شواهد داخلية:
وهناك شواهد داخليّة (١)، من أغلاط تاريخيّة صريحة، وتناقضات واضحة، وأمور مستحيلة، ينكرها العقل، ونسبة أشياء إلى الله لا تليق بجلاله وكماله، ولا تتفق مع صفاته التي اتفقت عليها الشرائع السماويّة، والعقول السليمة، ومطاعن في أنبياء الله المكرمين، واتهامهم بأفعال وأخلاق يترفع عنها أواسط الناس، إلى غير ذلك من الشواهد الجليّة، الكثيرة العدد، التي تدل على الدس والإلحاق والتغيير في كتب العهدين: القديم والجديد، التي تسمى مجموعاً (Bible) أو (الكتاب المقدس) (٢)!
ويتحدث كاتب مسيحي عن مدى تغلغل عقيدة التثليث في المجتمع المسيحي، منذ أواخر القرن الرابع الميلادي، فيقول:
(تغلغل الاعتقاد بأن الإله الواحد مركب من ثلالة أقانيم، في أحشاء حياة العالم المسيحي وفكره، منذ ربع القرن الرابع الأخير، ودامت كعقيدة رسميّة مسلمة، عليها الاعتماد في جميع أنحاء العالم المسيحي، ولم يرفع الستار عن تطور عقيدة التثليث وسرها إلا في المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر الميلادي) (٣)!
ويتحدث مؤرخ مسيحي معاصر عن ظهور الوثنيّة في المجتمع المسيحي في مظاهر مختلفة، وألوان شتى، وتفنّن المسيحيّين في اقتباس الشعائر والعادات
стр. 247
والأعياد والأبطال الوثنيّة، من أمم عريقة في الشرك، بحكم التقليد، أو الإعجاب، أو الجهل، فقد جاء في (تاريخ المسيحيّة في ضوء العلم المعاصر):
(لنقد انتهت الوثنيّة، ولكنها لم تلق إبادة كاملة، بل إنها تغلغلت في النفوس، واستمر كل شيء فيها باسم المسيحيّة، وفي ستارها، فالذين تجردوا عن آلهتهم وأبطالهم، وتخلوا عنها، أخذوا شهيداً من شهدائهم، ولقبوه بأوصاف الآلهة، ثم صنعوا له تمثالاً، وهكذا انتقل هذا الشرك، وعبادة الأصنام، إلى هؤلاء الشهداء المحليّين، ولم ينته هذا القرن حتى عمّت فيهم عبادة الشهداء والأولياء، وتكونت عقيدة جديدة، وهي أن الأولياء يحملون صفات الألوهيّة، وصار هؤلاء الأولياء والقديسون خلقاً وسطاً بين الله والإنسان، يحمل صفة الألوهيّة، على أساس عقائد الأريسيّين، وأصبحوا رمزاً لقداسة القرون الوسطى وورعها وطهرها، وغيرت أسماء الأعياد الوثنيّة بأسماء جديدة، حتى تحول في عام ٤٠٠ ميلادي عيد الشمس القديم إلى عيد ميلاد المسيح) (١)!
وجاء القرن السادس المسيحي، والحرب قائمة على قدم وساق، بين نصارى الشام والعراق من جهة، ونصارى مصر من جهة أخرى مقابلة، حول حقيقة المسيح وطبيعته، وتحولت المدارس والكنائس والبيوت، معسكرات متنافسة، يكفّر بعضها بعضاً، ويقتل بضعها بعضاً، كأنها حرب بين دينين متنافسين، أو أمتين متحاربتين (٢)، فأصبح العالم المسيحي في شغل بنفسه
стр. 248
عن محاربة الفساد، وإصلاح الحال، ودعوة الأمم إلى ما فيه صلاح للإنسانيّة (١)!
٥ - الإمبراطوريّة الرومانية الشرقية:
وهي المعروفة بالإمبراطوريّة البيزنطيّة، ويعرفها العرب بالروم، وكانت تحكم في العصر الذي نتحدث عنه، دول: يونان، وبلقان، وآسيا الصغرى، وسوريا، وفلسطين، وحوض البحر الأبيض المتوسط بأسره، ومصر، وكل أفريقيا الشماليّة، وكانت عاصمتها القسطنطينية، وكان ابتداء الإمبراطوريّة المذكورة سنة ٣٩٥ م، وانتهاؤها بغلبة العثمانيّين على القسطنطينيّة سنة ١٤٥٣ م (٢)!
وقد ازدادت فيها الإتاوات، وتضاعفت الضرائب، حتى أصبح أهل البلاد يفضلون على حكومتهم كل حكومة أجنبيّة، وحدثت اضطرابات إثر اضطرابات وثورات إثر ثورات، وقد هلك عام ٥٣٢ م في اضطراب واحد في عهد (جيستن الأول) (Justini) ثلاثون ألف شخص في القسطنطينيّة (٣) -عاصمة المملكة- وأصبح الهم الوحيد اكتساب المال من أي وجه، ثم إنفاقه في التطرف، وقد أمعنوا في طرق التسلية، حتى وصلوا فيها إلى الوحشية (٤)!
стр. 249
وجاء في كتاب (الحضارة ماضيها وحاضرها) تصوير لما كان عليه المجتمع البيزنطي من التناقض والاضطراب، والهيام بالتمتّع والتسلية، وإن وصلت إلى حد القسوة والهمجيّة:
(كان هناك تناقض هائل في الحياة الاجتماعيّة للبيزنطيّن، فقد رسخت النزعة الدينيّة في أذهانهم، وعمت الرهبانيّة، وشاعت في طول البلاد وعرضها، وأصبح الرجل الاعتيادي في البلاد يتدخل في الأبحاث الدينيّة العميقة، والجدل البيزنطي، ويتشاغل بها، كما طبعت الحياة الاعتيادية العامة بطابع المذهب الباطني، ولكن نرى هؤلاء -في جانب آخر- حريصين أشد الحرص على كل نوع من أنواع اللهو واللعب، والطرب والترف؛ فقد كانت هناك ميادين رياضيّة واسعة تتسع لجلوس ثمانين ألف شخص، يتفرجون فيها على مصارعات بين الرجال والرجال أحياناً، وبين الرجال والسباع أحياناً أخرى، وكانوا يقسمون الجماهير في لونين:
لون أزرق!
ولون أخضر!
وكانوا يحبون الجمال، ويعشقون العنف والهمجيّة، وكانت ألعابهم دمويّة ضارية أكثر الأحيان، وكانت عقوباتهم فظيعة، تقشعر منها الجلود، وكانت حياة سادتهم وكبرائهم عبارة عن المجنون والترف، والمؤامرات والمجاملات الزائدة، والقبائح والعادات السيّئة) (١)!
أما مصر -إحدى ولايات الدولة البيزنطيّة- فكانت عرضة لاضطهاد ديني
стр. 250
فظيع، واستبداد سياسي شنيع، وكان البؤس والشقاء مما كانت تعانيه مصر، التي كانت مصدراً كبيراً لرخاء الدولة وغناها، وقد اتخذها الروم شاة حلوباً يحسنون حلبها، ويسيئون علفها (١)!
أما سورية -ولاية الإمبراطوريّة البيزنطيّة الأخرى- فكانت مطيّة المطامع الرومانيّة، وكان الحكم حكم الغرباء الذي لا يعتمد إلا على القوة ولا يشعر بشيء من العطف على الشعب المحكوم، وكثيراً ما كان السوريّون يَبيعُون أبناءهم ليوفروا ما عليهم من ديون، وقد كثرت المظالم وكثر الرقيق (٢)!
٦ - الإمبراطوريّة الإيرانيّة:
وقد كانت أعظم من الإمبراطوريّة الرومانيّة الشرقيّة، بعد انشقاقها عن الإمبراطوريّة الرومانيّة الكبرى مساحة وأبهة وثروة، وقد تأسست على يد (أردشير) في سنة ٢٢٤ م، وكانت تحكم حين بلغت أوجها: أسبرية، وخوزستان، وميديه، وفارس، وأذربيجان، وطبرستان، وسرخس، وجوزجان، وكرمان، ومرو، وبلخ، وسفد، وسيستان، وهرات، وخراسان، وخوارزم، والعراق، واليمن، وقد دخلت بعض ولايات الهند، مثل: كجه، وكاتهياوار، ومالوه، في حكمها في بعض الفترات، وقد اتسعت هذه الإمبراطوريّة اتساعاً كبيراً في القرن الرابع المسيحي، وأوغلت في الشمال والشرق، وبلغت إلى أقصى حدودهما!
وكانت طيسيفون (المداين) عاصمة الإمبراطورية، ومقر الإمبراطور
стр. 251
الإيراني، وكانت مجموع مداين كما يبدو من اسمها العربي، وبلغت أوجها في الرقي والمدنية والبذخ، في القرن الخامس إلى ما بعد (١)!
وكانت الزرادشتية -وهي التي خلفت المزدكية- دين إيران القديمة، ومن المرجح أن (زرادشت) قد ظهر في القرن السابع قبل الميلاد، وكانت مؤسسة منذ أول يومها على الحرب القائمة بين النور والظلام، وبين روح الخير وروح الشر، أو بين إله الخير وإله الشر!
وجاء (ماني) في أوائل القرن الثالث المسيحي مجدداً لهذه العقيدة، مضيفاً إليها (٢)، وتبعه (شاه بور) الذي خلف (أردشير) (٢٤١ م) مؤسس الدولة الساسانيّة، واحتضن دعوته ثم أصبح معارضاً له، فقد كان (ماني) يدعو إلى حياة العزوبة، لحسم مادة الفساد والشر من العالم، ويعلن أن امتزاج النور بالظلمة شر، يجب الخلاص منه، فحرم النكاح استعجالاً للفناء، وانتصاراً للنور على الظلمة، بقطع النسل، وقضى أعواماً في النفي، ثم عاد إلى إيران، وقتل في عهد (بهرام الأول) ولكن تعاليمه لم تمت، بل بقيت تؤثر في التفكير الإيراني، والمجتمع الإيراني، مدة طويلة!
وظهر (مزدك) في أوائل القرن الخامس المسيحي، فدعا إلى إباحة الأموال والنساء، وجعل النساء شركاء فيها، وقويت دعوته، وكان الناس يدخلون الرجل في داره، فيغلبونه على منزله وأمواله، لا يستطيع الامتناع منهم، وقد جاء في وثيقة إيرانيّة تاريخيّة، تعرف بـ (نامه تنسر) تصوير لذلك العصر الذي انتشرت فيه الدعوة المزدكية، وكانت لها السيطرة والنفوذ:
стр. 252
(وانتهكت الأعراض، وعم خلع العذار، لقد نشأ جيل لا كرامة فيه ولا عمل، ولم يكن له رصيد، ولا ماض مجيد، وليس لهم هم لمصير الشعب، ولا إشفاق عليه، ولا يتصف بكمال ومهارة، كانت تسيطر عليهم اللامبالاة والبطالة، وكانوا بارعين في النميمة، والخبث، والافتراء، والبهتان، وقد اتخذوا ذلك وسيلة لكسب القوت، والوصول إلى الثروة والجاه) (١)!
ويقول (أرتهركرستن سين): (كانت النتيجة أن انتشرت ثورات الفلاحين، وكان النهابون يدخلون إلى قصور الأغنياء، وينهبون ما يجدون فيها من أموال وأثاث، ويلقون القبض على النساء، ويستولون على الأملاك والعقارات، فأصبحت الأراضي والمزارع مقفرة خربة؛ لأن هؤلاء الملاك الجدد لم يكن لهم عهد ولا معرفة بالفلاحة) (٢)!
ظهر من ذلك أنه كان في إيران القديمة استعداد عجيب دائماً لقبول الدعوات المتطرفة الغالية، وكانت دائماً تحت تأثير ردود فعل عنيفة، وكانت تتأرجح بين (أبيقورية) (٣) جامعة، وتنسك مغال حيناً، وبن احتكار سلالي، أو طبقي، أو ديني، وشيوعية متطرفة، وفوضوية مطلقة حيناً آخر، أفقدها هذا التاريخ الاتزان والاقتصاد والهدوء!
وكانت الأحول سيئة جداً في هذه الإمبراطوريّة الساسانية، في القرن السادس المسيحي، فكانت تحت رحمة الملوك الذين كانوا يحكمون بالوراثة، ويرون أنفسهم فوق الناس، وفوق بني آدم، وكانوا يخاطبون بكلمة (الإله)،
стр. 253
وتضاف إليهم كلمة الألوهيّة بطريق مكشوف، وكان الإمبراطور (الإنسان الأول) وكان لا يسمى باسمه عند الخطاب، وكان يعتبر من نسل الآلهة (١)!
وكانت موارد البلاد كلها ملكاً لهؤلاء الملوك، وقد تطرفوا في اكتناز الأموال، وادخار الطُّرَف، والأشياء الغالية، والتأنق في المعيشة، والتمتع بالحياة، وقد وصل الولوع بالتلذذ، وترفيه الحياة، والمسابقة في مظاهر الغنى والعظمة، إلى حد الخيال والشعر، لا يتصوره إلا من توسع في تاريخ إيران القديمة، وشعرها وأدبها (٢)، واطلع على تفاصيل مدينة (طيسيفون) وإيوان كسرى، وبهار كسرى (٣) (بساط الربيع)، وتاج كسرى، وما كان يختص بملوكهم من خدم وحشم، وزوجات وجوار، وغلمان وطهاة، وما كان للطيور والسباع، وأوان وقنص، التفاصيل الأسطورية التي يدهش لها الإنسان (٤)، وقد بلغ ذلك إلى حد أن (يزدجرد) آخر ملوك إيران لما خرج من عاصمته (المداين) هارباً ينجو بنفسه من الفتح الإسلامي، أخذ معه -وهو في حالة الفرار- ألف طاه، وألف مغنٍّ، وألف قيم للنمور، وألف قيم للبزاة، وحاشية أخرى، وكان يستقل هذا العدد، ويعتبر نفسه لاجئاً فقيراً، ويتصور أنه في حالة يرثى لها من قلة الحاشية، وفقدان أسباب الترفيه والتسلية (٥)!
هذا بجانب ما كان يعانيه الشعب من بؤس وشقاء، وتعب وعناء، وتذمر وبكاء، فكان أفراد هذا الشعب في جهد من العيش للحصول على ما يسد
стр. 254
رمقهم، ويستر عورتهم، يرزحون تحت أثقال الضرائب والإتاوات، ويرسفون في القيود والأغلال، ويعيشون عيش البهائم، حتى ترك كثير من المزارعين أعمالهم، أو دخلوا الأديرة فراراً من الضرائب، والخدمة العسكريّة (١)، وكانوا وقوداً حقيراً في حروب طاحنة مدمرة، قامت في فترات من التاريخ, ودامت سنين طوالاً بين المملكة الشرقيّة الساسانيّة والمملكة الغربيّة البيزنطيّة، لا مصلحة للشعب فيها ولا رغبة (٢)!
ولا نتحدث عن المجوسيّة، والبوذيّة، والهندكيّة، وغير ذلك مما كان منتشراً في هذا العصر الجاهلي، حتى لا يطول بنا الحديث!
وحسبنا ما ذكرنا من الحديث عن الإمبراطوريّة الإيرانيّة كنموذج؛ لأنها كانت الإمبراطوريّة المقابلة للإمبراطوريّة الرومانيّة الشرقيّة!
٧ - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾:
قال تَعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة]!
وفي هذا بيان ضلال عقيدة أهل الكتاب، وأنها تضاهئ عقيدة المشركين من العرب، والوثنيّين من قدامى الرومان وغيرهم، وأنهم لم يستقيموا على
стр. 255
العقيدة الصحيحة التي جاءت بها كتبهم، فلا عبرة إذن بأنهم أهل كتاب، وهم يخالفون في الاعتقاد والأصل الذي تقوم عليه العقيدة الصحيحة في كتبهم!
ومن قرأ كتب اليهود والنصارى رأى فيها لقب (ابن الله) قد أطلق (١) على آدم (انظر إنجيل لوقا: ٣: ٣٨) وعلى يعقوب، وداود، مع لقب البكر (انظر سفر الخروج: ٤: ٢٢، ٢٣، والمزمور: ٩٨: ٢٦، ٢٧) وكذلك على أفرام (انظر نبوة أرمياء: ٣١: ٩)، وعلى المسيح، ولكن مع لقب الحبيب، وأطلق مجموعاً على الملائكة، وعلى المؤمنين الصالحين، وهذا الاستعمال كثير في العهد الجديد، ومنه ما حكاه متى في وعظ المسيح على الجبل (٥: ٩ طوبى لصانعي السلام؛ لأنهم أبناء الله يدعون)!
وقال بولس في رسالته إلى أهل رومية: (٨: ١٤ لأن كل الذين ينقادون بروح الله، فأولئك هم أبناء الله)!
وجاء في سياق المناظرة بين المسيح واليهود من إنجيل يوحنا ما نصه:
(٨: ٤١ أنتم تعلمون أعمال أبيكم، فقالوا له: إننا لم نولد من زنى، لنا أب واحد، وهو الله: ٤٢ فقال لهم يسوع: لو كان الله أباكم لكنتم تحبوني -إلى أن قال-: ٤٤ أنتم من أب هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا)!
وفي هذا المعنى ما جاء في الرسالة الأولى من رسالتي يوحنا:
(٣: ٩ كل من هو مولود من الله لا يفعل خطيئة؛ لأن زرعه يثبت فيه، ولا يستطيع أن يخطئ؛ لأنه مولود من الله ١٠ بهذا أولاد الله ظاهرون، وأولاد إبليس)!
وقال جورج بوست في قاموس الكتاب المقدس (٢): (الله) اسم خالق
стр. 256
جميع الكائنات، والحاكم الأعظم، على جميع العوالم، والمعطي كل المواهب الحسنة، و (الله) "روح غير محدود، أزلي غير متغير في وجوده وحكمته وقدرته وقداسته وعدله، وجودته وحقه" وهو يظهر لنا بطرق متنوعة، وأحوال مختلفة، في أعماله وتدبير عنايته (رو: ١: ٢٠) ولا سيما في الكتب المقدسة، حيث يتجلى غاية التجلي في شخصيّته وأعمال ابنه الوحيد المخلص يسوع المسيح .. ثم قال: "طبيعة الله" عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر (مت ٢٨: ١٩، ٢ كو ١٣: ١٤) الله الآب، والله الابن، والله الروح القدس، فإلى الآب ينتمي الخلق بواسطة الابن (مز ٣٣: ٦، وكو ١: ١٦، وعب: ٢٠١) وإلى الابن الفدى، وإلى الروح القدس التطهير، غير أن الثلاثة أقانيم تتقاسم جميع الأعمال الإلهيّة على السواء، أما مسألة التثليث فغير واضحة في العهد القديم، كما هي في العهد الجديد، وقد أشير إلى هذا الأمر في تك ص ١ حيث ذكر (الله) و (روح الله) (قابل مز ٣٣: ٦، ويو: ١: ١، ٣) والحكمة الإلهيّة المشخصة (أم ص ٨) تقابل (الحكمة) في (يو ص ١) وربما تشير إلى الأقنوم الثاني. وتطلق نعوت القدير على كل أقنوم من هذه الأقانيم على حدته .. ثم قال:
وهذا اللقب يدل على طبيعة المسيح الإلهيّة، كما أن القول بأنه (ابن الإنسان) يدل على طبيعته البشريّة، والمسيح هو ابن الله الأزلي، والابن الوحيد (قابل يو ١٨٠١ , ٥: ١٩ - ٢٦ , و ٩: ٣٥: ٣٨، ومت ١١: ٢٧، ١٦، ٢١: ٣٧ وآيات أخرى غير هذه في الرسائل) ومع أن المسيح يأمرنا بأن ندعو الله (أبانا) فهو لا يدعوه كذلك، إنما يدعوه (أبي) وذلك إيماء لما هنالك من الألفة العظيمة، والعلاقة الشديدة الكائنة بينهما، مما تفوق علاقته كل علاقة بشريّة،
стр. 257
وإشارة إلى أننا نحن أولاده ليس على سبيل البنوة التي للمسيح ربنا، من قبيل البنوة التي أنعم علينا بها بواسطة التبني والتجديد) ا. هـ بحروفه!
وقد ناقش صاحب المنار ﵀ هذه الأقوال وفندها (١)!
وقال (٢): والجدال عن الأقانيم في اللاهوت ابتدأ في العصر الرسولي، وقد نشأ على الأكثر عن تعاليم الفلاسفة الهيلانيّين، والغنوسطيّين، فإن (ثيوفيلوس) أسقف أنطاقية في القرن الثاني استعمل كلمة (ثرياس) باليونانيّة، ثم كان (ترتليانوس) أول من استعمل كلمة (ترينيتاس) باليونانيّة، ثم كان (ترتليانوس) أول من استعمل كلمة (ترينيتاس) المرادفة لها، ومعناها (الثالوث)!
وفي الأيام السابقة للمجمع النيقاوي حصل جدال مستمر في هذا التعليم، وعلى الخصوص في الشرق، وحكمت الكنيسة على كثير من الآراء بأنها (أراتيكيّة) (٣)، ومن جملتها (آراء الأبيونيّين) الذين كانوا يعتقدون أن المسيح إنسان محض، و (السابيليّن) الذين كانوا يعتقدون أن الآب، والابن، والروح القدس إنما هي صور مختلفة، أعلن بها الله نفسه للناس، و (الآريوسيّين) الذين كانوا يعتقدون أن الابن ليس أزليًّا كالأب؛ بل هو مخلوق منه قبل العالم، ولذلك هو دون الأب، وخاضع له، و (المكدونيّين) الذين كون الروح القدس أقنوما!
стр. 258
وأما تعليم الكنيسة فقد قرره المجمع النيقاوي سنة ٣٢٥ للميلاد، ومجمع القسطنطينيّة سنة ٣٨١ وقد حكما بأن الابن، والروح القدس مساويان للأب في وحدة اللاهوت، وأن الابن قد ولد منذ الأزل من الأب، وأن الروح القدس منبثق من الأب، ومجمع طليطلة المنعقد سنة ٥٨٩ حكم بأن الروح القدس منبثق من الابن أيضاً، وقد قبلت الكنيسة اللاتينية بأسرها هذه الزيادة وتمسكت بها، وأما الكنيسة اليونانية فمع أنها كانت في أول الأمر ساكتة لا تقاوم، قد أقامت الحجة فيما بعد على تغيير القانون، حاسبة ذلك بدعة!
وعبارة (ومن الابن أيضاً) لا تزال من جملة الموانع الكبرى للاتحاد بين الكنيسة اليونانيّة والكاثوليكيّة، وكتب اللوثريّين والكنائس المصلحة أبقت تعليم الكنيسة الكاثوليكيّة للثالوث على ما كان عليه من دون تغيير، ولكن قد ضاد ذلك منذ القرن الثالث عشر جمهور كبير من اللاهوتيّين، وعدة طوائف جديدة، كـ (السوسينيانيّين)، و (الجرمانيّن)، و (العموميّين)، وغيرهم .. حاسبين ذلك مضاداً للكتاب المقدس والعقل، وقد أطلق (سويدنبرغ الثالوث) على أقنوم المسيح، معلماً بثالوث، ولكن لا ثالوث الأقانيم، بل ثالوث الأقنوم، وكان يفهم بذلك أن ما هو إلهي في طبيعة المسيح هو الأب، وأن الإلهي الذي اتحد بناسوت المسيح هو الابن، وأن الإلهي الذي انبثق منه هو الروح القدس، وانتشار مذهبي العقليين في الكنائس اللوثيريّة، والمصلحة أضعف مدة من الزمان اعتقاد الثالوث بين عدد كبير من اللاهوتيّين الجرمانيّين!
وقد ذهب (كنت) إلى أن الأب والابن والروح القدس إنما تدل على صفات أساسية في اللاهوت، وهي القدرة والحكمة والمحبة، أو على ثلاثة فواعل عليا، وهي الخلق والحفظ والضبط، وقد حاول كل من (هيجين) و (شلنغ) أن يجعلا
стр. 259
لتعليم الثالوث أساساً تخيلياً، وقد اقتدى بهما اللاهوتيون الجرمانيون المتأخرون، وحاولوا المحاماة عن تعليم الثالوث بطرق مبنية على أسس تخيلية ولاهوتية، وبعض اللاهوتيين الذين يعتمدون على الوحي لا يتمسكون بتعليم استقامة الرأي الكنائسية بالتدقيق، كما هي مقررة في مجمعي نيقية والقسطنطينية المسكونيين، وقد قام محامون كثيرون في الأيام المتأخرة لعضد أراء السابيليين على الخصوص. اهـ!
من هذا العرض المجمل المفيد، نرى أن هؤلاء لا يدينون دين الحق!
ونرى التعقيب القرآني، الذي بدأنا به حديثنا على قول ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وقول النصارى ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ يثبت أنهم في هذا يماثلون قول الذين كفروا من قبلي ومعتقداتهم وتصوراتهم:
﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾!
فهو أولا يثبت (١) أن هذا القول صادر منهم، وليس مقولاً عنهم، ومن ثم يذكر (أفواههم) لاستحضار الصورة الحسيّة الواقعيّة -على طريقة القرآن في التصوير- إذ إنه مفهوم أن قولهم يكون بأفواههم، فهذه الزيادة ليست لغواً -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- وليست إطناباً زائداً، إنما هي طريقة التعبير القرآنية التصويرية، فهي التي تستحضر صورة القول، وتحيلها واقعية، وكأنها مسموعة مرئية!
وذلك فضلاً على ما تؤديه من معنى بياني آخر -إلى جانب إحياء الصورة وإثباتها-، وهو أن القول لا حقيقة له في عالم الواقع، إنما هو مجرد قول بالأفواه ليس وراءه موضوع ولا حقيقة!
стр. 260
وهو ثانياً يثبت جانباً من جوانب الإعجاز في القرآن الكريم، يدل على مصدره الرباني، ذلك قوله جل شأنه:
﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾!
ولقد كان المفسرون يقولون عن هذه الآية: إن المقصود بها أن قولتهم بنبوة أحد لله، تماثل قول المشركين العرب بنبوة الملائكة لله، وهذا صحيح، ولكن دلالة هذا النص القرآني أبعد مدى، ولم يتضح هذا المدى البعيد إلا حديثاً، بعد دراسة عقائد الوثنيين في الهند، ومصر القديمة، والإغريق. . مما اتضح مع أصل العقائد المحرفة عند أهل الكتاب -وبخاصة النصارى- وتسربها من هذه الوثنيات إلى تعاليم (بولس) أولاً، ثم إلى تعليم المجامع أخيراً!
إن الثالوث المصري المؤلف من (أوزوريس)، و (إيزيس)، و (حورس) هو قاعدة الوثنية الفرعونية، و (أوزوريس) يمثل الأب، و (حورس) يمثل الابن في هذا الثالوث!
وفي علم اللاهوت الإسكندري الذي كان يدرس قبل المسيح بسنوات كثيرة (الكلمة هي الإله الثاني) ويدعى أيضاً (ابن الله البكر)!
والهنود كانوا يقولون بثلاثة أقانيم، أو ثلاث حالات يتجلى فيها الإله (برهما) في حالة الخلق والتكوين، و (فشنو) في حالة الحفظ والقوامة، و (سيفا) في حالة الإهلاك والإبادة .. وفي هذه العقيدة، أن (فشنو) هو (الابن) المنبثق والمتحول عن اللاهوتية في (برهما)!
وكان الأشوريّون يؤمنون بالكلمة، ويسمونها (مردوخ) ويعتقدون أن مردوخ هذا هو ابن الله البكر!
стр. 261
وكان الإغريق يقولون بالإله المثلث الأقانيم، وإذا شرع كهنتهم في تقديم الذبائح يرشون المذبح بالماء المقدس ثلاث مرات، ويأخذون البخور من المبخرة بثلاث أصبع، ويرشون المجتمعين حول المذبح بالماء المقدس ثلاث مرات، إشارة إلى التثليث، وهذه الشعائر هي التي أخذتها الكنيسة بما وراءها من العقائد الوثنية، وضمتها للنصرانية تضاهئ بها قول الذين كفروا من قبل!
ومراجعة عقائد الوثنيين القدامى -التي لم تكن معروفة وقت نزول القرآن- مع هذا النص القرآني: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾!
كما أنها تثبت أن أهل الكتاب لا يدينون دين الحق، ولا يؤمنون بالله الإيمان الصحيح تبين كذلك جانباً من جوانب الإعجاز في القرآن الكريم، بالدلالة على مصدره، وأنه من لدن عليم خبير!
وبعد هذا التقرير والبيان تختم الآية المبينة لحقيقة ما عليه أهل الكتاب من الكفر والشرك بقول الله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾!
قاتلهم الله!
كيف يصرفون عن الحق الواضح البسيط، إلى هذه الوثنية المعقدة الغامضة التي لا تستقيم لدي عقل أو ضمير؟!
٨ - الجزيرة العربية:
أما العرب فساءت أخلاقهم، وأولعوا بالخمر والقمار (١)، وبلغت بهم القساوة والحمية المزعومة إلى أن وأد بعضهم البنات، وشاعت فيهم الغارة وقطع الطريق على القوافل، وسقطت منزلة المرأة، فكانت تورث كما يورث
стр. 262
المتاع أو الدابة، ومن المأكولات ما هو خاص للذكور محرم على الإناث، وكان يسوغ للرجل أن يتزوج ما شاء من النساء من غير تحديد، ومنهم من كان يقتل أولاده خشية الإنفاق، وخوف الفقر والإنفاق!
وكانت العصبية القبلية والدموية شديدة جامحة، وأغرموا بالحرب حتى صارت مسلاة لهم وملهى، وهانت عليهم إراقة الدماء فتثيرها حادثة تافهة، وتدوم أربعين سنة، ويقتل فيها ألوف من الناس!
٩ - أوروبا:
أما الأمم الأوروبية -المتوغلة في الشمال والغرب- فكانت تعيش في ظلام الجهل والأمية والحروب الدامية، وكانت بعيدة عن جادة قافلة الحياة الإنسانية، والعلوم والآداب، لا شأن للعالم بها ولا شأن لها بالعالم!
كانت أجسامهم قذرة، ورؤوسهم مملوءة بالأوهام، وكانوا يزهدون في النظافة واستعمال الماء، ويغالي الرهبان منهم في تعذيب الأجسام، والفرار من الإنسان (١)، وكانوا يبحثون في المرأة أهي حيوان أم إنسان؟ ولها روح خالدة أم ليست لها روح خالدة، وأن لها حق الملكية، والبيع والشراء، أم ليس لها شيء من ذلك؟!
يقول Robert Briffault :
(لقد أطبق على أوروبا ليل حالك من القرن الخامس إلى القرن العاشر، وكان هذا الليل يزداد ظلاماً وسواداً، وقد كانت همجية ذلك العهد أشد
стр. 263
هولاً، وأفظع من همجيّة العهد القديم لأنها كانت أشبه بجثة حضارة كبيرة قد تعفنت، وقد انطمست معالم هذه الحضارة، وقُضي عليها بالزوال، وقد كانت الأقطار الكبيرة التي ازدهرت فيها هذه الحضارة وبلغت أوجها في الماضي، كإيطاليا، وفرنسا، فريسة الدمار والفوضى والخراب) (١)!
١٠ - ظلام مطبق وليل دامس:
كان عالماً متداعياً قد شارف النهاية (٢)، خلاصة ما يقال فيه: إنه عالم فقد العقيدة كما فقد النظام، فقد أسباب الطمأنينة في الباطن والظاهر!
طمأنينة الباطن قد تنشأ من الركون إلى قوة في الغيب، تبسط العدل، وتحمي الضعيف، وتجزي الظلم، وتختار الأصلح الأكمل من جميع الأمور!
وطمأنينة الظاهر التي تنشأ من الركون إلى دولة تقضي بالشريعة، وتفصل بين البغاة والأبرياء، وتحرس الطريق، وتخيف المبطلين!
بيزنطة قد خرجت من الدين إلى الجدل العقيم الذي أصبح بعد ذلك علماً عليها، وتضاءلت سطوتها في البر والبحر، حتى طمع فيها من كان يحتمي بجوارها!
وفارس قد سخر فيها المجوس من دين المجوس، وكمنت حول عرشها كوامن الغيلة، وبواعث الفتن، ونوازع الشهوات!
والحبشة ضائعة بين الأوثان المستعارة من الماديّة تارة، ومن الهمجيّة تارة، وبين ما هو ضرب من عبادة الأوثان، ثم هي بعد هذا التشويه ليست بذات
стр. 264
رسالة في الدنيا ولا بذات طور من أطوار التاريخ, فليس لها عمل باق في سجل الأعمال الباقيات!
كان عالماً يتطلع إلى غير حاله، يتهيّأ للتبديل أو الهدم، ثم للبناء!
كان القرن السادس المسيحي من أحط أدوار التاريخ, ومن أشدها ظلاماً ويأساً، من مستقبل الإنسانيّة وصلاحيتها للبقاء والازدهار!
وقد أحسن المؤلف الإنجليزي (هـ. ج. ولس H.G. Wells) تصوير هذا العصر فقال وهو يبحث الظروف السائدة في عهد الحكومتين: الساسانيّة، والبيزنطيّة، في القرن السادس للميلاد:
(كانت العلوم والفلسفة والسياسة في حالة احتضار في عهد هذين النظامين المتحاربين، والمتجهين إلى الانحطاط، فقد كان الجيل الأخير من فلاسفة أثينا عاضاً على المؤلفات الأدبيّة العتيقة بالنواجذ، بكل احترام وحب، ولو بدون فهم لها، فلما انقرض هذا الجيل، لم تبق طبقة ولا أفراد أحرار شجعان، يتزعمون حريّة الفكر، وحريّة التعبير، ولا الذي يحتفظون -على الأقل -بتراث فكر حر، وبحث نزيه جدي، على دأب القدماء والسابقين لهم، وبجانب ما كان للفوضى السياسيّة والاجتماعيّة من دور كبير على مثل هذه الطبقة، كان من العوامل التي ساعدت على شلل الفكر الإنساني، وتجمد القرائح البشريّة، أن هذا العصر كان عصر العصبية وعدم التسامح في ظلام الحكومتين: الإيرانيّة، والبيزنطيّة، فقد كانت هاتان الحكومتان دينيتين نوعاً ما، وكانتا قد فرضتا قيوداً على العقل البشري)!
وبعدما قص الكاتب قصة زحف الإمبراطوريّة الإيرانيّة على الإمبراطوريّة البيزنطيّة، ثم انتصار البيزنطيّين على الإيرانيّين، في شيء من التوسع، عاد
стр. 265
إلى وصف التدهور الاجتماعي والخلقي السائد في أواخر القرن السادس المسيحي، فقال: (كان يسوغ لمتتبع -غير محنك ناضج الفكر- للأوضاع السائدة في أوائل القرن السابع المسيحي، أن يتنبأ بسهولة وثقة أن أوروبّا وآسيا ستقعان تحت رحمة المغول الوحوش في غضون بضعة قرون قادمة، فلم تكن في أوروبّا الغربيّة أمارات للأمن والنظام وحكم القانون، وقد كانت المملكتان: البيزنطيّة، والإيرانيّة مشغولتين في حرب إبادة وتدمير، بينما كانت الهند في حالة توزعّ ويؤس) (١)!
وبالجملة فقد كانت الإنسانية حينئذ في طريق الانتحار (٢)، وكان الإنسان في هذا القرن قد نسي خالقه، فنسي نفسه ومصيره، وفقد رشده، وفقد قوة التمييز بين الخير والشر، والحسن والقبيح، وكان الناس في شغل شاغل، وفكر ذاهل، لا يرفعون إلى الدّين والآخرة رأساً، ولا يفكرون في الروح والقلب، والسعادة الأخروية وخدمة الإنسانية، وإصلاح الحال لحظة!
وهنا نبصر القرآن الكريم يكشف عن ارتباط أحوال الحياة وأوضاعها بأعمال الناس وكسبهم، ويبين أن فساد قلوب الناس وعقائدهم وأعمالهم يوقع في الأرض الفساد، ويملؤها براً وبحراً بهذا الفساد، ويجعله مسيطراً على أقدارها، غالباً عليها: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم]!
فظهور الفساد هكذا واستعلاؤه لا يتم عبثاً، ولا يقع مصادفة (٣)!
стр. 266
١١ - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾:
وإذا كانت الصحف السابقة لم يتكفّل الله بحفظها -كما عرفنا- وأنه قد ثبت التحريف تاريخيًّا وتواتر، وأقرت به الأمم والطوائف انتي نزلت فيها هذه الصحف، وأن هناك شواهد كثيرة على ذلك، فإن منهجيّة البحث تدفعنا إلى بيان السر في ذلك، وأن الله قد تكفل بحفظ القرآن الكريم:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر]!
والسر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد (١)، وأن هذا القرآن الكريم جيء به مصدقاً لما بين يديه من الكتب ومهيمناً عليها، فكان جامعاً لما فيها من الحقائق الثابتة، زائداً عليها بما شاء الله زيادته، وسادًّا مسدّها, ولم يكن شيء منها ليسدَّ مسدّه، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، وإذا قضى الله أمراً يسر له أسبابه، وهو العليم الحكيم!
وهنا نبصر القرآن الكريم يختلف كل الاختلاف عن جميع الكتب السماوية، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت]!
ونبصر الحديث عن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم (٢)، ولا يذكر ماذا هم، ولا ماذا سيقع لهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾!
стр. 267
كأنما ليقال: إن فعلتهم لا يوجد وصف ينطبق عليها ويكافئها لشدة بشاعتها!
لذلك يترك النص خبر (إن) لا يأتي به، ويمضي في ذكر الذكر، وهو القرآن الذي كفروا به، لتفظيع الفعلة وتبشيعها: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾!
وأنى للباطل أن يدخل على هذا الكتاب، وهو كلام الله الذي تكفل بحفظه، يصدع بالحق، ويتصل بالحق الذي تقوم عليه السموات والأرض؟
وأنى يأتيه الباطل وهو عزيز محفوظ بأمر الله الذي تكفل بحفظه، وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾!
والمتدبّر لهذا القرآن يجد فيه ذلك الحق الذي نزل به، والذي نزل ليقره .. يجده في روحه، ويجده في نصه .. يجده في بساطة ويسر، حقاً مطمئناً فطرياً، يخاطب أعماق الفطرة، ويؤثر فيها التأثير العجيب!
إنه عزيز منيع محمي بحماية الله تعالى، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يتطرق إليه ولا يجد إليه سبيلاً من جهة من الجهات، حتى يصل إليه، ويتعلق به، ولا يخدعنك طعن الطاعنين وتأوُّلُ المبطلين؛ فإن الله قد حفظه بأن قيض قوماً عارضوهم بإبطال تأوليهم، وإفساد أقاويلهم، ومن ثم لا يخلو طعن طاعن إلا ممحوقاً، وقول مبطل إلا مضمحلاً (١)!
وهو ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾!
стр. 268
والحكمة ظاهرة في بنائه، وفي توجيهه، وفي طريقة نزوله، وفي علاجه للقلب البشري من أقصر طريق، والله الذي نزله خليق بالحمد .. وفي القرآن ما يستجيش القلب لحمده الكثير!
وننظر اليوم من وراء القرون إلى وعد الله الحق بحفظ هذا الذكر (١)، فنرى فيه المعجزة الشاهدة بربانيّة هذا الكتاب -إلى جانب غيرها من الشواهد الكثيرة- ونرى الأحوال والظروف والملابسات والعوامل التي تقلبت على هذا الكتاب في خلال هذه القرون، ما كان يمكن أن تتركه مصوناً محفوظاً لا تتبدل فيه كلمة، ولا تُحرف فيه جملة، لولا أن هنالك قدرة خارجة عن إرادة البشر، أكبر من الأحوال والظروف والملابسات والعوامل، تحفظ هذا الكتاب من التغيير والتبديل، وتصونه من العبث والتحريف!
لقد جاء على هذا القرآن زمان في أيام الفتن الأولى كثرت فيه الفرق، وكثر فيه النزاع، وطمت فيه الفتن، وتماوجت فيه الأحداث، وراحت كل فرقة تبحث لها عن سند في هذا القرآن، وفي حديث الرسول ﷺ ، ودخل في هذه الفتن وساقها أعداء هذا الدين الأصلاء من أهل الكتاب -خاصة- ثم من القوميّين دعاة القوميّة الذين عرفوا بالشعوبيّين!
ولقد أدخلت هذه الفرق على حديث رسول الله ﷺ ما احتاج إلى جهد الكثيرين من أئمة السنة وعلمائها, لمعرفة المقبول من المردود!
كما استطاعت هذه الفرق في تلك الفتن أن تؤوّل المعاني، وأن تحاول أن تلوي هذه النصوص لتشهد لها بما تريد تقريره من الأحكام والاتجاهات، ولكن كان لها بالمرصاد حماة هذا الدين!
стр. 269
بيد أنها عجزت -وفي أشد أوقات الفتن حلوكة واضطراباً- أن تحدث حديثاً واحداً في نصوص هذا الكتاب المحفوظ، وبقيت نصوصه كما أنزلها الله، حجة باقية على كل محرّف وكل مخرّف وكل مؤول، وحجة باقية كذلك على ربانيّة هذا الذكر المحفوظ!
ثم جاء على المسلمين زمان -ما نزال نعانيه- ضعفوا فيه عن حماية أنفسهم، وعن حماية عقيدتهم، وعن حماية نظامهم، وعن حماية أرضهم، وعن حماية أعراضهم وأخلاقهم، وحتى عن حماية عقولهم وإدراكهم!
وغيّر عليهم أعداؤهم الغالبون كل معروف عندهم، وأحلوا مكانه كل منكر فيهم .. كل منكر من العقائد والتصورات، ومن القيم والموازين، ومن الأخلاق والعادات، ومن الأنظمة والقوانين .. وزينوا لهم الانحلال والفساد والتوقح والتعري من كل خصائص (الإنسان) وردوهم إلى حياة كحياة الحيوان، وأحياناً إلى حياة دون حياة الحيوان .. ووضعوا لهم الشر كله تحت عناوين براقة من (التقدم)، و (التجديد) إلى آخر تلك الشعارات والعناوين، وأصبح البعض غثاء كغثاء السيل، لا يمنع ولا يدفع، ولا يصلح لشيء إلا أن يكون وقوداً للنار، وهو وقود هزيل!
ولكن أعداء هذا الدين -بعد هذا كله- لم يستطيعوا تبديل نصوص هذا الكتاب ولا تحريفها, ولم يكونوا في هذا من الزاهدين، فلقد كانوا أحرص الناس على بلوغ هذا الهدف لو كان في مقدورهم، وعلى نيل هذه الأمنية لو كانت تُنال!
ولقد بذل أعداء هذا الدين -وفي مقدمتهم اليهود- رصيدهم من تجارب أربعمائة وألف سنة أو تزيد في الكيد لهذا الدين، وقدروا على أشياء كثيرة ..
стр. 270
قدروا على تزوير الأحداث ودس الأشخاص في جسم المجتمع الإسلامي، ليؤدوا الأدوار التي يعجزون عن أدائها وهم سافرون .. وقدروا على تحطيم الدول والمجتمعات والأنظمة والقوانين .. وقدروا على تقديم عملائهم الخونة في صورة الأبطال الأمجاد، ليقوموا لهم بأعمال الهدم والتدمير في أجسام المجتمعات الإسلاميّة على مدار القرون، وبخاصة في العصر الحديث!
ولكنهم لم يقدروا على شيء واحد -والظروف الظاهرية كلها مهيّأة- لم يقدروا على إحداث شيء في هذا الكتاب المحفوظ، الذي لا حماية له من أهله المنتسبين إليه، وهم بعد أن نبذوه وراء ظهورهم غثاء كغثاء السيل لا ينفع ولا يدفع ولا يمنع .. فدل هذا مرة أخرى على ربانيّة هذا الكتاب، وشهدت هذه المعجزة الباهرة بأنه حقًّا تنزيل من حكيم حميد!
لقد كان هذا الوعد على عهد رسول الله ﷺ هكذا .. أما اليوم -من وراء كل تلك الأحداث الضخام، ومن وراء تلك القرون الطوال- فهو المعجزة الشاهدة بربانيّة هذا الكتاب، والتي لا يماري فيها إلا عنيد جهول!
وإذا كنا قد عرفنا أن الكتب السماويّة قد أصابها التحريف والتزييف، والتبديل والتخريف، فإن الانحطاط قد بلغ غايته في العالم يومئذ:
في الدولة الرومية الشرقية، وفي مصر ذات النيل السعيد، والخصب المزيد!
والحبشة التي لم تكن بذات روح ولا طموح!
والأمم الأوروبيّة المتوغلة في الشمال والغرب، التي كانت تتسكع في ظلام الجهل والخرافة، والأميّة الفاشية، والحروب الدامية، ولم ينبثق فيها فجر الحياة بعد، ولم تظهر على مسرحها الأندلس الإسلاميّة، لتؤدي رسالتها في العلم
стр. 271
والمدنيّة، وكانت بمعزل عن جادة قافلة الحضارة الإنسانية بعيدة عنها، وأطبق عليها ليل حالك، وازداد هذا الليل ظلاماً وسواداً!
ولم يكن اليهود عاملاً من عوامل الدين يؤثر في غيرهم، بل قُضي عليهم منذ قرون طويلة أن يكونوا مصدر بلاءً وشقاء، وقد أورثهم تاريخهم وما تفردوا به من أمم الأرض من العنصريّة والجشع، والأنانيّة والطمع، نفسيّة غريبة، لم توجد في أمة من الأمم، وانفردوا بخصائص خلقيّة كانت لهم شعاراً على تعاقب الأحوال والأجيال، منها الخنوع عند الضعف، والبطش وسوء السيرة عند الغلبة، والختل والنفاق في عامة الأحوال، والقسوة والأثرة، وأكل أموال الناس بالباطل، والصد عن سبيل الله!
ونجد فارس التي شاطرت الروم في حكم العالم آنذاك، ونبصر أخلافاً هدّهم الغلول والطمع، والانحراف والجشع، ونرى أساس الأخلاق مضطرباً مائجاً منذ عهد عريق في القدم، لدرجة أن (يزدجرد الثاني) الذي حكم في أواسط القرن الخامس الميلادي تزوج بنته ثم قتلها، وأن (بهرام جويين) الذي تملك في القرن السادس كان متزوجاً بأخته (١)، وكان تقديس الأكاسرة مظهراً من المظاهر العامة؛ لأنهم كانوا يدّعون أن دماً إلهيًّا يجري في عروقهم!
أما الهند فقد اتفقت كلمة المؤرخين في تاريخها على أن أحط أدوارها عقيدة وخلقاً واجتماعاً ذلك العهد الذي يبتدئ من مستهل القرن السادس الميلادي، فقد ساهمت الهند جاراتها وشقيقاتها في التدهور الخلقي والاجتماعي، الذي شمل الكرة الأرضيّة في هذه الحقبة من الزمن، وأخذت نصيباً غير منقوص من
стр. 272
هذا الظلام الذي مد رواقه على المعمورة، وامتازت عنها في ظواهر وخلال يمكن تلخيصها في ثلاث:
الأولى: كثرة المعبودات والآلهة كثرة فاحشة!
الثانية: الشهوات الجنسيّة الجامحة!
الثالثة: التفاوت الطبقي المجحف، والامتياز الاجتماعي الجائر!
وقد بلغت الوثنيّة أوجها في هذا القرن، كما بلغ الفساد الأخلاقي مبلغه، حيث كانوا يعبدون آلة التناسل لمعبودهم (مهاديو) وكانوا يعبدون النساء العاريات، والنساء يعبدن الرجال العراة، وكان كهنة المعابد الخونة والفساق يرزؤون الراهبات والزائرات، وإذا كان هذا شأن البيوت التي أقيمت للعبادة فما ظنك ببلاط الملوك وقصور الأغنياء؟!
أما العرب فقد عرفت عنهم الوثنية الجاهليّة، والأدواء الخلقيّة، والعصبيّة القبليّة، وكانوا يعيشون في جاهليّة جهلاء، وفوضى عمياء!
أرأيت كيف كانت الإنسانيّة في الاحتضار؟!
أرأيت عالماً قد خيّم عليه الجحود والكنود، والفسوق والعقوق، كهذا العالم الذي طفنا حوله في هذه العُجالة؟!
حقًّا، إنه عالم يضطرب في رق المادة، وعبوديّة الشهوة، وسلطان البطش، ليس للمثل الأعلى وجود في ذهنه، ولا للغرض النبيل أثر في سعيه، ولا للشعور الإنساني مجرى في حسه، ولا للسمو معنى في نفسه، كان حيوانيًّا شهوته الغلب، ماديًّا غايته الجشع، أنانيًّا شريعته الطمع، شيطانيًّا سبيله الهوى، ومآله الردى!
стр. 273
١٢ - الحاجة إلى محمد رسول الله ﷺ -:
وقد كانت الأوضاع الفاسدة، والدرجة التي وصل إليه الإنسان في منتصف القرن السادس الميلادي (١)، أكبر من أن يقوم لإصلاحها مصلحون ومعلمون من أفراد الناس، فلم تكن القضية قضية إصلاح عقيدة من العقائد، أو إزالة عادة من العادات، أو قبول عبادة من العبادات، أو إصلاح مجتمع من المجتمعات، فقد كان يكفي له المصلحون والمعلمون الذين لم يخل منهم عصر ولا مصر!
ولكن القضيّة كانت قضيّة إزالة أنقاض جاهليّة، ووثنيّة تخريبيّة، تراكمت عبر القرون والأجيال، ودفنت تحتها تعاليم الأنبياء والمرسلين، وجهود المصلحين والمعلّمين، وإقامة بناء شامخ مشيّد البنيان، واسع الأرجاء، يسع العالم كله، ويُؤوي الأمم كلها، قضية إنشاء إنسان جديد، يختلف عن الإنسان القديم في كل شيء، كأنه ولد من جديد، أو عاش من جديد:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام]!
وهنا نبصر تصوير طبيعة الهدى وطبيعة الإيمان في تعبير قرآني معجز عن حقيقة واقعيّة، وما يبدو فيها من تشبيه ومجاز إنما هو لتجسيم هذه الحقيقة في الصورة الموحية المؤثرة (٢)!
إن نوع الحقيقة هنا هو الذي يقتضي هذه الإيقاعات التصويريّة، فهي حقيقة، نعم. ولكنها حقيقة روحيّة فكريّة، حقيقة تُذاق بالتجربة، ولا تملك
стр. 274
العبارة إلا أن تستحضر مذاق التجربة، ولكن لن ذاقها فعلاً!
إن هذه العقيدة تنشئ في القلب حياة بعد الموت .. وتطلق فيه نوراً بعد الظلمات .. حياة يعيد بها تذوق كل شيء، وتصور كل شيء، وتقدير كل شيء بحسّ آخر لم يكن يعرفه قبل هذه الحياة .. ونوراً يبدو كل شيء تحت أشعّته وفي مجاله جديداً، كما لم يبد من قبل قط لذلك القلب الذي نوّره الإيمان!
هذه التجربة لا تنقلها الألفاظ، يعرفها فقط من ذاقها، والعبارة القرآنيّة هي أقوى عبارة تحمل حقيقة هذه التجربة؛ لأنها تصورها بألوان من جنسها ومن طبيعتها!
إن الكفر انقطاع عن الحياة الأزليّة الأبديّة، التي لا تفنى ولا تغيض ولا تغيب!
هو موت .. وانعزال عن القوة الفاعلة المؤثرة في الوجود كله .. هو موت .. وانطماس في أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية .. هو موت!
والإيمان اتصال، واستمداد، واستجابة .. فهو حياة!
إن الكفر حجاب للروح عن الاستشراف والاطلاع .. فهو ظلمة .. وختم على الجوارح والمشاعر .. فهو ظلمة .. وتيه في التيه والضلال .. فهو ظلمة!
وإن الإيمان تفتّح ورؤية، وإدراك واستقامة .. فهو نور بكل مقومات النور!
إن الكفر انكماش وتحجر .. فهو ضيق .. وشرود عن الطريق الفطري الميسر .. فهو عسر .. وحرمان من الاطمئنان إلى الكنف الآمن .. فهو قلق!
وإن الإيمان انشراح وشر وطمأنينة وظل ممدود!
стр. 275
وما الكافر؟ إن هو إلا نبتة ضالة لا وشائج لها في تربة هذا الوجود ولا جذور .. إن هو إلا فرد منقطع الصلة بخالق الوجود، فهو منقطع الصلة بالوجود، لا تربطه به إلا روابط هزيلة من وجوده الفردي المحدود .. في أضيق الحدود. في الحدود التي تعيش فيها البهيمة .. حدود الحسّ وما يدركه الحسّ من ظاهر هذا الوجود!
إن الصله بالله، والصلة في الله، لتصل الفرد الفاني بالأزل القديم والأبد الخالد .. ثم تصله بالكون الحادث والحياة الظاهرة .. ثم تصله بموكب الإيمان والأمة الواحدة الضاربة في جذور الزمان .. الموصولة على مدار الزمان .. فهو في ثراء من الوشائج، وفي ثراء من الروابط، وفي ثراء من الوجود الزاخر الممتد اللاحب، الذي لا يقف عند عمره الفردي المحدود!
ويجد الإنسان في قلبه هذا النور، فتتكشف له حقائق هذا الدين، ويتكشف له منهجه في العمل والحركة، تكشفاً عجيباً!
إنه مشهد رائع باهر، هذا الذي يجده الإنسان في قلبه حين يجد هذا النور .. مشهد التناسق الشامل العجيب في طبيعة هذا الدين وحقائقه .. ومشهد التكامل الجميل الدقيق في منهجه للعمل وطريقته!
إن هذه الرسالة التي حملها الرسول ﷺ تبصرنا بأن هذا (الدّين القيّم) يبدو تصميماً واحداً متراكباً متناسقاً .. يبدو حيًّا يتجاوب مع الفطرة، وتتجاوب معه في ألفة عميقة وفي صداقة وثيقة، وفي حب ودود!
ويجد الإنسان في قلبه هذا النور، فتتكشف له حقائق الوجود، وحقائق الحياة، وحقائق الناس، وحقائق الأحداث التي تجري في هذا الكون، وتجري في عالم الناس .. تتكشف له في مشهد كذلك رائع باهر .. مشهد السنة
стр. 276
الدقيقة التي تتوالى مقدماتها ونتائجها في نظام محكم، ولكنه فطري ميسر .. ومشهد المشيئة القادرة من وراء السنة الجارية تدفع بالسنة لتعمل، وهي من ورائها محيطة طليقة .. ومشهد الناس والأحداث، وهم في نطاق النواميس، وهي في هذا النطاق أيضاً!
ويجد الإنسان في قلبه هذا النور، حين يبصر معالم الرسالة وعظمة الرسول ﷺ ، فيجد الوضوح في كل شأن، وفي كل أمر، وفي كل حدث!
يجد الوضوح في نفسه، وفي نواياه وخواطره وخطئه وحركته!
ويجد الوضوح فيما يجري حوله، سواء من سنة الله النافذة، أو من أعمال الناس ونواياهم، وخططهم المستترة والظاهرة!
ويجد تفسير الأحداث والتاريخ, في نفسه وعقله، وفي الواقع من حوله، كأنه يقرأ من كتاب!
ويجد الوضاءة في خواطره ومشاعره وملامحه!
ويجد الراحة في باله وحاله ومآله!
ويجد الرفق واليسر في إيراد الأمور وإصدارها، وفي استقبال الأحداث واستدبارها!
ويجد الطمأنينة والثقة واليقين في كل حالة وفي كل حين!
وهكذا يصور القرآن الكريم تلك الحقيقة بإيقاعاته الموحية:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾!
وهنا نبصر قضية اقتلاع جرثومة الفساد، واستئصال شأفة الوثنيّة،
стр. 277
واجتثاثها من جذورها، بحيث لا يبقى لها عين ولا أثر، وترسيخ عقيدة التوحيد في أعماق النفس الإنسانية ترسيخاً، لا تصور فوقه، وغرس ميل إلى إرضاء الله وعبادته، وخدمة الإنسانية، وانتصار للحق، يتغلّب على كل رغبة، ويقهر كل شهوة، ويجرف بكل مقاومة .. وبالجملة الأخذ بحجز الإنسانيّة المنتحرة التي استجمعت قواها للتوثب في جحيم الدنيا والآخرة، والسلوك بها على طريق، أولُها سعادة يحظى بها العارفون المؤمنون، وآخرها جنة الخلد الذي وُعد المتقون، ولا تصوير أبلغ وأصدق من قول الله تعالى في معرض المن ببعثة محمد ﷺ !
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران]!
كذلك كانوا قبل هذه الرسالة، قبل أن يُرسل الله خاتم النبيّين ﷺ ، قبل أن ينفخ الإيمان في قلوبهم فيُحييها، ويطلق فيها هذه الطاقة الضخمة من الحيويّة والحركة والتطلع والاستشراف!
كانت قلوبهم مواتاً!
وكانت أرواحهم ظلاماً!
ثم إذا قلوبهم تتفتّح للإيمان فتهتز، وإذا أرواحهم يشرق فيها النور فتضيء، ويفيض منها النور فتمشي به في الناس، تهدي الضال، وتلتقط الشارد، وتطمئن الخائف، وتحرر المستعبد، وتكشف معالم الطريق للبشر، وتعلن في الأرض ميلاد الإنسان الجديد .. الإنسان المتحرر المستنير، الإنسان الذي خرج بعبوديته لله من عبودية العبيد!
стр. 278
أفمن نفخ الإيمان في روحه الحياة، وأفاض الحق على قلبه النور، كمن حاله في الظلمات، لا مخرج له منها؟!
إنهما عالمان مختلفان، شتان بينهما شتان!
حقًّا، إنه لم يعرف في تاريخ البشريّة كله عمل أدق وأعقد، ومسؤوليّة أعظم وأضخم، من مسؤوليّة محمد ﷺ كنبي مرسل، كما أنه لم يعرف غرس أثمر مثل غرسه، وسعي تكلّل بالنجاح مثل سعيه!
وهكذا قالت حوادث الكون:
لقد كانت الدنيا في حاجة إلى رسالة محمد ﷺ !
وقالت حقائق التاريخ:
لقد كان خاتم النبيّين ﷺ هو صاحب تلك الرسالة!
ولا كلمة لقائل بعد شهادة حوادث الكون، وحقائق التاريخ, ونزول الوحي!
стр. 279
بشارات النبوّة
стр. 280
بشارات النبوّة
١ - البشارة الأولى: عشرة أوجه
٢ - البشارة الثانية
٣ - البشارة الثالثة
٤ - البشارة الرابعة
٥ - البشارة الخامسة
٦ - رواية البخاري وغيره لصفات النبي ﷺ في التوراة
٧ - أشهر أسماء النبي ﷺ
٨ - أسماؤه في الشعر
٩ - ميثاق النبيين
١٠ - القرآن يسجّل على أهل الكتاب يقينهم بمعرفة الرسول ﷺ -
стр. 281
بشارات النبوّة
تمهيد:
قال الماوردي (١): (إن لله تعالى عوناً على أوامره، وإغناء عن نواهيه، فكان أنبياء الله تعالى معانين على تأسيس النبوّة بما تقدّمه من بشائرها، وتُبديه من أعلامها وشعائرها, ليكون السابق مبشّراً ونذيراً، واللاحق مصدّقاً وظهيراً، فتدوم بهم طاعة الخلق، وينتظم بهم استمرار الحق، وقد تقدّمت بشائر من سلف من الأنبياء بنبوة محمد ﷺ ، مما هو حجة على أممهم، ومعجزة تدل على صدقه عند غيرهم، بما أطلعه تعالى على غيبه، ليكون عوناً للرسول ﷺ ، وحثاً على القبول)!
ثم سرد الماوردي البشائر من نصوص كتبهم:
وجاء في (منية الأذكياء في قصص الأنبياء) ما نصه (٢)!
(إن نبينا ﵊ قد بشرت به الأنبياء السالفون، وشهدوا بصدق نبوّته، ووصفوه وصفاً رفع كل احتمال، حيث صرّحت باسمه وبلده، وجنسه وحليته وأطواره وسمته، غير أن أهل الكتاب حذفوا اسمه -يعني من نسخهم الأخيرة- إلا أن ذلك لم يجدهم نفعاً، لبقاء الصفات التي اتفق عليها المؤرخون من كل جنس وملّة، وهي أظهر دلالة من الاسم على المسمّى، إذ قد يشترك اثنان في اسم، ويمتنع اشتراك اثنين في جميع الأوصاف، لكن من أمد غير بعيد قد شرعوا في تحريف بعض الصفات، ليبعد صدقها على النبي - عليه
стр. 282
الصلاة والسلام - فترى كل نسخة متأخرة تختلف عما قبلها في بعض المواضع اختلافاً لا يخفى على اللبيب أمره، ولا ما قصده به، ولم يفدهم ذلك غير تقوية الشبهة عليهم، لانتشار النسخ بالطبع، وتيسر المقابلة بينها)!
وجاء في (إظهار الحق) ما نصه (١):
(إن الإخبارات الواقعة في حق محمد ﷺ توجد كثيرة إلى الآن أيضاً، مع وقوع التحريفات في هذه الكتب، ومن عرف أولاً طريق إخبار النبيّ المتقدم عن النبيّ المتأخّر، على ما عرفت في الأمر الثاني -يعني في كلامه- ثم نظر ثانياً بنظر الإنصاف إلى هذه الإخبارات، وقابلها بالإخبارات التي نقلها الإنجيليّون في حق عيسى ﵇ جزم بأن الإخبارات المحمدية في غاية القوة)!
وقد نقل صاحب المنار البشارات التالية، وعلق عليها (٢)!
١ - البشارة الأولى:
في الباب الثامن عشر من سفر الاستثناء (التثنية) هكذا:
(١٧ فقال الرب لي نعم جميع ما قالوا ١٨ وسوف أقيم لهم نبيًّا مثلك من بين إخوتهم، وأجعل كلامي في فمه، ويكلمهم بكل شيء آمره به ١٩ ومن لم يطع كلامه الذي يتكلّم به باسمي فأكون أنا المنتقم من ذلك ٢٠ فأما النبيّ الذي يجترئ بالكبرياء ويتكلم في اسمي ما لم آمره بأنه يقوله أم باسم آلهة غيري فليقتل ٢١ فإن أجبت وقلت في قلبك كيف أستطيع أن أميز الكلام الذي لم يتكلم به الرب ٢٢ فهذه تكون لك آية أن ما قاله ذلك النبي في اسم الرب ولم
стр. 283
يحدث فالرب لم يكن تكلم به، بل ذلك النبي صورته في عظم نفسه، ولذلك لا تخشاه)!
عشرة أوجه:
وهذه البشارة ليست بشارة بيوشع، كما يزعم الآن أحبار اليهود، ولا بشارة بعيسى ﵇ كما زعم علماء بروتستانت، بل هي بشارة بمحمد ﷺ لعشرة أوجه:
الوجه الأول: قد عرفت في الأمر الثالث -أي الذي سبق ذكره في تفسير المنار (١) - أن اليهود المعاصرين لعيسى ﵇ كانوا ينتظرون نبيًّا آخر مبشراً به في هذا الباب، وكان هذا المبشّر به عندهم غير المسيح، فلا يكون هذا المبشّر به يوشع، ولا عيسى!
الوجه الثاني: أنه وقع في هذه البشارة لفظ مثلك، ويوشع، وعيسى لا يصح أن يكونا مثل موسى ﵇!
أما أولاً: فلأنهما من بني إسرائيل، ولا يجوز أن يقوم أحد من بني إسرائيل مثل موسى، كما تدل عليه الآية العاشرة من الباب الرابع والثلاثين من سفر الاستثناء (التثنية) وهي هكذا: (١٠ ولم يقم بعد ذلك نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهاً لوجه) إلخ!
وأما ثانياً: فلأنه لا مماثلة بين يوشع وبين موسى؛ لأن موسى ﵇ صاحب كتاب وشريعة جديدة مشتملة على أوامر ونواهي، ويوشع ليس كذلك، بل هو متبع لشريعته!
стр. 284
وكذا لا توجد المماثلة التامة بين موسى، وعيسى ﵉؛ لأن عيسى ﵇ كان إلهاً ورباً على زعم النصارى، وموسى ﵇ كان عبد إله، وأن عيسى ﵇ على زعمهم صار ملعوناً لشفاعة الخلق، كما صرح به بولس في الباب الثالث من رسالته إلى (أهل غلاطية)، وموسى ﵇ ما صار ملعوناً لشفاعتهم، وأن عيسى ﵇ دخل الجحيم بعد موته كما هو مصرح به في عقائد أهل التثليث، وموسى ﵇ ما دخل الجحيم، وأن عيسى ﵇ صلب على زعم النصارى ليكون كفارة لأمته، وموسى ﵇ ما صار كفارة لأمته بالصلب، وأن شريعة موسى مشتملة على الحدود والتعزيرات وأحكام الغسل والطهارات والمحرمات من المأكولات والمشروبات، بخلاف شريعة عيسى ﵇ فإنها فارغة منها على ما يشهد به هذا الإنجيل المتداول بينهم، وأن موسى ﵇ كان رئيساً مطاعاً في قومه نفاذاً لأوامره ونواهيه، وعيسى ﵇ لم يكن كذلك!
الوجه الثالث: أنه وقع في هذه البشارة لفظ: (من بين إخوتهم) ولا شك أن الأسباط الاثني عشر كانوا موجودين في ذلك الوقت مع موسى ﵇ حاضرين عنده، فلو كان المقصود كون النبي المبشر به منهم لقال منهم لا (من بين إخوتهم)؛ لأن الاستعمال الحقيقي لهذا اللفظ أن لا يكون المبشر به له علاقة الصلبيّة والبطنية ببني إسرائيل، كما جاء لفظ الإخوة بهذا الاستعمال الحقيقي في وعد الله هاجر في حق إسماعيل ﵇ في الآية الثانية عشرة من الباب السادس عشر من سفر التكوين، وعبارتها في الترجمة العربيّة المطبوعة سنة ١٨٤٤ م هكذا:
стр. 285
(وقبله جميع إخوته بنصب المضارب) وفي الترجمة العربيّة المطبوعة سنة ١٨١١ م هكذا:
(بحضرة جميع إخوته يسكن)!
وجاء بهذا الاستعمال أيضاً في الآية الثامنة عشرة من الباب الخامس والعشرين من سفر التكوين في حق إسماعيل في الترجمة العربيّة سنة ١٨٤٤ م، هكذا:
(منتهى إخوته جميعهم سكن)!
وفي الترجمة العربيّة المطبوعة سنة ١٨١١ م، هكذا:
(أقام بحضرة جميع إخوته)!
والمراد بالإخوة هاهنا بنو عيسى، وإسحاق وغيرهم من أبناء إبراهيم ﵇!
وفي الآية الرابعة عشرة من الباب العشرين من سفر العدد هكذا:
(ثم أرسل موسى رسلاً من قادس إلى ملك الروم قائلاً: هكذا يقول أخوك إسرائيل إنك قد علمت كل البلاء الذي أصابنا)!
وفي الباب الثاني من سفر (التثنية) هكذا:
(٢ وقال لي الرب ٤ ثم أوصى الشعب أنكم ستجوزون في تخوم إخوتكم بني عيسو الذي في ساعير وسيخشونكم ٨ فلما جزنا إخوتنا بني عيسو الذين يسكنون ساعير) إلخ!
والمراد بإخوة بني إسرائيل بنو عيسو، ولا شك أن استعمال لفظ إخوة بني إسرائيل في بعض منهم كما جاء في بعض المواضع من التوراة استعمال