← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وإن كنت حاكماً فاقتد بسنته وأعماله ﷺ ، حين مَلَك أمر العرب، وغَلَب على آفاقهم، ودان لطاعته عظماؤهم، وذوو أحلامهم! وإن كنت تعيش في وطن غير إسلامي، ذلك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، أيّام كان بمكة قبل الهجرة! وإن كنت فاتحاً غالباً، ذلك في حياته ﷺ نصيب أيام ظفره بعدوه في (بدر) وغيرها! وإن كنت مصاباً فاعتبر به ﷺ في يوم (أحد)، وهو بين أصحابه القتلى، والمثخنين بالجراح! وإن كنت معلِّماً فانظر إليه وهو يعلّم أصحابه في صُفّة المسجد وغيرها! وإن كنت متعلّماً فتصور مقعده ﷺ بين يدي الروح الأمن جاثياً مسترشداً! وإن كنت داعياً ناصحاً مرشداً أميناً، فاستمع إليه ﷺ وهو يعظ الناس! وإن أردت أن تقيم الحق، وتصدع بالمعروف، ولا ناصر لك، ولا معين، فانظر إليه بمكة، والطائف .. لا ناصر ينصره، ولا معين يعينه، وهو ﷺ يشكو إلى الله أمره، ومع كل ذلك يدعو إلى الحق، ويُعلن به! وإن هَزَمْت عدوك، وخضّدت شوكته، واستتبّ لك الأمر، ولا ترى من عدوك خطراً، فانظر إليه ﷺ يوم دخل مكة وفتحها! وإن أردت أن تصلح أمورك، وتقوم على ضياعك، فانظر إليه ﷺ وقد مَلك من الغنائم ما ملك، كيف دبّر أمورها، وأصلح شؤونها، وفوّضها إلى من أحسن القيام عليها! وإن كنت يتيماً فانظر إلى يتمه ﷺ !

стр. 212

وإن كنت شابًّا عاملاً فاقرأ سيرته ﷺ ، وهو يرعى الغنم! وإن كنت قاضياً أو حكماً فانظر إليه ﷺ حين قصد الكعبة ليضع الحجر الأسود في محله، وقد كاد رؤساء مكة يقتتلون، ثم ارجع البصر إليه مرة أخرى، وهو في فناء مسجد المدينة، يقضي بين الناس بالعدل، يستوي عنده الفاقد والواجد، الفقير المعدم والغني المثري، والقريب والبعيد! وإن كنت زوجاً فاقرأ السيرة الطاهرة، والحياة النظيفة العفيفة النزيهة للرسول ﷺ في البيت! وإن كنت أباً فتعلم ما كان عليه الرسول ﷺ ، وكيف كانت الحياة المثاليّة! وأيًّا من كنت، وفي أي شأن كان شأنك، فإنك مهما أصبحت وأمسيت، وعلى أي حال بتّ أو أضحيت، فلك في حياة الرسول ﷺ الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، تضيء لك بنورها دَياجي الحياة، وينجلي لك بضوئها ظلام العيش، فتُصلح ما اضطرب من أمورك، وتثقف بهديه أوَدك، وتُقوِّمُ بسنته عوجك، وصدق الله العظيم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب]! إن هذه الآية الكريمة -كما أسلفنا- تحمل في ألفاظها القليلة معاني كثيرة جليلة غزيرة، فقد أرشدت إلى الاقتداء بالرسول ﷺ ، وأومأت إلى أنه أقوم الخليقة منهجاً، وأشرفهم حالاً، وأطيبهم كلاماً، وأفضلهم أعمالاً! وتدعو إلى التأسي به ﷺ في أخلاقه وأفعاله، فيما هو مطلوب منا أن نتأسى به، في ثباته في الشدائد وهو مطلوب، وصبره على البأساء والضراء وهو مكروب لا يخور في شديدة، ولا يستكين لعظيمة أو كبيرة، ولقد لقي ما لقي مما يشيب النواصي، وهو مع الضعف يصابر صبر المستعلي، ويثبت ثبات المستولي!

стр. 213

وقد اقتدى به السلف الصالح في احتماله لما كان يلاقيه في سبيل الدعوة إلى الحق من العناء والمكابدة، وفي صلته بالأفراد والجماعات، ومعاملته لهم، ودعوته إلى الحق، وإرشادهم إلى وجوه الخير، وسبل السعادة! وتدعو إلى التأسّي بالرسول ﷺ في صدق جهاده وقوة صبره على أدواء الحياة وشظفها وشدة أزماتها، وتحمل أشد البلاء في سبيل نشر رسالته؛ لإعلاء كلمة الله، ومجاهدة شراذم الكفر، وأهل النفاق، ليعلموا أن خَلَف هذه الأمة كسلفها لهم في رسول الله أسوة حسنة، ولن يتحقق هذا إذا اقتصر التأسي على المظاهر التي لا تكلف قليلاً أو كثيراً، ولا تؤثر في رفع راية العقيدة من قريب أو بعيد، وإنما يكون التأسي على هذا المستوى، ولن يتحقق ذلك التأسي إلا لمن صفا قلبه، واستنار بنور الهداية فؤاده، واستوى في الإخلاص للإسلام باطنه وظاهره، وهذا لا يكون إلا بمعرفة ما يجب على كل مؤمن بهذا (الدين القيم)، ومن كان يرجو الله واليوم الآخر، وهذا معنى التأسي بالرسول وتأكيده برجاء اليوم الآخر، والإيمان بمجيئه لتوفية كل عامل جزاء عمله، وأمارة ذلك أن يذكر العبد ربه ذكراً قلبيًّا، يغسل درن النفاق، حتى يخلص الجَنان للرحمن ويثبت على ذلك، وذكراً لسانيًّا يتطابق مع الذكر القلبي، ليكون ذلك عنواناً على إخلاص الإيمان وصدق اليقين! ولو كان مقدراً لهذا العالم الإسلامي أن يموت، لمات في خلال القرون الطويلة التي مرت به (١)، وهو مكبّل بالقيود، في حالة إعياء عن الحركة، بعد أن حمل عبء الحضارة الإنسانيّة طويلاً، وبعد أن تعب فاسترخى فنام!

стр. 214

في الوقت الذي تحرك صوب القيادة حزب الشيطان، بعد أن تخلّى عن القيادة والريادة عباد الرحمن! ومن ثم دانت معظم أطراف الأرض لحزب الشيطان! وكان الثقل على صدر العالم الإسلامي النائم! تُرى، لو كان مقدّراً لهذا العالم الإسلامي أن يموت، لمات في خلال فترة الاسترخاء والإعياء، وفي إبان حركة حزب الشيطان! ولكنه لم يمت؛ بل انتفض حياً متفاعلاً، يزيل الركام الهائل عن صدره، وينفض النوم العميق عن جفنه، ويحطم الأغلال، ويكسر القيود! وحيثما مد الإنسان بصره اليوم شعر بهذه الانتفاضة الحيّة، وشعر بالحركة المتفاعلة، حتى الشعوب التي ما تزال في أعقاب دور الاسترخاء، والتي ما تزال مرهقة بالأثقال، حتى هذه الشعوب يدرك المتأمل في أحوالها أن الحياة تدبّ في أوصالها، ويرى خلال الرماد وميض نار توشك أن يكون لها ضرام! تُرى، ما الذي احتفظ لهذه الشعوب بحيويّتها الكامنة بعد قرون كثيرة وعديدة، طويلة الأمد، من النوم والاسترخاء، ومن الضعف والخمود، ومن الهبوط والركود، ومن أساليب الجحود والكنود، والضغط والقسر، والاحتلال البغيض الذي بذل جهده لتقطيع أوصالها، وإخماد أنفاسها؟! إنه الإيمان المتمثّل في العقيدة القوّية العميقة، التي لم يستطيع حزب الشيطان قتلها، على الرغم من كل تلك الجهود المتواصلة المتواكبة، التي وجهت إلى الفكر والروح، والاجتماع والسياسة! هذه العقيدة التي تدعو معتنقيها إلى المقاومة والكفاح، لتحقيق الاستعلاء على حزب الشيطان وألاعيبه، وعدم الخضوع للظالمين!

стр. 215

ومن ثم أبصرنا الفجر يبعث خيوطه، والنور يتشقق به الأفق، بعد ليل طال أمده! وإذا بالصادقين من الخلف يسيرون على نهج السلف الصالح، في صحوة إلى غير سبات! ويوم تمسك سلفنا بالكتاب والسنة، وكان لهم في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، تسلّموا قيادة العالم وريادته، وجاء من بعدهم خلف انحرفوا فانجرفوا، واستمروا في الهبوط، حتى تخلفت الأمة، وحينئذ جاءتها: - قارعة التتار! بيد أنها لم تستخلص الدرس، فأصابتها: - جحافل الغرب! واستيقظت بعض اليقظة حين رفعت مصر العار والشنار عن الأمة في مواجهة الشرق وهزيمته، والغرب وهزيمته! - وجاءت مصيبة الأندلس! - ثم كارثة فلسطين! بيد أن الأمل قائم في أن ترجع إلى هذه الأمة سيرتها الأولى إذا ما كان لها في الرسول ﷺ أسوة حسنة! وهنا نبصر الفجر قد أشرقت أنواره، وبدت مطالعه! ونبصر قلوباً تتطلع إلى الخير والمستقبل المليء بالخير! ونحس بأننا خلف صالح لسلف صالح!

стр. 216

٧ - واجبنا نحو الرسول ﷺ -: ولا نحسب أحداً من البشر كائناً من كان، نال من الحبّ والإعجاب ما ناله خاتم النبيّين محمد ﷺ ! ولا نحسب أتباع نبيّ من الأنبياء تربطهم بأنبيائهم تلك الرابطة التي تربط المسلمين برسولهم وحبيبهم، حيث لا يمنعهم من تقديسه شيء إلا أن الله -جل شأنه- نهاهم أن يتوجهوا بالعبادة والتقديس لأحد سواه! ومع ذلك فإن درجة الحبّ التي يتوجهون بها إلى الرسول ﷺ تكاد تفلت أحياناً في قلوب البعض؛ فلا يُمسكها هذا النهي إلا بجهد جهيد! وإن الكثيرين لتصيبهم حالات من الوجد في حب الرسول ﷺ ، حتى تختلج المشاعر والخواطر، وتتجمع عبرات وعبرات تتكوّن خضوعاً، وتتلاقى خشوعاً، لتتساقط دموعاً! وإن الحديث عن حب الرسول ﷺ ذو شجون وشؤون! وحسبنا أن مقياس الإيمان بالله هو امتلاء القلب بمحبة رسول الله، بحيث تغدو تلك المحبة متغلبة على حب الولد والوالد والناس والنفس! يروي الشيخان وغيرهما عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إِليه من والده وولده والناس أجمعين" (١)!

стр. 217

ويروي البخاري عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي ﷺ ، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله! لأنت أحبّ إِليّ من كل شيء إِلا من نفسي، فقال النبي ﷺ : "لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحبّ إِليك من نفسك". فقال له عمر: فإِنه الآن والله! لأنت أحب إِليّ من نفسي، فقال النبي ﷺ : "الآن يا عمر" (١)! ويصور لنا مدى الحب في صورة عمليّة ما رواه مسلم وغيره عن أنس قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ والحلاق يحلقه، وأطاف به أصحابُه، فما يريدون أن تقع شعرة إِلا في يد رجل (٢)! وفي رواية له قال: دخل علينا النبي ﷺ ، فقال عندنا - فَعَرِق، وجاءت أمّي بقارورة -فَجَعلتُ تَسْلِتُ العرق فيها- فاستيقظ النبي ﷺ ، فقال: "يا أم سُلَيم! ما هذا الذي تصنعين"؟ قالت: هذا عرقُك نجعله في طيبِنا، وهو مِنْ أطيب الطيب! وفي رواية قال: كان النبي ﷺ يدخل بيت أم سُلَيمْ، فينام على فراشها -وليست فيه- قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها - فأُتيتْ فقيل لها: هذا النبي ﷺ نام في بيتك، على فراشك، قال فجاءت وقد عَرِقَ، واستَنقَعَ عَرقُه على قطعة أديم، على الفراش، ففتَحت عَتيدتَهَا، فجعلت تُنَشِّفُ ذلك العرق فتعصِرهُ في قواريرها، ففزع النبي ﷺ فقال:

стр. 218

"ما تصنعين يا أم سُليم؟ " فقالت: يا رسول الله! نرجو بركته لصبياننا، قال: "أصبت"! وفي رواية عن أنس عن أم سُليم: أن النبي ﷺ كان يأتيها فيَقيل عندها، فتبسُط له نطْعاً فيقيل عليه، وكان كثير العرق -فكانت تجمع عرقه فتجعلُه في الطّيبَ والقوارير- فقال النبي ﷺ : "يا أم سليم! ما هذا؟ " قالت: عرقك أدُوفُ به طيبي! قال القرطبي في تصوير حال من آمن إِيماناً صحيحاً ومدى الصلة بهذا الحب للرسول ﷺ : (كل من آمن بالنبي ﷺ إيماناً صحيحاً لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبّة الراجحة، غير أنهم متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقاً في الشهوات، محجوباً في الغفلات في أكثر الأوقات، ولكن الكثير منهم إذا ذُكر النبي ﷺ اشتاق إلى رؤيته، بحيث يؤثرها على أهله وولده وماله ووالده، ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة، ويجد مخبر ذلك من نفسه وجداناً لا تردد فيه) (١)! وحب الرسول ﷺ مستمر، وليس محصوراً في الوجود؛ لأنه يأتي في نصرة السنة النبويّة، والتأسّي بالرسول، والذّب عن رسالته، وهذا هو الطريق للبقاء الأبدي في النعيم السرمدي! يروي مسلم وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من أشد أمتي لي حبًّا، ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني، بأهله وماله" (٢)!

стр. 219

وفي الصورة المقابلة نبصر عطاء الرسول ﷺ فيما يرويه مسلم وغيره عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإِنا إِن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إِخواننا"! قالوا: أولسنا إِخوانك يا رسول الله؟ قال: "أنتم أصحابي، وإِخواننا الذين لم يأتوا بعد .. " الحديث (١)! في هذا المقام الذي ينسى الإنسان فيه كل شيء .. ينسى الدنيا بما فيها، ويتذكر الآخرة! يود الرسول ﷺ أن قد رآنا، ويرفعنا إلى درجة الأخوة! يا لجلال التعبير النبوي الكريم! "وددت أنا قد رأينا إِخواننا"! يا لعظمة هذا النبي ﷺ .. وهو يرسل هذا الودّ، ويقرّر تلك الأخوة! وهو خير الخلق وخاتم النبيّين ﷺ ، وهذا يحرّك فينا ضرورة التأسي به، والتمسك بسنته! لقد أعطانا الرسول ﷺ الحب المثالي اللائق به، والذي لا نقدر عليه بحال! وحسبنا -كذلك- أن نذكر ما رواه مسلم وغيره عن عبد الله بن عمر وابن العاص: أن النبي ﷺ تلا قول الله في إِبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ [إبراهيم]! وقال عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة]! فرفع يديه، وقال: "اللهم!

стр. 220

أمتي أمتي"! وبكى، فقال الله : يا جبريل! اذهب إِلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل ﵊ فسأله - فأخبره رسول الله ﷺ بما قال: وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل! اذهب إِلى محمد فقل: إِنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك (١)! أرأيت كيف بكى الرسول ﷺ شفقة علينا، ورحمة بنا؟! أرأيت هذه العبرات التي تعجز الكلمات عن تصويرها إلا بعبرات وعبرات، ولكن أنى لنا بعبرات تقترب مجرد اقتراب من بكاء الرسول ﷺ وهو يدعو لنا! هنا يحق لنا أن ندرس سيرته للتأسي به ﷺ .. ولكن ما كان لنا أن نقف عند هذا الحدّ مع عظمته .. فلنتقدّم إلى الأمام، إلى الناحية الإيجابيّة، إلى التأسي بالرسول ﷺ .. فهناك الكثيرون ممن يتشدّقون بالحبّ، وقد تتساقط دموعهم، حتى وهم ينحرفون بهذا الحب إلى لون من التقديس! ذلك أنه حب عاطفي سلبي وكفى، لا صدى له في واقع الحياة والسلوك! إن صورة الحبّ في قلوب هؤلاء لتعاني عزلة وجدانيّة عميقة، كما تعاني بُعداً في السلوك والفهم والإدراك؛ لأنها صورة منعزلة في الوجدان .. وليست صورة حيّة متحرّكة في واقع الحياة، شاخصة في سلوك أصحابها وأفكارهم ومشاعرهم وخواطرهم وماديّاتهم وروحانيّاتهم على سواء! ولا شك أن لهذه العزلة أسباباً ترجع في جملتها إلى واقعنا كأمة تعيش كما نرى ونشاهد ونعايش! لا كما عاش السلف الصالح، حكماً وتشريعاً، ودستوراً ونظاماً، حيث كانت الأسوة بالرسول ﷺ طابع الأمة، وحيث كانت الأمة تحسّ

стр. 221

إحساساً عميقاً بأنها على الدرب تسير وفق سنة رسول الله، وأن تعاليم الرسول ﷺ قائمة، وإن غابت ذاته الرفيعة في الحسّ! وما عالم الحسّ من واقع النفس؟! إن الأمور لا تقاس بوجودها أو عدم وجودها في عالم الحس وحده؛ وإنما تقاس بمقدار ما توجد في عالم النفس، وبالمكانة التي تملؤها من المشاعر والخواطر والأفكار والسلوك على سواء! فهل تحسّ -يا أخي- بالحبّ للرسول ﷺ ؟! هل تحسّ بالحبّ الإيجابي الممتلئ بالحيويّة؟! هل تحسّ بالحبّ الإيجابي الذي يدفعك دفعاً إلى السير قدماً في الطريق لا تتردّد ولا تتلفّت، ولا تتحيّز لنفسك، ولكن تبلغ دعوة الله، حتى يرى بعضنا بعضاً، في دائرة الحبّ الإيجابي الخالص لله ولرسوله ولمن آمن بالله ورسوله؟! وسيظل الحبّ هو الروح الساري اللطيف، وستظل الدنيا خاشعة خاضعة أمام عطاء هذا الحب وعظمة الرسالة والرسول ﷺ ! ستظل خاشعة خاضعة أمام هذه العلاقة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها! ستظل خاشعة خاضعة أمام تلك العظمة التي تعجز الكلمات عن تصويرها! وسيظل التاريخ يذكر أن تلك المعالم حين وجدت اهتزّ إيوان كسرى، وترنّح قصر قيصر، وتمرّغ الباطل في الرغام! وإذا الحفاة الذين لم يكن لهم شأن أمام الفرس والروم قد هزموا الباطل ..

стр. 222

وورثوا عرش هذا وتاج ذاك .. واندفعوا بهذا (الدّين القيّم)، حتى بلغوا أسوار الصين، وانطلقوا حتى وصلوا إلى ساحل المحيط الأطلسي .. وأقاموا دولة إسلاميّة في إسبانيا، ووصلوا إلى فيينا! وكان ذلك ما شهدته الدنيا، وسجّله التاريخ! وهنا تحضرني قصة عجيبة حدثت منذ أكثر من ألف عام في أرض فارس، على يد ابن سينا، حين قال غلامُه: لستُ أدري بأي شيء يفضلك محمد ﷺ : كلمة غليظة كبيرة، بيد أن ابن سينا قال: (يا بنيّ، سأخبرك غداً عن هذا الأمر، وكان الوقت شتاء، والجو في شدة من البرودة لا يكاد يتحمّلها الإنسان، وفي منتصف الليل طلب ابن سينا من كلامه أن يحضر له الماء الدافئ للوضوء، فإذا بالغلام يقول له: دعني بعض الوقت فإنني متعب، ولو انتظرت قليلاً لقمتُ، وغلب النوم على ذلك الغلام، ومضت نصف ساعة ثم ساعة، وابن سينا يكرّر القول على الغلام، حتى نبّهه مؤذّن الفجر، وإذا بهم يستمعون من فوق المئذنة إلى كلمات المؤذن: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، واستمر إلى آخر الأذان، وهنا قال ابن سينا: يا بنيّ، هذا وقت تعليمك، قم الآن واستمع إلي ما أقول: إننا الآن في أرض فارس، وبيننا وبين العرب حيث قام الإسلام وظهر النبي ﵊ مسافة ضخمة، وبيننا وبينهم قرون متطاولة، وهو نبي عربي، والذي فوق المئذنة رجل من فارس، بينه وبين النبي ﵊ من الناحية الزمانيّة قرون، ومن الناحيّة المكانية أميال، وبينهما عجمة في لسان هذا،

стр. 223

وفصاحة في لسان النبي ﵊، ولكنه جاء في الليل الشديد البرد، على رغم هذا كله، وصعد فوق أعلى مكان في المدينة، وفي أبرد الأوقات في جوف الليل ليقول: أشهد أن محمداً رسول الله، وأنا معلمّك أعلمك وأربّيك، وأطلب منك وأنت في الدار أن تعدّ لي شيئاً من الماء لوضوئي فتؤخرني نصف ساعة، ثم ساعة بعدها! هذا هو الفرق بين مقام الأنبياء ومقام العلماء) (١)! وهنا نبصر جانباً كبيراً عملياً من عمق التأثير في الأجيال المتعاقبة من المسلمين، إحساساً عميقاً بمكانة الرسول ﷺ ، وجلال مقامه! وحسبنا أن نبصر معالم هذا الحبّ في أعمق الأعماق، وفي مشاعر المسلمين، وفي الإحساس العميق الذي يدفع الصادقين دفعاً إلى أن تختلج المشاعر، وتتحرك الخواطر، ونبصر روحاً نورانيّة، مما يضفي على الحياة بهجتها وسعادتها! بيد أنا نبصر عند الكثيرين صوراً غير متحرّكة، وغير مجلوّة، وغير فاعلة .. نبصر حبًّا سلبيًّا لا صدى له في واقع الحياة والسلوك! ونبصر فصاماً نكداً! ولا شك أن هذا الواقع قد حال بيننا كمجتمع إسلامي وبين أن نسعد بمثل ما سعد به سلفنا الصالح الذي لم تكن علاقته بالرسول ﷺ منعزلة في وجدانه عن واقع حياته! وكيف لا! وصورة العلاقة الإيجابيّة المتحرّكة الحيّة، في القول والعمل، والعبادة والسلوك، شاخصة في وجدان المسلمين، حيّة في نفوسهم، فقد

стр. 224

أحسّوا إحساساً عميقاً بأنها ملء قلوبهم، وإن غابت عنهم ذات الرسول ﷺ في عالم الحسّ والمشاهدة، فإن رسالته حيّة نابضة في معالم حياتهم وواقع سلوكهم! ولم تنحسر تلك العلاقة شيئاً فشيئاً إلا حين أحكمت الحلقات، وانفرجت الشقّة، ولم تتكامل تلك العزلة الموحشة إلا حين تتم الفصل نصًّا ومفهوماً، وفقهاً وروحاً، وحياة وسلوكاً، بين واقع المسلمين وتلك العلاقة الإيجابيّة: يا حسرة على العباد! كيف جاز لهم أن يصنعوا ذلك؟! وكيف جاز لهؤلاء أن يعيشوا في دائرة العزلة؟! كيف، وأبرز خصائص الإسلام أنه دين القول والعمل، والظاهر والباطن، والحياة والسلوك؟! إن صورة العلاقة الإيجابيّة يجب أن تتضح في عالم الضمير وعالم الروح حيّة شاخصة، ممتلئة بالحيويّة والعاطفة، والواقعيّة والسلوك، حتى نرى النور الصافي يشرق من جديد، وينفذ إلى الأعماق .. ومن ثم تطمئن النفس، وترفرف الروح، وينشرح الصدر، وينسكب هذا في الحنايا والجوانح، ويظهر في السلوك والجوارح! -أي سكينة ينشئها هذا الإدراك؟! - وأي طمأنينة يفيضها على القلب؟! - وأي سعادة يضفيها على الروح؟! - وأي قوة يسكبها في الضمير؟!

стр. 225

إننا نسمع كلمات الأذان، ونردّد ما يقول المؤذن، وهنا تسيطر علينا روحانيّة عالية، وتهون الدنيا كلها، ونحسّ أنها تحت أقدامنا، ونستعلي على المادة، ولا نكاد نقف في الصلاة حتى تزول الحجب، وتنقشع الغيوم، وتأخذنا الصلاة بكل أنوارها التي يضيق المقام عن ذكرها، ونجد ركناً من أركانها، وهو التشهد، ونقرأ من بين كلماته: (السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ..)! لك أن تتصور هذه الصلة الدائمة المستمرّة المستقرّة، وما عليك إلا أن تفتح قلبك لما تقول، فماذا أنت واجد؟! لا شك أن الكلمات تعجز عن تصوّر ما تجد، ولا شك أن هذا الإحساس يدفعنا إلى أن نسير في طريق الحق لا نخاف ولا نخشى باطلاً ولا ظالماً؛ لأن هذه العلاقة الإيجابيّة تضع يدنا على معالم السلوك الإيجابي العملي الذي ربّى جيلاً مثاليًّا فذًّا في التاريخ البشري! إن هذه العلاقة ليست هُياماً ولا خيالاً ولا كلاماً .. ولكنها أسوة ومحبّة، وعقيدة وسلوك .. وإن أمتنا التي تقف اليوم على عتبة انطلاقة جديدة، يجدر بها أن تتحسّس مواقعها، وتمتحن طاقاتها، وتقوّم مقدار إحساسها بهذه العلاقة العمليّة، ومقدار علاقتها برسالة الرسول الذي أضاء ليل الظلام الداجي يوم كان العالم يتخبّط في متاهات الحيرة والضلال، ويئنّ من وطأة الظلم والظالمين .. يوم كان نهباً لأولئك الذين استطاعوا ببغيهم وعدوانهم، وجحود هم وكنودهم، وفسوقهم وعقوقهم، أن يستعبدوا مَن دونهم من البشر، بلا هوادة ولا رحمة!

стр. 226

وإننا حين يظلّنا هذا الجو الطهور في تلك العلاقة الإيجابية، نبصر مواقع خطونا, ولا نرى من حولنا شيئاً من معاني السمو والجلال، والرفعة والكمال، يتحرّك إلا بين يدي الرسالة والرسول! إن هذه العلاقة الإيجابيّة تجعلنا ننهل من معين الوحي، وندرك أفق التجليات المباركات، ونبصر شفافية الروح، ولا نلبث أن نتقدّم إلى حيث نقبس من النور الوضاء، الذي ينير حوالك الدجى، وييسّر مسالك الهدى! وهنا نذكر ما رواه مسلم وغيره عن أنس قال: قال أبو بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر: انطلق بنا إِلى أم أيمن نزورها، ميتاً كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهينا إِليها بكت، فقالا لها: ما يُبكيك؟ ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ، فقالت: ما أبكي ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيّجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها (١)! أرأيت منشأ هذا البكاء؟! أرأيت بكاء الصديق والفاروق مع أم أيمن؟! أرأيت هذه القطرات التي تكونت وتجمعت وتساقطت؟! فهل تحس -أخي في الله- بمثل ذلك؟! إنها الصلة الوثيقة .. وهنا نرى الفجر يرمقنا من بعيد، ويشرق في الكون فجر جديد، وطوبى لنا في عالم الخلود! إن الحبّ هو الجناح الذي يطير به الإنسان إلى حيث السمو والعلو .. وإذا لم

стр. 227

تستطع أن تكون محبوباً ففي مقدورك أن تكون مُحبًّا .. وإننا نعيش في عصر مادي .. ومن ثم فنحن أحوج ما نكون إلى هذا اليقين الذي يجري من صاحبه مجرى الدم، إن وُضع في محله، وصادف أهله! وهنا تأنس الروح في رحلة الحياة الشاقة في هذه الأرض، ونبصر نوراً يضيء حجوانب الحياة، وهذا يثير في النفس عالماً من المشاعر والخواطر، تسبح الروح في جنباته، ويجول الفكر في جولاته، وتعب النفس من فيضه بقدر ما ترتوي أو تُطيق، وترفرف الروح! ومن ثم نصبح في محراب أشواق وأنس! وتتبدى للروح آفاق تسبيح وقدس! وسيظل الأمل في تكوين الشخصيّة الإسلاميّة كامناً في دراسة سيرة الرسول ﷺ ، وفق هذا المنهج الأمثل الذي ذكرنا معالمه! وسيظل التأسي كامناً في ذلك حتى نبصر خلفاً صالحاً لسلف صالح من أتباع خاتم النبيّين ﷺ ، ونحيا حياة مباركة طيبة، وتعود إلينا سيرتنا الأولى، وتهبّ نفحات الجنة، ويولد للإسلام عالم جديد، يكون قضاء الله الغالب، وقدره الذي لا يرد! وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين!

стр. 228

الجامع الصحيح للسيرة النبوية [٢] «بشارات النبوة وميثاق النبيين» تأليف الدكتور سعد المرصفي

стр. 229

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة الطَّبعة الأولى ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م مكتبة ابْن كثير ص. ب: ١١٠٦ حَولي ٣٢٠١٢ الكويت تليفون: ٢٢٦٣١٢٩٨ - فاكس: ٢٢٦٥٧٠٤٦

стр. 230

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾

стр. 231

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف]! ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء]! ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب]!

стр. 232

(في علم المغازي خير الدنيا والآخرة)! الزهري (كنا نعلّم مغازي رسول الله ﷺ ، كما نعلم السورة من القرآن الكريم)! زين العابدين علي بن الحسين (كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا, ويقول: يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيّعوا ذكرها)! إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص

стр. 233

مقدمة في عالم ادلهمت خطوبه، وعظمت ارتكاساته في أرجاس الوثنية المقيتة، والجاهلية الضالة، والشرك الأعمى، يبزغ فجر جديد ببشارات نبوة خاتمة، هادية مسترشدة، ورسالة بيضاء نقية غراء غالبة، قد لاحظتها عيون العناية وصنعتها على عين الله جل وعلا، لنشر هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل ليكون قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد! وها نحن في هذا الكتاب نتنفس أجواء هذه البشارات، ونتتبع إرهاصات نبوة خير نبي لخير أمة أخرجت للناس (الأمة الوسط الخيرة)، بدينها الذي ارتضاه لها الله (ذلك الدين القيم). والله أسأل: التوفيق والسداد! والعون والرشاد! إنه سميع مجيب! الكويت في: ٧ من رجب ١٤٢٨ هـ ١٠ من يوليو ٢٠٠٨ م راجي عفو ربه سعد محمد محمد الشيخ (المرصفي) أستاذ الحديث وعلومه كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة الكويت. سابقاً

стр. 234

العصر الجاهلي

стр. 235

العصر الجاهلي ١ - أحط أدوار التاريخ ٢ - الصحف السماوية في ميزان العلم والتاريخ ٣ - العهد القديم: شواهد اليهودية ٤ - العهد الجديد: شهادة إيتين دينيه (ناصر الدين) - شواهد داخلية ٥ - الإمبراطورية الرومانية الشرقية ٦ - الإمبراطورية الإيرانية ٧ - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ ٨ - الجزيرة العربية ٩ - أوروبا ١٠ - ظلام مطبق ويأس قاتل ١١ - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١٢ - الحاجة إلى محمد رسول الله ﷺ -

стр. 236

العصر الجاهلي الحديث عن العصر الجاهلي له جوانب عديدة، وحسبنا أن نبصر معالمه فيما يلي: ١ - أحط أدوار التاريخ: كان القرن السادس الميلادي أحط أدوار التاريخ بلا خلاف (١)، وكانت قافلة الحياة جائرة السبيل، حائرة الدليل، خائرة العزيمة، وكانت في الهيكل المنحل للعالم الإنساني عوامل البلى من وثبة توبق الروح، وجاهليّة توثق العقل، وماديّة ترهق الجسد، وكانت الإنسانيّة متدلّية متدنّية منحدرة، منذ قرون، وما على وجه الأرض قوة تمسك بيدها، وتمنعها من التردّي، وقد زادتها الأيام سرعة في هبوطها، وشدّة في إسفافها، فقد نسي الإنسان خالقه، فنسي نفسه ومصيره، وفقد رشده، وقوة التمييز بين الخير والشر، والحسن والقبيح، وقد خفقت دعوة الأنبياء من زمن، والمصابيح التي أوقدوها قد انطفأت من العواصف التي هبت بعدهم، وما بقي منها فهو ضئيل لا ينير إلا في بعض القلوب، فضلاً عن البيوت، فضلاً عن البلاد، وأصبحت الصحف والشرائع التي مثلت في أزمان مختلفة دورها الخاص في مجال الدّين والخلق والعلم، فريسة العابثين والمتلاعبين، ولعبة المحرّفين والمخرّفين، وعرضة الحوادث الدامية، والخطوب الجسيمة، حتى فقدت روحها وشكلها!

стр. 237

٢ - الصحف السماويّة في ميزان العلم والتاريخ: وما زالت الصحف السماويّة عرضة للتحريف والتخريف، والتبديل والضياع (١)، فلم يتكفّل الله بحفظها وبقائها، بل أسند ذلك إلى علمائها وحملتها, ولم تحتَج إليها الأمم التي خوطبت بها إلا لفترة من الزمان: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة]! ٣ - العهد القديم: وقد ثبت ذلك تاريخيًّا، وتواتر، وأقرَّت به الأمم والطوائف التي نزلت فيها هذه الصحف، وقد استهدفت صحف العهد القديم للتلف والإحراق والإبادة بصورة واضحة، وباتفاق المؤرخين اليهود ثلاث مرات في التاريخ: المرة الأولى: حين قضى (نبوخذ نصر) (٦٠٥) Nabuchodonosor (ملك بابل) على (اليهود) سنة ٥٨٦ ق. م.، وأشعل النيران في (بيت المقدس) الذي حفظ فيه النبي ﷺ سليمان ﵇ ألواح التوراة، وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وأخذ من سَلمَ من القتل من اليهود أسيراً إلى بابل، حيث مكثوا فيه خمسين سنة، وقد أعَاد (عزرا) الصحف الخمس الأولى التي تسمى (تورة) بحفظه، وقيد الحوادث في أسلوب تاريخي، ثم ضم إليها (نحميا) السلسلة الثانية من الكتب، مضيفاً إليها (زبور داود)!

стр. 238

والمرة الثانية: حين كرّ (أنطيوخوس) (Antiochus) الرابع، الملقب (أبيقانس)، (ملك أنطاكلية) اليوناني، على (بيت المقدس) سنة ١٦٨ ق. م.، وأحرق الصحف المقدسة، ومنع من تلاوة (التوراة)، وممارسة الشعائر اليهودية رسمياً، ونشط يهودا المكابي في جمع الصحف المقدسة وترتيبها، وضم إليها السلسلة الثالثة من (صحف العهد القديم)! والمرة الثالثة: حين هجم (تيطس) (titus) الإمبراطور الروماني ٤٠ - ٨١ على (بيت المقدس) في ٧ من سبتمبر سنة ٧٠ م ودمره بما فيه (هيكل سليمان)، وحوله إلى أنقاض وخرائب، واستولى على الصحف المقدّسة، ونقلها إلى بلاطه في روما، تذكاراً للفتح، وأجلى اليهود من القدس، واستعمر غيرهم حول الدينة (١)! شواهد من دائرة المعارف اليهوديّة: وقد جاء في دائرة المعارف اليهوديّة ما يلي: (إن الأخبار اليهوديّة، وإن كانت تلح على أن صحف العهد القديم من تأليف الأبطال، أو الشخصيات التي تتحدث عنها هذه الصحف، وذلك لا يبعد عن الصواب، ولكنهم لا يتحرجون في الإقرار بأن بعض هذه الصحف تناولها التعديل والزيادة في العهود المتأخرة) (٢)! وجاء فيها -أيضاً- ما معناه: (إن الكتب الخمسة الأولى من الكتاب

стр. 239

المقدس (العهد القديم) كما تقول الأخبار اليهوديّة القديمة، من تأليف النبي موسى، باستثناء ثماني آيات أخيرة، جاء فيها الحديث عن موت موسى، وما زال الربيون يعنون بتناقضات واختلافات وردت في هذه الصحف، وما زالوا يصلحونها بحكمتهم ولباقتهم) (١)! وتزيد هذه الموسوعة: إن (اسفينوزا) (Spiniza) يقول: (إن الكتب الخمسة الأولى من العهد القديم ليست من تأليف موسى؛ بل هي من تأليف عزرا، وإن آخر ما توصل إليه البحث العلمي، هو أن هذه الكتب (الخمسة الأولى) ترجع إلى ثمانية وعشرين مصدراً (٢)، استقيت واستفيدت منها هذه الكتب)! وجاء فيها ما معناه: (إن سخط الأنبياء وغضبهم على عبادة الأوثان يدل على أن عبادة الأوثان والآلهة، كانت قد تسربت إلى نفوس الإسرائيليّين، ولم تستأصل شأفتها إلى يوم رجوعهم من الجلاء والنفي في بابل، وقد قبلوا معتقدات خرافية مشركة، إن التلمود -أيضاً- يشهد بأن الوثنية كانت فيها جاذبية خاصة لليهود) (٣)! ويدل تلمود بابل الذي يبالغ اليهود في تقديسه، وقد يفضلونه على التوراة، وكان متداولاً بين اليهود في القرن السادس المسيحي، وما زخر به من نماذج غريبة من خفة العقل، وسخف القول، والاجتراء على الله، والعبث

стр. 240

بالحقائق، والتلاعب بالدين والعقل، على ما وصل إليه المجتمع اليهودي في هذا القرن من الانحطاط العقلي، وفساد الذوق الديني (١)! وقد أورد الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ خلاصة مفيدة عن مكانة (عزرا) عند اليهود، وعلق عليها كذلك تعليقاً مفيداً، ننقل منه هنا ما يفيدنا في موضوعنا، قال (٢): جاء في دائرة المعارف اليهوديّة الإِنجليزيّة ط ١٩٠٣ م: (إن عصر عزرا هو ربيع التاريخ الملّي لليهوديّة، الذي تفتحت فيه أزهاره، وعبق شذا ورده، وإنه جدير بأن يكون هو ناشر الشريعة (وفي الأصل عربة أو مركبة الشريعة) لو لم يكن جاء بها موسى (التلمود ٢١ ب) فقد كانت نسيت، ولكن عزرا أعادها أو أحياها, ولولا خطايا بني إسرائيل لاستطاعوا رؤية الآيات (المعجزات) كما رأوها في عصر موسى)! وذكر فيها أنه كتب الشريعة بالحروف الأشورية -وكان يضع علامات على الكلمات التي يشك فيها- وأن مبدأ التاريخ اليهودي يرجع إلى عهده! وقال الدكتور (جورج يوسف) في (قاموس الكتاب المقدس): عزرا (عون) كاهن يهودي، وكاتب شهير، سكن بابل، مدة ملك (أرتحششتا) الطويل الباع، وفي السنة السابعة لملكه أباح لعزرا بأن يأخذ عدداً وافراً من الشعب إلى أورشليم نحو سنة ٤٥٧ ق. م. (عزرا ص ٧) وكانت مدة السفر أربعة أشهر!

стр. 241

ثم قال: (وفي تقليد اليهود يشغل عزرا موضعاً مُهماً يقابل بموضع موسى وإيليا، ويقولون: إنه أسس المجمع الكبير، وإنه جمع أسفار الكتاب المقدس، وأدخل الأحرف الكلدانية عوض العبرانية القديمة، وإنه ألف أسفار الأيام وعزرا ونحميا)! ثم قال: (ولغة سفر عزرا من ص ٤: ٨ - ٦: ١٩ كلدانية، وكذلك ص ٧: ١ - ٢٧ وكان الشعب بعد رجوعهم من السبي يفهمون الكلدانية أكثر من العبرانية)! وأقول (١): إن المشهور عند مؤرخي الأمم، حتى أهل الكتاب منهم، أن التوراة التي كتبها -موسى ﵇ ووضعها في تابوت العهد أو بجانبه (تث ٣١: ٢٥، ٢٦) قد فقدت قبل عهد سليمان ﵇ فإنه لما فتح التابوت في عهده لم يجد فيه غير اللوحين اللذين كتب فيهما الوصايا العشر، كما تراه في سفر الملوك الأول، وأن (عزرا) هذا هو الذي كتب التوراة وغيرها بعد النبي بالحروف الكلدانية، واللغة الكلدانية الممزوجة ببقايا اللغة العبرية التي نسي اليهود معظمها، ويقول أهل الكتاب: إن (عزرا) كتبها كما كانت بوحي أو بإلهام من الله، وهذا ما لا يسلمه لهم غيرهم، وعليه اعتراضات كثيرة مذكورة في مواضعها من الكتب الخاصة بهذا الشأن، حتى من تآليفهم، كذخيرة الألباب للكاثوليك، وأصله فرنسي، وقد عقد الفصلين: الحادي عشر، والثاني عشر، لذكر بعض الاعتراضات على كون الأسفار الخمسة لموسى. ومنها قوله: (٧ - جاء في سفر عزرا (٤ ف ١٤ عدد ٢١) أن جميع الأسفار المقدسة

стр. 242

حرقت بالنار في عهد (نبوخذ نصر)، حيث قال: (إن النار أبطلت شريعتك، فلم يعد سبيل لأي امرئ أن يعرف ما صنعت ويزاد على ذلك أن عزرا أباح بوحي الروح المقدس تأليف الأسفار المقدسة التي أبادتها النار، وعضده فيها كتبة خمسة معاصرون، ولذلك ترى (ثرثوليانوس) والقديس (إيريناوس) والقديس (إيرونيموس) والقديس (يوحنا الذهبي) والقديس (باسيليوس) وغيرهم، يدعون عزرا مرمم الأسفار المقدسة المعروفة عند اليهود! نكتفي بهذا البيان هنا, ولنا فيه غرضان: أحدهما: أن جميع أهل الكتاب مدينون لعزير هذا في مستند دينهم، وأصل كتبهم المقدسة عندهم! وثانيهما: أن هذا المستند واهي البيان، متداعي الأركان، وهذا هو الذي حققه علماء أوروبا الأحرار، فقد جاء في ترجمته من دائرة المعارف البريطانية بعد ذكر ما سفر (نحميا) من كتابته للشريعة: (إنه جاء في روايات أخرى متأخرة عنها، أنه لم يعد إليهم الشريعة التي أحرقت فقط، بل أعاد جميع الأسفار العبرية التي كانت أتلفت، وأعاد سبعين سفراً غير قانونية (أبو كريف) ثم قال كاتب الترجمة فيها: وإذا كانت الأسطورة الخاصة بعزرا هذا قد كتبها من كتبها من المؤرخين بأقلامهم، من تلقاء أنفسهم، ولم يستندوا في شيء منها إلى كتاب آخر، فكتّاب هذا العصر يرون أن أسطورة عزرا قد اختلقها أولئك الرواة اختلافاً)! (انظر ص ١٤ جـ ٩ من الطبعة الرابعة عشر سنة ١٩٢٩ م)!

стр. 243

وجملة القول: أن اليهود كانوا وما يزالون يقدسون (عزرا) هذا، حتى إن بعضهم أطلق عليه لقب (ابن الله) (١)! ٤ - العهد الجديد: أما أمر الأناجيل التي تسمى (العهد الجديد) (٢)، فأمرها أغرب من صحف العهد القديم، فإنه يكتنف تدوينها ومؤلفيها الشيء الكثير من الغموض والالتباس والاضطراب، وبينها وبن المسيح ﵇ هوة عميقة واسعة، ليس في إمكان باحث أو مؤرخ ردمها أو إقامة جسر عليها، وقد تعرضت للتحوبر والتطوير، والتعديل والتحسين، في مجامع دينية، وفترات زمانية عديدة، فضلاً عن أن هذه الصحف التي بأيدينا اليوم ليست باللغة التي كان لمجلم بها المسيح ﵇ وقومه، بل نقلت من لغة إلى أخرى، وتناولتها أيدي المترجمين الناقلين حتى وصلت إلينا! شهادة إيتين دينيه (ناصر الدين) (٣): وإليك شهادة إيتين دينيه (ناصر الدين) الذي ولد في باريس سنة ١٨٦١ م والذي نشأ مسيحيًّا، وشبّ وترعرع على عقيدة التثليث والصلب، والفداء والغفران، بيد أنه قد استولى عليه شعور بالقلق والحيرة من الناحية الدينيّة،

стр. 244

وأخذ يبحث عن معالم الدّين الحق، فتأمل وأطال التفكير في الكون، والنصوص والعقائد التي يدين بها، وأعاد قراءة الأناجيل من جديد، محاولاً جهده أن يراها تتسم بسمة الحق، فيؤمن بابن الله، وبالكاثوليكيّة، فرأى فيها ما يتنافى مع الصورة المثلى للإنسان الكامل، فضلاً عن الصورة التي تريد المسيحيّة أن توحي بها (١)! وأداه بحثه في الأناجيل، وقيمتها التاريخيّة إلى قوله: (لا شك أن الله أوحى الإنجيل إلى عيسى بلغته ولغة قومه، ولا شك -أيضاً- أن هذا الإنجيل قد ضاع واندثر، ولم يبق له أثر، أو أنه باد، أو أنه قد أُبيد، ولهذا قد جعلوا مكانة (توليفات) أربعاً، مشكوكاً في صحتها، وفي نسبتها التاريخيّة، كما أنها مكتوبة باللغة اليونانيّة، وهي لغة لا تتفق طبيعتها مع لغة عيسى الأصليّة التي هي لغة سامية، لذلك كانت صلة السماء بهذه الأناجيل اليونانيّة أضعف بكثير من صلتها بتوراة اليهود) (٢)! ورأى في النهاية في وضوح: (أن الديانة الكاثوليكيّة لا تتحمل البحث والمناقشة؛ فقد أظهرت الأدلة العديدة -سواء أكانت أخلاقيّة أم تاريخيّة أم علميّة أم لغويّة، أم سيكولوجيّة، أم دينيّة- أن الكاثوليكيّة ملأى بالأغلاط الواضحة)! ولم يمكنه أن يقول ما قال (أوغسظين) مما يعتبر شعار كل مسيحي: (إنني أؤمن بذلك؛ لأن ذلك غير معقول) (٣)!

стр. 245

وثار شعوره الديني على أوضاع مبهمة، وألفاظ غامضة، ومشكلات لا تحل، وانتهى به المطاف، بعد بحث وجدل ومناظرات وتأملات، إلى رفض المسيحيّة، وبلغت حيرته حينئذ أشدها, ولكن اليأس لم يتطرق إلى نفسه قط، وإذا لم يجد الهداية في المسيحيّة، فليس معنى ذلك أنه لم يجدها مطلقاً، فالحقيقة عزيزة المجال، ولكنها موجودة! ورأى (دينيه) أن يتجه إلى العقل، يستمد منه الهداية إلى الطريق المستقيم، ولكنه انتهى إلى أن العقل عاجز في ميدان ما وراء الطبيعة، وفي الواقع: (يسعى كثير من ذوي العقول المستنيرة -بعد أن أفاقوا من غفلتهم، وبعد أن رأوا إخفاق مذهب استقلال العقل بالمعرفة- لتعرف طريق الهداية، وأن مذهب الحس الذي يتهافتون عليه خلف حامل لوائه المسيو (برجسون) الشهير، هو عبارة عن رد فعل واضح لمذهب استقلال العقل بالمعرفة، أو هو -وهو الأصح- رد فعل لعجز هذا المذهب)! فقد جدّد هذا المفكر -في قلوب الناس النَهمين إلى الإيمان- آمالاً كان يظهر أنها ضاعت ضياعاً نهائيًّا، فهو يأذن لهم بأن يأملوا في خلود الروح، ويقول لهم: (إن الدنيا ليست مشتبكاً عظيماً لقوى عمياء، وإن العقل ليس هو الطريقة الوحيدة للمعرفة) (١)! أخفقت المسيحيّة في إرضاء ضميره الديني، وأخفق العقل في قيادته إلى النور، وتلفت حوله ونظر: ماذا فعل أمثاله ممن شكّوا في المسيحيّة، وشكّوا في العقل، وهداه الله لـ (الدّين القيّم) (٢)!

стр. 246

شواهد داخلية: وهناك شواهد داخليّة (١)، من أغلاط تاريخيّة صريحة، وتناقضات واضحة، وأمور مستحيلة، ينكرها العقل، ونسبة أشياء إلى الله لا تليق بجلاله وكماله، ولا تتفق مع صفاته التي اتفقت عليها الشرائع السماويّة، والعقول السليمة، ومطاعن في أنبياء الله المكرمين، واتهامهم بأفعال وأخلاق يترفع عنها أواسط الناس، إلى غير ذلك من الشواهد الجليّة، الكثيرة العدد، التي تدل على الدس والإلحاق والتغيير في كتب العهدين: القديم والجديد، التي تسمى مجموعاً (Bible) أو (الكتاب المقدس) (٢)! ويتحدث كاتب مسيحي عن مدى تغلغل عقيدة التثليث في المجتمع المسيحي، منذ أواخر القرن الرابع الميلادي، فيقول: (تغلغل الاعتقاد بأن الإله الواحد مركب من ثلالة أقانيم، في أحشاء حياة العالم المسيحي وفكره، منذ ربع القرن الرابع الأخير، ودامت كعقيدة رسميّة مسلمة، عليها الاعتماد في جميع أنحاء العالم المسيحي، ولم يرفع الستار عن تطور عقيدة التثليث وسرها إلا في المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر الميلادي) (٣)! ويتحدث مؤرخ مسيحي معاصر عن ظهور الوثنيّة في المجتمع المسيحي في مظاهر مختلفة، وألوان شتى، وتفنّن المسيحيّين في اقتباس الشعائر والعادات

стр. 247

والأعياد والأبطال الوثنيّة، من أمم عريقة في الشرك، بحكم التقليد، أو الإعجاب، أو الجهل، فقد جاء في (تاريخ المسيحيّة في ضوء العلم المعاصر): (لنقد انتهت الوثنيّة، ولكنها لم تلق إبادة كاملة، بل إنها تغلغلت في النفوس، واستمر كل شيء فيها باسم المسيحيّة، وفي ستارها، فالذين تجردوا عن آلهتهم وأبطالهم، وتخلوا عنها، أخذوا شهيداً من شهدائهم، ولقبوه بأوصاف الآلهة، ثم صنعوا له تمثالاً، وهكذا انتقل هذا الشرك، وعبادة الأصنام، إلى هؤلاء الشهداء المحليّين، ولم ينته هذا القرن حتى عمّت فيهم عبادة الشهداء والأولياء، وتكونت عقيدة جديدة، وهي أن الأولياء يحملون صفات الألوهيّة، وصار هؤلاء الأولياء والقديسون خلقاً وسطاً بين الله والإنسان، يحمل صفة الألوهيّة، على أساس عقائد الأريسيّين، وأصبحوا رمزاً لقداسة القرون الوسطى وورعها وطهرها، وغيرت أسماء الأعياد الوثنيّة بأسماء جديدة، حتى تحول في عام ٤٠٠ ميلادي عيد الشمس القديم إلى عيد ميلاد المسيح) (١)! وجاء القرن السادس المسيحي، والحرب قائمة على قدم وساق، بين نصارى الشام والعراق من جهة، ونصارى مصر من جهة أخرى مقابلة، حول حقيقة المسيح وطبيعته، وتحولت المدارس والكنائس والبيوت، معسكرات متنافسة، يكفّر بعضها بعضاً، ويقتل بضعها بعضاً، كأنها حرب بين دينين متنافسين، أو أمتين متحاربتين (٢)، فأصبح العالم المسيحي في شغل بنفسه

стр. 248

عن محاربة الفساد، وإصلاح الحال، ودعوة الأمم إلى ما فيه صلاح للإنسانيّة (١)! ٥ - الإمبراطوريّة الرومانية الشرقية: وهي المعروفة بالإمبراطوريّة البيزنطيّة، ويعرفها العرب بالروم، وكانت تحكم في العصر الذي نتحدث عنه، دول: يونان، وبلقان، وآسيا الصغرى، وسوريا، وفلسطين، وحوض البحر الأبيض المتوسط بأسره، ومصر، وكل أفريقيا الشماليّة، وكانت عاصمتها القسطنطينية، وكان ابتداء الإمبراطوريّة المذكورة سنة ٣٩٥ م، وانتهاؤها بغلبة العثمانيّين على القسطنطينيّة سنة ١٤٥٣ م (٢)! وقد ازدادت فيها الإتاوات، وتضاعفت الضرائب، حتى أصبح أهل البلاد يفضلون على حكومتهم كل حكومة أجنبيّة، وحدثت اضطرابات إثر اضطرابات وثورات إثر ثورات، وقد هلك عام ٥٣٢ م في اضطراب واحد في عهد (جيستن الأول) (Justini) ثلاثون ألف شخص في القسطنطينيّة (٣) -عاصمة المملكة- وأصبح الهم الوحيد اكتساب المال من أي وجه، ثم إنفاقه في التطرف، وقد أمعنوا في طرق التسلية، حتى وصلوا فيها إلى الوحشية (٤)!

стр. 249

وجاء في كتاب (الحضارة ماضيها وحاضرها) تصوير لما كان عليه المجتمع البيزنطي من التناقض والاضطراب، والهيام بالتمتّع والتسلية، وإن وصلت إلى حد القسوة والهمجيّة: (كان هناك تناقض هائل في الحياة الاجتماعيّة للبيزنطيّن، فقد رسخت النزعة الدينيّة في أذهانهم، وعمت الرهبانيّة، وشاعت في طول البلاد وعرضها، وأصبح الرجل الاعتيادي في البلاد يتدخل في الأبحاث الدينيّة العميقة، والجدل البيزنطي، ويتشاغل بها، كما طبعت الحياة الاعتيادية العامة بطابع المذهب الباطني، ولكن نرى هؤلاء -في جانب آخر- حريصين أشد الحرص على كل نوع من أنواع اللهو واللعب، والطرب والترف؛ فقد كانت هناك ميادين رياضيّة واسعة تتسع لجلوس ثمانين ألف شخص، يتفرجون فيها على مصارعات بين الرجال والرجال أحياناً، وبين الرجال والسباع أحياناً أخرى، وكانوا يقسمون الجماهير في لونين: لون أزرق! ولون أخضر! وكانوا يحبون الجمال، ويعشقون العنف والهمجيّة، وكانت ألعابهم دمويّة ضارية أكثر الأحيان، وكانت عقوباتهم فظيعة، تقشعر منها الجلود، وكانت حياة سادتهم وكبرائهم عبارة عن المجنون والترف، والمؤامرات والمجاملات الزائدة، والقبائح والعادات السيّئة) (١)! أما مصر -إحدى ولايات الدولة البيزنطيّة- فكانت عرضة لاضطهاد ديني

стр. 250

فظيع، واستبداد سياسي شنيع، وكان البؤس والشقاء مما كانت تعانيه مصر، التي كانت مصدراً كبيراً لرخاء الدولة وغناها، وقد اتخذها الروم شاة حلوباً يحسنون حلبها، ويسيئون علفها (١)! أما سورية -ولاية الإمبراطوريّة البيزنطيّة الأخرى- فكانت مطيّة المطامع الرومانيّة، وكان الحكم حكم الغرباء الذي لا يعتمد إلا على القوة ولا يشعر بشيء من العطف على الشعب المحكوم، وكثيراً ما كان السوريّون يَبيعُون أبناءهم ليوفروا ما عليهم من ديون، وقد كثرت المظالم وكثر الرقيق (٢)! ٦ - الإمبراطوريّة الإيرانيّة: وقد كانت أعظم من الإمبراطوريّة الرومانيّة الشرقيّة، بعد انشقاقها عن الإمبراطوريّة الرومانيّة الكبرى مساحة وأبهة وثروة، وقد تأسست على يد (أردشير) في سنة ٢٢٤ م، وكانت تحكم حين بلغت أوجها: أسبرية، وخوزستان، وميديه، وفارس، وأذربيجان، وطبرستان، وسرخس، وجوزجان، وكرمان، ومرو، وبلخ، وسفد، وسيستان، وهرات، وخراسان، وخوارزم، والعراق، واليمن، وقد دخلت بعض ولايات الهند، مثل: كجه، وكاتهياوار، ومالوه، في حكمها في بعض الفترات، وقد اتسعت هذه الإمبراطوريّة اتساعاً كبيراً في القرن الرابع المسيحي، وأوغلت في الشمال والشرق، وبلغت إلى أقصى حدودهما! وكانت طيسيفون (المداين) عاصمة الإمبراطورية، ومقر الإمبراطور
следующие страницы →