لكم عند الله. قالوا: أمِط عنّا يا أسعد (١)، فوالله! لا ندع هذه البيعة أبداً، ولا نَسْلِيها أبداً (٢)، قال: فقمنا إِليه فبايعناه، فأخذ علينا وشرط يعطينا على ذلك الجنة (٣)!
﵃ أجمعين!
وقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وبايعوا الرسول ﷺ على ذلك، وقد تجلّى هذا الصدق في العزم، والجد في العمل، وروح الامتثال للحق!
أما اليونان والرومان (٤)، وأهل إيران، فقد اعتادوا مجاراة الأوضاع، ومسايرة الزمان، ولا يهيجهم ظلم، ولا يستهويهم حق، ولا تملكهم فكرة ودعوة، ولا تستحوذ عليهم استحواذاً يتناسون فيه أنفسهم، ويجازفون فيه بحياتهم ولذاتهم!
وكان العرب بمعزل عن أدواء المدنيّة والترف، التي يصعب علاجها، والتي تحول دون التحمّس للعقيدة والتفاني في سبيلها!
وكانوا أصحاب صدق وأمانة وشجاعة، ليس النفاق والمؤامرة من طبيعتهم، وكانوا مغاوير حرب، وأحلاس خيل، وأصحاب جلادة وتقشّف في الحياة، وكانت الفروسيّة هي الخُلق البارز الذي لا بد أن تتصف به أمة
стр. 352
تضطلع بعمل جليل؛ لأن العصر كان عصر الحروب والمغامرات، والفتوة والبطولة!
وكانت قواهم العمليّة والفكريّة، ومواهبهم الفطريّة، مذخورة فيهم، لم تُستهلك في فلسفات خياليّة، وجدال عقيم (بيزنطي)، ومذاهب كلاميّة دقيقة، وحروب إقليميّة سياسيّة، فكانت أمة بكراً، دافقة بالحياة والنشاط، والعزم والحماس!
وكانوا أمة نشأت على الهيام بالحريّة والمساواة، وحب الطبيعة والسذاجة، لم تخضع لحكومة أجنبيّة، ولم تألف الرق والعبوديّة، واستعباد الإنسان للإنسان، ولم تتمرّس الغطرسة الملوكيّة الإيرانية أو الرومانيّة، واحتقارها للإنسان والإنسانيّة، فكان الملوك في إيران -المملكة المجاورة للجزيرة- فوق مستوى الإنسان والإنسانيّة، فكان الملك إذا احتجم، أو فصد له، أو تناول دواء، كان ينادى في الناس ألا يمارس إنسان من رجال البلاط، أو سكان العاصمة عملاً، ويكفوا عن كل صناعة أو ممارسة لنشاط (١)، وإذا عطس فلا يسوغ لأحد من رعاياه أن يدعو له، وإذا دعا أن يؤمّن عليه؛ لأنه فوق مستوى البشر، وإذا زار أحداً من وزرائه أو أمرائه في بيته كان يوماً مشهوداً خالداً، يؤرخ به في رسائله، ويصبح تقويماً جديداً، ويعفى من الضريبة إلى مدّة معيّنة، ويتمتّع باستثناءات أو مسامحات وتكريمات؛ لأن الملك شرفه بالزيارة (٢)!
هذا فضلاً عن الآداب الكثيرة التي يتقيّد بها رجال البلاط، وأركان الدولة، وأفراد الشعب، ويحافظون عليها محافظة دقيقة من الوقوف بحضرته،
стр. 353
والتكفير له (١)، وقيام كقيام العباد أمام الرب في الصلوات، وهو تصوير حال كانت عليه إيران الساسانية في عهد أفضل ملوكها بالإطلاق، وهو (كسرى الأول المعروف بأنوشروان العادل ٥٣١ - ٥٧٩) فكيف في عهد الملوك الذين اشتهروا في التاريخ بالظلم والعسف والجبروت؟!
وقد كانت حريّة إبداء الرأي والملاحظة فضلاً عن النقد مفقودة تقريباً في المملكة الإيرانيّة الواسعة، وقد حكى الطبري حكايته طريفة عن عهد أفضل ملوكها وأعدلهم (كسرى أنوشروان العادل) تدل كل الدلالة على مدى ما وصل إليه الحكم الإيراني من الاستبداد والحظر على إبداء الرأي الحر، والتعليق الجريء، في البلاد الإيراني، يقول الطبري:
(أمر الملك قباذ بن فيروز في آخر ملكه بمسح الأرض سهلها وجبلها, ليضع الخراج عليها، فمسحت، غير أن قباذ هلك قبل أن يستحكم له أمر تلك المساحة، حتى إذا ملك ابنه كسرى أمر باستتمامها وإحصاء النخل والزيتون والجماجم، ثم أمر كتابه فاستخرجوا جعل ذلك، وأذن للناس إذناً عاماً، وأمر كاتب خراجه أن يقرأ عليه الجعل التي استخرجت من أصناف غلات الأرض وعدد النخيل والزيتون والجماجم، فقرأ ذلك عليهم، ثم قال لهم كسرى: إنا
стр. 354
قد رأينا أن نضع على ما أحصي من جريان هذه الساحة من النخل والزيتون والجماجم وصنائع، ونأمر بإنجامها في السنة في ثلاثة أنجم، ونجمع في بيوت أموالنا من الأموال، ما لو أتانا من ثغر من ثغورنا أو طرف من أطرافنا فتق أو شيء نكرهه، واحتجنا إلى تداركه أو حسمه، ببذله فيه مالاً كانت الأموال عندنا معدة موجودة، ولم نرد استئناف اجتبائها على تلك الحال، فما ترون فيما رأينا من ذلك، وأجمعنا عليه؟ فلم يشر عليه أحد منهم بمشورة، ولم ينبس بكلمة، فكرر كسرى هذا القول عليهم ثلاث مرات، فقام رجل من عرضهم وقال لكسرى: أتضع أيها الملك -عمرك الله- الخالد من هذا الخراج على الفاني من كرم يموت، وزرع يهيج، ونهر يفور، وعين أو قنا ينقطع ماؤها؟
فقال له كسرى: يا ذا الكلفة المشؤوم! من أي طبقات الناس أنت؟ قال: أنا رجل من الكتاب، فقال كسرى: اضربوه بالدّويّ حتى يموت، فضربه به الكتَّاب خاصة، تبرؤوا إلى كسرى من رأيه وما جاء منه، حتى قتلوه، وقال الناس: نحن راضون (١)!
ولم يكن الرومان يختلفون عن الإيرانيّين كثيراً، وإن لم يبلغوا شأوهم في الوقاحة وامتهان الإنسانيّة وإهدار كرامتها، فقد روى المؤرخ الأوروبي: ...... في كتابه (العالم الروماني) ما ترجمته:
(كانت القياصرة آلهة، ولم يكن ذلك عن طريق الوراثة، بل كان كل من تملك زمام البلاد كان إلهاً، وإن لم تكن هناك أمارة تدل على وصوله إلى هذه الدرجة، ولم يكن لقب (أغسطس) الملوكي المفخم ينتقل من إمبراطور إلى إمبراطور بموجب دستور أو قانون، ولكن لم يكن من شغل مجلس الشيوخ
стр. 355
الروماني إلا أن يؤكد صحة كل حكم يصدر بحكم السيف، ولم تكن هذه الإمبراطوريّة إلا صورة دكتاتورية عسكرية) (١)!
ولم يكن السجود للملوك نادراً، فقد حكى أبو سفيان بن حرب في القصة التي رواها هرقل قيصر الروم حين بلغه كتاب رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام وفي آخره:
(فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان قال: ردّوهم عليّ، وقال: إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدّتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل) (٢)!
أما الهند فقد بلغ فيها إهدار كرامة الإنسان وازدراء الطبقات التي اعتبرها الشعب الآري المحتل للبلاد، والقانون المدني الذي وضعه مشرعوه مخلوقاً خسيساً، لا يتميز عن الحيوان الداجن إلا بأنه يمشي على اثنين، ويحمل صورة الآدمي، وإن كانوا سكان البلاد الأصلين .. بلغوا مبلغاً يصعب تصوره، فقد نص هذا القانون على أنه:
(إذا مد أحد من المنبوذين إلى برهمي يداً أو عصا، ليبطش به، قطعت يده، وإذا رفسه في غضب فرعت رجله (٣)، وإذا ادعى أنه يعلمه سقي زيتاً فائراً (٤)، وكفارة قتل الكلب، والقطة، والضفدع، والوزغ، والغراب، والبومة، ورجل من الطبقة المنبوذة سواء) (٥)!
стр. 356
إذا قورن هذا بما اعتاده العرب من الحريّة، وعزة النفس، والاقتصاد في التعظيم والأدب قبل ظهور الإسلام، ظهر فرق هائل بين طبيعة الأمتين: ووضع المجتمعين: العجمي، والعربي، فكانوا يخاطبون ملوكهم بقولهم:
(أبيت اللعن) و (عم صباحاً)، وقد بلغت هذه الحريّة وبلغ ذلك الاحتفاظ بالكرامة بالعرب إلى أنهم كانوا يمتنعون في بعض الأحيان عن الخضوع لمطالب بعض الملوك والأمراء (١)!
ولما دخل المغيرة بن شعبة رسول المسلمين على رستم، وهو في أبّهته وسلطانه، جلس معه -على عادة العرب- على سريره ووسادته، فوثبوا عليه، وأنزلوه، فقال: (كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قوماً أسفه منكم، إنا معشر العرب سواء، لا يستعبد بعضنا بعضاً، إلا أن يكون محارباً لصاحبه، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه، ولم آتكم، ولكن دعوتموني) (٢)!
ومن ثم كانت الجزيرة العربيّة مهد النبوات -كما أسلفنا-، وكانت مهجر المضطهدين الذين حلّ بهم الأذى، ونزل بهم سوء العذاب!
ومعلوم أن الرسالة أمرها هائل خطير -كما عرفنا-، أمر كوني تتصل فيه الإرادة الأزليّة الأبديّة بحركة عبد مصطفى، ويتصل فيه الملأ الأعلى بعالم الإنسان المحدود، وتتصل فيه السماء بالأرض، والدنيا بالآخرة، ويتمثل فيه الحق الكلي، في قلب البشر، وفي واقع الحياة!
стр. 357
والله هو وحده الذي يختار مكان الرسالة، والذين يحملون الرسالة، والذين ينزل عليهم الوحي: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]!
وقد اختار أرض العرب؛ لأن فيها العرب، والمثلات، والآثار التي تدعو إلى الاعتبار!
وإن كانت في العرب عيوب، فإن الجزيرة لم يجر فيها الذل الذي يفرضه الملوك الذين يفسدون النفوس، ويجعلون أعزة أهلها أذلة، كما قال القرآن حكايته عن ملكة سبأ: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)﴾ [النمل]!
ومن ثم كانت نفوس أولئك الذين لم يعيشوا تحت حكم الملوك في جاهليّتهم، هي التي حملت رسالة العزة والكرامة إلى بقاع الأرض .. وإذا كانوا هكذا فإنهم قد قوّضوا عروش هؤلاء الملوك؛ لأنهم أعداء التحكم الفردي، ومن ثم قوّضوا قصورهم، بعد أن أشربوا حبّ (الدين القيّم)، وحملوا لواءه شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً!
ولو كان لنا اختيار في قوم آخرين، وأرض أخرى، لأعيانا الاختيار؛ لأن هؤلاء العرب أهل عزّة وكرامة، ولأن أرض العرب لا ذلة فيها، وهي أرض الحريّة، وأرض الشجاعة، ولا يحمل دين العزة والإقدام، والعمل الصالح إلا الأحرار الذين يتأبَّون الدنيّة، ويتسابقون في البذل، ويتحمّلون الشدائد، وليس ذلك إلا في العرب، وأرض العرب، ولذلك ما إن انطلقوا بالإِسلام رأيناهم يهدون إليه في غير مواناة، ولا فرار، ولا يأس!
ترى، لو تصورنا أرضاً للنبوة في غير أرض العرب، أتكون أرض
стр. 358
القياصرة، حيث تطامَن العامة لحكم قيصر، وديّثوا له بالصغار نفوسهم، حتى حسبوه من طينة غير طينتهم، وحيث يختلفون في كل شيء، وحيث لا يحكم بينهم إلا الهوى، وحيث العنصريّة الجاثمة على الرؤوس، وحيث رق النفوس لهوى الحكام، والخروج على كل منطق للمساواة الإنسانية!
وإذا لم يكن الرومان، أفتكون أرض الفرس أرض النبوة، وكسرى وقد فرض عليهم المذلة والهوان، وتوزّعتهم سيادة الأشراف، حتى إذا بعدوا عن ذل كسرى، وجدوا ذل الحاشية، ووجدوا أنفسهم يتنقلون في الذل والهوان، وقد لانت نفوسهم، وخنعوا وهانوا أمام الملوك، وهل هؤلاء في ذلتهم هم الذين يحملون دعوة الإسلام إلى العزة؟!
وهل هؤلاء في رقّهم النفسي هم الذين يدعون إلى الكرامة الإنسانيّة التي سجلها القرآن في قوله تعالت حكمته؟: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء]!
لا يمكن أن تكون دعوة الحق ممن تمرّسوا بالظلم، حتى أمات نخوتهم، أو ممن ألفوا الذلة والخضوع، والهوان والخنوع، حتى لا يستطيعوا الابتعاد عنه، والخروج منه، ولا ممن قنعوا بالحياة الدون، ورضوا بالهون!
ولو تركنا الشرق الأدنى إلى الهند لوجدنا الطبقات قد قَتلت النخوة، ودفعت شعبها إلى الاستسلام للذل!
وهكذا .. شأن الناس، وشأن الأرض في كل القارات!
وعليه؛ فليس لدعوة الحق والعزة والحرية إلا العرب!
стр. 359
ومع هذا، فالوثنيّة العربيّة تزيّن باطلها بطلاء من الحق (١)، ليسهل على النفوس ازدراد ما فيها من مرارة، حيث تزعم الإيمان بإله خلق السموات والأرض، وفي الوقت نفسه تشرك معه آلهة أخرى، هي مزدلف إليه ووسيلة .. ولما كان خلق السموات والأرض بعيداً عن مرأى الأعين، فقد أنس العبّاد المشركون بالآلهة المزعومة القريبة من أيديهم، والتي يتردّدون عليها صباحاً ومساءً، حتى صارت صلتهم بها هي الصلة الوثيقة، وأصبح ذكر هذا الإله المتوسّل إليه بغيره لا يَرد -كما أسلفنا- إلا في معرض الجدال والاعتذار:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١]!
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]!
غير أن هذا التعصب لهذا السخف جاوز الحدود، فأما العامة فهم بُهم، أحلاس ما توارثوا، ما داموا قد فقدوا نعمة العقل المدرك، وعاشوا يهرفون بما لا يعرفون!
وأما الذين أوتوا حظًّا من التفكير، فإن تفكيرهم يرتطم بحدود شهواتهم، وربما كتموا ما عرفوا، بل ربما حاربوا ما عرفوا!
وقليل من الناس من يتجرأ على التقاليد المستحكمة، ويجهر بالحق!
وقد وجد قبل البعثة من نظر إلى وثنيّة العرب نظرة استهزاء، وعرف أن قومه يلتقون على أباطيل مفتراة، ولكنه لم يجد الطريق أو الطاقة على كفهم!
стр. 360
يروي البخاري عن عبد الله بن عُمر ﵄: أن النبي ﷺ لقيَ زيدَ بن عمرو بن نُفَيل بأسفل أبطح، قبل أن ينزل على النبي ﷺ الوحي، فُقدِّمت إِلى النبي ﷺ سُفْرَةٌ، فأبَى أن يأكل منها!
ثم قال زيد: إِني لست آكل مما تذبحون على أصنامكم، ولا آكل إِلا مما ذكر اسمُ الله عليه، وإِن زيد بن عمرو كان يَعيبُ على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله؟ إِنكاراً لذلك وإِعظاماً له!
قال موسى: حدثني سالم بن عبد الله -ولا أعلمه إلا تحدث به عن ابن عمر- أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إِلى الشام، يسأل عن الدِّين ويتّبِعُه، فلقيَ عالمِاً من اليهود، فسأله عن دينهم، فقال: إِنِّي لعلّي أن أدينَ دينكم، فأخبرني، فقال: لا تكونُ على ديننا، حتى تأخذَ بنصيبك من غضب الله! قال زيد: ما أفِرُّ إلا مِن غضب الله، ولا أحملُ من غضب الله شيئاً أبداً، وأنى أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إِلا حنيفاً! قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دينُ إِبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولا يعبد إِلا الله! فخرج زيدٌ، فلقيَ عالماً من النصارى، فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا، حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله! قال: ما أفِرُّ إِلا مِن لعنة الله، ولا أحملُ من لعنة الله ولا من غضبه شيئاً أبداً، وأنّي أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إِلا أن يكون حنيفاً! قال: وما الحنيف؟ قال: دين إِبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولا يعبد إِلا الله! فلما رأى زيد قولهم في إِبراهيم ﵇ خرج، فلما برز رفع يديه فقال: اللهم! إِني أشهدك أني على دين إِبراهيم!
стр. 361
وقال الليث: كتب إليّ هشام عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: رأيتُ زيد بن عمرو بن نفيل قائماً مسنداً ظهره إِلى الكعبة يقول: يا معشر قريش، والله ما منكم على دين إِبراهيم غيري، وكان يُحيي الموءودة، يقول للرجل إِذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتُلها، أنا أكفيك مُؤْنتها، فيأخذُها فإِذا ترعرعت قال لأبيها: إِن شئت دفعتها إِليك، وإِن شئت كفيتك مؤنتها (١)!
و (زيد بن عمرو بن نفيل) هو ابن عم عمر بن الخطاب بن نفيل، ووالد سعيد بن زيد، أحد العشرة، وكان ممن طلب التوحيد، وخلع الأوثان، وجانب الشرك، لكنه مات قبل البعثة (٢)!
وهذا يبيّن مقدار الحيرة التي سادت الدنيا (٣)، وغطّت بضبابها الكثيف على الرسالات الظاهرة!
اليهود يشعرون بأنهم مطاردون في الأرض، منبوذون من أقطارها، فعلى الداخل في دينهم أن يحمل وزراً من المقت المكتوب عليهم!
والنصارى وقع بينهم شقاق رهيب رعيب في طبيعة المسيح ووضعه، ووضع أمه، مع الإله الكبير -كما يزعمون- وقد أثار هذا الخلاف بينهم الحروب المهلكة، وقسمهم فرقاً يلعن بعضهم بعضاً!
وكان نصارى الشام الذين سألهم زيد (يعاقبة) يخالفون المذهب الرسمي لكنيسة الرومان، فلا غرابة إذا أشعروا زيداً بما يقع عليه من عذاب لو دخل في
стр. 362
عقيدتهم، أو لعل هذه اللعنة المرهوبة هي تبعات الخطيئة التي اقترفها آدم واستحقها من بعده بنوه كما يدعي ذلك النصارى، وهم يبررون صلب المسيح!
ومن حق زيد أن يدع هؤلاء وأولئك، ويرجع إلى دين إبراهيم ﵇ يبحث عن أصوله وفروعه!
وإن زيداً من المفكرين القلائل، الذين سخطوا ما عليه الجاهليّة من نكر، وإنه ليشكر على تحريه الحق، ولا يغمط هو ولا غيره المكان اللائق بين قومهم ..
ومن شعره في التوحيد، ما حكاه محمد بن إسحاق والزُّبيرُ بن بكار وغيرهما (١):
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخراً ثِقالاً
دَحَاها فلما استوت شَدَّهَا ... سواءً وأرْسَى عليها الجِبالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المُزْنُ تحمل عذباً زَلالا
إِذا هيَ سِيقَت إِلى بلدةٍ ... أطاعتْ فصبّت عليها سِجالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الريح تَصرِفُ حالاً فحالا
* * *
стр. 363
وروى ابن إسحاق أيضاً:
أربًّا واحداً أم ألفَ ربٍّ ... أَدين إِذا تقسّمت الأمور
عزلتُ اللَّات والعُزَّى جميعاً ... كذلك يفعل الجلْدُ الصبور
فلا العُرى أَدينُ ولا ابْنَتَيْهَا ... ولا صَنَمي بَني عمرو أزور
ولا هُبلاً (١) أَدينُ وكان ربًّا ... لنا في الدهر إِذ حُلْمي يسير
عجبْتُ وفي الليالي معجباتٌ ... وفي الأيام يعرفها البصير
بأن الله قد أفْنَى رجالاً ... كثيراً كان شأنَهم الفُجور
وأبقَى آخرينَ بِبِرّ قومٍ ... فَيَرْبُل منهم الطفل الصغير
وبينا المرءُ يعثُر ثاب يوماً ... كما يتَرَوَّحُ الغُصن النضير
стр. 364
ولكن أعبدُ الرحمن ربِّي ... ليغفر ذنبي الربُّ الغفور
فتقوى الله ربكمُ احفظوها ... جمَتَى ما تحفظوها لا تَبوروا
ترى الأبرارَ دارُهم جِنانٌ ... وللكفار حاميةٌ سعير
وخِزيٌ في الحياة وإِن يَمُوتوا ... يُلاقوا ما تضيق به الصدور
وقالت أسماء بنت أبي بكر: قال ورقة لزيد بن عمرو:
رَشَدْتَ وأنعمت ابن عمرو وإِنما ... تَجَنَّبْتَ تنوراً من النار حاميا
بدينك ربا ليس رب كمثله ... وترك جنان الخبال كما هيا
تقول إِذا جاورت أرضاً مخوفة ... حنانيك لا تظهر عليّ الأعاديا
حنانيك إِن الجن كانت رجاؤهم ... وأنت إِلهي ربَّنا ورجائيا
стр. 365
أدين لرب يستجيب لخلقه ... ولا أدين لمن لا يسمع الدهر داعيا
أقول إِذا صليت في كل بيعة ... تباركت قد أكثرتُ باسمك داعيا (١)
لكن القدر كان يتخير رجلاً يبصر الحق، ويملك من الطاقة ما يدفع إلى آفاق العالمين، في وجه مقاومة تسترخص النفس والنفيس للإبقاء على الضلال، والإمساك بليله البارد الثقيل!
وإذا كان هذا الإلحاد المغرق الطامس -كما أسلفنا- قد غزا النفوس بالقلق البالغ، فإلى أين تصير القلة الحائرة؟
وإلى أين يمكن أن يصير عدد هؤلاء الذين سخطوا ما عليه الجاهلية من نكر؟ وإلى أي مدى يكون تأثيرهم؟
أما من بصيص نور خلال هذا الظلام المخيّم؟
لقد كان القدر المعد لهذه الرسالة الضخمة هو خير خلق الله، وخاتم رسله ﷺ ليواجه الإلحاد الذي شاع وذاع!
٥ - وحدة اللغة:
وخامس ما يطالعنا: وحدة اللغة، حيث كانت هذه الجزيرة، التي تكاد
стр. 366
تكون شبه قارة، خليقة أن تتعدّد فيها اللغات (١)، وتتنوّع، لبعد المسافة بين مواطن القبائل وبن جنوبي الجزيرة وشماليها، وقلة اتصال أهل الجنوب بأهل الشمال، وأهل الشرق بأهل الغرب، وبحكم العصبيّة القبليّة والسلاليّة السائدة عليهم، وتأثر القبائل المتاخمة للروم والفرس بلغاتهم، وقد كثر عدد اللغات في أوروبا الوسطى، وفي شبه القارة الهنديّة، كثرة هائلة، ولا يزال عدد اللغات المعترف بها في دستور الهند يبلغ (١٥) لغة إقليميّة، تختلف فيما بينها اختلاف لغات مستقلة، قائمة بذاتها، حتى يحتاج أبناؤها للتفاهم إلى ترجمات، أو لغة أجنبية كالإِنجليزيّة!
بيد أن الجزيرة العربيّة قد امتازت على سعتها، وترامي أطرافها، وتشتّت قبائلها، بوحدة اللغة، التي كانت ولا تزال أداة تفاهم والتقاء لجميع أبناء هذه الجزيرة، حضرهم وبدوهم، القحطاني منهم والعدناني، وهي اللغة العربيّة على اختلاف لهجاتها وفروقها الإقليميّة التي تقتضيها طبيعة اللغات وفلسفتها، وطبيعة الأقاليم والأجواء، وطبيعة الانعزال والانطواء، فاللغات تختلف في لهجاتها بمسافات، قد تطول وقد تقصر، وكانت هذه الوحدة اللغويّة التي امتازت بها هذه الجزيرة من أهم أسباب تيسير مهمة الدعوة الإسلاميّة، وسرعة انتشار الإسلام فيها، ومخاطبة الوحدات العربيّة المنتشرة، في لغة واحدة هي اللغة العربيّة الفصحى، وبكتاب واحد هو القرآن العربي المبين!
стр. 367
٦ - الموقع الجغرافي:
وسادس ما يطالعنا: الموقع الجغرافي الذي يجعل الجزيرة جديرة بأن تكون مركزاً لدعوة عالميّة تخاطب الشعوب كلها!
وقد أعلن الأخ الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين ﵀ رئيس قسم الهندسة المدنية بكلية الهندسة جامعة الرياض، في حديث صحفي نشر في الأهرام المصرية في ١٥/ ١ / ١٣٩٧ هـ - ٥/ ١ / ١٩٧٧ م العدد ٣٣٩٨ - السنة ١٠٣:
أنه توصل إلى ما يشبه النظريّة الجغرافيّة التي تؤكد أن (مكة المكرمة) في مركز اليابس في الكرة الأرضيّة، أي مركز الأرض، وقد بدأ بحثه برسم خريطة تحسب أبعاد كل الأماكن على الأرض عن مدينة (مكة المكرمة) - وذلك لتصميم جهاز عملي رخيص يساعد على تحديد القبلة -فجأة اكتشف على الخريطة أن مكة تقع في وسط العالم!
ومن خلال بحثه هذا توصل إلى معرفة الحكمة الإلهيّة في اختيار (مكة المكرمة) لتكون مقراً لبيت الله الحرام، ومنطلقاً للرسالة العالميّة (١)!
وهي مع كونها جزءاً من قارة آسيا تقع بمقربة من قارة أفريقيا، ثم قارة أوروبّا، وكل منها مركز الحضارات، والثقافاات الواسعة، والفلسفات الكثيرة، وتمر بها القوافل التجارية التي تصل بين بلاد مختلافة، وقد تصل بين قارات تحمل من بلد ما يستطرف وينتج فيه إلى بلد يفتقر إليه!
стр. 368
وتقع الجزيرة بين قوتين متنافستين:
قوة المسيحيّة وقوة المجوسيّة!
قوة الغرب وقوة الشرق!
وقد ظلت رغم ذلك كله محتفظة بحريتها وشخصيتها، ولم تخضع لإحدى الدولتين، إلا في بعض أطرافها، وفي قليل من قبائلها، وكانت في خير موقع لتكون مركزاً لدعوة إنسانيّة عالميّة، تقوم على الصعيد العالمي، وتتحدث عن مستوى عال، بعيدة عن كل نفوذ سياسي وأجنبي (١)!
٧ - حرم الإسلام:
وسابع ما يطالعنا من خصائص الجزيرة: أنها الأرض المباركة، التي قدّر الله أن تكون حرم الإسلام، ومعلمه الأول، وداره الأولى، وأن الشيطان قد يئس أن يعبده المسلمون فيها، يروي مسلم وغيره عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم" (٢)!
وهي وقف في الإسلام على أهل الإسلام، يروي مسلم وغيره عن عمر ابن الحطاب، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لأخرجن اليهود والنصارى من
стр. 369
جزيرة العرب، حتى لا أدع إِلا مسلماً" (١)!
و (الدين القيّم) حين يضطهد خارج الجزيرة ينحاز إليها، يروي الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إِن الإِيمان ليأرز إِلى المدينة، كما تأرز الحيّة إِلى جحرها" (٢)!
* * *
стр. 370
أصحاب الفيل
стр. 371
أصحاب الفيل
١ - ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾
٢ - موقف الإيمان وموقف العقل
٣ - رواج قصة الحصبة والجدري وردها
٤ - دوافع المدرسة العقلية
٥ - دروس وعبر
٦ - مكانة العقل
٧ - دور الرسالات في قيادة العقل
٨ - سطوة الغرائز
٩ - الدور الأول للرسالات
١٠ - الدور الثاني للرسالات
стр. 372
أصحاب الفيل
تمهيد:
الحديث عن قصة أصحاب الفيل له معالم متنوعة، نبصرها فيما يلي:
١ - ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ !:
أول ما يطالعنا: أن حادثاً عظيماً لم يحدث مثله في تاريخ العرب (١)، كان دليلاً على ظهور حادث أكبر، وعلى أن الله يريد بالعرب خيراً، وأن للكعبة شأناً ليس لغيرها من بيوت الدنيا، ومراكز العبادة، وقد نيطت بها رسالة ونيط بها دور في تاريخ الإنسانيّة، لا بد أن تؤديه: وأن تقوم به!
أرادوا بالفيل أن يسير متجهاً إلى البيت الحرام، فوقف ولم يسر إليه، وحبسه الله تعالى عنه، فوجهوه إلى الجهات الأخرى فاتجه، ثم أرادوا أن يوجهوه إلى البيت فامتنع!
ولو أن (أبرهة) اعتبر واعتزم العودة إلى حيث جاء لرجع من الغنيمة بالإياب، ولكنه اعتزم تنفيذ نيّته، فلم يبق إلا أن يأخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [سورة الفيل]!
وإنما أضيف أمر القصة إلى الفيل، واشتهرت به (٢)، لاصطحابهم الفيل
стр. 373
معهم للبطش والتخريب؛ فإنه لو تم لقائديه كيدهم، لكان الفيل يدهم العاملة وسهمهم النافذ، وذلك أن جبابرة البلاد التي يوجد فيها الفيل يتخذونه آلة بطش وانتقام. فإذا غضبوا على محارب وأسروه، أو وزير وأوثقوه، أو بلد ونازلوا حصنه، أرسلوا على دار المغضوب عليه أو حصنه الفيل، فنطح برأسه ونابه الصرح فيدكه، وقواعد البنيان فيهدمها؛ فيكون أمضى من معاول وفؤوس، وأعظم رعباً ورهبة في النفوس، وربما ألقوا المسخوط بين يديه، فأعمل فيه نابه، ولف عليه خرطومه وحمله ومثّل به تمثيلاً، كان أشد بطشاً وتنكيلاً!
قال القاشاني: قصة أصحاب الفيل مشهورة، وواقعتهم قريبة من عهد الرسول ﷺ ، وهي إحدى آيات قدرة الله، وأثر من سخطه على من اجترأ عليه بهتك حرمه، وإلهامُ الطيور والوحوش أقرب من إلهام الإنسان، لكون نفوسهم ساذجة، وتأثير الأحجار بخاصية أودعها الله تعالى فيها, ليس بمستنكر!
وقال الماوردي (١): آيات الملك باهرة، وشواهد النبوات قاهرة، تشهد مباديها بالعواقب، فلا يُلتبس فيها كذب بصدق، ولا منتحل بمحق، ويحسب قوتها وانتشارها يكون بشائرها وإنذارها!
ولما دنا مولد رسول الله ﷺ تقاطرت آيات نبوته، وظهرت آيات بركته، فكان من أعظمها شأناً، وأظهرها برهاناً، وأشهرها عياناً وبياناً، أصحاب الفيل، أنفذهم النجاشي من أرض الحبشة، في جمهور جيش إلى مكة، لقتل رجالها، وسبي ذراريها، وهدم الكعبة .. ثم قال:
стр. 374
وآية الرسول من قصة الفيل أنه كان في زمانه حملاً في بطن أمه بمكة؛ لأنه ولد بعد خمسين يوماً من الفيل .. ثم قال:
فكانت آيته في ذلك من وجهين:
أحدهما: أنهم لو ظفروا لسبوا واسترقوا، فأهلكهم الله تعالى لصيانة رسوله أن يجري عليه السبي حملاً ووليداً!
والثاني: أنه لم يكن لقريش من التأله ما يستحقّون رفع أصحاب الفيل عنهم، وما هم أهل كتاب؛ لأنهم كانوا بين عابد صنم، أو متديّن وثن، أو قائل بالزندقة، أو مانع من الرجعة، ولكن لما أراده الله تعالى من ظهور الإسلام تأسيساً للنبوة، وتعظيماً للكعبة، وأن يجعلها قبلة للصلاة ومنسكاً للحج!
فإن قيل: فكيف منع الكعبة قبل مصيرها قبلة ومنسكاً، ولم يمنع الحجاج ميت هدمها، وقد صارت قبلة ومنسكاً، حتى أحرقها، ونصب المنجنيق عليها؟
قيل: فعلُ الحجاج كان بعد استقرار الدِّين، فاستغنَى عن آيات تأسيسه، وأصحابُ الفيل كانوا قبل ظهور النبوة، فجُعل المنعُ منها آية، لتأسيس النبوة ومجيء الرسالة، على أن الرسول ﷺ قد أنْذَر بهدمها، فصار الهدم آية، فلذلك اختلف حكمها في الحالين، والله تعالى أعلم!
ولما انتشر في العرب ما صنع الله تعالى بجيش الفيل تهيّبوا الحرم وأعظموه، وزادت حرمته في النفوس، ودانت لقريش بالطاعة، وقالوا: أهل الله قاتل عنهم، وكفاهم كيد عدوهم، فزادوهم تشريفاً وتعظيماً، وقامت قريش لهم بـ (الرفادة) و (السدانة) و (السقاية)، والرفادة مال تخرجه قريش في
стр. 375
كل عام من أموالهم، يصنعون به طعاماً للناس أيام مني، فصاروا أئمة ديّانين، وقادة متبوعين، وصار أصحاب الفيل مثلاً في الغابرين .. ثم قال:
وكان شأن الفيل رادعاً لكل باغ، ودافعاً لكل طاغ، وقد عاصر رسول الله ﷺ في زمن نبوّته وبعد هجرته جماعةٌ شاهدوا الفيل، وطير الأبابيل، منهم حكيم بن حزام، وحاطب بن عبد العزى، ونوفل بن معاوية؛ لأن كل واحد من هؤلاء عاش مائة وعشرين سنة، منها ستّين سنة في الجاهلية، وستين في الإسلام!
وقد ورد في كثير من الأحاديث الصحيحة ما يشير إلى نبأ الفيل .. منها ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: لما فتح الله على رسوله ﷺ مكة، قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إِن الله حبس عن مكة الفيل .. " الحديث (١)!
ونقف أمام مفتتح سورة الفيل، ونقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ في مقام ألم تعلم، كما قال مجاهد وغيره (٢)، وقال الفراء: ألم تخبر عن الحبشة والفيل، وإنما قال ذلك؛ لأنه ﷺ لم يدرك قصة أصحاب الفيل؛ لأنه ولد في تلك السنة!
وفي خطاب الرسول ﷺ في مفتتح السورة بهذا الأسلوب التقريري التعجيبي (٣)، وانصباب الاستفهام على الرؤية، وهو ﷺ لم يكن من شهود
стр. 376
الحادث عند وقوعه، دليل على أن هذا الحادث كان معروفاً متعالماً مشهوراً بشهوده وآثاره، لدى الخاصة والعامة، حتى كان الحديث عنه ممن شهدوه إلى من لم يشهدوه حديث رؤية، وعلم يقين، يستوي مع المشاهدة والعيان، وفي انصباب الاستفهام على رؤية كَيفية فعل الله بهؤلاء الطغاة دون انصبابه على ذات الفعل أو أثره، فقال:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾!
ولم يقل: ألم تر ما فعل، أو آثار ما فعل ربّك، وفي هذا إشارة إلى تهويل الحادث، وإيذان بوقوعه على كيفيّة وحالة، هي فوق مستوى ما عهده الناس، وجرت به عادة فيما بينهم من طرائق وقوع الأحداث!
وإضافة الفعل المعجِّب عن طريقة وقوعه إلى الله بعنوان الربوبيّة المختصّة بمحمد ﷺ على ما تقتضيه الإضافة إلى ضمير الخطاب له خاصة، دون ضمير غيره، أو دون مشاركة معه، هذه الإضافة رمزٌ إلى مزيد اختصاص هذا الحادث به، وأنه كان من أجله، ومن أجل رسالته!
وإبهام ما فعل الله بهم في صدر الكلام، ثم توضيحه وتفصيله، في صورة الاستفهام التعجيبي، والتعبير عن مقاصدهم الفاجرة، بالكيد الدال على خفي التدبير، وسيء المكر، وامتنان الله بجعل ذلك هباءً مضيعاً، لا يحظى منه صاحبه بطائل، دليل على شدة قهر الله لهم، وبطشه بهم، وعلى فظاعة ما كانوا يستهدفون، من هدم بيت الله وتخريبه، والعبث بحرمه، وهتك حرمات أهله، وفي العناية بالتنصيص على طريقة إهلاكهم، وذكر ما أُهلكوا به، بعنوان متعارف، في صورة لم تجر بها عادة، ولا تعارفها الناس فيما بينهم، في الحروب والغزوات كافة، وتجمعات الجيوش، آية على أن هذه النهاية السريعة
стр. 377
الخاطفة، والصورة البشعة الهائلة، التي انتهى بها هذا الحادث، ليست من سنن الحياة المألوفة المكررة، ولكنها من سنن الوجود المدخرة، لأحيانها ومناسباتها، فهو محجزة لنبوة محمد ﷺ ، مقدمة عليها، إرهاصاً لها وتأسيساً بوقوعها، أعلم الله به نبيه ممتناً بها عليه عند تشريفه بدواعيها!
وإلا فمتى كان في معهود الناس، ومتعارف الأحداث، أن طيراً -بهذا العنوان الذي له صورة خاصة لدى من يسمعه- تَفِدُ جماعات في إثر جماعات، تحمل معها حجارة من طين يابس متحجر، حتى كأنه طُبخ بالنار، ثم تعمد هذه الجماعات من الطير إلى جماعات من الناس مخصوصة، لا تتعداهم إلى غيرهم، فترميهم بما حملت من الحجارة، فتصيب مقاتلهم، إلا قليلاً ممن نجا سقيماً، ليكون عنواناً على هول ما أنزل الله بهم من نقمة في هذا الحادث الجسيم!
٢ - موقف الإيمان وموقف العقل:
وثاني ما يطالعنا: أن هذا هو الذي قال الله تعالى، وقصه علينا في صراحة لا تحتمل لبساً ولا تأويلاً، وقد آمن بهذا المؤمنون، وعلموا أن سنن الكون أجل من أن يحيط بها علمنا، وأخطر من أن تكون حبيسة في دائرة عقولنا المحدودة، وأن منها سنناً عامة معهودة متعارفة، وأن منها سنناً خاصة تقع عندما تتهيّأ لها دواعيها، وخوارق العادات التي يجريها الله على أيدي أنبيائه ورسله من سنن الكون الخاصة التي جعلها الله عنواناً على صدقهم وتكريمهم!
أما الذين وقفت بهم عقولهم عند مألوف الناس، واحتكموا في الحادث إلى العادات الجارية المتكررة، وأرادوا أن يخضعوا سنن الله في الكون، وإرادته
стр. 378
في خلقه، وسلطان قدرته عليهم، إلى ما جرت به العادة، وتعارفه الناس، فقد فظع بهم أن يؤمنوا بهذا، كما آمن المؤمنون بجلال الله، وواسع قدرته، ومحكم إرادته، وعظيم سلطانه، وأبوا إلا تحريف كلام الله عن مواضعه، وتأويل آياته الصريحة الصادقة، والتمسوا في الأمور الاعتيادية ملجأ للتأويل!
والطير في لغة العرب عامة معروف المعنى، والحجارة كذلك معروفة المعنى، والقرآن إذ عبّر بهما أراد إلى هذا المعنى المكشوف البين المتبادر إلى فهم السامع!
وإذا كان وزر المتزيّدين في الروايات أنهم تزيدوا وأغرقوا، وقبلوا كل تافه وغثاء، فوزر المتأولين أنهم أجحفوا، وتنقصوا وظلموا الحقيقة، وردوا ظاهر القرآن لغير ضرورة ملجئة!
وإذا جاء التأويل في شيء من موضوعات القرآن الكريم، وصرف ألفاظه عن معانيها الظاهرة المتبادرة، لاعتياصها على بعض الأفهام، فالقصص القرآني أبعد ما يكون عن ذلك؛ لأن ألفاظ هذا القصص من الوضوح والبيان بمكان رفيع؛ لأن المقصود الأول من القصص في القرآن هو العظة والعبرة والتأسي، وذلك لا يتحقق إلا بألفاظ بيّنة المعاني، واضحة الدلالة على مقصودها!
٣ - رواج قصة الحصبة والجدري وردها:
وثالث ما يطالعنا: رواج قصة الحصبة والجدري، فقد روى الطبري عن عكرمة قال: كانت ترميهم بحجارة معها، قال: فإذا أصاب أحدهم خرج به الجدري، قال: كان أول يوم رُؤي فيه الجدري، قال: لم يُر قبل ذلك
стр. 379
اليوم ولا بعده! وروى -أيضاً- عن يعقوب في عتبة بن المغيرة بن الأخنس: أنه حدّث، أن أول ما رُؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام (١)!
وقد قال بعض الكتّاب:
إنهم أصيبوا بالجدري قَرَّحَ أجسامهم، ولعل جرثومة ذلك الداء الوبيل كانت من الأحجار التي رمتها الطيور التي جاءتهم وباء وبلاء وإهلاكاً، وقد كادوا من الشر كيدهم، ودبروا بالفساد أمرهم!
قال الشيخ أبو زهرة ﵀:
وليس عندي ما يمنع أن يكونوا قد أصيبوا بالجدري بما رماهم الله تعالى به .. إذا قلنا إن الحجارة كانت تحمل معها جرثومة هذه الأمراض الفتاكة، ولكن ما لا يقبل هو القول بأن الطير هي جراثيم ذلك المرض؛ لأن هذا يكون مخالفاً لنص الآية الكريمة الذي يفيد أن الطير رمتهم بحجارة قوية شديدة (٢)!
وقال الشيخ محمد عبده ﵀ (٣):
وفي اليوم الثاني فشا في جند الجيش داء الجدري والحصبة .. وذكر الروايتين السابقتين عن عكرمة ويعقوب .. وقال: وقد فعل الوباء بأجسامهم ما يندر وقوع مثله، فكان لحمهم يتناثر ويتساقط، فذُعر الجيش وصاحبه، وولوا هاربين، وأصيب قائد الجيش، ولم يزل يسقط لحمه قطعة قطعة، وأنملة أنملة، حتى انصدع صدره، ومات في صنعاء!
стр. 380
قال: هذا ما اتفقت عليه الروايات، ويصح الاعتقاد به. وقد بينت لنا هذه السورة الكريمة أن ذلك الجدري أو تلك الحصبة نشأت من حجارة يابسة سقطت على أفراد الجيش، بواسطة فرق عظيمة من الطير، مما يرسله الله مع الريح!
فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الظن المسموم اليابس الذي تحمله الرياح، فيعلق بأرجل هذه الحيوانات، فإذا اتصل بجسده دخل في مسامه، فأثار فيه تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه، وأن كثيراً من هذه الطيور الضعيفة يعد من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر، وأن هذا الحيوان الصغير -الذي يسمونه الآن بالميكروب- لا يخرج عنها، وهو فرق وجماعات لا يُحصي عددها إلا بارئها .. ولا يتوقف ظهور أثر قدرة الله تعالى في قهر الطاغين، على أن يكون الطير في ضخامة رؤوس الجبال، ولا على أن يكون من نوع عنقاء مغرب، ولا على أن يكون له ألوان خاصة به، ولا على مقادير الحجارة وكيفية تأثيرها .. فلله جند من كل شيء:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد
وليست في الكون قوة إلا وهي خاضعة لقوته .. فهذا الطاغية الذي أراد أن يهدم البيت، أرسل الله عليه من الطير ما يوصل إليه مادة الجدري أو الحصبة، فأهلكته وأهلكت قومه، قبل أن يدخل مكة، وهي نعمة غمر الله بها أهل حرمه -على وثنيّتهم- حفظاً لبيته، حتى يرسل من يحميه بقوة دينه!
وقال: هذا ما يصح الاعتماد عليه في تفسير السورة، وما عدا ذلك فهو مما
стр. 381
لا يصح قبوله إلا بتأويل، إن صحت روايته .. ومما تعظم به القدرة أن يؤخذ من استعز بالفيل -وهو أضخم حيوان من ذوات الأربع جسماً- ويهلك، بحيوان صغير لا يظهر للنظر، ولا يدرك بالبصر، حيث ساقه القدر. لا ريب عند العاقل أن هذا أكبر وأعجب وأبهر!
وهذا الرأي الذي ذهب إليه الشيخ الإمام ليس أولى بتفسير الحادث من ظاهر النصوص -كما أسلفنا-، وبالتالي لا يصح الاعتماد عليه، ذلك أن ابن الأثير علّق على رواية الطبري عن يعقوب بن عتبة التي أوردها الطبري -كما سبق- بقوله:
وهذا مما لا ينبغي أن يعرج عليه، فإن هذه الأمراض قبل الفيل منذ خلق الله العالم (١). وأن الماوردي نقل قول أبي صالح: رأيت في دار أم هانئ نحو قفيز من الحجارة التي رمي بها أصحاب الفيل مخططة بحمرة، كأنها الجزع. وقال ابن مسعود: ولما رمت الطير بالحجارة بعث الله ريحاً فزادتها شدة، وكانت لا تقع على أحد إلا هلك، ولم يسلم منهم إلا رجل من كندة (٢)!
ولذلك يتبيّن لنا مدى الخطأ الذي وقع فيه بعض الذين قالوا (٣): إن الله يريد بالطير الرياح المتجمعة، وبالحجارة ذرات التراب التي حملت ميكروب الجدري، كما ذهب الدكتور (هيكل) وغيره!
فإنه لم يعهد في لغة العرب أن يقال عن الرياح: إنها طير أبابيل، ولا ينبغي
стр. 382
أن يقال ذلك، ولا يصح أن يلجأ إلى مثل هذا المجاز ما دامت الحقيقة غير مستحيلة على قدرة الله!
وإذا كانت الريح قد حملت ميكروب الجدري فلماذا هلك الأحباش وحدهم، ولِمَ لم يهلك معهم العرب؟!
وإذا كان حادث الفيل قد وقع عام ميلاد الرسول ﷺ ، فمن الثابت -كما أسلفنا- أن سورة الفيل قد نزلت على الرسول ﷺ في وقت كان يعيش فيه من أهل مكة أناس رأوا الحادث بأعينهم، وبعضهم من أعداء الرسالة والرسول، فلو لم تكن الطيور طيوراً حقيقة، والحجارة حجارة حقيقيّة، لظهر من العرب من يسارع إلى تكذيب حادث الفيل بهذه الصورة في تلك السورة، ويعلن ذلك على رؤوس الأشهاد، وينتهزها فرصة في الكيد للرسالة والرسول ﷺ !
ولكن الواقع أن سورة الفيل قد نزلت تقرّر حقيقة واقعة معروفة عند العرب، لا شك فيها, ولا يجرؤ أحد على إنكارها!
ثم إن سنة الله ليست فقط هي ما عهده البشر وما عرفوه (١)، وما يعرف البشر من سنة الله إلا طرفاً يسيراً يكشفه الله لهم بمقدار ما يُطيقون، وبمقدار ما يتهيّؤون له بتجاربهم ومداركهم في الزمن الطويل، فهذه الخوارق-كما يسمّونها- هي من سنّة الله، ولكنها خوارق بالقياس إلى ما عهدوه وما عرفوه!
ومن ثم فنحن لا نقف أمام الخارقة متردّدين ولا مؤوّلين لها -متى صحت الرواية- أو كان في النصوص وفي ملابسات الحادث ما يوحي بأنها جرت
стр. 383
خارقة، ولم تجر على مألوف الناس ومعهودهم. في الوقت ذاته لا نرى أن جريان الأمر على السنة المألوفة أقل وقعاً ولا دلالة من جريانه على السنة الخارقة للمألوف، فالسنة المألوفة هي في حقيقتها خارقة بالقياس إلى قدرة البشر!
إن طلوع الشمس وغروبها خارقة -وهي معهودة كل يوم- وإن ولادة كل طفل خارقة - وهي تقع كل لحظة - وإلا فليجرّب من شاء أن يجرّب!
وإن تسليط طير -كائناً ما كان- يحمل حجارة مسحوقة ملوّثة بميكروبات الجدري والحصبة وإلقاءها في هذه الأرض، في هذا الأوان، وإحداث هذا الوباء في الجيش، في اللحظة التي يهم فيها باقتحام البيت .. إن جريان قدر الله على هذا النحو خارقة، بل عدة خوارق كاملة الدلالة على القدرة وعلى التقدير .. وليست أقل دلالة ولا عظمة من أن يرسل الله طيراً خاصاً يحمل حجارة خاصة تفعل بالأجسام فعلاً خاصاً في اللحظة المقررة .. هذه من تلك .. هذه خارقة، وتلك خارقة، على السواء!
فأما في هذا الحادث خاصة، فنحن أميل إلى اعتبار أن الأمر قد جرى على أساس الخارقة غير المعهودة، وأن الله أرسل طيراً أبابيل غير معهودة - وإن لم تكن هناك حاجة إلى قبول الروايات التي تصف أحجام الطير وأشكالها وصفاً مثيراً، نجد له نظائر في مواضع أخرى تشير بأن عنصر المبالغة والتهويل مضافاً إليها! - تحمل حجارة غير معهودة، تفعل بالأجسام فعلاً غير معهود!
نحن أميل إلى هذا الاعتبار؛ لا لأنه أعظم دلالة ولا أكبر حقيقة، ولكن لأن جو السورة وملابسات الحادث تجعل هذا الاعتبار هو الأقرب، فقد كان الله سبحانه يريد بهذا البيت أمراً .. يريد أن يحفظه ليكون مثابةً للناس وأمناً، وليكون نقطة تجمع للعقيدة تزحف منه حرة طليقة، في أرض حرة طليقة، لا
стр. 384
يهيمن عليها أحد من خارجها, ولا تسيطر عليها حكومة قاهرة تحاصر الدعوة في محضنها .. ويجعل هذا الحادث عبرة ظاهرة مكشوفة لجميع الأنظار في جميع الأجيال، حتى ليمتنّ بها على قريش بعد البعثة في هذه السورة، ويضربها مثلاً لرعاية الله لحرماته وغيرته عليها .. فممّا يتناسق مع جو هذه الملابسات كلها أن يجيء الحادث غير مألوف ولا معهود، بكل مقوماته وبكل أجزائه .. ولا داعي للمحاولة في تغليب صورة المألوف من الأمر في حادث هو ذاته وبملابساته مفرد فذ!
وبخاصة أن المألوف في الجدري أو الحصبة لا يتفق مع ما روي من آثار الحادث بأجسام الجيش وقائده، فقد روى ابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير قال: لما أراد الله أن يُهلك أصحاب الفيل، بعث عليهم طيراً أنشئت من البحر، أمثال الخطاطيف، كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار مجزّعة، حجرين في رجليه، وحجراً في منقاره، قال: فجاءت حتى صفت على رؤوسهم، ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما يقع حجر على رأس رجل إِلا خرج من دبره، ولا يقع على شيء من جسده إِلا خرج من الجانب الآخر، وبعث الله ريحاً شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة، فأهلكوا جميعاً (١)!
ومنهم من هلك سريعاً، ومنهم من جعل يتساقط عضواً عضواً وهم هاربون، كما قال عطاء وغيره (٢)!
والجدري أو الحصبة لا يسقط الجسم عضواً عضواً!
стр. 385
وهذه الصورة هي التي يوحي بها النص القرآني: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ إيماءً مباشراً قريباً!
٤ - دوافع المدرسة العقليّة:
ورابع ما يطالعنا: دوافع المدرسة العقليّة، التي كان الأستاذ الإمام محمد عبده، ﵀، على رأسها في تلك الحقبة .. ونحن ندرك ونقدّر دوافع المدرسة العقلية إلى تضييق نطاق الخوارق والغيبيّات في تفسير القرآن الكريم وأحداث التاريخ, ومحاولة ردّها إلى المألوف المكشوف من السنن الكونيّة .. فلقد كانت هذه المدرسة تواجه النزعة الخرافيّة الشائعة التي تسيطر على العقليّة العامة في تلك الفترة، كما تواجه سير الأساطير والإسرائيليّات التي حشيت بها الكتب، في الوقت الذي وصلت فيه الفتنة بالعلم الحديث إلى ذروتها، وموجة الشك في مقولات الدّين إلى قمتها، فقامت هذه المدرسة تحاول أن تردّ إلى الدين اعتباره، على أساس أن كل ما جاء به موافق للعقل، ومن ثم تجتهد في تنقيته من الخرافات والأساطير، كما تحاول أن تنشئ عقليّة دينيّة تفقه السنن الكونيّة، وتدرك ثباتها واطرادها، وترد الحركات الإنسانيّة، كما ترد الحركات الكونيّة في الأجرام والأجسام!
والقرآن يردّ الناس إلى سنن الله الكونيّة، باعتبارها القاعدة الثابتة المنظمة لمفردات الحركات والظواهر المتناثرة!
ولكن مواجهة ضغط الخرافة من جهة، وضغط الفتنة بالعلم من جهة أخرى، تركت آثارها في تلك المدرسة من المبالغة في الاحتياط، والميل إلى جعل مألوف السنن الكونيّة هو القاعدة الكليّة لسنة الله، فشاع في هذا التفسير
стр. 386
الرغبة الواضحة في رد الكثير من الخوارق إلى مألوف سنة الله دون الخارق منها، وإلى تأويل بعضها بحيث يلائم ما يسمونه (المعقول) وإلى الحذر والاحتراس الشديد في تقبل الغيبيّات!
ومع إدراكنا وتقديرنا للعوامل البيئيّة الدافعة لمثل هذا الاتجاه، فإننا نلاحظ عنصر المبالغة فيه، وإغفال الجانب الآخر للتصور القرآني الكامل، وهو طلاقة مشيئة الله وقدرته من وراء السنن التي اختارها -سواء المألوف منها للبشر أو غير المألوف- هذه الطلاقة التي لا تجعل العقل البشري هو الحاكم الأخير، ولا تجعل معقول هذا العقل هو مرد كل أمر، بحيث يتحتم تأويل ما لا يوافقه-كما يتكرر هذا القول في تفسير أعلام هذه المدرسة!
هذا إلى جانب أن المألوف من سنة الله ليس هو كل سنة الله، إنما هو طرف يسير لا يفسر كل ما يقع من هذه السنن في الكون، وأن هذه كتلك دليل على عظمة القدرة ودقة التقدير!
وكل ذلك مع الاحتياط من الخرافة ونفي الأسطورة في اعتدال كامل، غير متأثر بإيحاء بيئة خاصة، ولا مواجهة عرف تفكيري شائع في عصر من العصور!
إن هنالك قاعدة مأمونة في مواجهة النصوص القرآنيّة، لعل هنا مكان تقديرها .. إنه لا يجوز لنا أن نواجه النصوص القرآنيّة بمقررات عقليّة سابقة، لا مقررات عامة، ولا مقررات في الموضوع الذي تعالجه النصوص .. بل ينبغي أن نواجه هذه النصوص لنتلقى منها مقرراتنا .. فمنها نتلقى مقرراتنا الإيمانيّة .. ومنها نكوّن قواعد منطقنا وتصوراتنا جميعاً، فإذا قررت لنا أمراً فهو المقرر كما قررته!
стр. 387
ذلك أن ما نسميه (العقل) ونريد أن نحاكم إليه مقررات القرآن عن الأحداث الكونيّة والتاريخية والإنسانيّة والغيبيّة هو إفراز واقعنا البشري المحدود، وتجاربنا البشريّة المحدودة!
وهذا العقل وإن يكن في ذاته قوة مطلقة لا تتقيّد بمفردات التجارب والوقائع، بل تسمو عليها إلى المعنى المجرد وراء ذواتها، إلا أنه في النهاية محدود بحدود وجودنا البشري .. وهذا الوجود لا يمثل المطلق كما هو عند الله، والقرآن صادر عن هذا المطلق فهو الذي يحكمنا، ومقرراته هي التي نستقي منها مقرراتنا العقلية ذاتها، ومن ثم لا يصلح أن يقال: إن مدلول هذا البحر يصطدم مع العقل فلابد من تأويله -كما يرد كثيراً في مقررات أصحاب هذه المدرسة- وليس معنى هذا هو الاستسلام للخرافة، ولكن معناه أن (العقل) ليس هو الحكم في مقررات القرآن، ومتى كانت المدلولات التعبيريّة مستقيمة واضحة فهي التي تقرر كيف تتلقاها عقولنا، وكيف تصوغ منها قواعد تصورها ومنطقها تجاه مدلولاتها، وتجاه الحقائق الكونية الأخرى!
فأما كيف جعل كيدهم في تضليل فقد بيّنه في صورة وصفية رائعة:
﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾!
ومعنى أبابيل كما قال مجاهد: شتّى متتابعة، ومعنى سجيل كما قال ابن عباس: طين وحجارة (١)، والعصف المأكول كما قال سعيد بن جبير: التبن الذي تسميه العامة هبّور، والمعنى كما قال ابن كثير: أن الله أهلكهم ودمّرهم وردّهم بكيدهم وغيظهم لم ينالوا خيراً، وأهلك عامتهم، ولم
стр. 388
يرجع منهم مخبر إلا وهو جريح، كما جرى لمهلكهم أبرهة، فإنه انصدع صدره عن قلبه حين وصل إلى بلده صنعاء وأخبرهم بما جرى لهم ثم مات (١)!
إنها صورة حسيّة للتمزيق البدني بفعل هذه الأحجار التي رمتهم بها جماعات الطير .. ولا ضرورة لتأويلها بأنها تصوير لحال إهلاكهم بمرض الجدري أو الحصبة!
٥ - دروس وعبر:
وخامس ما يطالعنا: العبر المستفادة من التذكير به، وهي كثيرة:
وأول ما توحي به أن الله سبحانه لم يرد أن يكل حماية بيته إلى المشركين، ولو أنهم يعتزون بهذا البيت، ويحمونه ويحتمون به، فلما أراد أن يصونه ويحرسه ويعلن حمايته له، وغيرته عليه، ترك المشركين يُهزمون أمام القوة المعتدية، وتدخلت القدرة سافرة لتدفع عن بيت الله الحرام، حتى لا تكون للمشركين يد على بيته ولا سابقة في حمايته، بحميّتهم الجاهليّة، ولعل هذه الملابسة تُرجِّح ترجيحاً قويًّا أن الأمر جرى في إهلاك المعتدين مجرى السنة الخارقة -لا السنة المألوفة المعهودة- فهذا أنسب وأقرب!
ولقد كان من مقتضى هذا التدخل من القدرة الإلهيّة لحماية البيت الحرام أن تبادر قريشر ويبادر العرب، إلى الدخول في دين الله، حينما جاءهم به الرسول ﷺ ، وألا يكون اعتزازهم بالبيت وسدانته وما صاغوا حوله من وثنيّة هو المانع لهم من الإسلام!
стр. 389
وهذا التذكير بالحادث على هذا النحو هو طرف من الحملة عليهم، والتعجّب من موقفهم العنيد!
كذلك توحي دلالة الحادث بأن الله لم يقدّر لأهل الكتاب - أبرهة وجنوده - أن يحطّموا البيت الحرام أو يسيطروا على الأرض المقدّسة، حتى والشرك يدنّسه، والمشركون هم سدنته. ليبقى هذا البيت عتيقاً من سلطان المتسلّطين، مصوناً من كيد الكائدين، وليحفظ لهذه الأرض حريتها حتى تنبت فيها العقيدة الجديدة حرة طليقة، لا يهيمن عليها سلطان، ولا يطغى فيها طاغية، ولا يهيمن على هذا الدين الذي جاء ليهيمن على الأديان وعلى العباد، ويقود البشريّة ولا يُقاد، وكان هذا من تدبير الله لبيته ولدينه قبل أن يعلم أحد أن خاتم النبيّين ﷺ قد ولد في هذا العام!
ونحن نستبشر بإيحاء هذه الدلالة اليوم ونطمئن، إزاء ما نعلمه من أطماع فاجرة ماكرة ترف حول الأماكن المقدسة من الصليبيّة والصهيونيّة، ولا تني أو تهدأ في التمهيد الخفي اللئيم لهذه الأطماع الفاجرة الماكرة، فالله الذي حمى بيته من أهل الكتاب، وسدنَتُهُ مشركون، سيحفظه إن شاء الله، ويحفظ مدينة رسوله من كيد الكائدين ومكر الماكرين!
والإيحاء الثالث هو أن العرب لم يكن لهم دور في الأرض، بل لم يكن لهم كيان قبل الإسلام .. كانوا في اليمن تحت حكم الفرس أو الحبشة، وكانت دولتهم حين تقوم هناك أحياناً تقوم تحت حماية الفرس .. وفي الشمال كانت الشام تحت حكم الروم، إما مباشرة وإما بقيام حكومة عربيّة تحت حماية الرومان!
ولم ينج إلا قلب الجزيرة من تحكم الأجانب فيه .. ولكنه ظل في حالة
стр. 390
بداوة، أو في حالة تفكك لا تجعل منه قوة حقيقية في ميدان القوى العالمية .. وكان يمكن أن تقوم الحروب بين القبائل أربعين سنة -كما أسلفنا- ولكن لم تكن هذه القبائل متفرقة ولا مجتمعة ذات وزن عند الدول القوية المجاورة، وما حدث في عام الفيل كان مقياساً لحقيقة هذه القوة حين تتعرض لغزو أجنبي!
وتحت راية الإسلام، ولأول مرة في تاريخ العرب، أصبح لهم دور عالمي يؤدّونه، وأصبحت لهم قوّة دوليّة يحسب لها حساب .. قوة غالبة تكتسح الممالك، وتحطم العروش، وتتولى قيادة البشرية، بعد أن تزيح القيادات الجاهليّة المزيّفة الضالة!
وتحت راية الإسلام ولأول مرة في تاريخهم نسوا نعرة الجنس، وعصبيّة العنصر، وذكروا أنهم مسلمون .. ومسلمون فقط، ورفعوا راية الإسلام، وراية الإسلام وحدها، وحملوا عقيدة ضخمة قويّة يُهدونها إلى البشرية رحمة وبراً بالبشريّة .. ولم يَحملوا قوميّة ولا عنصريّة ولا عصبيّة .. حملوا عقيدة يُعَلِّمون الناس بها, لا مذهباً أرضياً يخضعون الناس لسلطانه، وخرجوا من أرضهم جهاداً في سبيل الله وحده، ولم يخرجوا ليؤسّسوا إمبراطوريّة عربيّة ينعمون ويرتعون في ظلها، ويشمخون ويتكبرون تحت حمايتها، ويُخرجون الناس من حكم الروم والفرس إلى حكم العرب، وإلى حكم أنفسهم!
إنما قاموا ليُخرجوا الناس من عبادة العباد جميعاً إلى عبادة الله وحده!
عندئذ فقط كان للعرب وجود، وكانت لهم قوة، وكانت لهم قيادة .. ولكنها كانت كلها لله وفي سبيل الله، وقد ظلت لهم قوتهم، وظلت لهم