وتلك هي القاعدة التي يقوم عليها المجتمع الإِسلامي .. المجتمع العالمي .. المجتمع الذي يحاول العقلاء من الناس في الخيال المحلّق أن يحقّقوا لونًا من ألوانه، ولكن هيهات؛ لأنهم لم يسلكوا إليه الطريق الواحد الواصل المستقيم .. الطريق إلى الله .. الدخول في الدّين القيّم .. والحياة وفق المنهج الربانيّ!
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾:
ونجد أنفسنا أمام تقرير الحريّة في (الدّين القيّم) .. تلك الحريّة التي تطلق على التحرّر من العبوديّة والاسترقاق، والخلوص من القيد، كما تطلق على الشرف وطيب الأرومة وكرم المنبت!
وهي من الحقوق التي وهبها الله للإنسان، كحق الحياة، والعلم، والتملّك، والكرامة!
والحريّة ليست انطلاقًا من كل قيد وراء الأهواء والشهوات .. وليست انفلاتًا من كل نظام، وخروجًا على العادات الصالحة والتقاليد القويمة!
ذلك أن حريّة الفرد لا تصان إلا حين تتقيّد ببعض القيود الضروريّة التي لا بدّ منها، لتسلم حريّات المجتمع!
وهنا يطالعنا قول الله تعالى:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦]!
وقد وردت روايات في سبب النزول، أوردها الطبري وغيره (١).
стр. 1577
والآية على عمومها في كل كافر! (١)
وهي صريحة في قضيّة العقيدة، وكيف أنها قضيّة اقتناع بعد البيان والإدراك (٢)، وليست قضيته إكراه وغصب وإجبار!
ذلك أن (الدّين القيّم) يخاطب الإدراك البشريّ بكل قواه، يخاطب العقل المفكر، والبداهة الناطقة، والوجدان المنفعل .. كما يخاطب الفطرة المستكنّة!
وهنا يتجلّى تكريم الله للإنسان، واحترام إرادته وفكره ومشاعره، وترك أمره لنفسه فيما يختص بالهُدى والضلال في الاعتقاد، وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه!
أخص خصائص التحرّر الإنساني:
وتلك هي أخص خصائص التحرر الإنساني .. التحرر الذي تنكره على الإنسان في هذا العصر مذاهب متعسّفة، ونظم مذلّة، لا تسمح للإنسان الذي كرّمه الله باختياره لعقيدته أن ينطوي ضميره على تصوّر للحياة ونظمها غير ما تمليه عليه دول تلك المذاهب بشتى أجهزتها، وما تمليه بقوانينها وأوضاعها، فإمّا أن يعتنق ما يحرمه من الإيمان بالله، وإمّا أن يتعرّض للموت بشتّى الوسائل والأسباب!
إن حرية الاعتقاد هي (أولى حقوق الإنسان) التي يثبت له بها وصف إنسان .. والذي يسلب إنسانًا حريّة الاعتقاد إنما يسلبه إنسانيّته ابتداء!
стр. 1578
حرّية الدعوة:
ومع حريّة الاعتقاد حريّة الدعوة للعقيدة، والأمن من الأذى والفتنة .. وإلا فهي حريّة بالاسم، لا مدلول لها في واقع الحياة!
والإسلام -وهو أرقى تصوّر للوجود والحياة، وأقوم منهج للمجتمع الإنسانيّ بلا مراء- هو الذي ينادي بأن ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾!
وهو الذي يبيّن لأصحابه قبل سواهم أنهم ممنوعون من إكراه الناس على هذا الدّين .. فكيف بالمذاهب والنظم الأرضيّة القاصرة المتعسّفة، وهي تفرض فرضًا بسلطان القانون، ولا يسمح لمن يخالفها بالحياة؟!
والتعبير هنا يرد في صورة النفي المطلق: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾! نفي جنس الإكراه .. والنهي في صورة النفي، والنفي للجنس أعمق إيقاعًا، وآكد دلالة!
ولا يزيد السياق على أن يلمس الضمير لمسة توقظه، وتشوقه إلى الهُدى، وتهديه إلى الطريق، وتبيّن حقيقة الإيمان التي أعلن أنها أصبحت واضحة:
﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾!
فالإيمان هو الرشد الذي ينبغي للإنسان أن يتوخّاه، ويحرص عليه، والكفر هو الغيّ الذي ينبغي للإنسان أن ينفر منه، ويتّقي أن يوصم به!
والأمر -كذلك- فعلًا، فحين يتدبّر الإنسان نعمة الإيمان بالله ربًّا وبالإِسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا، وما تمنحه هذه النعمة للإدراك البشريّ من تصوّر ناصع واضح، وما تمليه للقلب البشريّ من طمأنينة وسلام، وما تثيره في النفس البشريّة من اهتمامات رفيعة، وما تحققه في المجتمع الإنسانيّ من نظام سليم قويم دافع إلى تنمية الحياة .. !
стр. 1579
حين يتدبر الإنسان نعمة الإيمان على هذا النحو، يجد الرشد الذي لا يرفضه إلا سفيه .. يترك الرشد إلى الغيّ، ويدع الهُدى إلى الضلال، ويؤثر التخبّط والقلق والهبوط والضآلة على الطمأنينة والسلام، والرفعة والاستعلاء!
ثم يزيد حقيقة الإيمان إيضاحًا وتحديدًا وبيانًا:
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾!
إن الكفر ينبغي أن يوجّه إلى ما يستحق الكفر، وهو (الطاغوت)!
وإن الإيمان يجب أن يتّجه إلى من يجدر الإيمان به، وهو (الله)!
والطّاغوت صيغة من الطغيان، تفيد كل ما يطغى على الوعي، ويجور على الحق .. ولا يكون له ضابط من العقيدة في الله، ومن الشريعة التي يسنّها الله، ومن كل منهج غير مستمدّ من الله .. فمن يكفر بهذا كله في كل صورة من صوره، ويؤمن بالله وحده، ويستمدّ من الله وحده فقد نجا .. وتتمثل نجاته في استمساكه بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها!
ونجد أنفسنا أمام صورة حسيّة لحقيقة شعوريّة ومعنويّة .. ذلك أن الإيمان بالله عروة لا تنفصم أبدًا .. متينة لا تنقطع .. والذي يمسك بتلك العروة يمضي على هُدىً إلى ربّه، فلا يرتطم ولا يتخلّف، ولا تتفرّق به السبل، ولا يذهب به الشرود والضلال: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾!
يسمع منطق الألسنة، ويعلم مكنون القلوب!
ومن تأمّل سيرة الرسول ﷺ ، تبيّن له بجلاء ووضوح أنه ﷺ لم يكره أحدًا على الإِسلام .. وأنه صالح اليهود حين قدم على المدنية وأقرّهم على دينهم
стр. 1580
-كما سيأتي- ولكنهم ما لبثوا أن أعلنوا الحرب على الرسالة والرسول ﷺ ، ومن ثم كانت ضرورة الدفاع والمواجهة -كما سبق أن عرفنا (١)!
إدراك العجز إدراك:
والإنسان الذي يحيا في دائره الإيمان بالله ، ويشرق قلبه بنور الله، ويحقّق معنى الإنسانيّة بسلوكه يسمو قدره، وتزكو منزلته!
ومن ثم فهو يتصرّف في جميع أحواله بحريّة تامّة، موافقة لطبيعته إلى التحرّر .. لكن روابط المجتمع وعلاقات الأفراد بعضهم ببعض، وصلة كل منهم في المحيط المحدود والنطاق الواسع .. كل أولئك يفرض عليه أن يساير النظم والقوانين، وفي ذلك متسع، طالما ذلك في المباح .. وهذا من شأنه أن يجعله مسؤولًا تجاه التصرّفات التي تسيء إليه وإلى المجتمع الذي يعيش فيه!
ومع أن الله قد كرّمه وفضّله على كثير من خلقه، بالتكوين والاستعدادات التي أودعها فطرته، وبمكانه في الكون، وبما لا يُحصى ولا يعدّ من الآلاء والنعم .. وخصّه بالعقل الذي هو مناط التكليف، والذي هو عين مبصرة، يرى بها عظمة الخالق جلّ شأنه!
ومعلوم أن العقل هو المركز الذي يبدأ منه التفلسف، ويتركّز النظر، فيرتفع بسهولة ويسر إلى المنصب الذي رشّح له، ويرتقي إلى الغاية المنوطة به .. ومن ثم يدرك مشاعر الخشية والجلال، والعظمة والكمال!
والإنسان مطالب بأن ينتفع بالعقل في حدود ما يدرك؛ لأنه عاجز وقاصر دون الحقيقة .. وعليه أن يدرك ما أدركه الصّدّيق ﵁ في قوله:
стр. 1581
(إن إدراك العجز إدراك) (١).
ومطالب -أيضًا- بأن ينتفع به في دائرة النقل، لا يحيد ولا يزيغ .. وبأن يدرك أنه إذا استبدّ به الغرور، ولم يقبس من النور، ضلّ وغوى، وسقط وهوى، وصدق الله العظيم:
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور: ٤٠]!
ومن ثم كان النقل هو الشعاع الذي يضيء لهذه العين المبصرة أن تنظر وترى آثار ومظاهر هذا النور في القلوب والأرواح، ممثّلةً في معالم الحياة، تنير القلوب، وتنير الحياة .. مرتبطة بالنور الكونيّ الشامل الكامل .. ومن ثم يفيض النور على المشاعر والجوارح، وينسكب في الحنايا والجوانح:
﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥]!
وهما معًا متعاضدان .. ولذا سلب الحق اسم العقل من الذين حادوا عن الفطرة السليمة التي فطرهم الله عليها:
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١]!
مكانة المسؤوليّة:
والكون الذي سخره الله للإنسان، هو ميدان نشاطه، ومجال تأمّلاته، وحقل تجاربه، ومرمى آماله ورغائبه، ومن ثم فهو عضو في المجتمع، مسؤول عن تصرّفاته!
وفي الآخرة نقرأ في سورة الإسراء:
стр. 1582
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤]!
ويروي الشيخان وغيرهما عن ابن عُمر ﵄، أن رسول الله ﷺ -قال:
"ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيّته، فالإِمام الأعظم الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيّته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيّته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده، وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيّته" (١).
وفي حديث أنس مثل حديث ابن عمر، وزاد في آخره:
"فأعدوا للمسألة جوابًا"
قالوا: وما جوابها؟
قال: "أعمال البر".
أخرجه ابن عديّ، والطبراني في الأوسط، وسنده حسن.
стр. 1583
وفي رواية لابن عديّ بسند صحيح عن أنس: "إِن الله سائل كل راع عما استرعاه، حفظ ذلك أو ضيّعه" (١).
ويروي الشيخان وغيرهما عن معقل بن يسار، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "ما من عبد يسترعيه الله رعيّة، فلم يحطه بنصحه، إِلا لم يجد رائحة الجنّة".
وفي رواية: "ما من وال يلي رعيَّةً من المسلمين فيموت وهو غاشٌ لهم إِلا حرّم الله عليه الجنّة" (٢).
وهناك حالات يجازى فيها الإنسان على عمل غيره، يطول فيها الحديث! (٣)
ومعلوم أن (الدّين القيّم) يحرص على مودّة المخالفين في العقيدة.
ومجادلة أهل الكتاب:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ [العنكبوت: ٤٦]!
ومعلوم -كذلك- أن السلام يهدف إلى حقن الدماء، وإشاعة الأمن والطمأنينة بين الناس .. ومن ثم فهو سلام قويٌ عزيز، لا استسلام فيه ولا تفريط في الحقوق المغتصبة!
стр. 1584
وقد مكث الرسول ﷺ بمكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة .. في الوقت الذي كان يصبّ عليه الأذى، ويتعرّض أصحابه ﵃ لأقسى أنواع العذاب، وأفدح ألوان الاضطهاد -كما أسلفنا- حتى كانت الهجرة إلى الحبشة!
ومع ذلك كله كان ﷺ يصفح الصفح الجميل!
ويطالعنا القرآن بأن قوم ثمود الذين أرسل الله إليهم صالحًا فكذّبوه .. كانت عاقبتهم صاعقة العذاب: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)﴾ [فصلت: ١٧]!
﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾ (الحاقة)!
وقوم عاد الذين أرسل إليهم هودًا فكذبوه .. كانت عاقبتهم الريح الصرصر العاتية: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾ [فصلت: ١٦]!
﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)﴾ [الحاقة: ٦]!
وقوم نوح أهلكهم الله بالطوفان: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠)﴾ [الشعراء]!
في الوقت الذي نبصر فيه رفع العذاب عن قريش، مع كل ما فعلوه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٣٣]!
إنها رحمة الله تمهلهم، عسى أن يستجيب للهدى من تخالط بشاشة الإيمان قلبه -ولو بعد حين- وما دام الرسول ﷺ بينهم يدعوهم، فهنالك توقّع
стр. 1585
لاستجابة البعض منهم، فهم إكرامًا لوجود رسول الله ﷺ بينهم يمهلون، والطريق أمامهم لاتقاء عذاب الاستئصال مفتوح!
وبعد الهجرة إلى المدينة -كما سيأتي- أذن الله للمسلمين أن يدفعوا عن أنفسهم وعن عقيدتهم اعتداء المعتدين، بعد أن بلغ أقصاه، وليحقّقوا لأنفسهم ولغيرهم حريّة العقيدة، وحريّة العبادة في ظل دين الله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ [الحج: ٣٩، ٤٠]!
والصوامع أماكن العبادة للرهبان، والبيع للنصارى عامّة وهي أوسع من الصوامع، والصلوات أماكن العبادة لليهود، والمساجد للمسلمين!
هكذا في جلاء ووضوح، نبصر أماكن العبادة للرهبان، والنصارى، واليهود، والمسلمين!
سلام عالمي:
وهنا نبصر السلام في الإِسلام عالميًّا لا يعدّ القتال غاية لذاته، ولا يأذن به إلا للضرورة التي لا بدّ منها .. مع مراعاة الآداب الإِسلاميّة التي يتفرّد بها هذا (الدّين القيّم)!
ولنا بعون الله وتوفيقه حديث خاص في هذه الدراسات عن معالم تلك الآداب!
стр. 1586
هذا، والسلام -كما عرفنا- دين الأمن والسلام منذ أوّل بيت للعبادة وضع في الأرض إلى أن تقوم الساعة!
ملّة إبراهيم:
وهنا يطالعنا موقف إبراهيم ﵇ من قومه الكلدانيّين الذين كانوا يعبدون الأصنام، كما كانوا يعبدون الكواكب والنجوم، ونحن نقرأ:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٤ - ٧٩]!
إنه مشهد رائع باهر، مشهد الفطرة تنكر تصوّرات الجاهليّة وتستنكرها (١) تنطلق على لسان إبراهيم ﵇.
واختار سبيل العقل، وطريق الحجة .. وسلك طريقًا في الحوار حكيمًا، ومنهجًا في البيان قويمًا!
стр. 1587
وأعلن براءته من معبوداتهم، وأفاض في الحديث عمن يخصّه بخضوعه، وأقام الأدالة على أن الربّ جلّ شأنه لا يكون كوكبًا يلمع، ولا قمرًا يطلع، ولا شمسًا تسطع!
إنها العقيدة، فوق روابط الأبوّة والبنوّة، وفوق مشاعر الحلم والسماحة .. وهذا هو منطق الفطرة (١) .. وعيٌ لا يطمسه الركام، وبصرٌ يلحظ ما في الكون من عجائب صنع الله، وتدبّر يتبع الشاهد حتى تنطق له بسرّها المكنون، وهداية من الله جزاءً على الجهاد فيه!
وكانت المواجهة: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾!
إنه الاتجاه إلى فاطر السماوات والأرض!
الاتجاه الحنيف الذي لا ينحرف إلى الشرك!
الكلمة الفاصلة واليقين الجازم!
فلا تردّد بعد ذلك ولا حيرة فيما تجلّى للعقل من تصوّر مطابق للحقيقة التي في الضمير!
ها نحن نشهد ذلك المشهد الرائع الباهر .. مشهد العقيدة وقد استعلنت في النفس، واستولت على القلب، بعدما وضحت وضوحها الكامل، وانجلى عنها الغبش!
نشهدها وقد ملأت الكيان الإنساني، فلم يعد وراءها شيء، وقد سكبت فيه الطمأنينة الواثقة بربّه .. في قلبه وعقله وفي الوجود من حوله!
وهو مشهد يتجلّى بكل روعته وبهائه في الآيات التالية مباشرة:
стр. 1588
﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾ [الأنعام: ٨٠، ٨١]!
إن الفطرة حين تنحرف تضل .. ثم تتمادى في ضلالها، وتتّسع الزاوية، ويبعد الخط عن نقطة الابتداء، حتى ليصعب عليها أن تثوب!
وهؤلاء يعبدون ما يعبدون، فلا يتفكّرون ولا يتدبّرون هذه الرحلة الهائلة التي تمَّت في نفس إبراهيم ﵇!
ولم يكن هذا داعيًا لهم للتفكر والتدبّر، بل جاؤوا يجادلونه ويحاجّونه، وهم على هذا الوهن الظاهر في تصوّراتهم وفي ضلال مبين!
ولكن إبراهيم الذي وجد الله في قلبه وعقله، وفي الوجود كله من حوله، يواجههم مستنكرًا في طمأنينة ويقين: ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾!
أتجادلونني في الله تعالى، وهو يأخذ بيدي، ويفتح بصيرتي، ويهديني إليه، ويعرفني به؟!
لقد أخذ بيدي وقادني فهو موجود .. وهذا هو في نفسي دليل الوجود .. لقد رأيته في ضميري وفي وعيي، كما رأيته في الكون من حولي، فما جدالكم في أمرانا أجده في نفسي، ولا أطلب عليه الدليل، فهدايته لي إليه هي الدليل!
﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾!
وكيف يخاف من وجد الله؟
وماذا يخاف ومن ذا يخاف؟
стр. 1589
وكل قوّة -غير قوّة الله- هزيلة!
وكل سلطان -غير سلطان الله- لا يُخاف!
ولكن إبراهيم ﵇ في عمق إيمانه، واستسلام وجدانه، لا يريد أن يجزم بشيء إلا مرتكنًا إلى مشيئة الله الطليقة، وإلى علم الله الشامل:
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾!
إنه يكل إلى مشيئة الله حمايته ورعايته، ويعلن أنه لا يخاف من آلهتهم شيئًا؛ لأنه يركن إلى حماية الله ورعايته، ويعلم أنه لا يصيبه إلا ما شاء الله، ووسعه علمه الذي يسع كل شيء!
﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾ [الأنعام: ٨١]!
إنه منطق المؤمن الواثق المدرك لحقائق الوجود!
إنه إن كان أحد قمينًا بالخوف فليس هو إبراهيم!
وليس المؤمن المطمئن الذي يمضي في الطريق!
وكيف يخاف ما أشرك هؤلاء، ولا ما يتبدّى -أحيانًا- في صورة جبّارين في الأرض بطاشين، وهم أمام قدرة الله مهزولون مضعوفون!
كيف يخاف إبراهيم هذه الآلهة الزائفة العاجزة، ولا يخافون هم أنهم أشركوا بالله، ما لم ينزل به سلطانًا، ولا قوّةً من الأشياء والأحياء؟
هذا، وأيّ الفريقين هنا أحق بالأمن؟
الذي يؤمن بالله تعالى ويكفر بالشركاء؟
стр. 1590
أم الذي يشرك بالله ما لا سلطان له ولا قوّة؟
وهنا يتنزّل الجواب من الملأ الأعلى، ويقضي الله بحكمه:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام)!
الذين آمنوا وأخلصوا أنفسهم لله، لا يخلطون بهذا الإيمان شركاً في عبادة ولا طاعة ولا اتجاه!
هؤلاء لهم الأمن!
وهؤلاء هم المهتدون!
لقد كشف لهم عن وَهَن ما هم عليه من تصوّرهم أن هذه الآلهة تملك أن تسيء إليه .. وواضح أنهم ما كانوا يجحدون وجود الله، ولا أنه هو صاحب القوّة والسلطان .. ولكنهم كانوا يشركون به هذه لآلهة .. فلما واجههم إبراهيم بأن من كان يخلص نفسه لله لا يخاف من دونه، فأمّا من يشرك بالله فهو أحق بالخافة .. سقطت حجّتهم، وعلت حجّة إبراهيم ﵇، وارتفع على قومه عقيدةً وحجّةً ومنزلةً!
يروي الشيخان وغيرهما عن عبد الله قال: لمَّا نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾. قال أصحاب رسول الله ﷺ : أينا لم يظلم؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ (لقمان)! (١)
стр. 1591
وهنا نبصر كيف كان حسّ هذا الرّهط الكريم!
وكيف كانت جدية وقعه في نفوسهم!
وكيف كانوا يتلقّونه وهم يشعرون أنه أوامر مباشرة للتنفيذ، وتقريرات حاسمة للطاعة، وأحكام نهائيّة للنفاذ!
وكيف كانوا يجزعون أن يؤاخذوا بأيّ درجة من درجات التقصير، والتفاوت بين عملهم وبين مستوى التكليف، حتى يأتيهم التيسير! (١)
هكذا كان يتنزّل القرآن الكريم على هؤلاء الرّهط غضًّا، وتشربه نفوسهم، وتعيش به وله، وتتعامل به وتتعايش بمدلولاته وإيحاءاته ومقتضياته، في جدّ وفي وعي وفي التزام عجيب، تأخذنا روعته، وتبهرنا جدّيّته، وندرك كيف كان هذا الرهط الفريد من الناس!
وكيف صنع الله بهذا الرهط ما صنع من الخوارق، في ربع قرن من الزمان!
إنه الإيمان الذي يضفي على أهله الأمن والأمان، واليقين والطمأنينة!
سؤال الأمن يوم الخوف:
ويطالعنا سؤال الأمن يوم الخوف، فيما رواه الحاكم وغيره بسند رجاله ثقات عن عبيد بن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه، قال: لمَّا كان يوم أحد انكفأ المشركون، قال رسول الله ﷺ : "اسْتَوُوا حتى أُثْني على ربِّي ".
стр. 1592
فصاروا خلفه صفوفاً، فقال: "اللهمَّ! لك الحمدُ كلّه، اللهمَّ! لا قابض لما بَسَطْت، ولا باسط لمَا قَبَضتَ، ولا هاديَ لمَا أَضْلَلْتَ، ولا مُضلَّ لمَن هَدَيْتَ، ولا معطِيَ لمَا مَنَعْتَ، ولا مانِعَ لمِا أَعْطَيْتَ، ولا مُقَرِّبَ لمِا باعَدْتَ، ولا مُباعِدَ لمَا قَرَّبْتَ، اللهُم! ابْسُطْ عَلَيْنَا مِن بَرَكَاتِكَ، ورحمتك وفضلِكَ ورزقك، اللهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ الْمُقِيْمَ الذي لا يَحُولُ ولا يَزُولُ، اللهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلكَ الأَمْنَ يَوْمَ الْخَوْف، اللهُمَّ! عَائِذٌ مِنْ شَرِّ مَا أَعْطَيْتَنَا وشَرِّ مَا مَنَعتَنَا، اللهُمَّ! حَبِّبْ إِلينا الإِيْمانَ، وَزَيِّنهُ في قُلُوبِنَا، وَكَرِّهُ إِلينا الْكُفْر والفُسوقَ والعِصْيَان، واجعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِين، اللهُمَّ! تَوَفَّنَا مُسْلِمين، وأَحينَا مُسْلِمِين، وَأَلحِقْنَا بالصَّالحِين، غير خَزَايا ولا مَفْتُونين، اللهُمَّ! قَاتِل الْكَفَرة الذين يكَذِّبُون رُسُلَكَ، وَيَصدّون عن سَبيلكَ، واجعَلْ عليهم رِجْزَكَ وعذابك، إِلَهَ الْحَقِّ، آمِيْنَ". (١)
ويطالعنا ما رواه ابن حبان وغيره بسند حسن عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إِذا رأى الْهِلالَ قال: "اللهُمَّ! أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بالأَمْنِ والإِيْمَان، والسَّلاَمَةِ والإِسلام، والتوفيق لما تُحبّ وتَرْضَى، رَبّنَا وربّكَ الله" (٢)
стр. 1593
الأمن عبر التاريخ:
ومن هنا نبصر أهميّة بيان الأصل والسلام عبر التاريخ في رحاب أول بيت وضع في الأرض للعبادة إلى أن تقوم الساعة!
وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ (آل عمران)!
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ (سورة الفيل)!
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ (سورة قريش)!
стр. 1594
وما أحوجنا كأمّة أن نعرف معالم (ديننا القيّم)، الذي يحمل الكثيرون اسمه، ويجهلون كنهه، ويأخذونه بالوراثة والتقليد أكثر مما يجب أن يكونوا عليه من الفهم والسلوك، وأن يكيّفوا حياتهم في دائرة الإذعان والخضوع، والانقياد والخشوع، لأمر الله ورسوله:
رجاء أن نرى خير أمّة أخرجت للناس، تدعو إلى هذا (الدّين القيّم)، وترفع راية الأمن والإيمان والسلامة والإِسلام عبر التاريخ!
ولا سلام لعالم ضمير الفرد فيه لا يستمتع بالسلام، ومن ثم فإن الإيمان الحق هو الأساس، ومنهج (الدّين القيّم) هو المنهج الذي يدعو إلى الأمن والسلام!
ومعلوم أن التصوّر الإِسلامي للسلام العالمي له خصائص .. انطلاقاً من وحدة الوحي والمصدر: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ (الشورى)!
والموُحِي هو الله العزيز الحكيم!
والموُحَى إليهم هم رسل الله على مدار الزمان!
والوحي واحد في جوهره، على اختلاف الرسل، واختلاف الزمان! (١)
إنها حقيقة بعيدة البداية، ضاربة في أطواء الزمان، وسلسلة كثيرة الحلقات، ومنهج ثابت الأصول، على تعدّد الفروع!
وهذه الحقيقة -على هذا النحو- حين تستقرّ في ضمائر المؤمنين تشعرهم بأصالة ما هم عليه وثباته، ووحدة حقيقته وطريقه، وتشدّهم إلى مصدر هذا الوحي: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾!
стр. 1595
كما تشعرهم بالقرابة بينهم وبين المؤمنين أتباع الوحي، عبر آباد الزمان، وأبعاد المكان: فتلك أسرتهم تضرب في بطون التاريخ، وتمتدّ جذورها في شعاب الزمن، وتتصل كلها بالله في النهاية، فيلتقون فيه جميعاً!
وهو ﴿الْعَزِيزُ﴾ القويّ القادر ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يوحي لمن يشاء بما يشاء، وفق حكمة وتدبير!
فأنّى يصرفون عن هذا المنهج الإلهيّ الواحد الثابت إلى السبل المتفرّقة التي لا تؤدّي إلى الله، ولا يعرف لها مصدر، ولا تستقيم على اتجاه قاصد قويم؟
وبعد ذلك مباشرة يطالعنا قوله تعالى:
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾ (الشورى)!
وكثيراً ما يُخدع الناس فيحسبون أنهم يملكون شيئاً، لمجرد أنهم يجدون أشياء في أيديهم، مسخرةً لهم، ينتفعون بها، ويستخدمونها فيما يشاؤون .. ولكن هذا ليس ملكاً حقيقيًّا، إنما الملك لله مالك الملك .. الذي يحيي ويميت .. ويملك أن يعطي البشر ما يشاء .. وأن يذهب بما في أيديهم من شيء .. وأن يضع في أيديهم بدلًا مما أذهب!
الملك الحقيقي لله الذي يحكم طبائع الأشياء، ويصرفها وفق الناموس المختار، فتلبي وتطيع، وتتصرّف وفق ذلك الناموس!
وكل ما في السماوات وما في الأرض من شيء (لله) بهذا الاعتبار الذي لا يشاركه فيه أحد سواه!
стр. 1596
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾!
فليس هو المالك فحسب، ولكنه ملك العلوّ والعظمة، على وجه التفرّد كذلك!
العلوّ الذي كل شيء بالقياس إليه سفول، والعظمة التي كل شيء بالقياس إليها ضآلة!
ومتى استقرّت هذه الحقيقة استقراراً صادقاً في الضمائر، عرف الناس إلى أين يتجهون فيما يطلبون لأنفسهم من خير ومن رزق ومن كسب، فكل ما في السماوات وما في الأرض (لله) الذي بيده العطاء!
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾!
الذي لا يصغر ولا يسفل من يمدّ يده إليه بالسؤال، كما لو مدّها إلى مخاليق، وهم ليسوا بأعلياء ولا عظماء!
ثم يعرض مظهراً لخلوص الملكيّة (لله) في الكون، وللعلوّ والعظمة كذلك .. يتمثّل في حركة السماوات تكاد تنفطر من روعة العظمة التي تستشعرها (لله)، ومن زيغ بعض من في الأرض عنها!
كما يتمثّل في حركة (الملائكة) يسبحون بحمد ربهم، ويستغفرون لمن في الأرض من انحرافهم وتطاولهم:
﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾!
السماوات، هذه الخلائق الضخمة الهائلة التي نراها تعلونا، حيثما كنّا على ظهر هذه الأرض، والتي لا نعلم إلا أشياء قليلة عن جانب منها صغير!
стр. 1597
وقد عرفنا حتى اليوم أن بعض ما في السماوات نحو من مائة ألف مليون مجموعة من الشموس، في كل منها نحو مائة ألف مليون شمس كشمسنا هذه، التي مبلغ حجمها أكثر من مليون ضعف من حجم أرضنا الصغيرة!
وهذه المجموعات من الشموس التي أمكن لنا -نحن البشر- أن نرصدها بمراصدنا الصغيرة متناثرةً في فضاء السماء مبعثرةً، وبينها مسافات شاسعة تحسب بمئات الألوف والملايين من السنوات الضوئيّة، أي المحسوبة بسرعة الضوء التي تبلغ ٠٠٠/ ١٦٨ ميل في الثانية!
هذه السماوات التي عرفنا منها هذا الجانب الصغير المحدود يكدن يتفطّرن من فوقهن .. من خشية الله وعظمته وعلوه .. وإشفاقاً من انحراف بعض أهل الأرض، ونسيانهم لهذه العظمة التي يحسّها ضمير الكون، فيرتعش وينتفض، ويكاد ينشق من أعلى مكان فيه!
والملائكة دائبون في تسبيح ربّهم، لما يحسّون من علوه وعظمته، ولما يخشون من التقصير في حمده وطاعته.
بينما أهل الأرض المقصّرون الضعاف ينكرون وينحرفون، فيشفق الملائكة من غضب الله ويروحون يستغفرون لأهل الأرض، مما يقع من معصية وتقصير!
وهنا نبصر تقرير معنى عظمة الله تعالى وجلاله، المدلول عليهما بقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾!
مرتبة واجب الوجود سبحانه، وهو أهل التنزيه والحمد! (١)
ومرتبة الروحانيّات، وهي الملائكة، وهي واسطة المتصرّف القدير،
стр. 1598
ومفيض الخير في تنفيذ أمره، من تكوين وهدى وإفاضة الخير على الناس .. فهي حين تتلقّى من الله أوامره تسبّحه وتحمده .. وحين تفيض خيرات ربّها على عباده تستغفر للذين يتقبّلونها تقبّل العبيد المؤمنين بربّهم!
وتلك إشارة إلى حصول ثمرات إبلاغها، وذلك بتأثيرها في نظم أحوال العالم الإنساني!
ومرتبة البشريّة المفضّلة بالعقل، إذا أكمله الإيمان:
﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾!
ونبصر استغفار الملائكة للدَّين آمنوا ونحن نقرأ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ (غافر)!
ويطالعنا إشفاق الملائكة من أيّة معصية تقع في الأرض، حتى من الذين آمنوا .. وكم يرتاعون لها فيستغفرون ربّهم، وهم يسبّحون بحمده استغفاراً لعلوّ عظمته .. واستهوالًا لأيّة معصية تقع في ملكه .. واستدراراً لمغفرته ورحمته، وطمعاً فيهما: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾!
فيجمع إلى العزّة والحكمة العلوّ والعظمة، ثم المغفرة والرحمة .. ويعرف العباد ربهم بصفاته!
وتبدو للضمير صورة هؤلاء المناكيد التعساء، وهم يتخذون من دون الله أولياء، وأيديهم مما كسبت خاوية، وليس هنالك إلا الهباء! (١).
стр. 1599
تبدو للضمير صورتهم في ضآلتهم وضآلة أوليائهم من دون الله!
ولابد أن تستقرّ هذه الحقيقة في ضمائر المؤمنين لتهدأ وتطمئن من هذا الجانب في جميع الأحوال!
ومن ثم يسير المؤمنون في طريقهم، مطمئنين إلى أنه الطريق الموصول بوحي الله، وأن ليس عليهم من ضير في انحراف المنحرفين عن الطريق، كائناً ما يكون هذا الانحراف!
﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾:
ويعود السباق القرآني إلى الحقيقة الأولى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩)﴾ (الشورى)!
و ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ مكّة المكرمة، بيت الله العتيق فيها .. والتي سبق أن ذكرنا أنها عبر التاريخ مكان الأمن والسلام!
وحين ننظر اليوم من وراء الحوادث واستقرائها، ومن وراء الظروف ومقتضياتها .. وبعدما سارت الدعوة في الطريق الذي سارت فيه!
حين ننظر اليوم هذه النظرة ندرك طرفاً من حكمة الله تعالى في اختيار ﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ في ذلك الوقت من الزمان، لتكون مقرّ الرسالة الخاتمة الأخيرة، التي جاءت للبشريّة كلها .. والتي تتصح عالميّتها منذ أيامها الأولى!
стр. 1600
ومعلوم أن الأرض المعمورة -عند مولد هذه الرسالة الخاتمة الأخيرة- تكاد تتقسّمها امبراطوريات أربع:
الإمبراطوريّة الرومانيّة في أوروبّا وطرف من آسيا وإفريقيا!
والإمبراطوريّة الفارسيّة وتمدّ سلطانها على قسم كبير من آسيا وإفريقيا!
والإمبراطوريّة الهنديّة، ثم الإمبراطوريّة الصينيّة، تكادان تكونان مغلقتين ومنعزلتين بعقائدهما واتصالاتهما السياسيّة وغيرها، وهذه العزلة كانت تجعل الإمبراطوريتين الأوليين هما ذواتا الأثر الحقيقي في الحياة البشرية وتطوّراتها!
ومن ثم جاء (الدّين القيم) لينقذ البشريّة كلها مما انتهت إليه من انحلال وفساد واضطهاد، وجاهليّة جهلاء، وفوضى عمياء، في كل مكان معمور!
جاء ليهيمن على حياة البشريّة، ويقودها في الطريق إلى الله، على هدى وعلى نور!
ولم يكن هنالك بدٌّ من أن يبدأ الإِسلام رحلته من أرض حرّة، لا سلطان فيها لإمبراطوريّة من تلك الإمبراطوريّات، وأن ينشأ نشأة حرّة لا تسيطر عليه فيها قوّة خارجة عن طبيعته!
وكانت الجزيرة العربيّة، و ﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ بالذات أصلح مكان على وجه الأرض لتلك النشأة، ليبدأ الإِسلام رحلته العالميّة المباركة، منذ اللحظة الأولى!
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾:
ونزل القرآن عربيًّا لينذر ﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾!
стр. 1601
وعاش الرسول ﷺ حتى خلصت الجزيرة العربية للإسلام، وتمحّض هذا المهد للعقيدة التي اختير لها عن علم!
كما اختير لها اللسان الذي يصلح لحملها إلى أقطار الأرض، حيث بلغت العربيّة نضجها، وأصبحت صالحة لحمل هذه الدعوة، والسير بها في أقطار الأرض: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام: ١٢٤)!
ونبصر السياق القرآنيّ يعود إلى الحقيقة الأولى، لبيان الجهة التي يرجع إليها عند كل اختلاف، وهي هذا الوحي الذي جاء من عند الله يتضمن حكم الله، كي لا يكون للهوى المتقلّب أثر في الحياة، بعد ذلك المنهج الإلهي القويم:
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾ (الشورى)!
ويعود بعد ذلك مباشرة إلى تلك الحقيقة .. تقرير وحدة المصدر، ووحدة المنهج، ووحدة الاتجاه:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)
стр. 1602
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ (الشورى)!
ونبصر أتباع الرسل قد تفرّقوا شيعًا وأحزاباً:
﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾!
إنهم لم يتفرّقوا عن جهل، ولم يتفرّقوا لأنهم لا يعرفون الأصل الواحد الذي يربطهم، ويربط رسلهم ومعتقداتهم!
إنما تفرّقوا بعد ما جاءهم العلم!
تفرّقوا بغيًا وحسدًا وظلمًا للحقيقة ولأنفسهم سواء!
تفرّقوا تحت تأثير الأهواء الجائرة والشهوات الباغية!
تفرّقوا غير مستندين إلى سبب من العقيدة الصحيحة!
ولو أخلصوا لعقيدتهم واتّبعوا منهج تلك العقيدة ما تفرّقوا!
ولقد كانوا يستحقّون أن يأخذهم الله أخذاً عاجلاً، جزاء بغيهم وظلمهم في هذا التفرّق والتفريق، ولكن كلمة سبقت من الله لحكمة أرادها، بإمهالهم إلى أجل مسمى:
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾!
стр. 1603
فحق الحق، وبطل الباطل، وانتهى الأمر في هذه الحياة الدنيا, ولكنهم مؤجّلون -كما أسلفنا- إلى يوم الوقت المعلوم!
فأمّا الأجيال التي ورثت الكتاب من بعد أولئك الذين تفرّقوا وفرقوا من أتباع كل نبيّ، فقد تلقوّا عقيدتهم وكتابهم بغير يقين جازم؛ إذ كانت الخلافات السابقة مثاراً لعدم الجزم بشيء، وللشك والغموض والحيرة بين شتّى المذاهب والاختلافات:
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾!
وما هكذا تكون العقيدة؛ لأنها هي الصخرة الصلبة التي يقف عليها المؤمن، فتميد الأرض من حوله، وهو ثابت راسخ القدمين فوق تلك الصخرة التي لا تميد .. وهي النجم الهادي الثابت، يتجه إليه المؤمن وسط الأنواء والزوابع، فلا يضل ولا يحيد!
فأمّا حين تصبح العقيدة ذاتها موضع شك ومثار ريبة، فلا ثبات لشيء ولا لأمر في نفس صاحبها, ولا قرار له على جهة، ولا اطمئنان إلى طريق!
لقد جاءت العقيدة ليعرف أصحابها طريقهم ووجهتهم إلى الله، ويقودوا - من وراءهم- من البشر في غير ما تلجلج ولا تردد ولا ضلال، فإذا هم استرابوا وشكوا فهم غير صالحين لقيادة أحد، وهم أنفسهم حائرون، وكذلك كان أتباع الرسل يوم جاء هذا (الدّين القيّم)!
يقول المفكر الإِسلامي (أبو الحسن الندوي) ﵀: (١)
(أصبحت الديانات العظمى فريسة العابثين والمتلاعبين، ولعبة المحرّفين
стр. 1604
والمنافقين، حتى فقدت روحها وشكلها، فلو بعث أصحابها الأوّلون، لم يعرفوها، وأصبحت مهود الحضارة والثقافة والحكم والسياسة مسرح الفوضى والانحلال والاختلال وسوء النظام، وعسف الحكام، وشغلت بنفسها, لا تحمل للعالم رسالة، ولا للأمم دعوة، وأفلست في معنويّاتها، ونضب معين حياتها, لا تملك مشرعاً صافياً من الدّين السماويّ، ولا نظاماً ثابتاً من الحكم البشري)!
ويقول الكاتب الأوروبيّ (ج. هـ. دنيسون) في كتابه (العواطف كأساس للحضارة): (١)
(في القرنين الخامس والسادس كان العالم المتمدين على شفا جرف هار من الفوضى؛ لأن العقائد التي كانت تعين على إقامة الحضارة كانت قد انهارت، ولم يك ثمّ ما يعتدّ به مما يقوم مقامها، وكان يبدو إذ ذاك أن المدنيّة الكبرى التي تكلّف بناؤها جهود أربعة آلاف سنة، مشرفة على التفكّك والانحلال، وأن البشريّة توشك أن ترجع ثانيةً إلى ما كانت عليه من الهمجيّة، إذ القبائل تتحارب وتتناحر، لا قانون ولا نظام، أما النظم التي خلّفتها المسيحيّة فكانت تعمل على الفرقة والانهيار، بدلاً من الاتحاد والنظام، وكانت المدنيّة كشجرة ضخمة متفرّعة امتدّ ظلّها إلى العالم كله، واقفةً تترنح، وقد تسرّب إليها العطب، حتى اللباب .. وبين مظاهر هذا الفساد الشامل ولد الرجل الذي وحّد العالم جميعه!).
يعني محمداً ﷺ !
стр. 1605
ولأن أتباع الرسل تفرقوا: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾!
ولأن: ﴿الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾!
لهذا وذاك، ولخلوّ مركز القيادة البشريّة من قائد ثبت مستيقن يعرف طريقه إلى الله .. أرسل الله محمداً ﷺ ، ووجّه إليه الأمران يدعو وأن يستقيم على دعوته، وألا يلتفت إلى الأهواء المصطرعة حوله وحول دعوته الواضحة المستقيمة، وأن يعلن تجديد الإيمان بالدعوة الواحدة التي شرعها الله للنبيين أجمعين:
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ (الشورى)!
يقول ابن كثير: (اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات، كل منها منفصلة عن التي قبلها، حكم برأسها، قالوا: ولا نظير لها إلا آية الكرسي، فإنها -أيضاً- عشرة فصول كهذه) (١).
إنها القيادة الجديدة للبشريّة جمعاء .. القيادة المستقيمة على نهج واضح ويقين ثابت .. القيادة التي تدعو إلى الله على بصيرة .. وتستقيم على أمر الله دون انحراف .. وتنأى عن الأهواء المضطربة من هنا وهناك!
القيادة التي تعلن وحدة النهج والطريق .. وتردّ الإيمان إلى أصله الثابت الواحد .. وتردّ البشرية إلى ذلك الأصل الواحد!
стр. 1606
وفي ختام تلك السورة نقرأ:
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ (الشورى)!
وهنا نبصر مرّة من بعد مرّة قاعدة التصوّر الإِسلامي للسلام العالمي .. في حقيقة هذا الوحي .. هذا الروح .. هذا النور الذي تخالط بشاشته القلوب الحي يشاء الله لها أن تهتدي!
وقد حفظ لنا ديننا كيف ارتبط تاريخ الإِسلام والنبوّة بهذه الرحاب الطاهرة .. وكيف سعى إبراهيم الخليل ﵇، وأسكن من ذريته بواد غير ذي زرع .. وكيف كان الفداء!
وفوق هذه الأرض سعى خاتم النبيين ﷺ يعرض نفسه على القبائل .. واستجاب الأنصار للرسول ﷺ .. وفتحت مكة .. وخطب الرسول ﷺ داعياً إلى الإيمان، مؤكدًا إكرامه الإنسان!
ونبصر في الحج وحدة إسلامية تظهر في أصالتها كل عام (١)، وفي بقاء هذا الدّين بعيداً عن التحريف والغموض والالتباس، وبقاء هذه الأمة بعيدة عن الانقطاع عن الأصل والمصدر والأساس، محفوظة من المؤامرات؛ المغالطات التي وقعت أمم كثيرة فريستها في الزمن الماضي، وعن هذا الطريق تبقى الأمّة
стр. 1607
الخالدة محتفظةً بالحنيفيَّة السمحة، الثائرة على الباطل، القويّة بالحق، وتتوارثها جيلاً بعد جيل، فكأنها الجَنان القوي الفيّاض الذي يبث الحياة!
هذا، والجماعة المسلمة الأولى تدرك حق الإدراك مدى وعمق هذه الحقيقة في حياتها! (١).
لقد كانت قريبة عهد بما كان عليه العرب من ضلال في التصوّر والاعتقاد، وضلال في الحياة الاجتماعيّة والأخلاقيّة!
تمثله تلك الفوارق الطبقيّة، والمشاحنات القبليّة التي لم تجعل من العرب أمةً يحسب لها حساب في العالم الدولي!
وتمثله تلك الفوضى الخلقيّة التي كانوا عليها!
وتمثّله تلك المظالم التي يزاولها الأقوياء ضد الضعفاء!
وتمثله حياة العرب بصفة عامّة، ووضعهم الذي لم يرفعهم منه إلا هذا الدّين، وحين كانوا يبيتون في مبيت واحد، ويفيضون إفاضة واحدة:
﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ (البقرة)!
كانت ولا شك تتواكب على خيالهم وذاكرتهم ومشاعرهم صور حياتهم الضالة الزّريّة الهابطة التي كانت تطبع تاريخهم كله، ثم يتلفّتون على أنفسهم ليروا مكانهم الجديد الذي رفعهم إليه هذا الدّين، والذي هداهم الله إليه بهذا الدّين، فيدركون عمق هذه الحقيقة وأصالتها في وجودهم كله بلا جدال!
стр. 1608
وهذه الحقيقة ما تزال قائمةً بالقياس إلى المسلمين من كل أمة ومن كل جيل:
من هم بغير هذا الدين؟
وما هم بغير هذه العقيدة؟
ويطالعنا قول الله تعالى:
﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ (المائدة)!
إنها الكعبة الحرام!
والأشهر الحرم!
منطقة الأمان، يقيمها الحق للبشر في زحمة الصراع بين المتحاربين والمتصارعين والمتزاحمين!
بين الرغائب والمطامع والشهوات!
فتحلّ الطمأنينة مكان الخوف!
ويحل السلام مكان الخصام!
وترفرف أجنحة من الحب والسلام!
وتدرّب النفس في واقعها العملي -لا في عالم الله والنظريات- على هذه المشاعر، وتلك المعاني، فلا تبقى مجرّد كلمات مجنحة ورؤى حالمة!
لقد جعل الله هذه المحرمات تشمل الإنسان والطير والحيوان بالأمن
стр. 1609
في البيت الحرام، وفي فترَة الإحرام بالنسبة للمحرم، حتى وهو لم يبلغ الحرم، كما جعل الأشهر الحرم الأربعة لا يجوز فيها القتل ولا القتال!
جعلها الله كذلك؛ لأنه أراد للكعبة -بيت الله الحرام- أن تكون مثابة أمن وسلام، تقي الناس الخوف والفزع!
كذلك جعل الأشهر الحرم، لتكون منطقة أمن في الزمان، كالكعبة منطقة أمن في المكان!
ثم مدّ رواق الأمن خارج منطقة الزمان والمكان، فجعله حقًّا للهدي -وهو النّعم- الذي يطلق ليبلغ الكعبة .. فلا يمسه أحد في الطريق بسوء، كما جعله لمن يتقلّد من شجر الحرم، معلناً احتماءه بالبيت العتيق!
لقد جعل الله هذه الحرمات، وجعل الكعبة البيت الحرام مثابةً للناس وأمناً!
حتى لقد امتنَّ به على المشركين أنفسهم؛ إذ كان بيت الله بينهم -كما أسلفنا- مثابةً لهم وأمناً، والناس من حولهم يتخطفون، وهم فيه وبه آمنون، ثم هم بعد ذلك لا يشكرون الله، ولا يفردونه بالعبادة في بيت التوحيد:
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ (القصص)!
إنها النظرة السطحيّة الخاطئة (١)، أوحت إلى هؤلاء أن اتباع هدى الله يعرضهم للمخافة، ويُغري بهم الأعداء!
стр. 1610
ومع ذلك فهم لا ينكرون أنه الهدى، ولكنهم يخافون في الوقت ذاته أن يتخطفهم الناس، وهم لا يدركون أن قوى الأرض لا تملك أن تتخطفهم وهم في حمى الله، ولا تملك أن تنصرهم إذا خذلهم الله، ذلك أن الإيمان لم يخالط قلوبهم!
ولو خالطها لتبدّلت نظرتهم للقوى، ولاختلف تقديرهم للأمور، ولعلموا أن الأمن لا يكون إلا في التزام منهج الله، وأن الخوف لا يكون إلا في البعد عن هُداه، وأن هذا الهدى موصول بالعزّة، وأن هذا ليس وهماً، وليس قولًا يقال لطمأنة القلوب .. إنما هو حقيقة عميقة، منشؤها أن اتباع هدى الله معناه الاصطلاح مع ناموس الكون وهداه، والاستعانة بهذه القوّة وتسخيرها في الحياة، والذي يتبع هُدى الله يستمدّ مما في الكون من قوى غير محدودة، ويأوي إلى ركن شديد في واقع الحياة!
وهُدى الله منهج حياة صحيحة .. حياة واقعة في هذه الأرض .. وحين يتحقق هذا المنهج تكون له السيادة الأرضيّة إلى جانب السعادة الأخرويّة!
وميزته أنه لا انفصال فيه بين طريق الدنيا وطريق الآخرة .. ولا يقتضي إلغاء هذه الحياة الدنيا أو تعطيلها ليحقّق أهداف الحياة الآخرة، إنما هو يربطهما معاً برباط واحد:
صلاح القلب!
وصلاح المجتمع!
وصلاح الحياة!
ومن ثم نبصر الطريق إلى الآخرة، فالدنيا مزرعة الآخرة، وعمارة هذه
стр. 1611
الأرض وسيادتها وفق المنهج الرباني وسيلة إلى سعادة الآخرة، بشرط اتباع هُدى الله والتوجيه إليه بالعمل، والتطلّع إلى رضاه!
وما حدث قطّ في تاريخ البشريّة أن استقامت جماعة على هدى الله إلا منحها القوّة والمنعة والسيادة في نهاية المطاف، بعد إعدادها لحمل هذه الأمانة .. أمانة الخلافة في الأرض، وتصريف الحياة!
وإن الكثيرين ليشفقون من اتباع شريعة الله، والسير على هداه .. يشفقون من عداوة أعداء الله ومكرهم .. ويشفقون من تألّب الخصوم عليهم .. ويشفقون من المضايقات في الحياة!
وإن هي إلا أوهام كأوهام قريش يوم قالت للرسول ﷺ :
﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾!
فلما تبعت هدى الله سيطرت على مشارق ومغاربها في ربع قرن أو أقلّ من الزمان!
وقد ردّ الله عليهم في وقتها بما يكذّب هذا العذر الموهوم!
فمن الذي وهبهم الأمن في رحاب الحرم الآمن؟
ومن الذي جعل الكعبة البيت الحرام قياماً للناس؟
ومن الذي جعل القلوب تهوي إليهم تحمل من ثمرات الأرض جميعاً؟ تتجمع في الحرم من كل أرض، وقد تفرّقت في مواطنها ومواسمها الكثيرة:
﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾!
فما بالهم يخافون أن يتخطفهم الناس لو اتبعوا هُدى الله، والله هو الذي مكّن لهم هذا الحرم منذ أيّام إبراهيم ﵇؟
стр. 1612
أفمن أمّنهم وهم عصاة، يدع الناس يتخطفونهم وهم تقاة؟
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾!
لا يعلمون أين يكون الأمن!
وأين تكون المخافة!
ولا يعلمون أن الأمر لله!
وهؤلاء الذين كانوا يدينون بحرمة البلد الحرام والبيت الحرام، ويستمدّون سيادتهم من عقيدة تحريم البيت، كيف لا يوحّدون الله الذي حرّمه وأقام حياتهم عليه!
ويطالعنا إعلان الرسول ﷺ أنه مأمور أن يعبد ربّ هذه البلدة الذي حرّمها، لا شريك له، وأن ربّ هذه البلدة هو ربّ كل شيء في الوجود، وأنه مأمور بأن يكون من المسلمين. والرّعيل الممتدّ في الزمن المتطاول من الموحدّين:
﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾ (النمل)!
ويطالعنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو ابن سعيد. وهو يبعث البعوث إِلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أحدِّثك قولاً قام به النبيّ ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلّم به: حمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"إِن مكّة حرّمها الله، ولم يُحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضدَ بها شجرةً، فإِن أحد ترخَّص لقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا: إِن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم،
стр. 1613
وإِنما أذن له فيها ساعةً من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلِّغ الشاهد الغائب".
فقيل لأبي شريح: ما قال عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، لا يعيذُ عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بخربة! (١)
وفي رواية عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ يوم افتتح مكّة: "لا هجرة، ولكن جهاد ونيّة، وإِذا استُنفرتم فانفروا، فإِن هذا بلدٌ حرّم الله يوم خلق السماوات والأرض، وهو حرام بحرمة الله إِلى يوم القيامة، وإِنه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحلّ لي إِلاّ ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إِلى يوم القيامة، لا يعضدُ شوكه، ولا يُنفَّر صيده، ولا يلتقطُ لُقطته إِلاّ من عرّفها, ولا يُختلى خلاها".
قال العباس: يا رسول الله! إِلاّ الإِذخر، فإنه لقَيْنهم ولبيوتهم، قال: "إِلا الإِذخر" (٢).
стр. 1614
ومن الطبيعي أن يحنّ المسلم، لا سيما الوافد من مكان بعيد إذا قضى حجّه، (١) وأدّى مناسكه، إلى مهجر رسول الله ﷺ !
إلى المسجد الذي انبثق منه النور، وانطلقت منه موجة الهداية والعلم، وقوّة (الدين القيم) في العالم كله!
إلى المدينة المنوّرة التي آوى إليها الإِسلام -كما سيأتي- وتمثّلت فصول التاريخ الإِسلاميّ الأوّل، وشهد ترابها جهاد الرسول ﷺ وصحبه ﵃، وابتل بدماء الشهداء، فيصلِّي في المسجد الذي تعادل صلاة فيه ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام!
يروي الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إِلا المسجد الحرام" (٢).
ويروي البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء رفعه: "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة" قال البزار: إسناده حسن. (٣)
ويشهد المسلم مواقف الشهداء والصّدّيقين، والسابقين الأوّلين، فيستمدّ
стр. 1615
الصدق والإيمان، والحبّ والحنان، والبطولة والشهادة، ويصلي ويسلّم على الرسول ﷺ ، ويتعرّف معالم الطريق إلى الله !
ويعود المسلم بذاكرته إلى مكّة، حين يقرأ ما رواه مسلم وغيره عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحلّ لأحدكم أن يحمل بمكّة السلاح" (١).
وفي رواية قال: قال النبي ﷺ : "إِن إِبراهم حرّم مكّة، وإِنِّي حرّمت المدينة، ما بين لابَتَيها, لا يُقطع عضاهها, ولا يُصاد صيدها" (٢).
ويقرأ ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة، ومنبري على حوضي" (٣).
وتسيطر علينا روحانيّة عالية، يعجز القلم عن تصويرها .. وتهبّ نفحات حرمة الزمان والمكان. ونتعرّف معالم الطريق إلى الأمن والسلام، في عالم أحوج ما تكون الإنسانيّة فيه إلى معرفة معالم هذا (الدّين القيم)، ليبصر العالم طريق الهداية إلى السلام الذي يسكبه هذا الدّين في الحياة كلها!