← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ويوقرونه، وينصرونه، ويؤيدونه، ويتبعون النور الهادي، الذي معه ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾! وبذلك البلاغ المبكر لبني إسرائيل على يد نبيهم موسى ﵇ كشف الحق -جل شأنه- عن مستقبل دينه، وعن حامل رايته، وعن طريق أتباعه، وعن مستقر رحمته؛ فلم يبق عذر لهؤلاء ومن على شاكلتهم بعد ذلك البلاع المبكر بالخبر اليقين! وهذا الخبر اليقين من ربّ العالمين لموسى ﵇ وهو السبعون المختارون من قومه لميقات ربّه. يكشف كذلك عن مدى جريمة بني إسرائيل في استقبالهم لهذا النبي وللدّين الذي جاء به، وفي التخفيف عنهم والتيسير، إلى جانب ما فيه من البشارة بالفلاح للمؤمنين! إنها الجريمة عن علم، وعن بينة! الجريمة التي لم يألوا فيها جهداً، فقد سجل التاريخ أن بني إسرائيل كانوا هم ألأم خلقٍ وقف لهذا النبي وللدين الذي جاء به، اليهود أولاً، ومن على شاكلتهم أخيراً، وأن الحرب التي شنوها على هذا النبي ورسالته والمؤمنين كانت حرباً خبيثة ماكرة لئيمة قاسية، وأنهم أصرّوا عليها ودأبوا، وما زالوا يصرّون ويدأبون! والذي يراجع -فقط- ما سجله القرآن من حرب أهل الكتاب للإسلام والمسلمين، يطلع على المدى الواسع المتطاول الذي أداروا فيه المعركة مع الرسالة والرسول ﷺ في عناد لئيم! والذي يراجع التاريخ بعد ذلك، منذ اليوم الأول الذي استعلن فيه هذا

стр. 317

الدّين، وقامت له دولة في المدينة، يدرك كذلك مدى الإصرار العنيد على الوقوف لهذا الدّين وإرادة محوه من الوجود! ولقد استخدمت الصهيونيّة ومن على شاكلتها في العصر الحديث من ألوان الحرب والكيد والمكر أضعاف ما استخدمته طوال القرون الماضية كلها! وهي في هذه الفترة -خاصة- تعالج إزالة هذا الدّين بجملته، وتحسب أنها تدخل معه في المعركة الأخيرة الفاصلة؛ لذلك تستخدم جميع الأساليب التي جرّبتها في القرون الماضية كلها، بالإضافة إلى ما استحدثته منها، جملة واحدة! ذلك في الوقت الذي يقوم ناس ممن ينتسبون إلى الإسلام، يدعون في سذاجة إلى التعاون بين أهل الإسلام وأهل الكتاب للوقوف في وجه تيار المادية والإلحاد! ومن ثم أبصرنا الدعوة إلى مؤتمرات الأديان ومجتمع المسجد، ودور العبادة عند أهل الكتاب! أهل الكتاب الذين يذبحون من ينتسبون إلى الإسلام في كل مكان، ويشنون عليهم حرباً تتسم بكل بشاعة الحروب التي سجلها التاريخ, وسجلتها محاكم التفتيش في الأندلس! سواء عن طريق أجهزتهم المباشرة في المستعمرات في آسيا، وأفريقيا، أو عن طريق الأوضاع التي يقيمونها في البلاد -وما أكثرها! - لتحل محل الإسلام عقائد ومذاهب علمانيّة! تنكر الغيبيّة، وتطوّر الأخلاق لتصبح حيوانيّة كالبهائم التي ينزو بعضها على بعض في حريّة -كما يزعمون- وتقيم مؤتمرات المستشرقين للتطوّر في كل شيء!

стр. 318

إنها المعركة الوحشيّة الضارية يخوضها أهل الكتاب مع هذا (الدّين القيم)، الذي بشّروا به وبنبيّه منذ ذلك الأمد البعيد، ولكنهم تلقوه هذا التلقي اللئيم الخبيث العنيد! وقبل أن يمضي السياق إلى مشهد جديد، يقف عند هذا البلاغ المبكر، يوجه الخطاب إلى خاتم النبيين ﷺ ، يأمره بإعلان الدعوة إلى الناس جميعاً، تصديقاً لوعد الله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾! إنها الرسالة الأخيرة، فهي الرسالة الشاملة، التي لا تختص بقوم دون قوم، ولا أرض دون أرض، ولا جيل دون جيل، ولا قبيل دون قبيل! ولقد كانت الرسالات قبلها رسالات محليّة قوميّة محدودة بفترة من الزمان -ما بين عهدي رسولين- وكانت البشرية تخطو على هدي هذه الرسالات خطوات محدودة، تأهيلاً للرسالة الأخيرة، وكانت كل رسالة تتضمن ما يناسب تدرج الشريعة، حتى إذا جاءت الرسالة الأخيرة جاءت كاملة في أصولها، قابلة للتطبيق المتجدد في فروعها، وجاءت للبشر جميعاً، في كل جيل وفي كل قبيل، وفي كل عصر، وفي كل مصر، وفي كل زمان، وفي كل مكان .. وجاءت وفق الفطرة الإنسانية التي يلتقي عندها الناس جميعاً، ومن ثم حملها النبي الأمي الذي لم يدخل على فطرته الصافية -كما خرجت من يد الحق- إلا تعليم الله، فلم تَشُبْ هذه الفطرة شائبة من تعاليم الأرض ومن أفكار الناس! ليحمل رسالة الفطرة إلى فطرة الناس جميعاً: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾!

стр. 319

وهذه الآية التي يؤمر فيها رسول الله ﷺ أن يواجه برسالته الناس جميعاً، هي آية مكيّة في سورة مكيّة، وهي تُجبه المزوّرين من أهل الكتاب، الذين يزعمون أن خاتم النبيّين ﷺ لم يكن يفكّر وهو في مكة أن يمد بصره برسالته إلى غير أهلها، وأنه إنما بدأ يفكّر في أن يتجاوز بها قريشًا، ثم يتجاوز بها العرب إلى دعوة أهل الكتاب، ثم يجاوز بها الجزيرة العربيّة إلى ما وراءها، كل أولئك بعد أن أغراه النجاح الذي ساقته إليه الظروف! وإن هي إلا فرية من ذيول الحرب التي شنّوها قديماً على هذا الدّين وأهله، وما يزالون ماضين فيها! وليست البليّة في أن يرصد أهل الكتاب كيدهم لهذا الدّين وأهله، وأن يكون المستشرقون الذين يكتبون مثل هذا الكذب هم طليعة الهجوم على هذا الدّين وأهله، إنما البليّة الكبرى أن كثيراً من السذج الأغرار من أبناء جلدتنا، الذين يتكلمون بألسنتنا، يتخذون من هؤلاء المزوّرين على أنبيائهم، المحاربين لعقيدتهم، أساتذة لهم، يتلقون عنهم في هذا الدّين نفسه، ويستشهدون بما يكتبونه عن تاريخ هذا الدّين وحقائقه، ثم يزعم هؤلاء السذّج الأغرار لأنفسهم أنهم مثقفون! ونعود إلى السياق القرآني بعد تكليف الرسول ﷺ أن يعلن رسالته للناس جميعاً، فنجد بقيّة التكليف في تعريف الناس بربّهم الحق - جل شأنه -: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾! إنه ﷺ رسول للناس جميعاً من ربّهم الذي يملك هذا الوجود كله، وهم من هذا الوجود، والذي يتفرّد بالألوهية وحده، فالكل له عبيد، والذي تتجلّى قدرته وألوهيّته في أنه الذي يحيي ويميت!

стр. 320

والذي يملك الوجود كله، والذي له الألوهيّة على الخلائق وحده، والذي يملك الحياة والموت للناس جميعاً .. هو الذي يستحق أن يدين الناس بدينه، الذي يبلغه إليهم رسوله، فهو تعريف للناس بربّهم، لتقوم على هذا التعريف عبوديّتهم له، وطاعتهم لرسوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾! وهذا النداء الأخير في هذا التعقيب يتضمن لفتات دقيقة ينبغى أن نقف أمامها لحظات: إنه يتضمن ابتداءً ذلك الأمر بالإيمان بالله ورسوله، وهو ما تتضمنه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، في صورة أخرى من صور هذا المضمون الذي لا يقوم بدونه إيمان ولا إسلام، ذلك أن هذا الأمر بالإيمان بالله سبقه في الآية التعريف بصفاته تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾! فالأمر بالإيمان هو أمر الإيمان بالله الذي هذه صفاته الحقة، كما سبقه التعريف برسالة النبي ﷺ إلى الناس جميعاً: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾! ثم يتضمن ثانية أن النبي الأمي- صلوات الله وسلامه عليه- يؤمن بالله وكلماته .. ومع أن هذه بديهيّة، إلا أن هذه اللفتة لها مكانها ولها قيمتها، فالدعوة لا بد أن يسبقها إيمان الداعي بحقيقة ما يدعو إليه، ووضوحه في نفسه، ويقينه منه، لذلك يجيء وصف النبي المرسل إلى الناس جميعاً بأنه: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾!

стр. 321

وهو نفس ما يدعو إليه! ثم يتضمن أخيراً لفتة إلى مقتضى هذا الإيمان الذي يدعوهم إليه، وهو اتباعه فيما يأمر به ويدعو إليه ويحث عليه، واتباعه كذلك فيما يبيّنه، وهو ما يقرره قول الحق سبحانه: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾! فليس هناك رجاء في أن يهتدي الناس بما يدعوهم إليه رسول الله ﷺ إلا باتباعه فيه. ولا يكفي أن يؤمنوا به في قلوبهم! إن هذا (الدّين القيّم) يعلن عن حقيقته في كل مناسبة .. إنه ليس مجرد عقيدة تستكنّ في الضمير .. كما أنه كذلك ليس مجرد شعائر تؤدى وطقوس، إنما هو الاتباع لرسول الله ﷺ فيما يبلغه عن ربه، وفيما يبيّنه ويسنه، والرسول ﷺ لم يأمر الناس بالإيمان بالله ورسوله فحسب، ولم يأمرهم كذلك بالشعائر التعبديّة فحسب، ولكنه أبلغهم شريعة الله في قوله وفعله .. ولا رجاء في أن يهتدي الناس إلا إذا اتبعوه في هذا، فهذا هو دين الله، وليس لهذا الدّين من صورة أخرى إلا هذه الصورة التي تشير إليها هذه اللفتة: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾! بعد الإيمان بالله ورسوله، ولو كان الأمر في هذا الدّين أمر اعتقاد وكفى، لكان في قوله ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الكفاية!

стр. 322

خصائص الجزيرة العربيّة

стр. 323

خصائص الجزيرة العربيّة ١ - البيت الحرام ٢ - دعوة إبراهيم ﵇ ٣ - أنبياء في الجزيرة ٤ - صفات العرب ٥ - وحدة اللغة ٦ - الموقع الجغرافي ٧ - حرم الإسلام

стр. 324

خصائص الجزيرة العربيّة تمهيد: اقتضت حكمة الله أن تطلع شمس الهداية التي تبدد الظلام، وتملأ الدنيا نوراً وهداية، من أفق جزيرة العرب! والجزيرة من حيث الاسم -كما نرى- مضافة إلى العرب لا غير، ويطلق عليها (جزيرة العرب)، و (أرض العرب)، و (بلاد العرب)، و (ديار العرب)، ويقال الآن (الجزيرة العربيّة)، و (شبه جزيرة العرب)، و (شبه الجزيرة العربيّة) (١)! ونذكر خصائصها فيما يلي: ١ - البيت الحرام: أول ما يطالعنا من خصائص الجزيرة: البيت الحرام، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران]! وهنا نبصر تقرير أن البيت الحرام أول بيت وضع في الأرض للعبادة وخصص لها، وجعله الله مباركاً وهدى للعالمين، يجدون عنده الهدى، وفيه آيات بيّنات على أنه مقام إبراهيم، وأنه مثابة الأمن لكل خائف، وليس هذا لمكان آخر في الأرض!

стр. 325

ونبصر البيئة الطبيعيّة للرسالة والرسول ﷺ هي الجزيرة العربيّة بوجه عام (١)، سماؤها، وأرضها، شمالها وجنوبها، جبالها ووديانها، نجودها وتهائمها، وبوجه خاص شمال تلك الجزيرة المعروف بأرض الحجاز، وبوجه أخص (مكة المكرمة) من أرض الحجاز! والتاريخ الطبيعي عرف للجزيرة العربيّة في جملتها خصائص شاملة تشترك فيها جميع أجزائها .. وعرف بعد ذلك خصائص فَصلَت الجنوب عن الشمال .. كما عرف خصائص امتازت بها أرض الحجاز، وخصائص امتازت بها (مكة المكرمة) في موقعها من أرض الحجاز! عاصرت تلك الخصائص الجزيرة العربيّة مفرّقة بين شمالها وجنوبها آماداً طويلةً، وأحقاباً متعدّدةً، تدخل مع التاريخ في أعماقه البعيدة، حتى تقف معه عند مجاهد العصور التي لم تتبيّن له معالمها, ولم تزل تمخّضها الحوادث، وتدافعها الأحداث، وتمرّ مع الزمن في أطوار طبيعية، حتى تبلورت إلى صورة واحدة مشت بالجنوب إلى الشمال، فمزجته به في خصائصه، حتى صار كأنه هو، جدباً وشظف عيش، وقسوة طبيعيّة، وجفوةَ حياة، وعبوس جو، ولفح سموم، وكثرة تقلّبات، وقلق إقامة، وتطلعاً إلى السماء، رجاء غيث، وتوثّباً في أرجاء الأرض، طلباً لمرعى أو قطرة ماء! وهي بعد ذلك بيئةٌ تَدَّرِعُ الليل، وتأنس بالوحش، وتستضيء بالنجوم، وتطرب لصوت الرعد، يكتنفها فضاء لا نهاية له، وتظلّها سماء لا تستقر على حال، تصفو مرّة فتلمحُ بالليل نجومها، وتَضْحى بالنهار شمسها، وتَغيم مرّة فيسودّ أديمها، وتتوارى كواكبها، وتحتجب شمسها، ويكفهرّ أفقها، ويتجهّم

стр. 326

منظرها، أكنافُها الجبال، ومسارحها الوديان، لا صناعة تشذِّب من مظاهرها، ولا زراعة ترفِّه من جوّها، وكل الأمل المرجوّ منها مرعى تجود به الطبيعة، لتحيا عليه قطعان من إبل وشاء، عليها قوام تلك البيئة القاسية! وقد اشتهر ذلك عن الجزيرة العربيّة، حتى عرفه جيرانهم من الفرس والرومان، فزهدوا فيها مع طغيان روح الاستغلال الاستعماري في الدولتين! هذه الخصائص الطبيعيّة كانت خلاصة ما انتهت إليه الأحداث الضخمة، والحوادث الهائلة، التي انتابت الجزيرة العربيّة في مدى الأحقاب المتوغّلة في مجاهد التاريخ, تجمعت من أرجائها كلها، وتلاقت في شمالها من أرض الحجاز، فكانت -فوق أنها خصائص الجزيرة منذ بدأ انسياح القبائل الجنوبيّة إلى الشمال طلباً للعيش عقب انهيار سد مأرب وتخريب عمران اليمن- هي في الوقت ذاته خصائص بلاد الحجاز منذ عرفها التاريخ! أما (مكة المكرمة) بلد الرسول ﷺ ، وبيئته اللصيقة به، فسمّها قرية أو مدينة أو ما شئت من أسماء الأمكنة التي كانت موئلاً لاستقرار قبيل من الناس، يضطربون فيه طلباً لوسائل الحياة والعيش، فيتسع لهم ويعطيهم ما تسمح به طبيعته، ويظهر أن أمر هذه التسمية يرجع إلى العرف ومصطلح الناس، وقد يختلف باختلاف الأزمنة والعصور، والقرآن الكريم أطلق عليها (بلداً)، وسماها مرة (قرية)، ومرة أخرى سماها (أم القرى)، وأصول الاجتماع لا تأبى عليها اسم (المدينة)! ومهما يكن من أمر ذلك كله، فإنها منذ كانت عاصمة الحجاز من غير منازعة ولا مزاحمة، وإطلاق اسم المدينة عليها أقرب إلى تسمية القرآن لها (أم القرى) وأدنى ما عُرف لها من مكانة واحترام قبل البعثة المحمدية، وأشبه ما صارت إليه في الإسلام من منزلة دينيّة واجتماعيّة!

стр. 327

يقول ابن القيم ﵀ (١) - عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]! ومن هذا اختياره من الأماكن والبلاد خيرها وأشرفها، وهي البلد الحرام، فإنه اختاره لنبيّه ﷺ ، وجعله مناسك لعباده، وأوجب عليهم الإتيان إليه، من القرب والبعد، من كل فج عميق، فلا يدخلونه إلا متواضعين متخشعين متذللين، كاشفي رؤوسهم، متجردين من لباس أهل الدنيا! وأقسم به في كتابه العزيز في موضعين منه، فقال تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين]! وقال جل شأنه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ [البلد]! وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها، والطواف بالبيت الذي فيها غيرها, وليس على وجه الأرض موضع يشرع تقبيله واستلامه، وتحط الخطايا والأوزار فيه، غير الحجر الأسود، والركن اليماني! يروي أحمد وغيره بسند صحيح عن عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع رسول الله ﷺ ، وهو واقف على راحلته بالحزورة من مكة يقول: "والله! إِنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إِلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت" (٢)!

стр. 328

تلك المدينة التي كانت مسقط رأس الرسول ﷺ ، وموطن أسرته، ووطن قبيلته، وصفها القرآن الكريم على لسان خليل الله إبراهيم ﵇ في قوله جل شأنه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [ابراهيم: ٣٧]! وهذا أصدق وصف (١)، وأجمع كلمة لخصائصها الطبيعيّة، فكلمة (واد) تصورأتم تصوير وضعها على الأرض، فهي منخفض تحيط به الجبال، وكلمة ﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ تعطيك أن هذا الوادي له طبيعة شحيحة أشد الشح بالماء، فهي لا تكاد تجود به نبعاً، وإذا جادت به غيثاً تفرّق في غير كبير فائدة، وتعطيك نتيجة لذلك جدوبة الأرض، وتعطيك صرامة الجو، ولفح السموم، وهو وصف في جملته يُدْخل على النفس يأساً، قلما أن تجد وسيلة من العيش الرغيد، أو سبباً من أسباب الكسب الربيح، في هذا البلد السجين بين شاهقات الجبال! بيد أن (مكة المكرمة) بلد الرسول ﷺ لم تستسلم للطبيعة تحبسها في واديها الأجرد، بين جبالها السود المكفهرّة القاسية، بل تداركتها العناية الإلهيّة، فأهدت إليها (الكعبة) بيت الله الحرام، فصارت بها (مكة المكرمة) بلد الله الحرام، وكان الذي أقام الكعبة إبراهيم وإسماعيل ﵉ وإبراهيم جد العرب الذي تنتهي إليه مفاخرهم، وإسماعيل أبوهم، وقد تعرّب منذ كان، فلم يعرف غير العرب شعباً، ولا غير الجزيرة وطناً، ولا غير (مكة المكرمة) بلداً، فحفظ الأبناء تراث الآباء، ووعى الأحفاد ذخيرة الأجداد! وعظّم العرب (الكعبة البيت الحرام) وعظّموا لتعظيمها (مكة المكرمة)

стр. 329

واتخذوها حرماً آمناً يقدّسونه، ويتحاملون فيه المآثم، وينزهونه عن وقوع المظالم، ويؤمنون فيه الخائف، ويجبرون الكسير، وينصرون المظلوم، ويخافون الظلم فيه .. يحجون إليها، ويجتمعون في مواسمها، يتعبدون ويتجرون، ويجلبون إليها الأرزاق والسلع، ويتبادلون ذلك فيما بينهم، فيصدر عنها من وردها بغير ما ورد، ويردها من صدر عنها بغير ما صدر، ثم اتخذوها مناراً لإذاعة مفاخرهم، ومحكمة لتحاكمهم، وملجأ لضعفائهم، وملاذاً يلوذ به أصحاب التبعات والجرائر منهم، ومصدراً لمحالفاتهم وتعهداتهم، ووضعوا لذلك سنناً متبعة لا يحيدون عنها، ونظاماً مأثوراً يأثره الخلف عن السلف، من غيره أو انتهك حرمته فقد جاء بإحدى الكبر! وهكذا أصبحت (مكة المكرمة) شيئاً آخر، غير كونها وادياً محصوراً بين الجبال، فقد أصبحت متعبد العرب قاطبة، تهفو إليها قلوبهم، تحنثاً فيها وتعبداً بالطواف حول بيتها المحرم، يقدسونها تقديساً لا يفوقه تقديس، ويفدون بيتها المعظم بالمهج والأرواح! قال الشاعر: محاسنه هولي كل حسن ... ومغناطيس أفئدة الرجال قال ابن القيم (١): أخبر سبحانه أنه مثابة للناس، قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة]!

стр. 330

أي يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطراً، بل كلما ازدادوا له زيارة، ازدادوا اشتياقاً! لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها ... حتى يعود إِليها الطرف مشتاقا فللَّه كم لها من قتيل وسليب وجريح، وكم أنفق في حبّها من الأموال والأرواح، ورضي المحب بمفارقة فلذات الأكباد والأهل، والأحباب والأوطان، مقدّماً بين يديه أنواع المخاوف والمتالف، والمعاطف والمشاق، وهو يستلذّ ذلك كله ويستطيبه، ويراه -لو ظهر سلطان المحبة في قلبه- أطيب من نعم المتحلية وترفهم ولذاتهم! وليس محباً من يَعُدُّ شقاءه ... عذاباً إِذا ما كان يَرضَى حبيبُه وهذا كله سرّ إضافته إليه بقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦]! فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة ما اقتضته، كما اقتضت إضافته لعبده ورسوله إلى نفسه ما اقتضته من ذلك، وكذلك إضافته عباده المؤمنين إليه كستهم من الجلال والمحبة والوقار ما كستهم، فكل ما أضافه الرب تعالى إلى نفسه، فله من المزيّة والاختصاص على غيره ما أوجب له الاصطفاء والاجتباء، ثم يكسوه بهذه الإضافة تفضيلاً آخر، وتخصيصاً وجلاله زائداً على ما كان له قبل الإضافة!

стр. 331

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١): كذلك ما خص به الكعبة الحرام من حين بناه إبراهيم، وإلى هذا الوقت من تعظيمه وتوقيره وانجذاب القلوب إليه .. ومن المعلوم أن الملوك وغيرهم يبنون الحصون والمدائن والقصور بالآلات العظيمة البناء المحكم، ثم لا يلبث أن ينهدم ويهان، والكعبة بيت مبني من حجارة سود بواد غير ذي زرع، ليس عنده ما تشتهيه النفوس من البساتين والمياه وغيرها, ولا عنده عسكر يحميه من الأعداء، ولا في طريقه من الشهوات ما تشتهيه الأنفس؛ بل كثيراً ما يكون في طريقه من الخوف والتعب والعطش والجوع ما لا يعلمه إلا الله، ومع هذا فقد جعل الله من أفئدة الناس التي تهوي إليه ما لا يعلمه إلا الله! وقد جعل للبيت من العز والشرف والعظمة ما أذل به رقاب أهل الأرض، حتى تقصده عظماء الملوك ورؤساء الجبابرة، فيكون هؤلاء هناك في الذل والمسكنة كآحاد الناس! وهذا مما يعلم بالاضطرار أنه خارج عن قدرة البشر، وقوى نفوسهم وأبدانهم، والذي بناه قد مات من ألوف السنين! وإذا كان العرب لم ينسوا الله في وثنيّتهم، وأنهم قد أشركوا، فإن السبب يرجع إلى أن الأصل عندهم هو التوحيد، كما تلقوه عن إبراهيم وإسماعيل ﵉ والذي كان بقيّة مما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب ﵈! وإذا كانت الإنسانيّة قد عاشت حياتها في حمأة الوثنيّة الهابطة (٢)، وإذا

стр. 332

كان عند كل أمة من أمم الجاهليّة الأولى آلهة شتى تُعبد من دون الله، فإن التاريخ قد استيقظ من غمرات غفلاته، وحزم تراثه وحمله على مناكبه، وسار به في سرعة خاطفة، ميمّماً مشرق الشمس، حتى إذا بلغ (الربوة الحمراء) في فيافي الجزيرة العربيّة، ألقى عن كاهله أثقاله! والجزيرة العربيّة يومئذ في عزلة موحشة، ونسيان شرود، ولكن ضربات المخاض القاسية التي كانت أناتها بانفراجها عن الحدث الجليل ذكّرت التاريخ بها، فذهب إليها وهو يلهث مكدوداً، وألقى بثقله في أحضانها، على ربوتها في أرض أم القرى، وغطّ في نوم قلق مليء بالرؤى وأضغاث الأحلام، رجعاً لصدى ماضيه السحيق! وعلى صوت حفيف أقدام خافت في رمال الصحراء تيقّظ من غفوته، وانتبه من غفلته، فانبعث من مرقده متكاسلاً يتمطى ويمسح عن عينيه رماص الكبر, وإذا به مع نفسه وحيداً إلا من طفل في مهده يضغُو من شدة العطش، وإلى جانبه أم رصينة، لهفانة، لا تستقر نظرتها على شيء، حتى على طفلها المتضاغي في مهده، كأنها تخاف أن تنظر إليه .. بيد أنها كانت تنوء تحت وطأة الآلام تعصر قلبها، وتحرق كبدها، كلما حرك الطفل قدميه يفحص بهما رمال الصحراء، كأنه يطلب شيئاً أودعه له فيها حفيظ أمن! وانفجرت الرمال عن الوديعة، فإذا هي (زمزم) عين لا تغيض!، وصدق إلهام (هاجر) حين قالت لإبراهيم الذي جاء بابنه مع أمّه إلى هذا الوادي الأجرد اليابس، فيما رواه البخاري عن ابن عباس: "آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إِذن لا يضيعنا"! وحين كانت زمزم عيناً معيناً، شربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك:

стр. 333

"لا تخافوا الضيعة، فإِن هاهنا بيت الله، يبني هذا الغلام وأبوه، وإِن الله لا يضيِّع أهله" (١)! وعلينا أن نتصور هاجر ومعها طفلها, ولا أنيس ولا جليس، ونتصور نفس الكلمات التي قالتها، حين أراد إبراهيم أن يرجع، ويتركها وطفلها في هذا الوادي، وقد علمت أن ذلك بأمر الله تعالى .. ومن ثم فإن شدة الموقف التي تعجز الكلمات عن تصويرها لا وجود لها ما دام الأمر من الله، والله لا يضيع أهله! أجل، يا أم إسماعيل: لن يضيّعكما الله، وفي صلب وليدك وديعة الوجود، وهداية السماء إلى الحياة بمن فيها وما فيها! أجل، يا أم إسماعيل: إن الله تعالى سيجدّد بوليدك صادق الوعد ديباجة الحياة، وسيخلع عليها من جلابيب الفيض السماوي ما يحوّل ظلامها نوراً، وجبالها مآذن، وهضابها منابر للهداية، ووديانها مساجد يتعبّد في محاريبها الموّحدون، وآفاقها مراتع للحريّة الإنسانيّة، يرتفع في مسارحها المؤمنون بقداسة الحياة، وتتفلّق صخورها عن سر الأسرار في هذا الوجود .. عن النور المخبوء في مشكاة كنز الغيب، عن كلمة الحق وأمانته! صبراً يا أم إسماعيل، إن إبراهيم ﵇ خليل الله، وله مع ربّه مناجاة، وفي المناجاة أسرار وأسرار، وفي المصافاة أضواء وأنوار، سوف تتفجّر عنها رمال الحياة، كما انفجرت عن زمزم رمال الصحراء! أجل، يا أم إسماعيل، لقد جيء بك وبوليدك إلى هنا لتؤديا أمانة الله إلى

стр. 334

الحياة، في هذا الوادي (الصَّدْيان) لتكون الآية الإلهية أضخم من تراث التاريخ كله، في فلسفته وعلومه ومعارفه، وتجاربه وأنظمته، منذ وعى التاريخ حقيقة الحياة! وافترّ ثغر (هاجر) عن ابتسامة الرضى، وهي ترى هذا الوادي الأجرد المقفر يجذب إليها لثاماً من الناس، كانوا يقرون به من قبل، فلا يجدون فيه أثراً للحياة! وشبّ إسماعيل وترعرع بين أطفال (جرهم) وشبابها عربيًّا خالصاً، ولما استوت رجوليّته أصهر فيهم إلى سيّدهم، وجاء إبراهيم خليل الله زائراً ولده، ولقي إسماعيل أباه، وتحدثا حديث حنان الأبوة، ووَلَه البنوة، وأفضى خليل الله إلى ابنه إسماعيل بسرّ الحياة في رمال الصحراء التيَ كان قد أودعه فيها مع أمّه في هذا الوادي الأجرد، ليؤديّا أمانة الله إلى الحياة! ونبأه بأمر الله في بناء بيته، وقد بوأه الله مكانه من الربوة الحمراء، وبنى إبراهيم وإسماعيل ﵉ (الكعبة المشرفة) بيتاً لله تعالى، ليكون رمزاً إلى الحقيقة الكبرى في الوجود .. حقيقة التوحيد في توحيد التوجه إلى الله الواحد الأحد، وتضرّع خليل الله ودعا، وأمّن إسماعيل، أن يجعل الله أفئدة من الناس تهوي إلى ذريته في جوار هذا البيت الحرام: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم]! وهذه ضراعة داعية تنساب من قلب خليل الله إبراهيم، لجوءاً إلى أرحم الراحمين، أن يجعل من هذا الوادي الأفْيَح المقفر اليابس، بلداً عامراً بذريّة

стр. 335

هذا الوليد الذي جاء به إلى هنا وحيداً إلا من أمّه الراضية الوالهة، استجابة لأمر الله تعالى .. ولمّا يعلم الخليل ما كتبه قلم القدر الحكيم في لوح الكون من أسرار تحجبها رمال الصحراء في هذا الوادي .. ولكن إلهام (الخُلّة) في وحي النبوة ألْقَى إليه كلمة الله في رسالة التوحيد .. تلك الرسالة التي حاف عليها تاريخ المجتمع البشري، فلم تجد له في تراثه إلا سمَّ الخياط منفذاً تَنْسرب منه، متسلّلة في مسارب الحياة! وكانت هذه الضراعة الداعية دعوة عامة، تستهدف الاستقرار والأمن, وجلب الرزق لذرية إسماعيل، وتبرز ما استسر وراء سجُف الغيب من تجليّات وأحداث تجعل من إسماعيل دوحةً تُلقي بظلال أفنانها على جنبات الوادي الأجرد، فتُحيله حياة حيّة خالدة، تهوي إليه الأفئدة من أطراف الأرض، هائمة وَالهةً بحب الحقيقة الكبرى في رمزها العظيم (الكعبة المشرفة)! ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ [الحج]! واستجاب إبراهيم وإسماعيل ﵉ لأمر الله، وطهّرا بيت ربّهما الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً! ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة]! طهّراه من رجس الوثنيّة التي أثقلت كاهل التاريخ على طول مسيرته في حياة المجتمع البشري، ونادى إبراهيم في الناس بالحج إلى بيت الله، وأبلغ الله

стр. 336

النداء إلى أهله في عالَمي الغيب والشهود، وأتَوْا من كل فجٍّ عميق، وأوب سحيق، ملبِّين دعوة ربّهم على لسان خليله إبراهيم، يتداولون عصراً بعد عصر، وجيلاً بعد جيل، تحقيقاً لوعد الله بقبول دعاء إبراهيم وإسماعيل! ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة]! ونبصر التعبير هنا يرسم مشهد تنفيذ إبراهيم وإسماعيل للأمر الذي تلقياه من ربّهما بإعداد البيت وتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود (١)، يرسمه مشهوداً كما لو كانت الأعين تراهما اللحظة وتسمعهما في آن! ونبصره يبدأ بصيغة الخبر: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾! وبينما نحن في انتظار بقيّة الخبر، إذا بالسياق يكشف لنا عنهما، ويُرينا إياهما، كما لو كانت رؤية العين .. إنهما أمامنا حاضران، نكاد نسمع صوتيهما: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾! إنه طلب القبول، هذه هي الغاية، فهو عمل خالص لله، الاتجاه في قنوت وخشوع إلى الله، والغاية المرتجاة من ورائه هي الرضا والقبول، والرجاء في قبوله متعلق بأن الله سميع للدعاء، عليم بما وراءه من النية والشعور! ونبصر جو الدعاء، كأنما الدعاء يقع اللحظة حاضراً شاخصاً متحركاً .. ونبصو رد المشهد الغائب الذاهب حاضراً يُسمع ويُرى، ويتحرك وتفيض منه الحياة، ونبصر تضامن الأجيال في العقيدة: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾

стр. 337

وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة]! وماذا في ثنايا الدعاء؟ إنه أدب النبوة، وإيمان النبوة، وشعور النبوة بقيمة العقيدة في هذا الوجود .. وهو الأدب والإيمان والشعور الذي يريد القرآن أن يعلمه لورثة الأنبياء، وأن يعمّقه في قلوبهم ومشاعرهم! إنه رجاء العون من ربّهما في الهداية إلى الإسلام، والشعور بأن قلبيهما بين أصبعن من أصابع الرحمن، وأن الهدى هداه، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فهما يتجهان ويرغبان، والله المستعان! ثم هو طابع الأمة المسلمة، التضامن، تضامن الأجيال في العقيدة: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾! وهي دعوة تكشف عن اهتمامات القلب المؤمن، فأمر العقيدة هو الشغل الشاغل، وشعور إبراهيم وإسماعيل ﵉ بقيمة النعمة التي أسبغها الله عليهما، نعمة الإيمان, تدفعهما إلى الحرص عليها في عقبهما، وإلى دعاء الله ألا يحرم ذريتهما هذا الإنعام الذي لا يكافئه إنعام، لقد دَعَوَا الله ربهما أن يرزق ذريتهما من الثمرات، ولم ينسيا أن يدعواه ليرزقهم من الإيمان, وأن يريهم جميعاً مناسكهم، ويبيّن لهم عباداتهم، وأن يتوب عليهم بما أنه هو التواب الرحيم! وتزاحفت القرون والعصور متواثبة، وهي تطوي بساط التاريخ, وتسوق

стр. 338

الأجيال، جيلاً إثر جيل، وبلغت دعوة إبراهيم العامة مداها في الانتشار، وتكاثر ولد إسماعيل، حتى كانوا غمرة العرب وجمهرتهم، وسادوا وتسيّدوا، وتشعبوا وتفرعوا، ملؤوا السهل والجبل، ونزلوا الوديان، وتسنموا المكانة الرفيعة! بيد أنهم إذ كثر عددهم، نسوا دعوة أبيهم إبراهيم ﵇ وهم في غمرة الحياة الجاهلة، وجهلوا منها الحقيقة الكبرى, حقيقة التوحيد، وأوغلوا في وثنيّة بليدة، وكانت الوثنيّة الأولى يضاهئون بها وثنيّة فجور من قبلهم في أمم الفلسفة الضالة! ٢ - دعوة إبراهيم ﵇: وثاني ما يطالعنا: دعوة إبراهيم ﵇، فقد تنفّس الغيب، وبدت إشراقة الفجر الجديد، ترسل أشعتها من أفق (الربوة الحمراء) وتعالى صوت الحق في ترنيمة الرسالة العظمى، رسالة التوحيد والعلم والطُّهر، علم الكتاب والحكمة، لا علم الهلوسة والفلسفة الضالة .. ورتّل القدر مرة أخرى ضراعة أخرى للخليل في دعوته الخاصة، بعد أن حقق الله له دعوته العامة، وكانت هذه الدعوة الخاصة هي ميراث الحياة في خُلّة الخليل، والعنوان المشرق في ملّته الحنيفيّة، والكلمة الباقية من نبوته ورسالته، وجاءت هذه الدعوة متوافقة تمام التوافق مع نَفَس الغيب في إشراقة الفجر، وكان الإلهام سر الوجود في ضراعة خاصة، يطلب فيها إظهار مكنون الغيب حين يحين الحين: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة]!

стр. 339

وكانت الاستجابة هي بعثة محمد خاتم النبيّين ﷺ بعد قرون وعمرون (١) .. بعثة رسول من ذريّة إبراهيم وإسماعيل يتلو عليهم آيات الله، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويطهرهم من الأرجاس والأدناس .. ولهذا الدعاء دلالته ووزنه فيما كان شجر بين أهل الكتاب والجماعة المسلمة من نزاع عنيف متعدد الأطراف، فإبراهيم وإسماعيل ﵉ قالا وهما يرفعان قواعد البيت باللسان الصريح: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾! وهما بهذا يقرران وراثة الأمة المسلمة لإمامة إبراهيم .. ووراثتهما للبيت الحرام سواء! يروي الحاكم وغيره بسند صحيح عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله! أخبرنا عن نفسك؟ فقال: "دعوة أبي إِبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له بصرى، وبصرى من أرض الشام" (٢)!

стр. 340

٣ - أنبياء في الجزيرة: وثالث ما يطالعنا: أنها كانت مكاناً لكثير من الرسالات، ومن ثم فبعثة خاتم النبيّين في الجزيرة لم تكن وحيدة، فهذا هود ﵇ أقدم من إبراهيم ﵇ كان من قوم عاد، وكان موطنها الأحقاف، والحِقْف: ما استطال واعوج من الرمل (١)، وكانت منازل عاد على المرتفعات المتَفرقة في جنوب الجزيرة: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١)﴾ [الأحقاف]! وقد قالوا إنه كان أول نبي بعد نوح ﵇: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾ [الأعراف]! وهذا النص يومئ كما يقول الشيخ أبو زهرة ﵀ (٢): إلى أن هوداً جاء من بعد نوح، وأن قومه كانوا خلفاء من بعد نوح، ويُشير من جهة أخرى إلى أن قوم نوح كانوا في أرض العرب، كما كان خلفاؤهم!

стр. 341

وإن عاداً كانوا من أقوى قبائل العرب منعة، وأقواها شكيمة، ولكن كانوا أشد غروراً، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾ [فصلت]! وكذلك صالح نبي ثمود، وكانوا عرباً يسكنون الحجر، الذي بين الحجاز وتبوك! كان يدعوهم نبيّهم إلى التوحيد، وكانت بيّنتُه ناقة لا يمسوها بسوء، وإلا كانوا خاسرين: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ [الأعراف]! ولقد كان قوم صالح من بعد عاد وقوم هود، إذ كانوا خلفاءهم، وكانوا أقوى قوة، وأكثر عدداً: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)﴾ [الأعراف]! ولكن ثمود بعدت عن أمر ربها، واعتدوا على صالح، فنزل عليهم عذاب واصب أبادهم! وقد كانت ديارهم أطلالاً هامدة، وآثاراً باقية، تذكّر بغضب الله على من كذبوا رسله، وتعجلوا عقابه، وقد روى الشيخان وغيرهما عن ابن عمر ﵄ قال: لما مرّ النبيّ ﷺ بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين

стр. 342

ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم، إِلا أن تكونوا باكين"، ثم قَنَّع رأسه، وأسرع السير، حتى أجازَ الوادي! وفي رواية: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحجر: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين، إِلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم مثل ما أصابهم" (١)! ووجه هذه الخشية أن البكاء يبعث على التفكير والاعتبار، عند المرور بقبور الظالمين، وبما أصابهم، وإظهار الافتقار إلى الله تعالى، والتحذير من الغفلة عن ذلك، حتى المياه التي كانت في آبار هؤلاء نهى الرسول ﷺ عن استعمالها، وحتى لا يغفل المسلمون عن مواطن العظة، وألا يستهينوا بما خلا قبلهم من مَثُلات! وجاء شعيب بعد إبراهيم وبعد لوط، وقيل إنه بعد يوسف ﵈ ومن المؤكد أنه جاء بعد لوط؛ لأنه جعل من إنذاره لقومه أن يصيبهم مثل ما أصاب قوم لوط: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩)﴾ [هود]! وهذا يدل على أمرين: الأول: أن مبعث شعيب ﵇ كان بعد مبعث هود وصالح ولوط، فقد جعل في بيانه ما حدث لأقوام هؤلاء من عذاب دنيوي ماحق، كان موضع إنذار لهم!

стр. 343

الثاني: أنه يدل على أن قوم لوط كانوا في العرب، ولذلك قال: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩)﴾! فهم كانوا على مقربة منهم، وكانوا مثلهم في أطراف أرض العرب من ناحية الشام! وهنا نذكر أمرين: الأول: أنه بعث لمدين، وهم أهل الأيكة، فقد كانوا يعبدون شجرة عظيمة هي الأيكة، وهم أصحاب يوم الظلة، أي سحابة ظللتهم، فلما اجتمعوا تحتها التهبت عليهم ناراً وأحرقتهم (١)! كما أصابتهم الرجفة والصيحة! وهي عقوبات متتالية، أرهقتهم الذلة، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، حتى فروا من أماكنهم، فجاءتهم الغمامة فرجوا أن يستظلوا، أو أن يجدوا فيها الرحمة، فكانت الصيحة العنيفة، وكانت الرجفة التي أصابتهم! وقد استحقوا هذه الأنواع من العقوبات، والأصناف من المثلات، والأشكال من البليّات، لما اتصفوا به من قبيح الصفات، حيث سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت الحركات، وصيحة عنيفة أخمدت الأصوات، وظلّة أرسل منها شرر النار من سائر أرجائها والجهات! الثاني: أن أهل مدين جمعوا مع عبادة الشجرة فساد الأخلاق وسوء المعاملات، حيث كانوا يطفّفون في الكيل والميزان, وقُطّاع طريق!

стр. 344

هذا، وقد اختصت الجزيرة العربيّة بالرسالات الأولى، رسالة إدريس، ونوح، وهود، وصالح، وكان لإبراهيم رفع القواعد من البيت وإسماعيل -كما أسلفنا-، وكان شعيب قد بعث في مدين، وانبعث منها نور رسالة موسى! كما كانت مهجر اليهود عندما نزل بهم الأذى، ولجأت النصرانية إلى أرض نجران، فراراً من حكم القياصرة! وقد يسأل سائل: لماذا كانت الجزيرة مهجر المضطهدين عندما نزل بهم الأذى، وحل سوء العذاب؟ والجواب على ذلك بأمور ثلاثة (١): أولها: أن البلاد العربيّة ليست بلاداً متوحّشة، كما يتوهّم الذين يحكمون بغير بيّنات، أو الذين يرمون الكلام على عواهنه، أو الذين يتجنون على الحقائق مغرضين غير منصفين، إنما هي بلاد فيها ذكاء ونفوس صافية كصفاء سمائها، وقوةُ الاستجابة فيها متكافئة مع قوة المقاومة! الأمر الثاني: أن الجزيرة مع ذكاء أهلها لهم في عقولهم معتصم، حتى وهم يعبدون الأوثان التي أغرموا بها إغراماً شديداً، وصارت جزءًا من مداركهم وعقولهم، وأصبحوا يستنصرون بالأحجار، ويظنّون أنها تجيب على سؤالهم، حتى وهم على هذا الحال لم ينسوا الله في وثنيّتهم، وكانوا كما قال الله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ [الزخرف]!

стр. 345

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١]! ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]! وهنا تفترق الوثنيّة الرومانيّة واليونانيّة عن وثنيّة العرب؛ لأن العرب كانوا يشركون مع الله غيره، أما الآخرون فقد كانت نظريّة الحلول تسري فيهم، ولا يجيء في وثنيّتهم ذكر الله تعالى قط! وبيداء الجزيرة وقراها وبرها، فيها حصون ليست في غيرها لمنع الاعتداء الوحشي من الأمم التي اشتدت إغارتها في الماضي، وإن كان النبيون قد قوِوموا في إقناعهم ابتداء، فلأنهم في حصنين منيعين: حصن من الأرض المانعة لكل وافد من أن يقتطعها! وحصن من النفوس التي إذا آمنت قاومت واعتزت بإيمانها! وإن قوة النفوس هي التي تتميز بها أخلاق الأمم؛ فإن العقول إذا انحرفت قد تقوم وتستقيم، والقلوب إذا غشيتها غاشيات الضلال في نفوس ملتوية غير مستقيمة، فالحق لا يصل إليها إلا من رحم الله! واعتبر بحال العرب بين دولتن قويّتين من الدول التي لاصقتها، فإنهما لم يتجاوزا في سلطانهما أطرافها, ولم تتمكن إحداهما أن تنتقل من الأطراف إلى داخلها، فإنهما عندئذ تجدان قلوباً صلدة قواها ضوء الشمس الساطع، وقوة الحياة فيها، والتعرض لأوابد الحيوان ليلًا ونهاراً! الأمر الثالث: قوة الشكيمة، وقوة الخلُق العربي، وما امتاز به العربي من

стр. 346

جود وسماحة، وحسن تأت، إذا وُجدت القيادة الحكيمة، فإن العربي أنف إلا إذا رأى القائد الحكيم الذي يقوده، ولعل أحسن تصوير للنفس العربيّة ما قاله أمير المؤمنين عمر الفاروق عندما تولى الإمارة، فقد قال ﵁: مثل العرب كمثل جمل أنف، فليعلم قائده أين يقوده! وبذلك يلتقي في العرب عناصر ثلاثة تجعلهم في أهلية الاختيار لموطن الرسالة في المكان اللائق، وفي المقدمة: العنصر الأول: قوة في النفس تقاوم، ولا تستسلم، واعتبر ذلك في أتباع المسيح الذين لم يغيّروا ولم يبدّلوا, ولَما حاول تبّع أن يغيرهم ووضعهم في الأخدود، ما نال مأرباً، ولا وصل إلى مبتغى! العنصر الثاني: صفاء نفسي، وقوةُ مدارك، احتفظوا بها حتى في جاهليتهم، وصدق النفس، والصدق في القول، والعمل الذي يُوَجَّهون إليه! العنصر الثالث: الأنفة، وألا يطيعوا في ذلة، بل يتبعون في هداية ورشد مختارين، غير مجبرين، ولقد جاءت بعثة النبي ﷺ فيهم، فبدت هذه السجايا، وشقت طريق النور في وسط الظلمات! ٤ - صفات العرب: ورابع ما يطالعنا: صفات العرب، الذين اختارهم الله ليتلقوا هذه الدعوة أولاً (١)، ثم يبلغوها إلى الناس؛ لأن ألواح قلوبهم كانت صافية، لم تكتب عليها كتابات دقيقة عميقة، يصعب محوها وإزالتها، شأن الروم،

стр. 347

والفرس، وأهل الهند، الذين كانوا يتيهون ويزهون بعلومهم وفلسفاتهم، فكانت عندهم عقد نفسية وفكرية لم يكن من السهل حلّها، أما العرب فلم تكن على ألواح قلوبهم إلا كتابات بسيطة خطّتها يد الجهل والبداوة، ومن السهل الميسور محوها وغسلها، ورسم غيرها مكانها! وبالتعبير العلمي المعاصر كانوا أصحاب (الجهل البسيط) الذي تسهل مداواته، بينما كانت الأمم الأخرى تمثل (الجهل المركب) الذي تصعب مداواته وإزالته! وكانوا على الفطرة، وأصحاب إرادة قوية، إذا التوى عليهم فهم الحق حاربوه، وإذا انكشف الغطاء عن عيونهم أحبوه واحتضنوه، واستماتوا في سبيله! يعبّر عن هذه النفسيّة العربيّة خير تعبير، ما قاله سهيل بن عمرو فيما رواه البخاري، حين سمع ما جاء في كتاب الصلح في الحديبيّة -كما سيأتي- من حديث المسور ومروان: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله: (والله! لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك) (١)! وما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث النبي ﷺ سريّة عيناً، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت -وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب- فانطلقوا، حتى إِذا كان بين عُسفان ومكة، ذُكروا لحيّ من هذيل، يقال لهم: بنو لحِيان، فتبعوهم بقريب من مائة رام،

стр. 348

فاقتصّوا آثارهم، حتى أتوا منزلاً نزلوه، فوجدوا معهم نوى تمر تزوّدوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصمٌ وأصحابه، لجؤوا إِلى فَدْ فَدٍ، وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إِن نزلتم إِلينا ألا نقتل منكم رجلاً، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمّة كافر، اللهم! أخبر عنا نبيّك، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصماً في سبعة نفر بالنّبل، وبقي خُبَيبْ وزيد ورجل، فأعطَوْهُم العهد والميثاق، فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إِليهم، فلما استمكنوا منهم حلّوا أوتار قِسِيّهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث معهما: هذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم، فجروه وعالجُوه على أن يصحبهم، فلم يفعل، فقتلوه، وانطلقوا بخُبيب وزيد، حتى باعوهما بمكة، فاشترى خُبيباً بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خُبيب هو قَتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيراً، حتى إِذا أجمعوا على قتله، استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها، فأعارته، قالت: فغفلت عن صبيّ لي، فدرج إِليه، حتى أتاه، فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرفَ ذلك منّي، وفي يده الموسى، فقال: أتخشينَ أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذاك إِن شاء الله!. وكانت تقول: ما رأيت أسيراً قط خيراً من خُبيب. لقد رأيته يأكل قِطف عنب، وما بمكة يومئذ ثمرة، وإِنه لموثق في الحديد، وما كان إِلا رزق رزقه الله، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين. ثم انصرف إِليهم فقال: لولا أن تروْا أن ما بي جزع من الموت لزِدت، فكان أول من سنّ الركعتين عند القتل هو، ثم قال: اللهم! أحصهم عدداً، ثم قال:

стр. 349

ما أن أبالي حين أُقتل مُسلماً ... على أي شِقٍّ كان لله مصرعي وذلك في ذات الإِله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلْوٍ ممزّع ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله، وبعثت قريش إلى عاصم ليُؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظُّلة من الدَّبْر، فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء (١)! وقد قال عكرمة بن أبي جهل حين حمي الوطيس في معركة اليرموك، واشتد عليه الضغط: (قاتلت رسول الله ﷺ في كل موطن، وأفرّ منكم اليوم؟ ثم نادى من يبايع على الموت؟ فبايعه من بايعه، ثم لم يزل يقاتل حتى أثبت جراحاً، وقتل شهيداً) (٢)! وكانوا واقعيّين جادّين، أصحاب صراحة وصرامة، لا يخدعون غيرهم ولا أنفسهم، اعتادوا القول السديد، والعزم الأكيد، يدل على ذلك دلالة واضحة ما رواه أحمد وغيره بإسناد حسن عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين، يتَّبع الناس في منازلهم بعكاظ ومَجَنّة وفي المواسم بمنى يقول: "مَن يُؤويني، مَن ينصرني، حتى أبلِّغ رسالة ربي، وله الجنة"!

стр. 350

حتى إِن الرجل ليخرج من اليمن أو مُضر، فيأتيه قومه، فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتِنْك، ويمشي بين رجالهم، وهم يُشيرون إِليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إِليه من يَثْرب، فآويناه وصدّقناه، فيخرج الرجل منّا فيؤمنُ به ويقرئُه القرآن، فينقلبُ إِلى أهله، فيسْلِمون بإِسلامه، حتى لم يبق دُورٌ من الأنصار إِلا وفيها رهطٌ من المسلمين، يظهرون الإسلام، ثم ائْتَمروا جميعاً، فقلنا: حتى متى نتركُ رسولَ الله ﷺ يُطرد في جبال مكة ويُخافَ، فرحل إِليه منا سبعون رجلاً، حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شِعْب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين، حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله! نبايعك، قال: "تبايعوني على السّمع والطّاعة، في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله، لا تخافون في الله لومةَ لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إِذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة"! قال: فقمنا إِليه فبايعناه، وأخذ بيده أسعدُ بن زُرارة، وهو من أصغرهم، فقال: رويداً يا أهل يثرب، فإِنا لم نضرب أكبادَ الإِبل إِلا ونحن نعلم أنه رسول الله ﷺ ، وإِن إِخراجه اليوم مفارقةُ (١) العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تَعضَّكم السيوف، فإِما أنكم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإِما أنكم تخافون من أنفسكم جُبَيْنةً (٢)، فبيّنوا ذلك، فهو أعْذر

стр. 351

لكم عند الله. قالوا: أمِط عنّا يا أسعد (١)، فوالله! لا ندع هذه البيعة أبداً، ولا نَسْلِيها أبداً (٢)، قال: فقمنا إِليه فبايعناه، فأخذ علينا وشرط يعطينا على ذلك الجنة (٣)! ﵃ أجمعين! وقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وبايعوا الرسول ﷺ على ذلك، وقد تجلّى هذا الصدق في العزم، والجد في العمل، وروح الامتثال للحق! أما اليونان والرومان (٤)، وأهل إيران، فقد اعتادوا مجاراة الأوضاع، ومسايرة الزمان، ولا يهيجهم ظلم، ولا يستهويهم حق، ولا تملكهم فكرة ودعوة، ولا تستحوذ عليهم استحواذاً يتناسون فيه أنفسهم، ويجازفون فيه بحياتهم ولذاتهم! وكان العرب بمعزل عن أدواء المدنيّة والترف، التي يصعب علاجها، والتي تحول دون التحمّس للعقيدة والتفاني في سبيلها! وكانوا أصحاب صدق وأمانة وشجاعة، ليس النفاق والمؤامرة من طبيعتهم، وكانوا مغاوير حرب، وأحلاس خيل، وأصحاب جلادة وتقشّف في الحياة، وكانت الفروسيّة هي الخُلق البارز الذي لا بد أن تتصف به أمة

стр. 352

تضطلع بعمل جليل؛ لأن العصر كان عصر الحروب والمغامرات، والفتوة والبطولة! وكانت قواهم العمليّة والفكريّة، ومواهبهم الفطريّة، مذخورة فيهم، لم تُستهلك في فلسفات خياليّة، وجدال عقيم (بيزنطي)، ومذاهب كلاميّة دقيقة، وحروب إقليميّة سياسيّة، فكانت أمة بكراً، دافقة بالحياة والنشاط، والعزم والحماس! وكانوا أمة نشأت على الهيام بالحريّة والمساواة، وحب الطبيعة والسذاجة، لم تخضع لحكومة أجنبيّة، ولم تألف الرق والعبوديّة، واستعباد الإنسان للإنسان، ولم تتمرّس الغطرسة الملوكيّة الإيرانية أو الرومانيّة، واحتقارها للإنسان والإنسانيّة، فكان الملوك في إيران -المملكة المجاورة للجزيرة- فوق مستوى الإنسان والإنسانيّة، فكان الملك إذا احتجم، أو فصد له، أو تناول دواء، كان ينادى في الناس ألا يمارس إنسان من رجال البلاط، أو سكان العاصمة عملاً، ويكفوا عن كل صناعة أو ممارسة لنشاط (١)، وإذا عطس فلا يسوغ لأحد من رعاياه أن يدعو له، وإذا دعا أن يؤمّن عليه؛ لأنه فوق مستوى البشر، وإذا زار أحداً من وزرائه أو أمرائه في بيته كان يوماً مشهوداً خالداً، يؤرخ به في رسائله، ويصبح تقويماً جديداً، ويعفى من الضريبة إلى مدّة معيّنة، ويتمتّع باستثناءات أو مسامحات وتكريمات؛ لأن الملك شرفه بالزيارة (٢)! هذا فضلاً عن الآداب الكثيرة التي يتقيّد بها رجال البلاط، وأركان الدولة، وأفراد الشعب، ويحافظون عليها محافظة دقيقة من الوقوف بحضرته،

стр. 353

والتكفير له (١)، وقيام كقيام العباد أمام الرب في الصلوات، وهو تصوير حال كانت عليه إيران الساسانية في عهد أفضل ملوكها بالإطلاق، وهو (كسرى الأول المعروف بأنوشروان العادل ٥٣١ - ٥٧٩) فكيف في عهد الملوك الذين اشتهروا في التاريخ بالظلم والعسف والجبروت؟! وقد كانت حريّة إبداء الرأي والملاحظة فضلاً عن النقد مفقودة تقريباً في المملكة الإيرانيّة الواسعة، وقد حكى الطبري حكايته طريفة عن عهد أفضل ملوكها وأعدلهم (كسرى أنوشروان العادل) تدل كل الدلالة على مدى ما وصل إليه الحكم الإيراني من الاستبداد والحظر على إبداء الرأي الحر، والتعليق الجريء، في البلاد الإيراني، يقول الطبري: (أمر الملك قباذ بن فيروز في آخر ملكه بمسح الأرض سهلها وجبلها, ليضع الخراج عليها، فمسحت، غير أن قباذ هلك قبل أن يستحكم له أمر تلك المساحة، حتى إذا ملك ابنه كسرى أمر باستتمامها وإحصاء النخل والزيتون والجماجم، ثم أمر كتابه فاستخرجوا جعل ذلك، وأذن للناس إذناً عاماً، وأمر كاتب خراجه أن يقرأ عليه الجعل التي استخرجت من أصناف غلات الأرض وعدد النخيل والزيتون والجماجم، فقرأ ذلك عليهم، ثم قال لهم كسرى: إنا

стр. 354

قد رأينا أن نضع على ما أحصي من جريان هذه الساحة من النخل والزيتون والجماجم وصنائع، ونأمر بإنجامها في السنة في ثلاثة أنجم، ونجمع في بيوت أموالنا من الأموال، ما لو أتانا من ثغر من ثغورنا أو طرف من أطرافنا فتق أو شيء نكرهه، واحتجنا إلى تداركه أو حسمه، ببذله فيه مالاً كانت الأموال عندنا معدة موجودة، ولم نرد استئناف اجتبائها على تلك الحال، فما ترون فيما رأينا من ذلك، وأجمعنا عليه؟ فلم يشر عليه أحد منهم بمشورة، ولم ينبس بكلمة، فكرر كسرى هذا القول عليهم ثلاث مرات، فقام رجل من عرضهم وقال لكسرى: أتضع أيها الملك -عمرك الله- الخالد من هذا الخراج على الفاني من كرم يموت، وزرع يهيج، ونهر يفور، وعين أو قنا ينقطع ماؤها؟ فقال له كسرى: يا ذا الكلفة المشؤوم! من أي طبقات الناس أنت؟ قال: أنا رجل من الكتاب، فقال كسرى: اضربوه بالدّويّ حتى يموت، فضربه به الكتَّاب خاصة، تبرؤوا إلى كسرى من رأيه وما جاء منه، حتى قتلوه، وقال الناس: نحن راضون (١)! ولم يكن الرومان يختلفون عن الإيرانيّين كثيراً، وإن لم يبلغوا شأوهم في الوقاحة وامتهان الإنسانيّة وإهدار كرامتها، فقد روى المؤرخ الأوروبي: ...... في كتابه (العالم الروماني) ما ترجمته: (كانت القياصرة آلهة، ولم يكن ذلك عن طريق الوراثة، بل كان كل من تملك زمام البلاد كان إلهاً، وإن لم تكن هناك أمارة تدل على وصوله إلى هذه الدرجة، ولم يكن لقب (أغسطس) الملوكي المفخم ينتقل من إمبراطور إلى إمبراطور بموجب دستور أو قانون، ولكن لم يكن من شغل مجلس الشيوخ

стр. 355

الروماني إلا أن يؤكد صحة كل حكم يصدر بحكم السيف، ولم تكن هذه الإمبراطوريّة إلا صورة دكتاتورية عسكرية) (١)! ولم يكن السجود للملوك نادراً، فقد حكى أبو سفيان بن حرب في القصة التي رواها هرقل قيصر الروم حين بلغه كتاب رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام وفي آخره: (فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان قال: ردّوهم عليّ، وقال: إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدّتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل) (٢)! أما الهند فقد بلغ فيها إهدار كرامة الإنسان وازدراء الطبقات التي اعتبرها الشعب الآري المحتل للبلاد، والقانون المدني الذي وضعه مشرعوه مخلوقاً خسيساً، لا يتميز عن الحيوان الداجن إلا بأنه يمشي على اثنين، ويحمل صورة الآدمي، وإن كانوا سكان البلاد الأصلين .. بلغوا مبلغاً يصعب تصوره، فقد نص هذا القانون على أنه: (إذا مد أحد من المنبوذين إلى برهمي يداً أو عصا، ليبطش به، قطعت يده، وإذا رفسه في غضب فرعت رجله (٣)، وإذا ادعى أنه يعلمه سقي زيتاً فائراً (٤)، وكفارة قتل الكلب، والقطة، والضفدع، والوزغ، والغراب، والبومة، ورجل من الطبقة المنبوذة سواء) (٥)!
следующие страницы →