة شريعة تقرّر حقوق الأفراد والجماعات، وتشتمل بتفاصيلها وأصولها على كل ما يُحتاج إليه في فصل القضايا من أحكام، هي مظهر العدل والمساواة، ولم يعقد لهذه الشريعة لجنة تتألف من أشخاص درسوا قوانين بعض الأمم .. ونراه يملي أحكام الوقائع مدنيّة كانت أو جنائيّة .. في الحضر والسفر، في يوم السلم، أو في مواطن القتال!

стр. 210

نرى الرسول ﷺ يستخف بأشياع الباطل؛ ولا تأخذه كثرة عددهم ووفرة أموالهم، فيلاقيهم بالفئة القليلة، ويفوز عليهم فوزاً عظيماً، ولم يكن بالرئيس الذي يبعث بالجيش إلى مواقع القتال، ويقعد خلافهم حذراً من الموت؛ بل يقول الجند، ويدبّر أمر القتال بنفسه، ويقابل الأعداء بوجهه، ولا يوليهم ظهره! نرى الرسول ﷺ يصرف عنايته في تزكية الأمّة، وتدبير شؤونها والقيام بجهاد عدوّ هاجم، أو عدو متحفز للهجوم، ولم تشغله هذه الأعمال الخطيرة عن أن يقوم الليلَ قانتاً لله متهجداً، ثم يملأ جانباً من النهار في عبادة ربّه متطوعاً! نرى الرسول ﷺ زاهداً في متاع هذه الحياة! ولم يكن مثل أولئك الذين يتظاهرون بالزهد إذا لم يجدوا، حتى إذا ما أيسروا ورأوا زهرة الحياة الدنيا طوع أيمانهم خلعوا ثوب الزهد، وتحولوا إلى طبيعة الشره كثيراً أو قليلاً! إن كنت غنياً مثرياً فاقتد بالرسول ﷺ عندما كان يسير بين الحجاز والشام، وحين ملك خزائن البحرين (١)! وإن كنت في سجن الطغاة البغاة العتاة، فلتكن لك أسوة به، وهو ﷺ في الشِّعب! وإن كنت عائلاً ذلك في رسول الله ﷺ أسوة، حين قدم إلى المدينة مهاجراً إليها من موطنه، وهو لا يحمل من حطام الدنيا شيئاً!

стр. 211

وإن كنت حاكماً فاقتد بسنته وأعماله ﷺ ، حين مَلَك أمر العرب، وغَلَب على آفاقهم، ودان لطاعته عظماؤهم، وذوو أحلامهم! وإن كنت تعيش في وطن غير إسلامي، ذلك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، أيّام كان بمكة قبل الهجرة! وإن كنت فاتحاً غالباً، ذلك في حياته ﷺ نصيب أيام ظفره بعدوه في (بدر) وغيرها! وإن كنت مصاباً فاعتبر به ﷺ في يوم (أحد)، وهو بين أصحابه القتلى، والمثخنين بالجراح! وإن كنت معلِّماً فانظر إليه وهو يعلّم أصحابه في صُفّة المسجد وغيرها! وإن كنت متعلّماً فتصور مقعده ﷺ بين يدي الروح الأمن جاثياً مسترشداً! وإن كنت داعياً ناصحاً مرشداً أميناً، فاستمع إليه ﷺ وهو يعظ الناس! وإن أردت أن تقيم الحق، وتصدع بالمعروف، ولا ناصر لك، ولا معين، فانظر إليه بمكة، والطائف .. لا ناصر ينصره، ولا معين يعينه، وهو ﷺ يشكو إلى الله أمره، ومع كل ذلك يدعو إلى الحق، ويُعلن به! وإن هَزَمْت عدوك، وخضّدت شوكته، واستتبّ لك الأمر، ولا ترى من عدوك خطراً، فانظر إليه ﷺ يوم دخل مكة وفتحها! وإن أردت أن تصلح أمورك، وتقوم على ضياعك، فانظر إليه ﷺ وقد مَلك من الغنائم ما ملك، كيف دبّر أمورها، وأصلح شؤونها، وفوّضها إلى من أحسن القيام عليها! وإن كنت يتيماً فانظر إلى يتمه ﷺ !

стр. 212

وإن كنت شابًّا عاملاً فاقرأ سيرته ﷺ ، وهو يرعى الغنم! وإن كنت قاضياً أو حكماً فانظر إليه ﷺ حين قصد الكعبة ليضع الحجر الأسود في محله، وقد كاد رؤساء مكة يقتتلون، ثم ارجع البصر إليه مرة أخرى، وهو في فناء مسجد المدينة، يقضي بين الناس بالعدل، يستوي عنده الفاقد والواجد، الفقير المعدم والغني المثري، والقريب والبعيد! وإن كنت زوجاً فاقرأ السيرة الطاهرة، والحياة النظيفة العفيفة النزيهة للرسول ﷺ في البيت! وإن كنت أباً فتعلم ما كان عليه الرسول ﷺ ، وكيف كانت الحياة المثاليّة! وأيًّا من كنت، وفي أي شأن كان شأنك، فإنك مهما أصبحت وأمسيت، وعلى أي حال بتّ أو أضحيت، فلك في حياة الرسول ﷺ الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، تضيء لك بنورها دَياجي الحياة، وينجلي لك بضوئها ظلام العيش، فتُصلح ما اضطرب من أمورك، وتثقف بهديه أوَدك، وتُقوِّمُ بسنته عوجك، وصدق الله العظيم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب]! إن هذه الآية الكريمة -كما أسلفنا- تحمل في ألفاظها القليلة معاني كثيرة جليلة غزيرة، فقد أرشدت إلى الاقتداء بالرسول ﷺ ، وأومأت إلى أنه أقوم الخليقة منهجاً، وأشرفهم حالاً، وأطيبهم كلاماً، وأفضلهم أعمالاً! وتدعو إلى التأسي به ﷺ في أخلاقه وأفعاله، فيما هو مطلوب منا أن نتأسى به، في ثباته في الشدائد وهو مطلوب، وصبره على البأساء والضراء وهو مكروب لا يخور في شديدة، ولا يستكين لعظيمة أو كبيرة، ولقد لقي ما لقي مما يشيب النواصي، وهو مع الضعف يصابر صبر المستعلي، ويثبت ثبات المستولي!

стр. 213

وقد اقتدى به السلف الصالح في احتماله لما كان يلاقيه في سبيل الدعوة إلى الحق من العناء والمكابدة، وفي صلته بالأفراد والجماعات، ومعاملته لهم، ودعوته إلى الحق، وإرشادهم إلى وجوه الخير، وسبل السعادة! وتدعو إلى التأسّي بالرسول ﷺ في صدق جهاده وقوة صبره على أدواء الحياة وشظفها وشدة أزماتها، وتحمل أشد البلاء في سبيل نشر رسالته؛ لإعلاء كلمة الله، ومجاهدة شراذم الكفر، وأهل النفاق، ليعلموا أن خَلَف هذه الأمة كسلفها لهم في رسول الله أسوة حسنة، ولن يتحقق هذا إذا اقتصر التأسي على المظاهر التي لا تكلف قليلاً أو كثيراً، ولا تؤثر في رفع راية العقيدة من قريب أو بعيد، وإنما يكون التأسي على هذا المستوى، ولن يتحقق ذلك التأسي إلا لمن صفا قلبه، واستنار بنور الهداية فؤاده، واستوى في الإخلاص للإسلام باطنه وظاهره، وهذا لا يكون إلا بمعرفة ما يجب على كل مؤمن بهذا (الدين القيم)، ومن كان يرجو الله واليوم الآخر، وهذا معنى التأسي بالرسول وتأكيده برجاء اليوم الآخر، والإيمان بمجيئه لتوفية كل عامل جزاء عمله، وأمارة ذلك أن يذكر العبد ربه ذكراً قلبيًّا، يغسل درن النفاق، حتى يخلص الجَنان للرحمن ويثبت على ذلك، وذكراً لسانيًّا يتطابق مع الذكر القلبي، ليكون ذلك عنواناً على إخلاص الإيمان وصدق اليقين! ولو كان مقدراً لهذا العالم الإسلامي أن يموت، لمات في خلال القرون الطويلة التي مرت به (١)، وهو مكبّل بالقيود، في حالة إعياء عن الحركة، بعد أن حمل عبء الحضارة الإنسانيّة طويلاً، وبعد أن تعب فاسترخى فنام!

стр. 214

في الوقت الذي تحرك صوب القيادة حزب الشيطان، بعد أن تخلّى عن القيادة والريادة عباد الرحمن! ومن ثم دانت معظم أطراف الأرض لحزب الشيطان! وكان الثقل على صدر العالم الإسلامي النائم! تُرى، لو كان مقدّراً لهذا العالم الإسلامي أن يموت، لمات في خلال فترة الاسترخاء والإعياء، وفي إبان حركة حزب الشيطان! ولكنه لم يمت؛ بل انتفض حياً متفاعلاً، يزيل الركام الهائل عن صدره، وينفض النوم العميق عن جفنه، ويحطم الأغلال، ويكسر القيود! وحيثما مد الإنسان بصره اليوم شعر بهذه الانتفاضة الحيّة، وشعر بالحركة المتفاعلة، حتى الشعوب التي ما تزال في أعقاب دور الاسترخاء، والتي ما تزال مرهقة بالأثقال، حتى هذه الشعوب يدرك المتأمل في أحوالها أن الحياة تدبّ في أوصالها، ويرى خلال الرماد وميض نار توشك أن يكون لها ضرام! تُرى، ما الذي احتفظ لهذه الشعوب بحيويّتها الكامنة بعد قرون كثيرة وعديدة، طويلة الأمد، من النوم والاسترخاء، ومن الضعف والخمود، ومن الهبوط والركود، ومن أساليب الجحود والكنود، والضغط والقسر، والاحتلال البغيض الذي بذل جهده لتقطيع أوصالها، وإخماد أنفاسها؟! إنه الإيمان المتمثّل في العقيدة القوّية العميقة، التي لم يستطيع حزب الشيطان قتلها، على الرغم من كل تلك الجهود المتواصلة المتواكبة، التي وجهت إلى الفكر والروح، والاجتماع والسياسة! هذه العقيدة التي تدعو معتنقيها إلى المقاومة والكفاح، لتحقيق الاستعلاء على حزب الشيطان وألاعيبه، وعدم الخضوع للظالمين!

стр. 215

ومن ثم أبصرنا الفجر يبعث خيوطه، والنور يتشقق به الأفق، بعد ليل طال أمده! وإذا بالصادقين من الخلف يسيرون على نهج السلف الصالح، في صحوة إلى غير سبات! ويوم تمسك سلفنا بالكتاب والسنة، وكان لهم في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، تسلّموا قيادة العالم وريادته، وجاء من بعدهم خلف انحرفوا فانجرفوا، واستمروا في الهبوط، حتى تخلفت الأمة، وحينئذ جاءتها: - قارعة التتار! بيد أنها لم تستخلص الدرس، فأصابتها: - جحافل الغرب! واستيقظت بعض اليقظة حين رفعت مصر العار والشنار عن الأمة في مواجهة الشرق وهزيمته، والغرب وهزيمته! - وجاءت مصيبة الأندلس! - ثم كارثة فلسطين! بيد أن الأمل قائم في أن ترجع إلى هذه الأمة سيرتها الأولى إذا ما كان لها في الرسول ﷺ أسوة حسنة! وهنا نبصر الفجر قد أشرقت أنواره، وبدت مطالعه! ونبصر قلوباً تتطلع إلى الخير والمستقبل المليء بالخير! ونحس بأننا خلف صالح لسلف صالح!
следующие страницы →