و (عبد المطلب) نشأ في أخواله بني عدي بن النجار، مع أمه سلمى بنت عمرو النجاريّة الخزرجيّة، وكان أبوه (هاشم) رآها وهو في طريقه على المدينة (١)، فرأى امرأة حازمة جلدة، فأعجبته وعرف نسبها، وكانت لشرفها لا تنكح الرجال، حتى يشترطوا لها أن أمرها بيدها، فتزوجها (هاشم)، وشرطت الإقامة في قومها، فلما بني بها حملت ب (عبد المطلب)، وسمته (شيبة) لبياض في شعر رأسه، وكان (هاشم) ارتحل في تجارته إلى الشام، فمات بغزّة، وشب (عبد المطلب) بين لداته وأقرانه من فتيان يثرب، حتى كان يوماً مع غلمان من أخواله ينتضلون، فجعل كلما أصاب الهدف صاح مفتخراً: أنا ابن عمرو العلا، أنا ابن سيد البطحاء، فسمعه ثابت بن المنذر أبو حسان بن ثابت الشاعر وكان خليلاً لعمه المطلب - فلما قدم ثابت مكة معتمراً لقي المطلب، فقال له:
لو رأيت ابن أخيك شيبة فينا، لرأيت جمالاً وهيبة وشرفا! لقد نظرتُ إليه وهو يناضل فتياناً من أخواله، فَيُدْخل مَرْماتيه (أي سهميه) جميعاً في مثل راحَتي هذه، ويقول كلما خَسَق (أيَ أصاب الهدف) أنا ابن عمرو العلا، فشغُف بإحضاره إلى قومه وبلده، فأحضره ووقفه على ملك أبيه وسلّمه إليه!
والد النبيّ:
وجاء (عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم) .. جاء وقد شرف في قومه شرفاً عظيماً ..
وأمه فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزوميّة، من صميم البيت القرشي وقد
стр. 422
أنجبت لـ (عبد المطلب): أبا طالب، والزبير، وعبد الله، وأم حكيم البيضاء، توأمة عبد الله، وعاتكة، وبرة، وأميمة، وأروى (١)!
وجدة (عبد الله) لأبيه (سلمى) بنت عمرو النجارية، التي كانت -كما سبق- لا تنكح الرجال لشرفها في قومها، حتى يشترطوا لها أمرها بيدها، إذا كرهت رجلاً فارقته!
وجدته لأمه (تخمر) بنت عبد بن قصي القرشية ..
وتفرض علينا منهجية البحث أن نذكر حفر بئر زمزم، ونذر (عبد المطلب)، للصلة المباشرة بـ (عبد الله) والد النبي!
حفر زمزم:
روى ابن إسحاق وغيره بسند حسن ذكر حفر زمزم، قال:
وكان أول ما ابتدئ به (عبد المطلب) من حفرها، كما حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن عبد الله بن زرير الغافقي: أنه سمع علي بن أبي طالب ﵁، يحدث حديث زمزم، حين أُمر (عبد المطلب) بحفرها، قال:
قال (عبد المطلب): إني لنائم في الحِجر، إذ أتاني آتٍ فقال: احفر طِيبة، قال: قلت: وما طِيبة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءني آت فقال: احفر بَرّة. قال: فقلتُ: وما برّة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءني
стр. 423
فقال: احفر المضنونة (١)، قال: قلت: وما المضنونة؟ قال: ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر زمزم. قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف (٢) أبدًا، ولا تُذَم (٣)، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث (٤) والدم، عند نقرة الغراب الأعصم (٥)، عند قرية النمل (٦)!
قال ابن إسحاق: فلما بُيّن له شأنها، ودُلّ على موضعها، وعرف أنه قد صُدِق، غدا بمعوله، ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، ليس له يومئذ ولد غيره، فحفر فيها، فلما بدا لـ (عبد المطلب) الطّي (٧)، كبّر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا (عبد المطلب)، إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقاً، فأشركنا معك فيها، قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خُصِصْتُ به دونكم، وأُعطيته من بينكم، فقالوا له: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم، أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد هُذَيم، قال: نعم. قال: وكانت بأشراف الشام (٨)، فركب (عبد المطلب) ومعه نفر من بني (عبد مناف)، وركب من
стр. 424
كل قبيلة من قريش نفر قال: والأرض إذ ذاك مفاوز قال: فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز (١)، بين الحجاز والشام، فني ماء (عبد المطلب) وأصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا الهلكة، فاستَسْقَوْا من معهم من قبائل قريش، فأبَوْا عليهم، وقالوا: إنا بمفازة، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم. فلما رأى (عبد المطلب) ما صنع القوم، وما يتخوف على نفسه وأصحابه، قال: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأيُنا إلا تَبعٌ لرأيك، فمرنا بما شئت، قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه، بما بكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته، ثم واروْه، حتى يكون آخركم رجلاً واحداً، فضيْعَةُ رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعاً، قالوا: نِعْم ما أمرت به، فقام كل واحد منهم فحفر حفرته، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشاً، ثم إن (عبد المطلب) قال لأصحابه: والله! إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت، لا نضرب في الأرض، ولا نبتغي لأنفسنا، لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد .. ارتحلوا، فارتحلوا، حتى إذا فرغوا، ومن معهم من قبائل قريش، ينظرون إليهم ما هم فاعلون، تقدم (عبد المطلب) إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عينٌ من ماء عذب، فكبّر عبد المطلب، وكبّر أصحابه، ثم نزل فشرب، وشرب أصحابه، واستقَوْا حتى ملؤوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش فقال: هلمّ إلى الماء، فقد سقانا الله، فاشربوا واستقوا، فجاءوا فشربوا واستقوا، ثم قالوا: قد والله! قُضيَ لك علينا يا (عبد المطلب)، والله! لا نخاصمك في زمزم أبداً، إن الذي سقاك هذا
стр. 425
الماء بهذه الفلاة هو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى ساقيتك راشداً، فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلّوا بينه وبينها (١)!
وكان لحادث حفر بئر زمزم أثر خطير في ازدياد مكانة (عبد المطلب) رفعة وعلواً بين قومه، وفي بلده، بل بين العرب أجمعين (٢)، حيث يَسَّرَ الماء -وهو أعز شيء في وجود مكة ومنزلتها- على أهل الحرم، وعلى الحجيج كله، وعلى (عبد المطلب) نفسه، وهو صاحب مرتبتي الرفادة والسيادة، من مراتب السؤدد والشرف في قريش!
وكان (عبد المطلب) وقريش على يقين أن بالحرم إلى جوار البيت بئر أبيهم إسماعيل، وأنها عين ثرَّارَةٌ، لا تنزف أبداً، ولكن أين مكانها بالتحديد، هذا ما حيّرهم وصدّهم عن التفكير فيها طول مدة التاريخ الغابرة، وهم يتهيبون أن يجعلوا من ساحة المسجد منطقة تفتيش وتنقيب عن شيء، مهما بلغ عندهم من العزة، فإن عزّة البيت وحرمته فوق عزّته، وما أدراهم، إن هم أقدموا على البحث ألا يتعرضوا للهلاك، بل ما يدريهم ألا تضار جدران البيت من أثر البحث، بيد أن (عبد المطلب) كان أكثرهم شغلاً وتفكيراً في ذلك؛ لأنه صاحب السقاية، مكرمته ومكرمة أبيه من قبله، وآبار مكة التي يستقي منها الماء للناس في الموسم الأعظم متناثرة متباعدة، وليست كلها غزيرة الماء، مما يجعله
стр. 426
يطمئن إلى كفاية الحجيج منها، وهو وحيد وليس معه إلا الحارث، وينو عبد شمس، وبنو عبد الدار، منافسوه في الشرف، يتربّصون به، وهنا تذكر الرواية التي معنا أن عبد المطلب أُريَ مكان زمزم مناماً، وهي رواية -كما قلنا- سندها حسن، وكلمة التاريخ في مصادره العربيّة متفقة على أن إسماعيل ابن إبراهيم ﵉، كانت له عين ماء إلى جوار مكان البيت الحرام، أغيث بها ليشرب هو وأمه!
وسبق أن عرفنا في حديثنا عن الخصيصة الأولى من خصائص الجزيرة، كيف أن هذه الجريرة كانت في عزلة موحشة، ونسيان شرود، وأن الرمال قد انفجرت عن زمزم، بعد أن قالت هاجر لإبراهيم حين أراد أن يتركها وإسماعيل، فيما رواه البخاري عن ابن عباس: (آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إِذن لا يضيعنا .. وكانت زمزم عيناً معيناً)!
وكذلك اتفقت كلمة التاريخ على أن هذه العين طمّت، وأن قريشاً لما سكنت مكة وعمرتها، ودانت لها بسلطانها الديني تقاسمت مراتب الشرف في بيوتاتها، فكانت سقاية الحجيج في بني (عبد مناف) يتوارثونها، حتى انتهت إلى (عبد المطلب بن هاشم)، وهو أحوج في هذا الموقف إلى الماء الغزير القريب!
نَذْر عبد المطلب:
ومر أبو جعفر الطبري على قصة حفر زمزم مروراً عابراً، فلم يحفل برواياتها، واكتفى بقوله في صدد الحديث عن مكانة (عبد المطلب)!
وهو الذي كشف عن زمزم، بئر إسماعيل بن إبراهيم (١)!
стр. 427
مع أنه روى قبل ذلك بسند حسن عن ابن عباس ﵄:
وقد كان (عبد المطلب) بن هاشم نذر إن توافى له عشرة رهط، أن ينحر أحدهم، فلما توافى له عشرة، أقرع بينهم. أيهم ينحر؟ فطارت القرعة على (عبد الله) بن عبد المطلب، وكان أحب الناس إلى عبد المطلب، فقال (عبد المطلب): اللهم هو أو مائة من الإبل؟ ثم أقرع بينه وبين الإبل، فطارت القرعة على المائة من الإبل (١)!
يقول الدكتور العمري (٢): ولم تحدد رواية صحيحة تاريخ عزم (عبد المطلب) على الوفاء بنذره بنحو عبد الله ابنه، لكن رواية ضعيفة من طريق الواقدي تذكر أن ذلك قبل مولد النبي ﷺ بخمس سنين (٣)، ولعل هذا يوافق ما ذكره موسى بن عقبة عن الصحابي حكيم بن حزام بن خويلد الأسدي -ابن أخي خديجة- قال: ولدت قبل الفيل بثلاث عشرة سنة، وأنا أعقل حين أراد (عبد المطلب) أن يذبح ابنه (عبد الله) (٤)!
والحادث يوحي بما خطه القدر الإلهي من ميلاد الرسول ﷺ من أبيه عبد الله ابن عبد المطلب!
стр. 428
الزواج المبارك: ونجد أنفسنا أمام الزواج المبارك، زواج عبد الله بآمنة ..
هذا عن النسب الشريف من الناحية التاريخية الثابتة التي لا خيال فيها ولا غرابة!
قصيدة أبي طالب:
قال أبو طالب (١):
إِذا اجتمعت يوماً قريشٌ لمَفْخَرٍ ... فعبدُ مناف سِرُّها وصميمُها
فإِن حُصِّلَت أشرافُ عبدِ مَنَافِها ... ففي هاشم أشرافُها وقديمُها
وإِن فخرت يوماً فإِن مُحمَّداً ... هو المصطفى من سرِّها وكريمُها
تداعت قريشٌ غَثُّها وسمينُها ... علينا فلَمْ تَظفر وطاشتْ حلُومُها
وكنّا قديماً لا نُقِرُّ ظلامةً ... إِذا ما ثَنوا صُعْرَ الخدود نُقيمُها
стр. 429
ونحمي حِماها كُل يومٍ كريهة ... ونضربُ عن أحجارها من يرومُها
بنا انْتعشَ العُودُ الذَّواء وإِنما ... بأكنافنا تَنْدى وتنمي أرُومُها
قصيدة العباس:
وقال العباس بن عبد المطلب ﵁:
مِنْ قبلها طِبت في الظلال وفي ... مُستودعٍ حيثُ يُخصْفُ الوَرَقُ
ثم هبطت البلاد لا بشَرٌ أنْـ ... ـتَ ولا مُضْغةٌ ولا عَلَقُ
بل نُطفةٌ تركب السَّفينَ وقد ... ألجمَ نسراً وأهله الغرقُ
تُنْقلُ من صُلب إِلى رحمٍ ... إِذا مضى عالمٌ بدَا طبقُ
حتى احتوى بيتك المُهيمن مِنْ ... خِنْدفَ علياءَ تحتها النُّطقُ
وأنت لما ولِدت أشرقت الأرْ ... ضُ وضاءت بنورِكَ الأفقُ
стр. 430
فنحن في ذلك الضياء وفي الـ ... نُور وسُبُل الرشادِ نَخْتَرِقُ
قصيدة الناشئ:
يقول الحافظ ابن كثير:
وما أحسن ما نَظم النسبَ النبويّ أبو العباس عبد الله بن محمد الناشئ،
في قصيدته المشهورة المنسوبة إليه، وهي قوله (١):
مدحتُ رسول الله أبغي بمدحه ... وُفور حُظوظي من كريم المآربِ
مدحت امرءاً فاق المديحَ مُوحداً ... بأوصافه عن مُبعد ومُقاربِ
نبيًّا تسامى في المشارق نورُهُ ... فلاحت هَوَاديه لأهل المغاربِ
أتتْنا به الأنباء قبل مجيئه ... وشاعت به الأخبارُ في كل جانبِ
وأصبحت الكُهَّانُ تهتف باسمِه ... وتَنْفي به رجْم الظُّنون الكواذبِ
стр. 431
وأُنطقت الأصنامُ نُطقاً تبرّأت ... إِلى الله فيه من مقال الأكاذبِ
وقالت لأهل الكفر قولاً مُبيَّناً: ... أتاكم نبيٌّ من لؤيِّ بن غالبِ
وذكر بعض المعجزات .. ثم قال:
تأبّى بعبد الله أكرم والدٍ ... تبلَج منه عن كريم المناسبِ
وشيبةَ ذي الحمد الذي فَخَرَتْ بِهِ ... قريشٌ على أهل العُلا والمناصبِ
ومَنْ كان يُستسقى الغمام بوجهه ... ويُصدرُ عن آرائه في النوائبِ
وهاشم الباني مشيد افتخاره ... بغُرّ المساعي وامتنان المواهبِ
وعبدِ مناف وهو عَلَّم قومه اشْـ ... تِطاطَ الأماني واحتكام الرَّغائِبِ
وذكر النسب الشريف إلى إسماعيل .. ثم قال:
هم نسل إِسماعيل صادق وعْده ... فما بعده في الفجر مسْعًى لذاهبِ
стр. 432
وكان خليل الله أكرم مَنْ عَنَتْ ... له الأرضُ من ماش عليها وراكبِ
ومضى في ذكر النسب بعد ذلك .. إلى أن قال:
وكان رسول الله أكرم مُنجبٍ ... جرى في ظُهور الطيبين المناجبِ
مقابلةٌ آباؤه أُمَّهاته ... مُبرأةٌ من فاضحات المثالبِ
عليك سلامُ الله في كل شارق ... ألاح لنا ضوءًا أو في كل غاربِ
قصيدة الخطيب:
وقال عبد الحميد الخطيب (١):
وهو الذي حفظ الإِله من السفا ... ح أصوله من مبدأ الخلقاتِ
من آدم وإِلى أبيه وأمه ... فغدا بحق صفوة الصفواتِ
فهو (ابن عبد الله) من في وجهه ... لاحت نبوة سيد السادات
стр. 433
(وأبوه) حقاً (عبد مطلب بن ها ... شم من إِليه يمت بالكنياتِ
وهو (ابن عبد مناف بن قصي) من ... سمي بذاك لكثرة الغرباتِ
(وحكيم والده) الذي يدعى كلا ... ب وابن مرة) صادق الكلماتِ
(كعب لؤي ثم غالب ثم فهر ... ثم مالك) طيب العتراتِ
(والنضر) ثم (كنانة) و (خزيمة) ... وكذاك (مدركة) من النخباتِ
(إِلياس) من (مضر) (نزار) من "معـ ... ـدٍ" وهو من (عدنان) في الحقباتِ
هو من (لإِسماعيل) حقاً قد نمى ... وإِلى (خليل الله) بالنسباتِ
فأبوه (عبد الله) من نسل الذبيـ ... ـح وأمه من هذه الدوحاتِ
إِذ إِنها من نسله ومن (الحكيم) ... تفرعا في غابر السنواتِ
стр. 434
هي بنت وهب واسمها قد كان ... (آمنة) وكانت أشرف الفتياتِ
ولقد تزوجها أبوه وعندما ... حملت به في أشرف البقعاتِ
قد سار نحو الشام ثم بيثرب ... حول القضاء فكان من أمواتِ
ولقد توارى في ثراها والرسو ... ل ببطن آمنة من المضغاتِ
شرف نسب النبي:
أما عن الأحاديث الواردة في شرف نسب النبي ﷺ فكثيرة .. وحسبنا أن نذكر ما رواه مسلم وغيره عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِن الله اصطفى كنانة من ولد إِسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" (١)!
وفي رواية لأحمد بسند حسن عن المطلب بن أبي وداعة قال: قال العباس: بلغه ﷺ بعض ما يقول الناس، قال: فصعد المنبر فقال: "من أنا"؟ قالوا: أنت رسول الله! فقال: "أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إِن الله خلق الخلق، فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين، فجعلني في
стр. 435
خير فرقة، وخلق القبائل، فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتاً، فجعلني في خيرهم بيتاً، فأنا خيركم بيتاً، وخيركم نفساً" (١)!
وفي رواية لمسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفّع" (٢)!
وفي رواية للترمذي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وبيدي لواء الحمد، ولا فخر، وما من نبي يومئذ، آدم فَمن سواه، إِلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض، ولا فخر" (٣)!
قال النووي: قال الهروي: السيد هو الذي يفوق قومه في الخير، وقال غيره: هو الذي يُفزع إليه في النوائب والشدائد، فيقوم بأمرهم، ويتحمل عنهم مكارههم، ويدفعها عنهم!
وأما قوله ﷺ : "يوم القيامة" مع أنه سيدهم في الدنيا والآخرة، فبسبب التقييد أنه في يوم القيامة يظهر سؤدده لكل أحد، ولا يبقي منازع ولا معاند ونحوه، بخلاف الدنيا، فقد نازعه ذلك فيها ملوك الكفار وزعماء المشركين، وهذا التقييد قريب من معنى قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر]!
стр. 436
مع أن الملك له سبحانه قبل ذلك، لكن كان في الدنيا من يدعي الملك، أو من يضاف إليه مجازاً، فانقطع كل ذلك في الآخرة!
قال العلماء في قوله: "ولا فخر": وإنما قاله لوجهين:
أحدهما: امتثال قوله تعالى:
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى]!
والثاني: أنه من البيان الذي يجب تبليغه إلى أمته، ليعرفوه ويعتقدوه، ويعملوا بمقتضاه، ويوقروه ﷺ ، بما تضي مرتبته، كما أمرهم تعالى!
وهذا الحديث دليل لتفضيله ﷺ على الخلق كلهم؛ لأن مذهب أهل السنة أن الآدمين أفضل من الملائكة، وهو ﷺ أفضل الآدمين وغيرهم (١)!
ترى، هل يقبل بعد ذلك تعريض الدكتور طه حسين بنسب النبي ﷺ ، وتحقيره من قدره، بعبارة خالية من كل احترام -على حد تعبير رئيس النيابة كما سبق- وبشكل تهكمي غير لائق؟! وهل تقبل شبهات المستشرقين والمستغربين في ذلك؟!
وُلد الهُدى:
وسبقت الرسول ﷺ في الوجود بركاته (٢)، وولد عام الفيل (٣)!
والمعروف المشهور أن الرسول ﷺ ، ولد يتيم الأب.
стр. 437
قال ابن كثير: وهذا أبلغ اليتم وأعلى مراتبه (١)!
وقد صحت الرواية بذلك في صحيح مسلم من حديث طويل.
قال ابن شهاب: (وكان من شأن أم أيمن، أم أسامة بن زيد، أنها كانت وصيفةً لعبد الله بن عبد المطلب، وكانت من الحبشة، فلما ولدت آمنة رسول الله ﷺ ، بعد ما توفي أبوه، فكانت أم أيمن تحضنه، حتى كبر رسول الله ﷺ ، فأعتقها) (٢)!
ومكان ولادته ﷺ معروف بمكة مشهور ..
وإن وقوع حوادث كونيّة تخفى على العقول أسبابها في حينها، وعواملها المنشئة، وهو ما نسميه بالأعاجيب، ويُسمّى في مشهور عرف العلماء بالإرهاصات إن وقع قبل النبوة، وبالمعجزات إن وقع في زمان النبوة (٣)، أمر قامت على جوازه ووقوعه الدلائل من النصوص القطعية في الكتب السماوية، والنقول التاريخية التي بلغت في جملتها مبلغ التواتر القاطع، ومن البراهين العقليّة التي تقرّر هذه السنن الخاصة، وقيّوميّة الخالق عز شأنه، وإطلاق قدرته من قيود القوانين، والعادات المعلومة، في حدود مدارك العقول الإنسانيّة، إلى سنن كونيّة، وقوانين للوجود، فوق آمال تلك العقول، تحدث على وفقها تلك الأحداث الكونيّة، والأعاجيب الإعجازيّة، إذا تطلبتها أسابها، وحانت مناسباتها، والله فعّال لما يريد!
стр. 438
والقرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قصّ علينا في قصص الأنبياء بعض آياتهم المعجزة من الأحداث الكونيّة التي وقعت على أيديهم مما جرى مجرى التشريف والتكريم، ومما تحدّوا به أقوامهم، مما لا يمكن أن يدخل تحت سنّة من سن الحياة المعروفة للعقول، والمعهودة في عادات الناس ومألوفهم .. وقد سمى القرآن بعض تلك الآيات الكونيّة المتحديّة براهين، فانقلاب عصى موسى حيّة تسعى، وإخراج يده بيضاء من غير سوء، وانفلاق البحر له ولقومه، ونتق الجبل فوقهم كالظلة!
وإحياء عيسى للموتى، وإبراؤه الأكمه والأبرص، وإنباؤه قومه بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم .. وخلقه من غير أب، وإيتاء أمه مريم ﵇ رزقاً دون حركة آليّة، أو تسبب، مما بعث كافلها زكريا ﵇ على التعجب!
ونقل عرش بلقيس من المسافة البعيدة في أسرع من لمح البصر!
وما وقع لأصحاب الكهف!
وعدم إحراق النار إبراهيم ﵇!
وسائر آيات الأنبياء في قصصهم التي لا تحتمل تمحّلاً ولا تأويلاً .. كل ذلك من الأعاجيب المعجزة، والخوارق التي وقعت فعلاً، وشاهدها الوجود واستفاضت بها روايات التاريخ بنقل الأجيال عن الأجيال، منذ كانت النبوة لبني الإنسان إلى يوم الناس، استفاضة تدفع بمنكريها إلى محابس الممرورين، وذوي العته العقلي، ونقص التكوين الإدراكي!
وإذا ثبت وقوع الأعاجيب المعجزة، والحوادث الكونيّة الخارقة لمعروف
стр. 439
العقول في سنن الحياة، فالنظر فيما يُروَى منها جُملة في سيرة الرسول ﷺ قبل نبوّته أو في زمنها يجري على سنن تلك الآيات وقوانينها، ويبقى على الباحث النظر في إثبات أفراد تلك الحوادث والجزئيّات التي سجلتها السيرة النبويّة، فما ثبت بطريق صحيح السند، صادق الرواية، وجب قبوله والإذعان بوقوعه؛ لأن رده أو التشكيك فيه بعد ثبوته بهذه الطريقة التي لا طريق للإثبات التاريخي فوقها، والتي التزمناها في هذه الدراسات، ردٌّ لبرهان العقل القاطع، وردٌّ للنصوص القطعيّة في إثبات الآيات المعجزة، ولا فرق بين آية وآية، وردُّ البرهان العقلي والدلائل القطعية، إلحاد في الدين، أو جهل بسنن الله، أو تشكيك في قدرة الله!
٢ - التربية الإلهيّة:
وثاني ما يطالعنا: التربيّة الإلهية .. ونبصر معالمها فيما يلي:
شق الصدر:
كان لموت عبد الله بن عبد المطلب، وهو في مقتبل شبابه، أثر من الحزن الفادح، والألم الممض على نفس أبيه الشيخ، الذي أفنت السنون جلده وناء بأثقالها، فلما بشر بميلاد حفيده محمد ﷺ صب به صبابته بأبيه من قبله، وقد كان أحب أبناء عبد المطلب إليه، وحظي محمد ﷺ عند جده حظوة لم تكن لأحد من ولده، فأخذه من مهده بين يديه، وطاف به حول الكعبة يباركه ويدعو له، ويستعذب النظر إليه، في حنان الأبوة الثاكلة، ثم رده إلى أمه، وأخذ يفكر ويقدر، ويطلب له المراضع، وقد كان ذلك من عادة أشراف قريش، اتقاء لوخامة المدن، ووضر الحواضر، وتخريجاً في التعرب
стр. 440
والتفاصح، وانتجاعاً لجو البادية صحة، وانطلاقاً مع مظاهر الطبيعة في الأرض والسماء (١)!
وكانت المرضعات يردن مكة في المواسم تطلباً للرضع الذين يؤملن فيهم جِدَة وسعة من العطاء، وكان في قبائل العرب وبيوتاتهم بيوت وقبائل عرفت بخصب الدر، ونقاء الجو، وصفاء الطبيعة، وفصاحة اللهجة، ونصاعة البيان، ونقاء المربي، منهم بنو سعد بن بكر، من قبيلة هوازن المعروفة بتعربها وفصاحتها، فأقبلن على غيره، وأعرضن عنه؛ لأنه يتيم، وكن يرتجين وسيع المطايا، وغامر المنح من آباء الأطفال، وكان في نساء بني سعد حليمة بنت عبد الله بن الحارث!
ورضاع النبي ﷺ في بني سعد من قبل حليمة السعديّة ثابت من طرق سيأتي ذكرها!
وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره - كما سبق في ردنا على الدكتور هيكل في موقفه من حديث شق الصدر- أن ذلك قد وقع للرسول ﷺ ، وهو صغير مسترضع في بادية بني سعد!
موقف عجيب:
بيد أن الشيخ (محمد أبو زهرة) ﵀ ذكر ما رواه مسلم وغيره عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء
стр. 441
زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إِلى أمِّه (يعني ظئره) فقالوا: إِن محمداً قد قتل: فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره (١)!
وقال: وإننا نلاحظ في ذلك الخبر أمرين (٢):
أولهما: أن الخبر فيه أنه غسل بماء من زمزم، ويلاحظ أن الواقعة إن صحّت كانت في البادية، في مكان ناء عن زمزم، وإذا كان من ماء مع جبريل، فمن أين علم أنه من زمزم؟!
وثانيهما: أنه ذكر أنه كان يرى أثر المخيط في صدره ﵇ وإذا صحت الواقعة فإن المعقول أنه عمل ملك، والملك لا يكون لعمله أثر محسوس!
ونحن نرى أن الأخبار بالنسبة للشق لا تخلو من اضطراب!
وعلى فرض أنها صحيحة، لا نقول إنها غير مقبولة، بل إنا نقبلها إن صحت، ولكن الاضطراب في خبرها يجعلنا نقف غير رادّين ولا مصدقين!
وهذا موقف عجيب، فالرواية صحيحة، ولا وجه لما ذهب إليه بحال!
السنن العامة والخاصة:
وشق الصدر من الإنسان حسيًّا، وإخراج قلبه المحسّ المعروف في التكوين الجسمي للإنسان بأنه لحمة صنوبريّة الشكل داخل القفص الصدري (٣)،
стр. 442
وسطه مائلاً إلى الجهة اليسرى قليلاً في الأعم الغالب، وتتصل به مفاتيح الحركة الدمويّة، ومغاليقها، وقنواتها .. ثم فتح هذا القلب فتحاً ماديًّا حسيًّا، وإخراج علقة دمويّة منه، وغسله بالماء ثم إعادته إلى مكانه بعد خياطته، وخياطة الصدر، والتئامه مع بقاء الحياة الإنسانيّة بعد ذلك .. كانت أموراً تأباها قوانين الحياة العامة، وتنكرها معارف العقول، وتردها أبسط قضايا العلم، وبداءة المنطق في تاريخ الحياة، ما دام الإنسان لم يؤمن بالله وبقدرة الله!
فإذا وقعت وشهدتها الحياة الوجوديّة، كانت من غير شك جارية على غير ما ألفته العقول من سنن الحياة، وعلى غير ما عرفه العلم التجريبي في قوانين الحياة، بل تكون جارية على سنن خاصة خارقة لمتعارف العقول، متخطية قضايا العلم في تجاربه الحسيّة!
وهذه السنن الخاصة لا ينكرها العقل؛ لأنه دائب البحث في أسرار الكون وسنن الله فيه، ولا يزال يكشف عن كثير من هذه الأسرار والسنن بما كان يجهله!
ولم يقف هذا العقل عند هذه القضايا العلميّة المعروفة له باعتبارها نهايات لمدركاته، ولم يؤمن بأنها هي الغاية لجولاته في الكون المحجّب بسحائب الغيب؛ بل هو مؤمن أشدّ الإيمان أن وراء ما وصل إليه من حقائق أموراً كثيرة لم تُكتشف له، وهو دائب العمل في سبيل إدراك المجهول من حقائق الكون، وسنن الله المنظمة لوجود هذا الكون العظيم!
والراسخون من علماء الكونيّات يرون أن ما وصلوا إليه في الكشف عن
стр. 443
بعض أسرار الحياة إنما هو قطرة من محيط العجائب الكونيّة والسنن الإلهيّة، ولم يدّع أحد منهم أن العقل يستطيع أن يصل إلى مجهول الأسرار جميعها في هذا الكون العظيم!
آيات الله:
وجيلنا اليوم -وهو في أول القرن الخامس عشر الهجري- يشهد أعمالاً في طبّ الجراحة وزرع الأعضاء الداخليّة والخارجيّة في جسم الإنسان وسائر الحيوان، كانت في الماضي من المحاولات في نظر العقل والعلم، ولا نذكر هذا لنفسر به المعجزات الإلهيّة التي يُجريها الله تعالى على مقتضى سنن إلهيّة خاصة، تختلف في أسلوبها وحقائقها مع أسلوب وحقائق السنن الإلهيّة العامة، وكلها من عند الله!
ومن ثم كان وقوع هذا الحدث الخطير للرسول ﷺ من أعجب الأعاجيب الكونيّة، وأعظم خوارق السنن العامة، وأضخم الآيات الحسيّة التي تحيلها عادات الناس ومألوفاتهم، وتستبعدها عقول غير المؤمنين بالنظر لمعارفها من سنن الحياة العامة المتكررة، وبالنظر إلى قضايا العلم التجريبي!
ومجرد إحالة العادة المألوفة للناس في مجرى حياتهم العامة، ومجرد استبعاد العقول المقيِّدة بأغلال الحسّ والحواسّ، وسنن الحياة العامة المكررة، لا يكفي كل ذلك للحكم بعدم الوقوع، وتبقى المسألة في دائرة الإمكان، مستندة إلى سلطان القدرة الإلهية، والإرادة الربانيّة، التي لا تتقيّد بسنن الحياة العامة، ومعروف العقل القاصر، وقضايا العلم المادي؛ لأن الله تعالى الذي خلق هذه السنن العامة لنظام الحياة، وأوصل العقول إلى معارفها، وهداها إلى قضايا العلم، هو الذي يخلق سنناً لأحداث يُجريها في أوقاتها ومناسباتها!
стр. 444
فليس من العدل العلمي، ولا من الإنصاف العقلي، تحكيم متعارف العقول، وقضايا العلم المادي، ومألوف الناس في عاداتهم وتجاربهم في سنن الله، وتقييدها بما عُرف من قضايا تجريبيّة أو معارف عقليّة!
ولو حُكّم متعارف عقول غير المؤمنين، ومألوف العادات في فهم سنن الله تحكيماً مطلقاً، لبطلت أصول الرسالات السماوية؛ لأن العادات، ومتعارف هذه العقول، وقوانين المنطق المادي، لا تُدرك حقيقة النبوة، فتُحيلها بصورتها الدينيّة؛ لأن النبوة قائمة على الوحي، وهو معنى لم تحدد حقيقته بغير الاتصال البشري بالملأ الأعلى الذي هو غيب مطلق في حقيقته، وطريق الاتصال به من قبل البشر، واتصاله بالبشر، وكل ما يعرفه العلم الديني عن الوحي أنه يتم باتصال فرد من البشر يصطفيه الله لنبوته، بروح علوي، تسميه الشرائع السماويّة (مَلكاً) وهو أمر يجهل العقل الإنساني حقيقته، وفي هذا الاتصال تتلقى الشخصيّة البشرية عن هذا الروح العلوي أموراً من قِبل الحق، هي شرائعه التي يتعبّد الله بها خلقه، وينظم بها حياتهم، ليقوم الناس بالقسط!
وهنا يتساءل العقل الإنساني:
كيف يتصل فرد من البشر بما فيه من خصائص البشريّة بـ (ملَك) بما له من خصائص الملكوتيّة؟
وكيف يتلقّى عنه ما يبلغه عن الله تعالى؟
ثم يتساءل العقل مرة أخرى:
كيف يتلّقى الملَك عن الله ما يؤديه إلى آحاد البشر؟
ولا ريب أن العقل سيقف أمام هذا التساؤل في جانبيه حائراً، لا يحير جواباً
стр. 445
يطمئن إليه في حدود معارفه، وقضايا علمه، وأقيسة منطقه، ولا يُخرجه من هذه الحَيْرة إلا التسليم والإقرار بأنه ليس من حقه أن يرفض جميع ما لم يعلم، ولا جميع ما لم يفهم؛ لأنه أمام نفسه يعلم أنه لم يُحط خُبراً بكل ما يمكن أن يُعلم، وأن الذي يجهله من سنن الكون أكثر بكثير مما علمه!
وإذا انتهى العقل إلى هذا الموقف وجب عليه أن يسلّم بقوة القدرة الإلهيّة على الخلق والإبداع، واتساع سنن الله تعالى في الكون بما يستطيع أن يصل إليه من البراهين القاطعة على قهر القدرة الإلهيّة لقوانين الطبيعة، وما وصل إليه العلم والعقل من سنن الحياة في الكون، وأن يسلّم بمطلق تصرفاتها ليسهل عليه الإيمان بما صح الإخبار به من أحداث لم تجر على مقتضى معروف من العلم، وإنما جرت على مقتضى نمط خاص في سنن الله تعالى!
فالتقيّد بحكم العادة المتكررة، ومجرد متعارف العقول، وقضايا العلم المادي، هادم لقضايا أصول الشرائع السماويّة، فالذين يتشبّثون بهذا التقييد في فهم حقائق الأحداث الكونية يجعلون من معارف العقل وقضايا العلم حواجز أمام فهم سنن الله تعالى في الكون، وهم عندئذ بين أمرين:
إما إيمان ينتهي بهم إلى التسليم بالعجز عن إدراك بعض الحقائق الكونيّة التي جاءت بها الرسالات السماويّة بأخبار ثابتة الصحة عن طريق الرواية والدراية!
وإما إلحاد ينكر جاحداً أصل الرسالات الإلهيّة، فلا يبقى -في نظرهم- بين الحقائق الوجوديّة نبوة ولا رسالة من الله إلى الخلق، وهذا ما انتهى إليه ملاحدة الماديّين من كل مَنْ حكَّم الحسّ، وأنزل العقل عن منزلته إلى هاوية الحسّ المادي!
стр. 446
وجميع المؤمنين بالرسالات السماويّة -عامتهم وخاصتهم- يطمئنون إلى أن هذا اللون من العجز هو محض الإيمان الذي يأخذ بيد صاحبه إلى ساحة رضا الله تعالى، وهو في حقيقته تكريم للعلم وللعقل!
منهج القرآن:
ورد ما يعتاص فهمه على العقول من الأحداث لعدم جريه على مقتضى معارف العقل، وقضايا العلم، إلى سلطان القدرة الإلهيّة في الخلق والإبداع، وإلى الإيمان بأن الله تعالى يفعل في ملكه ما يشاء كما يشاء، هو نهج القرآن الكريم!
قصة زكريا:
وفي قصة زكريا ﵇ حينما بُشِّر بأن الله تعالى سيرزقه غلاماً، وكان قد بلغ من الكبر سن اليأس والجفاف الذي لا يكون معه ولادة وإنجاب، وكانت امرأته عقيماً لا تلد، فتعجّب من أمر نفسه، أن يخرج منه ومن زوجه ولد، وهما على حالهما التي لا يظهر فيها سبب قريب أو بعيد لإخراج الولد منهما، وعبّر عن تعجّبه بما حكاه القرآن عنه في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ (آل عمران: ٤٠)!
فجذبه الحق من دائرة الأسباب والتقيّد بالسنن العامة، إلى حظيرة الإطلاق والسنن الخاصة، فقال له في نفس الآية:
﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠)﴾!
أي شأنُ الله في الإيجاد والإبداع فوق الأسباب ومتعارف العقول
стр. 447
والعادات، وكيف تقيّده الأسباب والسنن وهو خالقها ومبدعها، فقدرته تعالى على إبراز الأحداث من الغيب إلى الوجود العيني لا تتقيد بأسباب جرت بها السنن العامة في نظام الكون؛ لأن وراء هذه الأسباب والسنن العامة أسباباً وسنناً خاصة، يفعل بها ما يشاء كما يشاء، متى شاء، ولذلك زاد نبيّه زكريا تلطّفاً في جذبه إلى حظيرة الإطلاق، عندما سجّل القرآن الكريم قصّته أيضاً في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ (مريم)!
فنبّهه إلى ما هو أعظم من الجاد الولد منه ومن زوجه، وهما على حالهما من البعد عن الإنجاب، فقال له عقب هذه الآية مباشرة: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ (مريم)!
مريم وعيسى:
وفي قصة مريم ﵍ حينما بُشِّرت بالولد من غير أب، عجبت من أمر نفسها أن تأتي بولد وليس لها زوج، يكون منه الولد، في مجرى العادة، ومتعارف العقول، وعبّرت عن عجبها بما حكى القرآن عنها:
﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾!
فنبّهها الله تعالى إلى مطالع جلاله، وعظيم قدرته، حتى لا تقف مع الأسباب والسنن العامة، ومتعارف العقول، ومجريات العادة، فقال لها في نفس الآية: ﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾!
أي أن شأن الله تعالى ألا تتقيّد قدرته في إيجاد ما يشاء بما تعرفه العقول، وتعهده العادات من أسباب، وإنما مرد أمره في الخلق والإبداع إلى قضائه، فإذا
стр. 448
قضى الأمر كان ما قضاه بكلمته وحكمته، كما جاء في ختام نفس الآية:
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾ (آل عمران)!
إبراهيم وسارة:
وفي قصة إبراهيم ﵇ وزوجه أم إسحاق ﵇ لمَّا بُشِّر بالولد من زوجه العجوز العقيم، وهو شيخ كبير عتا عن الإنجاب، عجبت امرأته من أمرها وأمر زوجها فرحة ضاحكة من شدة سرورها بالبشرى، وقالت معبرة لوقوفها آنذاك مع الأسباب والسنن العامة: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)﴾ (هود)!
فنبّهها الملائكة المبشرون إلى أن هذا الإنعام من أمر الله الذي لا يتقيّد بظواهر الأسباب، ولا ينبغي التعجّب من أمر الله؛ لأن أمره جل شأنه فوق الأسباب والسنن العامة، ومتعارف العقول، ومجاري العادات في الكون؛ لأن الله تعالى يفعل من الأسباب والمسببات ما يريد!
العقل والعلم:
وعلى الذين يؤلّهون العقل، ويتعبّدون لمعارفه، ويجمدون مع متكرّر العادات أن يكفكفوا من غوائلهم في تفسير الأحداث الكونيّة في الإنسان وفي غيره من سائر الموجودات، فما اتضح لهم تفسيره واطمأنوا إليه قبلوه -بحمد الله- وإن لم يتضّح لهم تفسير بعض الأحداث لاذوا بالتواضع العلمي، ووضعوا نصب أعينهم هذا القانون الإلهي المعبّر عن أصدق ما وصل إليه العقل والعلم، وما يمكن أن يصلا إليه:
стр. 449
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ (الإسراء)!
وهم يعلمون أن العقل والعلم عجزا عن تفسير كثير من الحقائق الكونيّة، وهما دائبان على البحث وراءهما، عساهما يصلان إلى شيء مما عجزا عنه!
وحسب الباحثين أن يقفوا مع العقل والعلم في أوج توثّباتهما الفكريّة والتجريبيّة، ليعلموا -إن كان هناك وسيلة للعلم- ما شأن الحياة بأعم معانيها في الكون؟
وماذا بلغ العقل والعلم من الكشف عن حقيقتها، ما هي؟ وما كنهها؟ والحياة بها كل شيء في الوجود، أو هي كل شيء، فإذا كان العقل والعلم لم يصلا إلى معرفة حقيقتها في عمومها، ولم يصلا إلى حقيقتها في الإنسان خاصة، فكيف يعطى العقل والعلم حق التحكم في تفسير الأحداث الدينيّة التي تستند إلى أمور غيبيّة لا تزال محجوبة عنها؟
إن العلم والعقل لهما مكانتهما التي لا تجحد، وبهما تتقّدم الحياة نحو الكشف عن المجهول، وعلى المعتصمين بالعلم والعقل أن يسيروا معهما في حدود مبلغ أمرهما، دون أن يتجاوزوا بهما طبيعتهما في تفسير الأحداث!
وجوب التسليم:
وإن الفيصل في قبول ما يروى من أحداث كونيّة، وأعاجيب خارقة لنواميس السنن العامة في الكون، مما جرى على أيدي أنبياء الله ورسله، هو صحة الرواية صحة لا تتعرض لطعن في النقل أو تجريح في السند، ثم بعد ذلك وجوب التسليم بما صح الإخبار به، وردّ إبداعه إلى الله تعالى، وعظيم قدرته، وبالغ حكمته!
стр. 450
وقصة شق الصدر سبيلها هذه الأحداث الكونيّة الدينيّة .. وقد سبق ذكر الروايات الصحيحة!
حقائق التاريخ:
وقد تكلم العلماء فأوسعوا في شرح ألفاظ القصة، وذكروا حكمتها، وحكمة كل فعل روي فيها، من الغسل بماء زمزم أو غيره، ونزع العلقة، وذرّ السَّكينة، وإدخال الإيمان والحكمة والرأفة والرحمة، بما لا يدع مجالاً لمؤمن في التوقف عن قبول القصة، والإيمان بها .. ولا عبرة بعدم اطمئنان المستشرقين وجماعة المستغربين من الباحثين المعاصرين إلى القصة ووقوعها!
وأما غمز القصة بطفوليّة الرسول ﷺ ، واستعظام ما حدث به على سنه في الرواية، فهذا من قبيل الإيهام المضلل!
وقصد شق الصدر سبيلها سبيل هذه الأحداث الكونيّة الدينيّة، فما شأن الروايات التي تحدثت بها؟
وقد سبق أن ذكرنا رواية مسلم في ذلك!
والحديث مع هؤلاء في وقع القصة، لا في زمانها ومكانها؛ لأن ذلك تحقيق تاريخي، لا يضير البحث ألا يؤمنوا به!
وكيف يستعظم تحدث الرسول ﷺ على سنه، والأمر كله من قبيل الإعجاز؟ على أن تحدثه ﷺ كان وهو نبيّ رسول، إذ سئل من بعض أصحابه، كما روى أحمد وغيره بسند حسن من طريق بقية، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن ابن عمرو السلمي، عن عتبة بن عبد السلمي، أنه
стр. 451
حدثهم أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال: "كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بَهم (١) لنا، ولم نأخذ معنا زاداً، فقلت: يا أخي، اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق أخي، ومكثت عند البَهم، فأقبل طائران أبيضان، كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهُوَ هُوَ؟ قال: نعم، فأقبلا يبتدراني، فأخذاني فبطحاني إِلى القفا فشقّا بطني، ثم استخرجا قلبي، فشقّاه، فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه - قال يزيد في حديثه: ائتني بماء ثلج - فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء بَرَد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة، فذرّاها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: حُصه (٢)، فحاصه، وختم عليه بخاتم النبوة،- وقال حيوة في حديثه: خصه فخمه واختم عليه بخاتم النبوّة، فقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفّة واجعل ألفاً من أمته في كفّة، فإِذا أنا انظر إِلى الألف فوقي، أُشفق أن يخر عليّ بعضهم، فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم، ثم انطلقا وتركاني، وفرِقت فرَقاً شديداً، ثم انطلقت إِلى أمي، فأخبرتها بالذي لقيته، فأشفقتْ عليّ أن يكون أُلْبِسَ بي، قالت: أعيذك بالله! فرحلت بعيراً لها فجعلتني -وقال يزيد: فحملتني- على الرحل، وركبت خلفي، حتى بلغنا إِلى أمي، فقالت: أو أدّيت أمانتي وذمّتي؟
стр. 452
وحدّثَتْهَا بالذي لقيت، فلم يَرُعْها ذلك، فقالت: إِني رأيت خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام" (١)!
وهكذا يتضح أن الرسول ﷺ ، سئل وهو نبي رسول، فأجاب بما جاء في هذه الرواية!
والذي يعني البحث أن قصة شق الصدر حادث كوني، ومعجزة عجيبة، وقعت للرسول ﷺ ، وجاءت بها الروايات الصحيحة الثابتة، ولا يردها تشكيك مستشرق ولا مستغرب ولا متعوقل ولا متعالم، ولم يتخذ منها النبي ﷺ آية للتحدي والبرهنة على صدق رسالته، كغيرها من المعجزات الكونيّة، والخوارق العجيبة قبل البعثة أو بعدها!
ونحن نعلم أن هذا اللون من الآيات المعجزة لو لم يذكر في سيرة الرسول ﷺ لم يُنقص من جلالها شيئاً، وأن معجزته العظمى الخالدة التي حملت بين طواياها التحدي بها هي (القرآن العظيم)، ولكن حقائق التاريخ يجب أن يرتفع بها البحث إلى قدس الحق، بعيداً عن التعصّب الحقود، والتقليد الأبله، والتأثر بالنزعات المجافية لحقيقة الدين والإيمان به!
وعلى الذين يؤرخون لحياة الرسول ﷺ ويكتبون في سيرته الطاهرة، أن يجعلوا نصب أعينهم أنه نبيّ من أنبياء الله، ورسول من رسل الله، وأن عظمته في نبوّته ورسالته، مع اتصافه بكل صفات الكمال المثالي، فهو بالنبوة والرسالة
стр. 453
قد سما على العبقريّة والبطولة، ونبصر فضله على إخوانه الأنبياء والمرسلين بما منحه الله تعالى من فضل في شريعته التي ختم الله الشرائع بها، وجعلها جامعة لجميع ما جاءت به الشرائع المتقدمة، من خير وإصلاح وتهذيب مع زيادة ما يقتضيه تقدم الإنسانيّة في تفكيرها وعقلها وروحها وضميرها!
ولعل هذا هو ما أشار إليه القرآن الكريم بعد أن ذكر أولي العزم من الرسل في آية: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ (الأنعام: ٨٣)!
فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الأنعام: ٩٠)!
فهُدى الجميع هُدى للرسول ﷺ ، فهو الجامع لما تفرّق في جميع الأنبياء والمرسلين من الفضائل، والمحامد، وإليه ينتهي خيرهم، وفي شريعته تنطوي شرائعهم، فهي خاتمة الشرائع، وهو خاتم النبيّين وإمام المرسلين!
ولعل التصور المقارب للواقع التاريخي (١)، يستطيع أن يسعف العقل ليرسم صورة موجزة مقاربة لمطلع حياة طفوليّة نهدت في لفائف اليتم، لأكرم من ضمه مهد في حياة البشريّة، حتى يستشف البحث من وراء ذلك حقائق الوجود الواقعي في مشهد الحياة لهذه الشخصيّة الكريمة، التي غيّرت معالم الحياة في تاريخ البشريّة!
تولى الله أمر الرسول ﷺ منذ أول لحظة حظي فيها الوجود بإشراق طلعته، فنشّأه تنشئة جمع له فيها خصائص الفطرة الإنسانيّة في أعلى مراتبها وأرفع درجاتها، فلم يكله إلى أب يكفله ويربّيه، وللأبوّة أثرها على الطفولة وتوجيهها في الحياة!
стр. 454
ولم يعرف الرسول ﷺ عن شمائل أبيه وأخلاقه وعاداته ووسائله في عيشه إلا ما حدّثته به أمّه عنه في طفوليته، وهي كسيرة القلب، حزينة الفؤاد، لفراق ذلك الزوج الحبيب والأب الكريم!
والرسول ﷺ يوم أن عقل هذا الحديث وتصور منه صورة أبيه، كان قد أخذ سمتاً في الحياة لا تغيّره الأحاديث، ولا تؤثّر فيه الصور الذهنيّة المركبة من مجموعة قصص عمن كان وما كان، إلا كما يؤثر بريق التاريخ اللامع في توجيه أمّة تكنفها عناصر الحياة بدوافعها الحيّة المتدفقة، وأي أثر لهذا البريق غير الإعجاب بالماضي الذي ذهب ولن يعود؟!
عاطفة الأمومة:
ولد الرسول ﷺ يتيماً -كما أسلفنا- ولم يستشعر عطف الأبوّة يفيض به قلب والد فطره الله على لون من الحنان، لم يعطه الله غير قلوب الوالدين، وللطفولة إلهام تقرأ آياته في نظراتها الحالمة، وبسماتها الساهمة، وفي هذا الإلهام ضرب من الإدراك الخافت الذي يلمس به الطفل حنان الأبوّة وعطفها، فترسم على فمه بسمة صادقة، وعلى عينيه نظرة صافية صفاء الفطرة الخالية من الرسوم والأصداء!
ولقد ارتسمت على فم الرسول ﷺ البسمة الصادقة، وطافته بعينيه تلك النظرة الشافعية، ونظرت إليه أمّه آمنة بنت وهب -وكانت قريبة عهد بفراق زوجها الحبيب- فجدّد نظرها إليه في نفسها حزناً مبرحاً وألماً عظيماً، فرأت على ثغره ابتسامة متوهّجة، وأبصرت في عينيه تطلعاً إلى السماء، ولعل خيالها المصور أسعفها فأراها في وجه وليدها المحبوب وجه والده الحبيب، وتنازعتها عاطفتان:
стр. 455
عاطفة الوالدة، وقد أشرق عليها وجه وليدها وقرة عينها!
وعاطفة الزوجة، فَقَدتْ زوجها الحبيب؛ ولكنها تتمثله وترى وجهه في وجه هذا الوليد الحبيب!
وتغلّبت عاطفة الأمومة الحانية على عاطفة الزوجيّة الودود، وضمت آمنة وليدها إلى صدرها، واختلطت عليها الأحاسيس، واستنار وجهها!
حتى أهلّ على مكة موسم المراضع، فقدم السعديات إليها يطلبن الرُّضّع، وفيهن حليمة فكان الرسول نصيبها، وكانت هي من حظه، وحملته وارتحلت به إلى باديتها، وكان الصدر الذي يضمه ليس صدر آمنة أمّه، ولكن صدر حليمة ظئره، وفرق كبير بين العاطفتين:
عاطفة الأمومة الوالدة!
وعاطفة الأمومة المرضعة!
فحُرم حنان أمه بعد أن مضى القدر فحُرم عطف أبيه!
وذلك لون من اليتم الجديد، قضت به العادات المتوارثة فيما بين العرب، فهو قد حُرم عاطفة الأبوّة المُشفقة، وبُوعد عن عاطفة الأمومة الحانية، ونشأ بعيداً عن بَلده وقومه، وبلده حاضرة البلادَ العربيّة، لها من طبيعة الحواضر ما يَسمُها بوسم اللين والدعة، وقومه أهل شرف وسيادة في بلده، وللشرف والسيادة آثارهما على الأخلاق والتطبّع وتوجيه الغرائز والسلوك!
انفعال الخواطر:
لقد نشأ الرسول ﷺ في بادية بين قوم من العرب عُرفوا بصفاء البيان، وفصاحة اللسان، وقد ضاق عيشهم، وعصفتهم السنون، يعيشون في بادية
стр. 456
ضاحية الأديم، تصهرها الشمس إذا أسفرت، وتتلألأ في سماء لياليها النجوم الزواهر، ويضيئها القمر المنير، ويزمجر في أرجائها الرعد، ويلمع في آفاقها البرق، وتَهْدر في وديانها العواصف، وتطبعها الحياة بطابع قاس متقلب، تنتشر على صفحتها هنا وهناك خيام يأوي إليها فئام من الناس إذا هجع الليل، أو هجّر النهار، يسرحون بالبُهم يرتادون لها المراعي وظلال الشجر ومجتمع الأنهار والغُدُر، ومساقط الغيث ومنابت الكلأ، وذلك هو كل ما يشغل أهل هذه البيئة، وفيما سواه فراغ لا يملؤه من العمل كثير ولا قليل، فهي بيئة تدعو إلى التأمل والتفكر، وتقليب النظر في ملكوت الله تعالى ومظاهر الوجود!
ماذا وراء هذا الفضاء الكبير الأفْيَح؟
وما هذه القبّة الزرقاء المتعاظمة في سعة آفاقها؟
وما هذه السابحات المتلألئات في أديمها؟
وما هذا الجرم الفضي الذي يبعث على هذه الأرض بأنواره المظلة بنسائم الأسحار؟
وما هذا اللهب المنبعث مع خيوط الضياء الوهاج، من الجرم النهاري السابح في آفاق السماء؟
وما الذي يمسك ذلك ويديره على هذا النظام المحكم البديع؟
وما هذا الصوت الهائل المزعج الذي يصحب دائماً الغيث مبشّراً أو نذيراً؟
وما هذا الضوء الخاطف بلمعانه في أطراف السماء؟
وما هذه العواصف المزمجرة؟ وما الذي يهيجها ويحرّكها؟
وما هذه النباتات والأشجار في أشكالها وألوانها وروائحها وطعومها؟ من أين جاءت، وكيف نبتت؟
стр. 457
ثم ما أنا؟ ومن أنا؟ ومن أين جئت؟ وإلى أين أذهب؟
ثم ما هذه الحياة؟ وما هذا الوجود؟ وما مبدؤه؟ وما غايته؟ وهل فوقه قوة تدبّره؟ وإرادة قاهرة تحركه؟ وما حقيقة تلك القوة المدبرة الحكيمة، وأنى لنا بمعرفتها وأسلوب حكمتها وتدبيرها؟
كل هذه أسئلة لا بد أن تمر على خاطر من يقيم في بيئة مثل البيئة التي كانت مهداً للرسول ﷺ في بادية بني سعد بن بكر .. ولابد أن تنفعل لها الخواطر التي تمر بها، وتتأثر بها الفطر المصقولة التي جعل الله لها قابليّة الانطباع لما يمرّ عليها!
أما النفوس الصدئة والفطر الكثيفة فليس لها من ذلك الانفعال شيء، فكم من نفوس شهدت جلال الصحراء وجمالها كما شهدها الرسول ﷺ في طفولته، ولكن قليل جدًّا هم الذين تأثروا بذلك الجلال الوجودي والكمال الكوني، وانفعلت له فطرهم كما تأثر الرسول ﷺ وهو طفل لم يجاوز الخامسة من عمره، وحتى هذا القليل لم يكتب له طرف مما كتب التاريخ من تسبيحات الفكر في محاريب الوجود، بل ضلوا وضل ذكرهم في متاهات الصحراء، وبقي الرسول ﷺ وحده على ربوة الوجود يجاذبه هذا الجلال ترانيم التقديس في صور من التأملات والتفكير!
حياة الصحراء:
رجع الرسول ﷺ من بادية بني سعد إلى مكة، بعد أن بلغ من عمره سنوات هي سن تبلغ فيها النفس أول مراحل النشاط والقوة والتطلع إلى معرفة كل مجهول!
وأي شيء في حياة الصحراء مجهول؟
стр. 458
أليست الحياة فيها مكشوفة عريانة؟
الأرض وما عليها من جبال ووديان وحيوان ونبات، والجو بعواصفه وأمطاره ورعوده وبروقه .. كلها أمور مرئيّة مشهودة، ولكن ما مبلغ علم الناس بها .. لا شيء سوى هذه الظواهر المكرورة في كل وقت وحين، أما ما وراء ذلك فهو محجب مغلق!
فأي شيء إذن في حياة الصحراء معلوم؟!
هذه الحيرة الفكريّة هي الآية الأولى التي قرأها الرسول ﷺ في كتاب الوجود على صفحة الصحراء .. وهي التي رجع بها إلى مكة السادرة في غي وثنيّتها، السكرى بخمر أصنامها، المحجوبة عن التفكير في جمال الكون بتجارتها وأسواقها ومواسمها وأعيادها وعاداتها، فنظرت إليه ونظر إليها!
نظرت إليه بمنظار وثنيتها فلم تره يمشي إلى أصنامها لاهياً، كما يمشي أطفالها .. بل رأت فيه طفلاً كأنه يحمل من هموم الدنيا وأحزانها ما صرفه عن اللهو واللعب!
وارحمتا لهذا الصبي؛ إنه يتيم، يرى لداته من الأطفال يرتمون في أحضان آبائهم، فيضمّونهم إلى صدورهم، فيملؤه الحزن ألاّ يرى له أباً بين هؤلاء الآباء، كذلك فكرت مكة في نظرتها إلى الرسول ﷺ في صمته وعزلته عن معابثها وملاهيها!
ونظر إليها الرسول ﷺ من خلال حيرته الفكريّة، فرأى صوراً هزليّة، ورأى مسخاً للكرامة الإنسانيّة!
ما هذه الأحجار المنحوتة؟ وما هذا الدوار بها؟
стр. 459
وما هذه القرابين؟
ولمن يتقرّب بها؟
وفيم هذه الدماء المسفوكة؟ والمساكين غرقى؟، والفقراء جوعى، لا يصلون إلى شيء، ولا يصل إليهم شيء!
ولكن ما حيلة الرسول ﷺ ، وهو طفل في هذه الهامات الضخمة، واللحى المسترسلة، والرقاب الغليظة، والأصوات المفزعة، والمجد الزائف، والشرف المؤثل؟!
- فهي التي تطوف بهذه الأحجار، وهي التي تدور وتتقرّب، وهي التي تهذل وتمسخ!
لو كان يسمع له لقال وتكلّم، ولعلّه أن يكون!
وفي حياة الرسول ﷺ الخاصة ما يشغله عن صخب مكة ولهوها العابث حول أحجارها وأوثانها، فليذهب إلى أمّه ليسكن إلى ضمة صدرها وحنان قلبها، وقد كان يزورها مع ظئره، فتخطف له الحديث خطفاً عن أبيه وأسرته وقومه وبلده!
ولسان الحال يقول: أنت محمد بن عبد الله، الكريم بن الكريم، أبوك أنضر فتيان مكة وأشبّها شباباً، وأعلاها ذكراً، فأين هو؟
وتختنق آمنة العبرة، فلا تستطيع أن تمضي في الحديث، فينظر الرسول ﷺ فإذا العبرات المكتومة المتبادلة!
ويلتف إلى من يملأ حوله الملأ من صناديد قريش، فإذا هو شيبة الحمد عبد المطلب بن هاشم شريف مكة وكبير قريش، وهؤلاء الفتيان البهاليل المساميح
стр. 460
حول هذا الشيخ في وقفة الإجلال، هم الأعمام، وهؤلاء الصيد الأماجد، يملؤون السمع والبصر يغدون في طرقات مكة ويروحون في استعلاء، فم قريش، وهذا البلد الأمين مكة!
ووسط كل هذا لا ينسى الرسول ﷺ أنه يتيم، وأن أباه ليس له أوبة، وأنه قد مضى إلى حيث لا يعود!
وفيم يطيب الحديث بين الحبيب والحبيب إلا عن ذلك الراحل الحبيب!
صلة الرحم:
وكانت آمنة مثالاً للمرأة الكاملة (١)، وهي بعد لم تتجاوز العشرين إلا بقليل، فقد رأت أن تزور يثرب، والرسول ﷺ معها، وأم أيمن حاضنته، لأمرين:
أولهما: أن تزور مع ولدها قبر أبيه، وفي ذلك أجل الوفاء وأكرمه!
وثانيهما: أن تعرّفه بقرابته من ذوي الأرحام، وهم بنو النجار، إذ تزوج منهم جده هاشم -كما أسلفنا- وينتهي نسب هذا الزواج إلى عدي من بني النجار، وكان بالمدينة ذا شرف ومال!
وقد تحقق لها ما أرادت!
ولعل هناك باعثاً آخر، وهو أنها كانت تخشى على وليدها العزيز جو مكة ووباءه، فأرادت أن تخرج به من ذلك الجو المزدحم الآهل بالسكان، وقد كانت حليمة تأخذه من وقت لآخر، إلى جوّ البادية، حيث يكون متصلاً بالكون، لا يحجبه عنه حاجب، ولا يحول دونه باب!