← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

الأرض وسيادتها وفق المنهج الرباني وسيلة إلى سعادة الآخرة، بشرط اتباع هُدى الله والتوجيه إليه بالعمل، والتطلّع إلى رضاه! وما حدث قطّ في تاريخ البشريّة أن استقامت جماعة على هدى الله إلا منحها القوّة والمنعة والسيادة في نهاية المطاف، بعد إعدادها لحمل هذه الأمانة .. أمانة الخلافة في الأرض، وتصريف الحياة! وإن الكثيرين ليشفقون من اتباع شريعة الله، والسير على هداه .. يشفقون من عداوة أعداء الله ومكرهم .. ويشفقون من تألّب الخصوم عليهم .. ويشفقون من المضايقات في الحياة! وإن هي إلا أوهام كأوهام قريش يوم قالت للرسول ﷺ : ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾! فلما تبعت هدى الله سيطرت على مشارق ومغاربها في ربع قرن أو أقلّ من الزمان! وقد ردّ الله عليهم في وقتها بما يكذّب هذا العذر الموهوم! فمن الذي وهبهم الأمن في رحاب الحرم الآمن؟ ومن الذي جعل الكعبة البيت الحرام قياماً للناس؟ ومن الذي جعل القلوب تهوي إليهم تحمل من ثمرات الأرض جميعاً؟ تتجمع في الحرم من كل أرض، وقد تفرّقت في مواطنها ومواسمها الكثيرة: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾! فما بالهم يخافون أن يتخطفهم الناس لو اتبعوا هُدى الله، والله هو الذي مكّن لهم هذا الحرم منذ أيّام إبراهيم ﵇؟

стр. 1612

أفمن أمّنهم وهم عصاة، يدع الناس يتخطفونهم وهم تقاة؟ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾! لا يعلمون أين يكون الأمن! وأين تكون المخافة! ولا يعلمون أن الأمر لله! وهؤلاء الذين كانوا يدينون بحرمة البلد الحرام والبيت الحرام، ويستمدّون سيادتهم من عقيدة تحريم البيت، كيف لا يوحّدون الله الذي حرّمه وأقام حياتهم عليه! ويطالعنا إعلان الرسول ﷺ أنه مأمور أن يعبد ربّ هذه البلدة الذي حرّمها، لا شريك له، وأن ربّ هذه البلدة هو ربّ كل شيء في الوجود، وأنه مأمور بأن يكون من المسلمين. والرّعيل الممتدّ في الزمن المتطاول من الموحدّين: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾ (النمل)! ويطالعنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو ابن سعيد. وهو يبعث البعوث إِلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أحدِّثك قولاً قام به النبيّ ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلّم به: حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إِن مكّة حرّمها الله، ولم يُحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضدَ بها شجرةً، فإِن أحد ترخَّص لقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا: إِن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم،

стр. 1613

وإِنما أذن له فيها ساعةً من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلِّغ الشاهد الغائب". فقيل لأبي شريح: ما قال عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، لا يعيذُ عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بخربة! (١) وفي رواية عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ يوم افتتح مكّة: "لا هجرة، ولكن جهاد ونيّة، وإِذا استُنفرتم فانفروا، فإِن هذا بلدٌ حرّم الله يوم خلق السماوات والأرض، وهو حرام بحرمة الله إِلى يوم القيامة، وإِنه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحلّ لي إِلاّ ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إِلى يوم القيامة، لا يعضدُ شوكه، ولا يُنفَّر صيده، ولا يلتقطُ لُقطته إِلاّ من عرّفها, ولا يُختلى خلاها". قال العباس: يا رسول الله! إِلاّ الإِذخر، فإنه لقَيْنهم ولبيوتهم، قال: "إِلا الإِذخر" (٢).

стр. 1614

ومن الطبيعي أن يحنّ المسلم، لا سيما الوافد من مكان بعيد إذا قضى حجّه، (١) وأدّى مناسكه، إلى مهجر رسول الله ﷺ ! إلى المسجد الذي انبثق منه النور، وانطلقت منه موجة الهداية والعلم، وقوّة (الدين القيم) في العالم كله! إلى المدينة المنوّرة التي آوى إليها الإِسلام -كما سيأتي- وتمثّلت فصول التاريخ الإِسلاميّ الأوّل، وشهد ترابها جهاد الرسول ﷺ وصحبه ﵃، وابتل بدماء الشهداء، فيصلِّي في المسجد الذي تعادل صلاة فيه ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام! يروي الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إِلا المسجد الحرام" (٢). ويروي البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء رفعه: "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة" قال البزار: إسناده حسن. (٣) ويشهد المسلم مواقف الشهداء والصّدّيقين، والسابقين الأوّلين، فيستمدّ

стр. 1615

الصدق والإيمان، والحبّ والحنان، والبطولة والشهادة، ويصلي ويسلّم على الرسول ﷺ ، ويتعرّف معالم الطريق إلى الله ! ويعود المسلم بذاكرته إلى مكّة، حين يقرأ ما رواه مسلم وغيره عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحلّ لأحدكم أن يحمل بمكّة السلاح" (١). وفي رواية قال: قال النبي ﷺ : "إِن إِبراهم حرّم مكّة، وإِنِّي حرّمت المدينة، ما بين لابَتَيها, لا يُقطع عضاهها, ولا يُصاد صيدها" (٢). ويقرأ ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة، ومنبري على حوضي" (٣). وتسيطر علينا روحانيّة عالية، يعجز القلم عن تصويرها .. وتهبّ نفحات حرمة الزمان والمكان. ونتعرّف معالم الطريق إلى الأمن والسلام، في عالم أحوج ما تكون الإنسانيّة فيه إلى معرفة معالم هذا (الدّين القيم)، ليبصر العالم طريق الهداية إلى السلام الذي يسكبه هذا الدّين في الحياة كلها!

стр. 1616

حقًّا، إننا أمّة تملك إنقاذ البشريّة من ويلات الجاهليّة وحربها المشبوبة في شتّى الصور والألوان .. ولكننا لا نملك ذلك قبل أن ننقذ أنفسنا مما نحن فيه، وقبل أن نفيء إلى ظلال الأمن والسلام! السلام الذي لا تجده البشريّة -ولم تجده يوماً- إلاّ في هذا (الدّين القيّم)، وفي منهجه ونظامه وشريعته ومجتمعه الذي يقوم على عقيدته وشريعته! وإن محنة الساعة التي تواجهنا، والتي سلبتنا مقدّساتنا، يجب أن نقول فيها كلمة حق، لا رياء فيها ولا زيف، ولا مداراة ولا حيف! وإذا أهملنا قضية (الدّين القيّم) بالمعنى الحقيقي ضاع الإنسان، وضاعت القيم، وضاع الأمن والسلام! حقوق الإنسان: وإن أوروبا عاشت في غفلتها وتأخرّها، وغفوتها وتخلفها، خلال القرون الوسطى في جوّ من التفكك الفكري والاجتماعي، يختلف تماماً عما كان عليه العالم الإِسلاميّ من حضارة زاهرة، حتى فتحت أعينها على روائع الحضارة الإِسلاميّة، وبدأت تحطم القيود والأغلال .. إلى أن كانت نهضتها الحديثة! في الوقت الذي ظهر فيه التخلّف والتفكّك في المجتمع الإِسلامي، والتخلّي عن حمل لواء الحضارة، والأمن والسلام، حتى كان ما كان من بسط النفوذ الاستعماري على مقدّراتنا، كما يشهد الواقع! وقد شهدت أوروبا في العصر الحديث حركات متعدّدة تتوخّى معالجة التخلّف، كما تتوخى مسح جراح الجماهير!

стр. 1617

وأفقنا نحن من غفلتنا الطويلة على ضجيج الحضارة الغربيّة الحديثة ومخترعاتها! وكما هي السنة الجارية من افتتان الضعفاء بالأقوياء، ساد الفكر- الثقافي المعاصر جَوٌّ من الإعجاب بالحركات السائدة في عالم الحضارة المعاصرة، يصحبه جَوٌّ من الشك فيما بين أيدينا من تراث عَقَدي وحضاري، وأمان وسلام، من حيث الصلاح للحياة الحديثة! وأخذ هذا الصوت يخفت شيئاً فشيئاً، بعد أن تكشفت الأمور! وجدير بنا أن نتعرّف الذي نام في النور! ونتعرّف حال الذي استيقظ في الظلام! الأول: يصدق على المسلمين، وأشعة الوحي تغمر ما حولهم، وتنير الطريق أمامهم إلى الأمن والسلام، وهم في غفلة! والثاني: يصدق على أولئك الذين استيقظوا في الظلام، وساروا بقوَّة، وهم في حرمان من شعاع يهديهم الطريق! ولا تزال النقائص تترى وتتتابع! وليس هناك ما يحول دون ذلك! وقصّة حقوق الإنسان مثل صادق لهذه المفارقات! وقد ادعت الأمم الأخرى أن العالم الإنسانيّ مدين لها بتقرير حق المساواة، وحق الحريّة، وحق الأمن والسلام! فذهبت أمّة إلى أنها أعرق شعوب العالم في هذا المضمار!

стр. 1618

وزعمت أخرى أن هذه الاتجاهات جميعًا وليدة ثورتها! وأنكرت أخرى على هذه وتلك هذا القول وأدعته لنفسها! والحق أن (الدّين القيّم) هو أوّل من قرّر هذه المبادئ، في أكمل صورة وأوسع نطاق! يظهر ذلك واضحاً جليًّا حين نذكر ميلاد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من ديسمبر عام ١٩٤٨ م! في الوقت الذي تطالعنا فيه حقوق الإنسان منذ بعث الله خاتم النبيين ﷺ ! ولا وجه للمقارنة بين حقوق الإنسان في الإعلان العالمي وحقوق الإنسان في الإِسلام! يروي مسلم وغيره قول الرسول ﷺ في حجة الوداع من حدثي طويل عن جابر ﵁: "إِن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهليّة تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهليّة موضوعة، وإِن أوّل دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعاً في بني سعد، فقتلته هذيل! وربا الجاهليّة موضوع، وأوّل رباً أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله! فاتّقوا الله في النساء، فإِنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشَكم أحداً تكرهونه، فإِن

стр. 1619

فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبَرِّح، ولهنّ عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف! وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إِن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عنِّي، فما أنتم قائلون؟! قالوا: نشهد أنك بلّغت وأدّيت ونصحت، فقال بإِصبعه السبابة، يرفعها إِلى السماء وَينْكُتُها إِلى الناس: اللهم! اشهد. اللهم! اشهد (ثلاث مرات) " (١). وإذا كان العصر الحديث قد ألجأته ظروف التوتر المتتابعة، والقلق المتزايد، لإقامة هيئة الأمم، ومجلس الأمن والإعلان العالمي لحقوق الإنسان -كما عرفنا- فإن من معالم (الدين القيّم) إقامة هذا المؤتمر العالمي بخصائصه الحيّة، ووسائله المباركة، على أنه عبادة، وأن المنطقة التي يكون فيها منطقة محرّمة، يحرم فيها الجدال والفسوق، والتنابز والعقوق، كما يحرم التعرّض بالأذى لكل مخلوق، حتى وجدنا الطير يعيش دون ما خوف، في حرمة الزمان، وحرمة المكان! وواضح أن هذه الضمانات لا يمكن أن تكون في المؤتمرات التي هي من صنع البشر، وهي تجعل للقويّ صوتاً نافذاً بما تعطيه من حق الاعتراض (الفيتو) كما يزعمون!

стр. 1620

ومعلوم أن من اعتمد على زاد مثله طال جوعه! ومن نام في مواطن الخطر طال هجوعه! ومن شغلته شهرته عن كرامته كثرت حسرته! ومن صرفته أحلامه عن تحقيق آماله ازدادت ندامته! وعجيب والله أمر من يحاول إطفاء النار بالبنزين! دعوة إبراهيم: ونذكر دعوة إبراهيم ﵇! ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ (إبراهيم)! ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (البقرة: ١٢٦)! واستجاب الله دعوة خليله إبراهيم ﵇، وهو يتوجّه إلى الله عقب بناء البيت وتطهيره، فجعل هذا البيت آمناً، وجعله عتيقاً من سلطة المتسلّطين، وجبروت الجبّارين، وجعل من يأوي إليه آمنًا والمخافة من حوله في كل مكان .. حتى حين انحرف الناس وأشركوا بربّهم عبادة الأصنام لأمر يريده سبحانه بهذا البيت الحرام! ويطول بنا الحديث لو حاولنا الوقوف أمام حادث أصحاب الفيل، وقد أفردناه بالحديث فيما سبق!

стр. 1621

كذلك الحديث عن مركز الدعوة العاليّة، وإثبات أن (الكعبة مركز العالم)، و (الإعجاز العلمي في إثبات الوسطيّة في المكان) (١). تلك إشارات إلى مكانة المسجد الحرام .. تبصرنا ببعض معالم وجوه الحكمة في اختياره بدء الإسراء .. والله أعلم! * * *

стр. 1622

مكانة المسجد الأقصى ودور اليهود عبر التاريخ

стр. 1623

مكانة المسجد الأقصى ودور اليهود عبر التاريخ • تاريخ المسجد الأقصى • في رحاب سورة الإسراء. • العصر الذهبي. • عهد الانقسام وزوال الملك. • مع الآيات القرآنيّة. • أشهر أقوال المفسّرين. • نبوءة المسيح ﵇. • رأي جديد. • سورة بني إسرائيل. • ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾. • ردّ الكرّة. • فرصة للاختيار. • بشرى للمؤمنين. • تعليق على المقال. • فتح المسلمين للقدس. • القدس الشريف. • خطبة الفاروق ﵁. • العهدة العمريّة. • أساطير التعصّب والحروب. • قذائف الحق. • نبوءة النصر.

стр. 1624

مكانة المسجد الأقصى ودور اليهود عبر التاريخ تاريخ المسجد الأقصى: وبعد أن ألقينا الضوء على مكانة المسجد الحرام، وأنه أوّل بيت وضع في الأرض للعبادة .. يطالعنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي ذرّ ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أيّ مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: "المسجد الحرام". قال: قلت: ثم أيّ؟ قال: "المسجد الأقصى". قال: قلت: كم كان بينهما؟ قال: "أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة فصله، فإن الفضل فيه". وفي رواية: حيثما أدركتك الصلاة فصلِّ، والأرض كلها مسجد" (١). قال ابن الجوزي (٢): فيه إشكال؛ لأن إبراهيم بني الكعبة، وسليمان بني بيت المقدس، وبينهما أكثر من ألف سنة. اهـ

стр. 1625

قال ابن حجر: ومستندة في أن سليمان ﵇ هو الذي بني المسجد الأقصى ما رواه النسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً بإسناد صحيح: "أن سليمان لمَّا بنى المسجد سأل الله تعالى خلالًا ثلاثاً ... " الحديث. وفي الطبراني من حديث رافع بن عميرة: "أن داود ﵇ ابتدأ ببناء المقدس، ثم أوحى الله إليه: إنّي لأقضي بناء على يد سليمان". وفي الحديث قصة. قال: وجوابه أن الإشارة إلى أوّل البناء، ووضع أساس المسجد! وليس إبراهيم أوّل من بني الكعبة، ولا سليمان أول من بني بيت المقدس، فقد روينا أن أول من بني الكعبة آدم، ثم انتشر ولده في الأرض، فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس، ثم بني إبراهيم الكعبة بنص القرآن، وكذا قال القرطبي: إن الحديث لا يدل على أن إبراهيم وسليمان لما بنيا المسجدين ابتدآ وضعهما لهما، بل ذلك تجديد لما كان أسسه غيرهما. قال ابن حجر: وقد مشى ابن حبان في صحيحه على ظاهر هذا الحديث فقال: في هذا الخبر ردّ على من زعم أن بين إسماعيل وداود ألف سنة، ولو كان كما قال لكان بينهما أربعون سنة، وهذا عين الحال لطول الزمان -بالاتفاق- بين بناء إبراهيم ﵇ البيت وبين موسى ﵇. ثم إن في نص القرآن أن قصة داود في قتل جالوت كانت بعد موسى بمدة. وقد تعقَّب الحافظ الضياء بنحو ما أجاب به ابن الجوزي. وقال الخطابي: يشبه أن يكون المسجد الأقصى أول ما وضع بناءه بعض

стр. 1626

أولياء الله قبل داود وسليمان، فزادا فيه ووسعاه، فأضيف إليهما بناؤه. قال: وقد ينسب هذا المسجد إلى إيلياء، فيحتمل أن يكون هو بانيه أو غيره، ولست أحقق لِم أضيف إليه؟ وقيل: الملائكة، وقيل: سام بن نوح ﵇، وقيل: يعقوب ﵇. فعلى الأوّلين يكون ما وقع ممن بعدهما تجديداً كما في الكعبة، وعلى الأخير يكون الواقع من إبراهيم أو يعقوب أصلًا وتأسيساً. ومن داود تجديداً لذلك، وابتداء بناء فلم يكمل على يده، حتى أكمله سليمان ﵇. لكن الاحتمال الذي ذكره ابن الجوزي أوجه. قال ابن حجر: وقد وجدت ما يشهد له، ويؤيد قول من قال: إن آدم هو الذي أسَّس كلاً من المسجدين. فذكر ابن هشام في (كتاب التيجان) أن آدم لمَّا بنى الكعبة أمره الله بالسير إلى بيت المقدس، وأن يبنيه، فبناه ونسك فيه، وبناء آدم للبيت مشهور، وأشار إلى حديث عبد الله بن عمرو: أن البيت المعمور رفع في زمن الطوفان حتى بوأه الله لإبراهيم! وقال: روى ابن أبي حاتم من طريق معمر عن قتادة قال: وضع الله البيت مع آدم لمَّا هبط، ففقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، فقال الله له: يا آدم، إنّي قد أهبطت بيتاً يطاف به، كما يطاف حول عرشي، فانطلق إليه، فخرج آدم إلى مكّة، وكان قد هبط بالهند ومدّ له في خطوه، فأتى البيت فطاف به! وقيل: إِنه لما صلّى إِلى الكعبة أُمر بالتوجه إِلى بيت المقدس، فاتّخذ فيه مسجداً وصلّى فيه، ليكون قبلة لبعض ذرّيّته!

стр. 1627

وأمّا ظن الخطابي أن إيليا اسم رجل ففيه نظر، بل هو اسم البلد، فأضيف إليه المسجد، كما يقال مسجد المدينة، ومسجد مكّة! وقال أبو عبيد البكري في (معجم البلدان): إيليا مدينة بيت المقدس، فيه ثلاث لغات: مدّ آخره، وقصره، وحذف الياء الأولى! وعلى ما قاله الخطابي يمكن الجمع بأن يقال: إنها سمّيت باسم بانيها كغيرها، والله أعلم! تلك هي الأقوال في بيان معنى الحديث كما أوردها الحافظ ابن حجر، رأيت ضرورة ذكرها لأهميّة ذلك! وقال الحافظ: قيل له الأقصى، لبعد المسافة بينه وبين الكعبة! وقيل: لأنه لم يكن وراءه موضع عبادة! وقيل: لبعده عن الأقذار والخبائث، والمقدّس: المطهّر عن ذلك! في رحاب سورة الإسراء: وسبق أن عرفنا فضل الصلاة في المسجد الأقصى .. وأنه قلب الأرض المقدّسة .. ومن ثمَّ نبصر الحديث عن سيرة موسى وبني إسرائيل، ونحن نقرأ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا

стр. 1628

أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾ (الإسراء)! وهذا الحديث في سورة الإسراء يتضمَّن نهاية بني إسرائيل التي صاروا إليها (١)؛ ودالت دولتهم بها، وتكشف عن مصارع الأمم وفشوّ الفساد فيها، وفاقاً لسنة الله المذكورة في قوله تعالى في نفس السورة: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾ (الإسراء)! وتطالعنا الآيات بذكر كتاب موسى -التوارة- وما اشتمل عليه من إنذار لبني إسرائيل، وتذكير لهم بما سبق من ذكر نوح والأوّلين الذين حملوا معه في السفينة، ولم يُحمل معه إلا المؤمنون: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ (الإسراء)! ذلك الإنذار، وهذا التصديق مصدّق لوعد الله الذي يتضمّنه سياق السورة كذلك بعد قليل:

стр. 1629

﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ (الإسراء)! وقد نصّ على القصد الأول من إيتاء موسى الكتاب: ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾! ولقد خاطبهم باسم آبائهم الذين حملهم مع نوح، وهم خلاصة البشريَّة على عهد نوح ﵇ .. ليذكرهم بهذا النسب، واستخلاص آبائهم الأوّلين .. مع نوح العبد الشكور، وليردّهم إلى هذا النسب المؤمن العريق! ووصف نوحاً بالعبوديّة لهذا المعنى ولمعنى آخر، هو تنسيق صفة الرسل المختارة وإبرازها .. وقد وصف بها محمداً ﷺ من قبل، على طريقة التناسق القرآنية في جو السورة وسياقها! ومعلوم أن الذين تترهّل نفوسهم وتأسن، وترتع في الفسق والمجانة، وتستهتر بالقيم، والمقدسات والكرامات، وتلغ في الأعراض والحرمات .. إذا لم يجدوا من يضرب على أيديهم عاثوا في الأرض فساداً، ونشروا الفاحشة وأشاعوها، وأرخصوا القيم العليا التي لا تعيش الشعوب الراقية إلا بها ولها! ومن ثمَّ تتحلّل الأمّة وتسترخي، وتفقد حيويتها، وعناصر قوّتها، وأسباب بقائها، فتهلك وتطوى صفحتها! وإذا ما قدّر الله لقرية أنها هالكة؛ لأنها أخذت بأسباب الهلاك، فكثر فيها المترفون، فلم تضرب على أيديهم، سلّط الله هؤلاء المترفين ففسقوا فيها، فعم فيها الفسق، فتحلّلت وترهّلت، فحقّت عليها سنّة الله، وأصابها الهلاك والدمار، ونزل الضياع والبوار!

стр. 1630

وهي المسؤولة عما يحل بها؛ لأنها لم تضرب على أيدي هؤلاء المفسدين، ولم تصلح من نظامها الذي يسمح بوجود هؤلاء المتحلّلين، فوجودهم ذاته هو السبب الذي من أجله سلّطهم الله عليهم ففسقوا, ولو أخذت عليهم الطريق فلم تسمح لهم بالظهور فيها ما استحقّت الهلاك، وما سلّط الله عليها من يفسق فيها ويفسد فيقودها إلى الهلاك! إن الله قد جعل للحياة البشرية نواميس لا تتخلّف، وسنناً لا تتبدّل، وحين توجد الأسباب تتبعها النتائج، فتنفذ إرادة الله، وتحق كلمته! والله لا يأمر بالفسق، ولا يأمر بالفحشاء، لكن وجود هؤلاء في ذاته دليل على أن الأمّة قد تخلخل بناؤها، وسارت في طريق الانحلال، وأن قدر الله سيصيبها جزاءً وفاقاً .. وهي التي تعرّضت لما أصابها بسماحها لهؤلاء بالوجود والحياة! فالإرادة هنا ليست إرادة للتوجيه القهري الذي ينشئ السبب؛ ولكنها ترتّب النتيجة على السبب .. الأمر الذي لا مفرّ منه؛ لأن السنّة جرت به .. والأمر ليس أمراً توجيهياً إلى الفسق، ولكنه إنشاء النتيجة الطبيعيّة المترتّبة على وجود هؤلاء المترفين، وهي الفسق! وهنا تبرز تبعة الجماعة في ترك النظم الفاسدة تنشئ آثارها التي لا مفرّ منها، وعدم الضرب على أيدي المفسدين فيها، كي لا يفسقوا فيها فيحقّ عليها القول فيدمّرها تدميراً! هذه السنة قد مضت في الأوّلين من بعد نوح، قرناً بعد قرن، كلما فشا التحلّل في أمّة انتهى بها إلى ذلك المصير، والله هو الخبير بذنوب عباده، البصير:

стр. 1631

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾! ونبصر الحديث في الآيات التي معنا يبدأ بذكر كتاب موسى وما اشتمل عليه من إنذار لبني إسرائيل، وتذكير لهم بهذا النبي -نوح- العبد الشكور، والأوّلين الذين حملوا معه في السفينة: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾! ذلك الإنذار وهذا التذكير مصداق لوعد الله الذي يتضمّنه سياق السورة كذلك، وذلك ألاّ يعذّب الله قوماً، حتى يبعث إليهم رسولًا ينذرهم ويذكّرهم .. وقد نصّ على هذا -كما سبق- ومن ثم فلا اعتماد إلا على الله وحده، فهذا هو الهُدى وهذا هو الإيمان .. ولقد خاطبهم باسم الآباء الذين حملهم مع نوح، وهم خلاصة البشريَّة على عهده .. ليذكّرهم باستخلاص الله للأوّلين، مع نوح العبد الشكور، وليردّهم إلى هذا النسب المؤمن العريق! في ذلك الكتاب الذي آتاه الله لموسى ﵇ ليكون هدى لبني إسرائيل، أخبرهم بما قضاه عليهم من تدميرهم بسبب إفسادهم في الأرض .. وتكرار هذا التدمير مرّتين، لتكرّر أسبابه من أفعالهم .. وأنذرهم بمثله كلما عادوا إلى الإفساد في الأرض، كما قضى الله سنته الجارية التي لا تتخلّف: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾!

стр. 1632

العصر الذهبي: وتطالعنا قصّة الملأ من بني إسرائيل، ونحن نقرأ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾ (البقرة)!

стр. 1633

والحديث هنا يطول .. وحسبنا أن نشير بإجمال إلى أن دولة اليهود لم يكن لها وجود من قبل، كما سبق أن بيّنا في حديثنا عن (أسطورة الوطن اليهودي) بما يجعلنا في غنى عن ذلك! وهنا نشير بإجمال إلى أن دولة اليهود قد تأسست برئاسة (طالوت) .. وتولّى الملك بعده (داود ﵇، وقد دام ملكه -كما تقول المصادر التاريخية- زهاء أربعين سنة، وكانت عاصمة ملكه في أول العهد (حبرون) التي تسمَّى (الخليل) الآن، أمّا المدّة الباقية، فكانت (أورشليم) وقد ازدهرت المملكة في عهده ازدهاراً عظيماً، واتسعت رقعتها، وشيّدت فيها المباني الفاخرة، والحصون المنيعة ورأت عهداً زاخراً بالأمان والاطمئنان والرخاء والقوة! (١) وبعد (داود ﵇، تولى ملك بني إسرائيل ابنه (سليمان ﵇ فازدهرت حالتهم في عهده رقيًّا ومنعة! ويصف أحد الكتاب حال بني إسرائيل في عهد (سليمان ﵇ فيقول: وفي عهد "سليمان" اعتزّ شأن الإسرائيليين، وامتدّ ملكهم من البحر الأحمر إلى نهر الفرات الكبير، وهابتهم الأمم المجاورة لهم .. وأرسل سفنه في الآفاق تجوب البحار، وتأتيه بالذهب والفضّة والأحجار الكريمة، وكانت مدّة حكمه أربعين سنة، ذاق فيها الإسرائيليون الهناء والرخاء! (٢) والخلاصة أن عهد حكم (داود وسليمان ﵉ لبني إسرائيل يعد

стр. 1634

العصر الذهبي لهم، والفترة الزاهية من تاريخهم، إذ اتسع فيها ملكهم، وعظم نفوذهم، وترادفت النعم والخيرات عليهم، ومع كل هذا لم يسلم (داود وسليمان) من افتراءات اليهود مما يطول فيه الحديث، فتلك هي طبيعة يهود! عهد الانقسام وزوال الملك: وبعد وفاة (سليمان ﵇ تولى (رحبعام) فانتشرت في عهده الفتن -كما يقول المؤرخون- وكثرت المنازعات، واضطربت الأحوال فأدّى ذلك إلى انقسامها إلى قسمين: مملكة يهوذا! ومملكة إسرائيل! أما مملكة يهوذا فكانت عاصمتها "أورشليم"، وملكها (رحبعام) وكانت تتكوّن من سبطي يهوذا وبنيامين، وقد تعاقب عليها واحد وعشرون ملكاً! وكانت نهايتها على يد (بخت نصر) الذي غزاها سنة ٥٨٨ ق. م فدمّرها تدميراً، وساق الأحياء من أهلها إلى "بابل"، ومكثوا في الأسر خمسين سنة، وما فعله (بخت نصر) (يسمّى خراب أورشليم الأول). وأمّا مملكة "إسرائيل" فكانت عاصمتها (السامرة) -نابلس الآن- وقد تأسّست كأختها مملكة "يهوذا" سنة ٩٧٥ ذ. م، وملكها (يربعام) أخو (رحبعام)، وكانت تتكوّن من بقية الأسباط العشرة، وقد تعاقب عليها تسعة عشر ملكاً، وكانت نهايتها على يد (سرجون) ملك آشور، الذي غزاها وانتصر عليها، وأجلى سكانها من اليهود إلى ما وراء الفرات، وكان ذلك سنة ٧٢١ ق. م.

стр. 1635

وفي سنة ٥٣٨ ق. م نشبت حرب بين (فورش) ملك الفرس، و (بخت نصر) ملك بابل، انتهت بانتصار ملك الفرس، فأصدر أمراً سنة ٥٣٦ ق. م يأذن فيه لليهود بالعودة إلى أورشليم، ولكن أكثر اليهود كانوا قد ألفوا الحياة البابليّة، وامتدّت بها أعراقهم، ومن ثم فقد تردّدوا في العودة إليها, ولم يقبل العودة إلا عدد قليل منهم، أكثرهم من سبطي يهوذا وبنيامين، وقد أعاد هؤلاء العائدون بناء الهيكل بتصريح من (قورش) سنة ٤١٥ ق. م تقريباً! ومن ذلك التاريخ أصبحت كلمة (اليهود) تعني من اعتنق اليهوديّة، ولو لم يكن من بني إسرائيل، وهذا هو الفرق بين اليهودي والإسرائيلي! وظلّ اليهود بعد ذلك يتولّى أمرهم كهنة منهم تحت رقابة حكام من الفرس، وكانت المناوشات بينهم لا تنقطع، إلى أن زال حكم الفرس عنهم سنة ٣٢٢ ق. م! وفي سنة ٣٢٣ ق. م التي مات فيها الإسكندر المقدوني، قسمت مملكته بين قوّاده، فكانت أورشليم من نصيب بطليموس ملك مصر، فحكمها بالعنف والشدة، رغم مقاومة اليهود له، وقد اضطرّ أمام ثوراتهم المتكرّرة إلى هدم جزء كبير منها، وقتل الكثيرين من سكانها، وإرسال مائة ألف إلى مصر سنة ٣٢٠ ق. م! وقد تعاقب البطالسة على حكم أورشليم فترة طويلة، بعضهم عامل اليهود فيها بالقسوة والشدة، وبعضهم عاملهم باللين والعطف، حتى استولى السلوقيّون عليها من البطالسة ١٩٨ ق. م! وقد أوقع السلوقيّون باليهود أشدّ الضربات وأقساها، فعندما احتل

стр. 1636

(أنطوخيوس) السلوقي أوشليم هدم أسوارها، ونهب ما فيها من أموال، وقتل من اليهود ثمانين ألفًا وأذلّ كهنتهم إذلالًا شديداً!! وفي سنة ١٦٨ ق. م قام اليهود بقيادة الكاهن (ماتياس) بثورة ضد السلوقيّين لم تنجح، ومات بعدها بعام واحد، فتولى ابنه الكاهن (مكابياس) قيادة الثائرين اليهود من جديد، وإلى هذا الكاهن تنسب أسرة المكابيين، وهم فريق من كهان اليهود اتصفوا بالحنكة وسعة الحيلة، وكانوا أقرب إلى القادة العسكريين منهم إلى رجال الدين، وقد استطاعوا أن يستقلّوا بحكم أورشليم لفترة من الزمان! وفي سنة ٦٣ ق. م بلغ الخلاف أشدّه بين المكابيّين، وضعف مركزهم، فانتهزت الدولة الرومانيّة هذه الفرصة، وانقضت على أورشليم فاحتلتها بقيادة (بمبيوس) الروماني! ومنذ ذلك التاريخ خضعت أورشليم لحكم الرومان، إلى أن استولى عليها الفرس سنة ٦١٤ م ثم عادت إلى الرّومان! ولنا حديث خاص عن فتح المسلمين لها سنة ١٥ هـ ٦٣٦ م في عهد عمر بن الخطاب ﵁، وبقيت بعد ذلك إسلاميّة، حتى اقتطع اليهود جزءاً كبيراً منها أقاموا عليه دولتهم سنة ١٣٦٧ هـ ١٩٤٨ م ... ومن ثمَّ نتحدّث عن معالم النصر على اليهود في العصر الحاضر! ولعلنا بهذا نكون قد ألقينا الضوء على تاريخ اليهود الإجمالي في فلسطين .. وقد تبيّن بجلاء ووضوح أهم ما تعرّض له اليهود!

стр. 1637

مع الآيات القرآنية: ونعود إلى قوله جلَّ شأنه: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾! نعود فنبصر هذا القضاء إخباراً من الله تعالى لهم بما سيكون منهم حسب ما سبق في علمه تعالى من مآلهم .. فالله قد قضى لبني إسرائيل في الكتاب الذي آتاه موسى أنهم سيفسدون في الأرض مرّتين، وأنهم سيعلون بغير حق على الناس ويستكبرون .. وكلما ارتفعوا بغير حق واتخذوا ذلك وسيلة للإفساد سلّط الله عليهم من عباده من يقهرهم ويستبيح حرماتهم ويدمّرهم تدميراً. وكان من مظاهر إفسادهم في الأرض تحريفهم للتوراة، وتركهم العمل بما جاء فيها، وقتلهم الأنبياء، وافتراؤهم واعتداؤهم على الذين يأمرون بالقسط من الناس، وشيوع الفواحش والرذائل فيهم! فإن قال قائل (١): وما فائدة أن يخبر الله تعالى بني إسرائيل في التوراة أنهم يفسدون في الأرض مرّتين، وأنه يعاقبهم على ما كان منهم بتسليط الأعداء عليهم للتدمير؟! فالجواب: أن إخبارهم بذلك يفيد أن الحق ﵎ لا يظلم الناس شيئاً، وإنما يعاقبهم على ما يكون منهم من إفساد ويعفو عن كثير، وأن رحمته مفتوحة للمفسدين متى أصلحوا وأنابوا إليه! وهناك فائدة أخرى لهذا الإخبار، نبصرها في تنبيه العقلاء، في جميع الأمم

стр. 1638

أن يحذروا من مواقعة المعاصي التي تؤدي بالأمة إلى الهلاك، وأن يحذّروا أممهم من ذلك، ويبصّروهم بعواقب العصيان والإفساد في الأرض، حتى لا يعرّضوا أنفسهم لعقوبة الله تعالى! والفائدة الثالثة من هذا الإخبار، بيان أن الأمم المغلوبة تستطيع أن تستعيد قوّتها، وأن تستردّ مجدها السالف، إذا صحت عزائمها على طاعة الله تعالى، والعمل بما جاءهم به الأنبياء عليهم صلوات الله وتسليماته! ومن فوائد إيراد هذا الخبر في القرآن الكريم، تنبيه اليهود المعاصرين للرسول ﷺ ، ومن على شاكلتهم .. إلى سنّة من سنن الله تعالى في خلقه، وهي أن الإفساد في الأرض، والانصراف عن طاعة الله سبحانه، وتعدّي حدوده، والمخالفة لأوامره، والعصيان لرسله .. كل ذلك يؤدّي إلى الخسران في الدّنيا والآخرة، فعلى اليهود ومن على شاكلتهم أن يؤمنوا بخاتم النبيّين ﷺ ، الذي ثبتت نبوّته ثبوتاً لا شك فيه، حتى يسعدوا في دنياهم وأخراهم! ثم بيّن الحق ﵎ أنه يسلّط عليهم بعد الإفساد الأول من يقهرهم، ويدمّرهم تدميراً، عقوبةً لهم على ما كان منهم فقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾! والمعنى: فإذا جاء وعد عقابكم، يا بني إسرائيل، على أولى المرّتين اللّتين تفسدون فيهما في الأرض، وجّهنا إليكم، وسلّطنا عليكم: ﴿عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾! ذوي قوة وبطش في الحرب الشديد: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾! تردّدوا بين المساكن لقتالكم، وسلب أموالكم، وتخريب دياركم: ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾!

стр. 1639

أي كان ذلك العقاب بسبب إفسادكم في الأرض وعداً نافذاً لا مردّ له، ولا مفرّ لكم منه! وهكذا يفسد اليهود في الأرض، فيبعث الله عليهم عباداً من عباده أولي بأس شديد، وبطش وقوة، يستبيحون الديار، ويروحون فيها ويغدون باستهتار، ويطؤون ما فيها ومن فيها بلا تهيّب، وكان ذلك وعداً لا يتخلّف! ثم بيَّن سبحانه أنه إذا ذاق بنو إسرائيل ويلات العذاب والقهر والذل (١)، فرجعوا إلى ربّهم، وأصلحوا أحوالهم، وأفادوا من البلاء المسلّط عليهم .. وحتى إذا استعلى الفاتحون، وغرّتهم قوّتهم، فطغوا هم الآخرون، وأفسدوا في الأرض، أدال الله للمغلوبين من الغالبين، ومكّن للمستضعفين من المستكبرين! ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾! فمن الواجب أن تقدروا هذه النعمة، وتحسنوا الاستفادة منها، فقد جرت سنّة الله تعالى أن يمنّ على الذين استضعفوا في الأرض، ويجعلهم أئمة، ويجعلهم الوارثين، متى استقاموا على طريق الحق، وخافوا مقامه، ونهوا أنفسهم عن الهوى! فعليكم يا بني إسرائيل، أن تذكروا نعمة الله عليكم، وأن تشكروه عليها أجزل الشكر، وأن تؤمنوا بنبيّه محمَّد ﷺ ، الذي تعرفون صدقه كما تعرفون أبناءكم!

стр. 1640

ثم تتكرَّر القصة من جديد! وقبل أن يتمَّ السياق القرآني بقيّة النبوة الصادقة والوعد المفعول، يقرر قاعدة العمل، والجزاء: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾! القاعدة التي لا تتغيّر في الدنيا والآخرة، والتي تجعل عمل الإنسان كله له، بكل ثماره ونتائجه .. وتجعل الجزاء ثمرة طبيعيّة للعمل، منه تنتج، وبه تتكيّف، وتجعل الإنسان مسؤولاً عن نفسه، إن شاء أحسن إليها، وإن شاء أساء، لا يلومنَّ إلا نفسه حين يحقَّ عليه الجزاء! فإذا تقرّرت القاعدة مضى السياق يكمل النبوءة الصادقة: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾! ويحذف السياق ما يقع من بني إسرائيل بعد الكرّة من إفساد في الأرض، اكتفاء بذكره من قبل: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾! ويثبت ما يسلطه عليهم في المرّة الآخرة: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾! بما يرتكبونه معكم من نكال يملأ النفوس بالإساءة، حتى تفيض على الوجوه، أو بما يجبهون به وجوهكم من مساءة وإذلال .. ويستبيحون المقدّسات، ويستهينون بها: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾! يقال: تبَره وتبَّره، وتبّر الله عمل الكافرين: أي أهلكه (١).

стр. 1641

قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ (الأعراف)! وقال جل شأنه: ﴿وَلا تَزِد الظَّالمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾ (نوح)! وفي دوله: ﴿وَلِيتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتبِيرًا (٧)﴾! يقول ابن جرير: وليدمّروا ما غلبوا عليه من بلادكم تدميراً، يقال منه: دمرت البلد: إذا خرّبته وأهلكت أهله! (١) وهي صورة للدمار الشامل الكامل الذي يطغى على كل شيء، والذي لا يُبقي على شيء، والذي نرى مشاهده في (غزَّة) الآن! وكان من ضروب إفسادهم في الأرض في هذه المرّة الثانية قتلهم زكريّا ويحيى ﵉ -كما تنطق آثارهم- ومحاولتهم قتل عيسى ﵇، وعدم تناهيهم عن منكر فعلوه، واستحلالهم لمحارم الله .. إلى غير ذلك من الرذائل التي فشت فيهم، واشتهروا بها في كل زمان ومكان، وفي كل جيل وقبيل! ثم بيّن الحق ﵎ أن هذا الدّمار الذي حلّ بهم بسبب إفسادهم في الأرض مرتين، قد يكون طريقاً لرحمتهم، وسبباً في توبتهم وإنابتهم، إن هم فتحوا قلوبهم للحق، واعتبروا بالحوادث الماضية، وفهموا عن الحق سنّته التي لا تتخلّف، وهي أن الإحسان يؤدّي إلى السعادة، والإفساد يؤدي إلى الهلاك! ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرحَمَكُمْ﴾! إن أفدتم منه عبرة!

стр. 1642

فأمَّا إذا عاد بنو إسرائيل إلى الإفساد فالجزاء حاضر، والسنة ماضية: ﴿وَإِنْ عُدتُم عُدنَا﴾! ولقد عادوا إلى الإفساد، حيث كذَّبوا الرسول ﷺ -كما هو معلوم، وكتموا ما جاء بشأنه في كتبهم، وهمّوا بقتله ﷺ أكتر من مرّة، وقدّموا له السمَّ .. فكانت المواجهة .. وكانت المعارك التي فصَّلنا القول فيها -كما سبق- حتى كان إجلاؤهم من الجزيرة كلها! ثم عادوا إلى الإفساد، فسلّط الله عليهم آخرين، حتى كان العصر الحديث -كما سيأتي- حيث اغتصبوا الأرض، وقتلوا النساء والأطفال، وعاثوا في الأرض فساداً .. وليسلّطنَّ الله عليهم من يسومهم سوء العذاب، تصديقاً لوعد الله القاطع، ووفاقاً لسنّته التي لا تتخلّف! وقد بدت المقدّمات للأيادي المتوضئة التي تستحق نصر الله .. وإنَّ غداً لناظره قريب! ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ...﴾ (الأعراف)! ثم بيَّن سبحانه عقوبتهم ومن على شاكلتهم في الآخرة: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾! مهاداً وبساطاً لهم، وسجناً حاصراً، لا رجاء لهم في الخلاص، بسبب كفرهم وبغيهم، ففي الدنيا لهم ما تقدّم وصفه من الإهلاك والتدمير، وفي

стр. 1643

الآخرة لهم عذاب السعير، المحيط بهم من جميع الجهات، جزاء فسادهم وإفسادهم .. تحصرهم فلا يفلت منهم أحد، وتتّسع لهم فلا يندّ عنها أحد! أشهر أقول المفسِّرين: هذا، مع أنه لم يصح عن الرسول ﷺ حديث في بيان المراد بالعباد الذين سلّطهم الحق ﵎ علي بني إسرائيل في مرتيّ هذا الإفساد! ومع أن إفساد بني إسرائيل قد حدث كثيراً، بحيث لا يُحصى ولا يُعدّ -كما أسلفنا- وأن المقصود من الآيات التي معنا إنما هو إظهار مرّتين حدث فيهما الإفساد منهم .. وأن نفس الآيات تدل على أن التسليط عليهم مستمرّ إلى يوم القيامة، بسبب كفرهم وفسوقهم: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾! ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾! ومع أن أقوال المؤرخين والمفسّرين قد اختلفت في المقصود من مرّتي إفسادهم، وفيمن سلّطه الله عليهم، على حسب ما يتراءى لكل قائل فيما حدث من بني إسرائيل من فساد، وما تبعه من عقوبات! ومع أن المقصود من سياق الآيات إنما هو بيان سنّة من سنن الله في الأمم، حال صلاحها وفسادها .. وأن القرآن -كما سبق- قد ساق هذا المعنى بأحكم عبارة! يقول ابن كثير بعد أن ذكر هذه الأقوال وعلّق عليها: (١) وفيما قصَّ الله علينا في كتابه غنية عما سواه من بقيّة الكتب قبله، ولم

стр. 1644

يحوجنا الله ولا رسوله إليهم، وقد أخبر الله عنهم أنهم لما طغوا وبغوا سلّط الله عليهم عدوّهم، فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم، وأذلّهم وقهرهم، جزاء وفاقاً، وما ربك بظلاّم للعبيد، فإنهم كانوا قد تمرّدوا وقتلوا خلقاً من الأنبياء والعلماء! ويروي ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾! قال: بعث الله عليهم في المرّة الأولى جالوت، فجاس خلال ديارهم، وضرب عليهم الخراج والذّلّ، فسألوا الله تعالى أن يبعث لهم ملكاً يقاتلون في سبيل الله، فبعث الله (طالوت) فنصر الله بني إسرائيل، وقتل جالوت بيد داود، ورجع إلى بني إسرائيل ملكهم، فلمّا أفسدوا بعث الله عليهم في المرة الآخرة (بخت نصر) فخرب المساجد وتبّر ما علوا تتبيراً، قال الله تعالى بعد الأولى والآخرة: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ قال: فعادوا فسلّط الله عليهم المؤمنين (١)! وفي رواية لهما -أيضاً- عن قتادة قال: أما المرّة الأولى فسلّط عليهم (جالوت)، حتى بعث (طالوت) ومعه (داود)، ثم ردّ الكرّة لبني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾

стр. 1645

أي عدداً، وذلك في زمان (داود): ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾! آخر العقوبتين: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾! وقال: ليقبحوا وجوهكم: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾! قال: كما دخل عدوهم قبل ذلك: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾! قال: يدمّرون ما علوا تدميراً، فبعث الله عليهم في الآخرة (يخت نصر) البابلي المجوسي، أبغض خلق الله إليه، فسبى وقتل وضرب بيت المقدس وسامهم سوء العذاب. (١) وهذا الرأي الذي نختاره -كما يقول الدكتور طنطاوي (٢) - نستند في اختيارنا له إلى أمور أهمها ما يلي: أولاً: ذكر القرآن الكريم عند عرضه لقصّة القتال الذي دار بين (طالوت) قائد بني إسرائيل وبين (جالوت) قائد أعدائهم ما يدلّ على أن بني إسرائيل كانوا قبل ذلك مقهورين مهزومين من أعدائهم، ويتجلّى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾! فقولهم كما حكى القرآن عنهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾! يدلّ دلالة قويّة على أنهم قبل قتالهم لـ (جالوت) كانوا قد هزموا على أيدي أعدائهم هزائم منكرة، اضطروا معها إلى الخروج من ديارهم ومفارقة أبنائهم!

стр. 1646

ثانياً: صرّح بعض المفسّرين بأن الأعداء الذين أخرجوا بني إسرائيل من ديارهم وأبنائهم هم قوم (جالوت)، وأنهم كانوا قد غلبوا بني إسرائيل، وقتلوا عدداً كبيراً منهم، وذلك قبل أن تعود الكرّة لبني إسرائيل عليهم بقيادة (طالوت)! قال الآلوسي: وكان سبب طلب بني إسرائيل من نبيّهم أن يبعث الله لهم ملكاً ليقاتلوا في سبيل الله، أن أعداءهم وهم العمالقة قوم (جالوت) ظهروا عليهم، وتغلّبوا على كثير من بلادهم، وضربوا عليهم الجزية! (١) ثالثاً: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾! صريح في أن الله تعالى نصر بني إسرائيل بعد أن تابوا وأنابوا على أعدائهم الذين قهروهم وأذلّوهم وجاسوا خلال ديارهم! وهذا المعنى ينطبق على ما قصّه القرآن الكريم علينا من أن بني إسرائيل بقيادة (طالوت) قد انتصروا على (جالوت) وجنوده، ومن أن داود قتل (جالوت)، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾! ولقد كان هذا النصر نعمة كبرى لبني إسرائيل؛ لأنه أتاهم بعد ما أخرجوا من ديارهم وأبنائهم، وبعد أن اعترضوا على اختيار (طالوت) ملكاً عليهم، وبعد أن قاتل مع (طالوت) عدد قليل منهم .. ولا شك أن هذا النصر في هذه الحالة أدعى لطاعة الله تعالى وشكره على آلائه!

стр. 1647

رابعاً: قوله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾! أكثر ما يكون انطباقاً على عهد حكم (داود) و (سليمان) ﵉ لبني إسرائيل، ففي هذا العهد الذي دام زهاء ثمانين سنة، ازدهرت مملكتهم، وعزّ سلطانهم، وأمدّهم الله خلاله بالأموال الوفيرة، وبالبنين الكثيرة، وجعلهم أكثر من أعدائهم قوة وعدداً! أمّا بعد هذا العصر الذهبي -كما أسلفنا- فقد انقسمت مملكتهم إلى قسمين: مملكة يهوذا! ومملكة إسرائيل! واستمرّتا في صراع ونزاع وتدهور، حتى قضى الآشوريون على مملكة إسرائيل سنة ٧٢١ ق. م، وقضى (بخت نصر) على مملكة (يهوذا) سنة ٥٨٨ ق. م! وتاريخهم بعد ذلك ما هو إلا سلسلة من المآسي والنكبات والعقوبات التي حلّت بهم من الشعوب المختلفة في شتّى مراحل التاريخ، بسبب فسادهم وإفسادهم في الأرض! وأمّا المراد بالعباد الذين سلّطهم الله على بني إسرائيل بعد إفسادهم الثاني في الأرض، فيرى جمهور المفسّرين أنهم البابليّون بقيادة (بخت نصر) .. الذي غزاهم ثلاث مرات: الأولى: سنة ٦٠٦ ق. م والثانية: سنة ٥٩٩ ق. م والثالثة: سنة ٥٨٨ ق. م

стр. 1648

وفي هذه المرّة الثالثة قتل الآلاف منهم، وهدم هيكلهم، وساق الأحياء أسارى إلى بابل! وهذا الرأي الذي قاله جمهور المفسّرين ليس ببعيد، لما ذكرنا من تنكيله بهم .. إلا أننا نؤثر على هذا الرأي أن يكون المسلّط عليهم بعد إفسادهم الثاني، هم الرومان بقيادة (تيطس) لأمور، أهمها: أولاً: الذي يتتبَّع التاريخ يرى أن رذائل بني إسرائيل في الفترة التي سبقت تنكيل الرومان بهم أشدّ وأكبر من رذائلهم التي سبقت (بخت نصر) لهم، وبالتالي كان تسليط الرومان عليهم أنكى وأقسى، فهم -على سبيل المثال- قبيل بطش الرومان بهم بقيادة (تيطس) كانوا قد قتلوا من أنبياء الله (زكريا) و (يحيى) ﵉-كما أسلفنا- وحاولوا قتل (عيسى) ﵇ واتخذوا لذلك كل السبل، ولكنهم لم يفلحوا لأسباب خارجة عن إرادتهم، وكانت الرذائل والمنكرات قد فشت فيهم، مما أدّى إلى لعنهم بسبب ذلك! ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ (المائدة)! فكانت ضربات الرومان القاصمة لهم، والهادمة لكيانهم، عقاباً مناسباً من الحق ﵎، نتيجة عصيانهم لأوامره، واعتدائهم على خلقه، وعدم تناهيهم عن منكر فعلوه! ثانياً: المفسرون يذكرون أن تسليط الله عليهم (بخت نصر) في المرّة الثانية من مرّتي إفسادهم، كان من أسبابه قتلهم لـ (يحيى) ﵇، و (بخت

стр. 1649

نصر) كان سابقاً على (يحيى) ﵇ في الزمن بأكثر من خمسة قرون، والذين كانت أورشليم تحت سيطرتهم في عهد (يحيى) ﵇ هم الرومان وقد قتل بنو إسرائيل (زكريّا) و (يحيى) ﵉ في عهدهم كذلك! وإذن فما ذكره المفسّرون من أن الله تعالى سلّط عليهم (بخت نصر) بعد إفسادهم بسبب قتلهم (يحيى) ﵇ ينطبق على عهد الرومان؛ لأنه كان معاصراً لهم .. ولا ينطبق على عهد (بخت نصر)؛ لأنه قبل (يحيى) ﵇ بأكثر من خمسة قرون كما ذكرنا! ثالثاً: ضربات الرومان في ذاتها كانت أشدّ وأقسى على بني إسرائيل من ضربات (بخت نصر) لهم، فمثلاً عدد القتلى من اليهود على يد الرومان بقيادة (تيطس) بلغ مليون قتيل، وبلغ عدد الأسرى نحو مائة ألف أسير -كما يقول المؤرخون (١) - بينما عدد القتلى والأسرى على يد (بخت نصر) كان أقل من هذا العدد بكثير، ولقد وصف المؤرّخون النكبة التي أوقعها (تيطس) باليهود بأوصاف تفوق بكثير ما وصفوا به ما أوقعه بخت نصر بهم! يقول أحد الكتّاب واصفاً ما حلّ على يد تيطس: كان (تيطس) في الثلاثين من عمره، حينما وقف سنة ٧٠ م أمام أسوار أورشليم على رأس جيشه، وبدأت المدينة تعاني أهوال الحصار، وتقاسي في الوقت نفسه هولًا أكبر، هو هول الحرب الأهليّة، فقد احتلّ المتعصّبون والمتطرّفون ورجال العصابات من اليهود أحياء المدينة، وأخذوا يشنّون هجمات وحشيّة على أحيائها الأخرى، حتى جرت الدماء في الطرقات، وسرت المجاعة

стр. 1650

اليهوديّة، فكانوا يخرجون على أيديهم وأرجلهم كما لأشباح الذّابلة، تسبقهم الشائعات بأنهم قد ابتلعوا ذهبهم في بطونهم، فكان الجنود يفتحون بطونهم بعد قتلهم بحثاً عن الذّهب .. وبعد أن اقتحم (تيطس) وجنده المدينة أصدر أمره إليهم أن احرقوا وانهبوا واقتلوا؛ فأموال اليهود وأعراضهم حلال لكم .. وقد أحرق الرومان معبد اليهود ودمّروه! نبوءة المسيح ﵇: وتحقّقت نبوءة المسيح ﵇ حين قال: (ستلقى هذه الأرض بؤساً وعنتاً، وسيحلّ الغضب على أهلها وسيسقطون صرعى على حدّ السيف، ويسيرون عبيداً إلى كل مصر وستطأ أورشليم الأقدام). (١) رابعاً: النكبة التي أنزلها الرومان بقيادة (تيطس) باليهود -من حيث آثارها- أشنع بكثير من النكبة التي أنزلها بهم (بخت نصر)؛ لأنهم بعد تنكيل (بخت نصر) بهم وسجنهم في أسره زهاء خمسين سنة، عادوا إلى أورشليم مرة أخرى بمساعدة (قورش) ملك الفرس، وبدأوا يتكاثرون من جديد .. أما بعد تنكيل الرومان بهم فلم تقم لهم قائمة، ومزّقوا في الأرض شرّ ممزّق، وانقطع دابرهم كأمّة، وقضي على كيان مجتمعهم .. ولقد وصل بالرومان أنهم في سنة ١٣٥ م دمّروا أورشليم تدميراً تاماً، وحرقوا أرضها، وخلطوها بالملح، حتى لا ينبت بها الزرع، وأقام الإمبراطور الروماني (أدريانوس) مكان الهيكل اليهوديّ هيكلاً وثنياً باسم الإله المشترى -إذ لم تكن الكنيسة قد اعترف بها بعد، وبقي هذا
следующие страницы →