← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

بشارات النبوّة تمهيد: قال الماوردي (١): (إن لله تعالى عوناً على أوامره، وإغناء عن نواهيه، فكان أنبياء الله تعالى معانين على تأسيس النبوّة بما تقدّمه من بشائرها، وتُبديه من أعلامها وشعائرها, ليكون السابق مبشّراً ونذيراً، واللاحق مصدّقاً وظهيراً، فتدوم بهم طاعة الخلق، وينتظم بهم استمرار الحق، وقد تقدّمت بشائر من سلف من الأنبياء بنبوة محمد ﷺ ، مما هو حجة على أممهم، ومعجزة تدل على صدقه عند غيرهم، بما أطلعه تعالى على غيبه، ليكون عوناً للرسول ﷺ ، وحثاً على القبول)! ثم سرد الماوردي البشائر من نصوص كتبهم: وجاء في (منية الأذكياء في قصص الأنبياء) ما نصه (٢)! (إن نبينا ﵊ قد بشرت به الأنبياء السالفون، وشهدوا بصدق نبوّته، ووصفوه وصفاً رفع كل احتمال، حيث صرّحت باسمه وبلده، وجنسه وحليته وأطواره وسمته، غير أن أهل الكتاب حذفوا اسمه -يعني من نسخهم الأخيرة- إلا أن ذلك لم يجدهم نفعاً، لبقاء الصفات التي اتفق عليها المؤرخون من كل جنس وملّة، وهي أظهر دلالة من الاسم على المسمّى، إذ قد يشترك اثنان في اسم، ويمتنع اشتراك اثنين في جميع الأوصاف، لكن من أمد غير بعيد قد شرعوا في تحريف بعض الصفات، ليبعد صدقها على النبي - عليه

стр. 282

الصلاة والسلام - فترى كل نسخة متأخرة تختلف عما قبلها في بعض المواضع اختلافاً لا يخفى على اللبيب أمره، ولا ما قصده به، ولم يفدهم ذلك غير تقوية الشبهة عليهم، لانتشار النسخ بالطبع، وتيسر المقابلة بينها)! وجاء في (إظهار الحق) ما نصه (١): (إن الإخبارات الواقعة في حق محمد ﷺ توجد كثيرة إلى الآن أيضاً، مع وقوع التحريفات في هذه الكتب، ومن عرف أولاً طريق إخبار النبيّ المتقدم عن النبيّ المتأخّر، على ما عرفت في الأمر الثاني -يعني في كلامه- ثم نظر ثانياً بنظر الإنصاف إلى هذه الإخبارات، وقابلها بالإخبارات التي نقلها الإنجيليّون في حق عيسى ﵇ جزم بأن الإخبارات المحمدية في غاية القوة)! وقد نقل صاحب المنار البشارات التالية، وعلق عليها (٢)! ١ - البشارة الأولى: في الباب الثامن عشر من سفر الاستثناء (التثنية) هكذا: (١٧ فقال الرب لي نعم جميع ما قالوا ١٨ وسوف أقيم لهم نبيًّا مثلك من بين إخوتهم، وأجعل كلامي في فمه، ويكلمهم بكل شيء آمره به ١٩ ومن لم يطع كلامه الذي يتكلّم به باسمي فأكون أنا المنتقم من ذلك ٢٠ فأما النبيّ الذي يجترئ بالكبرياء ويتكلم في اسمي ما لم آمره بأنه يقوله أم باسم آلهة غيري فليقتل ٢١ فإن أجبت وقلت في قلبك كيف أستطيع أن أميز الكلام الذي لم يتكلم به الرب ٢٢ فهذه تكون لك آية أن ما قاله ذلك النبي في اسم الرب ولم

стр. 283

يحدث فالرب لم يكن تكلم به، بل ذلك النبي صورته في عظم نفسه، ولذلك لا تخشاه)! عشرة أوجه: وهذه البشارة ليست بشارة بيوشع، كما يزعم الآن أحبار اليهود، ولا بشارة بعيسى ﵇ كما زعم علماء بروتستانت، بل هي بشارة بمحمد ﷺ لعشرة أوجه: الوجه الأول: قد عرفت في الأمر الثالث -أي الذي سبق ذكره في تفسير المنار (١) - أن اليهود المعاصرين لعيسى ﵇ كانوا ينتظرون نبيًّا آخر مبشراً به في هذا الباب، وكان هذا المبشّر به عندهم غير المسيح، فلا يكون هذا المبشّر به يوشع، ولا عيسى! الوجه الثاني: أنه وقع في هذه البشارة لفظ مثلك، ويوشع، وعيسى لا يصح أن يكونا مثل موسى ﵇! أما أولاً: فلأنهما من بني إسرائيل، ولا يجوز أن يقوم أحد من بني إسرائيل مثل موسى، كما تدل عليه الآية العاشرة من الباب الرابع والثلاثين من سفر الاستثناء (التثنية) وهي هكذا: (١٠ ولم يقم بعد ذلك نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهاً لوجه) إلخ! وأما ثانياً: فلأنه لا مماثلة بين يوشع وبين موسى؛ لأن موسى ﵇ صاحب كتاب وشريعة جديدة مشتملة على أوامر ونواهي، ويوشع ليس كذلك، بل هو متبع لشريعته!

стр. 284

وكذا لا توجد المماثلة التامة بين موسى، وعيسى ﵉؛ لأن عيسى ﵇ كان إلهاً ورباً على زعم النصارى، وموسى ﵇ كان عبد إله، وأن عيسى ﵇ على زعمهم صار ملعوناً لشفاعة الخلق، كما صرح به بولس في الباب الثالث من رسالته إلى (أهل غلاطية)، وموسى ﵇ ما صار ملعوناً لشفاعتهم، وأن عيسى ﵇ دخل الجحيم بعد موته كما هو مصرح به في عقائد أهل التثليث، وموسى ﵇ ما دخل الجحيم، وأن عيسى ﵇ صلب على زعم النصارى ليكون كفارة لأمته، وموسى ﵇ ما صار كفارة لأمته بالصلب، وأن شريعة موسى مشتملة على الحدود والتعزيرات وأحكام الغسل والطهارات والمحرمات من المأكولات والمشروبات، بخلاف شريعة عيسى ﵇ فإنها فارغة منها على ما يشهد به هذا الإنجيل المتداول بينهم، وأن موسى ﵇ كان رئيساً مطاعاً في قومه نفاذاً لأوامره ونواهيه، وعيسى ﵇ لم يكن كذلك! الوجه الثالث: أنه وقع في هذه البشارة لفظ: (من بين إخوتهم) ولا شك أن الأسباط الاثني عشر كانوا موجودين في ذلك الوقت مع موسى ﵇ حاضرين عنده، فلو كان المقصود كون النبي المبشر به منهم لقال منهم لا (من بين إخوتهم)؛ لأن الاستعمال الحقيقي لهذا اللفظ أن لا يكون المبشر به له علاقة الصلبيّة والبطنية ببني إسرائيل، كما جاء لفظ الإخوة بهذا الاستعمال الحقيقي في وعد الله هاجر في حق إسماعيل ﵇ في الآية الثانية عشرة من الباب السادس عشر من سفر التكوين، وعبارتها في الترجمة العربيّة المطبوعة سنة ١٨٤٤ م هكذا:

стр. 285

(وقبله جميع إخوته بنصب المضارب) وفي الترجمة العربيّة المطبوعة سنة ١٨١١ م هكذا: (بحضرة جميع إخوته يسكن)! وجاء بهذا الاستعمال أيضاً في الآية الثامنة عشرة من الباب الخامس والعشرين من سفر التكوين في حق إسماعيل في الترجمة العربيّة سنة ١٨٤٤ م، هكذا: (منتهى إخوته جميعهم سكن)! وفي الترجمة العربيّة المطبوعة سنة ١٨١١ م، هكذا: (أقام بحضرة جميع إخوته)! والمراد بالإخوة هاهنا بنو عيسى، وإسحاق وغيرهم من أبناء إبراهيم ﵇! وفي الآية الرابعة عشرة من الباب العشرين من سفر العدد هكذا: (ثم أرسل موسى رسلاً من قادس إلى ملك الروم قائلاً: هكذا يقول أخوك إسرائيل إنك قد علمت كل البلاء الذي أصابنا)! وفي الباب الثاني من سفر (التثنية) هكذا: (٢ وقال لي الرب ٤ ثم أوصى الشعب أنكم ستجوزون في تخوم إخوتكم بني عيسو الذي في ساعير وسيخشونكم ٨ فلما جزنا إخوتنا بني عيسو الذين يسكنون ساعير) إلخ! والمراد بإخوة بني إسرائيل بنو عيسو، ولا شك أن استعمال لفظ إخوة بني إسرائيل في بعض منهم كما جاء في بعض المواضع من التوراة استعمال

стр. 286

مجازي، ولا تترك الحقيقة ولا يصار إلى المجاز ما لم يمنع من الحمل على المعنى الحقيقي مانع قوي، ويوشع، وعيسى كانا من بني إسرائيل فلا تصدق هذه البشارة عليهما! الوجه الرابع: أنه قد وقع في هذه البشارة لفظ (سوف أقيم)، ويوشع كان حاضراً عند موسى ﵇ داخلاً في بني إسرائيل نجيًّا في ذلك الوقت -كما يقولون-، فكيف يصدق عليه هذا اللفظ؟! الوجه الخامس: أنه وقع في هذه البشارة: (أجعل كلامي في فمه)، وهو إشارة إلى أن ذلك النبيّ ينزل عليه الكتاب، وإلى أنه يكون أمياً حافظاً للكلام، وهذا لا يصدق على يوشع؛ لانتفاء كلا الأمرين فيه! الوجه السادس: أنه وقع في هذه البشارة: (ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم به فأنا أكون المنتقم منه)! فهذا الأمر لما ذكر لتعظيم هذا النبيّ المبشر به، فلابد أن يمتاز ذلك المبشر به بهذا الأمر عن غيره من الأنبياء، فلا يجوز أن يراد بالانتقام من المنكر العذاب الأخروي الكائن في جهنم، أو المحن والعقوبات الدنيوية التي تلحق المنكرين من الغيب؛ لأن هذا الانتقام لا يختص بإنكار نبي دون نبي، بل يعم الجميع، فحينئذ يراد بالانتقام الانتقام التشريعي! فظهر منه أن هذا النبي يكون مأموراً من جانب الله بالانتقام من منكره، فلا يصدق على عيسى ﵇ لأن شريعته خالية عن أحكام الحدود والقصاص والتعزير والجهاد! الوجه السابع: في الباب الثالث من كتاب الأعمال في الترجمة العربيّة المطبوعة سنة ١٨٤٤ م هكذا:

стр. 287

(١٩ فتوبوا وارجعوا كي تمحى خطاياكم ٢٠ حتى إذا تأتي أزمنة الراحة من قدام وجه الرب، ويرسل المنادي به لكم وهو يسوع المسيح ٢١ الذي إياه ينبغي للسماء أن تقبله إلى الزمان الذي يسترد فيه كل شيء تكلم به الله على أفواه أنبيائه القديسين منذ الدهر ٢٢ أن موسى قال: إن الرب إلهكم يقيم لكم نبيًّا من إخوتكم مثلي له تسمعون في كل ما يكلمكم به ١٣ ويكون كل نفس لا تسمع ذلك النبي تهلك من الشعب)! وفي الترجمة الفارسيّة .. (حذفنا النص الفارسي استغناء عنه بما يذكره من مضمونه وهو قوله): فهذه العبارة سيما بحسب التراجم الفارسيّة تدل صراحة على أن هذا النبي غير المسيح ﵇ -وأن المسيح لا بد أن تقبله السماء إلى زمان ظهور هذا النبي، ومن ترك التعصب الباطل من المسيحيّين- وتأمّل في عبارة بطرس ظهر له أن هذا القول من بطرس لإبطال ادعاء علماء بروتستانت أن هذه البشارة في حق عيسى ﵇! وهذه الوجوه السبعة التي ذكرتها تصدق في حق محمد ﷺ أكمل صدق؛ لأنه غير المسيح، ويماثل موسى ﵇ في أمور كثيرة: ١ - كونه عبد الله ورسوله! ٢ - كونه ذا الدين! ٣ - كونه ذا نكاح وأولاد! ٤ - كون شريعته مشتملة على السياسات المدنيّة! ٥ - كونه مأموراً بالجهاد!

стр. 288

٦ - اشتراط الطهارة وقت العبادة في شريعته! ٧ - وجوب الغسل للجنب والحائض والنفساء في شريعته! ٨ - اشتراط طهارة الثوب من البول والبراز فيها! ٩ - حرمة غير المذبوح وقرابين الأوثان فيها! ١٠ - كون شريعته مشتملة على العبادات البدنية والرياضات الجسمانية! ١١ - أمره بحد الزنى! ١٢ - تعيين الحدود والتعزيرات والقصاص! ١٣ - كونه قادراً على تنفيذها! ١٤ - تحريم الربا! ١٥ - أمره بإنكار من يدعو إلى غير الله! ١٦ - أمره بالتوحيد الخالص! ١٧ - أمره الأمة بأن يقولوا عبد الله ورسوله، لا ابن الله أو الله، والعياذ بالله! ١٨ - موته على الفراش! ١٩ - كونه مدفوناً كموسى! ٢٠ - عدم كونه ملعوناً لأجل أمته! وهكذا أمور أخر تظهر إذا تؤمل في شريعتهما, ولذلك قال الله تعالى في كلامه المجيد: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥)﴾ [المزمل]!

стр. 289

وكان من إخوة بني إسرائيل؛ لأنه من بني إسماعيل، وأنزل عليه الكتاب، وكان أميًّا جعل كلام الله في فمه، وكان ينطق بالوحي، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم]! وكان مأموراً بالجهاد، وقد انتقم الله لأجله من صناديد قريش، والأكاسرة والقياصرة وغيرهم، وظهر قبل نزول المسيح من السماء، وكان للسماء أن تقبل المسيح ﵇ إلى ظهوره، ليرد كل شيء إلى أصله، ويمحق الشرك والتثليث وعبادة الأوثان .. ثم قال: الوجه الثامن: أنه صرح في هذه البشارة بأن النبي الذي ينسب إلى الله ما لم يأمره يقتل، فلو لم يكن محمد ﷺ نبياً حقًّا لكان قتل، وقد قال الله في القرآن المجيد أيضاً: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة]! وما قتل، بل قال الله في حقه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]! وأوفى وعده ولم يقدر على قتله أحد، حتى لقي ﷺ الرفيق الأعلى، وعيسى ﵇ قتل وصلب على زعم أهل الكتاب، فلو كانت هذه البشارة في حقه لزم أن يكون نبيًّا كاذباً كما يزعمه اليهود. والعياذ بالله! الوجه التاسع: أن الله بيّن علامة النبي الكاذب، وهي أن إخباره عن الغيب المستقبل لا يخرج صادقاً، ومحمد ﷺ أخبر عن الأمور الكثيرة المستقبلة كما علمت في المسلك الأول، وظهر صدقه فيها (١)، فيكون نبيًّا صادقاً لا كاذباً!

стр. 290

الوجه العاشر: أن علماء اليهود سلموا كونه مبشراً به في التوراة، لكن بعضهم أسلم، وبعضهم بقي في الكفر! ثم قال: فتلك عشرة كاملة! فإن قيل: إن إخوة بني إسرائيل لا تنحصر في بني إسماعيل؛ لأن بني عيسى وبني أبناء قطورا زوجة إبراهيم ﵉ من إخوتهم أيضاً! قلت: نعم هؤلاء أيضاً من إخوة بني إسرائيل، لكنهم لم يظهر أحد منهم يكون موصوفاً بالأمور المذكورة، ولم يكن وعد الله في حقهم أيضاً، بخلاف بني إسماعيل، فإنهم كان وعد الله في حقهم لإبراهيم ولهاجر ﵉، مع أنه لا يصح أن يكون مصداق هذا الخبر بني عيسو على ما هو مقتضى دعاء إسحاق ﵇ المصرح به في الباب السابع والعشرين من سفر التكوين! ولعلماء بروتستانت اعتراضان نقلهما صاحب الميزان في كتابه المسمى بـ (حل الإشكال في جواب الاستفسار): الأول: أنه وقع في الآية ١٥ من الباب ١٨ من سفر الاستثناء (التثنية) هكذا (فإن الرب إلهك يقيم من بينك من بين إخوتك) إلخ!

стр. 291

فلفظ من بينك يدل دلالة ظاهرة على أن هذا النبي يكون من بني إسرائيل، لا من بني إسماعيل! والثاني: أن عيسى ﵇ نسب هذه البشارة إلى نفسه فقال في الآية ٤٦ من الباب الخامس من إنجيل يوحنا: إن موسى كتب في حقي! أقول: آية (التثنية) على وفق التراجم الفارسية وتراجم أردو هكذا (فإن الرب إلهك يقيم من بينك من بين إخوتك نبياً مثلي فاسمع منه)! والقسيس أيضاً نقلها هكذا! والجواب أن اللفظ المذكور لا ينافي مقصودنا؛ لأن محمداً ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وبها تكامل أمره، قد كان حوله أماكن وجود اليهود كخيبر، وبني قينقاع، والنضير، وغيرهم، فقد قام من بينهم، ولأنه إذا كان من إخوتهم فقد قام من بينهم؛ ولأن قوله من بين إخوتك، بدل من قوله من بينك بدل اشتمال، على رأي ابن الحاجب ومتبعيه القائلين بكفاية علاقة الملابسة غير الكلية والجزئية في تحقق هذا البدل، نحو جاءني زيد أخوه، وجاءني زيد غلامه، وبدل إضراب على رأي ابن مالك، والمبدل منه على كلا التقديرين غير مقصود، يدل على كونه غير مقصود أن موسى ﵇ لما أعاد هذا الوعد من كلام الله في الآية الثامنة عشرة لم يوجد فيه لفظ من بينك، ونقل بطرس الحواري أيضاً هذا القول، ولم يوجد فيه هذا اللفظ كما علمت في الوجه السابع، وكذا نقله استفانوس أيضاً، ولم يوجد في نقله أيضاً هذا اللفظ، كما صرح به في الباب السابع من كتاب الأعمال، وعبارته هكذا (هذا هو موسى الذي قال لبني إسرائيل نبيًّا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم له تسمعون) فسقوطه في هذه المواضع دليل على كونه غير مقصود، فاحتمال البدل قوي جداً!

стр. 292

وقال صاحب الاستفسار: إن لفظ (من بينك) إلحاقي زِيد تحريفاً، ويدل عليه ثلاثة أمور: الأول: أن المخاطبين في هذا الموضوع كانوا بني إسرائيل كلهم لا البعض، فقوله: من بينك خطاب لجميع القوم، فصار لفظ من إخوتك لغواً محضاً لا معنى له، لكن لفظ من إخوتك جاء في الموضع الآخر أيضاً فيكون صحيحاً، ولفظ (من بينك) إلحاقياً زيد تحريفاً! الثاني: أن موسى ﵇ لما نقل كلام الله لإثبات قوله لم يوجد فيه هذا اللفظ، ولا يجوز أن يكون ما قال موسى مخالفاً لما قال الله! الثالث: إن الحواريّين كلما نقلوا هذا الكلام لم يوجد فيه لفظ (من بينك)، وإن قلتم إن المحرف إذا حرف فلِمَ لمْ يحرف الكلام كله؟ قلت: نحن نرى في محاكم العدالة دائماً أن القبالجات المحرفة يثبت تحريف الألفاظ المحرفة فيها من مواضع أخرى منها غالباً (١)، وأن شهود الزور يؤخذ ببعض بياناتهم، فالوجه الوجيه على أن عادة الله جارية بأنه لا يهدي كيد الخائنين، وبأنه يظهر خيانة خائن الدين بمقتضى رحمته، فبمقتضى هذه العادة يصدر عن الخائن شيء ما تظهر به خيانته، على أنه لا توجد ملة يكون أهلها كلهم خائنين، فالخائنون الذين حرفوا كتب العهدين كان لهم لحاظ ما (٢)، من جانب بعض المتدينين، فلذلك بدلوا الكل! أقول: هذا الجواب بالنسبة إلى عادة أهل الكتاب كما عرفت في الأمر السابع!

стр. 293

وأقول في الجواب عن الاعتراض الثاني: إن آية الإنجيل هكذا (لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني) وليس فيها تصريح بأن موسى ﵇ كتب في حقه في الموضع الفلاني، بل المفهوم منه أن موسى كتب في حقه (مطلقاً) وهذا يصدق إذا وجد في موضع من التوراة إشارة إليه، ونحن نسلم هذا الأمر كما ستعرف في ذيل بيان البشارة الثالثة، لكننا ننكر أن يكون قوله إشارة إلى هذه البشارة للوجوه التي عرفتها، وقد ادعى هذا المعترض في الفصل الثالث من الباب الثاني من الميزان أن الآية الخامسة عشرة من الباب الثالث من سفر التكوين إشارة إليه! فهذا القدر يكفي لتصحيح قول عيسى ﵇. نعم لو قال عيسى ﵇ إن موسى ﵇ ما أشار في أسفاره إلى نبي من الأنبياء إلا إليّ لكان لهذا التوهم مجال في هذه الحال! ٢ - البشارة الثانية: الآية ٢١ من الباب ٣٢ من سفر الاستثناء (التثنية) هكذا (هم أغاروني بغير إله، وأغضبوني بمعبوداتهم الباطلة، وأنا أيضاً أغيرهم بغير شعب وبشعب جاهل أغضبهم)! والمراد بشعب جاهل: العرب لأنهم كانوا في غاية الجهل والضلال، وما كان عندهم علم، لا من العلوم الشرعية، ولا من العلوم العقلية، وما كانوا يعرفون سوى عبادة الأوثان والأصنام، وكانوا محقرين عند اليهود، لكونهم من هاجر .. ، فمقصود الآية أن بني إسرائيل أغاروني بعبادة المعبودات الباطلة، فأغيرهم باصطفاء الذين هم عندهم محقرون وجاهلون، فأوفى بما وعد،

стр. 294

فبعث من العربي النبي ﷺ ، فهداهم إلى الصراط المستقيم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة]! وليس المراد بالشعب الجاهل اليونانيّين، كما يفهم من ظاهر كلام مقدّسهم بولس في الباب العاشر من الرسالة الروميّة؛ لأن اليونانيّين قبل ظهور عيسى ﵇ بأزيد من ثلثمائة سنة كانوا فائقين على أهل العالم كلهم في العلوم والفنون، وكان منهم جميع الحكماء المشهورين، مثل سقراط، وبقراط، وفيثاغورس، وأفلاطون، وأرسطو طاليس، وأرشميدس، وبليناس، وأقليدس، وجالينوس، وغيرهم، الذين كانوا أئمة الإلهيّات والرياضيّات والطبيعيّات وفروعها قبل عيسى ﵇ وكان اليونانيون في عهده على غاية درجة الكمال في فنونهم، وكانوا واقفين على أحكام التوراة وقصصها، وعلى سائر كتب العهد العتيق أيضاً بواسطة ترجمة (سبتوجنت) التي ظهرت باللسان اليوناني قبل المسيح بمقدار مائتين وستة وثمانين سنة، لكنهم ما كانوا معتقدين للملة الموسويّة، وكانوا متفحصين عن الأشياء الحكمية الجديدة، كما قال مقدسهم هذا في الباب الأول من الرسالة الأولى إلى أهل قورنيثوس هكذا (٢٢ لأن اليهود يسألون آية واليونانيّين يطلبون حكمة ٢٣ ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونيين جهالة) فلا يجوز أن يكون المراد بالشعب الجاهل اليونايّين، فكلام مقدسهم في الرسالة الروميّة إما مؤول أو مردود -وقد عرفت في الأمر الثامن أن قوله ساقط عن الاعتبار عندنا!

стр. 295

٣ - البشارة الثالثة: في الباب الثاني والثلاثين (١)، من سفر (التثنية) في الترجمة العربيّة المطبوعة سنة ١٨٤٤ م هكذا (٢ وقال: جاء الرب من سينا، وأشرق لنا من ساعير (٢)، واستعلن من جبل فاران ومعه ألوف الأطهار في يمينه سنة من نار) (٣)! فمجيئه من سينا إعطاؤه التوراة لموسى ﵇ وإشراقه من ساعير إعطاؤه الإنجيل لعيسى ﵇ واستعلانه من جبل فاران إنزاله القرآن؛ لأن فاران جبل من جبال مكة، فقد جاء في بيان حال إسماعيل ﵇ من سفر التكوين (٢١: ٢٠ وكان الله معه، ونما وسكن في البريّة, وصار شاباً يرمي بالسهام ٢١ وسكن بريّة فاران، وأخذت له أمه امرأة من أرض مصر)! ولا شك أن إسماعيل ﵇ كانت سكناه بمكة، ولا يصح أن يراد أن النار لما ظهرت من طور سيناء ظهرت من ساعير ومن فاران أيضاً، فانتشرت في هذه المواضع؛ لأن الله لو خلق ناراً في موضع لا يقال جاء الله من ذلك الموضع إلا إذا اتبع تلك الواقعة وحين نزل في ذلك الموضع أو عقوبة أو ما أشبه ذلك. وقد اعترفوا بأن الوحي أَتبع تلك (النار التي رآها موسى) في طور سيناء فكذا لابد أن يكون في ساعير وفاران!

стр. 296

٤ - البشارة الرابعة: في الآية العشرين من الباب السابع عشر من سفر التكوين وعد الله في حق إسماعيل ﵇ إبراهيم ﵇ في الترجمة العربيّة المطبوعة سنة ١٨٤٤ م، هكذا (وعلى إسماعيل أستجيب لك، هو ذا أباركه وأكبره وأكثره جداً، فسيلد اثني عشر رئيساً، واجعله لشعب كبير)! قوله: أجعله لشعب كبير يشير إلى محمد ﷺ ؛ لأنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان لشعب كبير غيره، وقد قال الله تعالى حاكياً دعاء إبراهيم وإسماعيل في حقه ﵈ في كلامه المجيد أيضاً: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة]! وقال الإمام القرطبي في الفصل الأول من القسم الثاني من كتابه: وقد تفطن بعض النبهاء ممن نشأ على لسان اليهود وقرأ بعض كتبهم فقال: يخرج مما ذكر من عبارة التوراة في موضعين اسم محمد ﷺ بالعدد على ما يستعمله اليهود فيما بينهم! الأول: قوله جدًّا جدًّا بتلك اللغة (بماد ماد) وعدد هذه الحروف اثنان وتسعون؛ لأن الباء اثنان، والميم أربعون، والألف واحد، والدال أربعة، والميم الثانية أربعون، والألف واحد، والدال أربعة، وكذلك الميم من محمد أربعون، والحاء ثمانية، والميم أربعون، والدال أربعة (١)!

стр. 297

والثاني: قوله لشعب كبير بتلك اللغة (لغوي غدول) فاللام عندهم ثلاثون، والغين ثلاثة -لأنه عندهم في مقام الجيم، إذ ليس في لغتهم جيم ولا صاد- والواو ستة، والياء عشرة، والغين أيضاً ثلاثة، والدال أربعة، والواو ستة، واللام ثلاثون، فمجموع هذه أيضاً اثنان وتسعون، انتهى كلامه بتلخيص ما! وعبد السلام كان من أحبار اليهود، ثم أسلم في عهد السلطان المرحود بايزيد خان، وصنف رسالة صغيرة أسماها بالرسالة الهادية فقال فيها: (إن أكثر أدلة أحبار اليهود بحرف الجُمَّل الكبير، وهو حرف أبجد، فإن أحبار اليهود حين بني سليمان ﵇ بيت المقدس اجتمعوا وقالوا: يبقى هذا البناء أربعمائة وعشر سنين، ثم يعرض له الخراب؛ لأنهم حسبوا لفظة "بزأت" ثم قال: (واعترضوا على هذا الدليل بأن الباء في "بمادماد" ليست نفس الكلمة، بل هي أداة وحرف جيء به للصلة، فلو أخرج منه لاحتاج اسم محمد إلى باء ثانية ويقال: ببمادماد")! قلنا: من المشهور عندهم إذا اجتمع الباءان: أحدهما: أداة، والآخر: من نفس الكلمة، تحذف الأداة، وتبقى التي هي من نفس الكلمة، وهذا شائع عندهم في مواضع غير معدودة، فلا حاجة إلى إيرادها" انتهى كلامه بلفظه! أقول: قد صرح العلماء بأن من أسمائه ﷺ (مادماد) كما في شفاء القاضي عياض!

стр. 298

٥ - البشارة الخامسة: جاء في ترجمات سنة ١٧٢٢ م وسنة ١٨٣١ م وسنة ١٨٤٤ م العربيّة من سفر التكوين: (٤٩: ١٠ فلا يزول القضيب من يهوذا والمدبر من فخذه، حتى يجيء الذي له الكل، وإياه تنتظر الأمم)! وفي ترجمة سنة ١٨١١ م (فلا يزول القضيب من يهوذا والراسم من تحت أمره إلى أن يجيء الذي هو له، وإليه تجتمع الشعوب)! ولفظ الذي له الكل أو الذي هو له ترجمة لفظ (شيلوه)! وفي ترجمة هذا اللفظ اختلاف كثير فيما بينهم، كما عرفت في الأمر السابع أيضاً! وقال عبد السلام في الرسالة الهادية هكذا: (لا يزول الحاكم من يهوذا، ولا راسم من بين رجيله، حتى يجيء الذي له وإليه تجتمع الشعوب)! (وفي هذه الآية دلالة على مجيء سيدنا محمد ﷺ بعد تمام حكم موسى، وعيسى؛ لأن المراد من الحاكم هو موسى؛ لأنه بعد يعقوب ما جاء صاحب شريعة إلى زمان موسى إلا موسى، والمراد من الراسم هو عيسى؛ لأنه بعد موسى إلى زمان عيسى ما جاء صاحب شريعة إلا عيسى، وبعدهما ما جاء صاحب شريعة إلا محمد، فعلم أن المراد من قول يعقوب في آخر الأيام هو نبينا محمد ﷺ ؛ لأنه في آخر الزمان بعد مضي حكم الحاكم والراسم ما جاء إلا سيدنا محمد ﵇ ويدل عليه أيضاً قوله: (حتى يجيء الذي له) أي الحكم، بدلالة مساق الآية وسباقها، وأما قوله: (وإليه تجتمع الشعوب). فهي علامة صريحة ودلالة واضحة على أن المراد منها هو سيدنا (محمد) لأنه ما

стр. 299

اجتمعت الشعوب إلا إليه، وإنما لم يذكر الزبور؛ لأنه لا أحكام فيه، وداود النبي تابع لموسى، والمراد من خبر يعقوب هو صاحب الأحكام) انتهى كلامه بلفظه! أقول: إنما أراد من الحاكم موسى ﵇ لأن شريعته جبريّة انتقاميّة، ومن الراسم عيسى ﵇ لأن شريعته ليست بجبريّة ولا انتقاميّة. وإن أريد من القضيب السلطة الدنيويّة، ومن المدبّر الحاكم الدنيوي -كما يفهم من رسائل القسّيسين من فرقة بروتستانت ومن بعض تراجمهم -فلا يصح أن يراد (بشيلوه) مسيح اليهود كما هو مزعومهم، ولا عيسى ﵇ كما هو مزعوم النصارى! أما الأول: فظاهر؛ لأن السلطة الدنيويّة والحاكم الدنيوي زالا من آل يهوذا من مدة هي أزيد من ألفي سنة من عهد بخت نصر، ولم يسمع إلى الآن حسيس مسيح اليهود! وأما الثاني: فلأنهما زالا من آل يهوذا أيضاً قبل ظهور عيسى ﵇ بمقدار ستمائة سنة من عهد بختنصر، وهو أجلى بني يهوذا إلى بابل، وكانوا في الجلاء ثلاثاً وستين سنة لا سبعين، كما يقول بعض علماء بروتستانت تغليظاً للعوام -كما عرفت في الفصل الثالث من الباب الأول- ثم وقع عليهم في عهد (أنتيوكس) ما وقع؛ فإنه عزل (أونياس) حبر اليهود وباع منصبه لأخيه (ياسون)، بثلثمائة وستين وزنة ذهب يقدمها له خراجاً كل سنة، ثم عزله وباع ذلك لأخيه (مينالاوس) بستمائة وستين وزنة، ثم شاع خبر موته فطلب (ياسون) أن يسترد لنفسه الكهنوت، ودخل (أورشليم) بألوف من الجنود، فقتل كل من كان يظنه عدواً له - وهذا الخبر كان كاذباً- فهجم (أنتيوكس) على أورشليم وامتلكها ثانية في سنة ١٧٠ قبل الميلاد قبل ميلاد المسيح وقتل من أهلها أربعين ألفاً، وباع مثل ذلك عبيداً!

стр. 300

وفي الفصل العشرين من الجزء الثاني من مرشد الطالبين في بيان الجدول التاريخي في الصفحة ٤٨١ من النسخة المطبوعة سنة ١٨٥٢ من الميلاد (أنه نهب أورشليم وقتل ثمانين ألفاً) انتهى. وسلب ما كان في الهيكل من الأمتعة النفيسة التي كانت قيمتها ثمانمائة وزنة ذهب، وقرب خنزيرة وقوداً على المذبح للإهانة، ثم رجع إلى (أنطاكية) وأقام (فيلبس) أحد الأرذال حاكما على اليهوديّة! وفي رحلته الرابعة إلى مصر أرسل (أبولوينوس) بعشرين ألفاً من جنوده، وأمرهم أن يخربوا (أورشليم) ويقتلوا كل من كان فيها من الرجال، ويسبوا النساء، والصبيان، فانطلقوا إلى هناك، وبينما كان الناس في المدينة مجتمعين للصلاة يوم السبت هجموا عليهم على غفلة، فقتلوا الكل، إلا من أفلت إلى الجبال أو اختفى في المغاور، ونهبوا أموال المدينة وأحرقوها، وهدموا أسوارها، وخربوا منازلها، ثم ابتنوا لهم من بسائط ذلك الهدم قلعة حصينة على جبل (أكرا)، وكانت العساكر تشرف منها على جميع نواحي الهيكل، ومن دنا منهم يقتلونه، ثم أرسل (أنتيوكس أثانيوس) ليعلم اليهود طقوس عبادة الأصنام اليونانية، ويقتل كل من لا يمتثل ذلك الأمر، فجاء أثانيوس إلى أورشليم، وساعده على ذلك بعض اليهود الكافرين، وأبطل الذبيحة اليومية، ونسخ كل طاعة للدين اليهودي عموماً وخصوصاً، وأحرق كل ما وجده مخالفاً أمر (أنتيوكس)، ونجا (متاثياس) الكاهن مع أبنائه الخمسة في هذه الداهية، وفروا إلى وطنهم (مودين) في (سبط دان)، فانتقم من هؤلاء الكفار انتقاماً ما قدروا عليه على استطاعته، كما هو مصرح به في التواريخ، فكيف يصدق هذا الخبر على عيسى ﵇؟! وإن قالوا إن المراد ببقاء السلطة امتياز القوم كما يقول بعضهم الآن، قلنا:

стр. 301

هذا الأمر كان باقياً إلى ظهور محمد ﷺ ، وكانوا في أقطار العرب ذوي حصون وأملاك غير مطيعين لأحد، مثل يهود خيبر، وغيرهم، كما تشهد به التواريخ، وبعد ظهور محمد ﷺ ضربت عليهم الذلة والمسكنة، وصاروا في كل إقليم مطيعين للغير - فالأليق أن يكون المراد بـ (شيلوه) النبي ﷺ لا مسيح اليهود ولا عيسى ﵇! وقد أطال صاحب المنار في النقل من الزبور والأناجيل مع التعليق (١)! فليرجع إليه من شاء! ٦ - رواية البخاري وغيره لصفات النبي ﷺ في التوراة: هذا، وقد روى البخاري وغيره عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن هذه الآية التي في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب]! قال في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميّين، أنت عبدي ورسولي، سميّتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، ولا يدفع السيّئة بالسيّئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً (٢)!

стр. 302

وفي رواية للدارمي، قال كعب: (نجده مكتوباً محمد رسول الله ﷺ ، لا فظ ولا غليظ، ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، وأمته الحمادون، يكبرون الله على كل نجد، ويحمدونه في كل منزلة، ويتأزرون على أنصافهم، ويتوضؤون على أطرافهم، مناديهم ينادي في جو السماء، صفهم في القتال وصفهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دوي كدوي النحل، ومولده بمكة، ومهاجره بطيبة، وملكه بالشام) (١)! قال ابن حجر (٢): والملة العوجاء: أي ملة العرب، ووصفها بالعوج لما دخل فيها من عبادة الأصنام، والمراد بإقامتها: أن يخرج أهلها من الكفر إلى الإيمان! والأميون: هم العرب (٣)! ٧ - أشهر أسماء النبي ﷺ -: وحسبنا بعد ذلك أن نقرأ قول الحق ﵎: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ

стр. 303

يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ [الصف]! وإيذاء بني إسرائيل لموسى -وهو منقذهم من فرعون وملئه، ورسولهم وقائدهم ومعلمهم- إيذاء وتطاول، ومتعدد الأولوان (١)، وجهاده في تقويم اعوجاجهم جهاد مضن عسير شاق! وهناك صور شتى متنوعة من صور هذا الإيذاء وذلك العناء، حيث كانوا يتسخّطون على موسى ﵇ وهو يحاول مع فرعون إنقاذهم، ويتعرض لبطشه وجبروته، وهم آمنون بِذِلَّتهم لهّ فكانوا يقولون له لائمين متبرمين: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: ١٢٩]! كأنهم لا يرون في رسالته خيراً، أو كأنما يحملونه تبعة هذا الأذى الأخير! وما كاد ينقذهم من ذل فرعون باسم الله الذي أنقذهم من فرعون وأغرقه وهم ينظرون، حتى مالوا إلى عبادة فرعون وقومه: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ الأعراف: ١٣٨)! وما كاد يذهب لميقات ربه على الجبل، ليتلقى الألواح، حتى أضلهم السامري: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)﴾ [طه]! ثم جعلوا يتسخّطون على طعامهم في الصحراء: المن والسلوى، فقالوا:

стр. 304

﴿يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة: ٦١]! وفي حادث البقرة التي كلفوا ذبحها ظلوا يماحكون ويتعللون ويسيئون الأدب مع نبيهم وربهم، وهم يقولون: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة: ٦٨]! ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩]! ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠]! ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة]! وأمام الأرض المقدسة التي بشرهم الله بدخولها وقفوا متخاذلين يصعِّرون خدهم في الوقت ذاته لموسى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢)﴾ [المائدة]! فلما كرر عليهم التحضيض والتشجيع تبجّحوا وكفروا: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة]! ذلك إلى إعنات موسى بالأسئلة والاقتراحات والعصيان والتمرد، مما يطول الحديث فيه! وتذكر الآيات التي بدأنا بها هاهنا قول موسى لهم في عتاب ومودة: ﴿يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾!

стр. 305

وهم يعلمون عن يقين، إنما هي لهجة العتاب والتذكير! وكانت النهاية أنهم زاغوا بعد ما بذلت لهم كل أسباب الاستقامة! ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾! وبهذا انتهت قوامتهم على دين الله، فلم يعودوا يصلحون لهذا الأمر، وهم على هذا الزيغ والضلال! ثم جاء عيسى ابن مريم .. جاء ليقول لبني إسرائيل: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾! في هذه الصيغة التي تصور حلقات الرسالة المترابطة يسلم بعضها إلى بعض .. وهي متماسكة في حقيقتها، واحدة في اتجاهها، ممتدة من السماء إلى الأرض، حلقة بعد حلقة في السلسلة الطويلة المتصلة، وهي الصورة اللائقة بمنهج الحق، فهو منهج واحد في أصله، متعدد في صوره .. وفق استعداد البشريّة وحاجاتها وطاقاتها .. ووفق تجاربها ورصيدها من المعرفة، حتى تبلغ مرحلة الرشد العقلي والشعوري، فتجيء الحلقة الأخيرة في الصورة الأخيرة كاملة شاملة، تخاطب العقل الراشد، في ضوء تلك التجارب، وتطلق هذا العقل يعمل في حدوده، داخل نطاق المنهج المرسوم للإنسان في جملته، المتفق مع طاقاته واستعداداته: وتطالعنا البشارة: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾! يروي الشيخان وغيرهما عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي

стр. 306

الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدميّ، وأنا العاقب" (١)! وفي رواية لمسلم وغيره عن أبي عبيدة، عن أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله ﷺ يسمي لنا نفسه بأسماء. فقال (٢): "أنا محمد، وأنا أحمد، والمقفّى، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"! قال ابن القيّم: الفرق بين محمد وأحمد من وجهين: (أحدهما: أن (محمداً) هو المحمود حمداً بعد حمد، فهو دال على كثرة حمد الحامدين له، وذلك يستلزم كثرة موجبات الحمد فيه. و (أحمد) أفعل تفضيل من الحمد، يدل على أن الحمد الذي يستحقه أفضل مما يستحقه غيره! فمحمد زيادة في حمد في الكميّة، وأحمد زيادة في الكيفيّة، فيحمد أكثر حمد، وأفضل حمد حمده البشر! والوجه الثاني: أن (محمداً) هو المحمود حمداً متكرّراً -كما تقدم-

стр. 307

و (أحمد) الذي حمده لربه أفضل من حمد الحامدين غيره. فدل أحد الاسمين -وهو (أحمد) - على كونه محموداً. ودل الاسم الثاني -وهو (أحمد) - على كونه أحمد الحامدين لربه. وهذا هو القياس؛ فإن أفعل التفضيل والتعجب عند جماعة البصريين لا يبنيان إلا من فعل الفاعل، لا من فعل المفعول، ذهاباً إلى أنهما إنما يصاغان من الفعل اللازم لا المتعدي، ونازعهم آخرون وجوزوا بناءهما من الفعل الواقع على المفعول، لقول العرب: (ما أشغله بالشيء)! إلى أن قال: والمقصود أنه ﷺ سُمِّي (محمَّداً) و (أحمد)؛ لأنه يحمد أكثر مما يحمد غيره، وأفضل مما يحمد غيره، فالاسمان واقعان على المفعول، وهذا هو المختار. وذلك أبلغ في مدحه، وأتم معنى. ولو أريد به اسم الفاعل لسمي (الحماد) وهو كثير الحمد، كما سمي (محمداً)، وهو المحمود كثيراً، فإنه ﷺ كان أكثر الخلق حمداً لربه. فلو كان اسمه باعتبار الفاعل، لكان الأولى أن يسمى (حمادًا)، كما أن اسم أمته (الحمادون). وأيضاً فإن الاسمين إنما اشتقا من أخلاقه وخصائله المحمودة التي لأجلها استحق أن يسمى (محمّداً) و (أحمد)، فهو الذي يحمده أهل الدنيا وأهل الآخرة، ويحمده أهل السموات والأرض. فلكثرة خصائله التي تفوت عد العادين سمي باسمن من أسماء الحمد، يقتضيان التفضيل والزيادة في القدر والصفة) (١)! تلك أشهر أسماء الرسول ﷺ ، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك، جمعها الحافظان: أبو بكر البيهقي، وأبو القاسم بن عساكر، وأفرد الناس في

стр. 308

ذلك مؤلفات، حتى رام بعضهم أن يجمع له ﷺ ألف اسم، وأما الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي شارح الترمذي بكتابه (عارضة الأحوذي) فإنه ذكر من ذلك أربعة وستين اسماً (١)! ٨ - أسماؤه في الشعر: وقال المرحوم عبد الحميد الخطيب في أسماء النبي ﷺ : إِن رمت تعلم من عنيت فإِنه ... هو أحمد المكتوب في التوراة ومحمد من نص في الإِنجيل عنه ... بأنه سيجئ بالخيرات ماحي صنوف الكفر عاقب من تقد ... مه من الداعين بالآيات الحاشر الأقوام للمولى على ... قدميه يوم البعث في الميقات وهو المقفّى والبشير برحمة الـ ... ـولي النذير بأعظم الويلات وهو المبشّر خاتم متوكل ... ونبيّ ملحمة مع التوبات

стр. 309

الشاهد الداعي إِلى الرحمن ... بالتوحيد يمحو حالك الظلمات المرسل الأمي قثم الخير مَن ... قد كان يعطي المال بالكثرات وهو الأمين وفاتح الأبواب مَن ... سُمي نبي الله والرحمات (١) ٩ - ميثاق النبيّين: وإذا كنا قد أبصرنا بعض البشائر بالنبوة، وعلمنا أن صفات الرسول ﷺ في التوراة قد ذكرها البخاري وغيره، فإننا نبصر حقيقة الترابط بين موكب الرسل والرسالات، على عهد من الله وميثاق، ينبني عليه فسوق من يتولى عن اتباع آخر الرسالات، وخاتم النبيّين ﷺ وعلى إخوانه من الرسل .. ونبصر شذوذ من يتولى عن ذلك، عن عهد الله وناموس الكون كله على الإطلاق، ونحن نقرأ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [آل عمران]!

стр. 310

لقد أخذ الله موثقاً رهيباً جليلاً على كل رسول (١)، أنه مهما آتاه من كتاب وحكمة، ثم جاء رسول مصدق لما معه، أن يؤمن به وينصره، ويتبع دينه، وجعل هذا عهداً بينه وبين كل رسول! والتعبير القرآني يطوي الأزمنة المتتابعة بين الرسل، ويجمعهم كلهم في مشهد، والله الجليل الكبير يخاطبهم جملة: هل أقروا هذا الميثاق، وأخذوا عليه عهد الله؟: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾! وهم يجيبون: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾! وتأتي الشهادة على هذا الميثاق: ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾! هذا المشهد الهائل الجليل، يرسمه التعبير القرآني، فيهتز له الجَنان في الإنسان، وهو يتمثل المشهد .. ومن ثم يبدو هذا الموكب الكريم متصلاً متسانداً، مستسلماً للتوجيه العلوي، ممثلاً للحقيقة الواحدة التي شاء الحق ﵎ أن تقوم عليها البشريّة، ولا تنحرف، ولا تتعدد، ولا تتعارض، ولا تتصادم، إنما يُصطفى لها المختار من عباد الله، ثم يسلمها إلى المختار بعده، ويسلم نفسه معها لأخيه اللاحق به، فما للنبي في نفسه من شيء، وما له في هذه المهمة من أَرب شخصي، ولا مسجد ذاتي، إنما هو عبد مُصطفَى، ومبلغ مختار، والحق ﵎ هو الذي ينقل خطأ هذه الدعوة بين أجيال البشر، ويقود هذا الموكب ويصرفه كيف يشاء!

стр. 311

ويخلص دين الله -بهذا العهد وبهذا التصوّر- من العصبية الذاتية .. عصبية الرسول لشخصه، وعصبيّته لقومه، وعصبيّة أتباعه لنحلتهم، وعصبيّتهم لأنفسهم، وعصبيّتهم لقوميّتهم .. ويخلص الأمر كله لله في هذا الدين الواحد، الذي تتابع به وتوالى كل ذلك الموكب السنيّ الكريم! وفي ظل هذه الحقيقة يبدو الذين يتخففون من أهل الكتاب عن الإيمان بخاتم النبيّين محمد ﷺ ومناصرته وتأييده -تمسكاً بعقيدتهم كما يزعمون، لا بحقيقتها؛ لأن حقيقتها تدعوهم إلى الإيمان به ونصرته- يبدون متعصبين لأنفسهم في صورة التعصّب لعقيدتهم! مع أن رسلهم الذين حملوا إليهم هذه الرسالات قد قطعوا على أنفسهم عهداً ثقيلاً غليظاً مع ربّهم في مشهد مرهوب جليل! في ظل هذه الحقيقة يبدو أولئك الذين يتخلفون من أهل الكتاب فسقة عن تعاليم أنبيائهم، فسقة عن عهد الله معهم، فسقة كذلك عن نظام الكون كله، المستسلم لبارئه، الخاضع لناموسه: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾! إنه لا يتولّى عن اتباع خاتم النبيّين ﷺ إلا فاسق، ولا يتولى عن دين الله إلا شاذ .. شاذ في هذا الوجود الكبير .. ناشز في وسط الكون الطائع المستسلم المستجيب! إن دين الله واحد، بعث به الرسل جميعاً، وتعاقدت عليه الرسالات جميعاً، وإن عهد الله واحد، أخذه على كل رسول، والإيمان بهذا الدين واتباع رسوله، ونصرة منهجه على كل منهج، هو الوفاء بهذا العهد، فمن تولّى عن

стр. 312

الإسلام فقد تولّى عن دين الله كله، وقد خان عهد الله كله. كما فعل يهود ومن على شاكلتهم! والإسلام -الذي يتحقق في إقامة منهج الله في الأرض واتباعه والخلوص له- هو ناموس هذا الوجود، وهو دين كل حي في هذا الوجود! إنها صورة شاملة عميقة للإسلام والاستسلام .. صورة كونيّة تأخذ بالمشاعر، وترتجف لها الضمائر .. صورة الناموس القاهر الحاكم، الذي يرد الأشياء والأحياء إلى سنن واحد، ومصير واحد: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾! فلا مناص لهم في نهاية المطاف من الرجوع إلى الحاكم المسيطر المدبّر الجليل! ولا مناص للإنسان حين يبتغي سعادته وراحته وطمأنينة باله وصلاح حاله، من الرجوع إلى منهج الله في ذات نفسه، وفي نظام حياته، وفي منهج مجتمعه، ليتناسق مع النظام الكوني كله. فلا ينفرد بمنهج من صنع نفسه، لا يتناسق مع ذلك النظام الكوني من صنع بارئه .. في حين أنه مضطر أن يعيش في إطار هذا الكون، وأن يتعامل بجملته مع النظام الكوني، والتناسق بين نظامه هو في تصوره وشعوره، وفي واقعه وارتباطاته، وفي عمله ونشاطه، مع النظام الكوني .. هو وحده الذي يكفل له التعاون مع القوى الكونية الهائلة بدلاً من التصادم معها .. وهو حين يصطدم بها يتمزق وينسحق، أو لا يؤدي -على كل حال- وظيفة الخلافة في الأرض كما وهبها الله له، وحين يتناسق ويتفاهم مع نواميس الكون التي تحكمه وتحكم سائر الأحياء فيه، يملك معرفة أسرارها وتسخيرها، ويملك الانتفاع بها على وجه يحقق له السعادة والراحة والطمأنينة، ويعفيه من الخوف والقلق والتناحر .. الانتفاع بها, لا ليحترق بنار الكون، ولكن لينتفع بها ويستضيء!

стр. 313

والفطرة البشريّة في أصلها متناسقة مع ناموس الكون، مسلمة لربها إسلام كل شيء وكل حي، فحين يخرج الإنسان بنظام حياته عن ذلك الناموس لا يصطدم مع الكون فحسب، إنما يصطدم أولاً بفطرته التي بين جنبيه، فيشقى ويتمزّق، ويحتار ويقلق، ويحيا كما تحيا البشريّة الضالة النكدة اليوم في عذاب من هذا الجانب .. على الرغم من جميع الانتصارات العلميّة، وجميع التسهيلات الحضاريّة الماديّة! وكل ذلك من صنع (يهود) ومن على شاكلتهم! إن البشريّة اليوم تعاني من الخواء المرير .. خواء الروح من الحقيقة التي لا تطيق فطرتها أن تصبر عليها .. حقيقة الإيمان, وخواء الحياة من المنهج الإلهي .. هذا المنهج الذي ينسق بين حركتها وحركة الكون الذي تعيش فيه! إنها تعاني من الهجير المحرق الذي تعيش فيه بعيداً بعيداً عن ذلك الظل الوارف الندي، ومن الفساد المقلق الذي تتمرغ فيه بعيداً بعيداً عن ذلك الخط القويم والطريق المأنوس المطروق! وكل ذلك من صنع (يهود) ومن على شاكلتهم! ومن ثم تجد الشقاء والحيرة والاضطراب، وتحسّس الخواء والجوع والحرمان، وتهرب من واقعها هذا بالمسكرات، على اختلاف أنواعها، وبالسرعة المجنونة والمغامرات الحمقاء، والشذوذ في كل شيء! وكل ذلك من صنع (يهود) ومن على شاكلتهم! وذلك على الرغم من الرخاء المادي، والإنتاج الوفير، والحياة الميسورة، والفراغ الكثير .. لا، بل إن تلك الآلام تتزايد كلما تزايد الرخاء المادي، والإنتاج الحضاري، واليسر في كل وسائل الحياة ومرافقها!

стр. 314

إن هذا الخواء المرير ليطارد البشريّة كالشبح المخيف .. يطاردها فتهرب منه، ولكنها تنتهي كذلك إلى الخواء المرير! وكل ذلك من صنع (يهود) ومن على شاكلتهم! وما من أحد يزور البلاد الغنيّة الثريّة في الأرض حتى يكون الانطباع الأول في حسه أن هؤلاء قوم هاربون! هاربون من أشباح تطاردهم! هاربون من ذوات أنفسهم! وسرعان ما يكتشف الرخاء المادي والحسي الذي يصل إلى حد التمرغ في الوحل والطين، عن الأمراض العصبية والنفسيّة، والشذوذ والقلق، والمرض والجنون، والمسكرات والمخدرات والجريمة، وفراغ الحياة من كل تصور كريم! وكل ذلك من صنع (يهود) ومن على شاكلتهم! إنهم لا يجدون سعادتهم؛ لأنهم لا يجدون المنهج الإلهي الذي ينسق بين حركتهم وحركة الكون، وبين نظامهم وناموس الوجود! إنهم لا يجدون طمأنينتهم؛ لأنهم لا يعرفون الله الذي إليه يرجعون! وكل ذلك من صنع (يهود) ومن على شاكلتهم! ١٠ - القرآن يسجل على أهل الكتاب يقينهم بمعرفة الرسول ﷺ -: وقد سجل القرآن الكريم على أهل الكتاب يقينهم بمعرفة محمد رسول الله ﷺ , لوجود نعوته في التوراة والإنجيل، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي

стр. 315

التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف]! وهنا نبصر نبأ الملة الأخيرة التي سيكتب الله لها رحمته التي وسعت كل شيء .. بهذا التعبير الذي يجعل رحمة الله أوسع من ذلك الكون الهائل الذي خلقه، والذي لا يدرك البشر مداه .. فيا لها من رحمة لا يدرك مداها إلا الله (١)! وإنه لنبأ عظيم، يشهد بأن بني إسرائيل قد جاءهم الخبر اليقين بالنبي الأمي ﷺ ، منذ أمد بعيد، على يدي نبيهم موسى، ونبيهم عيسى ﵉! جاءهم الخبر اليقن ببعثته، وبصفاته، وبمنهج رسالته، وخصائص ملته، فهو (النبي الأميّ) وهو يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهو يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، وهو يضع عمن يؤمنون به من بني إسرائيل الأثقال والأغلال التي كانت عليهم، فيرفعها عنهم النبي الأميّ حين يؤمنون به، وأتباع هذا النبي يتقون ربهم، ويخرجون زكاة أموالهم، ويؤمنون بآيات الله! وجاءهم الخبر اليقين بأن الذين يؤمنون بهذا النبي الأمي، ويعظمونه،

стр. 316

ويوقرونه، وينصرونه، ويؤيدونه، ويتبعون النور الهادي، الذي معه ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾! وبذلك البلاغ المبكر لبني إسرائيل على يد نبيهم موسى ﵇ كشف الحق -جل شأنه- عن مستقبل دينه، وعن حامل رايته، وعن طريق أتباعه، وعن مستقر رحمته؛ فلم يبق عذر لهؤلاء ومن على شاكلتهم بعد ذلك البلاع المبكر بالخبر اليقين! وهذا الخبر اليقين من ربّ العالمين لموسى ﵇ وهو السبعون المختارون من قومه لميقات ربّه. يكشف كذلك عن مدى جريمة بني إسرائيل في استقبالهم لهذا النبي وللدّين الذي جاء به، وفي التخفيف عنهم والتيسير، إلى جانب ما فيه من البشارة بالفلاح للمؤمنين! إنها الجريمة عن علم، وعن بينة! الجريمة التي لم يألوا فيها جهداً، فقد سجل التاريخ أن بني إسرائيل كانوا هم ألأم خلقٍ وقف لهذا النبي وللدين الذي جاء به، اليهود أولاً، ومن على شاكلتهم أخيراً، وأن الحرب التي شنوها على هذا النبي ورسالته والمؤمنين كانت حرباً خبيثة ماكرة لئيمة قاسية، وأنهم أصرّوا عليها ودأبوا، وما زالوا يصرّون ويدأبون! والذي يراجع -فقط- ما سجله القرآن من حرب أهل الكتاب للإسلام والمسلمين، يطلع على المدى الواسع المتطاول الذي أداروا فيه المعركة مع الرسالة والرسول ﷺ في عناد لئيم! والذي يراجع التاريخ بعد ذلك، منذ اليوم الأول الذي استعلن فيه هذا

стр. 317

الدّين، وقامت له دولة في المدينة، يدرك كذلك مدى الإصرار العنيد على الوقوف لهذا الدّين وإرادة محوه من الوجود! ولقد استخدمت الصهيونيّة ومن على شاكلتها في العصر الحديث من ألوان الحرب والكيد والمكر أضعاف ما استخدمته طوال القرون الماضية كلها! وهي في هذه الفترة -خاصة- تعالج إزالة هذا الدّين بجملته، وتحسب أنها تدخل معه في المعركة الأخيرة الفاصلة؛ لذلك تستخدم جميع الأساليب التي جرّبتها في القرون الماضية كلها، بالإضافة إلى ما استحدثته منها، جملة واحدة! ذلك في الوقت الذي يقوم ناس ممن ينتسبون إلى الإسلام، يدعون في سذاجة إلى التعاون بين أهل الإسلام وأهل الكتاب للوقوف في وجه تيار المادية والإلحاد! ومن ثم أبصرنا الدعوة إلى مؤتمرات الأديان ومجتمع المسجد، ودور العبادة عند أهل الكتاب! أهل الكتاب الذين يذبحون من ينتسبون إلى الإسلام في كل مكان، ويشنون عليهم حرباً تتسم بكل بشاعة الحروب التي سجلها التاريخ, وسجلتها محاكم التفتيش في الأندلس! سواء عن طريق أجهزتهم المباشرة في المستعمرات في آسيا، وأفريقيا، أو عن طريق الأوضاع التي يقيمونها في البلاد -وما أكثرها! - لتحل محل الإسلام عقائد ومذاهب علمانيّة! تنكر الغيبيّة، وتطوّر الأخلاق لتصبح حيوانيّة كالبهائم التي ينزو بعضها على بعض في حريّة -كما يزعمون- وتقيم مؤتمرات المستشرقين للتطوّر في كل شيء!

стр. 318

إنها المعركة الوحشيّة الضارية يخوضها أهل الكتاب مع هذا (الدّين القيم)، الذي بشّروا به وبنبيّه منذ ذلك الأمد البعيد، ولكنهم تلقوه هذا التلقي اللئيم الخبيث العنيد! وقبل أن يمضي السياق إلى مشهد جديد، يقف عند هذا البلاغ المبكر، يوجه الخطاب إلى خاتم النبيين ﷺ ، يأمره بإعلان الدعوة إلى الناس جميعاً، تصديقاً لوعد الله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾! إنها الرسالة الأخيرة، فهي الرسالة الشاملة، التي لا تختص بقوم دون قوم، ولا أرض دون أرض، ولا جيل دون جيل، ولا قبيل دون قبيل! ولقد كانت الرسالات قبلها رسالات محليّة قوميّة محدودة بفترة من الزمان -ما بين عهدي رسولين- وكانت البشرية تخطو على هدي هذه الرسالات خطوات محدودة، تأهيلاً للرسالة الأخيرة، وكانت كل رسالة تتضمن ما يناسب تدرج الشريعة، حتى إذا جاءت الرسالة الأخيرة جاءت كاملة في أصولها، قابلة للتطبيق المتجدد في فروعها، وجاءت للبشر جميعاً، في كل جيل وفي كل قبيل، وفي كل عصر، وفي كل مصر، وفي كل زمان، وفي كل مكان .. وجاءت وفق الفطرة الإنسانية التي يلتقي عندها الناس جميعاً، ومن ثم حملها النبي الأمي الذي لم يدخل على فطرته الصافية -كما خرجت من يد الحق- إلا تعليم الله، فلم تَشُبْ هذه الفطرة شائبة من تعاليم الأرض ومن أفكار الناس! ليحمل رسالة الفطرة إلى فطرة الناس جميعاً: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾!

стр. 319

وهذه الآية التي يؤمر فيها رسول الله ﷺ أن يواجه برسالته الناس جميعاً، هي آية مكيّة في سورة مكيّة، وهي تُجبه المزوّرين من أهل الكتاب، الذين يزعمون أن خاتم النبيّين ﷺ لم يكن يفكّر وهو في مكة أن يمد بصره برسالته إلى غير أهلها، وأنه إنما بدأ يفكّر في أن يتجاوز بها قريشًا، ثم يتجاوز بها العرب إلى دعوة أهل الكتاب، ثم يجاوز بها الجزيرة العربيّة إلى ما وراءها، كل أولئك بعد أن أغراه النجاح الذي ساقته إليه الظروف! وإن هي إلا فرية من ذيول الحرب التي شنّوها قديماً على هذا الدّين وأهله، وما يزالون ماضين فيها! وليست البليّة في أن يرصد أهل الكتاب كيدهم لهذا الدّين وأهله، وأن يكون المستشرقون الذين يكتبون مثل هذا الكذب هم طليعة الهجوم على هذا الدّين وأهله، إنما البليّة الكبرى أن كثيراً من السذج الأغرار من أبناء جلدتنا، الذين يتكلمون بألسنتنا، يتخذون من هؤلاء المزوّرين على أنبيائهم، المحاربين لعقيدتهم، أساتذة لهم، يتلقون عنهم في هذا الدّين نفسه، ويستشهدون بما يكتبونه عن تاريخ هذا الدّين وحقائقه، ثم يزعم هؤلاء السذّج الأغرار لأنفسهم أنهم مثقفون! ونعود إلى السياق القرآني بعد تكليف الرسول ﷺ أن يعلن رسالته للناس جميعاً، فنجد بقيّة التكليف في تعريف الناس بربّهم الحق - جل شأنه -: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾! إنه ﷺ رسول للناس جميعاً من ربّهم الذي يملك هذا الوجود كله، وهم من هذا الوجود، والذي يتفرّد بالألوهية وحده، فالكل له عبيد، والذي تتجلّى قدرته وألوهيّته في أنه الذي يحيي ويميت!

стр. 320

والذي يملك الوجود كله، والذي له الألوهيّة على الخلائق وحده، والذي يملك الحياة والموت للناس جميعاً .. هو الذي يستحق أن يدين الناس بدينه، الذي يبلغه إليهم رسوله، فهو تعريف للناس بربّهم، لتقوم على هذا التعريف عبوديّتهم له، وطاعتهم لرسوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾! وهذا النداء الأخير في هذا التعقيب يتضمن لفتات دقيقة ينبغى أن نقف أمامها لحظات: إنه يتضمن ابتداءً ذلك الأمر بالإيمان بالله ورسوله، وهو ما تتضمنه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، في صورة أخرى من صور هذا المضمون الذي لا يقوم بدونه إيمان ولا إسلام، ذلك أن هذا الأمر بالإيمان بالله سبقه في الآية التعريف بصفاته تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾! فالأمر بالإيمان هو أمر الإيمان بالله الذي هذه صفاته الحقة، كما سبقه التعريف برسالة النبي ﷺ إلى الناس جميعاً: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾! ثم يتضمن ثانية أن النبي الأمي- صلوات الله وسلامه عليه- يؤمن بالله وكلماته .. ومع أن هذه بديهيّة، إلا أن هذه اللفتة لها مكانها ولها قيمتها، فالدعوة لا بد أن يسبقها إيمان الداعي بحقيقة ما يدعو إليه، ووضوحه في نفسه، ويقينه منه، لذلك يجيء وصف النبي المرسل إلى الناس جميعاً بأنه: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾!
следующие страницы →