الرغبة الواضحة في رد الكثير من الخوارق إلى مألوف سنة الله دون الخارق منها، وإلى تأويل بعضها بحيث يلائم ما يسمونه (المعقول) وإلى الحذر والاحتراس الشديد في تقبل الغيبيّات!
ومع إدراكنا وتقديرنا للعوامل البيئيّة الدافعة لمثل هذا الاتجاه، فإننا نلاحظ عنصر المبالغة فيه، وإغفال الجانب الآخر للتصور القرآني الكامل، وهو طلاقة مشيئة الله وقدرته من وراء السنن التي اختارها -سواء المألوف منها للبشر أو غير المألوف- هذه الطلاقة التي لا تجعل العقل البشري هو الحاكم الأخير، ولا تجعل معقول هذا العقل هو مرد كل أمر، بحيث يتحتم تأويل ما لا يوافقه-كما يتكرر هذا القول في تفسير أعلام هذه المدرسة!
هذا إلى جانب أن المألوف من سنة الله ليس هو كل سنة الله، إنما هو طرف يسير لا يفسر كل ما يقع من هذه السنن في الكون، وأن هذه كتلك دليل على عظمة القدرة ودقة التقدير!
وكل ذلك مع الاحتياط من الخرافة ونفي الأسطورة في اعتدال كامل، غير متأثر بإيحاء بيئة خاصة، ولا مواجهة عرف تفكيري شائع في عصر من العصور!
إن هنالك قاعدة مأمونة في مواجهة النصوص القرآنيّة، لعل هنا مكان تقديرها .. إنه لا يجوز لنا أن نواجه النصوص القرآنيّة بمقررات عقليّة سابقة، لا مقررات عامة، ولا مقررات في الموضوع الذي تعالجه النصوص .. بل ينبغي أن نواجه هذه النصوص لنتلقى منها مقرراتنا .. فمنها نتلقى مقرراتنا الإيمانيّة .. ومنها نكوّن قواعد منطقنا وتصوراتنا جميعاً، فإذا قررت لنا أمراً فهو المقرر كما قررته!
стр. 387
ذلك أن ما نسميه (العقل) ونريد أن نحاكم إليه مقررات القرآن عن الأحداث الكونيّة والتاريخية والإنسانيّة والغيبيّة هو إفراز واقعنا البشري المحدود، وتجاربنا البشريّة المحدودة!
وهذا العقل وإن يكن في ذاته قوة مطلقة لا تتقيّد بمفردات التجارب والوقائع، بل تسمو عليها إلى المعنى المجرد وراء ذواتها، إلا أنه في النهاية محدود بحدود وجودنا البشري .. وهذا الوجود لا يمثل المطلق كما هو عند الله، والقرآن صادر عن هذا المطلق فهو الذي يحكمنا، ومقرراته هي التي نستقي منها مقرراتنا العقلية ذاتها، ومن ثم لا يصلح أن يقال: إن مدلول هذا البحر يصطدم مع العقل فلابد من تأويله -كما يرد كثيراً في مقررات أصحاب هذه المدرسة- وليس معنى هذا هو الاستسلام للخرافة، ولكن معناه أن (العقل) ليس هو الحكم في مقررات القرآن، ومتى كانت المدلولات التعبيريّة مستقيمة واضحة فهي التي تقرر كيف تتلقاها عقولنا، وكيف تصوغ منها قواعد تصورها ومنطقها تجاه مدلولاتها، وتجاه الحقائق الكونية الأخرى!
فأما كيف جعل كيدهم في تضليل فقد بيّنه في صورة وصفية رائعة:
﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾!
ومعنى أبابيل كما قال مجاهد: شتّى متتابعة، ومعنى سجيل كما قال ابن عباس: طين وحجارة (١)، والعصف المأكول كما قال سعيد بن جبير: التبن الذي تسميه العامة هبّور، والمعنى كما قال ابن كثير: أن الله أهلكهم ودمّرهم وردّهم بكيدهم وغيظهم لم ينالوا خيراً، وأهلك عامتهم، ولم
стр. 388
يرجع منهم مخبر إلا وهو جريح، كما جرى لمهلكهم أبرهة، فإنه انصدع صدره عن قلبه حين وصل إلى بلده صنعاء وأخبرهم بما جرى لهم ثم مات (١)!
إنها صورة حسيّة للتمزيق البدني بفعل هذه الأحجار التي رمتهم بها جماعات الطير .. ولا ضرورة لتأويلها بأنها تصوير لحال إهلاكهم بمرض الجدري أو الحصبة!
٥ - دروس وعبر:
وخامس ما يطالعنا: العبر المستفادة من التذكير به، وهي كثيرة:
وأول ما توحي به أن الله سبحانه لم يرد أن يكل حماية بيته إلى المشركين، ولو أنهم يعتزون بهذا البيت، ويحمونه ويحتمون به، فلما أراد أن يصونه ويحرسه ويعلن حمايته له، وغيرته عليه، ترك المشركين يُهزمون أمام القوة المعتدية، وتدخلت القدرة سافرة لتدفع عن بيت الله الحرام، حتى لا تكون للمشركين يد على بيته ولا سابقة في حمايته، بحميّتهم الجاهليّة، ولعل هذه الملابسة تُرجِّح ترجيحاً قويًّا أن الأمر جرى في إهلاك المعتدين مجرى السنة الخارقة -لا السنة المألوفة المعهودة- فهذا أنسب وأقرب!
ولقد كان من مقتضى هذا التدخل من القدرة الإلهيّة لحماية البيت الحرام أن تبادر قريشر ويبادر العرب، إلى الدخول في دين الله، حينما جاءهم به الرسول ﷺ ، وألا يكون اعتزازهم بالبيت وسدانته وما صاغوا حوله من وثنيّة هو المانع لهم من الإسلام!
стр. 389
وهذا التذكير بالحادث على هذا النحو هو طرف من الحملة عليهم، والتعجّب من موقفهم العنيد!
كذلك توحي دلالة الحادث بأن الله لم يقدّر لأهل الكتاب - أبرهة وجنوده - أن يحطّموا البيت الحرام أو يسيطروا على الأرض المقدّسة، حتى والشرك يدنّسه، والمشركون هم سدنته. ليبقى هذا البيت عتيقاً من سلطان المتسلّطين، مصوناً من كيد الكائدين، وليحفظ لهذه الأرض حريتها حتى تنبت فيها العقيدة الجديدة حرة طليقة، لا يهيمن عليها سلطان، ولا يطغى فيها طاغية، ولا يهيمن على هذا الدين الذي جاء ليهيمن على الأديان وعلى العباد، ويقود البشريّة ولا يُقاد، وكان هذا من تدبير الله لبيته ولدينه قبل أن يعلم أحد أن خاتم النبيّين ﷺ قد ولد في هذا العام!
ونحن نستبشر بإيحاء هذه الدلالة اليوم ونطمئن، إزاء ما نعلمه من أطماع فاجرة ماكرة ترف حول الأماكن المقدسة من الصليبيّة والصهيونيّة، ولا تني أو تهدأ في التمهيد الخفي اللئيم لهذه الأطماع الفاجرة الماكرة، فالله الذي حمى بيته من أهل الكتاب، وسدنَتُهُ مشركون، سيحفظه إن شاء الله، ويحفظ مدينة رسوله من كيد الكائدين ومكر الماكرين!
والإيحاء الثالث هو أن العرب لم يكن لهم دور في الأرض، بل لم يكن لهم كيان قبل الإسلام .. كانوا في اليمن تحت حكم الفرس أو الحبشة، وكانت دولتهم حين تقوم هناك أحياناً تقوم تحت حماية الفرس .. وفي الشمال كانت الشام تحت حكم الروم، إما مباشرة وإما بقيام حكومة عربيّة تحت حماية الرومان!
ولم ينج إلا قلب الجزيرة من تحكم الأجانب فيه .. ولكنه ظل في حالة
стр. 390
بداوة، أو في حالة تفكك لا تجعل منه قوة حقيقية في ميدان القوى العالمية .. وكان يمكن أن تقوم الحروب بين القبائل أربعين سنة -كما أسلفنا- ولكن لم تكن هذه القبائل متفرقة ولا مجتمعة ذات وزن عند الدول القوية المجاورة، وما حدث في عام الفيل كان مقياساً لحقيقة هذه القوة حين تتعرض لغزو أجنبي!
وتحت راية الإسلام، ولأول مرة في تاريخ العرب، أصبح لهم دور عالمي يؤدّونه، وأصبحت لهم قوّة دوليّة يحسب لها حساب .. قوة غالبة تكتسح الممالك، وتحطم العروش، وتتولى قيادة البشرية، بعد أن تزيح القيادات الجاهليّة المزيّفة الضالة!
وتحت راية الإسلام ولأول مرة في تاريخهم نسوا نعرة الجنس، وعصبيّة العنصر، وذكروا أنهم مسلمون .. ومسلمون فقط، ورفعوا راية الإسلام، وراية الإسلام وحدها، وحملوا عقيدة ضخمة قويّة يُهدونها إلى البشرية رحمة وبراً بالبشريّة .. ولم يَحملوا قوميّة ولا عنصريّة ولا عصبيّة .. حملوا عقيدة يُعَلِّمون الناس بها, لا مذهباً أرضياً يخضعون الناس لسلطانه، وخرجوا من أرضهم جهاداً في سبيل الله وحده، ولم يخرجوا ليؤسّسوا إمبراطوريّة عربيّة ينعمون ويرتعون في ظلها، ويشمخون ويتكبرون تحت حمايتها، ويُخرجون الناس من حكم الروم والفرس إلى حكم العرب، وإلى حكم أنفسهم!
إنما قاموا ليُخرجوا الناس من عبادة العباد جميعاً إلى عبادة الله وحده!
عندئذ فقط كان للعرب وجود، وكانت لهم قوة، وكانت لهم قيادة .. ولكنها كانت كلها لله وفي سبيل الله، وقد ظلت لهم قوتهم، وظلت لهم
стр. 391
قيادتهم ما استقاموا على الطريقة، حتى إذا انحرفوا عنها وذكروا عنصريتهم وعصبيتهم، وتركوا راية الحق ليرفعوا راية العصبيّة نبذتهم الأرض وداستهم الأمم!
وما العرب بغير الإسلام؟!
ما الفكرة التي قدموها للبشريّة أو يملكون تقديمها، إذا هم تخلوا عن هذه العقيدة؟!
وما قيمة أمة لا تقدم للبشريّة هذه العقيدة؟!
إن كل أمة قادت البشريّة في فترة من فترات التاريخ كانت تمثل فكرة .. والأمم التي لم تكن تمثل فكرة كالتتار الذين اجتاحوا الشرق، والبرابرة الذين اجتاحوا الدولة الرومانيّة لم يستطيعوا الحياة طويلاً، إنما ذابوا في الأمم التي فتحوها، والفكرة الوحيدة التي تقدم بها العرب للبشريّة كانت هي العقيدة الإِسلاميّة .. العقيدة التي رفعتهم إلى مكان القيادة والريادة، فإذا تخلوا عنها لم تعد لهم في الأرض وظيفة، ولم يعد لهم في التاريخ دور، وهذا ما يجب أن يذكره العرب جيداً، إذا هم أرادوا الحياة، وأرادوا القوة، وأرادوا القيادة والريادة، والله الهادي من الضلال!
٦ - مكانة العقل:
وسادس ما يطالعنا: أن (العقل) هو المرشد للإنسان (١)، يهديه إلى سواء الطريق، وينير له ظلمات الوجود، ويفتح له مغاليق الكون، ويسدده في مسيره ضارباً في بيداء الزمن، حتى يقضي ما قدِّر له من بقاء!
стр. 392
وعلى قدر استعداده الفطري يكون كسبه من تجارب الحياة .. وعلى قدر ما يكسبه من تلك التجارب تكون فائدته .. وعلى قدر هذه الفائدة تكون مكانةُ الفرد في الجماعة ومكانته منها .. ومن ثم يتدخل (العقل) بوساطة الفرد في إرشاد الجماعة وهدايتها وتسديدها، والسمو بها صعداً في مدارج الرقي والكمال!
وإذا كانت الحياة لم تعرف حداً لرقيّ الفرد في الجماعة البشريّة تنتهي إليه، فلا يكون للجماعة نفسها هذا الحد، تقف عنده في رقيّها .. فالحياة متجددة، والمعارف الإنسانيّة متزايدة، و (العقل) البشري دائب العمل، وخزائن الكون لا تزال مغلقة، وأسراره ما برحت محجّبة، وحقائقه ما فتئت مجهولة!
وكيف يقف رقيّ الفرد أو الجماعة عند حد، ومهمّة (العقل) في الحياة هي كشف تلك الأسرار الكونيّة، ومعرفة حقائق الوجود واستخدامها في إفادة الإنسانيّة؟!
ومن الغرور العقلي أن يزعم إنسان أنه وصل إلى درجة من المعارف والعلم بحقائق الكون وأسرار الوجود، تقربه من الكمال المقدور للبشريّة، فالمجهول من تلك الأسرار، وهذه الحقائق، لا يزال أعظم بكثير جداً مما عُرف، والذي عُرف لا يزال الكثير منه مستخدماً في الحياة على غير جهته التي تفيد منها الحياة، فالجهاد أمام (العقل) واسع المدى، فسيح الجنبات!
بيد أن هذه المعارف العقليّة التي لا تنتهي عند حد في الأفراد والجماعات، هي في الواقع المشهود محدودة المنزع، لا تتعدى مشاهد الوجود ومظاهر الكون!
стр. 393
٧ - دور الرسالات في قيادة العقل:
وسابع ما يطالعنا: دور الرسالات الإلهية في قيادة (العقل) إلى مجاهد الطبيعة ومطبوعها ومداخل الوجود، وبواطن الحياة .. بل إلى ما وراء الطبيعة وإلى ما فوقها .. إلى الخالق جل شأنه، وإلى عظيم قدرته، وباسط سلطانه، وبالغ حكمته، وواسع علمه، وهيمنة إرادته .. وإلى الكون وما فيه من أسرار وآيات ودلائل، تدل بما اشتملت عليه من نظام متماسك، وقوى مترابطة، وسن متوافقة، ومنافع متتابعة، على فضل الله ورحمته، ولطفه وإحسانه، وجوده وقهره، وكبريائه ولطائف تدبيره!
وهذا مجال تنبيه وإرشاد، تتجه فيه الرسالات الإلهيّة إلى مخاطبة (العقل)، لتوجيهه إلى تعرّف جلال الكون، وعظمة الوجود، وخطر الحياة، ليقف منها على وشائج التكوين والإبداع التي تصل الخلوق بالخالق، وتربط بي أجزاء الوجود، وتكشف عما طوي فيها من منافع واستجابات لرغبات الإنسان المادية والروحية!
وكلما اتسعت معارف (العقل) عن حقائق الكون ازدادت استجابات الحياة له، وقوي سلطانه في تسخير قوى الطبيعة فيما يفيد النوع الإنساني، ويرقّي عناصره، ويدعم قواه، ويهيئ أمامه الفُرص للتغلب على احتمال أعباء الحياة في ثقة واطمئنان!
وليس (العقل) بمعصوم من الزلل والخطأ، بل ربما كان من الحق أن يقال إنه كثير الخطأ والزلل، ولا سيما إذا ضعف أمام الغرائز والقوى الحيوانيّة، واستجاب لدواعيها، وخضع لسلطانها، فإنه حينئذ يصبح أداة طيّعة لهوى
стр. 394
تلك الغرائز، وعبداً لشهواتها، تتحكّم فيه، وتوجّهه في طريق أغراضها، وتصبح معارفه وسيلة من وسائلها في تلوين الحياة، كما تشتهي وتريد!
٨ - سطوة الغرائز:
وثامن ما يطالعنا: أن تاريخ الحياة والأحياء يدل على أن سلطان الغريزة كان أقوى في الأفراد والجماعات من سلطان (العقل)، كما يدل على أن الحياة أسرع استجابة لنداء الغريزة من منطق (العقل)، وأساس قيادة في يد الغرائز منها في يد (العقل)، والغرائز في الإنسان شبيه بعضها ببعض في مطالبها وغاياتها، ولكنها تختلف في الأفراد قوةً وضعفاً، وظهوراً وكموناً، وليس (العقل) الإنساني على هذا الغرار في أفراد الإنسان، فهو مختلف فيهم أشد الاختلاف، وقلما يتفق (عقل) و (عقل)، فاتفاق الغرائز في الغايات يكسبها قوة في مطالبها وتنفيذ أغراضها، واختلاف (العقول) يوهن من سلطان (العقل) على الغرائز، والغرائز منافذ للقوى الماديّة تتنفس منها، ومن ثم نراها تشتطّ في تنفيذ رغائب الجسد، وتحاول أن توجّه قوى الحياة -حتى العليا منها- إلى مقاصد ماديّة، لا وزن عندها للقيم الخلقيّة من العدل والرحمة والإيثار، إلا إذا كانت وسيلة لنفع مادي، وقضاء شهوة جسديّة، فالظلم والقسوة والأثرة في لغة الغرائز ومنطق المادة الصماء تساوي العدل والرحمة والإيثار في كثير من الأحايين والأوقات!
والغرائز إذا انطلقت على سجاياها، وتغلّبت على (العقل)، كيّفت أعمال الأفراد والجماعات، على حساب ميولها وهواها، وخلعت على تصرفات الأشخاص والأشياء نعوتاً من لغتها، حتى تصبح القوة الغاشمة هي
стр. 395
الميزان الأعلى في شرعة الحياة، ولا فرق بين أن يكون هذا الميزان منصوباً على حشائش الأحراش والأدغال وعلى أبواب الكهوف والغيران، أو موضوعاً على بساط من سندس الحضارة الزائفة الملوثة بدماء الضعفاء, وهذا هو المنبع الذي نبعت منه المذاهب الماديّة الملحدة منذ قامت الحياة!
وهنا يأتي دورآخر للرسالات الإلهيّة، هو دور إيقاظ (العقل) من ظهور سطوة الغرائز، وإفساح المجال أمامه لتنظيم رغائبها، في صورة تخضعها لموازين الأخلاق، وإعطاء الفضائل قيمتها في الحياة، ووضع الرذائل في مواضعها منها، حتى تقاس كل فضيلة أو رذيلة في أعمال الأفراد والجماعات بمقياسها العادل الذي لا يعرف الغش والخداع!
٩ - الدور الأول للرسالات:
وتاسع ما يطالعنا: أن الدور الأول للرسالات الإلهيّة دور قيادة وتعليم، ومجالها في هذا الدور هو الحقائق الكليّة، والمعارف العليا، فهي التي تنبئ عن الغيب، وتكشف عن حقائق كليّة في صور واقعيّة، وأمثال تقربها إلى الواقع المشهود، حتى تكون دانية إلى مجال (العقل) ومدركاته، وهي التي تتحدّث عن الخالق ونعوت كماله، وعن فيض الحياة من خزائن رحمته، وعن عوالم السماء والأرواح، وعن الوحي والنبوة، وعن نظام الكون وقوانين ترابطه، وعن الحياة الأخرى وما فيها من ثواب وعقاب!
ولا سبيل لـ (العقل) وحده إلى إدراك هذه الحقائق إدراكاً يتجاوب صداه مع الواقع الغيبي في هذا المجال؛ لأن الغيب محجوب عن الحس، والحس بأدواته المادية هو المشكاة التي يستضيء بمصباحها (العقل)، فيهتدي إلى
стр. 396
أوليّات من الحقائق، يحمل عليها مثيلاتها بضرب من القياس والتشبيه، ومن هذه الحقائق تتولد القضايا العقلية المنتزعة من الوجود المشهود انتزاعاً مباشراً أو غير مباشر!
و (العقل) الإنساني في هذا الدور العجيب يجب أن يكون خاضعاً للرسالات الإلهيّة، آخذاً عنها، فهي التي تمده وترشده وتهديه، فإذا استجاب لها أمن العشار والزلل، وإذا تأبّى عليها وقع في أغلال الغرائز، وانقلب عمله إلى استجابات ماديّة تصب المعارف العليا في قوالب وثنيّة تعتمد على التشبيه والتصوير .. وتاريخُ الفلسفات والأديان مليء بالشواهد الصادقة على ذلك!
١٠ - الدور الثاني للرسالات:
وعاشر ما يطالعنا: أن الدور الثاني للرسالات دور مؤاخاة (العقل) ومظاهرته، حتى يتغلّب على جموح الغرائز ويكفكف من حدّتها، ويطامِنَ مِنْ غرورها، ويقلل من اندفاعها، ويوجّهها وجهة صالحة، دون كبت يميتها أو انطلاق يفسدها!
ومجال هذا الدور هو الحياة الواقعيّة التي يحياها الأفراد والجماعات، وتحديد علاقة الفرد بالفرد، وعلاقة الجماعة بالجماعة، بل علاقة الفرد والجماعة بالحياة والأحياء، وتنظيم هذه العلاقات على أسس من العدل، تعطي كل ذي حق حقه، وتشيع بين الأحياء الثقة والاطمئنان والتعاطف، والتواسي والمحبّة والإخاء!
و (العقل) الإنساني في هذا الدور يجب أن يكون هو المسيطر على الغرائز
стр. 397
يقودها بحكمته، ويوجهها بسياسته، والرسالات الإلهيّة هي المرشد العليم، والمستشار الأمين, والناصح الحكيم، وعلى ضوء إرشادها ونصحها ومشورتها يسير (العقل) في طريقه مؤدياً واجبه على أكمل وجه في الحياة!
ولقد مرت الإنسانيّة بأطوار متعددة، اختلفت عليها في تلك الأطوار الرسالات الإلهيّة، فكانت فيها معالم للتاريخ على تلك الأطوار، وكانت كل رسالة بداية لطور ونهاية لآِخر .. وقد احتفظت تلك الرسالات بخصائص ومميّزات، هي في الواقع -خصائص ومميزات الأطوار التي سايرتها، ومن تلك الخصائص يُعرف نصيب (العقل) في تلك الأطوار، فهو مولود مع الإنسانيّة، وخاضع لما تخضع له من حكم التدرج في طريق الاكتمال!
وكما مرّت الإنسانيّة في مرحلة الطفوليّة الغريزيّة بالغرائز المنطلقة، مرّ معها (العقل) الإنساني في هذه المرحلة، منطلقاً مع الغرائز، يفتح لها أبواب المادية المجنونة الجائعة، وجاءت الرسالات الإلهيّة في هذا الطور تومئ إلى الحقائق العليا ولا تُفصح، وتَرمز ولا تُصرِّح، تمشياً مع طاقة الإنسانيّة الساذجة وحالة الطفولة التي يمر (العقل) بها في مرحلتها في هذا الطور من أطوار التاريخ البشري!
واستعراض الصور الجدليّة التي يقصها التاريخ, وتحدثنا بها كتب الرسالات الإلهيّة عن أوائل الأنبياء والرسل ومتقدميهم في الزمن، كنوح، وإبراهيم، وهود، وصالح، وشعيب مع أممهم، قد لنا على أن (العقل) البشري وقتئذ كان مدثّراً في مهاد الطفولية، محاطاً بالغرائز تهدهده، حتى يظل نائماً لصيقاً بالأرض محجوباً عن السماء!
стр. 398
وقد يكون هذا هو السبب فيما يقع من الوهم في صلاحية (العقل) وحده لإدراك الحقائق العليا إدراكاً مباشراً، دون اعتماد على الحس، ولعل هذا الوهم يستند إلى تاريخ الفلسفات القديمة التي أطلقت لـ (العقل) أعنة السبح فيما وراء الطبيعة: في الخالق ونعوته، وفي عوالم الأرواح والملائكة والأفلاك والسموات، وفي الحياة وطريقة صدورها عن الخالق. ولاشك أن هذه حقائق عليا، لا سبيل لتدخل الحس فيها، بل استقل (العقل) في خوض بحارها، فغرق في أعماقها، ثم طفا وفي يديه قضايا ومعارف آمن بها، وأقام عليها صرح أعرق فلسفاته القديمة، وهي الفلسفة الإغريقية التي فُتن بها كثيرون، وها هو ذا العلم التجريبي وفلسفات (العقل) المتوسب وقد زعزعا أركان تلك الفلسفات القديمة!
والرسل الكرام -عليهم صلوات الله وتسليماته- يضيقون ذرعاً بهذه البلادة العقليّة، وذلك التعبّد الذليل للغرائز العمياء التي تستلهم المادة، وتستهدي بها في أغراضها، وتستوحي الأرض في تحقيق مطالبها، وتتصامّ عن سماع صوت السماء، حتى إذا استيأس الرسل، وظنوا أن منافذ الأمل قد سدّت، وأبواب الرجاء في تخليص (العقل) من سلطان الغرائز وسيطرتها قد أُوصدت، لم يبق لهم إلا التطلُّع إلى طور إنساني جديد، يتجدد به ميلاد الإنسانيّة بـ (عقل) يشبّ عن الطوق، وتتهيّأ له وسائل التغلب للتفلّت من أغلال الغرائز، مستعداً لفهم لغة فوق لغة الحس، تتحدث عن عوالم الغيب وموازين الأخلاق!
ولقد كان لـ (العقل) الإنساني ومضات في هذا الطور من أطوار الحياة، إذا نبَّهته الرسالات الإلهيّة تنبّه، وأشرقت آفاقه بنور الحق في سرعة خاطفة .. أما
стр. 399
إذا غلبَت عليه كثافة الغرائز المتحكّمة فإنه سرعان ما ينكص على عقبيه، وعاد كأنه لم يبصر من الحق والهُدى شيئاً!
وفي ذلك يقول القرآن الكريم في سورة الأنبياء في قصة إبراهيم رسول الله وخليله ﵊: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾ [الأنبياء]!
وهذا تصوير بارع لمغالبة الطبيعة الماديّة القائمة في جبلة هؤلاء الوثنين الملحدين لي (العقل) الحبيس في أتون الغرائز، مع قارعات الحجج الإلهية، وداويات النذر، فلم يبق إلا الأسف الحزين على إهدار كرامة (العقل) الذي بدأ يشب على رقدة المهد: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [الأنبياء]!
стр. 400
لقد سمى إبراهيم الأحجار باسمها ﴿هَذِهِ التَّمَاثِيلُ﴾ (١)، واستنكر أن يعكفوا عليها بالعبادة، وكلمة ﴿عَاكِفُونَ﴾ تفيد الانكباب المستمر .. وهذا يفيد تعلقهم بها .. وجاء الجواب ليدل على التحجر العقلي والنفسي داخل قوالب التقليد الميتة، في مقابل حريّة الإيمان, وانطلاقه للنظر والتدبر، وتقويم الأشياء والأوضاع بقيمها الحقيقيّة لا التقليديّة، والوراثات المتحجرة التي لا يقوم عليها دليل!
﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤)﴾!
وما كانت عبادة الآباء لتكسب هذه التماثيل قيمة ليست لها, ولا لتخلع عليها قداسة لا تستحقها .. فالقيم لا تنبع من تقليد الآباء وتقديسهم؛ إنما تنبع من التقويم المتحرر الطليق!
وعندما واجههم إبراهيم ﵇ بهذه الطلاقة في التقدير، وبهذه الصراحة في الحكم، راحوا يسألون:
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥)﴾؟!
وهو سؤال المزعزع العقيدة، الذي لايطمئن إلى ما هو عليه؛ لأنه لم يتدبّره ولم يتحقّق منه، ولكنه كذلك معطّل الفكر والروح بتأثير الوهم والتقليد، فهو لا يدري أيّ الأقوال حق، والعبادة تقوم على اليقين لا على الوهم المزعزع الذي لا يستند إلى دليل!
وهذا هو التّيه الذي يخبط فيه من لا يدينون بعقيدة التوحيد الناصعة الواضحة المستقيم في (العقل والضمير)!
стр. 401
فأما إبراهيم ﵇ فهو مستيقن واثق عارف بربّه، متمثل له في خاطره وفكره، يقولها كلمة المؤمن المطمئن لإيمانه:
﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦)﴾!
فهو ربّ واحد، ربّ الناس وربّ السموات والأرض .. ربوبيّته ناشئة عن كونه الخالق، فهما صفتان لا تنفكان .. وهذه هي العقيدة المستقيمة الناصعة، لا كما يعتقد المشركون أن الآلهة أرباب، في الوقت الذي يقرون أنها لا تخلق، وأن الخالق هو الله .. ثم هم يعبدون تلك الآلهة التي لا تخلق شيئاً وهم يعلمون!
وإبراهيم ﵇ لم يشهد خلق السموات والأرض، ولم يشهد خلق نفسه ولا قومه .. ولكن الأمر من الوضوح والثبوت إلى حدّ أن يشهد المؤمنون عليه واثقين .. إن كل ما في الكون لينطق بوحدة الخالق المدبّر .. وإن كل ما في كيان الإنسان ليهتف به إلى الإقرار بوحدانية الخالق المدبّر، وبوحدة الناموس الذي يدبّر الكون ويصرّفه!
ثم يعلن إبراهيم ﵇ لمن كان يواجههم من قومه بهذا الحوار، أنه قد اعتزم في شأن آلهتهم أمراً لا رجعة فيه:
﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾!
ويترك ما اعتزمه من الكيد للأصنام مبهماً لا يفصح عنه .. ولا يذكر السياق كيف ردوا عليه. ولعلهم كانوا مطمئنين إلى أنه لن يستطيع لآلهتهم كيداً فتركوه!
﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)﴾!
стр. 402
وتحولت الآلهة المعبودة إلى قطع صغيرة من الحجارة والأخشاب المهشّمة .. إلا كبير الأصنام فقد تركه لعلهم يرجعون إليه فيسألونه كيف وقعت الواقعة وهو حاضر فلم يدفع عن صغار الآلهة؟!
ولعلهم حينئذ يراجعون القضيّة كلها، فيرجعون إلى صوابهم، ويدركون منه ما في عبادة هذه الأصنام من سخف وتهافت!
وعاد القوم ليروا آلهتهم جذاذاً إلا ذلك الكبير, ولكنهم لم يرجعوا إليه يسألونه، ولا إلى أنفسهم يسألونها: إن كانت هذه آلهة فكيف وقع لها ما وقع، دون أن تدفع عن أنفسها شيئاً، وهذا كبيرها كيف لم يدفع عنها؟!
لم يسألوا أنفسهم هذا السؤال؛ لأن الخرافة قد غطّت عقولهم عن التفكير، ولأن التقليد قد غل أفكارهم عن التأمّل والتدبّر .. فإذا هم يدعون هذا السؤال الطبيعي لينقموا على من حطّم آلهتهم، وصنع بها هذا الصنيع:
﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢)﴾!
فهم ما يزالون يصرّون على أنها آلهة، وهي هكذا مهشمة! فأما إبراهيم ﵇ فهو يتهكم بهم، ويسخر منهم، وهو فرد وحده وهم كثير .. ذلك أنه ينظر بعقله المفتوح وقلبه الواصل، فلا يملك إلا أن يهزأ بهم ويسخر، وأن يجيبهم إجابة تناسب هذا المستوى العقلي الدون:
﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾!
стр. 403
والتهكم واضح في هذا الجواب الساخر!
إن هذه التماثيل لا تدري من حطمها، فهي جماد لا إدراك له أصلاً، وأنتم كذلك مثلها مسلوبو الإدراك لا تميزون بين الجائز والمستحيل!
ويبدو أن هذا التهكم الساخر قد هزّهم هزًّا، وردّهم إلى شيء من التدبّر والتفكّر: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤)﴾!
وكانت بادرة خير أن يستشعروا ما في موقفهم من سخف، وما في عبادتهم لهذه التماثيل من ظلم، وأن تتفتح بصيرتهم لأول مرة، فيتدبّروا ذلك السخف الذي يأخذون به أنفسهم، وذلك الظلم الذي هم فيه سادرون!
ولكنها لم تكن إلا ومضة واحدة أعقبها الظلام، وإلا خفقة واحدة عادت بعدها قلوبهم إلى الخمود: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾!
وحقاً، لقد كانت الأولى رجعة إلى النفوس، وكانت الثانية نكسة على الرؤوس، كما يقول التعبير القرآني المصور العجيب!
كانت الأولى حركة في النفس للنّظر والتدبّر!
أما الثانية فكانت انقلاباً على الرأس فلا عقل ولا تفكير، وإلا فإن قولهم هذا الأخير هو الحجة عليهم، وأية حجة لإبراهيم أقوى من أن هؤلاء لا ينطقون؟!
ومن ثم يجبههم بعنف وضيق على غير عادته، وهو الصبور الحليم؛ لأن السخف هنا يجاوز صبر الحليم:
﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾!
стр. 404
وهي قولة يظهر فيها ضيق الصدر، وغيظ النفس، والعجب من السخف الذي يتجاوز كل مألوف!
عندئذ أخذتهم العزة بالإثم، كما تأخذ الطغاة البغاة العتاة دائماً، حين يفقدون الحجة، ويعوزهم الدليل، فيلجؤون إلى القوة الغاشمة، والعذاب الغليظ:
﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾ [الأنبياء]!
فيا لها من آلهة ينصرها عبّادها، وهي لا تملك لأنفسها نفعاً ولا ضراً، ولا تحاول لها ولا لعبّادها نصراً!
قالوا: ﴿حَرِّقُوهُ﴾ ولكن كلمة أخرى قد قيلت .. فأبطلت كل قول، وأحبطت كل قيد .. ذلك أنها الكلمة العليا التي لا ترد:
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء]!
فكانت برداً وسلاماً على إبراهيم ﵇!
كيف؟!
ولماذا نسأل عن هذه وحدها، و ﴿كُونِي﴾ هذه الكلمة التي تكوّن بها أكوان، وتنشأ بها عوالم، وتخلق بها نواميس:
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس]!
يكون هذا الشئ سماءً أو أرضاً .. يكون ناراً أو غيرها (١) .. هذا وذاك سواء أمام الكلمة .. كن .. فيكون!
стр. 405
ليس هناك صعب ولا سهل .. وليس هناك قريب ولا بعيد .. فتوجه الإرادة لخلق الشيء كاف وحده لوجوده، كائناً ما يكون .. إنما يقرّب الله للبشر الأمور ليدركوها بمقياسهم البشري المحدود!
فلا نسأل: كيف لم تحرق النار إبراهيم ﵇!، والمشهود المعروف أن النار تحرق الأجسام الحيّة؟ فالذي قال للنار: كوني حارقة، هو الذي قال لها: كوني برداً وسلاماً .. كوني (مكيّفاً) بلغة العصر .. لأنها لو كانت برداً دون أن تكون سلاماً لكان لها شأن آخر يؤذي ولا ينفع، وربما كانت قاتلة .. وهي الكلمة الواحدة التي تنشئ مدلولها عند قولها، كيفما كان هذا المدلول، مألوفاً للبشر أو غير مألوف!
إن الذين يقيسون أعمال الحق إلى أعمال البشر هم الذين يسألون:
كيف كان هذا؟
وكيف أمكن أن يكون؟
فأما الذين يدركون اختلاف الطبيعتين، واختلاف الأداتين، فإنهم لا يسألون أصلاً، ولا يحاولون أن يخلقوا تعليلاً .. علميًّا أو غير علمي، فالمسألة ليست في هذا الميدان أصلاً، ليست في ميدان التعليل والتحليل بموازين ومقاييس البشر، وكل منهج في تصوّر مثل هذه المعجزات غير منهج الإحالة إلى القدرة المطلقة هو منهج فاسد من أساسه؛ لأن أعمال الحق غير خاضعة لمقاييس البشر وعلمهم القليل المحدود!
إن علينا فقط أن نؤمن بأن هذا قد كان؛ لأن صانعه يملك أن يكون، أما كيف صنع بالنار فإذا هي برد وسلام؟ وكيف صنع بإبراهيم فلا تحرقه النار؟
стр. 406
فذلك ما سكت عنه النص القرآني؛ لأنه لا سبيل إلى إدراكه بعقل البشر المحدود. وليس لنا سوى النص القرآني من دليل، فتلك معجزة!
١١ - المعجزة الكبرى:
وآخر ما يطالعنا: أن (العقل) وقف وحده في مكانه من الحياة، يتطلّع مشدوهاً في رجاء وأمل إلى السماء يستهديها الرشد، ويسترشدها الهداية، ويسألها في ضراعة أن تمدّه بمددها في رسالة إلهيّة كاملة شاملة، توائم نضجه ورشده، تعرف الحق والعدل، وتتخذهما أساساً لبناء حياة الإخاء الإنساني، وتعرف قبل هذا وذاك فطريّة العقيدة التي تعتمد في معرفة خالق السموات والأرض على دراسة الكون في غير غموض ولا تلبيس، ولا تغمض عين (العقل) على قذى فلسفات جوفاء، ولا تقبل عليه وصاية من خارج تفكيره، بل تمنحه حريّة الانطلاق الكامل في كل ما تملك قوته العمل في مجاله، وتحجزه حفاظاً عليه من متاهات الاسترسال فيما لا يستطيع ولا يطيق من عوالم الغيب التي لا تخضع لسنن البحث والتفكير بعيداً عن الوحي، وإن كان الإيمان المطلق بهذا يعتمد على مقدّمات تخضع للبحث الذي يجعل من نتائجها قضايا يطمئن (العقل) إلى الإيمان بها، كإيمانه بأي قضية بحث من قضاياه!
ومن هنا كان القرآن الكريم تبياناً لكل شيء، وهو المعجزة الكبرى لخاتم النبيّين ﷺ ، وقد أبان فيه مكانة العلم والمعرفة، وجعل لـ (العقل) قيادهما، ومن هنا كان العلم بأوسع معانيه هو المعجزة الخالدة لهذه الرسالة الخاتمة!
стр. 407
وفي هذا يقول الرسول ﷺ فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: "ما من الأنبياء نبي إِلا أُعطيَ من الآيات ما مِثْلُهُ آمن عليه البشر، وإِنما كان الذي أُوتيته وحياً أوحاه الله إِليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة" (١)!
* * *
стр. 408
من الميلاد إلى البعث
стр. 409
من الميلاد إلى البعث
١ - النسب الشريف
٢ - التربية الإلهيّة
٣ - المسؤوليّة والإيجابيّة
٤ - التكامل المحمّدي
٥ - الرسول ﷺ في غار حراء
стр. 410
من الميلاد إلى البعث
تمهيد:
الحديث عن حياة الرسول ﷺ من الميلاد إلى البعث متنوع المعالم، غزير العوالم، واسع الآفاق .. وحسبنا أن نبصر معالمه فيما يلي:
١ - النسب الشريف:
أول ما يطالعنا: النسب الشريف، وطيب الأصل المنيف، فرسول الله ﷺ خير أهل الأرض نسباً على الإطلاق، ولنسبه من الشرف أعلى ذروة، وأعداؤه -كما أسلفنا- كانوا يشهدون له بذلك!
وهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مُدْرِكة بن إِلياس بن مضر بن نزار بن معد ابن عدنان! وينتهي نسب عدنان إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵉!
إلى هنا معلوم الصحة، متّفق عليه بين النسّابين، ولا خلاف فيه البتّة، وما فوق عدنان مختلف فيه، ولا خلاف بينهم أن عدنان من ولد إسماعيل ﵇ وإسماعيل: هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم (١)!
стр. 411
وأمه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤي بن غالب بن فهو بن مالك بن النضر!
وأمها: برّة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهو بن مالك بن النضر!
وأم برّة: أم حبيب بنت عبد الأسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهو بن مالك بن النضر!
وأم أم حبيب: برّة بنت عوف بن عبيد بن عُويج بن عدي بن كعب بن لؤي ابن غالب بن فهو بن مالك بن النضر!
قال ابن هشام: فرسول الله ﷺ أشرف ولد آدم حسباً، وأفضلهم نسباً، مِنْ قِبَل أبيه وأمه ﷺ (١)!
ومع هذا فهناك مستغربون بهرهم ما عند أعداء الإسلام من مناهج الفكر المنحرف، ووقعوا في الطعن في النسب الشريف!
تعريض الدكتور طه حسين:
ومعلوم أن الدكتور طه حسين قد ساير ركب المستشرقين -كما أسلفنا- وذكر أن علينا أن نسير سيرة الأوربيّين، ونسلك طريقهم .. وقال في مجال فصل الدّين عن الدولة والسياسة (٢):
стр. 412
(من المحقق أن تطوير الحياة الإنسانيّة قد قضى منذ عهد بعيد بأن وحدة الدّين، ووحدة اللغة، لا تصلحان أساساً للوحدة السياسيّة، ولا قواماً لتكوين الدول)!
وقد ضمّن كتابه (في الشعر الجاهلي) ما يثبت تلك المسايرة لركب المستشرقين، وردّ عليه الكثيرون!
وكتابه (على هامش السيرة) مثل واضح على ذلك (١) .. وحسبنا أن نذكر تعريضه بنسب النبي، حتى لا يطول بنا الحديث!، قال:
(ونوع آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليّين، وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه في قريش؛ فلأمر ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة بني هاشم، وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصي، وأن تكون قصي صفوة قريش، وقريش صفوة مضر، ومضر صفوة عدنان، وعدنان صفوة العرب، والعرب صفوة الإنسانيّة كلها، وأخذ القصاص يجتهدون في تثبيت هذا النوع من التصفية والتنقية، ما يتصل منه بأسرة النبي خاصة، فيضيفون إلى عبد الله، وعبد المطلب، وهاشم، وعبد مناف، وقصي، من الأخبار ما يرفع شأنهم، ويعلي مكانتهم). (٢)
وفي هذا تعريض بنسب النبي ﷺ ، وتحقير من قدره، وتعبير خال من كل احترام!
стр. 413
وفي نص قرار الاتهام ضد طه حسين سنة ١٩٢٧ م حول ما جاء في كتابه: (في الشعر الجاهلي) الذي نقلنا منه هذا النص، والذي رد عليه الكثيرون بالمقالات والكتب والمحاضرات في حين صدوره، نذكر منهم:
(محاضرات): (للشيخ محمد الخضري)!
وكتاب: (الشهاب الراصد): (للأستاذ محمد لطفي جمعة)!
وكتاب: (نقد كتاب في الشعر الجاهلي): (للشيخ الإمام شيخ الجامع الأزهر محمد الخضر حسين)!
ثم انتقلت القضيّة إلى النيابة العامة .. وجاء في قول رئيس النيابة في ٣٠ مارس سنة ١٩٢٧ م:
(إنه تكلم فيما يختص بأسرة النبي ﷺ ونسبه في قريش بعبارة خالية من كل احترام، بل وبشكل تهكمي غير لائق) (١)!
تعريض المستشرقين:
ولقد نظر المستشرقون إلى شجرة نسب النبي ﷺ (٢)، القريب منها والبعيد، على أنها مأثورات دينيّة إسلاميّة، قد صُنعت بعد الإسلام، ومن الغريب ألا يخطر ببالهم حين أثاروا هذه الشبهات، أو أرادوا أن يثيروها أن العرب لو عرفوا مغمزاً في نسب النبي لوجّهوه إليه، ولذكره القرآن في معرض الرد، كما ذكر
стр. 414
التهم والمغامز التي وجهوها إليه، ومن الغريب كذلك ألا يخطر ببالهم، أن ينعموا النظر، أو لعلهم عجزوا عن إنعام النظر، في الآيات القرآنية، والأحاديث النبويّة، ليكفُوا أنفسهم مؤونة هذه الحيرة أو هذا التشكيك، والتحويم الذي يحلو لهم حول كثير مما ورد في شأن النبي ﷺ !
أسرة الرسول ﷺ -:
وهذا يدعونا إلى أن نبصر النبعة التي انشقت عنه ﷺ (١)، ونعرف ماذا كان لها في شخصيته من أثر وراثي، أو أثر اجتماعي!
عبد مناف وزهرة:
وننظر إلى الفرعين الفارعين، والغصنين الزاكيين: (عبد مناف)، و (زهرة) اللذين انفرجا عن محمد ﷺ ؛ لأن عبد مناف غصن من الدوحة القرشيّة، زكا وأينع، فأثمر لسيدها عبد المطلب ابنه (عبد الله) وزهرة غصنها الذي زها ونما، فأثمر لوهب سيدها ابنته (آمنة)!
وهاتان الثمرتان ضمّهما القدر المغلّف بأسرار الغيب على وساد من الحب الشفيف، واللقاء الشريف، في سنة فطرية للزواج بين كرام العرب معروفة، وشرعة إلهيّة -منذ كان الناس- مقدورة، فكان منهما محمد رسول الرحمة للعالمين!
وكان فرع عبد مناف أمجد أغصان دوحة قصي، وأعلاهم كعباً في السيادة والشرف، وقد شرف في زمان أبيه (٢)، وذهب كل مذهب، وقد اجتمعت
стр. 415
قريش على عبد مناف، وصيّرته أمجاده دوحة في نساب المكارم، فكان أصلاً انتهى إليه محور القربى في تحديدها الإسلامي (١)، وعليه كان قول النبي ﷺ في بيان القرابة في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾!
فقد روى مسلم عن قبيصة بن المخارق، وزهير بن عمرو، قالا: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾!
قال: انطلق نبيّ الله إِلى رَضْمَةٍ (٢) من جبل، فعلا أعلاها حجراً. ثم نادى: "يا بني عبد منافاه! إِني نذير. إِنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ (٣) أهله. فخشي أن يسبقوه. فجعل يهتف: يا صباحاه" (٤)!
وروى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾!
قال: "يا معشر قريش! -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً. يا بني عبد مناف! لا أغني عنكم من الله شيئاً. يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئاً. ويا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئاً. ويا فاطمة بنت محمد ﷺ ! سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئاً"!
стр. 416
وفي رواية:
دعا رسول الله ﷺ قريشاً فاجتمعوا، فعمّ وخص، فقال: "يا بني كعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد شمس! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد الطلب! أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار. فإِني لا أملك لكم من الله شيئاً. غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها (١) "!
وهذا يكفي سنداً لوقوفنا عند (عبد مناف) في تطلّب الأصل القريب، الذي ترجع إليه شخصيّة محمد خاتم النبيّين ﷺ بالوراثة، في بعض الخلائق والسجايا (٢)، فأنت ترى أن النبي ﷺ وهو في مقام بيان القرابة التي لها المقدمة في الإنذار، حسماً للأطماع، والتي أوثرت من قبل الله العلي الأعلى بالسبق، لتعتمد على وشائج القربى في حميّتها, لحماية دعوته وحمايته، لتجاوب ما بينه وبينهم من المشاركة في خصائص تنزع إلى عرق واحد - قد سلك مسلك التدرجّ في التخصيص، حتى إذا بلغ مجتمعها الحافل، رآها سويّةً في (عبد مناف)، فأخبرهم أنهم أخصّ من يجتمع به في عرق من قريش!
стр. 417
ولهذا التدرّج الذي سلكه النبي ﷺ من الأعمّ إلى الأخصّ حكمة لطيفة، تبيّن أن الخصائص المشتركة بين فروع الأصل الواحد موزّعة على الفروع كلها بنسب متفاوتة!
ولكنها قد تنتهي مجتمعة عند فرع ينزل منها منزلة القلب من الشجرة، وذلك الفرع هو الذي يسقي الأغصان المتفرّعة عنه يجمع مواد الخصائص السابقة واللاحقة!
وهذا التفسير العملي للقرابة -في هذا المقام- يوحي بأن (عبد مناف) هو الفرع القرشي الذي تحدرت إليه جداول الخلائق الموروثة من أعراق آبائه!
وهو الذي تقاطر فيه غيث (قصي) وأمجاده، وانتهت إليه خصائصه، فنبل وساد ومجد في حياة أبيه، على رغم صغر سنه، وعلى رغم وصية أبيه لأخيه أكبر (عبد الدار) بكر (قصي)، بما كان لـ (قصي) من مناصب السيادة والشرف، وترك (عبد مناف) لهمته وفواضله!
روى ابن الأثير قال: لما كبر (قصي) ورقّ، وكان ولده (عبد الدار) أكبر ولده، وكان ضعيفاً، وكان (عبد مناف) قد ساد في حياة أبيه، وكذلك إخوته، فقال (قصي) لـ (عبد الدار): والله! لألحقنك بهم، فأعطاه دار الندوة، والحجابة -وهي حجابة الكعبة- واللواء، فهو كان يعقد لقريش ألويتهم، والسقاية كان يسقي الحجيج، والرفادة وهي خرج تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى (قصي) بن كلاب، فيصنع منه طعاماً للحجاج، يأكله الفقراء!
لكن بني (عبد مناف) لم يرضهم أن تذهب منهم مكرمتا الجود والبذل،
стр. 418
والسقاية، والرفادة، فانتزعوها من بني (عبد الدار)، وتركوا لهم من شارات المجد ما سواهما، حتى جاء الإسلام، فأقرّ حجابة الكعبة في بني (عبد الدار) (١)!
وهو يشير بذلك إلى أن اللواء صار في الإسلام مرتبة من مراتب المسلمين عامة، ولم يعد منصباً من مناصب أمجاد (قريش)، بل ولا عامة العرب، فانتزعه منهم، وجعله لعامة المسلمين، وأقرّ السقاية والرفادة في بني (عبد مناف) يتوارثها الخلف منهم عن السلف، حتى أدركت أبا جعفر المنصور ثاني خلفاء بني العباس، وتعاقبها الخلفاء من بعده!
أما (زُهرة) الجدُّ الأعلى للسيدة (آمنة) أم خاتم النبيّين ﷺ ، فهو الأخ الأكبر لـ (قصي) والد (عبد مناف)، وقد أقام (زُهرة) بمكة حياته كلها, لم يفارقها ولم يرحل عنها!
ولما رجع (قصي) من بلاد قضاعة تعرف إليه فعرفه وأدناه، ولم يزل ولده مع ولده لا يفارقونهم، يدخلون معهم في كل حلف، ويشاركونهم فيما يقومون به من عمل!
وكان (بنو زُهرة) شركاء (بني عبد مناف) في نصيبهم عند تجزئة الكعبة لبنائها!
وهذا الترابط الذي كان بين (زهرة) و (عبد مناف) هو الذي يوحي بجعل فرعيهما في قريش ملتقى ما تنقله الوراثة من الخصائص الإنسانيّة المنسابة مع تيار التوالد في الأشخاص!
بيد أن هناك فرقاً بين فرعي (عبد مناف)، و (زهرة)، في مقدار ما عند كل
стр. 419
منهما من الجاذبيّة للخصائص والطباع، والتاريخ يذكر لـ (بني عبد مناف) خلائق القوة والصلابة والتمجد بالمكان، وحب الشرف، والسيادة والبذل، ودقة الشعور، وسرعة البداهة، وهي خصائص كانت كلها متوافرة في جدهم الأعلى، فأخذها منه وراثة ابنه (عبد مناف)، وأورثها (عبد مناف) بنيه من بعده!
ويذكر التاريخ -أيضاً- لـ (بني زهرة) الأناة والهدوء، ورقة الحاشية .. وهي خصائص كانت طبعاً لأبيهم (زهرة)، ومنه تحدرت إلى ولده، موزعة عليهم، على حسب ما فيهم من استعداد مفطور ..
والناظر إلى سيرة النسل المتجدّد من (عبد مناف)، ولا سيما الفرع الذي انتهى إثماره إلى محمد ﷺ ، يجد صدق هذا في طباعهم وأحلامهم!
والناظر في (بني زهرة) يجد -كذلك- خصائص أبيهم ممثلة في طبائعهم!
هاشم:
وكان (هاشم) على خلق أبيه، في التمجّد بالكرم والبذل، يقوم بالرفادة، وإطعام الحاج في الموسم كله، وكان رجلاً موسراً، فإذا حضر الحج قام في قومه فقال: (يا معشر قريش، إنكم جيران الله (١)، وأهل بيته، وإنه يأتيكم في هذا الموسم زوّار الله، يعظمون حرمة بيته، فهم ضيف الله، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه وزوّاره، يأتون شُعثاً غُبراً، من كل بلد، فأقروهم واسقوهم)، وكانت قريش ترافد على ذلك، حتى إن كان أهل البيت ليرسلون بالشيء اليسير على قَدْرهم، وكان (هاشم) يُخرج في كل عام مالاً كثيراً ويقول: (لو أن مالي يسع ذَلك ما كلفتكم شيئاً)!
стр. 420
الرفادة والسقاية:
وكان لهذه المكرمات والمناقب أثر خطير في مكانة (عبد مناف) وأبنائه عند جميع العرب، فعرفوا لهم فضلهم، وقدروهم قدرهم، ونظروا إليهم نظرة فيها قداسة واحتشام، لم ينظروها لغيرهم ممن يساميهم من أبناء عمومتهم، مع ما كان في أيديهم من مراتب المجد والشرف، وشارات السيادة والتقدم مثلهم، لكن بني (عبد مناف) امتازوا بالصنائع والمكارم، يسدونها إلى قومهم، واختيارهم من بين مراتب الشرف مرتبتي الرفادة والسقاية -وهما مظهر الجود والبذل- وهو الذي زاد في مكانتهم، ورفعهم في نظر العرب قاطبة، وهو الذي عقد لهم وشيجة المحبة والإعظام في قلوبهم!
عبد المطلب:
أما (عبد المطلب) جد محمد الأدنى فكان أشبه بجده الأعلى (قصي)، في شرفه وتساميه وطموحه إلى عوالي الأمور، ومن غرائب هذا التشابه أن كلاً منهما نشأ بعيداً عن قومه وبلده، في حضن أمه، حتى اشتد ساعده، وبلغ مبلغ الرجال، وعرف أنه فرع الدوحة القرشيّة، وابن هامتها، فتحمل إلى قومه وبلده، فاستقبله الشرف والمجد، ودانت له السيادة!
ورحل (قصي) إلى مكة (١)، فوجد أمرها بيد خزاعة وبني بكر، وليس لقريش منه شيء، فانتزعه منهما انتزاعاً، وأخذه غلاباً، فساد على أهل مكة، وملّكه قومُه عليهم، فلا يصدرون إلا عن رأيه!
стр. 421
و (عبد المطلب) نشأ في أخواله بني عدي بن النجار، مع أمه سلمى بنت عمرو النجاريّة الخزرجيّة، وكان أبوه (هاشم) رآها وهو في طريقه على المدينة (١)، فرأى امرأة حازمة جلدة، فأعجبته وعرف نسبها، وكانت لشرفها لا تنكح الرجال، حتى يشترطوا لها أن أمرها بيدها، فتزوجها (هاشم)، وشرطت الإقامة في قومها، فلما بني بها حملت ب (عبد المطلب)، وسمته (شيبة) لبياض في شعر رأسه، وكان (هاشم) ارتحل في تجارته إلى الشام، فمات بغزّة، وشب (عبد المطلب) بين لداته وأقرانه من فتيان يثرب، حتى كان يوماً مع غلمان من أخواله ينتضلون، فجعل كلما أصاب الهدف صاح مفتخراً: أنا ابن عمرو العلا، أنا ابن سيد البطحاء، فسمعه ثابت بن المنذر أبو حسان بن ثابت الشاعر وكان خليلاً لعمه المطلب - فلما قدم ثابت مكة معتمراً لقي المطلب، فقال له:
لو رأيت ابن أخيك شيبة فينا، لرأيت جمالاً وهيبة وشرفا! لقد نظرتُ إليه وهو يناضل فتياناً من أخواله، فَيُدْخل مَرْماتيه (أي سهميه) جميعاً في مثل راحَتي هذه، ويقول كلما خَسَق (أيَ أصاب الهدف) أنا ابن عمرو العلا، فشغُف بإحضاره إلى قومه وبلده، فأحضره ووقفه على ملك أبيه وسلّمه إليه!
والد النبيّ:
وجاء (عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم) .. جاء وقد شرف في قومه شرفاً عظيماً ..
وأمه فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزوميّة، من صميم البيت القرشي وقد
стр. 422
أنجبت لـ (عبد المطلب): أبا طالب، والزبير، وعبد الله، وأم حكيم البيضاء، توأمة عبد الله، وعاتكة، وبرة، وأميمة، وأروى (١)!
وجدة (عبد الله) لأبيه (سلمى) بنت عمرو النجارية، التي كانت -كما سبق- لا تنكح الرجال لشرفها في قومها، حتى يشترطوا لها أمرها بيدها، إذا كرهت رجلاً فارقته!
وجدته لأمه (تخمر) بنت عبد بن قصي القرشية ..
وتفرض علينا منهجية البحث أن نذكر حفر بئر زمزم، ونذر (عبد المطلب)، للصلة المباشرة بـ (عبد الله) والد النبي!
حفر زمزم:
روى ابن إسحاق وغيره بسند حسن ذكر حفر زمزم، قال:
وكان أول ما ابتدئ به (عبد المطلب) من حفرها، كما حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن عبد الله بن زرير الغافقي: أنه سمع علي بن أبي طالب ﵁، يحدث حديث زمزم، حين أُمر (عبد المطلب) بحفرها، قال:
قال (عبد المطلب): إني لنائم في الحِجر، إذ أتاني آتٍ فقال: احفر طِيبة، قال: قلت: وما طِيبة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءني آت فقال: احفر بَرّة. قال: فقلتُ: وما برّة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءني
стр. 423
فقال: احفر المضنونة (١)، قال: قلت: وما المضنونة؟ قال: ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر زمزم. قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف (٢) أبدًا، ولا تُذَم (٣)، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث (٤) والدم، عند نقرة الغراب الأعصم (٥)، عند قرية النمل (٦)!
قال ابن إسحاق: فلما بُيّن له شأنها، ودُلّ على موضعها، وعرف أنه قد صُدِق، غدا بمعوله، ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، ليس له يومئذ ولد غيره، فحفر فيها، فلما بدا لـ (عبد المطلب) الطّي (٧)، كبّر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا (عبد المطلب)، إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقاً، فأشركنا معك فيها، قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خُصِصْتُ به دونكم، وأُعطيته من بينكم، فقالوا له: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم، أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد هُذَيم، قال: نعم. قال: وكانت بأشراف الشام (٨)، فركب (عبد المطلب) ومعه نفر من بني (عبد مناف)، وركب من
стр. 424
كل قبيلة من قريش نفر قال: والأرض إذ ذاك مفاوز قال: فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز (١)، بين الحجاز والشام، فني ماء (عبد المطلب) وأصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا الهلكة، فاستَسْقَوْا من معهم من قبائل قريش، فأبَوْا عليهم، وقالوا: إنا بمفازة، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم. فلما رأى (عبد المطلب) ما صنع القوم، وما يتخوف على نفسه وأصحابه، قال: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأيُنا إلا تَبعٌ لرأيك، فمرنا بما شئت، قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه، بما بكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته، ثم واروْه، حتى يكون آخركم رجلاً واحداً، فضيْعَةُ رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعاً، قالوا: نِعْم ما أمرت به، فقام كل واحد منهم فحفر حفرته، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشاً، ثم إن (عبد المطلب) قال لأصحابه: والله! إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت، لا نضرب في الأرض، ولا نبتغي لأنفسنا، لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد .. ارتحلوا، فارتحلوا، حتى إذا فرغوا، ومن معهم من قبائل قريش، ينظرون إليهم ما هم فاعلون، تقدم (عبد المطلب) إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عينٌ من ماء عذب، فكبّر عبد المطلب، وكبّر أصحابه، ثم نزل فشرب، وشرب أصحابه، واستقَوْا حتى ملؤوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش فقال: هلمّ إلى الماء، فقد سقانا الله، فاشربوا واستقوا، فجاءوا فشربوا واستقوا، ثم قالوا: قد والله! قُضيَ لك علينا يا (عبد المطلب)، والله! لا نخاصمك في زمزم أبداً، إن الذي سقاك هذا
стр. 425
الماء بهذه الفلاة هو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى ساقيتك راشداً، فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلّوا بينه وبينها (١)!
وكان لحادث حفر بئر زمزم أثر خطير في ازدياد مكانة (عبد المطلب) رفعة وعلواً بين قومه، وفي بلده، بل بين العرب أجمعين (٢)، حيث يَسَّرَ الماء -وهو أعز شيء في وجود مكة ومنزلتها- على أهل الحرم، وعلى الحجيج كله، وعلى (عبد المطلب) نفسه، وهو صاحب مرتبتي الرفادة والسيادة، من مراتب السؤدد والشرف في قريش!
وكان (عبد المطلب) وقريش على يقين أن بالحرم إلى جوار البيت بئر أبيهم إسماعيل، وأنها عين ثرَّارَةٌ، لا تنزف أبداً، ولكن أين مكانها بالتحديد، هذا ما حيّرهم وصدّهم عن التفكير فيها طول مدة التاريخ الغابرة، وهم يتهيبون أن يجعلوا من ساحة المسجد منطقة تفتيش وتنقيب عن شيء، مهما بلغ عندهم من العزة، فإن عزّة البيت وحرمته فوق عزّته، وما أدراهم، إن هم أقدموا على البحث ألا يتعرضوا للهلاك، بل ما يدريهم ألا تضار جدران البيت من أثر البحث، بيد أن (عبد المطلب) كان أكثرهم شغلاً وتفكيراً في ذلك؛ لأنه صاحب السقاية، مكرمته ومكرمة أبيه من قبله، وآبار مكة التي يستقي منها الماء للناس في الموسم الأعظم متناثرة متباعدة، وليست كلها غزيرة الماء، مما يجعله