وفي رواية للنسائي عن يزيد بن أبي مالك عن أنس: (فارجع إلى ربّك فاسأله التخفيف، فإنه فرض علي بن بني إسرائيل صلاتين، فما قاموا بهما، فرجعت إلى ربي فسألته التخفيف، فقال: إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمّتك خمسين صلاة، فخمس بخمسين، فقم بها أنت وأمّتك، فعرفت أنها من الله تعالى صرّي، فرجعت إلى موسى ﵇ فقال: ارجع، فعرفت أنها من الله صرّى -أي حتم- فلم أرجع! (١)
وهذا يردّ قول الداودي أيضًا! (٢)
بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام:
وأمّا عن الحكمة فيما جرى بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، حيث جاء في رواية البخاري عن قتادة عن أنس بن مالك عن صعصعة: "فلمّا خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلِّم عليه، فسلَّمت عليه، فردّ ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والشعبي الصالح، فلمّا
стр. 1542
تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأنّ غلامًا بُعث بعدي يدخل الجنّة من أمّته أكثر ممن يدخُلها من أمّتي ... ".
وفي رواية شريك: (فقال موسى: ربّ لم أظنّ أن ترفع عليّ أحدًا ..)!
قال ابن حجر: وفي حديث أبي سعيد (قال موسى: يزعم بنو إسرائيل أنّي أكرم على الله، وهذا أكرم على الله منّي)!
زاد الأموي في روايته: (ولو كان هذا وحده وإن عليّ، ولكن معه أمّته، وهم أفضل عند الله)!
قال العلماء: لم يكن بكاء موسى حسدًا، معاذ الله، فإن الحسد في ذلك العالم منزوع عن آحاد المؤمنين، فكيف بمن اصطفاه الله تعالى؛ بل كان أسفًا على ما فاته من الأجر الذي يترتّب عليه رفع الدرجة، بسبب ما وقع من أمّته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم المستلزم لتنقيص أجره؛ لأنّ لكل نبيّ مثل أجر كل من اتبعه، ولهذا كان من اتبعه من أمّته في العدد دون من أَتبع نبيّنا ﷺ ، مع طول مدّتهم بالنسبة لهذه الأمة!
وأمّا قوله (غلامًا) فليس على سبيل النقص، بل على سبيل التنويه بقدرة الله وعظيم كرمه، إذا أعطى لمن كان في ذلك السنّ ما لم يعطه أحدًا قبله ممن هو أسنّ منه!
وقد وقع من موسى من العناية بهذه الأمّة من أمر الصلاة ما لم يقع
стр. 1543
لغيره. ووقعت الإشارة لذلك في حديث أبي هريرة عند الطبري والبزار، قال ﷺ : "كان موسى أشدّهم عليّ، حين مررت به، وخيرهم لي حين رجعت إليه".
وفي حديث أبي سعيد: "فأقبلت راجعًا، فمررت بموسى، ونعم الصاحب كان لكم، فسألني: كم فرض عليك ربك؟ .. " الحديث.
قال ابن أبي جمرة: إن الله جعل الرحمة في قلوب الأنبياء أكثر مما جعل في قلوب غيرهم، لذلك بكى رحمةً لأمّته!
وأمّا قوله (هذا الغلام) فأشار إلى صغر سنّه بالنسبة إليه!
قال الخطّابي: العرب تسمّي الرجل المستجمع السنّ غلامًا، ما دامت فيه بقيّة من القوّة!
قال ابن حجر: ويظهر لي أن موسى ﵇ أشار إلى ما أنعم الله به على نبيّنا ﵊ من استمرار القوّة في الكهوليّة، وإلى أن دخل في سنّ الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هرم، ولا اعترى قوّته نقص .. !
وقال القرطبي: الحكمة في تخصيص موسى بمراجعة النبيّ ﷺ في أمر الصلاة، لعلّها لكون أمّة موسى كلّفت من الصلوات بما لم تكلف به غيرها من الأمم، فثقلت عليهم، فأشفق موسى على أمّة محمَّد من مثل ذلك، ويشير إلى ذلك قوله: (إني قد جرّبت الناس قبلك)!
стр. 1544
وقال غيره: لعلّها من جهة أنه ليس في الأتباع من له أتباع أكثر من موسى، ولا من له كتاب أكبر ولا أجمع للأحكام من هذه الجهة، فناسب أن يتمنّى أن يكون له مثل ما أنعم به عليه، من غير أن يريد زواله عنه، وناسب أن يطلعه على ما وقع له، وينصحه فيما يتعلّق به، ويحتمل أن يكون موسى لما غلب عليه في الابتداء الأسف على نقص حظّ أمته بالنسبة لأمّة محمَّد، حتى تمنّى ما تمنّى أن يكون، استدرك ذلك ببذل النصيحة لهم، والشفقة عليهم، ليزيل ما عساه أن يتوهم عليه فيما وقع منه في الابتداء!
وذكر السهيلي: (١) أن الحكمة في ذلك أنه كان رأى في مناجاته صفة أمّة محمَّد ﷺ ، فدعا الله أن يجعله منهم، فكان إشفاقه عليهم كعناية من هو منهم .. !
قال ابن حجر: (٢) وقد وقع من موسى ﵇ في هذه القصة من مراعاة جانب النبي ﷺ أنه أمسك عن جميع ما وقع له، حتى فارقه النبي ﷺ أدبًا معه، وحسن عشرة، فلمّا فارقه بكى وقال ما قال!
تلك أضواء على ردود تلك الشبهات وفق قواعد التحديث رواية ودراية .. رجاء أن يعلم من يريد أن يعلم .. وبخاصة الذين يدرسون سيرة الرسول ﷺ للتأسّي: أن المحدّثين كانوا ملهمين، تحقيقًا لمعجزة
стр. 1545
سيد المرسلين ﷺ ، حين استنبطوا القواعد المحكمة لنقد رواية الحديث، ومعرفة الصحاح من الزّياف، وأنهم ما كانوا هازلين ولا مخدوعين، وأنهم كانوا جادّين وعلى صراط مستقيم، وأن القواعد التي ارتضوها رواية ودراية أحكم القواعد وأدقّها!
стр. 1546
مكانة المسجد الحرام
стр. 1547
مكانة المسجد الحرام
* أول بيت للعبادة.
* دين السلام.
* ليلة القدر يكتنفها السلام.
* أخوّة إنسانيّة.
* الأسرة قاعدة الحياة البشرية.
* أساس السلام.
* ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
* أخص خصائص التحرّر الإنساني.
* حرية الدعوة.
* إدراك العجز إدراك.
* مكانة المسؤوليّة.
* سلام عالمي.
* ملّة إبراهيم.
* سؤال الأمن يوم الخوف.
* الأمن عبر التاريخ.
* ﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
* ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.
* حقوق الإنسان.
* دعوة إبراهيم.
стр. 1548
مكانة المسجد الحرام
أول بيت للعبادة:
وإذا كان الإسراء والمعراج آية من آيات الله، ونقلة عجيبة بالقياس إلى مألوف البشر -كما عرفنا- ورحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مختارة من اللطيف الخبير، تربط بين عقيدة التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل ﵉، إلى محمَّد خاتم النبيين صلوات الله وتسليماته عليهم أجمعين .. وتربط الأماكن المقدّسة لرسالات التوحيد جميعًا .. رجاء أن نبصر إعلان وراثة خاتم النبيين ﷺ لمقدّسات الرسل قبله .. واشتمال رسالته على هذه المقدّسات .. وارتباط رسالته بها جميعًا .. فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان .. وتشمل آمادًا وآفاقًا أوسع من الزمان والمكان .. وتتضمّن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تتكشف عنها للنظرة الأولى!
ويطالعنا قوله تعالى:
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران]!
وهنا نبصر أول بيت عبر التاريخ (١) وضع في الأرض للعبادة، وخصّص لها، منذ أمَر الله إبراهيم ﵇ أن يرفع قواعده، وأن يخصّصه للطائفين والعاكفين والرّكع السجود، وجعله مباركًا وجعله هُدى للعالمين، يجدون عنده
стр. 1549
الهُدى في رحاب ملة إبراهيم، وفيه علامات بينة على أنه مقام إبراهيم .. وقبل ذلك يطالعنا قوله :
﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾ [آل عمران]!
ونبصر أن هذا البيت بناه إبراهيم وإسماعيل ﵉ ليكون مثابةً للناس وأمنًا، وليكون للمؤمنين قبلةً ومصلّى .. ومن ثم يجيء الأمر باتباع إبراهيم في ملّته، وهي التوحيد الخالص المبرّأ من الشرك في كل صوره: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾!
واليهود كانوا يزعمون أنهم ورثة إبراهيم، فها هو ذا القرآن الكريم يدلّهم على حقيقة دين إبراهيم، وأنه الميل عن كل شرك، ويؤكّد هذه الحقيقة مرّتين:
مرّة بأنّه كان حنيفًا!
ومرّة بأنّه ما كان من المشركين!
فما بالهم هم غير مقرّين!
ثم يقرّر أن الاتجاه للكعبة هو الأصل، فهي أول بيت وضع في الأرض للعبادة وخصّص لها .. ومن دخله كان آمنًا، وحتى في جاهليّة العرب، وفي الفترة التي انحرفوا فيها عن التوحيد الخالص الذي يمثّله هذا الدّين .. حتى في هذه الفترة بقيت حرمة هذا البيت سارية، كما قال الحسن البصري وغيره:
(كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة، ويدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول، فلا يهيجه حتى يخرج)!
стр. 1550
دين السلام:
وما أحوجنا كأمّة أن نفقه عظمة هذا (الدّين القيّم) في ذوات أنفسنا، وفي الصغير والكبير من أمورنا، وأن نستسلم الاستسلام الذي لا تبقى معه بقيّة ناشزة من تصوّر أو شعور، ومن نيّة أو عمل، ومن رغبة أو رهبة، لا تخضع لله، ولا ترضى بحكمه .. استسلام الطاعة الواثقة المطمئنّة الراضحة .. الاستسلام للمنهج الذي يقول خطانا، ونحق واثقون أنه يريد بنا الخير والنصح والرشاد .. مطمئنّون إلى معالم الطريق والمسير والصير، في الدنيا والآخرة سواء!
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ [البقرة]!
إنها دعوة للمؤمنين باسم الإيمان بهذا الوصف المحبّب إليهم، والذي يميزهم ويفردهم، ويصلهم بالله الذي يدعوهم إلى أن يدخلوا في السلم كافة (١) .. ونبصر نفوسًا ما تزال يثور فيها بعض التردّد في الطاعة المطلقة في السرّ والعلن .. وهو أمر طبيعي أن يوجد في الجماعة مدى الحاجة إلى توجيه الدعوة للذين آمنوا، ليخلصوا ويتجرّدوا، وتتوافق خطرات نفوسهم، واتجاهات مشاعرهم، مع ما يريد الله بهم، وما يقودهم إليه الرسول ﷺ في غير ما تلجلج ولا تردّد ولا تلفّت!
والمسلم حين يستجيب هذه الاستجابة يدخل في عالم كله سلم وسلام،
стр. 1551
وأمن وأمان .. عالم كله ثقة واطمئنان، وكله رضي واستقرار .. لا حيرة ولا قلق، ولا شرود ولا ضلال!
سلام مع النفس والضمير!
وسلام مع العقل والمنطق!
وسلام مع الناس والأحياء!
وسلام مع الوجود كله!
وسلام يرفّ في حنايا السريرة!
ويظلّل الحياة والأحياء على سواء!
وأول ما يفيض هذا السلام على القلب يفيض من صحّة تصوّره لله ، ونصاعة هذا التصوّر ويسره!
إله واحد جلّ شأنه يتجه إليه المسلم .. وجهة واحدة يستقرّ عليها جَنَانه، فلا تتفرّق به السبل، ولا تتعدّد به الجهات، ولا يطارده إله من هنا وإله من هناك -كما في الوثنيّة والجاهليّة قديمًا وحديثًا عبر التاريخ- إنما هو إله واحد يتجه إليه في ثقة وفي طمأنينة وفي نصاعة وفي وضوح!
إله واحد قويّ قادر عزيز قاهر .. فإذا اتجه إليه المسلم فقد اتجه إلى القوّة الحقّة الوحيدة في هذا الوجود، وقد أمن كل قوّة زائفة، واطمأن واستراح .. ولم يعد يخاف أحدًا أو يخشى شيئًا، وهو يعبد الله القويّ القادر العزيز القاهر .. ومن ثم لم يخشَ فوت شيء!
إله واحد عادل حكيم، فقوّته وقدرته ضمان من الظلم، وضمان من
стр. 1552
الهوى، وضمان من البخس ومن ثم يأوي المسلم إلى ركن شديد، ينال فيه العدل والأمان!
إله واحد رحيم ودود، منعم وهّاب، غافر الذنب، وقابل التوب، يجيب المضطرّ إذا دعاه، ويكشف السوء .. فالمسلم في كنفه آمن آنس، سالم غانم، مرحوم إذا ضعف، مغفور له متى تاب!
وهكذا يمضي المسلم مع صفات ربّه التي يعرفه بها الإِسلام، فيجد في كل صفة ما يؤنس قلبه، وما يطمئن روحه، وما يضمن له الحماية والوقاية، والعطف والرحمة، والعزّة والنعة، والاستقرار والسلام!
هكذا يفيض السلام على قلب المسلم من صحة تصوّر العلاقة بين العبد والربّ، وبين الخالق والكون، وبين الكون والإنسان!
فالله خلق هذا الكون بالحق، وخلق كل شيء فيه بقدر وحكمة .. والإنسان مخلوق قصدًا، وغير متروك سدىً، ومهيّأ له كل الظروف الكونيّة المناسبة لوجوده، ومسخّر له ما في السماوات وما في الأرض جميعًا، وهو كريم على الله، وخليفة في الأرض، والله معينه على هذه الخلافة، والكون من حوله صديق مأنوس، تتجاوب روحه مع روحه، حين يتجه كلاهما إلى الله، وهو مدعوّ إلى الحياة في هذه الرحاب، والتعاطف مع كل شيء، ومع كل حيّ في هذا الوجود الكبير!
والعقيدة التي تقف صاحبها أمام معالم الحياة عقيدة جميلة فوق أنها عقيدة كريمة تسكب في روحه السلام، وتطلقه يعانق الوجود، ويشيع من حوله الأمن والرفق، والحبّ والسلام!
والاعتقاد بالآخرة يؤدي الدور الأساسيّ في إفاضة السلام على روح المؤمن
стр. 1553
وعالمه، ونفي القلق والسخط والقنوط .. ذلك أن الحساب الختاميّ ليس في لهذه الحياة الدنيا، والجزاء الأوفى ليس في هذه العاجلة!
إنه هناك في الآخرة، والعدالة المطلقة مضمونة في هذا الحساب .. فلا ندم على الخير والجهاد في سبيله إذا لم يتحقّق في الأرض أو لم يلق جزاءه!
ولا قلق على الأجر إذا لم يوفّ في هذه العاجلة بمقاييس الناس، فسوف يوفّاه بميزان الله، ولا قنوط من العدل إذا توزّعت الحظوظ في الرحلة القصيرة على غير ما يريد، فالعدل لا بدّ واقع:
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١)﴾ [غافر: ٣١]!
والاعتقاد بالآخرة حاجز كذلك دون الصراع المجنون المحموم الذي تداس فيه القيم، وتداس فيه الحرمات، بلا تحرّج ولا حياء، فهناك الآخرة فيها عطاء، وفيها غناء، وفيها عوض عمّا يفوت!
وهذا التصوّر من شأنه أن يفيض السلام على مجال السباق والمنافسة، وأن يخلع التجمّل على حركات المتسابقين، وأن يخفّف السعار الذي ينطلق من الشعور بأن الفرصة الوحيدة المتاحة هي فرصة العمر القصير المحدود!
ومعرفة المؤمن بأن غاية الوجود الإنساني هي العبادة:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات]!
مخلوق ليعبد الله .. ومن شأن هذه الغاية -ولا شك- أن ترفعه إلى هذا الأفق الوضيء .. ترفع شعوره وضميره، وترفع نشاطه وعمله، وتنظف وسائله وأدواته .. فهو يريد العبادة بنشاطه وعمله، وهو يريد العبادة بكسبه وإنفاقه، وهو يريد العبادة بالخلافة في الأرض وتحقيق منهج الله فيها .. فأولى به ألا يغدر
стр. 1554
ولا يفجر، وأولى به ألا يفسق ولا يخدع، وأولى به ألا يطغى ولا يتجبّر، وأولى به ألا يستخدم أداة مدنّسة ولا وسيلة خسيسة، وأولى به ألا يستعجل المراحل، وألا يعتسف الطريق، وألا يركب الصعب من الأمور، فهو بالغ هدفه من العبادة بالنّيّة الخالصة، والعمل الدائب في حدود الطاقة!
ومن شأن هذا كله ألا تثور المخاوف والمطامع في نفسه، وألا يستبدّ به القلق في أيّة مرحلة من مراحل الطريق، فهو يعبد في كل خطوة، وهو يحقّق غاية وجوده في كل خطرة، وهو يرتقي صعدًا إلى الله في كل نشاط، وفي كل مجال!
وشعور المؤمن بأنّه يمضي مع قدر الله، في طاعة الله، لتحقيق إرادة الله .. وما يسكبه هذا الشعور في روحه من الطمأنينة والسلام والاستقرار، والمضيّ في الطريق بلا حيرة ولا قلق ولا سخط على العقبات والمشاق، وبلا قنوط من عون الله ومدده، وبلا خوف من ضلال القصد أو ضياع الجزاء!
ومن ثم يحسّ بالسّلام في روحه، حتى وهو يقاتل أعداء الله وأعداءه -كما سيأتي- فهو إنما يقاتل لله، وفي سبيل الله، ولإعلاء كلمة الله .. ولا يقاتل لجاه أو مغنم أو نزوة أو عرض من أعراض هذه الحياة!
كذلك شعوره بأنّه يمضي على سنّة الله مع هذا الكون كله .. قانونه، ووجهته، فلا صدام ولا خصام، ولا تبديل للجهد، ولا بعثرة للطاقة، وقوى الكون كله تتجمّع إلى قوّته، وتهتدي بالنور الذي يهتدي به، وتتجه إلى الله وهو معها يتجه إلى الله!
والتكاليف التي يفرضها الإِسلام على المسلم كلها من الفطرة، ولتصحيح السلوك .. لا تتجاوز الطاقة، ولا تتجاهل طبيعة الإنسان وتركيبه، ولا تهمل
стр. 1555
طاقة واحدة من طاقاته لا تطلقها للعمل والبناء والنماء، ولا تنسى حاجة من حاجات تكوينه الجسمانيّ والرّوحيّ لا تلبّيها في يسر وفي سماحة وفي رخاء!
ومن ثم لا يحار ولا يقلق في مواجهة تكاليفه .. يحمل منها ما يطيق حمله، ويمضي في الطريق إلى الله، في طمأنينة وروح وسلام!
والمجتمع الذي ينشئه هذا النهج الربّاني، في ظلّ النّظام الذي ينبثق من هذه العقيدة الجميلة الكريمة، والضمانات التي يحيط بها النفس والعرض والمال .. كلها مما يشيع السلم. وينشر روح السلام!
هذا المجتمع المتوادّ المتحابّ المترابط المتكامل المتناسق!
هذا المجتمع الذي حقّقه الإِسلام مرّة في أرقى وأصفى صورة .. ثم ظلّ يحقّقه في صور شتّى على توالي الحقب، تختلف درجة صفائه .. ولكنه يظل في جملته خيرًا من كل مجتمع آخر صاغته الجاهليّة في الماضي والحاضر، وكل مجمع لوّثته هذه الجاهليّة بتصوراتها ونظمها الأرضيّة!
هذا المجتمع الذي تربطه آصرة واحدة -آصرة العقيدة -حيث تذوب فيها الأجناس والأوطان، واللغات والألوان، وسائر هذه الأواصر العرضيّة التي لا علاقة بها بجوهر الإنسان!
هذا المجتمع الذي يسمع الله ﵎ يقول له:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات]!
والذي يرى صورته في قول الرسول ﷺ فيما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 1556
"المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فَرّج عن مسلم كُربةً فرّج الله عنه كُربةً من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة" (١).
وفي رواية للبخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة ﵁: "المؤمن مرآة أخيه، إِذا رأى فيه عيبًا أصلحه" (٢).
وفي رواية أخرى:
"المؤمن مرآة أخيه، والمؤمن أخو المؤمن، يكفّ عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه" (٣).
وفي رواية لمسلم عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قال:
"المسلمون كرجل واحد، إِن اشتكى عينه اشتكى كلّه، وإِن اشتكى رأسه اشتكى كله" (٤).
هذا المجتمع المثاليّ النظيف الشريف العفيف الذي لا تشيع فيه الفاحشة، ولا يتبجح فيه الإغراء، ولا تروج فيه الفتنة، ولا ينتشر فيه التبرّج، ولا تتلفّت فيه الأعين علي العورات، ولا ترفّ فيه الشهوات على الحرمات، ولا ينطلق
стр. 1557
فيه سعار الجنس، وعرامة اللحم والدم، كما تنطلق في المجتمعات الجاهليّة قديمًا وحديثًا!
هذا المجتمع الذي تكفل فيه حريّات الناس وكراماتهم وحرماتهم وأموالهم بحكم كفالتها بالتشريع الربّاني المطاع .. فلا يؤخذ واحد فيه بالظنّة، ولا يتسوّر على أحد بيته، ولا يذهب فيه لم هدرًا والقصاص حاضر ولا يضيع فيه على أحد ماله سرقةً أو نهيًا والحدود حاضرة!
هذا المجتمع الذي يقوم على الشورى والنصح والتعاون .. كما يقوم على المساواة والعدالة الحقّة التي يشعر معها كل أحد أن حقّه منوط بحكم شريعة الله لا بإرادة حاكم، ولا هوى حاشية، ولا قرابة كبير!
هذا المجتمع الذي تحكمه التوجيهات الربانيّة التي يضيق المقام عن ذكرها .. مجتمع السّلم والسّلام، والأمن والأمان!
تلك بعض معانى الأمان التي سبق ذكرها في قوله جلِّ شأنه:
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾!
وقوله :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾!
ونبصر دعوة الذين آمنوا للدخول في السلم كافة، ليسلموا أنفسهم كلّها لله، فلا يعود لهم منها شيء، ولا يعود لنفوسهم من ذاتها حظّ، وإنما تعود كلها لله في طواعية وفي انقياد وفي تسليم!
стр. 1558
ولا يدرك معنى هذا السلم حق إدراكه من لا يعلم كيف تنطلق الحيرة، وكيف يعربد القلق في النفوس التي لا تطمئن بالإيمان .. في المجتمعات التي لا تعرف الإِسلام، أو التي عرفته ثم تنكّرت له، وارتدّت إلى الجاهليّة تحت عناوين شتّى في جميع الأزمان!
هذه المجتمعات الشقيّة الحائرة، على الرغم من كل ما قد يتوافر لها من الرخاء المادّي، والتقدّم الحضاري، وسائر مقوّمات الرّقيّ في عرف الجاهليّة الضالّة التصوّرات، المختلّة الموازين!
والمجتمعات الجاهليّة الضالة نبصرها في حياة أمم كثيرة .. ونبصر شعوبها مهدّدة بالانقراض!
فالنسل في تناقص مطّرد بسبب فوضى الجنس .. والعلاقات المثليّة الفاجرة، والجيل مدمن على المسكرات والمخدّرات .. كما يشهد الواقع الأليم!
والأمراض النفسيّة والعصبيّة والشذوذ بأنواعه هلاك ودمار! وخراب وبوار! ثم انتحار!
ولا ننسى أن نشير -مجرّد إشارة- إلى ما حدث في الحرب العالميّة الأولى، والحرب العالمية الثانية، وما هو معلوم من العدوان الآثم الذي استخدمت فيه أسلحة الدمار الشامل في كثير من الحروب الطاحنة هنا وهناك، والتي ما زالت شعوب كثيرة تعاني منها، والعالم الإِسلامي كذلك!
ومع هذا الواقع الأليم يفتري بعض الجاهلين الضالّين المعاصرين بأن الإِسلام دين الإرهاب! (١)
إنها الشقوة النكدة المكتوبة على كل قلب خلا من بشاشة الإيمان، وطمأنينة
стр. 1559
العقيدة، فلا يذوق طعم السلم الذي نبصره حين نذكر أوّل بيت للعبادة عبر التاريخ، ودعوة المؤمنين للدخول فيه كافة، لينعموا بالأمن والسلام والظل والراحة والقرار!
ونبصر في الدعوة إلى الدخول في السلم كافة تحذيرًا بعد ذلك أن يتبعوا خطوات الشيطان الرجيم، فإنه ليس هناك إلا اتجاهان اثنان:
إمّا الدخول في السلم كافةً!
وإمّا اتباع خطوات الشيطان!
إمّا إسلام وإمّا جاهليّة!
إما هدى وإمّا ضلال!
ومن ثم ينبغي للمسلم أن يلزم الهُدى، فلا يتلجلج ولا يتردّد، ولا يتحيّر بين شتّى الاتجاهات!
إنه ليست هناك مناهج متعدّدة للمؤمن أن يختار واحدًا منها، أو يخلط واحدًا منها بآخر!
كلا، إنه من لا يدخل في السلم بكلّيّته، ومن لا يسلم نفسه خالصةً لمنهج الله وشريعته، ومن لا يتجرّد من كل تصوّر آخر، ومن كل منهج آخر .. يسلك سبيل الشيطان لا محالة!
ليس هناك حلّ وسط، ولا منهج بين بين، ولا خطّة نصفها من هنا ونصفها من هناك! إنما هناك:
حق، وباطل!
وهدى، وضلال!
والله يدعو المؤمنين في الأولى إلى الدخول في السلم كافّة،
стр. 1560
ويحذّرهم في الثانية من اتّباع خطوات الشيطان، ويستجيش ضمائرهم ومشاعرهم، ويستثير مخاوفهم بتذكيرهم بعداوة الشيطان لهم .. تلك العداوة الواضحة البيّنة، التي لا ينساها إلا غافل .. ثم يخوّفهم عاقبة الزلل بعد البيان:
﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾!
وتذكيرهم بأن الله تعالى ﴿عَزِيزٌ﴾ يحمل التلويح بالقوّة والقدرة والغلبة، وأنهم يتعرّضون لقوّة الله حين يخالفون عن توجيهه!
وتذكيرهم بأنّه جلّ شأنه ﴿حَكِيمٌ﴾ فيه إيحاء بأن ما اختاره لهم هو الخير، وما نهاهم عنه هو الشرّ، وأنهم يتعرّضون للخسارة، حين لا يتبعون أمره، ولا ينتهون عما نهاهم عنه، فالتعقيب بشطريه يحمل معنى التهديد والتحذير في هذا المقام!
هذا وحسبنا أن كلمة (سلام) قد وردت في القرآن الكريم أكثر من أربعين مرّة، فضلًا عن مادّة تلك الكلمة التي ذكرت أكثر من ذلك في الكتاب والسنة الصحيحة!
وهي تحمل أواصر القربى بين الناس، وتدعوهم إلى أن يعيشوا على هذه الأرض إخوة متعاونين لا متعادين، ومتراحمين لا متزاحمين!
والسلام اسم من أسماء الله تعالى:
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣]!
стр. 1561
والسلام مصدر بمعنى المسالمة (١)، وُصف الله تعالى به على طريقة الوصف بالمصدر، للمبالغة في الوصف، أي ذو السلام، أي السلامة، وهي أنه تعالى سالم الخلق من الظلم والجور!
وأوّل خطاب من الحق ﵎ لأوّل رسول بعد أن انحسر الطوفان كان دعوةً إلى السلام، وحثًّا على نشره في الآفاق:
﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾ [هود: ٤٨]!
ولم يرسل الله رسولًا، إلا ومنحه السلام، وأفاض عليه، ليكون شعاره في حياته، وأساسًا لتعامله مع الناس:
﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ [الصافات: ٧٩]!
﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩)﴾ [الصافات: ١٠٩]!
﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠)﴾ [الصافات: ١٢٠]!
﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات]!
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان]!
إنهم لا يتلفّتون إلى حماقة الحمقى وسفه السفهاء، ولا يشغلون بالهم ووقتهم وجهدهم بالاشتراك مع السفهاء والحمقى في جدل أو عراك، ويترفّعون عن المهاترة مع المهاترين الطائشين!
стр. 1562
لا عن ضعف ولكن عن ترفّع!
ولا عن عجز إنما عن استعلاء!
وعن صيانة للوقت والجهد أن ينفقا فيما لا يليق بالمسلم المشغول بما هو أهم وأكرم وأرفع!
والسلام تحيّة المسلمين عند لقائهم وتزاورهم كما هو معلوم، ومن شأن هذه التحيّة أن تؤلّف القلوب، وتوثق الصلات، وتربط بين المسلمين برباط المحبّة والمودّة، ومن ثم فهي شعار دائم، ومفتاح للخير!
وفي كل صلاة تشهّد، وفي كل تشهّد يطالعنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن عبد الله قال: كنّا إِذا صلّينا خلف النبي ﷺ قلنا: السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان، فالتفت إِلينا رسول الله ﷺ فقال: "إِن الله هو السلام، فإذا صلّى أحدكم فليقل: التحيّات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين -فإِنكم إِذا قلتموها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض- أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"! (١)
стр. 1563
يقول المسلم هذه التحيات المباركات الطيّبات تسمع مرات على الأقل في اليوم، فضلًا عن النوافل!
إنها تحيّات طيّبات مباركات لله ، متجدّدات في كل صلاة، تعبق بأريج الحبّ، وشذى العبوديّة، تتصاعد من أعماق الجَنان في الإنسان!
تحمل روح الحياة وطهرها، ومعنى العبوديّة وجلالها، والإنسانيّة وكمالها، وخشوع الإنسان وخضوعه .. تنقل المسلم من اللصوق بالمادّة إلى التحليق في رحاب الكون، بفكر طموح، وعقل ثاقب!
وإنها روح الحبّ، وصفاء الوجدان!
تعرج بقائلها إلى أن يعلو على الزمان والمكان، فيرسل سلامًا طيّبًا مباركًا بكاف الخطاب إلى النبي ﷺ ، وسلامًا عليه وعلى عباد الله الصالحين، ممن أطاعوا الله وعبدوه في السماء والأرض، يضيء معالم الطريق إلى الآخرة ونعيمها الخالد العظيم!
وتأتي شهادة التوحيد، وعقيدة الإِسلام، ورسالة الإيمان، ومبعث الخير للحياة!
وفي التشهد الأخير يجد السلم نفسه أمام الصلاة على النبي ﷺ ، وفيها عشرة مذاهب، كما نقل الحافظ ابن حجر! (١)
وحسبنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (لقيني كعب بن عُجرة فقال: ألا أهدي لك هديّة سمعتها من النبي ﷺ ؟ فقلت: بلى، فأهدها لي، فقال: سألنا رسول الله ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عنكم أهل البيت؟ فإِن الله قد علّمنا كيف نسلم، قال:
стр. 1564
"قولوا: اللهم! صلّ على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما صلّيت على إِبراهيم وعلى آل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما باركت على إِبراهيم، وعلى آل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد" (١).
وفي رواية لمسلم وغيره عن أبي مسعود الأنصاري قال: "أتانا رسول الله ﷺ ، ونحن جلوس في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله تعالى أن نُصلي عليك، يا رسول الله! فكيف نصلّي عليك؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ ، حتى تمنّينا أنه لم يسأله ثم قال رسول الله ﷺ : "قولوا: اللهم! صلّ على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما صلّيت على آل إِبراهيم، وبارك على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما باركت على آل إِبراهيم، في العالمين إِنك حميد مجيد. والسلام كما علمتم"! (٢)
стр. 1565
وتعدّدت الروايات مع اختلاف يسير!
وفي فضل الصلاة على النبي ﷺ أحاديث كثيرة، منها ما رواه أحمد وغيره بسند حسن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ :
"من صلّى عليّ واحدة، صلّى الله عليه عشر صلوات، وحطّ عنه عشر خطيئات" (١).
وفي فضل السلام على النبي ﷺ -أيضًا- أحاديث كثيرة، منها ما رواه أحمد وغيره بسند حسن عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "ما من أحد يسلِّم عليّ إِلا ردّ الله إِليّ روحي حتى أردّ ﵇" (٢).
وهنا يطالعنا قول الله :
стр. 1566
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]!
قال البخاري: قال أبو العالية: صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء! (١)
وقال ابن عباس: يصلّون: يبرّكون! (٢)
وروى الترمذي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم أنهم قالوا: صلاة الربّ: الرحمة، وصلاة الملائكة: الاستغفار!
والصلاة تكون بمعنى التمجيد والدعاء والرحمة، على حسب ما أضيفت إليه، وقد أفاض ابن القيّم في بيان ذلك، فأجاد وأفاد! (٣)
ويا لها من مرتبة سنيّة، حيث تردّد جنبات الوجود ثناء الله على نبيّه محمد ﷺ ! (٤)
ويشرق الكون كله، وتتجاوب أرجاؤه، ويثبت في كيان الوجود ذلك الثناء الأزلي القديم، الأبديّ الباقي!
стр. 1567
وما من نعمة ولا تكريم بعد هذه النعمة، وذلك التكريم!
وأين تذهب صلاة البشر وتسليمهم بعد صلاة الله العليّ، وصلاة الملائكة في الله الأعلى؟
إنما يشاء الله تشريف المؤمنين بأن يقرن صلاتهم إلى صلاته وأن يصلهم عن هذا الطريق بالأفق العلويّ الكريم، الأزليّ القديم!
وما يكاد المسلم ينتهي من صلاته حتى يسلّم عن يمينه وعن شماله!
يروى أحمد وغيره بسند صحيح عن عبد الله: أن النبي ﷺ كان يسلِّم على يمينه، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله" حتى يُرى -أو نرى- بياض خدّيه! (١)
وما يكاد ينتهي من التسليم حتى يدعو بهذا الدعاء الذي رواه مسلم وغيره عن عائشة قالت: كان النبيّ ﷺ إِذا سلّم لم يقعد إِلا مقدار ما يقول: "اللهم! أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإِكرام".
وفي رواية: "يا ذا الجلال والإِكرام" (٢).
стр. 1568
ليلة القدر يكتنفها السلام:
والليلة المباركة التي أنزل الله فيها القرآن الكريم ليلة يكتنفها السلام من أولها إلى آخرها:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ [سورة القدر]!
إنها ليلة عظيمة باختيار الله لها لبدء تنزيل القرآن، (١) وإفاضة النور على الوجود كله، وإسباغ السلام الذي فاض على الضمير البشري والحياة الإنسانيّة، وبما تضمنّه هذا القرآن من عقيدة وتصوّر وشريعة وآداب تشيع السلام في الأرض والضمير، وتنزيل الملائكة وجبريل خاصة بإذن ربّهم .. وانتشارهم فيما بين السماء والأرض!
وحين ننظر اليوم من وراء الأجيال المتطاولة إلى تلك الليلة المباركة السعيدة، ونتصوّر ذلك الموكب العجيب الذي شهدته الأرض في هذه الليلة، ونتدبّر حقيقة الأمر الذي تمّ فيها، ونتملّى آثاره المتطاولة في مراحل الزمان، وفي واقع الأرض، وفي تصوّرات القلوب والعقول .. نرى أمرًا عظيمًا حقًا، وندرك طرفًا من الإشارة إلى تلك الليلة، ونحن نقرأ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾!
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)﴾ [الدخان]!
стр. 1569
ولقد تغفل البشريّة -لجهالتها- عن قدر ليلة القدر، وعن حقيقة وعظمة هذا الأمر .. وهي منذ جهلت هذا وأغفلته فقدت أسعد وأجمل آلاء الله عليها، وخسرت السعادة والسلام!
سلام الضمير!
وسلام البيت!
وسلام المجتمع!
وسلام الإنسانية!
ولم يعوّضها عمّا فقدت ما فتح عليها من أبواب كل شيء من الحضارة الماديّة والعمارة .. فهي شقيّة على الرغم من فيض الإنتاج وتوافر وسائل المعاش!
لقد انطفأ النور الجميل الذي أشرق في روحها مرّة، وانطمست الفرحة الوضيئة التي رفت بها وانطلقت إلى الملأ الأعلى، وغاب السلام الذي أفاض على الأرواح والقلوب، فلم يعوّضها شيء عن فرحة الرّوح ونور السماء، وطلاقة الرفرفة إلى علّيّين!
وفي موقف من مواقف الكافرين الجاحدين يشكو الرسول ﷺ كفر هؤلاء وعدم إيمانهم: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ [الزخرف]!
ويطالعنا عقب ذلك مباشرة توجيه الرسول ﷺ إلى الصفح والإعراض، وعدم الاحتفال والمبالاة، والشعور بالطمأنينة، ومواجهة الأمر بالسلام في القلب والسماحة:
﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ [الزخرف]!
ونبصر الجنّة التي أعدّت للمتقين دار السلام:
﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾ [الأنعام]!
стр. 1570
والمؤمن حين ينظر إلى هذا الثواب يعيش دنياه في سلام حقيقيّ مع ضميره والناس من حوله .. ينتظر هذا الفضل من الله :
والمؤمنون حين يدخلون الجنّة يكتنفهم السلام والأمان:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾ [الحجر]!
وتحيّة الملائكة لأهل الجنّة هي السلام:
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ [الزمر: ٧٣]!
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]!
وأهل الجنّة حين يتزاورون تحيّتهم هي السلام:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ٩، ١٠]!
وتحية المؤمنين حين يلقون ربّهم السلام:
﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾ [الأحزاب: ٤٤]!
ونبصر المؤمنين مشغولين بما هم فيه من النعيم، في ظلال مستطابة يستروحون نسيمها .. على أرائك متّكئين، في راحة ونعيم، هم وأزواجهم، لهم فيها فاكهة ولهم كل ما يشاءون، ولهم كل ما يدعون .. وفوق ذلك سلام يتلقونه من ربّهم الكريم:
стр. 1571
﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٥ - ٥٨]!
أخوّة إنسانيّة:
ونجد أنفسنا أمام بيان أن الناس جميعًا خُلقوا من نفس واحدة، ومن ثم تجمع بينهم الأخوة الإنسانيّة التي تقتضي سلامًا عالميًّا، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]!
وتلك حقيقة فطريّة، يعرفها الناس جميعًا .. ولو ألقوا أسماعهم وقلوبهم إليها لكانت كفيلة بمراعاة الأخوّة الإنسانيّة بمالها من حقوق وما عليها من واجبات!
ولو تذكّروا هذه الحقيقة لتضاءلت في حسّهم كل الفروق الطارئة، التي نشأت في حياتهم متأخّرة (١)، ففرّقت بين أبناء النفس الواحدة، ومزّقت وشائج الرحم الواحدة .. وكلها ملابسات طارئة، ما كان يجوز أن تطغى على مودّة الرحم وحقّها في الرّعاية، وصلة النفس وحقّها في المودّة، وصلة الربوبيّة وحقّها في التقوى!
واستقرار هذه الحقيقة كفيل باستبعاد الاستعباد الطبيعي السائد في كثير من الدول، والذي ما تزال الجاهليّة تعتبره قاعدة فلسفتها، ونقطة انطلاقها إلى
стр. 1572
تحطيم الطبقات كلها، لتسويد طبقة واحدة، ناسية أو متناسية النفس الواحدة التي انبثق منها الجميع، والرّبوبيّة الواحدة التي يرجع إليها الجميع!
وكفيل بأن يقرّر للمرأة كرامتها؛ لأنها من النفس الواحدة فطرةً وطبعًا، خلقها الله لتكون لها زوجًا، وليبثّ منهما رجالًا كثيرًا ونساءً!
ولقد خبطت البشريّة في هذا التّيه طويلًا، حين جرّدت المرأة من كل خصائص الإنسانيّة وحقوقها .. تحت تأثير تصوّر سخيف لا أصل له، فلما أن أرادت معاني هذا الخطأ الشنيع اشتطت وأطلقت للمرأة العنان، ونسيت أنها إنسان خلقت لإنسان، ونفس خلقت لنفس، وشطر مكمل لشطر، وأنهما ليسا فردين متماثلين، إنهما زوجان متكاملان!
الأسرة قاعدة الحياة البشريّة:
وكفيل بأن يقرّر أن الأسرة قاعدة الحياة البشريّة .. ولو شاء الله لخلق -في أوّل النشأة- رجالًا كثيرًا ونساء، وزوّجهم، فكانوا أسرًا شتى من أوّل الطريق، لا رحم بينها من مبدأ الأمر، ولا رابطة تربطها إلا صدورها عن إرادة الخالق جلّ شأنه، وهي الوشيجة الأولى، ولكنه شاء لأمر يعلمه ولحكمة يريدها أن يضاعف الوشائج، فيبدأ بها من وشيجة الرّبوبيّة -وهي أصل وأوّل الوشائج- ثم يثني بوشيجة الرحم، فتقوم الأسرة الأولى من ذكر وأنثى، من نفس واحدة، وطبيعة واحدة، وفطرة واحدة!
ومن هذه الأسرة الواحدة يبثّ رجالًا ونساءً، كلهم يرجعون ابتداء إلى وشيجة الرّبوبيّة، ثم يرجعون بعدها إلى وشيجة الأسرة، التي يقوم عليها نظام المجتمع الإنساني!
стр. 1573
ومن ثم هذه الرعاية للأسرة في النظام الإِسلامي، وهذه العناية بتوثيق عراها، وتثبيت بنيانها، وحمايتها من جميع المؤثّرات التي توهن هذا البناء!
في أوّل هذه المؤثّرات مجانبة الفطرة، وتجاهل استعدادات الرجل واستعدادات المرأة، وتناسق هذه الاستعدادات مع بعضها بعضًا، وتكاملها لإقامة الأسرة من ذكر وأنثى!
وإن نظرةً إلى التنوّع في خصائص الأفراد واستعدادتهم -بعد بثّهم من نفس واحدة وأسرة واحدة- على هذا المدى الواسع، الذي لا يتماثل فيه فردان قطّ تمام التماثل، على توالي العصور، وفيما لا يحصى عدده من الأفراد في جميع الأحوال!
التنوّع في الأشكال والسمات والملامح!
والتنوّع في الطباع والأمزجة والأخلاق والمشاعر!
والتنوّع في الاستعدادات والاهتمامات والوظائف!
إن نظرةً إلى هذا التنوّع المنبثق من ذلك التجمّع لتشي بالقدرة المبدعة على غير مثال، المدبّرة عن علم وحكمة .. وتطلق القلب والعين يجولان في ذلك التنوّع الحيّ العجيب، يتملّيان ذلك الحشد من النماذج التي لا تنفد، والتي دائمًا تتجدّد، والتي لا يقدر عليها إلا الله .. ولا يجرؤ أحد على نسبتها لغير الله، فالإرادة التي لا حدّ لما تريد، والتي تفعل ما تريد، هي وحدها التي تملك هذا التنويع الذي لا ينتهي، من ذلك الأصل الواحد الفريد!
والتأمل في (الناس) على هذا النحو كفيل بأن يمنح القلب زادًا من الأنس والمتاع، فوق زاد الإيمان والتقوى، وهو كسب فوق كسب، وارتفاع بعد ارتفاع!
стр. 1574
وفي ختام الآية التي معنا نبصر إيحاء بكل هذه الحشود من الخواطر، وما يتصل بها، يردّ (الناس) إلى تقوى الله، الذي يسأل بعضهم بعضًا به، وإلى تقوى الأرحام التي يرجعون إليها جميعًا:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾!
واتقوا الله الذي تتعاهدون باسمه، وتتعاقدون باسمه، ويسأل بعضكم بعضًا باسمه، ويحلف بعضكم لبعض باسمه .. اتقوه فيما بينكم من الوشائج والصلات والمعاملات!
وتقوى الله مفهومة ومعهودة لتكرارها في القرآن .. أما تقوى الأرحام فهي تعبير عجيب يلقي ظلاله الشعوريّة في النفس .. اتقوا الأرحام .. أرهفوا مشاعركم للإحساس بوشائجها .. والإحساس بحقها .. وتوقي هضمها وظلمها .. والتحرّج من خدشها ومسّها .. توقوا أن تؤذوها، وأن تجرحوها، وأن تغضبوها .. أرهفوا حساسيتكم لها، وتوقيركم إياها، وحنينكم إلى نداها وظلّها:
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾!
وما أهولها من رقابة!
والله هو الرقيب!
وهو الربّ الخالق الذي يعلم من خلقه، وهو العليم الخبير الذي لا تخفى عليه خافية، لا في ظواهر الأفعال ولا في خفايا القلوب!
стр. 1575
أساس السلام:
وهنا نبصر أساس سلام الضمير، وسلام الأسرة، وسلام الإنسانيّة!
ونبصر الناس قد اختلفوا هكذا للتعارف والوئام، لا للتناحر والخصام!
وأمّا اختلاف الألسن والألوان، والطباع والأخلاق، والمواهب والاستعدادات، فتنوّع يقتضي التعارف والتآلف:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]!
وهكذا تسقط جميع الفوارق (١) .. ويرتفع ميزان واحد بقيمة واحدة، وإلى هذا الميزان يتحاكم البشر، وإلى هذه القيمة يرجع اختلاف البشر في الميزان!
وهكذا تتوارى جميع أسباب النزاع والخصومات في الأرض، وترخص جميع القيم التي يتكالب عليها الناس، ويظهر سبب ضخم واضح للتآلف والتعاون:
ألوهيّة الله للجميع!
وأصل واحد للناس!
كما يرتفع لواء واحد يتسابق الجميع ليقفوا تحته!
لواء تقوى الله .. وهذا هو اللواء الذي رفعه الإِسلام لينقذ البشريّة من عقابيل العصبيّة للجنس، والعصبيّة للأرض، والعصبيّة للقبيلة، والعصبيّة للبيت .. وكلها من الجاهليّة وإليها، تتزيّا بشتّى الأزياء، وتسمّى بشتّى الأسماء .. جاهليّة عارية عن الإِسلام!
стр. 1576
وتلك هي القاعدة التي يقوم عليها المجتمع الإِسلامي .. المجتمع العالمي .. المجتمع الذي يحاول العقلاء من الناس في الخيال المحلّق أن يحقّقوا لونًا من ألوانه، ولكن هيهات؛ لأنهم لم يسلكوا إليه الطريق الواحد الواصل المستقيم .. الطريق إلى الله .. الدخول في الدّين القيّم .. والحياة وفق المنهج الربانيّ!
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾:
ونجد أنفسنا أمام تقرير الحريّة في (الدّين القيّم) .. تلك الحريّة التي تطلق على التحرّر من العبوديّة والاسترقاق، والخلوص من القيد، كما تطلق على الشرف وطيب الأرومة وكرم المنبت!
وهي من الحقوق التي وهبها الله للإنسان، كحق الحياة، والعلم، والتملّك، والكرامة!
والحريّة ليست انطلاقًا من كل قيد وراء الأهواء والشهوات .. وليست انفلاتًا من كل نظام، وخروجًا على العادات الصالحة والتقاليد القويمة!
ذلك أن حريّة الفرد لا تصان إلا حين تتقيّد ببعض القيود الضروريّة التي لا بدّ منها، لتسلم حريّات المجتمع!
وهنا يطالعنا قول الله تعالى:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦]!
وقد وردت روايات في سبب النزول، أوردها الطبري وغيره (١).
стр. 1577
والآية على عمومها في كل كافر! (١)
وهي صريحة في قضيّة العقيدة، وكيف أنها قضيّة اقتناع بعد البيان والإدراك (٢)، وليست قضيته إكراه وغصب وإجبار!
ذلك أن (الدّين القيّم) يخاطب الإدراك البشريّ بكل قواه، يخاطب العقل المفكر، والبداهة الناطقة، والوجدان المنفعل .. كما يخاطب الفطرة المستكنّة!
وهنا يتجلّى تكريم الله للإنسان، واحترام إرادته وفكره ومشاعره، وترك أمره لنفسه فيما يختص بالهُدى والضلال في الاعتقاد، وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه!
أخص خصائص التحرّر الإنساني:
وتلك هي أخص خصائص التحرر الإنساني .. التحرر الذي تنكره على الإنسان في هذا العصر مذاهب متعسّفة، ونظم مذلّة، لا تسمح للإنسان الذي كرّمه الله باختياره لعقيدته أن ينطوي ضميره على تصوّر للحياة ونظمها غير ما تمليه عليه دول تلك المذاهب بشتى أجهزتها، وما تمليه بقوانينها وأوضاعها، فإمّا أن يعتنق ما يحرمه من الإيمان بالله، وإمّا أن يتعرّض للموت بشتّى الوسائل والأسباب!
إن حرية الاعتقاد هي (أولى حقوق الإنسان) التي يثبت له بها وصف إنسان .. والذي يسلب إنسانًا حريّة الاعتقاد إنما يسلبه إنسانيّته ابتداء!
стр. 1578
حرّية الدعوة:
ومع حريّة الاعتقاد حريّة الدعوة للعقيدة، والأمن من الأذى والفتنة .. وإلا فهي حريّة بالاسم، لا مدلول لها في واقع الحياة!
والإسلام -وهو أرقى تصوّر للوجود والحياة، وأقوم منهج للمجتمع الإنسانيّ بلا مراء- هو الذي ينادي بأن ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾!
وهو الذي يبيّن لأصحابه قبل سواهم أنهم ممنوعون من إكراه الناس على هذا الدّين .. فكيف بالمذاهب والنظم الأرضيّة القاصرة المتعسّفة، وهي تفرض فرضًا بسلطان القانون، ولا يسمح لمن يخالفها بالحياة؟!
والتعبير هنا يرد في صورة النفي المطلق: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾! نفي جنس الإكراه .. والنهي في صورة النفي، والنفي للجنس أعمق إيقاعًا، وآكد دلالة!
ولا يزيد السياق على أن يلمس الضمير لمسة توقظه، وتشوقه إلى الهُدى، وتهديه إلى الطريق، وتبيّن حقيقة الإيمان التي أعلن أنها أصبحت واضحة:
﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾!
فالإيمان هو الرشد الذي ينبغي للإنسان أن يتوخّاه، ويحرص عليه، والكفر هو الغيّ الذي ينبغي للإنسان أن ينفر منه، ويتّقي أن يوصم به!
والأمر -كذلك- فعلًا، فحين يتدبّر الإنسان نعمة الإيمان بالله ربًّا وبالإِسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا، وما تمنحه هذه النعمة للإدراك البشريّ من تصوّر ناصع واضح، وما تمليه للقلب البشريّ من طمأنينة وسلام، وما تثيره في النفس البشريّة من اهتمامات رفيعة، وما تحققه في المجتمع الإنسانيّ من نظام سليم قويم دافع إلى تنمية الحياة .. !
стр. 1579
حين يتدبر الإنسان نعمة الإيمان على هذا النحو، يجد الرشد الذي لا يرفضه إلا سفيه .. يترك الرشد إلى الغيّ، ويدع الهُدى إلى الضلال، ويؤثر التخبّط والقلق والهبوط والضآلة على الطمأنينة والسلام، والرفعة والاستعلاء!
ثم يزيد حقيقة الإيمان إيضاحًا وتحديدًا وبيانًا:
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾!
إن الكفر ينبغي أن يوجّه إلى ما يستحق الكفر، وهو (الطاغوت)!
وإن الإيمان يجب أن يتّجه إلى من يجدر الإيمان به، وهو (الله)!
والطّاغوت صيغة من الطغيان، تفيد كل ما يطغى على الوعي، ويجور على الحق .. ولا يكون له ضابط من العقيدة في الله، ومن الشريعة التي يسنّها الله، ومن كل منهج غير مستمدّ من الله .. فمن يكفر بهذا كله في كل صورة من صوره، ويؤمن بالله وحده، ويستمدّ من الله وحده فقد نجا .. وتتمثل نجاته في استمساكه بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها!
ونجد أنفسنا أمام صورة حسيّة لحقيقة شعوريّة ومعنويّة .. ذلك أن الإيمان بالله عروة لا تنفصم أبدًا .. متينة لا تنقطع .. والذي يمسك بتلك العروة يمضي على هُدىً إلى ربّه، فلا يرتطم ولا يتخلّف، ولا تتفرّق به السبل، ولا يذهب به الشرود والضلال: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾!
يسمع منطق الألسنة، ويعلم مكنون القلوب!
ومن تأمّل سيرة الرسول ﷺ ، تبيّن له بجلاء ووضوح أنه ﷺ لم يكره أحدًا على الإِسلام .. وأنه صالح اليهود حين قدم على المدنية وأقرّهم على دينهم
стр. 1580
-كما سيأتي- ولكنهم ما لبثوا أن أعلنوا الحرب على الرسالة والرسول ﷺ ، ومن ثم كانت ضرورة الدفاع والمواجهة -كما سبق أن عرفنا (١)!
إدراك العجز إدراك:
والإنسان الذي يحيا في دائره الإيمان بالله ، ويشرق قلبه بنور الله، ويحقّق معنى الإنسانيّة بسلوكه يسمو قدره، وتزكو منزلته!
ومن ثم فهو يتصرّف في جميع أحواله بحريّة تامّة، موافقة لطبيعته إلى التحرّر .. لكن روابط المجتمع وعلاقات الأفراد بعضهم ببعض، وصلة كل منهم في المحيط المحدود والنطاق الواسع .. كل أولئك يفرض عليه أن يساير النظم والقوانين، وفي ذلك متسع، طالما ذلك في المباح .. وهذا من شأنه أن يجعله مسؤولًا تجاه التصرّفات التي تسيء إليه وإلى المجتمع الذي يعيش فيه!
ومع أن الله قد كرّمه وفضّله على كثير من خلقه، بالتكوين والاستعدادات التي أودعها فطرته، وبمكانه في الكون، وبما لا يُحصى ولا يعدّ من الآلاء والنعم .. وخصّه بالعقل الذي هو مناط التكليف، والذي هو عين مبصرة، يرى بها عظمة الخالق جلّ شأنه!
ومعلوم أن العقل هو المركز الذي يبدأ منه التفلسف، ويتركّز النظر، فيرتفع بسهولة ويسر إلى المنصب الذي رشّح له، ويرتقي إلى الغاية المنوطة به .. ومن ثم يدرك مشاعر الخشية والجلال، والعظمة والكمال!
والإنسان مطالب بأن ينتفع بالعقل في حدود ما يدرك؛ لأنه عاجز وقاصر دون الحقيقة .. وعليه أن يدرك ما أدركه الصّدّيق ﵁ في قوله: