يستطيع أن يتغلب على الظواهر الاجتماعيّة ويوجهها في طريق الفضيلة، حتى تصبح تلك الظواهر عند صاحب هذا الخلق الأصيل النابع من الفطرة فضيلة من فضائله!
هكذا يصور التاريخ الواقعي شخصية محمد خاتم النبيين ﷺ في شبابه، حتى تزوج خديجة ﵂ وهي امرأة حسيبة شريفة كثيرة المال، عرفت محمداً ﷺ في شظف عيشه وقلة ذات يده، وعرفته في تكافئه الخلقي، فرغبت فيه لهذه المعرفة، وتزوجته بعد هذه المعرفة!
ولكن الرسول ﷺ ظل بعد هذا الزواج كما كان منذ وُلد ونهد وشب، يعيش في شظف عيشه، لا من قلة المال في يده؛ بل لأن خصّيصة التكافؤ الخلقي عنده طبعته على الزهادة في الحياة الماديّة المترهلة التي كانت تحياها مكة وتعيش فيها قريش، وطبعته على التسامي بنفسه عن المطامع التي تتحلّب لها أشداق الماديّين إذا هبط عليهم الثراء من غير كدّ ولا تعب!
فعمل التكافؤ الخلقي هنا أبلغ من عمله هناك؛ لأن حياة الرسول ﷺ ، قبل زواجه خديجة -رضي الله تعالى عنها - كانت حياة تقلل من الدنيا؛ لأنها كانت في يده قليلة، أو لأنه لم يكن في يده منها شيء، فالفضيلة فيها في قوة الصبر على عدم التطلع إليها، وتطلبها بما يميل بميزان التكافؤ الخلقي فيبطل عمله، وحياته بعد زواجه حياة تقلل من الدنيا وهي ملء يده، فالفضيلة فيها في قوة الصبر معها على الانزلاق في غمرات المادية التي تدفع إلى الانزلاق فيها البيئة ومؤثراتها!
ومضى محمد خاتم النبيّين ﷺ في حياته الجديدة أميناً مع نفسه، أميناً مع قومه، أميناً مع زوجه، أميناً لماضيه، أميناً لمستقبله .. وبقي يعيش في
стр. 492
ظاهرتيه من شظف العيش والتكافؤ الخلقي، حتى كأن آخر حياة شبابه منها صورة من أولها!
ولنا حديث خاص عن ذلك نفصل القول فيه بعون الله وتوفيقه!
خصال الكمال:
وخصال الجمال والكمال في البشر -كما قال القاضي عياض- نوعان (١):
(ضروري دنيوي، اقتضته الجبلّة، وضرورة الحياة الدنيا!
ومكتسب ديني، وهو ما يحمد فاعله، ويقرّب إلى الله تعالى زلفى!
ثم هي على فئتين أيضاً:
منها ما يتخلص لأحد الوصفين!
وما يتمازج ويتداخل!
فأما الضروري المحض، فما ليس للمرء فيه اختيار، ولا اكتساب، مثل ما كان في جبلته ﵊ من كمال خِلْقته، وجمال صورته، وقوة عقله، وصحة فهمه، وفصاحة لسانه، وقوة حَواسه وأعضائه، واعتدال حركاته، وشرف نسبه، وعزة قومه، وكرم أرضه، ويلحق به ما تدعوه ضرورة حياته إليه من غذائه ونومه، وملبسه ومسكنه، ومنكحه وماله وجاهه!
وأما المكتسبة الأخرويّة، فسائر الأخلاق العليّة، والفضائل الشرعيّة، من الدين والعلم والحلم، والصبر والشكر، والعدل والزهد، والصمت والتؤدة، والوقار والرَّحمة، وحسن الخُلق والمعاشرة وأخواتها، وهي التي جماعها حسن الخلق)!
стр. 493
يقول الشيخ أبو زهرة: ونرى من هذا أن القاضي عياض قد قسّم الأوصاف التي تحلّى بها النبي ﵊ إلى قسمين:
أحدهما: كان بالفطرة الإنسانيّة، وهي كمال الفطرة، ويلحق بها أوصافه الجسمية ﷺ !
وثانيهما: ما اكتسبه بمقتضى التعاليم الشرعيّة، وذكر منها التواضع والحلم، والصبر والشكر، وحسن المعاملة، وبشكل عام ما يتعلق بحسن الأخلاق الذي هو جماع الفضائل الإنسانية، ويذكر أن من هذه الصفات المكتسبة بحكم الشرع الشريف والوحي إليه، مما تلتقي فيه الفطرة المستقيمة مع الوحي، فالجود والتواضع، والصبر، والفصاحة، والتأني، وحسن التأتي للأمور، والرفق في القول والعمل، ولين الجانب من غير ضعف، والقول الحق من غير عنف، كل هذه الصفات كانت في محمد بن عبد الله ﷺ ، كانت فيه بفطرته المستقيمة وبتهيئة الله تعالى قبل الرسالة، إعداداً لهذا المنصب الخطير، وهو رسالة الله تعالى إلى خلقه!
العقل المحمدي:
ولم يتوافر العقل الإنساني كما توافر في الرسول ﷺ ، ولو لم ينزل عليه الوحي ويخاطب من السماء لكان عقله وحده كافياً لأن ينشئ دولة، ويقيم مجتمعاً طيّباً فاضلاً، ولكن أتمّ الله عليه نعمته، فجعله نبياً مرسلاً، فاجتمع له الكسب الذاتي بالإدراك بالفطرة الإنسانية العالية المكتملة بالتكوين الإنساني، والرسالة الإلهيّة الهادية المرشدة، وكانت الأولى مقدمة للثانية، وما كانت إحداهما لتغني عن الأخرى!
стр. 494
فما كانت الرسالة تجيء لغير عقل كامل، وفكر مدرك، وشخصيّة كريمة اختارها الله تعالى لموضع رسالته وحمل أمانته!
وما كانت الكفاية العقليّة في أسمى علوها بمغنية عن الرسالة؛ لأن العقل لا يمكن أن يكون وحده كافياً في تدبير الحاضر والقابل إلى يوم الدين، إنما العقل يدبّر ما يحيط به، وهو من غير هداية الوحي لا يفكر إلا فيما بين يديه، ولا يخترق الحجُب والأستار إلى ما وراء ما لديه، فلابد من علم الله يمده بعلم القابل، وهو عالم الغيب والشهادة، فمهما تكن قوة العقل، فإنه لا يستطيع أن يصلح غير زمانه، وكل شيء عند ربك بمقدار!
ومنذ نشأ الرسول ﷺ والعقل المكتمل حليته العليا التي سما بها على الغلمان أترابه، ومنذ استوى غلاماً والعقل يزينه، ولقد بدا ذلك واضحاً لكل من عرفه، وسبق أن ذكرنا طرفاً من ذلك!
ونحن حين نتكلم على قوته العقلية النافذة إلى الحقائق، لا إلى المظاهر وحدها، نتعرض لنفوره من التقليد من غير دليل، حيث نفر من عادات الجاهليّة التي كانت تحرم وتحلل من غير بيّنة، ولا علم قائم على الحقائق المقررة الثابتة، ومن ثم لم يسجد لصنم قط؛ لأن حكم العقل يتقاضاه ألا يسجد لمن لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ويكره ذكر الأصنام وعبادتها!
وحسبنا أن قريشاً قد علمت بكمال عقله، وقوة إدراكه، فرضيت به حكماً، ساعة أن احتدم الجدل، وكادت المعارك أن تنصب -كما عرفنا- في شأن وضع الحجر!
وحسبنا -أيضاً- أنه ﷺ لم يخض مع الخائضين في العصبيّة الجاهليّة، فلم ينطق بها، ولم يجادل حولها، وأنه كان يحب الوئام والسلام!
стр. 495
قال القاضي عياض:
(وأما وفور عقله، وذكاء لبّه، وقوة حواسه، وفصاحة لسانه، واعتدال حركاته، وحسن شمائله، فلا مرية أنه كان أعقل الناس وأذكاهم، ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلْق وظواهرهم، وسياسة العامة والخاصة، مع عجيب شمائله، وبديع سيره، فضلاً عما أفاضه من العلم وقرره من الشرع، دون تعلم سابق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب منه، لم يمتر في رجحان عقله، وثقوب فهمه، لأول بديهة، وهذا مما لا يحتاج إلى تقريره لتحققه)!
ولقد قال وهب بن منبه:
(قرأت في إحدى وسبعين كتاباً، فوجدت في جميعها أن النبي ﷺ أرجحُ الناس عقلاً، وأفضلهم رأياً، وفي رواية أخرى: فوجدت في جميعها أن الله لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله ﷺ إلا كحبة رمل من بين رمال الدنيا) (١)!
وقال ابن كثير:
(معلوم لكل ذي لب أن محمداً ﷺ من أعقل خلق الله، بل أعقلهم وأكملهم على الإطلاق في نفس الأمر) (٢)!
وقد بدت مظاهر عقله واضحة بعد البعثة في سياسة رعيته، وهكذا كان وفور العقل قبل البعثة وبعدها!
стр. 496
بلاغة الرسول ﷺ -:
(وأما عن بلاغته ﷺ ، فحسبنا أن فصاحته من السمت الذي لا يؤخذ فيه على حقه، ولا يتعلق بأسبابه متعلق -كما يقول الرافعي- (١) فإن العرب وإن هذبوا الكلام وحذقوه، وبالغوا في إحكامه وتجويده، إلا أن ذلك قد كان منهم عن نظر متقدم، وروية مقصودة، وكان عن تكلف يستعان له بأسباب الإجادة التي تسمو إليها الفطرة اللغويّة فيهم، فيشبه أن يكون القول مصنوعاً مقدراً، على أنهم مع ذلك لا يسلمون من عيوب الاستكراه والزلل والاضطراب، ومن حذف في موضع إطناب، وإطناب في موضع إيجاز، ومن كلمة غيرُها أليق، ومعنى غيره أردُّ، ثم هم في باب المعاني ليس لهم إلا حكمة التجربة، وإلا فضل ما يأخذ بعضهم عن بعض، قلّ ذلك أو كثر، والمعاني هي التي تعمر الكلام، وتستتبع ألفاظه، وبحسبها يكون ماؤه ورونقه، وعلى مقدارها وعلى وجه تأديتها. يكون مقدار الرأي فيه ووجه القطع به!
بيد أن الرسول ﷺ كان أفصح العرب؛ على أنه لا يتكلّف القول، ولا يقصد إلى تزيينه، ولا يبغي إليه وسيلة من وسائل الصنعة، ولا يجاوز به مقدار الإبلاغ في المعنى الذي يريده، ثم لا يعرض له في ذلك سقَط ولا استكراه، ولا تستزله الفجاءة وما يبده من أغراض الكلام عن الأسلوب الرائع، وعن النمط الغريب والطريقة المحكمة، بحيث لا يجد الناظر إلى كلامه طريقاً يتصفح منه صاعداً أو منحدراً، ثم أنت لا تعرف له إلا المعاني التي هي إلهام النبوة، ونتاج الحكمة، وغاية العقل، وما إلى ذلك مما يخرج به الكلام وليس فوقه مقدار إنساني من البلاغة والتسديد وبراعة القصد والمجيء في كل ذلك من وراء الغاية!
стр. 497
وإن كان كلام الرسول ﷺ لكما قال الجاحظ:
(هو الكلام الذي قل عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وجل عن الصنعة، ونزه عن التكلف .. استعمل المبسوط في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجرَ الغريب الوحشيّ، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا (١) عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشد بالتأييد، ويسر بالتوفيق، وهذا الكلام الذي ألقى الله تعالى المحبة عليه، وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حُسن الإفهام، وقلة عدد الكلام، هو مع استغنائه عن إعاداته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته، لم تسقط له كلمة، ولا زلّت له قدم، ولا بارتْ له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذّ (٢) الخطب الطوال بالكلام القصير، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلَج (٣) إلا بالحق، ولا يستعن بالخلابة، ولا يستعمل المواربة، ولا يهمز ولا يلمز، ولا يبطئ ولا يعجل، ولا يسهب ولا يحصر، ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعاً، ولا أصدق لساناً لفظاً، ولا أعدل وزناً، ولا أجمل مذهباً، ولا أكرم مطلباً، ولا أحسن موقعاً، ولا أسهل مخرجاً، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين عن فحواه، من كلامه ﷺ )!
(ولا نعلم أن هذه الفصاحة قد كانت له ﷺ إلا توفيقاً من الله وتوقيفاً، إذ ابتعثه للعرب، وهم قوم يقادون من ألسنتهم، ولهم المقامات المشهورة في
стр. 498
البيان والفصاحة، ثم هم مختلفون في ذلك، على تفاوت ما بين طبقاتهم في اللغات، وعلى اختلاف مواطنهم، فمنهم الفصيح والأفصح، ومنهم الجافي والمضطرب، ومنهم ذو اللوثة والخالص في منطقه، إلى ما كان من اشتراك اللغات وانفرادها بينهم، وتخصص بعض القبائل بأوضاع وصيغ مقصورة عليهم، لا يساهم فيها غيرهم من العرب، إلا من خالطهم أو دنا منهم دنو المأخذ)!
(فكان ﷺ يعلم كل ذلك على حقه، كأنما تكاشفه أوضاع اللغة بأسرارها وتبادره بحقائقها، فيخاطب كل قوم بلحنهم وعلى مذهبهم، ثم لا يكون إلا أفصحهم خطاباً، وأسدّهم لفظاً، وأبينهم عبارة، ولم يُعرف ذلك لغيره من العرب، ولو عُرف لقد كانوا نقلوه وتحدّثوا به واستفاض فيهم)!
(ومثل هذا لا يكون لرجل من العرب إلا عن تعليم أو تلقين أو رواية عن أحياء العرب حيًّا بعد حي، وقبيلاً بعد قبيل، حتى يَفْلى (١) لغاتهم، وبتتبع مناطقهم، مستفرغاً في ذلك متوفّراً عليه، وقد علمنا أنه ﷺ لم يتهيّأ له شيء مما وصفنا، ولا تهيأ لأحد من سائر قومه على ذلك الوجه، علماً ليس بالظن، ويقيناً لا مساغ للشبهة فيه، إذا ترادفت به طرق الأخبار المتواترة، وكان مصداقه من أحوال العرب أنفسهم، فما عُرف أن أحداً منهم تقصص اللغات، وحفظ ما بينها من فروق الأوضاع، واختلاف الصيغ، وأنواع الأبنية، واستقصى لذلك يستظهر به عليهم، أو ينتحله فيهم، بل كانت هذه الأسباب مقطوعة منهم؛ لا تجد في الطبيعة ما يمتد بها أو ينمّيها، أو يجعل لها عندهم شأناً، أو يبغيها حاجة من الحاجات الباعثة عليها، فليس إلا أن يكون ما خص به النبي ﷺ من ذلك قد
стр. 499
كان توفيقاً وإلهاماً من الله، أو ما هذه سبيله، مما لا ننفذ في أسبابه، ولا نقضي فيه بالظن، فقد علمه الله من أشياء كثيرة ما لم يكن يعلم، حتى لا يعيا بقوم إن وردوا عليه، ولا يحصر إن سألوه، ولا يكون في كل قبيل إلا منهم، لتكون الحجة به أظهر، والبرهان على رسالته أوضح، وليعلم أن ذلك له خاصة من دون العرب، فهو يفي بهم في هذه الخصلة البيِّنة، كما يفي بهم في خصال أخرى كثيرة .. فهذه واحدة!
وأما الثانية فقد كان الرسول ﷺ في اللغة القرشيّة التي هي أفصح اللغات وألينها، بالمنزلة التي لا يدافع عليها، ولا ينافس فيها، وكان من ذلك في أقصى النهاية، وإنما فضلهم بقوة الفطرة واستمرارها وتمكنها، مع صفاء الحس ونفاذ البصيرة، واستقامة الأمر كله، بحيث يصرف اللغة تصريفاً، ويديرها على أوضاعها، ويشقق منها في أساليبها ومفرداتها ما لا يكون لهم إلا القليل منه؛ لأن القوة على الوضع والكفاية في تشقيق اللغة وتصاريف الكلام، لا تكون في أهل الفطرة مزاولةً ومعاناةً، ولا بعد نظر فيها وارتياض لها، إنما هي إلهام بمقدار، تهيئ له الفطرة القوية، وتعين عليه النفس المجتمعة، والذهن الحاد، والبصر النفاذ، فعلى حسب ما يكون للعربي في هذه المعاني تكون كفايته ومقدار تسديده في باب الوضع)!
(وليس في العرب قاطبة من جمع الله فيه هذه الصفات، وأعطاه الخالص منها، وخصه بجملتها، وأسلس له مآخذها، وأخلص له أسبابها، كالرسول ﷺ ، فهو اصطنعه لوحيه، ونصَبه لبيانه، وخصه بكتابه، واصطفاه لرسالته، وماذا عسى أن يكون وراء ذلك في باب الإلهام، وجمال الطبيعة، وصفاء
стр. 500
الحاسة، وثقوب الذهن، واجتماع النفس، وقوة الفطرة، ووثاقة الأمر كله بعضه إلى بعض)!
(ولا يذهبن عنك أن للنشأة اللغويّة في هذا الأمر ما بعدها، وأن أكبر الشأن في اكتساب المنطق واللغة، للطبيعة والمخالطة والمحاكاة، ثم ما يكون من سمو الفطرة وقوتها، فإنما هذه سبيله: يأتي من ورائها، وهي الأسباب إليه، وقد نشأ الرسول ﷺ وتقلّب في أفصح القبائل وأخلصها منطقاً، وأعذبها بياناً، فكان مولده -كلما أسلفنا- في بني هاشم، وأخواله في بني زهرة، ورضاعه في سعد بن بكر، ومنشؤه في قريش، ومتزوجه في بني أسد، ومهاجرته إلى بني عمرو، وهم الأوس والخزرج من الأنصار، لم يخرج عن هؤلاء في النشأة واللغة، ولقد كان في قريش وبني سعد وحدهم ما يقوم بالعرب جملة)!
(والفصاحة أكبر أمر العرب -كما عرفنا-، والكلام سيد عملهم، فما دخلتهم له حمية، ولا تعاظمهم ولا ردوه، ولا غضّوا منه، ولا وجدوا إلى نقضه سبيلاً، ولا أصابوا للتهمة عليه طريقاً، ولو كان فيهم أفصح منه لعارضوه به، ولأقاموه في وزنه، ولجعلوا من ذلك سبباً لنقض دعوته، والإنكار عليه، غير أنهم عرفوا من الرسول ﷺ الفصاحة على أتم وجوهها، وأشرف مذاهبها، ورأوا له في أسبابها ما ليس لهم، ولا يتعلقون به ولا يطيقونه، وأدنى ذلك أن يكون قوي العارضة، مستجيب الفطرة، ملهم الضمير، متصرف اللسان، يضعه من الكلام حيث شاء، لا يستكره في بيانه معنى، ولا يندُّ في لسانه لفظ، ولا تغيب عنه لغة، ولا تضرب له عبارة، ولا ينقطع له نظم، ولا يشوبه تكلف، ولا يشق عليه مَنْزْعٌ، ولا يعتريه مما يعتري البلغاء في وجوه الخطاب وفنون الأقاويل من التخاذل، وتراجع الطبع، وتفاوت ما بين العبارة والعبارة، والتكثر لمعنى بما
стр. 501
ليس منه، والتحيّف لمعنى آخر بالنقض فيه، والعلو في موضع والنزول في موضع، إلى أمثال أخرى، لا نرى العرب قد أقروا له بالفصاحة إلا وقد نزه ﷺ عن جميعها، وسلم كلامه منها، وخرج سبكه خالصاً ينبض تحت أصابعه، ولو هم اطّلعوا منه على غير ذلك، أو ترامى كلامه إلى شيء من أضداد هذه المعاني، لقد كانوا أطالوا في رد فصاحته وعرّضوا، ولكان ذلك مأثوراً عنهم، دائراً على ألسنتهم، مستفيضاً في مجالسهم ومناقلاتهم، ثم لردّوا عليه القرآن، ولم يستطع أن يقوم لهم في تلاوته وتبيينه، ثم لكان فيهم من يعيب عليه في مجلسه حديثه ومحاضرة أصحابه، أو ينتقص أمره ويغض من شأنه، فإن القوم خُلَّص، لا يستجيبون إلا لأفصحهم لساناً، وأبينهم بياناً، وخاصة في أول النبوة، وحدثان العهد بالرسالة، فلما لم يعترضه شيء من ذلك، وهو لم يخرج من بين أظهرهم، ولا جلا عن أرضهم، ورأينا هذا الأمر قد استمر على سنته، واطّرد إلى غايته، وقام عليه الشاهد القاطع من أخبارهم .. علمنا قطعاً وضرورة أن الرسول ﷺ كان أفصح العرب، وافياً بغيره، كافياً من سواه، وأنه في ذلك آية من آيات الله لأولئك القوم)!
لقد كان الرسول ﷺ من فصاحة اللسان وبلاغة القول -كما يقول القاضي عياض- (١) بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يُجهل، سلامة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معانٍ، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، فكان يخاطب كل أمة بلسانها، ويحاورها بلغتها، ويباريها في منزع بلاغتها، حتى كان كثيراً من أصحابه يسألونه في موطن عن شرح كلامه، وتفسير قوله!
стр. 502
يقول الشيخ أبو زهرة: وإن هذا يدل على أنه ﵇ كان يعلم كل لهجات العرب، وقد أتاه ذلك من إقامته بمكة التي كان يلتقي فيها بقبائل العرب، في موسم الحج، مع حرص على تعرفها، وذكاء مدرك لها، وتحصيل واعٍ لكل ما يسمع، وحفظ لكل ما يجري حوله!
وإن تعلمه لهجات العرب، وفوارق لغاتهم، يدل على أن الله تعالى كان يعده لهذه الرسالة الإلهية العامة!
وساق القاضي عياض شواهد من كتب الرسول ﷺ .. ثم قال:
وأما كلامه المعتاد، وفصاحته المعلومة، وحكمه المأثورة، فقد ألّفت فيها الكتاب، ومنها ما لا يُوازى فصاحة، ولا يبارى بلاغة .. وذكر بعض الأحاديث .. وبعض العبارات التي لم يسبق بها (١)!
وإننا إن تركنا أقوال الذين شاهدوا وعاينوا من صحابته، والذين رأوا المنقول في سيرته، وعمدنا إلى الأحاديث المدونة الصادقة النسبة، والتي رواها العدول طبقة بعد طبقة، وأردنا أن نتعرف نسق بيانها عن عباراتها، ومحكم معانيها من ألفاظها!
فإننا نجد أن اللفظ يجيء سهلاً، وفيه الجمال الطبيعي، والألفاظ المتناسقة، مع الإيجاز، وإحكام المعاني، والاتجاه إلى مقصد القول وتصوره أحياناً، بالحقيقة وبكون لها جمال كجمال الطبيعة!
ونجد من خصائص البلاغة النبويّة أنها لا تعلو على العقول الفطريّة، فهي تدركها في أيسر كلفة، مع جلال المعنى وعمقه وقوة نفوذه في النفوس، والخاصة يجدون فيه علم ما لم يعلموا!
стр. 503
ونجد أن كلامه ﵊ من جوامع الكلم، التي تجمع بين الحكم الكثيرة والألفاظ القليلة والمعاني الجديدة التي لم تكن معروفة!
ونجد من الظواهر العامة أنه يخاطب العقل والوجدان، من غير استكراه للألفاظ، أو تكلف في المعاني، وأن قوله يجري سهلاً طيباً قيّماً!
ونجد أن كلامه بديع في ذاته من غير صناعة، وجميل في نسق محكم .. ولهذا أثره البالغ في الدعوة!
حقاً، إن بلاغة الرسول ﷺ من صنع الله، وما كان من صنع الله تضيق موازين الإنسان عن وزنه، وتقصر مقاييسه عن قياسه، فنحن لا ندرك كنهه، وإنما ندرك أثره، ونحن لا نعلم إنشاءه، وإنما تعلم خبره!
وهل يدرك المرء من آثار الشمس غير الضوء والحرارة؟!
وهل يُعلم من أسرار الروض غير العطر والنضارة؟!
وهل يجد في نفسه (١) من أغوار البحر غير الشعور بالجلالة والروعة؟!
إن البلاغة النبوية هي المثل الأعلى للبلاغة العربيّة، وإذا كان كلام الله كتاب البيان المعجز، فإن كلام الرسول سنة هذا البيان، وإذا كان البلاغ صفة كل رسول، فإن البلاغة صفة خاتم النبيين، حيث تجمعت فيه ﷺ خصائص البلاغة بالفطرة، وتهيأت له أسباب الفصاحة بالضرورة -كما أسلفنا- وإن أخص ما يميز الأسلوب النبوي الأصالة والإيجاز!
فالأصالة وهي خصوصية اللفظ وطرافة العبارة تتجلى فيما كان ينهجه الرسول من المذاهب البيانيّة، ويرتجله من الأوضاع التركيبيّة، ويضعه من الألفاظ الاصطلاحيّة!
стр. 504
ولتمكن الأصالة فيه كان يقتضب ويتجوز ويشتق ويبتدع، فيصبح ما أمضاه من ذلك حسنة من حسنات البيان، وسراً من أسرار اللسان، يزيد في ميراث اللغة، ويرفع من قدر الأدب!
والإيجاز وهو تأدية المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة، غالب على أسلوب الرسول ﷺ ؛ لأن الإيجاز قوة في التعبير، وامتلاء في اللفظ، وشدة في التماسك، وهذه صفات تلازم قوة العقل، وقوة الروح، وقوة الشعور، وقوة الذهن، وهذه القوى كلها، على أكمل ما تكون في الرسول ﷺ ، ومن هنا شاعت جوامع الكلم في خطبه وأحاديثه، حتى عدّت من خصائصه!
على أن الرسول ﷺ كان يعطي لكل حالة ما يناسبها .. ومن ثم فإن كلامه يتسم بالإلهام والإبداع والعبقريّة الفذّة، ويمتاز بالجزالة والجلالة والسبك!
وتلك هي بلاغة الإلهام والفيض، تكشف الحجب بنور الحق، وترسل الكلمة من فيض الخاطر، وعفو البديهة، فتكون حكمة الحاضر ونبوة المستقبل!
الخلق الكامل:
والخلق الكامل يشمل الفضيلة (١)، والتمسك بها، والالتزام بحقها، ويشمل حسن العشرة ولطف المودة، ويشمل صلة الرحم والإحسان إلى الجار القريب والبعيد، ويشمل حب الناس والرفق بهم، ويشمل التواضع، ويشمل الأناة والحلم، ومنع الجفوة، ويشمل كظم النفس واجتناب الغيظ، ويشمل الحياء، وإقراء السلام على من عرف ومن لم يعرف، ويشمل الجود بما عنده،
стр. 505
والزهد فيما ليس عنده، ويمنع الغلظ والفظاظة، ويشمل العفو عن المسيء، وإقالة عثرته، ويشمل الرد على المسيء بالإحسان، ويشمل تخليص القلب من الإحن، ويشمل الإعراض عن الجاهليّة، وترك المهاترة، والمماراة والمجادلة، ويشمل التيسير وترك التعسير، ويشمل التبشير دون التنفير!
وفي الجملة يشمل تهذيب النفس، وتربية الوجدان، والتآلف مع الناس، والقرب إليهم، والتواضع والرفق بالضعفاء، والقرب منهم، والألم لآلامهم، والسرور لسرورهم، والاندماج فيهم من غير تأثر، ولا تجانف لإثم!
وكل هذا يؤثر في الدعوة إلى الحق، بما لا تؤثر البراهين وضروب الأقيسة!
لقد هيأ الله تعالى الرسول ﷺ ليكون الهادي إلى الحق، وإلى صراط مستقيم، فوهبه الخلق الكامل، الذي يؤلف القلوب، ويجمع النفوس، إلا من طغى واستكبر، وآثر الهوى على الحق .. وقد كان الرسول ﷺ قبل البعثة يحب العشير، ويقرب الصديق، ولا يعنت أحداً بعداوة، بل كان يعفّ عن قول الخنا وفعله، ويبتعد عن الهوى وجموحه، لا يعادي، ولا يصخب، ولا يفحش في قول أو عمل، وهو الصادق، وهو الأمين وهو الذي يعين الكلّ، ويغيث الضعيف، ويعين على نوائب الدهر!
وصف هند بن أبا هالة:
ونقبس من حديث هند بن أبي هالة، وهو ابن أم المؤمنين خديجة -من غير النبي- ما يتصل بخلق الرسول ﷺ ، حيث قال:
(كان رسول الله ﷺ يخزن لسانه إلا فيما يعنيه، ويؤلّفهم ولا ينفّرهم، ويكرم كريم كل قوم ويولّيه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم، من غير
стр. 506
أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا خُلقه (١)، يتفقّد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسّنَ الحسن ويقوّيه، ويقبّح القبيح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا، لكل حال عنده عَتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجوزه، الذين يلُونه من الناس خيارهم، أفضلُهم عنده أعمُّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة!
وقال: وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، يُعطي كل جُلسائه نصيبَه، لا يحسب جليسُه أن أحداً أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منه بسطُه وخلقه، فصار لهم أباً وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن (٢) فيه الحُرم، ولا تُنْثَى (٣) فلتاته، متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب!
وقال: كان رسول الله ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخّاب، ولا فحّاش ولا عيّاب، ولا مدّاح (٤)، يتغافل عمّا لا يشتهي، ولا يؤِيس منه، ولا يخيِّب فيه (٥)، قد ترك نفسه
стр. 507
من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً، ولا يعيّره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده (١)، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه يستجلبونه (٢) في المنطق، ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة فارفدوه (٣)، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ (٤)، ولا يقطع على أحد حديثه، حتى يجوز فيقطعه بانتهاء (٥)، أو قيام!
ويقول: كان سكوته على أربع: الحلم! والحذر! والتقدير! والتفكر! فأما تقديره ففي تسويته النظر والاستماع بين الناس! وأما تذكّره، أو قال تفكّره ففيما يبقى ويفنى!
وجمع له ﷺ الحلم والصبر، فكان لا يغضبه شيء، ولا يستفزه!
стр. 508
وجمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسنى، والقيام لهم فيما جمع لهم الدنيا والآخرة ﷺ ) (١)!
ويقول الشيخ أبو زهرة (٢):
ولنقف وقفة في تجزئة ذلك القول البليغ، ودلالته على ما رواءه، مما ينبغي أن تكون عليه أخلاق الداعي إلى الحق، وصاحب الرسالة، وأثر ذلك في الإجابة!
لقد قال بعض الكتاب معدداً الخوارق التي صاحبت الدعوة المحمديّة، فقال: إن أعظم الخوارق التي كانت لمحمد ﷺ الأخلاق، فكانت في ذاتها أمراً خارقاً للعادة بين بني الإنسان، فهي أعلى من أخلاق الملائكة؛ لأن الملائكة حسنت أخلاقهم بمقتضى كونهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (التحريم)!
وليس فيه روحانيّة عيسى ﵇ المجردة، بل كانت فيه الروحانيّة الإنسانيّة، بما في الإنسان من مطالب الجسم، وتجرد الروح، فحمد ﷺ بين الناس الإنسان الذي تتجلى فيه الإنسانيّة الكاملة، وفي طبعه روحانيّة إراديّة، فكل ما فيه من أخلاق للتربية والإرادة دخل في تكوينه، فهو ليس حصوراً، ولكنه عفيف لم يتدل إلى خنا قط، ففضيلته كف للشر، وتجنب له، والعفة من حصور ليست كالعفة ممن له شهوات تغالبه، وأهواء تعاوده، وبمعركة بين القوتين تكون النصرة للعفة، والغلبة للفضيلة، وما يكون الوصول إليه بغلاب يكون أعلى وأنفس، مما يجيء رخيصاً سهلاً!
стр. 509
الصفة الأولى:
وإن من أول صفات الرسول ﷺ التي ذكرها ربيبه هند -كما أسلفنا-: أنه كان يخزن لسانه، أي يكون لسانه كأنه في خزانة قد ستر، لا يظهر إلا لخير يرتجيه، فلا يشجع على نفرة؛ بل إنه لا ينطلق إلا فيما يعني الذين يخاطبهم ويفيدهم، ويكون فيه تأليف لقلوبهم، وتقريب لنفوسهم، وتأنيس غريبتهم، ويأمر بإعطاء ذي الحق، ولا يتكلم في مراء، ولا يذم أحداً، ولا يُكثر في قول، خشية سقوط اللسان، لا يعيب الحرمات، ولا يقطع على أحد حديثه، فإذا تكلم هو كان كلامه فصلاً، وكان قوله حكماً!
وجملة القول في ذلك أنه قد استولى على لسانه، فلا يتكلم إلا إذا لزم الكلام لرفع حق، أو خفض باطل، أو تأليف، أو زرع مودة، أو إسداء معروف، فلسانه ليس خارجاً على إرادته، ولكنه مكملها، ويسير تحت سلطانها، وإرادته للحق!
الصفة الثانية:
والصفة الثانية من أخلاق الرسول ﷺ أنه يأتلف مع أصحابه، ويمتزج إحساسه الفاضل بإحساسهم، لينساب إلى نفوسهم، يكرم كريمهم، ويرفع خسيسة صغيرهم، حتى يحسّ بأنه منه، ويوزع محبته بينهم، ويعطي نفسه لكل واحد منهم، لدرجة أن كل واحد منهم يشعر أنه موضع الرعاية منه، وإذا رأى أمراً حسناً أعلن حسنه، وإن رأى أمراً قبيحاً نبه إليه في رفق الهادي الأمين الذي يجمع ولا يفرق، ثم هو لا يسكت عن باطل!
وهو بينهم اليقظ الذي لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا، لا يطوي نفسه
стр. 510
لأحد على شر، وينقذهم، وكان حريصاً يحذر من يتوهّم منه شراً، ويحترس منه، من غير تقطيب وجه، أو غلظ في قول، بل هو في كل أحواله الأليف المألوف، يفتح قلبه لهم، ليقول خيارهم ما تنطوي عليه نفوسهم، ويستحي غيرهم من أن يظهر خبيئة نفسه، بل يبقى حبيساً لا يظهر، وربما خبا فيزول، ويستقيم أمره .. !
الصفة الثالثة:
والصفة الثالثة التواضع الكريم الذي لا ضعة فيه ولا ذلة، فهو إذا دخل على جماعة جلس حيث ينتهي المجلس، وحث أصحابه على ذلك، ويتطامن لهم في المجلس، ويمسهم بجناح الرحمة، ويسوّي بينهم، ويغض الطرف عما لا يحسن، إلا أن يكون في السكوت ترك لواجب الإرشاد، وإن أرشد ففي رفق يكتفي بالإشارة، وبعد ذلك التعريض، ثم التنبيه في تعميم، فإذا رأى من يسيء كان يقول: "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا"
وفي هذا أدب رفيع وخلق كامل، ولا يمزح إلا قليلاً، وإن كان ولابد فبعبارة فيها حكمة!
الصفة الرابعة:
والصفة الرابعة بعده عن الغلظة والجفوة، ليس بفظ ولا غليظ ولا عيّاب، ولا متتبّع للعورات، ولا صخاب ولا فحاش، فلا يفحش في القول وإن كان صدقاً، فإن النطق بهجر القول، ولو كان وصفاً صادقاً لمن يرمى به، لا يصح إلا إذا ترتب عليه ضياع حق أو نصر باطل، فإنه يذكر موضوعه!
стр. 511
الصفة الخامسة:
واصفة الخامسة الامتناع عن الذم امتناعاً مطلقاً، إلا في حال الاضطرار، فإنه يتكلم بالكناية، ولا يرتضي العبارة ستراً، وإبعاداً عن الفحش، فلا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وما يجلب خيراً للناس!
الصفة السادسة:
والصفة السادسة التي يدل عليها هذا الكلام من ذكر أخلاقه أنه ﷺ كان يلتزم السكوت -كما أشرنا- ولكنه كان سكوت من يفكر في القول قبل أن ينطق، ومن ثم يكون سكوته حلماً وعقلاً، وإغضاء، وإعفاء عمن يكون في قوله سوء!
الصفة السابعة:
والصفة السابعة أن الرسول ﷺ لا يغضب لشيء يتصل بذاته، ولا يستفزه شيء يتعلق به، بل لا يغضب إلا لله أن تُنتهك حرماتُه، فإذا كان ذلك لا يسكت حتى يقام حد الله!
ويطول بنا الحديث لو حاولنا الوقوف أمام ما وصفه به الواصفون، وأنه ﷺ مع هذا التواضع الكريم غير الذليل، ومع هذا الخلق الكريم، كانت هيبته في القلوب أشد ما تكون هيبة من اختاره الله تعالى رحمة للعالمين .. إلى غير ذلك من معالم الخلق الكامل، فقد هيأه الله تعالى قبل البعثة، ليكون العفوّ عن هفوات الناس، المتجاوز عن أخطائهم، وإن العفو والسماحة لا يسكنان إلا قلباً خالياً من الأحقاد والأضغان، ومن يعمل ليقود الخلق إلى الحق لا بد أن
стр. 512
يكون نظره إلى ما هو أمامه، ولا ينظر إلى الوراء والأحقاد والأضغان، ولم يُعلم في تاريخ حياته أنه شغل نفسه بأحقاد الجاهليّة وما كانت تبث من عداوات!
الرسول ﷺ في غار حراء:
وخامس ما يطالعنا: غار حراء، بعد أن عرفنا دلائل الاصطفاء في النسب الشريف، وشق الصدر، ومرارة اليتم، والتربية الإلهيّة، وكيف قبس الصلابة والاستقلال والقدرة والتحمل، والإرادة النافذة، والتحدي الذي لا تنكسر له قناة، حيث نشأ ونما بعيداً عن ترف الغنى، وميوعة الدلال، واتكاليّة الواجدين، وكيف فتح بصره ووعيه تجاه العالم الذي يتجاوز حدود الصحراء وسكونها إلى حيث المجتمعات المدنيّة التي تضطرب نشاطاً وقلقاً، والجماعات العربيّة التي فصلتها عن شقيقاتها في الصحراء الأم سلطات أجنبيّة أحكمت قبضتها على الأعناق .. وكيف كان مسؤولاً عن تجارة أيضاً (١)!
وكل هذا أعطاه تجارب عمليّة حية معاشة، وقد عمق في حسه معطيات كثيرة، وزاده إدراكاً أكثر لما يحدث في أطراف العالم العربي من علاقات بين الغالب والمغلوب، وزاده إفادة أغنى من كل ما يتعلمه الذين يرحلون من مكان إلى مكان، فيتعلمون من رحيلهم طبائع الجماعات والشعوب، وكنه العلاقات بينها، واختلاف البيئات والأوضاع، وزاده قدرة على التعامل المنفتح الذي لا ينقطع له خيط مع شتى الطبائع، وفهماً لما يتطلبه الإنسان في عصر من العصور بعد اطلاع مباشر على نماذج من أحوال الإنسان في سعادته أو تعاسته!
وفوق هذا وذاك، فقد أُتيح للرسول ﷺ قبل البعثة في هذا الترحال امتحان
стр. 513
وتنمية قدراته الخاصة التي عرفها أيام الرعي صبيًّا، وتدرج في تحمل المسؤوليّة إلى أن يدير تجارة، ويصمد إزاء إغراء الذهب والفضة أميناً لا تلحق أمانته ذرة من غبار .. قديراً على الارتفاع فوق مستويات الإغراء إلى آخر لحظة!
وجاء إسهامه في القضايا الكبرى التي عاشتها مكة آنذاك -كما عرفنا- جاء متنوعاً شاملاً مغطياً شتى مساحات العمل البشري الجماعي، وكأنما أُريد له أن يجرب كل شيء، وأن يسهم عاملاً في كل اتجاه، وأن يتبنى عبر إسهامه في القضايا الكبرى شخصيّة قادرة على التصدي لكل مشكلة .. والإسهام الإيجابي الفعال في كل ما من شأنه يعين حقاً أو يقيم عدلاً، وأعرب عن بداهته المثيرة للإعجاب في حل المشكلات التي تقوم فيها المعتقدات والقيم بدور كبير، وتأتي كبرى التجارب في الحياة، وتقف السيدة التي شاء الله أن تكون سنداً قوياً في السنين الصعبة الطويلة التي تطيش معها ألباب الثائرين!
هكذا تبدو حياة الرسول ﷺ قبل البعثة .. سلسلة مترابطة الحلقات والتجارب والخبرات في شتى الجهات:
عائليّة ونفسيّة!
واقتصاديّة وحركيّة!
وسياسيّة واجتماعيّة!
ودينيّة وفكريّة!
البعد الأخلاقي:
أما البعد الأخلاقي في حياة الرسول ﷺ المديدة هذه، فيتمثل واضحاً نقيًّا في انسلاخه الحاسم عن كل ممارسات الجاهليّين الباطلة، التي كانت تعج بها
стр. 514
الحياة العربيّة .. بمارسات شتى لا يحصيها العد .. كانت تجري على مسرح الجزيرة العربيّة، ومثلتها مكة ليل نهار .. ويغدو من تعاقبها وتكرارها أن تصبح إلفاً وعادة، ثم تتجاوز هذا إلى أن تصبح مفاخر ومكرمات، يتبارى العرب في الإتيان بالمزيد منها!
والرسول ﷺ بعيد عن هذا كله، منسلخ منه، خارج عليه، ولقد منحه موقفه النبيل هذا -كما أسلفنا- نظافة وطهراً لم يعرفهما إنسان قط، وعلمه في الوقت نفسه كيف يكون الرفض الحاسم للباطل في شتى صوره وأشكاله، مهما حمل هذا الباطل من تبريرات انتقلت به من كونه إثماً وفسوقاً وفجوراً إلى مرتبة الإلف والعادة، ثم إلى مصاف القيم والمفاخر والمعتقدات!
ولم يبق ثمة إلا البعد الروحي الفكري، وهو أشد الأبعاد ثقلاً وخطراً في حياة الإنسان .. والروايات التي تحدثنا عن انقطاع الرسول ﷺ بعيداً عن صخب الباطل وضجيجه، حيناً بعد حين، إلى الصحراء وحيداً فريداً، باحثاً مفكراً، الليالي ذوات العدد، كما سنعرف في حديثنا عن أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي .. هذه الروايات تكفي لالتقاط الإشارة الأخيرة الحاسمة المتممة للصورة التي يجب أن نعرفها عن حياة الرسول ﷺ قبل مبعثه!
وإذا ما كان الانسلاخ الحاسم عن كل ممارسات الجاهليّة، قد أعطى القدرة العمليّة على الرفض الحاسم لكل ممارسات الجاهليّن الباطلة، فإن البعد الروحي قد أعطى امتداداً نفسيًّا متمماً لا يمكن أن يؤدي دوره الحاسم الكبير بدونه!
إنه امتداد باتجاه الاندماج والاتصال، بمواجهة رفض الجاهليّة وقيادتها وأعرافها وسلطانها .. اندماج بالكون على انفساحه بالعالم الجديد الذي جاء
стр. 515
لكي ينقل البشر إليه بالناموس الذي سيأتي عما قريب لجعل الإنسان في كل زمان ومكان موقناً به، مستمسكاً بمنهجه، مغادراً مواضعه المنحرفة الخاطئة التي ساقته إليها زعامات جائرة، وسلطات مستبدة، وأعراف مليئة بالدنس والرجس، والوحل والخطيئة!
أرأيت كيف كان طريق البناء النفسي، والتكوين العملي بمثابة إرهاص حركيّ حيّ؟!
أرأيت كيف كان الانقطاع، عكساً إزاء طغيان الجاهليّة، وطرداً تجاه يوم الوحي، بمثابة الإرهاص الأكبر، إلى أن هذه الشخصيّة التي ربّتها عناية الله في مدى أربعين سنة، قد غدت على استعداد تام للتلقي؟!
وإزاء هذا الهيكل المرئي من حياة الرسول ﷺ قبل مبعثه، يقف عدد من الإشارات والأحداث، لافتاً الأنظار في ذلك الحين، وفي كل حين، إلى أن الرسول ﷺ قد اصطفاه الله .. وإلى أن تدفق الخير على مضارب القبيلة التي احتضنت محمداً، بعد أيام العسر والجفاف، يوحي فيما يوحي إلى أن مجاعة العالم كله، وجفاف الروح الإنسانيّة، وعسر الحضارة البشريّة في تمخضها الدائم، تنتظر من يعيد توجيهها وصياغتها من جديد فيحيل الجوع شبعاً وريًّا، وجفاف الروح امتلاء وانطلاقاً، وعسر الحركة الحضارية تدفقاً وإبداعاً .. وبشارةً وإنذاراً!
بشارة لكل الذين بعدوا عن دنس الجاهليّة ورجسها، واستعلوا على كل صور الضلال، وآلوا على أنفسهم أن يتحملوا المسؤوليّة، وأن يسيروا في طريق الحق، وأن يسيروا بالناس من عبادة العباد إلى عبادة الله!
стр. 516
وإنذاراً إلى أن هذا العفن الذي يغمر العالم إنما هو من صنع الناس أنفسهم، وأنهم يغرقون إلى أذقانهم بما صنعوا!
وقد يسأل سائل: أتنقدح المعارف المتصلة بالكون وما وراءه، والناس وما يفيضون فيه، في نفوس المرسلين فجأة، دون إعداد سابق أو تهيئة حكيمة؟
والجواب، كلا، فالأنبياء، وإن لم يتعلموا بالطرق والقوانين التي يتعلم بها أمثالنا (١)، لهم من سلامة فكرهم واستقامة نظرهم ما يجعلهم في الطليعة وإن لم يتعلموا بما نعهد من أساليب!
ما العلم الذي تربَّى به النفس؟! أهو حفظ الدروس واستيعاب القواعد والقوانين؟
إن هناك ببغاوات كثيرة تردد ما تسمع دون وعي، ولقد نرى أطفالاً يلقون - بإتقان وتمثيل- خطباً دقيقة لأشهر الساسة والقادة!
فلا الأطفال -بما استحفظوا من كلام هؤلاء- أصبحوا رجالاً، ولا الببغاوات تحولت بشراً .. وقد تجد من يحفظ، ويجادل ويغلب، ولكن العلم في نفسه كعروق الذهب في الصخور المهملة، لا يبعث على خير، ولا يزجر عن شر!
وشبه القرآن اليهود الذين يحملون التوراة ولا يتأدبون بها بالحمير!
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾ (الجمعة)!
إنهم حمّلوا التوراة (٢) وكلفوا أمانة العقيدة والشريعة!
стр. 517
﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾!
وحملها يبدأ بالإدراك والفهم والفقه، وينتهي بالعمل لتحقيق مدلولها في عالم الضمير وعالم الواقع، ولكن سيرة بني إسرائيل كما عرضها القرآن الكريم، وكما هي في حقيقتها، لا تدل على أنهم قدروا هذه الأمانة، ولا أنهم فقهوا حقيقتها، ولا أنهم عملوا بها، ومن ثم كانوا كالحمار يحمل الكتب الضخام!
صورة زرية بائسة، ومثل سيء شائن، ولكنها صورة معبرة عن حقيقة صادقة!
والذين يعيشون في هذا الزمان، وهم يحملون أسماء وشهادات، ولا يعملون عمل المسلمين، وبخاصة أولئك الذين يقرؤون ولا ينهضون، أولئك مثلهم كهؤلاء، وهم كثيرون!
فليست المسألة مسألة كتب تحمل وتدرس، إنما هي مسألة فقه وعمل!
وهذه الطبائع التي تحمل العلم بهذه الصورة المزرية البائسة، لا تصلح به، إنما تسيء!
وهناك من آتاه الله آياته، ولكنه انسلخ منها، وتعرّى عنها، ولصق بالأرض، واتبع الهوى، فأمسى مطروداً من حمى الله، لا يهدأ ولا يطمئن، نبصر مثله في مشهد حيّ متحرّك، عنيف الحركة، شاخص السمات، بارز الملامح، واضح الانفعالات، يحمل كل إيقاعات الحياة الواقعيّة، إلى جانب العبارة الموحية (١)، ونحن نقرأ قوله الله تعالى:
стр. 518
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾ (الأعراف)!
إنه مشهد من المشاهد العجيبة، الجديدة كل الجدة على ذخيرة العربيّة من التصوّرات والتصديقات .. إنسان يؤتيه الله آياته، ويخلع عليه من فضله، ويكسوه من علمه، ويعطيه الفرصة كاملة للهدى والاتصال والارتفاع .. ولكن ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخاً .. ينسلخ كأنما الآيات أديم له متلبّس بلحمه، فهو ينسلخ منها بعنف وجهد ومشقة، انسلاخ الحيّ من أديمه اللاصق بالكيان؟!
ها هو ذا ينسلخ من آيات الله، ويتجرّد من الغطاء الواقي، والدرع الحامي، وينحرف عن الهدى ليتبع الهوى، ويهبط من الأفق المشرق فيلتصق بالطين المعتم، فيصبح غرضاً للشيطان لا يقيه منه واق، ولا يحميه منه حام، فيتبعه ويلزمه ويستحوذ عليه!
ثم إذا نحن أولاء أمام مشهد مفزع بائس نكد .. إذا نحن بهذا الخلوق لاصقاً بالأرض، ملوّثاً بالطين .. ثم إذا هو مسخ في هيئة الكلب، يلهث إن طورد ويلهث إن لم يطارد!
كل هذه المشاهد المتحرّكة تتتابع وتتوالى، والخيال شاخص يتبعها في انفعال وانبهار وتأثّر .. فإذا انتهى إلى المشهد الأخير منها .. مشهد اللهاث الذي لا ينقطع .. سمع التعليق المرهوب الموحي، على المشهد كله:
стр. 519
﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾!
ذلك مثلهم!
فلقد كانت آيات الهدى وموحيات الإيمان متلبّسة بفطرتهم وكيانهم وبالوجود كله من حولهم .. ثم إذا هم ينسلخون منها انسلاخاً .. ثم إذا هم أمساخ شائهو الكيان، هابطون عن مكان الإنسان إلى مكان الكلب الذي يتمرّغ في الظن .. وكان لهم من الإيمان جناح يرفون به إلى عليّين، وكانوا من فطرتهم الأولى في أحسن تقويم، فإذا هم ينحطون منها إلى أسفل سافلين!
﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾
وهل أسوأ من هذا المثل مثلاً؟!
وهل أسوأ من الانسلاخ والتعرّي من الهدى؟!
وهل أسوأ من اللصوق بالأرض واتباع الهوى؟!
وهل يظلم إنسان نفسه كما يظلمها من يصنع بها هكذا؟!
من يعرّيها من الغطاء الواقي والدرع الحامي، ويدعها غرضاً للشيطان يلزمها ويركبها، ويهبط بها إلى عالم الحيوان اللاصق بالأرض، الحائر القلق، اللاهث لهاث الكلب أبداً!!
وهل يبلغ قول قائل في وصف هذه الحالة وتصويرها على هذا النحو العجيب الفريد، إلا هذا القرآن الكريم؟!
وهناك الأمثال التي يضيق المقام عن ذكرها، في آيات هذا الكتاب!
وهناك الخرافيّون الذين يغالطون في هذه الحقائق أنفسهم، كأن عقولهم
стр. 520
ميزان ثقلت إحدى كفتيه -لغير سبب- ينبسطون للمستحيلات ويقبلونها، ويتهجمون للوقائع ويرفضونها!
ونحن موقنون من مطالعة سيرة الرسول ﷺ بأنه طراز رفيع من الفكر الصائب، والنظر السديد، وأنه -قبل رعي الغنم وبعده، وقبل احتراف التجارة وبعدها- كان يعيش الحياة في أعماق الصحراء، صاحياً بين السكارى والغافلين!
وجو الجزيرة العربيّة يزيد خمول الخامل وحدة اليقظان، كالشعاع الذي ينمي الأشواك والورد معاً .. وقد كان الرسول ﷺ يستعين بصمته الطويل، صمته الموصول بالليل والنهار .. صمته المطبق على الرمال الممتدة، والعمران القليل!
كان يستعين بهذا الصمت الطويل الموصول المطبق على طول التأمل، وإدمان الفكر، واستنكاه الحق!
ودرجة الارتقاء النفسي التي بلغها من النظر الدائم أرجح يقيناً من حفظ لا فهم فيه، أو فهم لا أدب معه، ومثله في احترام حقائق الكون والحياة أولى بالتقديم من أولئك الذين اعتنقوا الأوهام وعاشوا بها ولها!
ولاشك أن الله حاطه بما يحفظ عليه هذا الاتجاه الفذ!
مراتب التعليم:
إن مراتب التعليم المختلفة هي مراحل جهاد متصل لتهذيب العقل وتقوية ملكاته، وتصويب نظرته إلى الكون والحياة والأحياء، فكل تعليم يقصر بأصحابه عن هذا الشأو لا يؤبه له، مهما وسم بالشهادات والإجازات!
стр. 521
وأحق منه بالحفاوة، وأسبق إلى الغاية المنشودة، أن ينال المرء حظاً وافراً من حسن الفطرة وأصالة الفكرة، وسداد الوسيلة والهدف!
وقد أشار القرآن الكريم إلى نصيب إبراهيم ﵇ من هذه الخصال عندما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾ (الأَنبياء)!
ومحمد ﷺ في هذا كجده إبراهيم، إنه لم يتلق علماً على راهب أو كاهن أو فيلسوف ممن ظهروا في عهده، ولكنه بعقله الخصب، وفطرته الصافية، طالع صحائف الحياة، وشؤون الناس وأحوال الجماعات، فعاف منها ما عرف من خرافة ونأى عنها، ثم عاشر الناس على بصيرة من أمره وأمرهم، فما وجده حسناً شارك فيه بقدر -كما عرفنا- وإلا عاد إلى عزلته العتيدة، يتابع النظر الدائم في ملكوت السموات والأرض، وذلك أجدى عليه من علوم هي بالجهل المركب أشبه، ومن مجتمع فقد الهداة من قرون، فهو يضم ضلالاً جديداً إلى الضلال القديم كلما مر عليه ليل وجاء صباح!
إن الوثنيّة تزيّن باطلها بطلاء من التمويه، ليسهل على النفوس ازدراد ما فيها من مرارة!
وإن العامة بهم أحلاس ما توارثوا، ففقدوا نعمة العقل المدرك، وعاشوا يهرفون بما لا يعرفون!
وأما الذين أوتوا حظاً من التفكير، فإن تفكيرهم يرتطم بحدود شهواتهم، وربما كتموا ما عرفوا، بل ربما حاربوا ما عرفوا، وقليل من الناس من يتجرأ على التقاليد الباطلة المستحكمة ويجهر بالحق، وأقل من ذلك من يعيش له ويضحي في سبيله!
стр. 522
وهيأ الله للبشرية رجلاً يبصر الحق، ويملك من الطاقة ما يدفعه إلى آفاق العالمين!
وفي الغار المهيب المحجّب، كانت نفس كبيرة تطل من عليائها على ما تموج به الدنيا من فتن ومغارم واعتداء وانحدار، ثم تتألم حسرة وحيرة؛ لأنها لا تدري من ذلك مخرجاً!
في هذا الغار النائي المهيب المحجّب كانت عين نافذة محصية تستعرض تراث الهداة الأولين من رسل الله، فتجده كالمنجم العتم لا يستخلص منه المعدن النفيس إلا بعد جهد جهيد، وقد يختلط التراب بالتبر فما يستطيع بشر فصله عنه!
في غار حراء المهيب المحجّب كان الرسول ﷺ يتعبّد، حتى وصل من الصفاء إلى مرتبة عالية انعكست فيها أشعة الغيوب على صفحته المجلوة، فأصبح لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح -كما سيأتي- ومن قبله شهد بطن الصحراء أخاً لمحمد ﷺ يخرج من مصر ويجتاز القفار متلمساً الأمن والسكينة والهدى، لنفسه وقومه، فبرقت له من شاطئ الوادي الأيمن نار مؤنسة، فلما تيممها إذا النداء الأقدس يغمر مسامعه ويتخلل مشاعره:
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ (طه)!
إن شعلة من هذه النار اجتازت القرون لتتقد مرة أخرى في جوانب الغار المهيب المحجّب الذي حوى خير الخلق يتعبّد، نائياً بجسمه وروحه عن أرجاس الجاهليّة ومساوئها وأدناسها، لكن الشعلة لم تكن ناراً تستدرج الناظر، بل
стр. 523
كانت نوراً ينبسط بين يدي وحي مبارك يسطع على القلب العاني بالإلهام والهداية والتثبيت والعناية!
هذا حراء:
وصدق الشاعر (١):
هذا حراء سائلوه يجيبكم ... فلعله سفر من الأسفارِ
واستلهموه مواقف الوحي التي ... شعّ الهدى منها على الأقطارِ
وسلوه: ماذا قد أقل من البطو ... لة والحجا؟ أعظم به من غارِ
أخلق بغار حراء أن يزهو على الـ ... أهرام والإِيوان والآثارِ
كم بين صاحبه وبين بناتها ... من فارق أربى على الأقدارِ
شتان بين محرر الأقوام والـ ... مس تعبدين سلائل الأحرارِ
стр. 524
معالم على الطريق:
وبهذا نكون قد ألقينا الضوء على معالم الطريق إلى النبوة .. وهي تزداد إيحاء ووضوحاً، وعرفنا كيف أعطى الانسلاخ الحاسم عن كل ممارسات الجاهليّة القدرة العمليّة على الرفض لكل ممارسات الجاهليّين الباطلة، وكيف كان البعد الروحي والإمداد النفسي باتجاه الاندماج والاتصال، ومواجهة رفض الجاهلية وقياداتها وأعرافها وسلطاتها، بمثابة إرهاص حيّ حركيّ، فكريّ عمليّ، إلى أن هذه الشخصية التي ربتها عناية الله في مدى أربعين سنة قد غدت على استعداد تام للتلقي!
ونبصر خلوات الرسول ﷺ .. ونبصر انعزاله عن مجرى الحياة المكية الصاخب، وهو يقترب من الأربعين .. حيث أعده الله سبحانه لأول لقاء مع وحيه الأمين، ليخرج الناس من ظلمات الجاهليّة ودنسها إلى نور الإِسلام ونقائه، فكان يغادر مكة بين الحين والحين، مجتازاً أسوارها الجبليّة، منقلاً خطواته الثابتة الواسعة عبر رمال الصحراء المترامية حتى تحجب به حياة الجاهليّة، وتستقبله شعاب مكة، وبطون أوديتها، ثم يلج بعيداً إلى (جبل النور)، حيث ينتهي به المطاف إلى (غار حراء)، فيمكث فيه ما شاء الله أن يمكث!
واستغرق الرسول ﷺ في تفكير عميق، كان يشغله أمداً طويلاً .. تفكير عميق في أحوال قومه، وفي أوضاعهم، وفي الكون والحياة، ومصير الإنسان، والموت وما بعد الموت، وفيما شاكل ذلك من أمور تطوف برأس المفكر المتبصر في هذه الحياة فتصرفه إلى النظر فيها، وتبعده عن التفكير في غيرها، مما يكون في هذه السن على المعتاد! إنه يريد الوصول إلى الحقيقة!
стр. 525
وأخذت ملامح الطريق إلى النبوة تزداد إيحاءً ووضوحاً، وتقترب بالرسول ﷺ يوماً بعد يوم!
والذي يلفت النظر (١)، ويدعو إلى التأمل، أن تتضافر روايات التاريخ بالحديث عن ورقة بن نوفل وتنصّره، وزيد بن عمرو وتحنّفه، وقس ابن ساعدة وترهّبه، وأميّة بن أبي الصلت وتطلعه .. ولكنها تسكت عن الرسول ﷺ في هذه الفترة من شبابه، فلا تذكر عنه إلَّا أنه كان يخلو بغار حراء يتعبّد فيه الليالي ذوات العدد!
ومن هنا تعددت الأقاويل في تعبّده على أي نهج كان (٢)؟!
ولم يأت تصريح -كما قال الزرقاني (٣) - بصفة تعبّده بحراء، فيحتمل أنه أطلق على الخلوة بمجردها تعبداً، فإن الانعزال عن الناس ولا سيما من كان على باطل عبادة، وعن ابن المرابط وغيره: كان يتعبّد بالفكر، وهذا على قول الجمهور!
وعلى كل فإن العقل في منطقه بمعزل عن إدراك شرعيّة هذا التعبّد، ما دام لم يأت نص قاطع في ذلك، فهو إذن تعبّد على ملة إبراهيم -كما سيأتي في حديث بدء الوحي- وهو إذن مطلع الوحي، بحقائقه ودلالاته!
لقد تكرم الحق ﵎ فكرّم هذه الخليقة باختيار واحد منها، اصطفاه ليكون ملتقى النور الإلهي، ومهبط الوحي، وخاتم النبيّين، وخير الخلق أجمعين!
стр. 526
وتتكشف جوانب من عظمة هذه الحقيقة حين نتصوّر جهد الطاقة حقيقة الاصطفاء، ونتصور في ظلها حقيقة العبوديّة، بما نعرف وبما لا سبيل إلى معرفته .. ثم نستشعر وقع هذا التكريم وتلك العناية بنا، ونتذوق حلاوة المعرفة والفهم، وحقيقة التكريم والعناية، ونتلّقى هذا الشعور بالشكر والخشوع، والابتهال والخضوع .. ثم لا نلبث أن نجد أنفسنا نحلّق في سماء الحمد، ونتصور جنبات الوجود، وهي تتجاوب مع هذا التكريم وتلك العناية!
لقد بدأت آثار مطلع الوحي منذ اللحظة الأولى في تحويل خط التاريخ البشري كله .. منذ أن بدأت في تحويل خط الضمير الإنساني .. منذ أن تحددت الجهة التي يتطلع إليها الإنسان، ويتلقى عنها تصوراته وموازينه!
وهنا شعر السلف الصالح الذين استقرت في أرواحهم ومشاعرهم وأحاسيسهم هذه الحقيقة بأنهم في كنف الله ورعايته، ورحمته وعنايته!
ومن ثم ظهرت آثار هذه الحقيقة في صلتهم المباشرة بالحق .. فهم قد تحولوا إلى الإيمان الكامل في الفكر والسلوك .. اتصلوا بالحق في كل أحوالهم، كبيرها وصغيرها، يبيتون ويصبحون، وهم في صلة كاملة بالحق، واستمرت هذه الفترة مدة نزول الوحي مباركة طيّبة، لا يتصور حقيقتها كما يجب أن يكون التصور إلا الذين عاشوها وذاقوا حلاوة الاتصال!
لقد ولد الإنسان من جديد، ولقد تحول خط التاريخ .. ولقد قام في الضمير الإنساني التصور المثالي للوجود وللحياة .. ولقد استقرت هذه التصورات بمعالمها في واقع الحياة!
стр. 527
بين ميلادين:
وهنا نجد أنفسنا أمام ميلادين: ميلاد بشرية الرسول ﷺ ، وميلاد رسالته، ونبصر هذا حين نتصور الجو الذي بدأت فيه نبوة الرسول ﷺ ، وأشرقت في أفقه رسالته (١)، بكل ما حوى من بيئة على حالها التي كانت عليها من طبيعة جبليّة صحراوية جافة قاسية، يعيش فيها مجتمع بشري بأخلاقه وعاداته، وجهالاته، وبؤس عيشه، وضيق الحياة في وجهه، وتمزق وشائجه الاجتماعيّة، وتفاهة تفكيره، وبلادة حسّه، وجمود مشاعره العقليّة، وانغماسه في حمأة وثنيّات مزرية .. وانصرافه عن النظر في العلم والمعرفة، وإخلاده إلى الأرض، يتعبد لأحجارها، ويهيم في جنبات وديانها ومفاوزها، ويتوثّب ذرا جبالها تطلعاً إلى أقصى آماله، وأعظم أمانيه، إلى نبع ماء أو منبت كلأ، لا يجاوز نظره مواطئ أقدامه، ولا يحس بأحداث الحياة بعيدة عن أرضه ومضارب خيامه، ولا يشعر بتقلبات التطور في الأمم والشعوب من حوله .. تشغله الحروب الداخليّة المتواصلة، تسفك فيها الدماء، وتنهب الأموال، وترمل النساء سبايا، وتيتم الأطفال حيارى .. وتتفانى القبائل، وتعيش فيها بقية السيف متربصة للآثار، ويفقد الأمن مع فقد الاستقرار!
هذا الجو هو الذي ولد فيه الرسول ﷺ قبل أربعين سنة من بعثته نبيًّا ورسولاً، من أبوين في أعز أرومة قرشيّة، بكل ما لهذا الجو من خصائص طبيعيّة واجتماعية وفكريّة وخلقيّة في جماعاته وأفراده، في مجموعه وجميعه!
هذا الجو الذي يضطرب في رقّ المادة، وعبوديّة الشهوة، وسلطان
стр. 528
البطش، ليس للمثل الأعلى وجود في ذهنه، ولا للغرض النبيل أثر في سعيه، ولا للشعور الإنساني مجرى في حسه، ولا للسموّ معنى في نفسه!
كان هذا الجو حيوانيًّا شهوته الغلب، ماديًّا غايته الجشع، أنانيًّا شريعته الطمع، شيطانيًّا سبيله الهوى، ومآله الردى، والنالس عدا هؤلاء أوزاع شتى، بين الوان كسرى، وبلاط قيصر!
هذا الجو الذي ولد فيه الرسول ﷺ ، حيث انبثق النور في أرض مكة، فتصدع لمولده الإيوان، وتطامن لأشعته القصر، وهتف من الغيب هاتف:
اليوم ينتهي تاريخ، ويبتدئ تاريخ، ليس بعد اليوم سادة وعبيد، إنما الناس سواء، والعبادة لله، والقيادة لخاتم رسل الله، والأمر كله لله!
وبين عرش قيصر وعرش كسرى قام منبر الحق، فتضاءل لجلاله عرش، وتقوض لدعائه عرش، وانبثق النور!
هنالك بدت طوالع الوحدانيّة على الوثنيّة، والإنسانيّة على العصبيّة، وظهرت معالم ومعالم .. ووجَدت قافلة الحياة طريقها المقاصد، وأبصرت الإنسانيّة نوراً سرى في الكون، وروحاً سرت في الهيكل المنحل، والجسد المعتل، فنفخت فيه سر الحياة، حتى شعر أن له أسباباً إلى الحق رثت على طول غفلته، وأن له حياة مباركة طيبة، خيراً من هذه الحياة استسر علمها في جهالته، فتشوف إلى الأفق البعيد، واستنار بالضوء الجديد، وأدرك بعث الحرية من قبرها، وإطلاق العقول من أسارها!
стр. 529
قبس من الإيمان:
وصدق القائل:
قبسٌ من الإِيمان لاح فلم يدع ... لألاؤه فوق البسيطة موضعا
ما كان ميلاد الرسول المصطفى ... إِلا الربيع نضارة وتضوّعا
يوم أغر كفاك منه أنه ... يوم كأن الدهر فيه تجمّعا
ويكاد غابر كل يوم قبله ... يثني إِليه بجيده متطلِّعا
فلو استطاع لكر من أحقابه ... وثباً على هام السنين ليرجعا
ويكاد مقبل كل يوم بعده ... ينسل من خلف الزمان ليشرعا
فلو استطاع لجاد قبل أوانه ... وانساب يخترق السنين وأتلعا
تتنافس الأيام في الشرف الذي ... ملأ الوجود فلم يغادر إِصبعا
стр. 530
خير أفاض الله منه على الورى ... أنى جرى ترك الجنان المرعا
وسنا جلاه لتعمر الدنيا به ... من بعدها كانت خرابا بلقعا (١)
هذا الجو الذي كانت قافلة الحياة فيه جائرة السبيل، حائرة الدليل، خائرة العزيمة، وكانت الدنيا تئن وتشكو، وجراحها تشجب دماً، والشيطان يعيث في الأرض فساداً!
هو الجو الذي نبصر فيه الدنيا جاثية بين يدي الرسالة والرسول، ونحس الفضائل كلها مجتمعة تروح وتغدو لتعيش الحقيقة في رحاب النور، ولا نكاد نرى من حولنا شيئاً من معاني السمو والجلال، والعظمة والجمال، والرفعة والكمال، يتحرك إلا بين يدي الرسالة والرسول، وقد خلع بسماته ومعالمه ومظاهر الحياة فيه على ميلاد النبي الكثير من الروايات التي سبق أن ذكرنا ما صح منها رواية ودراية، ففيما صح غنية عما سواه .. وهذا هو منهجنا في هذه الدراسات -كما سبق- والرسول ﷺ ، أكمل البشريّة إنسانيّة، وأرفعهم في فضائلها فضيلة، وأشرفهم في أمجادها مجداً وشرفاً، وأزكاهم نفساً، وأطهرهم قلباً، وأصفاهم روحاً، وأعلاهم في المكارم كعباً!
ووحدة الجو (٢) بكل ما حوى من خصائص في زمن ميلاد بشريّة الرسول ﷺ وزمن ميلاد رسالته، وبدء نبوّته، أضفى على ميلاد رسالته، وأحداث بدء