← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ضاحية الأديم، تصهرها الشمس إذا أسفرت، وتتلألأ في سماء لياليها النجوم الزواهر، ويضيئها القمر المنير، ويزمجر في أرجائها الرعد، ويلمع في آفاقها البرق، وتَهْدر في وديانها العواصف، وتطبعها الحياة بطابع قاس متقلب، تنتشر على صفحتها هنا وهناك خيام يأوي إليها فئام من الناس إذا هجع الليل، أو هجّر النهار، يسرحون بالبُهم يرتادون لها المراعي وظلال الشجر ومجتمع الأنهار والغُدُر، ومساقط الغيث ومنابت الكلأ، وذلك هو كل ما يشغل أهل هذه البيئة، وفيما سواه فراغ لا يملؤه من العمل كثير ولا قليل، فهي بيئة تدعو إلى التأمل والتفكر، وتقليب النظر في ملكوت الله تعالى ومظاهر الوجود! ماذا وراء هذا الفضاء الكبير الأفْيَح؟ وما هذه القبّة الزرقاء المتعاظمة في سعة آفاقها؟ وما هذه السابحات المتلألئات في أديمها؟ وما هذا الجرم الفضي الذي يبعث على هذه الأرض بأنواره المظلة بنسائم الأسحار؟ وما هذا اللهب المنبعث مع خيوط الضياء الوهاج، من الجرم النهاري السابح في آفاق السماء؟ وما الذي يمسك ذلك ويديره على هذا النظام المحكم البديع؟ وما هذا الصوت الهائل المزعج الذي يصحب دائماً الغيث مبشّراً أو نذيراً؟ وما هذا الضوء الخاطف بلمعانه في أطراف السماء؟ وما هذه العواصف المزمجرة؟ وما الذي يهيجها ويحرّكها؟ وما هذه النباتات والأشجار في أشكالها وألوانها وروائحها وطعومها؟ من أين جاءت، وكيف نبتت؟

стр. 457

ثم ما أنا؟ ومن أنا؟ ومن أين جئت؟ وإلى أين أذهب؟ ثم ما هذه الحياة؟ وما هذا الوجود؟ وما مبدؤه؟ وما غايته؟ وهل فوقه قوة تدبّره؟ وإرادة قاهرة تحركه؟ وما حقيقة تلك القوة المدبرة الحكيمة، وأنى لنا بمعرفتها وأسلوب حكمتها وتدبيرها؟ كل هذه أسئلة لا بد أن تمر على خاطر من يقيم في بيئة مثل البيئة التي كانت مهداً للرسول ﷺ في بادية بني سعد بن بكر .. ولابد أن تنفعل لها الخواطر التي تمر بها، وتتأثر بها الفطر المصقولة التي جعل الله لها قابليّة الانطباع لما يمرّ عليها! أما النفوس الصدئة والفطر الكثيفة فليس لها من ذلك الانفعال شيء، فكم من نفوس شهدت جلال الصحراء وجمالها كما شهدها الرسول ﷺ في طفولته، ولكن قليل جدًّا هم الذين تأثروا بذلك الجلال الوجودي والكمال الكوني، وانفعلت له فطرهم كما تأثر الرسول ﷺ وهو طفل لم يجاوز الخامسة من عمره، وحتى هذا القليل لم يكتب له طرف مما كتب التاريخ من تسبيحات الفكر في محاريب الوجود، بل ضلوا وضل ذكرهم في متاهات الصحراء، وبقي الرسول ﷺ وحده على ربوة الوجود يجاذبه هذا الجلال ترانيم التقديس في صور من التأملات والتفكير! حياة الصحراء: رجع الرسول ﷺ من بادية بني سعد إلى مكة، بعد أن بلغ من عمره سنوات هي سن تبلغ فيها النفس أول مراحل النشاط والقوة والتطلع إلى معرفة كل مجهول! وأي شيء في حياة الصحراء مجهول؟

стр. 458

أليست الحياة فيها مكشوفة عريانة؟ الأرض وما عليها من جبال ووديان وحيوان ونبات، والجو بعواصفه وأمطاره ورعوده وبروقه .. كلها أمور مرئيّة مشهودة، ولكن ما مبلغ علم الناس بها .. لا شيء سوى هذه الظواهر المكرورة في كل وقت وحين، أما ما وراء ذلك فهو محجب مغلق! فأي شيء إذن في حياة الصحراء معلوم؟! هذه الحيرة الفكريّة هي الآية الأولى التي قرأها الرسول ﷺ في كتاب الوجود على صفحة الصحراء .. وهي التي رجع بها إلى مكة السادرة في غي وثنيّتها، السكرى بخمر أصنامها، المحجوبة عن التفكير في جمال الكون بتجارتها وأسواقها ومواسمها وأعيادها وعاداتها، فنظرت إليه ونظر إليها! نظرت إليه بمنظار وثنيتها فلم تره يمشي إلى أصنامها لاهياً، كما يمشي أطفالها .. بل رأت فيه طفلاً كأنه يحمل من هموم الدنيا وأحزانها ما صرفه عن اللهو واللعب! وارحمتا لهذا الصبي؛ إنه يتيم، يرى لداته من الأطفال يرتمون في أحضان آبائهم، فيضمّونهم إلى صدورهم، فيملؤه الحزن ألاّ يرى له أباً بين هؤلاء الآباء، كذلك فكرت مكة في نظرتها إلى الرسول ﷺ في صمته وعزلته عن معابثها وملاهيها! ونظر إليها الرسول ﷺ من خلال حيرته الفكريّة، فرأى صوراً هزليّة، ورأى مسخاً للكرامة الإنسانيّة! ما هذه الأحجار المنحوتة؟ وما هذا الدوار بها؟

стр. 459

وما هذه القرابين؟ ولمن يتقرّب بها؟ وفيم هذه الدماء المسفوكة؟ والمساكين غرقى؟، والفقراء جوعى، لا يصلون إلى شيء، ولا يصل إليهم شيء! ولكن ما حيلة الرسول ﷺ ، وهو طفل في هذه الهامات الضخمة، واللحى المسترسلة، والرقاب الغليظة، والأصوات المفزعة، والمجد الزائف، والشرف المؤثل؟! - فهي التي تطوف بهذه الأحجار، وهي التي تدور وتتقرّب، وهي التي تهذل وتمسخ! لو كان يسمع له لقال وتكلّم، ولعلّه أن يكون! وفي حياة الرسول ﷺ الخاصة ما يشغله عن صخب مكة ولهوها العابث حول أحجارها وأوثانها، فليذهب إلى أمّه ليسكن إلى ضمة صدرها وحنان قلبها، وقد كان يزورها مع ظئره، فتخطف له الحديث خطفاً عن أبيه وأسرته وقومه وبلده! ولسان الحال يقول: أنت محمد بن عبد الله، الكريم بن الكريم، أبوك أنضر فتيان مكة وأشبّها شباباً، وأعلاها ذكراً، فأين هو؟ وتختنق آمنة العبرة، فلا تستطيع أن تمضي في الحديث، فينظر الرسول ﷺ فإذا العبرات المكتومة المتبادلة! ويلتف إلى من يملأ حوله الملأ من صناديد قريش، فإذا هو شيبة الحمد عبد المطلب بن هاشم شريف مكة وكبير قريش، وهؤلاء الفتيان البهاليل المساميح

стр. 460

حول هذا الشيخ في وقفة الإجلال، هم الأعمام، وهؤلاء الصيد الأماجد، يملؤون السمع والبصر يغدون في طرقات مكة ويروحون في استعلاء، فم قريش، وهذا البلد الأمين مكة! ووسط كل هذا لا ينسى الرسول ﷺ أنه يتيم، وأن أباه ليس له أوبة، وأنه قد مضى إلى حيث لا يعود! وفيم يطيب الحديث بين الحبيب والحبيب إلا عن ذلك الراحل الحبيب! صلة الرحم: وكانت آمنة مثالاً للمرأة الكاملة (١)، وهي بعد لم تتجاوز العشرين إلا بقليل، فقد رأت أن تزور يثرب، والرسول ﷺ معها، وأم أيمن حاضنته، لأمرين: أولهما: أن تزور مع ولدها قبر أبيه، وفي ذلك أجل الوفاء وأكرمه! وثانيهما: أن تعرّفه بقرابته من ذوي الأرحام، وهم بنو النجار، إذ تزوج منهم جده هاشم -كما أسلفنا- وينتهي نسب هذا الزواج إلى عدي من بني النجار، وكان بالمدينة ذا شرف ومال! وقد تحقق لها ما أرادت! ولعل هناك باعثاً آخر، وهو أنها كانت تخشى على وليدها العزيز جو مكة ووباءه، فأرادت أن تخرج به من ذلك الجو المزدحم الآهل بالسكان، وقد كانت حليمة تأخذه من وقت لآخر، إلى جوّ البادية، حيث يكون متصلاً بالكون، لا يحجبه عنه حاجب، ولا يحول دونه باب!

стр. 461

سافرت به أمه لتزور قبر أبيه الحبيب الثاوي هناك، وأن يتعرّف -في الوقت نفسه، إلى أخوال أبيه المقيمن بيثرب آنذاك .. وعادت الأطياف ينطق بها لسان الحال أمام القبر، وإذا العبرات تنهمر، والأرواح تتناجى على مشهد من الغلام الذي عرف قبر أبيه، وأدرك محبّته من خلال الفطرة وعبرات أمه، فكان منظراً مطبوعاً في نفسه، وهمساً مسّ قلبه ومشاعره! وقد رسمت تلك الرحلة صوراً متتابعة كانت لها آثارها فيما بعد! يُتم يلاحقه يتم: وأقامت آمنة بدار بني النجار ما طابت لها الإقامة، ولم تُرد الاستمرار بعيدة عن بني هاشم، وعن عبد المطلب، فكان لابدّ من العودة، ومن ثم أخذت في السير إلى مكة، وهنا أدركها الموت بـ (الأبواء)! وشهد الرسول ﷺ وهو في هذه السنن وفاة أمه كما شهد دفنها! وإذا كان قد فقد أباه من قبل، فقد كان ذلك وهو في الغيب المكنون، وقد عوضه جده عطف الأب! أما الأم فقد فقدها وهو في وعي، وبعد أن ذاق حلاوة حنان الأم، وبعد أن عرف أنه لا شيء يعوّض عطف الأمّ الرؤوم، وهو فوق ذلك حرمان من شيء موجود شعر به، وأصابته له لوعة، علّمته الصبر وعوده أخضر! وزادت اللوعة، وزاد معها الصبر، أن الموت في حال الغربة لكل منهما، وليس لهما إلا الصحراء، وشقة بعيدة، لابد من قطعها، فاجتمع ألم الغربة، وألم الفقد، وألم الانقطاع، وصار الركب في رعاية الله، ليحسّ مع الصبر واحتمال الآلام كريم الرعاية الإلهيّة، والعناية الربانيّة، ويكون له من هذا زاد

стр. 462

نفسي يذكره عندما يلاقي الشدائد في الدعوة إلى الحق، ومناوأة الباطل، وتكاتف المشركين عليه، وتعرضه للأذى، والتجائه إلى الله! أم أيمن: وإن الذي حمله، وحل محل أمه في حضانته أم أيمن، وإذا كانت لم تعطه حنان الأم، وعزة العطف، فقد كلأته وحمته! وإن ارتباط حياته الطاهرة بأم أيمن تزويد من الله تعالى به بزاد إنساني، ليشعره بأن الناس كلهم لآدم، وأن كل الفضل فيمن يُحسن في عمله، لا فيمن يفاخر بنسبه وكفى، وإنها لحكمة عالية أن تكون الحاضنة التي لا يستغني عنها الرسول ﷺ حبشيّة؛ لأنه تربية ربانيّة على المساواة الإنسانيّة، وأنه لا شرف إلا بالعمل والعاطفة، لذلك لم يكن غريباً أن تعطيه حب الأمومة، وإن كان دون حب أمّه آمنة، وأن تصل به إلى جده محوطاً بعناية الله ثم بعطفها! وهكذا كان قدر الله رصداً لوفاة عبد الله قبل مولد النبي ﷺ ! ووفاة آمنة وهي في طريق عودتها بالنبي ﷺ من تلك الزيارة إلى (مكة) البلد الحرام! وهكذا كان الرسول يتيم الأبوين، ليستخلصه الله بالتربية، ويصطنعه بالتأديب، حتى تكون نشأته ربانيّة خالصة، ويكون تأديبه إلهيًّا خالصاً، فتتم له النعمة، وتعظم من الله عليه المنّة! وأي يتم أبلغ في النفس أثراً وأعمق في القلب ألماً من يتم يتلاحق فيه الأبوان قبل أن تشتد لصروف الحياة قناة اليد؟!

стр. 463

﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾: وهنا نبصر رحمة الله بخاتم رسله في آيات متعبّدة متلوة آناء الليل وأطراف النهار: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ (الضحى)! وماذا عسى أن يفعله عبد الله لابنه لو بقي حياً؟ (١)! أكان يربّيه ليهب له النبوة؟ ما كان له ذلك؛ لأن الأب عنصر واحد من عناصر شتى، تتحكّم في مستقبل الطفل، وتحفر له في الحياة مجراه! ولو كانت النبوة بالاكتساب ما قرّبتها حياة الوالد شبراً، فكيف وهي اصطفاء؟! كان يعقوب حيًّا يرزق، له شيخوخته وتجربته وحكمته، بل له نبوّته، وقد نظر يوماً فلم يجد يوسف قريباً منه، إنه فقده في أخطر فترات العمر، فترة الصبا اللدن واليفاعة الغضة، ومع فساد البيئات التي احتوت يوسف فقد كان باطنه ينضح بالتقى والعفاف، كما يتقد المصباح في أعماء الليل المدلهم، فلما التقى الابن بوالده بعد لأي، رأى يعقوب ابنه نبيًّا صدّيقاً .. لقد ولّى عبد الله، وترك ابنه يتيماً، وكذلك آمنة، وكان اليتم الذي تلاحق -كما أسلفنا- بيد أن هذا اليتم المتلاحق كان يعد من اللحظة الأولى لأمر جلل، أمر يصبح به الرسول ﷺ خاتم النبيّين وإمام المصطفين الأخيار، وما الأب والجد، ما

стр. 464

الأقربون والأبعدون، ما الأرض والسماء إلا وسائل مسخّرة لإتمام قدر الله، وإبلاغ نعمة الله من اصطنعه الله! كفالة عبد المطلب: وعاد الرسول ﷺ إلى مكة، ومعه حاضنته وأمّه بعد أمّه السيدة البرّة أم أيمن (١)، وقلبه ينفطر أسى وحزناً لفقد أمّه التي كان يجد في أحضانها وأحاديثها ومناغاتها غذاء لطفولته، ونشوةً لشبابه، وتلقّاه جده عبد المطلب، فقرأ على صفحات وجهه أبلغ الحزن، وأمْضَى الأسى، فكان يحرص على رعايته حرصاً شديداً، ويتلطف معه ويدنيه منه، والتقت فيه محبتان (٢): الأولى: محبة أبيه الذي اهتصره الموت، وعوده أخضر! والثانية: محبة الغلام الطاهر في ذاته، المحبوب لذاته! وإذا كان اليتم بطبيعتة يوجد انفراداً نفسيًّا واعتزالاً، فإن الجدّ خشي أن يكون لذلك أثره في قلب هذا الغلام المحبوب، فكان يبالغ في تقريبه، حتى يأنس به دائماً .. وكان ينسبه مباشرة؛ ليستأنس به ويؤنسه، ويمنع عنه الإحساس بغربته بين أولاده! وإن أخشى ما يخشاه القوّامون على اليتامى أن يشعروا بانفراد، فلا يألفوا الناس، ومن ثم كان عبد المطلب يوليه عناية خاصة! وبقي الرسول ﷺ في كفالة جده عبد المطلب، يرعاه الله برعايته، ويكلؤه بكلاءته، ويحفظه بعنايته، ما يقارب سنتين؛ لأن وفاة أمه كانت

стр. 465

وهو في السادسة من عمره على أرجح الروايات، فلما بلغ الثامنة كان جده قد فارق الحياة! كفالة أبي طالب: وتأسّى أبو طالب بأبيه عبد المطلب في حفاوته وحبه للرسول ﷺ ، فهو ابن أخيه الشقيق عبد الله، ومن ثم كان يحبّه حبًّا شديداً لا يحبّه لولده، وكان لا ينام إلا إلى جنبه، وكان يخصّه بما لم يحظ به أولاده، تمشيًّا مع ما طُبع عليه أبو طالب من جهة، ومراعاة لصلة القربى من جهة ثانية، والتزاماً بوصية عبد المطلب، بمزيد العناية والرعاية، عندما أحسّ بالموت من جهة ثالثة! ومن هنا قام أبو طالب بما قام به .. وكان يرعاه حقّ الرعاية، ويصاحبه ما أمكنت الصحبة، فالرسول هنا في سن تحتاج إلى الصحبة والملازمة .. مع مراعاة اليُمن الذي كان يلازم الرسول ﷺ أينما حل وحيثما ذهب! ونلمح أثر التربية الإلهيّة ونحن نبصر رسول الله ﷺ وهو في هذه السن أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأكرمهم مخالطة، وأحسنهم جواراً، وأعظمهم حلماً وأمانة، وأصدقهم حديثاً، وأبعدهم من الفحش والأذى، وما رؤي ملاحياً ولا ممارياً أحداً، حتى سماه قومه الأمين، لما جمع الله له من الأمور الصالحة فيه (١)!

стр. 466

٣ - المسؤوليّة والإيجابيّة: وثالث ما يطالعنا: المسؤوليّة والإيجابيّة، فيما يلي: الرسول ﷺ يرعى الغنم: اتجه الرسول ﷺ إلى رعي الغنم، وهو عمل يستدعي رفقاً منه ورعاية، وفيه ثلاث مزايا (١): الأولى: أن فيه سياسة لحيوان ضعيف، يقتضي عطفاً ورفقاً في سياسته! الثانية: أنه يعاشر فيه الضعفاء من الغلمان الذين ليس فيهم استعلاء أهل الجاهليّة الأولى، الذين كانوا يستعلون عن مزاولة مثل هذا العمل! الثالثة: أن فيه كسباً ماديًّا من عمل اليد، وأفضل الكسب ما كان من عمل اليد! يروي البخاري وغيره عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما بعث الله نبيًّا إِلا رعى الغنم" فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: "نعم. كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" (٢)! قال العلماء (٣): الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرّن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم؛ ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة؛ لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع

стр. 467

وغيره، كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها، وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها، ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحمُّلهم لمشقة ذلك أسهل، مما لو كلّفوا القيام بذلك من أول وهلة، لما يحصل لهم من التدريج على ذلك، برعي الغنم، وخصت الغنم بذلك، لكونها أضعف من غيرها؛ ولأن تفرّقها أكثر من تفرّق الإبل والبقر، لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرّقها فهي أسرع انقياداً من غيرها، وفي ذكر النبي ﷺ لذلك، بعد أن علم أنه أكرم الخلق على الله، ما كان عليه من عظيم التواضع لربّه، والتصريح بمنّته عليه وعلى إخوانه من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء! وهذا لون من الحياة اختاره الله -جل شأنه- لكل من اصطفاهم لرسالته في سياسة الخلق، وتعليمهم شرائع الحياة الصالحة، وأدب العبوديّة، ومعرفة الخالق، ودلائل قدرته في صنائعه! وإنما جعل الله هذا في الأنبياء تقدمة لهم؛ ليكونوا رعاة الخلق؛ ولتكون أممهم رعايا لهم في عصورهم؛ ولتكون خير أمة أخرجت للناس في مكان القيادة والريادة للإنسانيّة كافة! قصة بحيرى الراهب: وجاء الوقت الذي تهيّأ فيه أبو طالب للرحيل في تجارته إلى الشام، فتعلق به الرسول ﷺ ليأخذه معه، فرق له أبو طالب واصطحبه، وكان النبي ﷺ في التاسعة أو العاشرة أو الثانية عشرة من عمره، على اختلاف الروايات! روى الترمذي قال: حدثنا الفضل بن سهل، أبو العباس الأعرج البغدادي،

стр. 468

حدثنا عبد الرحمن بن غزوان، أو نوح، أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، قال: خرج أبو طالب إِلى الشام، وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا، فحلّوا رحالهم، فخرج إِليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرّون به، فلا يخرج إِليهم، ولا يلتفت! قال: فهم يَحُلّون رحالهم، فجعل يتخلّلهم الراهب، حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ ! قال: هذا سيّد العالمين، هذا رسول ربّ العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين! فقال له أشياخ من قريش: ما علْمُك، فقال: إِنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إِلا خرَّ ساجداً، ولا يسجدان إِلا لنبي، وإِني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه، مثل التفاحة! ثم رجع فصنع لهم طعاماً، فلما أتاهم به وكان هو في رِعْيَةِ الإِبل، قال: أرسلوا إِليه! فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إِلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إِلى فيء الشجرة مال عليه! قال: فبينما هو قائم عليهم، وهو يناشدهم أن لا يذهبوا به إِلى الروم، فإِن الروم إِذا رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه! فالتفت فإِذا بسبعة قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إِلا بُعِثَ إِليه بأناس، وإِنا قد أخبرنا خبره، بُعِتْنا إِلى طريقك هذا! فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إِنما اخترنا خِيرةً لك لطريقك هذا! قال: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟! قالوا: لا. قال: فبايَعوه وأقاموا معه. قال: أنشدكم الله! أيّكم وليّه؟! قالوا: أبو طالب، فلم يزل يناشده

стр. 469

حتى رده أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالاً، وزوده الراهب من الكعك والزيت! قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إِلا من خلال هذا الوجه (١)! هذا هو أقوى طريق في هذه القصة! وقال الجزري: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح، أو أحدهما، وذكر أبي بكر وبلال فيه غير محفوظ، وعده أئمتنا وهماً، وهو كذلك، فإن سن النبي ﷺ إذ ذاك اثنتا عشرة سنة، وأبو بكر أصغر منه بسنتين، وبلال لعله لم يكن ولد في ذلك الوقت (٢)! ورواه ابن أبي شيبة (٣)، والطبري (٤)، وأبو نعيم (٥)، والحاكم (٦)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وليس كذلك؛ لأن قراداً من رجال البخاري فقط، ويونس من رجال مسلم فقط. وقال الذهبي في تعليقه على الحاكم: أظنه موضوعاً، فبعضه باطل،

стр. 470

وبين اعتراضاته على سند الرواية ومتنها ووصفها بالنكارة، بل يفهم من كلامه شكه في الرواية كلها (١)! فأما انتقاده للسند فقد قال عن عبد الرحمن بن غزوان -راويها- (له مناكير) ثم قال: أنكر ما له حديثه عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، في سفر النبي ﷺ ، وهو مراهق مع أبي طالب إلى الشام، ومما يدل على أنه باطل قوله: ورده أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالاً، وبلال لم يكن خلق بعد، وأبو بكر كان صبياً (٢)! وصححه السيوطي لشواهده (٣). وقال الحافظ (٤): رجاله رجال ثقات، وزاد فيها لفظة منكرة، وهي قوله: وأتبعه أبو بكر بلالاً، وقال بعد أن نقل توثيق النقاد لقراد: وله عند الترمذي حديث من رواية أبي موسى الأشعري فيه ألفاظ منكرة (٥)، وقال في التعقيب على ذكر أبي بكر وبلال: وسبب نكارتها أن أبا بكر لم يكن متأهلاً، ولا اشترى يومئذ بلالاً، إلا أن يحمل أن هذه الجملة الأخيرة منقطعة من حديث آخر، درجت في هذا الحديث، وفي الجملة، هي وهم من أحد رواته (٦)، وقال ابن القيم (٧): وهو من الغلط الواضح! وذكر الألباني تصحيح الجزري للإسناد، وقد سبق ذكره في مقدمة هذا

стр. 471

التخريج، وعقب بذكر ما ورد في رواية البزار (وأرسل معه عمه رجلاً) مما يجعل التصحيف في عبارة حديث الترمذي قوياً بين (رجلاً) و (بلالاً) (١)، وقال: بل هي صحيحة (٢)! وعلى كل فإن وجود النكارة في الفقرة الأخيرة لا يعني ضعف سائر الرواية، وأما توسع الذهبي في الرد لمجرد احتمالات قابلة للنقاش، ولا تصلح أدلة للطعن في سائر الرواية فلا مبرر له! ويمكن أن تطمئن النفس إلى إثبات سفره ﷺ مع عمه إلى (بصرى) (٣)، وتحذير الراهب لعمه من يهود الروم، بالاعتماد على رواية الترمذي -التي ذكرناها- والاستئناس بالروايات الضعيفة الأخرى! أما بالنسبة لمعلوماتنا عن بحيرى، فإن المصادر لا تكاد تتفق على شيء بشأنه، بل هل متضاربة في اسمه، فمرة (جرجيس)، وأخرى (جرجس) وثالثة (سرجيس)، ورابعة (سرجس) (٤)، ومرة أنه مشتق من الآرامية، معناه المنتخب، وأخرى من السريانية، معناه العالم المتبحر (٥)، ومرة لقبيلة عبد القيس، فهو عبقسي، ومرة هو نصراني (٦)، وأخرى يهودي (٧)!

стр. 472

أثر هذه الرحلة: ولم يكن من المعهود في حياة الناس (١)، ولا سيما الذين أوتوا عقولاً لمّاحة، وقلوباً يقظة واعية، وأرواحاً مشرقة مضيئة، أن تمر بهم أحداث في طريقهم -وهم بعيدون عن الجو الطبيعي والاجتماعي الذي عاشوا في جنباته- ولا يكون لهذه الأحداث أثر في أنفسهم، خصوصاً إذا كانت الأحداث تمسّهم من قريب أو بعيد، فلابد أن سفر الرسول ﷺ إلى الشام كان ذا أثر في نفسه، فهو قد رأى قوماً غير قومه، وعادات غير عاداتهم، وتفكيراً غير تفكيرهم، وعقائد غير عقائدهم، ومتعبّدات غير متعبّداتهم، وأخلاقاً غير أخلاقهم، ومعيشة غير معيشتهم، وجوًّا غير جوّهم، وبلاداً غير بلدهم، وجرت أحاديث وأحداث كان هو محورها وقطبَ دائرتها! وكان الرسول ﷺ من الذكاء والفطانة، ولقانة القلب، ولطف الخُلق، وإشراق الروح، وضياء العقل، وثُقُوب الذهن، ورجاحة التفكير، بالمكان الأرفع، فلا يمكن أن تمر هذه الصور ثم لا تترك أثراً في نفسه يرجع به إلى بلده، ويأخذ حيّزاً من حياته وتفكيره .. ولكنه الأثر الذي تتسع له حياة طفل في هذه السن، نشأ نشأة صقلها اليتم -كما أسلفنا- وهذّبها كرم النحيزة، وشرف الأصل، وطهارة الأعراق، وعزة المنبت، مع رعاية الله وحفظه عن التدنس بدنس البيئة الجاهلية وأوضارها! وعاد الرسول ﷺ إلى مكة من رحلته، وقد علم ما تحدّث به الرهبان عنه، مما دعا عمه إلى الإسراع به خوفاً عليه من غوائل اليهود!

стр. 473

فأي صورة ارتسمت في نفس الرسول ﷺ لهذه الأحاديث التي تتحدث عن النبوة والوحي، وعن هذا الغلام اليتيم الأمّي الذي سيكون نبي هذه الأمة! فما النبوة؟ وما الوحي؟ ومتى؟ وكيف؟ هذه أسئلة من الممكن القريب أن تكون دارت في تفكير الرسول ﷺ وهو عائد إلى مكة، وهو يرى أهلها يسبحون في عمياء الوثنيّة الجاهليّة البليدة، وهو يعتزلهم في أعيادهم ومواسمهم، وينأى بجانبه كارهاً مبغضاً لأصنامهم، رائياً لأحوالهم، متعجّباً من ضلال عقولهم! ولكن هل حظي الرسول ﷺ من داخل نفسه أو ما يحيط به من عوامل وعوالم بجواب عن هذه الأسئلة؟ ليس في حياته ﷺ في هذا الوقت ما يشعر بشيء، سوى أنه وجه إلى لون من الحياة يملؤها الإحساس بعظمة الكون وعظمة مدبّره جل شأنه، والشعور بسلطان قدرته المبسوط على الوجود! تهافت المستشرقين: وانتهز المستشرقون والمغرضون هذه الفرصة (١)، فصنعوا من الحبّة قبّة، وأسسّوا عليها بناءً متهاوياً، حيث زعموا أن الرسول ﷺ قد تلقى رسالة التوحيد النقيّة، من عالم نصراني، وأغرب من هذا أن أحدهم ألف كتاباً في هذا

стр. 474

الموضوع، أسماه (مؤلف القرآن)!، حاول أن يثبت أن بحيرى قد لقّن الرسول القرآن كله في هذا الوقت القصير! وفاته أن الرسول ﷺ لم يكن قد بعث! وهذا لا يقوله عاقل رزق من سلامة العقل والإنصاف ذرة، فكيف يُعقل أن غلاماً لم يُبعث بعد، قد تلقى وهو في هذه السن من شيخ لا يعرف لغته، ولم يجلس إليه إلا ما يستغرقه وقت الجلوس العابر، المسائل الدقيقة، والتفاصيل العميقة، في نقد عقيدة الشرك، والمسيحيّة الممسوخة في هذا القرن السادس المسيحي، التي لم يهتد إليها كبار النقاد في المذهب البروتستانتي، وكبار المصلحين في العالم المسيحي، والتمييز الدقيق بين عقائد الفرق المسيحيّة وأقوالها، وقد تعرض القرآن الكريم لحوادث لم تحدث إلا بعد ثلاثين أو أربعين سنة، حيث أصبحت عظام بحيرى نخرة .. كاندحار الروم أمام الفرس في الأعوام الأولى من القرن السابع المسيحي (٦٠٢ - ٦١٦) إلى آخر نقطة من تراجع الجيوش، وتقلّص الحكومات، حتى كادت الإمبراطوريّة البيزنطيّة تلفظ نفسها الأخير، وتصبح مستعمرة ساسانيّة حقيرة، وانقطع كل أمل في نهوض الدولة البيزنطية وعودتها إلى أوجها الأول، ثم انتصار الروم البيزنطيّين الرائع، النافي لكل تقدير وتخمين، على الفرس الظافرين المنتصرين، حتى أوغلت الجيوش الروميّة في إيران، وغرزت أعلام الفتح في قلب البلاد، وأثخنت الشعب الإيراني قتلاً وجرحاً، وأهانت المعابد والمقدسات الدينية، وعادت من أسوار العاصمة ظافرة مرفوعة الرأس، وذلك كله في ظرف تسع سنين (١)، وهذا ما أعلنه القرآن بقوله:

стр. 475

﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ (الروم). وهي نبوة لا يقدر عليها إلا العلم القدير الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي! ولم يكن شيء أغرب خيالاً، وأبعد منالاً، من هذه النبوة التي أعلنها القرآن عند فرح قريش المشركين بانتصار المجوس المشركين على أهل الكتاب المسيحيّن، وشماتتهم بهزيمة الروم المنكرة، فقال: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾! والبضع هو ما دون العشر، واستبعدته قريش كل الاستبعاد، حتى قامروا على ذلك استبعاداً له، يقول المؤرخ الإنكليزي (جبون): (إن محمداً تَنبَّأ حين بلغت فتوح الإيرانيّين أوجها وقمتها، أن الرايات الروميّة سترتفع بالفتح والانتصار في بضع سنين، ولم يكن شيء أبعد عن القياس من هذه النبوة التي أعلنها محمد؛ لأن السنين الاثنتي عشرة الأولى من حكم هرقل كانت تعلن بتمزق الإمبراطوريّة الرومانيّة، ونهايتها القريبة) (١)! ولكن تحققت هذه النبوة بشكل غريب خارق للعادة، وذلك في سنة ٦٢٥ م -العام الثاني من الهجرة النبويّة عند غزوة بدر- يقول (جبون):

стр. 476

(كما أن ضباب الصبح والأصيل ينقشع ويتبدد بنور الشمس البازغة الوهّاج، كذلك تحوّل الأمير الرقيق المترف الذي لم يكن يعرف إلا الشباب والهوى، والذي كان قد قَدم (أركاديوس) في عصره (١)، فارساً منتصراً، يقول الجيوش، ويفتح البلاد (كسيزر) (٢)، لقد أنقذت كرامة هرقل وروما بطريقة غريبة رائعة، وعاد إليهما اعتبارهما وقيمتهما)! هذا إلى نبوات أخرى، وإعلانات بعيدة! ولا يصنع من هذه الحبّة قبّة إلا من أعماه التعصّب المديني، والاسترسال في الخيال، والإمعان في الافتراض والتخمين (٣)! وسنعرض لإبطال هذا التهافت بشيء من التفصيل عند الحديث عن الوحي! حماية الله للنبي: وشب رسول الله ﷺ محفوظاً من الله تعالى، بعيداً عن أقذار الجاهليّة وعاداتها، فكان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خُلقاً، وأشد هم حياءً، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش والبذاءة، حتى عُرف بين قومه بـ (الأمين)! وقد عصمه الله تعالى من أن يتورط فيما لا يليق بشأنه، من عادات الجاهليّة، ولا مما لا يرون به بأساً، ولا يرفعون له رأساً، وكان واصلاً

стр. 477

للرحم، حاملاً لما يثقل كواهل الناس، مكرماً للضيوف، عوناً على البر -كما سيأتي من شهادة خديجة ﵂ حين رجع من حراء، وكان يأكل من نتيجة عمله، ويقنع بالقوت! ولقد كانت طبيعة العمل في رعي الغنم (١) -كما أسلفنا- تدعو إلى الاختلاط بصبيان من طبقات مختلفة، أكثرهم طبقات الفقراء والخدم والعبيد .. أولئك الذين كانوا يؤجرون لهذا العمل الذي لا يعد من معالي الأعمال، بل يعد من صغارها، ومع أنه ﷺ كان معهم، لم تنزل نفسه عن عزتها من غير استعلاء، فكان يجذبه إلى العلا شرف نسبه، وطيب محتده، وما يراه في أسرته من سمو وعلو وسيادة، وما يكمن في طبعه الكريم من حب لمكارم الأخلاق، من غير غطرسة، ولا كبرياء، ولا استهانة أو استصغار للضعفاء، ويجذبه إلى التطامن والرضا بالقليل صغر العمل في ذاته، من غير نظر إلى ثمراته وأثره في تربية النفس على حسن المعاملة، والرفق بالناس! وكان الأحداث منهم، خصوصاً الذين انغمس ذووهم أو أولياؤهم في الشهوات يستولي على قلوبهم حب اللهو البريء وغير البريء، ومنهم من ينزع إلى الشر من بعد، ويكون عنصر فساد في المجتمع إذا بلغ أشده! وإذا كان الضعف يثير الرحمة، ويدفع إلى الحب الخالص البريء، فهؤلاء يدفعون إلى المجون، والمجون يهدي إلى سيطرة الهوى، وسيطرة الهوى تهدي إلى الفساد، والصحبة تجعل السقيم يعدي البريء! وهكذا كانت حماية الله لعبده ومصطفاه، وكانت العصمة والتربية الإلهية!

стр. 478

يروي ابن إسحاق وغيره بسند حسن عن علي بن أبي طالب عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهليّة يهمّون به من النساء، إِلا ليلتين، كلتاهما عصمني الله منهما، قلت ليلة لبعض فتيان مكة، ونحن في رعاية غنم أهلنا، فقلت لصاحبي: أبصر لي غنمي، حتى أدخل مكة، فأسمر بها، كما يسمر الفتيان، فقال: بلى، فدخلت حتى إِذا جئت أول دار من دور مكة، سمعت عزفاً بالغرابيل والمزامير، قلت: ما هذا؟ فقيل: تزوج فلان وفلانة، فجلست انظر، وضرب الله على أذني، فوالله! ما أيقظني إِلا مسّ الشمس، فرجعت إِلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ قلت: ما فعلت شيئاً، ثم أخبرته بالذي رأيت، ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي، حتى أسمر بمكة، ففعل، فدخلت، فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة، فجلست أنظر، وضرب الله على أذني، فوالله! ما أيقظني إِلا مسّ الشمس، فرجعت إِلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ قلت: لا شيء، ثم أخبرته الخبر، فوالله! ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك، حتى أكرمني الله بنبوّته"! قال ابن حجر: إسناده حسن متصل، ورجاله ثقات (١)!

стр. 479

الرسول ﷺ يشهد حلف الفضول (المطيّبين): وعاش الرسول ﷺ في مطلع حياته مع قومه، يشاركهم وجدانهم في الخير، ويتجنب الشر ولا ينغمس فيه، فهو يعقل ما يتفق مع الفطرة المستقيمة التي فطره الله عليها، والمنهاج القويم الذي هداه الله تعالى إليه، وأدبه بأدبه! ومن ذلك حلف الفضول (المطيّبين) الذي قال فيه ابن كثير: أكرم حلف سُمِع به، وأشرفُه في العرب (١)! وقد كان ذلك الحلف والنبي ﷺ قد بلغ العشرين (٢)، وقالوا: إنه كان بعد حرب الفجَار بأربعة أشهر، وأن الفجار كان في شعبان من هذه السنة (٣)! وكاَن سببه أن رجلاً من زبيد قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل، فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف: عبد الدار، ومخزوماً، وجمحاً، وسهماً، وعدي بن كعب، فأبوا أن يعينوا على العاص ابن وائل، وزبروه -أي انتهروه- فلما رأى الزبيدي الشر أوفى على أبي قبيس عند طلوع الشمس، وقريش في أنديتهم حول الكعبة، فنادى بأعلى صوته: يا آل فِهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر وَمُحْرِمٍ أشعثٍ لم يَقضِ عُمرته ... يا للرجال وبين الحِجر والحَجَر

стр. 480

إِن الحرام لمَنْ تَّمت كرامتُه ... ولا حَرَام لثوبِ الفاجِر الغَدِر فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مَتْرك! فاجتمعت هاشم، وزهرة، وتيم بن مُرَّة، في دار عبد الله بن جُدعان فصنع لهم طعاماً، وتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونُنَّ يداً واحدة مع المظلوم على الظالم، حتى يُؤَدَّى إليه حقه ما بَلّ بَحْرٌ صوفةً، وما رسَا ثَبيرٌ وحِراء مكانهما، وعلى التآسي في المعاش! فسمّت قريش ذلك الحلف (حلف الفضول)، وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فَضْل من الأمر. ثم مشوا إلى العاص بن وائل، فانتزعوا منه سلعة الزَّبيدِي، فدفعوها إليه! وقال الزبير بن عبد المطلب في ذلك: حَلَفْتُ لنَعقدنْ حِلفاً عليهم ... وإِن كنا جميعاً أهلَ دارِ نُسمِّيه الفضول إِذا عَقَدنا ... يعز به الغريبُ لذي الجوارِ ويعلمُ مَنْ حوالي البيت أنَّا ... أباةُ الضيم نمنع كل عارِ وقال الزبير أيضاً:

стр. 481

إِن الفضول تعاقدوا وتحالفوا ... ألا يقيم ببطن مكة ظالمُ أمرٌ عليه تعاقدوا وتواثقوا ... فالجارُ والْمُعْتَرُ فيهم سالمُ وقد شهد الرسول ﷺ هذا الحلف، وأثنى عليه حين ذكره في الإِسلام! يروي أحمد وغيره بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ قال: "شهدت حلف المطيّبين، مع عمومتي، وأنا غلام، فما أحب أن لي حمْر النعم، وإني أنكثه" (١)! والمطيّبون: هاشم، وأمية، وزهرة، ومخزوم، وهو تحالف على التناصر، والأخذ للمظلوم من الظالم، ورد الفضول إلى أصحابها .. (٢)! وأمثال العاصي في ميدان التجارة والسياسة وأكل أموال الناس كثير .. والرسول ﷺ أولى الناس بخصومتهم .. وأولى الناس بالرسول ﷺ من أعان عليهم! ترى، هل فقه أتباع خاتم النبيّين ذلك في عصرنا الحاضر؟! اللهم! وفق!

стр. 482

الرسول ﷺ يتزوج خديجة: وتشير روايات كثيرة إلى تفاصيل تتعلق بزواج الرسول ﷺ من أم المؤمنين خديجة التي كانت ثريّة تضارب بأموالها، وتحدد هذه الروايات بداية التعارف عن طريق عمل الرسول ﷺ في تجارة خديجة! ولا حاجة بنا إلى تحقيق القول في تلك الروايات (١)، فالثابت يقيناً أن الرسول ﷺ تزوج من أم المؤمنين خديجة ﵂ وهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، يقول ابن حجر (٢): تجتمع مع النبي ﷺ في قصي، وهي من أقرب نسائه إليه في النسب، ولم يتزوج من ذرية قصي غيرها -إلا أم حبيبة- وتزوجها سنة خمس وعشرين من مولده في قول الجمهور، زوجه إياها أبوها خويلد، ذكره البيهقي في حديث الزهري، بإسناده عن عمار بن ياسر، وقيل: عمها عمرو بن أسد، ذكره الكلبي، وقيل: أخوها عمرو بن خويلد، ذكره ابن إسحاق، وكانت قبله عند أبي هالة بن النباش بن زرارة التميمي، حليف بني عبد الدار، واختلف في اسم أبي هالة، فقيل: مالك، قاله الزبير، وقيل: زرارة، حكاه ابن منده، وقيل: هند، جزم به العسكري، وقيل: اسمه النباش، جزم به أبو عبيد، وابنه هند روى عنه الحسن بن علي فقال: "حدثني خالي" لأنه أخو فاطمة لأمها، ولهند هذا ولد اسمه هند، ذكره الدولابي وغيره، فعلى قول العسكري هو ممن اشترك مع أبيه وجده في الاسم، ومات أبو هالة في الجاهلية!

стр. 483

وكانت خديجة قبله عند عتيق بن عائذ الرومي! وكان النبي ﷺ قبل أن يتزوج خديجة قد سافر في مالها مقارضاً إلى الشام! قال الزبير: وكانت خديجة تدعى في الجاهليّة (الطاهرة)، وماتت على الصحيح بعد المبعث بعشر سنين في شهر رمضان، وقيل بثمان، وقيل بسبع، فأقامت معه ﷺ خمساً وعشرين سنة على الصحيح، وقال ابن عبد البر، أربعاً وعشرين، وأربعة أشهر! وإذا كان الرسول ﷺ قد تزوج خديجة ﵂ بعد أن بلغ الخامسة والعشرين، فإنه لم يعرف عنه أنه فكر في الزواج من قبل هذه السن (١)؛ لأنه كان عفًّا كريماً، لم يقع منه في طفولته، ما يشين الكرامة .. وهو ليس حصوراً، كما دلت على ذلك حياته من بعد، وما كان خاملاً في قومه، بل هو الذي إذا خطب لا تُرَدُّ خطبته، وكان فيه خُلُق قويم يجعل القلوب تهفو إليه، وفيه جمال يجعل الأنَظار تتعلق به، وتشرئب الأعناق إليه! نعم، إنه لم يكن غنيًّا، ولكنه تعود منذ نعومة أظفاره أن يكون عاملاً، فرعى الغنم، ثم اتّجر، وإذا كان الاتجار لم يأت بمال موفور يرفعه إلى الثراء، فقد كان فيه الاكتفاء، فلماذا إذن تأخر في الزواج؟ إن الذي نلمسه من تاريخ حياته في ابتدائها، حتى صار شابًّا ممتلئ الشباب أنه ما كان يعير شهوات البدن اهتماماً، فليس للنساء موضع في تفكيره .. وما كان محمد في أي دور من أدوار حياته يهتم بما يهتم به الشباب في هذه الفترة من حياتهم، لا عن ضعف في النفس، ولكن عن قوة فيها، وهمة عالية تتجه

стр. 484

إلى معالي الأمور، وعزيمة صادقة، وإرادة قوية، لا تجعل للهوى سلطاناً عليها، بل تجعل كل العواطف تحت سلطانها والغايات العليا هي التي تجذبها! وهنا نبصر بسط الرزق والزواج المبارك، بعد حياة رعي الغنم والعمل في التجارة، وكيف كانت المنحة بعد المحنة، وكيف كان التوافق، فهي امرأة شريفة، ذات ثراء، وهو رجل كامل عامل قوي أمين، أغناها بأمانته، وكفلها برجولته، ووجه مالها إلى الخير، بحسن نيّته، وطيب طويّته! وقد كان يعمل لها في المال من قبل بأجر، تطيب به نفسها، ويكسب مالها على يديه أضعاف أضعاف ما عند الآخرين .. ولو استمر يعمل في مالها ومال غيرها، لأدرّ عليه الكثير الكثير .. ولو كان يبتغي المال وأعراض هذه الدنيا، لنال الشباب والمال معاً! ولكنه ﷺ رأى أن يعمل في مالها بغير أجر، وأن يضاعفه بغير ثمن، وأن تكون أم ولده، لطيب عرفها، وشرف نسبها، وقد تخيّر لنطفته، فاختار أكمل امرأة في قريش، وأعلاها في المكرمات كعباً، وقد اختارها الله تعالى لتكون له ردءاً في شدائده، تواسيه بالكلمة والعطف والحنان، في وقت اشتد فيه البلاء، وعظم الابتلاء، فأعنته المخالفون، وكان عزيزاً عليه أن يُعنتهم، فكان في حاجة ماسّة إلى من يأوي إليه، كما هو في حاجة ماسة إلى من يذود عنه! وإذا كانت امرأة نوح وامرأة لوط قد تخاذلتا عن معاونة النبيّيْن الصالحيْن، فإن خديجة أعلت شأن النساء قاطبة، فكانت الزوج الملهمة المواسية، الودود العطوف الولود، حين يلقى قريشاً وصدودها، وعداوتها وجفوتها، يجد في بيتها برداً وسلاماً!

стр. 485

وإذا كان قد فقد عطف الأم الرؤوم في صدر حياته في وقت الحاجة، فقد عوضه الله تعالى في خديجة زوجاً ورفيقة حياة مباركة طيّبة! ولنا حديث خاص عن ذلك نفصل القول فيه بعون الله وتوفيقه! أغنى الله اليتيم: ويطالعنا قول الحق ﵎: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ (الضحى) فهل طغى واستعلى؟! وهل عبث وتلهّى؟! وهل اتخذ الحياة لعباً ولهواً؟ وهل أخذ في التكاثر والمكاثرة؟! لا شيء من ذلك، إنما يفعل ذلك من اتخذ المال غاية، ولم يتخذه سبيلاً للخير، وعون الإنسان لأخيه الإنسان! والرسول ﷺ ما اتخذ المال بغية يبتغيها، ولا غاية يتطلع إليها، وما أراد التكاثر، وما عرفه في أي دور من أدوار حياته! إنما اتخذه وسيلة للمكرمات يقوم عليها، وللخير يسديه، فكان يطعم الكَلّ، ويعين على نوائب الدهر، ولا يجد ذا حاجة إلى العون إلا أعانه، ولا ذا خصاصة إلا سدها، ولا ذا مسغبة إلا أشبعه، ولا ذا متربة إلا رفعه .. كان ﷺ يبحث عن مواضع الحاجة فيرأب ثلمتها! وكل من حوله كانوا ممدودين بعونه وفضله وخُلُقه، ومن هنا كان الخير في حياته ﷺ عميماً، والفضل كثيراً!

стр. 486

وهنا نبصر الحياة في سرائها وضرائها، في كريهتها ومنشطها، في ضيقها ورخائها .. ونبصر من عاش مع الضعفاء شاعراً بضعفهم وبإحساسهم، لا يسير وراء الأماني والأحلام! ثم جاء المال، فكان الشاكر الذي يفيض بالخير على غيره، ويعلم حق المال في مورده ومصرفه معاً، فلا يكسب إلا من طيب، ولا ينفق إلا في طيب، وهو في كسبه وإنفاقه لا يكون إلا نافعاً، فكسبه طيّب، وصرفه طيّب! وهكذا نبصر في حياة الرسول ﷺ قبل البعثة أنه ضرب للناس أعلى مثل للعامل الصابر، والغني الشاكر الذي عاش كالضعفاء في غناه، فكان غني النفس في الحالتين! الرسول ﷺ يعمل في بناء الكعبة: والناظر إلى موضع الكعبة المشرفة من مكة المكرمة، يراها في مطمئن من الأرض (١)، تحيط بها الجبال من كل جانب، مما جعلها في الأزمنة الغابرة قبل أن يعمر ما حواليها بالبيوت والمساكن، ومشيد البنيان، عرضة لجوارف السيل، وقد خافت قريش عواقب ذلك على البيت أن تهدمه السيول، فأقامت ردماً من حوله جعلوه مطلاً على البيت لحمايته، فكانت السيول تأتي من فوق هذا الردم حتى كادت تزيله، وكانت تعلوه حتى تدخل البيت، فتصدع وخافوا أن ينهدم، وكانت أبواب البيت لاطئة بالأرض، فسرقت خزائنه وهداياه التي كانت تهدى إليه، فتلقى في بئر داخله، فاجتمعت قريش وقالوا: لو بنينا بيت ربنا، وكان البيت شرفهم وعزهم، فقسموه أرباعاً واقترعوا عليه!

стр. 487

ولما أجمعوا أمرهم على بناء الكعبة وبنيانها، قام فيهم أبو وهب ابن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم -كما قال ابن إسحاق- (١) فقال لهم: (يا معشر قريش، لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيباً، لا يدخل فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس)! وعند موسى بن عقبة: أن الذي أشار عليهم بذلك هو الوليد بن المغيرة المخزومي، وأنه قال فيهم: (لا تجعلوا فيه مالاً أُخذ غصباً، ولا قطعت فيه رحم، ولا انتهكت فيه ذمة) (٢)! ثم أخذوا في البناء على مواضعهم، وقد شارك النبي ﷺ في البناء (٣)، فلما انتهوا إلى حيث يوضع الركن الأسود من البيت قالت كل قبيلة: (نحن أحق بوضعه، واختلفوا حتى خافوا القتال، ثم جعلوا بينهم حكماً أول من يدخل من باب بني شيبة، فيكون هو الذي يقضي بينهم، فكان أول داخل عليهم من ذلك الباب محمد بن عبد الله ﷺ ، فقد روى أحمد من حديث السائب بن عبد الله بسند حسن، وفيه: فقال بطن من قريش: نحن نضعه، وقال آخرون: نحن نضعه، فقالوا: اجعلوا بينكم حكماً، قالوا: أول رجل يطلع علينا من الفج، فجاء النبي ﷺ فقالوا: أتاكم الأمين، فقالوا له، فوضعه في ثوب، ثم دعا بطونهم، فأخذوا بنواحيه، فوضعه هو ﷺ ) (٤)!

стр. 488

٤ - التكامل المحمدي: ورابع ما يطالعنا: التكامل المحمدي، وذلك أن الظاهرة الاجتماعيّة التي كانت تسم البيئة العربيّة بميسمها (١)، وتعنون الحياة فيها بعنوانها، شظف العيش، وخلو اليد من حطام الدنيا، فقد ولد الرسول ﷺ -كما أسلفنا- يتيماً، راعياً للغنم، عاملاً، ولهذا أثره العميق في تمحيص خصيصة الإنسانيّة العليا في الأفراد الذين تلزمهم أيام شبابهم، وهي أيام اجتماع قوى الاندفاع، وعناصر الهوى النفسي، ونزغات المراهقات، ومنافذ الغرائز الماديّة النهمة، ومسارب استطالة الشباب وطموحه .. وهو تمحيص سياق أشد المشقة، ولا تبصر له إلا نفس قوية التركيب البنائي في تكوينها، ومن ثم كانت مثله التاريخية آحادًا من الأفذاذ في القرون والحقب .. ومن عجائبه أنه يتجاوب في يسر مع النزعات الدينيّة الداعية إلى الإيمان بالغيب، فتكثر نسبيًّا أمثلته من النماذج الحيّة في أوقات تسود فيها الروحانيّة .. فإذا عاشت شخصيّة الممحّص، وخرجت منه كما خرج محمد ﷺ في شبابه، أكمل الناس إنسانيّة، وأعظمهم خلقاً، وأضخمهم أمانة، وأبعدهم عما يشين مروءة الرجال، حتى ما يستطيع عدو بَلْه ولياً أن يقول فيه، لو، ولا، وليت، ومن ثم كانت شخصيّة محمد خاتم النبيّن ﷺ هي النموذج الأعلى لكمال خصيصة الإنسانيّة العليا في فرد من بني الإنسان! تكافؤ الخلق: وهنا نبصر ظاهرة التكافؤ الخلقي في شخصية الرسول ﷺ ، ونعني بالتكافؤ

стр. 489

الخلقي أن أخلاق الرسول ﷺ كانت تنبع من فطرته بنسب متفقة، فصبره مثل شجاعته، وشجاعته مثل كرمه، وكرمه مثل حلمه، وحلمه مثل رحمته، ورحمته مثل مروءته .. وهكذا لا تجد له خُلقاً في موضعه من الحياة يزيد أو ينقص على خلق آخر في موضعه منها، ومن هنا كان جماع أمره عند قومه (الأمين)، وهذا يمثل التكافؤ الخلقي، أصدق تمثيل! هذا التكافؤ الخلقي في وجوده الواقعي، في شخصيّة محمد خاتم النبيّين ﷺ يوشك أن يكون معجزة الحياة في الإنسان .. لأن التاريخ لم يذكر من النماذج العليا للبشريّة من كان هذا التكافؤ الخلقي خليقته العامة سوى محمد خاتم النبيّين ﷺ ! وإذا ذكر غيره من النماذج العليا ذكره عنواناً لتبرير جزئي في بعض الأخلاق والفضائل، فهذا مثل مضروب في الصبر، وذاك في الحلم، وثالث في الكرم، ورابع في الشجاعة .. وهكذا تتفرق النهايات في الأخلاق والفضائل في نماذج متعددة .. ولكنها تجتمع متكافئة في شخصية محمد خاتم النبيّين ﷺ ، وهذا هو سر الإعجاز الإنساني في حياته ﷺ ! وهذا التكافؤ الخلقي في وجوده الواقعي في شباب الرسول ﷺ معجزة الإنسان في الحياة؛ لأن الشباب معترك الغرائز، وهي مختلفة الأغراض والغايات، فالتكافؤ الخلقي في الشباب ضرب من المحالات في متعارف الحياة، فإذا حققه الوجود الواقعي في شباب محمد خاتم النبيّين ﷺ كان وجوده معجزة الإنسان في الحياة! وهذا التكافؤ الخلقي في وجوده الواقعي في شباب الرسول ﷺ مع ملازمة الظاهرة الاجتماعيّة الأولى لحياته في شبابه من شظف العيش -كما أسلفنا-

стр. 490

ضرب آخر من الإعجاز الإنساني في الحياة؛ لأن تلك الظاهرة الاجتماعيّة كانت قمينة أن تدعو الشباب إلى طيش الغرائز، فتنقلب به الفضائل إلى رذائل جامحة، فوجود ضابط نفسي يعصم الإنسان من الانزلاق وراء تيّارات الغرائز في إبان قوتها العارمة هو الآية الكبرى على أن التكافؤ الخلقي الذي ينبع منه ذلك الضابط النفسي ليس من صنع الإنسان! والتكافؤ الخلقي بهذا المقياس لم تعرفه الحياة الواقعيّة لإنسان غير محمد خاتم النبيّين ﷺ ، وهو في ذاته مفطور مجبول، لم يصنعه علم ولا تثقيف؛ لأن بيئته في شبابه لم تكن بيئة علم وثقافة! ومن الطبيعي أن تكون ثمرات هذا التكافؤ الخلقي محدودة بحدود البيئة التي عاش فيها .. حتى إذا أتيح له أن يمتد ويتسع مع الرسالة العامة الخالدة امتد واتسع، فكان هو العنوان الذي رسم به القرآن الكريم الفضيلة العليا في حياة الرسول ﷺ ، فقال في معرض الرد عنه مدافعاً ومادحاً: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (القلم). وهذا التعبير في موضعه يكافئ تعبير الفطرة الملقى على ألسنة قومه في تسميته (الأمين) فكما مثل (الأمين) التكافؤ الخلقي هناك أصدق تمثيل مثّله هنا في دور الرسالة العامة الخالدة (الخلق العظيم) أصدق تمثيل! والفرق بين التعبيرين هو الفرق بين (محمد المرسل رحمة للعالمين)، و (محمد الشاب الأمين)! وفي تعبير القرآن الكريم، إشارة إلى عمل في التكافؤ فوق عمل الفطرة والجبلة، وهو أثر النبوة والرسالة! والخلق الأصيل النابع من الفطرة لا تملك المؤثرات الطارئة أن تغيّره، فهو

стр. 491

يستطيع أن يتغلب على الظواهر الاجتماعيّة ويوجهها في طريق الفضيلة، حتى تصبح تلك الظواهر عند صاحب هذا الخلق الأصيل النابع من الفطرة فضيلة من فضائله! هكذا يصور التاريخ الواقعي شخصية محمد خاتم النبيين ﷺ في شبابه، حتى تزوج خديجة ﵂ وهي امرأة حسيبة شريفة كثيرة المال، عرفت محمداً ﷺ في شظف عيشه وقلة ذات يده، وعرفته في تكافئه الخلقي، فرغبت فيه لهذه المعرفة، وتزوجته بعد هذه المعرفة! ولكن الرسول ﷺ ظل بعد هذا الزواج كما كان منذ وُلد ونهد وشب، يعيش في شظف عيشه، لا من قلة المال في يده؛ بل لأن خصّيصة التكافؤ الخلقي عنده طبعته على الزهادة في الحياة الماديّة المترهلة التي كانت تحياها مكة وتعيش فيها قريش، وطبعته على التسامي بنفسه عن المطامع التي تتحلّب لها أشداق الماديّين إذا هبط عليهم الثراء من غير كدّ ولا تعب! فعمل التكافؤ الخلقي هنا أبلغ من عمله هناك؛ لأن حياة الرسول ﷺ ، قبل زواجه خديجة -رضي الله تعالى عنها - كانت حياة تقلل من الدنيا؛ لأنها كانت في يده قليلة، أو لأنه لم يكن في يده منها شيء، فالفضيلة فيها في قوة الصبر على عدم التطلع إليها، وتطلبها بما يميل بميزان التكافؤ الخلقي فيبطل عمله، وحياته بعد زواجه حياة تقلل من الدنيا وهي ملء يده، فالفضيلة فيها في قوة الصبر معها على الانزلاق في غمرات المادية التي تدفع إلى الانزلاق فيها البيئة ومؤثراتها! ومضى محمد خاتم النبيّين ﷺ في حياته الجديدة أميناً مع نفسه، أميناً مع قومه، أميناً مع زوجه، أميناً لماضيه، أميناً لمستقبله .. وبقي يعيش في

стр. 492

ظاهرتيه من شظف العيش والتكافؤ الخلقي، حتى كأن آخر حياة شبابه منها صورة من أولها! ولنا حديث خاص عن ذلك نفصل القول فيه بعون الله وتوفيقه! خصال الكمال: وخصال الجمال والكمال في البشر -كما قال القاضي عياض- نوعان (١): (ضروري دنيوي، اقتضته الجبلّة، وضرورة الحياة الدنيا! ومكتسب ديني، وهو ما يحمد فاعله، ويقرّب إلى الله تعالى زلفى! ثم هي على فئتين أيضاً: منها ما يتخلص لأحد الوصفين! وما يتمازج ويتداخل! فأما الضروري المحض، فما ليس للمرء فيه اختيار، ولا اكتساب، مثل ما كان في جبلته ﵊ من كمال خِلْقته، وجمال صورته، وقوة عقله، وصحة فهمه، وفصاحة لسانه، وقوة حَواسه وأعضائه، واعتدال حركاته، وشرف نسبه، وعزة قومه، وكرم أرضه، ويلحق به ما تدعوه ضرورة حياته إليه من غذائه ونومه، وملبسه ومسكنه، ومنكحه وماله وجاهه! وأما المكتسبة الأخرويّة، فسائر الأخلاق العليّة، والفضائل الشرعيّة، من الدين والعلم والحلم، والصبر والشكر، والعدل والزهد، والصمت والتؤدة، والوقار والرَّحمة، وحسن الخُلق والمعاشرة وأخواتها، وهي التي جماعها حسن الخلق)!

стр. 493

يقول الشيخ أبو زهرة: ونرى من هذا أن القاضي عياض قد قسّم الأوصاف التي تحلّى بها النبي ﵊ إلى قسمين: أحدهما: كان بالفطرة الإنسانيّة، وهي كمال الفطرة، ويلحق بها أوصافه الجسمية ﷺ ! وثانيهما: ما اكتسبه بمقتضى التعاليم الشرعيّة، وذكر منها التواضع والحلم، والصبر والشكر، وحسن المعاملة، وبشكل عام ما يتعلق بحسن الأخلاق الذي هو جماع الفضائل الإنسانية، ويذكر أن من هذه الصفات المكتسبة بحكم الشرع الشريف والوحي إليه، مما تلتقي فيه الفطرة المستقيمة مع الوحي، فالجود والتواضع، والصبر، والفصاحة، والتأني، وحسن التأتي للأمور، والرفق في القول والعمل، ولين الجانب من غير ضعف، والقول الحق من غير عنف، كل هذه الصفات كانت في محمد بن عبد الله ﷺ ، كانت فيه بفطرته المستقيمة وبتهيئة الله تعالى قبل الرسالة، إعداداً لهذا المنصب الخطير، وهو رسالة الله تعالى إلى خلقه! العقل المحمدي: ولم يتوافر العقل الإنساني كما توافر في الرسول ﷺ ، ولو لم ينزل عليه الوحي ويخاطب من السماء لكان عقله وحده كافياً لأن ينشئ دولة، ويقيم مجتمعاً طيّباً فاضلاً، ولكن أتمّ الله عليه نعمته، فجعله نبياً مرسلاً، فاجتمع له الكسب الذاتي بالإدراك بالفطرة الإنسانية العالية المكتملة بالتكوين الإنساني، والرسالة الإلهيّة الهادية المرشدة، وكانت الأولى مقدمة للثانية، وما كانت إحداهما لتغني عن الأخرى!

стр. 494

فما كانت الرسالة تجيء لغير عقل كامل، وفكر مدرك، وشخصيّة كريمة اختارها الله تعالى لموضع رسالته وحمل أمانته! وما كانت الكفاية العقليّة في أسمى علوها بمغنية عن الرسالة؛ لأن العقل لا يمكن أن يكون وحده كافياً في تدبير الحاضر والقابل إلى يوم الدين، إنما العقل يدبّر ما يحيط به، وهو من غير هداية الوحي لا يفكر إلا فيما بين يديه، ولا يخترق الحجُب والأستار إلى ما وراء ما لديه، فلابد من علم الله يمده بعلم القابل، وهو عالم الغيب والشهادة، فمهما تكن قوة العقل، فإنه لا يستطيع أن يصلح غير زمانه، وكل شيء عند ربك بمقدار! ومنذ نشأ الرسول ﷺ والعقل المكتمل حليته العليا التي سما بها على الغلمان أترابه، ومنذ استوى غلاماً والعقل يزينه، ولقد بدا ذلك واضحاً لكل من عرفه، وسبق أن ذكرنا طرفاً من ذلك! ونحن حين نتكلم على قوته العقلية النافذة إلى الحقائق، لا إلى المظاهر وحدها، نتعرض لنفوره من التقليد من غير دليل، حيث نفر من عادات الجاهليّة التي كانت تحرم وتحلل من غير بيّنة، ولا علم قائم على الحقائق المقررة الثابتة، ومن ثم لم يسجد لصنم قط؛ لأن حكم العقل يتقاضاه ألا يسجد لمن لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ويكره ذكر الأصنام وعبادتها! وحسبنا أن قريشاً قد علمت بكمال عقله، وقوة إدراكه، فرضيت به حكماً، ساعة أن احتدم الجدل، وكادت المعارك أن تنصب -كما عرفنا- في شأن وضع الحجر! وحسبنا -أيضاً- أنه ﷺ لم يخض مع الخائضين في العصبيّة الجاهليّة، فلم ينطق بها، ولم يجادل حولها، وأنه كان يحب الوئام والسلام!

стр. 495

قال القاضي عياض: (وأما وفور عقله، وذكاء لبّه، وقوة حواسه، وفصاحة لسانه، واعتدال حركاته، وحسن شمائله، فلا مرية أنه كان أعقل الناس وأذكاهم، ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلْق وظواهرهم، وسياسة العامة والخاصة، مع عجيب شمائله، وبديع سيره، فضلاً عما أفاضه من العلم وقرره من الشرع، دون تعلم سابق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب منه، لم يمتر في رجحان عقله، وثقوب فهمه، لأول بديهة، وهذا مما لا يحتاج إلى تقريره لتحققه)! ولقد قال وهب بن منبه: (قرأت في إحدى وسبعين كتاباً، فوجدت في جميعها أن النبي ﷺ أرجحُ الناس عقلاً، وأفضلهم رأياً، وفي رواية أخرى: فوجدت في جميعها أن الله لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله ﷺ إلا كحبة رمل من بين رمال الدنيا) (١)! وقال ابن كثير: (معلوم لكل ذي لب أن محمداً ﷺ من أعقل خلق الله، بل أعقلهم وأكملهم على الإطلاق في نفس الأمر) (٢)! وقد بدت مظاهر عقله واضحة بعد البعثة في سياسة رعيته، وهكذا كان وفور العقل قبل البعثة وبعدها!
следующие страницы →