← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

نعم)، ومن هنا كان هذا التأويل أولى، حتى يمكن الجمع، ومع هذا يمكن أن يكون الملائكة الذين أتوا النبي ﷺ قبل أن يوحى إليه، أتوه ليلة أخرى، كما جاء في الحديث أيضًا (حتى أتوه ليلة أخرى)، ولم يعيّن المدّة التي بين الحديثين -كما يقول ابن حجر- (١) فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أوحي إليه، وحينئذ وقع الإسراء والمعراج! وإذا كان بين المجيئين مدّة فلا فرق في ذلك بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة أو ليالي كثيرة أو عدة سنين، وبهذا يرتفع الإشكال عن رواية شريك، ويحصل به الوفاق، أن الإسراء كان في اليقظة، بعد البعثة، وقبل الهجرة، ويسقط تشنيع الخطَّابي وابن حزم وغيرهما بأن شريكًا خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثه! وأما ما ذكره بعض الشرّاح: أنه كان بين الليلتين اللتين أتاه فيهما الملائكة سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع، وقيل: عشر. وقيل: ثلاث عشرة، فيحمل على إرادة السنين، لا كما فهمه الشارح المذكور أنها ليال، وبذلك جزم ابن القيمّ في هذا الحديث نفسه! قلت: وبهذا يتبيّن أن شريكًا قبله كثير من أئمة الجرح والتعديل وأن هذا الحديث رواه عنه ثقة، وأنه لم يتفرّد به، ولا إشكال في الجمع بين قوله: (قبل أن يوحى إليه) وقوله: (وقد بعث؟ قال: نعم)! وأجاب بعضهم عن قوله: (قبل أن يوحى إليه) بأن القبليّة هنا في

стр. 1507

أمر مخصوص، وليست مطلقة، واحتمل أن يكون المعنى قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء والمعراج مثلًا، أي أن ذلك وقع بغتةً قبل أن ينذر به، ويؤيّده في حديث الزهري: "فرج عن سقف بيتي" (١). الشبهة الثانية وردّها: زاد ابن حزم على قوله السابق: الآفة من شريك، من ذلك قوله: (قبل أن يوحى إليه)، قال: وأنه حينئذ فرض عليه الصلاة، قال: وهذا لا خلاف بين أهل العلم إنما كان قبل الهجرة بسنة، وبعد أن أوحي إليه بنحو اثنتي عشرة سنة! (٢) قلت: وتلك أيضًا شبهة مردودة، حيث اختلفوا في تاريخ الإسراء والمعراج -كما سبق- اختلافًا كثيرًا! ومردودة أيضًا، حيث ذهب بعض العلماء إلى أن ذلك وقع مرّتين: مرَّة في المنام، توطئة وتمهيدًا أو تسهيلًا عليه، كما كان بدء نبوّته الرؤيا الصادقة -كما أسلفنا- ليسهل عليه أمر النبوّة! ومرّة ثانية في اليقظة .. قالوا: وبذلك يجمع بين الأحاديث. وممن اختار هذا القول أبو نصر القشيري، وابن العربي، والسهيلي! وجوّز بعض أصحاب هذا القول أن تكون قصّة المنام وقعت قبل البعث، لأجل ما في رواية شريك (وذلك قبل أن يوحى إليه)!

стр. 1508

قال السهيلي: (١) وهذا القول هو الذي يصحّ، وبه تتفق معاني الأخبار! قلت: سبق أن عرفنا أن الجمهور من المفسّرين والمحدّثين والفقهاء والمتكلّمين قد ذهبوا إلى أنهما وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسد النبي ﷺ وروحه بعد المبعث، فكيف يقول السهيلي عن القول بأن ذلك وقع مرّتين (هو الذي يصح؟!) وعلى كل فهو قول محتمل للجمع بين الأحاديث! وقال ابن كثير: (٢) تنبيه: ونحن لا ننكر وقوع منام قبل الإسراء، طبق ما وقع بعد ذلك، فإنه ﷺ كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وقد تقدّم مثل ذلك في حديث بدء الوحي (٣) أنه رأى مثل ما وقع له يقظةً منامًا قلبه، ليكون ذلك من باب الإرهاص والتوطئة والتثبت والإيناس! قال ابن حجر: (٤) وقوع التعدّد في قصّة المعراج التي فيها سؤاله عن كل نبيّ، وسؤال أهل كل باب: هل بعث إليه؟ وفرض الصلوات الخمس، وغير ذلك، فإن تعدّد ذلك في اليقظة لا يتّجه، فيتعيّن ردّ بعض الروايات المختلفة إلى بعض، أو الترجيح، إلا أنه لا

стр. 1509

يعد في جميع وقوع ذلك في الشام توطئة، ثم وقوعه في اليقظة على وفقه .. ومن المستغرب قول ابن عبد السلام في تفسيره: كان الإسراء في النوم واليقظة، ووقع بمكة والمدينة، فإن كان يريد تخصيص المدينة بالنوم، ويكون كلامه على طريق اللفّ والنّشر غير المرتّب، فيحتمل، ويكون الإسراء الذي اتّصل به المعراج، وفرضت الصلوات فيه في اليقظة بمكة، والآخر في الشام بالمدينة! الشبهة الثالثة وردّها: جاء في رواية شريك: (وهو نائم في المسجد الحرام)، ومن ثم ذهب بعضهم إلى أن ذلك وقع في المنام! قال البغوي: (١) هذا الاعتراض الذي اعترض به على رواية شريك لا يصح عندي؛ لأنّ ذلك كان رؤيا في النوم أراه الله تعالى قبل الوحي، بدليل آخو الحديث -أي حديث شريك الذي معنا- (واستيقظ وهو في مسجد الحرام) (٢)، ثم عرج به في اليقظة بعد الوحي، تحقيقًا لرؤياه من قبل، كما أنه ﵊ فتح مكّة في المنام عام الحديبية سنة ست من الهجرة، ثم كان تحقيقه سنة ثمان، ونزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧]

стр. 1510

قلت: سبق الردّ على قوله (قبل الوحي)، وتدفعنا ضرورة البحث إلى أن شريكًا لم ينفرد بتلك الرواية، وأن لفظ (نائم) يطلق على حال النبي ﷺ أوّل وصول الملك إليه، كما سيأتي من قول عياض! أمّا عن عدم انفراد شريك بالرواية، فقد سبق ذكر رواية الشيخين وغيرهما عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة ﵄ قال: قال النبي ﷺ : "بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان .. " الحديث، وتعدّدت الروايات في ذلك! وأمّا عن حال النبي ﷺ في هذا المقام، فقد قال عياض: وأما قولهم إنه قد سمّاها في الحديث منامًا، وقوله في حديث آخر "بين النائم واليقظان"، وقوله: "واستيقظ" (١) فلا حجة فيه؛ إذ قد يحتمل أن وصول الملك إليه كان وهو نائم، أو أوّل حمله والإسراء به وهو نائم، وليس في الحديث أنه كان نائمًا في القضيّة كلها، إلا ما يدلّ عليه (واستيقظ وهو في مسجد الحرام)، وفي لفظ (استيقظت) بمعنى أصبحت، واستيقظ من نوم آخر بعد وصول بيته، ويدل على أن مسراه لم يكن طول ليله! وقد يكون قوله: (واستيقظت وأنا في المسجد الحرام) لما كان غمره من عجائب ما طالع من ملكوت السماوات والأرض، وخامر باطنه من

стр. 1511

مشاهد الملأ الأعلى، وما رأى من آيات ربّه الكبرى، فلم يستفق ويرجع إلى حال البشريّة إلّا وهو بالمسجد الحرام .. أو يعبّر بالنوّم هنا عن هيئة النائم من الاضطجاع، ويقوّيه قوله في رواية عبد بن حميد عن همام: (بينا أنا نائم، وربما قال مضطجع)، وفي رواية هدبة عنه: (بينا أنا في الحطيم، وربما قال في الحجر مضطجع)، وقوله في الرواية الأخرى: (بين النائم واليقظان) سمّى هيئته بالنوّم، لما كانت هيئة النائم غالبًا! (١) الشبهة الرابعة وردّها: قال عياض: قد ذكر في أوله -أي حديث شريك- مجيء الملك له، وشق بطنه، وغسله بماء زمزم، وهو إنما كان وهو صبيّ، وقبل الوحي، (٢) وادّعى ابن حزم وعياض أن ذلك من تخليط شريك! (٣) قلت: وأيضًا لم ينفرد شريك بذلك، فقد سبق في رواية الشيخين وغيرهما عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن صعصعة ﵄: " .. فأتيت بطست من ذهب ملآن حكمةً وإيمانًا، فشقّ من النحر إلى مراق البطن، ثم غسل البطن بماء زمزم، ثم ملئ حكمة وإيمانًا .. " الحديث. قال ابن حجر: وقد استنكر بعضهم وقوع شقّ الصدر ليلة

стр. 1512

الإسراء، وقال: إنما كان ذلك، وهو صغير في بني سعد، ولا إنكار في ذلك، فقد تواترت الروايات به، وثبت شقّ الصدر أيضًا عند البعثة، كما أخرجه أبو نعيم في (الدلائل) ولكل منهما حكمة! فالأول: وقع فيه من الزيادة، كما عند مسلم من حديث أنس -كما سبق- "فاستخرج منه علقة (١) فقال: هذا حظ الشيطان منك"! (٢) وكان هذا في زمن الطفوليّة، فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان! ثم وقع شقّ الصدر عند البعث، زيادةً في إكرامه، ليتلقّى ما يوحى إليه بقلب قويّ في أكمل الأحوال من التطهير! ثم وقع شقّ الصدر عند إرادة العروج إلى السماء، ليتأهّب للمناجاة، ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرّة الثالثة، كما تقرّر في شرعه ﷺ ! ويحتمل أن تكون الحكمة في انفراج سقف بيته الإشارة إلى ما سيقع من شقّ صدره، وأنه سيلتئم بغير معالجة يتضرّر بها! وجميع ما ورد من شقّ الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة، مما يجب التسليم له، دون التعرّض لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك!

стр. 1513

وقال القرطبي في (المفهم): لا يلتفت لإنكار الشقّ ليلة الإسراء، لأنّ رواته ثقاة مشاهير! (١) الشبهة الخامسة وردّها: تتعلّق بأمكنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد أفصح بأنّه لم يضبط منازلهم، (٢) فقد جاء في رواية شريك: (فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة، بفضل كلام الله). بينما رواية قتادة وغيرها -كما سبق- تذكر في السماء الأولى آدم، وفي الثانية عيسى ويحيى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم! قلت: لم ينفرد شريك أيضًا في هذا، فقد سبق أن ذكرنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: كان أبو ذرّ يحدّث أن رسول الله ﷺ قال: "فرج سقف بيني، وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري .. " إلى أن قال: قال أنس: فذكر أنه وجد في السماوات آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم، صلوات الله عليهم، ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة .. الحديث!

стр. 1514

وبهذا نتبيّن أن رواية الشيخين هذه قد وافقت رواية شريك في أن إبراهيم في السماء السادسة .. بينما هو -كما سبق- في السابعة! وفي رواية للنسائي (١) عن يزيد بن أبي مالك، عن أنس بن مالك .. وفيه: " .. ثم صعد بي إلى السماء الدنيا، فإذا فيها آدم ﵇، ثم صعد بي إلى السماء الثانية، فإذا فيها ابنا الخالة عيسى ويحيى ﵉، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، فإذا فيها يوسف ﵇، تم صعد بي إلى السماء الرابعة، فإذا فيها هارون ﵇، ثم صعد بي إلى السماء الخامسة، فإذا فيها إدريس ﵇، ثم صعد بي إلى السماء السادسة، فإذا فيها موسى ﵇، ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فإذا فيها إبراهيم ﵇، ثم صعد بي فوق سبع سماوات، فأتينا سدرة المنتهى .. " الحديث. قال النوويّ: فإن كان الإسراء مرّتين فلا إشكال فيه، ويكون في كل مرّة وجده في سماء، وإحداهما موضع استقراره ووطنه، والأخرى كان فيها غير مستوطن، وإن كان الإسراء مرّة واحدة فلعلّه وجده في السادسة، ثم ارتقى إبراهيم أيضًا إلى السابعة! (٢) وقال ابن حجر: فمع التعددّ لا إشكال، ومع الاتحاد فقد جمع بأن

стр. 1515

موسى كان في حالة العروج في السادسة، وإبراهيم في السابعة، على ظاهر حديث مالك بن صعصعة، وعند الهبوط كان موسى في السابعة؛ لأنه لم يذكر في القصة أن إبراهيم كلّمه في شيء مما يتعلّق بما فرض الله على أمّته من الصلاة، كما كلّمه موسى، والسماء السابعة هي أوّل شيء انتهى إليه حالة الهبوط، فناسب أن يكون موسى بها، لأنه هو الذي خاطبه في ذلك، كما ثبت في جميع الروايات، ويحتمل أن يكون لقي موسى في السادسة، فأصعد معه إلى السابعة، تفضيلًا له على غيره، من أجل كلام الله تعالى، وظهرت فائدة ذلك في كلامه مع المصطفى فيما يتعلّق بأمر أمّته في الصلاة (١). الشبهة السادسة وردّها: وجاء في رواية شريك: (ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى). قال ابن حجر: كذا وقع في رواية شريك، وهو ممّا خالف فيه غيره، فإن الجمهور على أن سدرة المنتهى في السابعة، وعند بعضهم في السادسة! (٢) قلت: لم ينفرد شريك أيضًا بهذه الرواية، ففي رواية الشيخين

стр. 1516

وغيرهما -كما سبق- عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة: " .. ورفعت إلى سدرة المنتهى .. " الحديث! وفي رواية لهما -أيضًا كما سبق- عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك: " .. ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى .. " الحديث. وفي رواية يزيد التي سبق ذكرها عن أنس: " .. ثم صعد بي فوق سبع سماوات، فأتينا سدرة المنتهى .. " الحديث! قلت: وهذا صريح في كون سدرة المنتهى فوق سبع سماوات، ومع هذا فقد روى مسلم وغيره من حديث ابن مسعود ﵁ قال: (لمّا أُسري برسول الله ﷺ انتُهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرُجُ به من الأرض، فيُقبض منها، وإليها ينتهي ما يُهبط به من فوقها، فيقبض منها، قال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم: ١٦]! ..) الحديث (١).

стр. 1517

قال ابن حجر: (١) ولعلّ في السياق تقديمًا وتأخيرًا؛ وكان ذكر سدرة المنتهى قبل، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله! ثم قال: ويحتمل أن يكون المراد بما تضمّنته هذه الرواية من العلوّ البالغ لسدرة المنتهى صفة أعلاها، وما تقدّم صفة أصلها! وقال: (٢) ولا يعارض قوله إنها في السادسة ما دلت عليه بقيّة الأخبار أنه وصل إليها بعد أن دخل السماء السابعة؛ لأنه يحمل على أن أصلها في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في السابعة، وليس في السادسة منها إلا أصل ساقها! وقال القاري: (٣) يمكن الجمع بأن مبدأها في الأرض، ومعظمها في السماء السادسة، وانتهاءها ومحلّ أثمارها، وغشيان أنوارها، في السماء السابعة، ويؤيّده قوله (إليها) أي إلى السدرة (ينتهي ما يعرج به من الأرض) بصيغة المجهول، وكذا قوله (فيقبض منها) أي تقبضه الملائكة الموكلون فيها بأخذ ما صعد به من الأعمال، والأرواح إليها (وإليها ينتهي ما يهبط) أي ينزل (من فوقها فيقبض منها) أي فيقبض من أذن له، وإيصاله إلى من قضي له به!

стр. 1518

الشبهة السابعة وردّها: وجاء في الرواية أيضًا: (فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: (ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذان النّيل والفرات عنصرهما). قال ابن حجر: (١) وظاهر هذا يخالف حديث مالك بن صعصعة -أي الذي سبق ذكره- فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى (فإذا في أصلها أربعة أنهار) ويجمع بأن أصل نبعها من تحت سدرة المنتهى، ومقرّها في السماء الدنيا، ومنها ينزلان إلى الأرض! وقال أيضًا: (٢) والجمع بينهما هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهري الجنة، ورآهما في السماء الدنيا دون نهري الجنة، وأراد بالعنصر عنصر امتيازهما لسماء الدنيا، كما قال ابن دحية! قال النوويّ (٣)، والمراد من أصل سدرة المنتهى، كما جاء مبيّنًا في صحيح البخاري وغيره، قال مقاتل: الباطنان هما السلسبيل والكوثر، قال عياض: هذا الحديث يدلّ على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض، لخروج النيّل والفرات من أصلها، وقال النوويّ: هذا الذي قاله ليس بلازم، بل معناه أن الأنهار تخرج من أصلها، ثم تسير حيث أراد الله

стр. 1519

تعالى، حتى تخرج من الأرض، وتسير فيها، وهذا لا يمنعه عقل ولا شرع، وهو ظاهر الحديث، فوجب المصير إليه! وقال الأبيّ: (١) ووجه الجمع أن يكون أصلها في السماء، وأنزل من أصلها إلى الأرض النيل والفرات! الشبهة الثامنة وردّها: وجاء قوله: (ودنا الجبّار، ربُّ العزّة، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى) قال الخطابي (٢): ليس في هذا الكتاب -يعني صحيح البخاري- حديث أشنع ظاهرًا، ولا أشنع مذاقًا من هذا الفصل، فإنه يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما، هذا إلى ما في التدلّي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي تعلّق من فوق إلى أسفل، قال: فمن لم يبلغه من هذا الحديث إلا هذا القدر مقطوعًا عن غيره، ولم يعتبره بأول القصّة وآخرها اشتبه عليه وجهه ومعناه، وكان قصاراه إمّا رد الحديث من أصله، وإمّا الوقوع في التشبيه، وهما خطتان مرغوب عنهما! وأمّا من اعتبر أوّل الحديث بآخره فإنه يزول عنه الإشكال، فإنه مصرّح فيهما بأنّه كان رؤيا لقوله في أوله (وهو نائم) وفي آخره (استيقظ)، وبعض الرؤيا مثل يضرب ليتأوّل على الوجه الذي يجب أن

стр. 1520

يصرف إليه معنى التعبير في مثله، وبعض الرؤيا لا يحتاج إلى ذلك، بل يأتي كالمشاهدة! ثم قال الخطابي مشيرًا إلى رفع الحديث من أصله بأن القصّة بطولها إنما هي حكايته يحكيها أنس من تلقاء نفسه، لم يعزها إلى النبي ﷺ ، ولا نقلها عنه، ولا أضافها إلى قوله، فحاصل الأمر في النقل أنها من جهة الراوي إمّا عن أنس، وإمّا من شريك، فإنه كثير التفرّد بمناكير الألفاظ التي لا يتابعه عليها سائر الرواة .. وقال: إن الذي وقع في هذه الرواية من نسبة التدلّي للجبّار مخالف لعامّة السلف، والعلماء، وأهل التفسير، ومن تقدّم منهم ومن تأخّر .. قال: والذي قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه دنا جبريل من محمَّد ﷺ ، فتدلّى، أي تقرّب منه، وقيل: هو على التقديم والتأخير: أي تدلّى فدنا؛ لأنّ التدلّي بسبب الدنو. الثاني: تدلّى له جبريل بعد الانتصاب والارتفاع، حتى رآه متدلّيًا، كما رآه مرتفعًا، وذلك من آيات الله، حيث أقدره على أن يتدلّى في الهواء من غير اعتماد على شيء، ولا تمسّك بشيء. الثالث: دنا جبريل، فتدلّى محمَّد ﷺ ساجدًا لربّه تعالى، شاكرًا على ما أعطاه.

стр. 1521

قال: وقد روي هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك، فلم يذكر هذه الألفاظ الشنيعة، وذلك مما يقوّي الظنّ أنها صادرة من جهة شريك! قال ابن حجر: وما نفاه من أن أنسًا لم يسند هذه القصة إلى النبي لا تأثير له، فأدنى أمره فيها أن يكون مرسل صحابي، فإمّا أن يكون تلقّاها عن النبي ﷺ ، أو عن صحابي تلقاها عنه، ومثل ما اشتملت عليه لا يقال بالرأي، فيكون لها حكم الرفع، ولو كان لما ذكره تأثير لم يحمل حديث أحد روى مثل ذلك على الرفع أصلًا، وهو خلاف عمل المحدّثين قاطبةً، فالتعليل بذلك مردود .. قال: وقد أخرج الأموي في مغازيه من طريق البيهقي، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾! [النجم] قال: دنا منه ربه، وهذا سند حسن، وهو شاهد قويّ لرواية شريك! وقال: وأمّا ما جزم به من مخالفة السلف والخلف لرواية شريك عن أنس في التدلّي ففيه نظر، فقد ذكرت من وافقه، وقد نقل القرطبي عن ابن عباس أنه قال: (دنا الله ! (١) ثم قال وقد أزال العلماء إشكاله، فقال القاضي عياض: إضافة

стр. 1522

الدنوّ والقرب إلى الله تعالى أو من الله، ليس دنوّ مكان، ولا قرب زمان، وإنما هو بالنسبة إلى النبي ﷺ إبانة لعظيم منزلته، وشريف رتبته، وبالنسبة إلى الله تأنيس لنبيّه وإكرام له، ويتأوّلُ فيه ما قالوه فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الأخير، يقول: من يدعوني فأستجيب له؛ ومن يسألني فأعطيَه؟ ومن يستغفرني فأغفر له؟ " (١). وفي رواية: "ينزل الله ﵎ إلى السماء الدّنيا كلّ ليلة، حين يمضي ثلث الليل الأوّل، فيقول: أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأُعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر". وفي رواية: "إذا مضى شطرُ الليل أو ثلثاه، ينزل الله جلّ وعلا، إلى سماء الدنيا فيقول: من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني أستجيب له؟

стр. 1523

من ذا الذي يسترزقني أرزقه؟ من ذا الذي يستغفرني أغفر له؟ حتى ينفجر الصبح". وفي رواية: "ينزل الله حين يبقى ثلث الليل الآخر". قال الترمذي: وقد رُوي هذا الحديث من أوجه كثيرة، عن النبي ﷺ ! وقال: وفي الباب عن عليّ بن أبي طالب، وأبي سعيد، ورفاعة الجهني، وجبير بن مطعم، وابن مسعود، وأبي الدرداء، وعثمان بن أبي العاص! والأحاديث في هذا كثيرة، وعليه فإذا كان كل حديث متشابه يردّ فإن تلك الأحاديث تردّه، وهذا أمر مردود! وقد نقل القرطبي عن ابن عباس أنه قال: (دنا الله قال: والمعنى دنا أمره وحكمه، وأصل التدلّي النزول إلى الشيء، حتى يقرب منه، قال: وقيل تدلّى الرفرف لمحمد ﷺ حتى جلس عليه، ثم دنا من ربّه، وقيل: الدنوّ مجاز عن القرب المعنوي، لإظهار عظيم منزلته عند ربّه تعالى، والتدلّي: طلب زيادة القرب، وقاب قوسين بالنسبة إلى النبي ﷺ عبارة عن لطف المحل، وإيضاح المعرفة، وبالنسبة إلى الله إجابة سؤاله، ورفع درجته! (١)

стр. 1524

وقال السهيلي: وأمّا الدنوّ والتدلّي فهما خبر عن النبي ﷺ ، عن بعض المفسّرين، وقيل: إن الذي تدلى هو جبريل ﵇، تدلّى إلى محمَّد ﷺ ، حتى دنا منه، وهذا قول طائفة أيضًا، وفي الجامع الصحيح في إحدى الروايات منه (فتدلّى الجبّار)، وهذا مع صحة نقله، لا يكاد أحد من المفسّرين يذكره، لاستحالة ظاهره، أو للغفلة عن موضعه ولا استحالة فيه؛ لأنّ حديث الإسراء إن كان رؤيا رآها بقلبه، وعينه نائمة كما في حديث أنس فلا إشكال .. ثم قال: وقد بيّنا آنفًا أن حديث الإسراء كان رؤيا، ثم كان يقظة، فإن كان قوله: (فتدلّى الجبار) في المرّة التي كان فيها غير نائم، وكان الإسراء بجسده فيقال فيه من التأويل ما يقال في قوله: "ينزل ربنا .. " الحديث، فليس بأبعد منه في باب التأويل، فلا نكارة فيه، كان في نوم أو يقظة! (١) رؤية النبي ﷺ ربّه ليلة المعراج: وهنا تدفعنا منهجيّة البحث إلى بيان موقف العلماء من رؤية النبي ﷺ ربّه ليلة المعراج: هل حصلت للنبي- ﷺ أم لا؟

стр. 1525

ثلاثة أقوال: وفي هذا ثلاثة أقوال: القول الأوّل: أن الرسول ﷺ رأى ربّه ليلة المعراج، وقد روي -كما يقول عياض- (١) عن ابن عباس ﵄ أنه رآه بعينه، ومثله عن أبي ذر، وكعب ﵄، والحسن ﵀، وكان يحلف على ذلك، وحكي مثله عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وأحمد بن حنبل، وحكى أصحاب المقالات عن أبي الحسن الأشعري وجماعة من أصحابه أنه رآه! ووقف بعض مشايخنا في هذا، وقال: ليس عليه دليل واضح، ولكنه جائز، ورؤية الله تعالى في الدنيا جائزة، وسؤال موسى إيّاها دليل على جوازها، إذ لا يجهل نبيّ ما يجوز أو يمتنع على ربّه! وقد اختلفوا في رؤية موسى ربّه في مقتضى الآية ورؤية الجبل، ففي جواب القاضي أبي بكر ما يقتضي أنهما رأياه! وكذلك اختلفوا في أن نبيّنا ﷺ كلّم ربّه ليلة الإسراء بغير واسطة أم لا؟! فحكي عن الأشعري وقوم من المتكلّمين أنه كلّمه، وعزا بعضهم هذا إلى جعفر بن محمَّد، وابن مسعود، وابن عباس!

стр. 1526

وكذلك اختلفوا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم]! فالأكثرون على أن هذا الدنوّ والتدلّي منقسم ما بين جبريل والنبي ﷺ ، أو مختصّ بأحدهما من الآخر، ومن السدرة المنتهى! وذكر عن ابن عباس، والحسن، ومحمد بن كعب، وجعفر بن محمَّد، وغيرهم: أنه دنوّ من النبيّ ﷺ إلى ربّه ، أو من الله تعالى! وعلى هذا القول يكون الدنوّ والتدلّي متأوّلًا، ليس على وجهه، بل كما قال جعفر بن محمَّد، الدنوّ من الله تعالى لا حدّ له، ومن العباد بالحدود، فيكون معنى دنوّ النبيّ ﷺ من ربّه ، وقربه منه ظهور عظيم منزلته لديه، وإشراق أنوار معرفته عليه، وإطلاعه من غيبه وأسرار ملكوته، على ما لم يطلع سواه عليه! والدنوّ من الله سبحانه له إظهار ذلك له، وعظيم بره وفضله العظيم لديه، ويكون قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩]! على هذا عن لطف المحل، وإيضاح المعرفة، والإشراف على الحقيقة من نبينا ﷺ ، ومن الله إجابة الرغبة، وإبانة المنزلة، ويتأوّل في ذلك ما يتأوّل في قوله ﷺ فيما رواه الشيخان وغيرهما عن

стр. 1527

أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: أنا عند حسن ظنّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرّب إليّ شبرًا تقرّبت إليه ذراعًا، وإن تقرّب إليّ ذراعًا تقرّبت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" (١). قال النوويّ: وأما صاحب التحرير فإنه اختار إثبات الرؤية، قال: والحجج في هذه المسألة وإن كانت كثيرة، ولكنا لا نتمسك إلا بالأقوى منها، وهو حديث ابن عباس ﵄: أتعجبون أن تكون الخلّة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد ﷺ ! وعن عكرمة، سئل ابن عباس ﵄: هل رأى محمَّد ﷺ ربّه؟ قال: نعم، وقد روي بإسناد لا بأس به، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس ﵁: رأى محمد ﷺ ربه! وكان الحسن يحلف: لقد رأى محمَّد ﷺ ربّه!

стр. 1528

والأصل في الباب حديث ابن عباس، حبر الأمة، والمرجوع إليه في المعضلات، وقد راجعه ابن عمر ﵃ في هذه المسألة وراسله: هل رأى محمَّد ﷺ ربّه! فأخبره أنه رآه! وإذا صحت الروايات عن ابن عباس في إثبات الرؤية وجب المصير إلى إثباتها؛ فإنها ليست مما يدرك بالعقل، ويؤخذ بالظن، وإنما يتلقى بالسماع، ولا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس أنه تكلم في هذه المسألة بالظن والاجتهاد. قال النوويّ: فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ﷺ رأى ربّه بعيني رأسه ليلة الإسراء، لحديث ابن عباس وغيره مما تقدّم، وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله ﷺ ، هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه! القول الثاني: أن النبيّ ﷺ لم ير ربّه، فقد أنكرت ذلك عائشة ﵂، وجاء مثله عن أبي هريرة وجماعة، وهو المشهور عن ابن مسعود، وإليه ذهب جماعة من المحدّثين والمتكلّمين! يروي الشيخان وغيرهما عن مسروق قال: قلت لعائشة ﵂: يا أمتاه! هل رأى محمَّد ﷺ ربّه؟ فقالت: لقد قفّ (١) شعري مما قلت: أين أنت من ثلاث من حدّثكهن فقد كذب:

стр. 1529

من حدّث أن محمدًا ﷺ رأى ربّه فقد كذب، ثم قرأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام]! ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى]! ومن حدّثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]! ومن حدّثك أنه كتم فقد كذب، تم قرأت: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]! ولكن رأى جيريل ﵇ في صورته مرّتين! (١)

стр. 1530

وفي رواية عن الشيباني قال: سألت زِرًّا عن قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم]! قال: أخبرنا عبد الله أنه محمَّد ﷺ من رأى جبريل له ستمائة جناح! (١) قال ابن حجر: (٢) والحاصل أن ابن مسعود كان يذهب في ذلك إلى أن الذي رآه النبي ﷺ هو جبريل، كما ذهبت إلى ذلك عائشة، والتقدير على رأيه ﴿فَأَوْحَى﴾ أي جبريل: ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ أي عبد الله محمَّد؛ لأنه يرى أن الذي دنا فتدلّى هو جبريل، وأنه هو الذي أوحى إلى محمَّد! وكلام أكثر المفسّرين من السلف يدلّ على أن الذي أوحى هو الله، أوحى إلى عبده محمَّد! ومنهم من قال: إلى جبريل! وفي رواية عن أبي هريرة في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم] قال: رأى جبريل (٣).

стр. 1531

قال ابن القيم: (١) وأما قوله تعالى في سورة النجم: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ فهو غير الدنوّ والتدلّي في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو جبريل وتدلّيه، كما قالت عائشة وابن مسعود، والسياق يدلّ عليه، فإنه قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم]! فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوي، وهو الذي دنا فتدلّى، فكان من محمَّد ﷺ قدر قوسين أو أدنى! بين القولين: قال النوويّ عقب ذكره أدلة القول الأوّل: (٢) ولا يقدح في هذا حديث عائشة ﵂؛ لأنّ عائشة لم تخبر أنها سمعت النبي ﷺ يقول: لم أر ربّي، وإنما ذكرت متأوّلة لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]! ولقول الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]!

стр. 1532

والصحابي إذا قال قولًا، وخالفه غيره منهم، لم يكن قوله حجة! وذكر ابن حجر تعليقًا على قول النوويّ: وجزمه بأن عائشة لم تنف الرؤية بحديث مرفوع تبع فيه ابن خزيمة (١)، فإنه قال في كتاب التوحيد من صحيحه: النفي لا يوجب علمًا، ولم تحلّ عائشة أن النبي ﷺ أخبرها أنه لم ير ربّه، وإنما تأوّلت الآية. قال ابن حجر: وهو عجيب، فقد ثبت ذلك عنها في صحيح مسلم الذي شرحه الشيخ، فعنده من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي، عن مسروق في الطريق المذكور قال مسروق: وكنت متكئًا فجلست، فقلت: ألم يقل الله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ فقالت: أنا أوّل هذه الأمة سأل رسول الله عن ذلك، فقال: "إنما هو جبريل". وأخرجه ابن مردويه من طريق أخرى عن داود بهذا الإسناد، فقالت: أنا أول من سأل رسول الله ﷺ عن هذا، فقلت: يا رسول الله! هل رأيت ربّك؟ فقال: "لا، إنما رأيت جبريل منهبطًا"! نعم، احتجاج عائشة بالآية المذكورة خالفها فيه ابن عباس، فأخرج الترمذي من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: (٢) رأى محمَّد ربّه.

стр. 1533

قلت: أليس الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]! قال: ويحك، ذاك إذا تجلّى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربّه مرتين! قال ابن حجر: وحاصله أن الراد بالآية نفي الإحاطة به عند رؤياه، لا نفي أصل رؤياه! واستدل القرطبي في (المفهم) لأنّ الإدراك لا ينافي الرؤية بقوله تعالى حكايته عن أصحاب موسى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ [الشعراء]! وهو استدلال عجيب؛ لأنّ متعلق الإدراك في آية الأنعام البصر، فلما نفى كان ظاهره نفي الرؤية، بخلاف الإدراك الذي في قصّة موسى، ولولا وجود الإخبار بثبوت الرؤية ما ساغ العدول عن الظاهر! ثم قال القرطبي: الأبصار في الآية جمع محلّى بالألف واللام، فيقبل التخصيص، وقد ثبت دليل ذلك سمعًا في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين]. فيكون المراد الكفّار، بدليل قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة]!

стр. 1534

قال: وإذا جازت في الآخرة جازت في الدنيا، لتساوي الوقتين بالنسبة إلى المرئي! قال ابن حجر: وهو استدلال جيّد! وقال عياض: رؤية الله جائزة عقلًا، وثبتت الأخبار الصحيحة المشهورة بوقوعها للمؤمنين في الآخرة، وأمّا في الدنيا، فقال مالك: إنما لم يُر سبحانه في الدنيا لأنه باق، والباقي لا يرى بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارًا باقيةً رأوا الباقي بالباقي! قال عياض: وليس في هذا الكلام استحالة الرؤية إلا من حيث القدرة، فإذا قدر الله من شاء من عباده عليها لم يمتنع! قال ابن حجر: لكن من أثبتها للنبي ﷺ له أن يقول: إن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه! ثم قال: يمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يحمل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب، ثم المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب لا مجرد حصول العلم؛ لأنه ﷺ كان عالمًا بالله على الدّوام، بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت في قلبه كما يخلق الرؤية بالعين لغيره، والرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلًا، ولو جرت العادة بخلقها في العين، وروى ابن خزيمة بإسناد قوي عن أنس قال:

стр. 1535

وعند مسلم من حديث أبي ذر أنه سأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال: "نور أنّى أراه" (١). وفي رواية لأحمد عنه قال: "رأيت نورًا". وقال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم]! معناه فأوحى جبريل إلى عبد الله محمَّد ما أوحى، أو فأوحى الله إلى عبده ما أوحى بواسطة جبريل، وكلا المعنيين صحيح! (٢) قلت: سبق في رواية ثابت عن أنس بن مالك: "فأوحى الله إليّ ما أوحى .. " وهو صريح في هذا، اللهم إلا أن يقال: لأنّ الإيحاء الوارد في هذه الرواية كان في ليلة الإسراء، بدليل نصّ هذا الحديث، فهو في الإسراء والمعراج، والإيحاء الآخر الذي سبق ذكره في بدء الدعوة، والرسول ﷺ لم يكن قد أسري به! وفي هذا يقول ابن القيمّ بعد أن ذكر أن الدنوّ والتدلّي في سورة النجم غيره في قصة الإسراء: فأمّا الدنوّ والتدلّي الذي في حديث الإسراء فذلك صريح في أنه دنوّ الربّ تبارك وتدلّيه، ولا تعرّض في سورة النجم بذلك، بل فيها أنه

стр. 1536

رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، وهذا هو جبريل، رآه محمَّد ﷺ على صورته مرّتين: مرّة في الأرض، ومرّة عند سدرة المنتهى! (١) ويقول القسطلاني: وهذا الدنوّ والتدلّي المذكور في هذا الحديث وغيره من أحاديث المعراج غير الدنوّ والتدلّي المذكور في قوله تعالى في سورة النجم: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٨، ٩]! وإن اتفقا في اللفظ، فإن الصحيح أن المراد في الآية جبريل؛ لأنه الموصوف بما ذكر من أول السورة إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾ هكذا فسره النبي ﷺ في الحديث الصحيح -الذي سبق ذكره- ثم دلّل على ذلك! (٢) ويقول ابن كثير: فأمّا قول شريك عن أنس في حديث الإسراء: (ودنا الجبّار ربّ العزّة، فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى) فقد يكون من فهم الراوي فأقحمه في الحديث .. وإن كان محفوظًا فليس بتفسير للآية الكريمة، بل هو شيء آخر، غير ما دلّت عليه الآية الكريمة! (٣)

стр. 1537

القول الثالث: أمّا القول الثالث فهو التوقّف في هذه المسألة، وقد رجّحه القرطبي في (المفهم)، وعزاه لجماعة من المحقّقين، وقوّاه بأنّه ليس في الباب دليل قاطع، وغاية ما استدلّ به للطائفتين ظواهر متعارضة قابلة للتأويل قال: وليست المسألة من العمليات، فيكتفي فيها بالأدلة الظنّيّة، وإنما هي من المعتقدات، فلا يكتفي فيها إلا بالدّليل القطعي! (١) الراجح من الأقوال: وبعد هذا التطواف أرجح إثبات الرؤية، لأدلة المثبتين من جهة، ولما سبق في (بين القولين) من جهة ثانية، ومن جهة ثالثة لما أخرجه البخاري (٢) عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]! قال: هي رؤيا عين أُريها رسول الله ﷺ ليلة أُسري به إلى بيت المقدس. قال: والشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة الزقوم! قال ابن حجر: إضافة الرؤيا إلى العين للاحتراز عن رؤيا القلب، وقد أثبت الله تعالى رؤيا القلب في القرآن فقال:

стр. 1538

﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾! ورؤيا العين فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾! وروى الطبراني في الأوسط بإسناد قوي عن ابن عباس، قال: (رأى محمَّد ربّه مرتين)! ومن وجه آخر قال: (نظر محمَّد إلى ربه)! جعل الكلام لموسى، والخلّة لإبراهيم، والنظر لمحمد! فإذا تقرّر ذلك ظهر أن مراد ابن عباس هنا برؤية العين المذكورة جميع ما ذكره ﷺ في تلك الليلة من الأشياء التي تقدّم ذكرها" (١) وفي رواية للحاكم بسند صحيح عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، قال: أتعجبون أن تكون الخلّة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد ﷺ ! (٢) قال ابن حجر (٣): وجنح ابن خزيمة في (كتاب التوحيد) إلى ترجيح الإثبات، وأطنب في الاستدلال له بما يطول ذكره، وحمل ما ورد عن ابن عباس على أن الرؤيا وقعت مرّتين، مرّة بعينه، ومرّة

стр. 1539

بقلبه، وفيما أوردته من ذلك مقنع، وممن أثبت الرؤيا لنبيّنا ﷺ الإمام أحمد، فروى الخلال في (كتاب السنة) عن المروزي، قلت لأحمد: إنهم يقولون: إن عائشة قالت: من زعم أن محمدًا رأى ربّه فقد أعظم على الله الفرية، فبأيّ شيء يدفع قولها؟ قال: بقول النبي ﷺ : "رأيت ربِّي"، قول النبي ﷺ أكبر من قولها (١). الشبهة التاسعة وردّها: وقد جاء في رواية شريك: (فعلا به الجبّار فقال: وهو مكانه: يا ربّ! خفّف عنّا). قال الخطابي: (٢) وفي هذا الحديث لفظة أخرى تفرّد بها شريك أيضًا، لم يذكرها غيره، وهي قوله: (فعلا به -يعني جبريل- إلى الجبّار تعالى، فقال وهو مكانه: يا ربّ! خفّف عنا). قال: والمكان لا يضاف إلى الله تعالى! إنما هو مكان النبي ﷺ في مقامه الأوّل الذي قام به قبل هبوطه! قال ابن حجر: وهذا الأخير متعيّن، وليس في السياق تصريح بإضافة المكان إلى الله تعالى! قلت: واضح أن القائل هو النبي ﷺ ، وأن الضمير المذكور (هو)

стр. 1540

معطوف على الضمير في (قال)، ومعلوم أن الرسول ﷺ هو الذي سأل ربّه التخفيف، وعليه يتعيّن ما قاله ابن حجر، وينتفي الإشكال! الشبهة العاشرة وردّها: وجاء في شريك: (ارجع إلى ربّك فليخفّف ..) بعد قوله تعالى: (إنه لا يبدلّ القول لديّ ..). قال ابن حجر: (١) أنكر ذلك الداودي فيما نقله ابن التين فقال: الرجوع الأخير ليس بثابت، والذي في الروايات أنه قال: "استحييت من ربّي فنودي أمضيت فريضتي، وخفّفت عن عبادي". وقوله هنا: (فقال موسى: ارجع إلى ربك) قال الداودي: كذا وقع في هذه الرواية أن موسى قال له: ارجع إلى ربّك بعد أن قال: (لا يبدّل القول لديّ) ولا يثبت، لتواطؤ الروايات على خلافه، وما كان موسى ليأمره بالرجوع بعد أن يقول الله تعالى له ذلك! قلت: سبق في رواية ابن شهاب عن أنس عن أبي ذر "لا يبدّل القول لديّ، فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربك، فقلت: استحييت من ربّي .. ". وبهذا يتبيّن أن قول الداودي: (ولا يثبت لتواطؤ الروايات على خلافه) قد ثبت في هذه الرواية ما يردّه!

стр. 1541

وفي رواية للنسائي عن يزيد بن أبي مالك عن أنس: (فارجع إلى ربّك فاسأله التخفيف، فإنه فرض علي بن بني إسرائيل صلاتين، فما قاموا بهما، فرجعت إلى ربي فسألته التخفيف، فقال: إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمّتك خمسين صلاة، فخمس بخمسين، فقم بها أنت وأمّتك، فعرفت أنها من الله تعالى صرّي، فرجعت إلى موسى ﵇ فقال: ارجع، فعرفت أنها من الله صرّى -أي حتم- فلم أرجع! (١) وهذا يردّ قول الداودي أيضًا! (٢) بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام: وأمّا عن الحكمة فيما جرى بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، حيث جاء في رواية البخاري عن قتادة عن أنس بن مالك عن صعصعة: "فلمّا خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلِّم عليه، فسلَّمت عليه، فردّ ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والشعبي الصالح، فلمّا

стр. 1542

تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأنّ غلامًا بُعث بعدي يدخل الجنّة من أمّته أكثر ممن يدخُلها من أمّتي ... ". وفي رواية شريك: (فقال موسى: ربّ لم أظنّ أن ترفع عليّ أحدًا ..)! قال ابن حجر: وفي حديث أبي سعيد (قال موسى: يزعم بنو إسرائيل أنّي أكرم على الله، وهذا أكرم على الله منّي)! زاد الأموي في روايته: (ولو كان هذا وحده وإن عليّ، ولكن معه أمّته، وهم أفضل عند الله)! قال العلماء: لم يكن بكاء موسى حسدًا، معاذ الله، فإن الحسد في ذلك العالم منزوع عن آحاد المؤمنين، فكيف بمن اصطفاه الله تعالى؛ بل كان أسفًا على ما فاته من الأجر الذي يترتّب عليه رفع الدرجة، بسبب ما وقع من أمّته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم المستلزم لتنقيص أجره؛ لأنّ لكل نبيّ مثل أجر كل من اتبعه، ولهذا كان من اتبعه من أمّته في العدد دون من أَتبع نبيّنا ﷺ ، مع طول مدّتهم بالنسبة لهذه الأمة! وأمّا قوله (غلامًا) فليس على سبيل النقص، بل على سبيل التنويه بقدرة الله وعظيم كرمه، إذا أعطى لمن كان في ذلك السنّ ما لم يعطه أحدًا قبله ممن هو أسنّ منه! وقد وقع من موسى من العناية بهذه الأمّة من أمر الصلاة ما لم يقع

стр. 1543

لغيره. ووقعت الإشارة لذلك في حديث أبي هريرة عند الطبري والبزار، قال ﷺ : "كان موسى أشدّهم عليّ، حين مررت به، وخيرهم لي حين رجعت إليه". وفي حديث أبي سعيد: "فأقبلت راجعًا، فمررت بموسى، ونعم الصاحب كان لكم، فسألني: كم فرض عليك ربك؟ .. " الحديث. قال ابن أبي جمرة: إن الله جعل الرحمة في قلوب الأنبياء أكثر مما جعل في قلوب غيرهم، لذلك بكى رحمةً لأمّته! وأمّا قوله (هذا الغلام) فأشار إلى صغر سنّه بالنسبة إليه! قال الخطّابي: العرب تسمّي الرجل المستجمع السنّ غلامًا، ما دامت فيه بقيّة من القوّة! قال ابن حجر: ويظهر لي أن موسى ﵇ أشار إلى ما أنعم الله به على نبيّنا ﵊ من استمرار القوّة في الكهوليّة، وإلى أن دخل في سنّ الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هرم، ولا اعترى قوّته نقص .. ! وقال القرطبي: الحكمة في تخصيص موسى بمراجعة النبيّ ﷺ في أمر الصلاة، لعلّها لكون أمّة موسى كلّفت من الصلوات بما لم تكلف به غيرها من الأمم، فثقلت عليهم، فأشفق موسى على أمّة محمَّد من مثل ذلك، ويشير إلى ذلك قوله: (إني قد جرّبت الناس قبلك)!

стр. 1544

وقال غيره: لعلّها من جهة أنه ليس في الأتباع من له أتباع أكثر من موسى، ولا من له كتاب أكبر ولا أجمع للأحكام من هذه الجهة، فناسب أن يتمنّى أن يكون له مثل ما أنعم به عليه، من غير أن يريد زواله عنه، وناسب أن يطلعه على ما وقع له، وينصحه فيما يتعلّق به، ويحتمل أن يكون موسى لما غلب عليه في الابتداء الأسف على نقص حظّ أمته بالنسبة لأمّة محمَّد، حتى تمنّى ما تمنّى أن يكون، استدرك ذلك ببذل النصيحة لهم، والشفقة عليهم، ليزيل ما عساه أن يتوهم عليه فيما وقع منه في الابتداء! وذكر السهيلي: (١) أن الحكمة في ذلك أنه كان رأى في مناجاته صفة أمّة محمَّد ﷺ ، فدعا الله أن يجعله منهم، فكان إشفاقه عليهم كعناية من هو منهم .. ! قال ابن حجر: (٢) وقد وقع من موسى ﵇ في هذه القصة من مراعاة جانب النبي ﷺ أنه أمسك عن جميع ما وقع له، حتى فارقه النبي ﷺ أدبًا معه، وحسن عشرة، فلمّا فارقه بكى وقال ما قال! تلك أضواء على ردود تلك الشبهات وفق قواعد التحديث رواية ودراية .. رجاء أن يعلم من يريد أن يعلم .. وبخاصة الذين يدرسون سيرة الرسول ﷺ للتأسّي: أن المحدّثين كانوا ملهمين، تحقيقًا لمعجزة

стр. 1545

سيد المرسلين ﷺ ، حين استنبطوا القواعد المحكمة لنقد رواية الحديث، ومعرفة الصحاح من الزّياف، وأنهم ما كانوا هازلين ولا مخدوعين، وأنهم كانوا جادّين وعلى صراط مستقيم، وأن القواعد التي ارتضوها رواية ودراية أحكم القواعد وأدقّها!
следующие страницы →