وتتكشف جوانب من عظمة هذه الحقيقة حين نتصوّر جهد الطاقة حقيقة الاصطفاء، ونتصور في ظلها حقيقة العبوديّة، بما نعرف وبما لا سبيل إلى معرفته .. ثم نستشعر وقع هذا التكريم وتلك العناية بنا، ونتذوق حلاوة المعرفة والفهم، وحقيقة التكريم والعناية، ونتلّقى هذا الشعور بالشكر والخشوع، والابتهال والخضوع .. ثم لا نلبث أن نجد أنفسنا نحلّق في سماء الحمد، ونتصور جنبات الوجود، وهي تتجاوب مع هذا التكريم وتلك العناية!
لقد بدأت آثار مطلع الوحي منذ اللحظة الأولى في تحويل خط التاريخ البشري كله .. منذ أن بدأت في تحويل خط الضمير الإنساني .. منذ أن تحددت الجهة التي يتطلع إليها الإنسان، ويتلقى عنها تصوراته وموازينه!
وهنا شعر السلف الصالح الذين استقرت في أرواحهم ومشاعرهم وأحاسيسهم هذه الحقيقة بأنهم في كنف الله ورعايته، ورحمته وعنايته!
ومن ثم ظهرت آثار هذه الحقيقة في صلتهم المباشرة بالحق .. فهم قد تحولوا إلى الإيمان الكامل في الفكر والسلوك .. اتصلوا بالحق في كل أحوالهم، كبيرها وصغيرها، يبيتون ويصبحون، وهم في صلة كاملة بالحق، واستمرت هذه الفترة مدة نزول الوحي مباركة طيّبة، لا يتصور حقيقتها كما يجب أن يكون التصور إلا الذين عاشوها وذاقوا حلاوة الاتصال!
لقد ولد الإنسان من جديد، ولقد تحول خط التاريخ .. ولقد قام في الضمير الإنساني التصور المثالي للوجود وللحياة .. ولقد استقرت هذه التصورات بمعالمها في واقع الحياة!
стр. 527
بين ميلادين:
وهنا نجد أنفسنا أمام ميلادين: ميلاد بشرية الرسول ﷺ ، وميلاد رسالته، ونبصر هذا حين نتصور الجو الذي بدأت فيه نبوة الرسول ﷺ ، وأشرقت في أفقه رسالته (١)، بكل ما حوى من بيئة على حالها التي كانت عليها من طبيعة جبليّة صحراوية جافة قاسية، يعيش فيها مجتمع بشري بأخلاقه وعاداته، وجهالاته، وبؤس عيشه، وضيق الحياة في وجهه، وتمزق وشائجه الاجتماعيّة، وتفاهة تفكيره، وبلادة حسّه، وجمود مشاعره العقليّة، وانغماسه في حمأة وثنيّات مزرية .. وانصرافه عن النظر في العلم والمعرفة، وإخلاده إلى الأرض، يتعبد لأحجارها، ويهيم في جنبات وديانها ومفاوزها، ويتوثّب ذرا جبالها تطلعاً إلى أقصى آماله، وأعظم أمانيه، إلى نبع ماء أو منبت كلأ، لا يجاوز نظره مواطئ أقدامه، ولا يحس بأحداث الحياة بعيدة عن أرضه ومضارب خيامه، ولا يشعر بتقلبات التطور في الأمم والشعوب من حوله .. تشغله الحروب الداخليّة المتواصلة، تسفك فيها الدماء، وتنهب الأموال، وترمل النساء سبايا، وتيتم الأطفال حيارى .. وتتفانى القبائل، وتعيش فيها بقية السيف متربصة للآثار، ويفقد الأمن مع فقد الاستقرار!
هذا الجو هو الذي ولد فيه الرسول ﷺ قبل أربعين سنة من بعثته نبيًّا ورسولاً، من أبوين في أعز أرومة قرشيّة، بكل ما لهذا الجو من خصائص طبيعيّة واجتماعية وفكريّة وخلقيّة في جماعاته وأفراده، في مجموعه وجميعه!
هذا الجو الذي يضطرب في رقّ المادة، وعبوديّة الشهوة، وسلطان
стр. 528
البطش، ليس للمثل الأعلى وجود في ذهنه، ولا للغرض النبيل أثر في سعيه، ولا للشعور الإنساني مجرى في حسه، ولا للسموّ معنى في نفسه!
كان هذا الجو حيوانيًّا شهوته الغلب، ماديًّا غايته الجشع، أنانيًّا شريعته الطمع، شيطانيًّا سبيله الهوى، ومآله الردى، والنالس عدا هؤلاء أوزاع شتى، بين الوان كسرى، وبلاط قيصر!
هذا الجو الذي ولد فيه الرسول ﷺ ، حيث انبثق النور في أرض مكة، فتصدع لمولده الإيوان، وتطامن لأشعته القصر، وهتف من الغيب هاتف:
اليوم ينتهي تاريخ، ويبتدئ تاريخ، ليس بعد اليوم سادة وعبيد، إنما الناس سواء، والعبادة لله، والقيادة لخاتم رسل الله، والأمر كله لله!
وبين عرش قيصر وعرش كسرى قام منبر الحق، فتضاءل لجلاله عرش، وتقوض لدعائه عرش، وانبثق النور!
هنالك بدت طوالع الوحدانيّة على الوثنيّة، والإنسانيّة على العصبيّة، وظهرت معالم ومعالم .. ووجَدت قافلة الحياة طريقها المقاصد، وأبصرت الإنسانيّة نوراً سرى في الكون، وروحاً سرت في الهيكل المنحل، والجسد المعتل، فنفخت فيه سر الحياة، حتى شعر أن له أسباباً إلى الحق رثت على طول غفلته، وأن له حياة مباركة طيبة، خيراً من هذه الحياة استسر علمها في جهالته، فتشوف إلى الأفق البعيد، واستنار بالضوء الجديد، وأدرك بعث الحرية من قبرها، وإطلاق العقول من أسارها!
стр. 529
قبس من الإيمان:
وصدق القائل:
قبسٌ من الإِيمان لاح فلم يدع ... لألاؤه فوق البسيطة موضعا
ما كان ميلاد الرسول المصطفى ... إِلا الربيع نضارة وتضوّعا
يوم أغر كفاك منه أنه ... يوم كأن الدهر فيه تجمّعا
ويكاد غابر كل يوم قبله ... يثني إِليه بجيده متطلِّعا
فلو استطاع لكر من أحقابه ... وثباً على هام السنين ليرجعا
ويكاد مقبل كل يوم بعده ... ينسل من خلف الزمان ليشرعا
فلو استطاع لجاد قبل أوانه ... وانساب يخترق السنين وأتلعا
تتنافس الأيام في الشرف الذي ... ملأ الوجود فلم يغادر إِصبعا
стр. 530
خير أفاض الله منه على الورى ... أنى جرى ترك الجنان المرعا
وسنا جلاه لتعمر الدنيا به ... من بعدها كانت خرابا بلقعا (١)
هذا الجو الذي كانت قافلة الحياة فيه جائرة السبيل، حائرة الدليل، خائرة العزيمة، وكانت الدنيا تئن وتشكو، وجراحها تشجب دماً، والشيطان يعيث في الأرض فساداً!
هو الجو الذي نبصر فيه الدنيا جاثية بين يدي الرسالة والرسول، ونحس الفضائل كلها مجتمعة تروح وتغدو لتعيش الحقيقة في رحاب النور، ولا نكاد نرى من حولنا شيئاً من معاني السمو والجلال، والعظمة والجمال، والرفعة والكمال، يتحرك إلا بين يدي الرسالة والرسول، وقد خلع بسماته ومعالمه ومظاهر الحياة فيه على ميلاد النبي الكثير من الروايات التي سبق أن ذكرنا ما صح منها رواية ودراية، ففيما صح غنية عما سواه .. وهذا هو منهجنا في هذه الدراسات -كما سبق- والرسول ﷺ ، أكمل البشريّة إنسانيّة، وأرفعهم في فضائلها فضيلة، وأشرفهم في أمجادها مجداً وشرفاً، وأزكاهم نفساً، وأطهرهم قلباً، وأصفاهم روحاً، وأعلاهم في المكارم كعباً!
ووحدة الجو (٢) بكل ما حوى من خصائص في زمن ميلاد بشريّة الرسول ﷺ وزمن ميلاد رسالته، وبدء نبوّته، أضفى على ميلاد رسالته، وأحداث بدء
стр. 531
الوحي بنبوّته أموراً شبيهة بما أضفاه على ميلاد بشريّته، ومن ثم فقد التزمنا بما صح رواية ودراية من هذه الروايات!
وأحداث ميلاد الرسالة وبدء الوحي أساس النبوّة ودعائم الرسالة .. والنبوّة هي الحقيقة الكبرى في ميلاد جديد للرسول ﷺ ، ميلاد روحاني يصور -أساساً- شخصية النبي بوصفه الجديد، ويصور حياته مع ربّه الذي اختاره لتلقّي كلماته والوحي، ويصور حياته مع نفسه التي اصطفاها الله لتكون منزل أمره ونهيه!
والرسالة هي الحقيقة العظمى في ميلاد جديد للرسول، فوق ميلاد روحانيّة النبي، يصور شخصية الرسول ﷺ بمظهر ولادته الجديدة، ويصوّر حياته مع ربّه الذي اختاره رسولاً بينه وبين من شاء من عباده، يبلّغهم عنه ضروب هدايته، ويصوّر حياته مع نفسه رسولاً، يخرج الناس من ظلمات الجهل والضلالة، إلى نور العلم والهداية، ويصوّر حياته مع الناس في طرائق دعوتهم إلى الله، ودعوتهم إلى الحق والخير!
وإشراق الوجود البشري كان ميلاداً لمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب، في مهد أمّه آمنة بنت وهب .. وإشراق الوجود النبوي ببدء الوحي كان ميلاداً لمحمد رسول الله خاتم النبيّين!
وبن الميلادين في الفضل والشرف ما بين طفل خرج إلى الدنيا كما يولد أيّ طفل -في أشرف وأكرم بيت من بيوتات أعزّ قبيلة في العرب- ثكل أباه قبل أن يتشرّف الوجود بطلعته، وكان هذا الثكل جرحاً في قلب جده عبد المطلب، فكان الرسول ﷺ بلسماً لجرح الثكل في قلب هذا الجد الذي أخذت منه السنون، فلم تبق له إلا قلباً يعمره حب بنيه الذين عزّ بهم!
стр. 532
وقد استقبل عبد المطلب حفيده- الذي ملأ فراغ قلبه من مكان أبيه إذ بشر به، ومعه بنوه بالحب والبهجة، فاغتبط بميلاده شاكراً!
وبين ميلاد رسالة عامة خالدة، اختار الله تعالى رسولها بعلمه وحكمته، وخلعَ عليه رداء تعظيمه، فجعله خير رسول لـ (خير أمّة أخرجت للناس)، وختم به نبوّته، وعمّم برسالته شرائع وحيه، وخلّد بدعوته الدعوة إلى وحدانيّته، وشرف به ملكه وملكوته، وأفاض عليه من خواص غيبه في أخلاقه وخلائقه ما تعجز الأقلام والألسن عن الإحاطة بشيء من فضله، والله ذو الفضل العظيم!
* * *
стр. 533
الجامع الصحيح للسيرة النبوية [٣]
«معالم بدء الوحي في ضوء الكتاب والسنة»
تأليف
الدكتور سعد المرصفي
стр. 534
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة
الطَّبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
مكتبة ابْن كثير
ص. ب: ١١٠٦ حَولي ٣٢٠١٢ الكويت
تليفون: ٢٢٦٣١٢٩٨ - فاكس: ٢٢٦٥٧٠٤٦
(في علم المغازي خير الدنيا والآخرة)!
الزهري
(كنا نعلّم مغازي رسول الله ﷺ ، كما نعلم السورة من القرآن الكريم)!
زين العابدين علي بن الحسين
(كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول: يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيّعوا ذكرها)!
إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص
стр. 539
مقدمة
ونتابع السيرة النبوية في أطوارها التاريخية لنقف وقفة المتأمّل، عند (حديث بدء الوحي)، ونلقي الضوء على الملابسات المحيطة بهذا الأمر الإلهي العظيم، ونبصر أصداء هذا الحديث في سيرة خاتم النبيين محمد ﷺ !
ومن ثمَّ نقف على أعتاب بداية الدعوة المباركة التي عمَّت الكون بخيريّتها ونقائها وصفائها!
ولقد جاء بدء هذا الوحي بـ (لا إله إلا الله) خالصة من كل رواسب الجاهليّة ليعلن على الملأ خيريّتها، ويشع نورها الحق إلى الناس جميعاً!
والله أسأل: التوفيق والسداد!
والعون والرشاد!
إنه سميع مجيب!
الكويت في: ١٨ من رجب ١٤٢٨ هـ
٢١ من يوليو ٢٠٠٨ م
راجي عفو ربه
سعد محمد محمد الشيخ (المرصفي)
أستاذ الحديث وعلومه
كلية الشريعة والدراسات الإِسلامية
جامعة الكويت - سابقاً
стр. 540
حديث بدء الوحي في الميزان
стр. 541
حديث بدء الوحي في الميزان
١ - الحديث
٢ - مفهوم الوحي
٣ - ملك الوحي
٤ - مراتب الوحي
٥ - فلق الصبح
٦ - حُبِّب إليه الخلاء
٧ - غار حراء
٨ - التحنّث
٩ - الليالى ذوات العدد
١٠ - جاءه الحق
١١ - (ما أنا بقارئ)
١٢ - فغطّني حتى بلغ مني الجهد
١٣ - يرجف فؤاده
١٤ - زمّلوني زمّلوني
١٥ - الرَوع
١٦ - كلاّ
١٧ - ما يخزيك الله أبداً
١٨ - وتحمل الكَلّ
١٩ - وتكسب المعدوم
٢٠ - وتعين على نوائب الحق
٢١ - فانطلقت به
٢٢ - ابن عمّ خديجة
٢٣ - الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية
٢٤ - يا ابن عم
٢٥ - اسمع من ابن أخيك
٢٦ - الناموس الذي نزل الله على موسى
٢٧ - يا ليتنى فيها جذعاً
٢٨ - إذ يخرجك قومك
٢٩ - (أو مخرجيّ هم؟)
٣٠ - نعم لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلا عودي
٣١ - وإن يدركني قومك أنصرك نصراً مؤزراً
٣٢ - لم ينشب ورقة أن توفي
٣٣ - وفتر الوحي
٣٤ - أضواء على الأقوال في المراد بالخشية
٣٥ - الخشية عند رؤية التباشير
٣٦ - جميع الكفار كانوا يرمون رسلهم بالجنون
٣٧ - رواية في الميزان
٣٨ - ردّ قول الحافظ الإسماعيلي
٣٩ - وهم للزرقاني
٤٠ - قول القاضي عياض
٤١ - قول النووي
٤٢ - ردّ بلاغ التردّي من رؤوس شواهق الجبال
٤٣ - البلاغ في الميزان
٤٤ - ردّ قول الحافظ الإسماعيلي
٤٥ - البلاغ في كتب كثيرة
стр. 542
حديث بدء الوحي في الميزان
١ - الحديث:
ويطالعنا حديث بدء الوحي فيما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة أمّ المؤمنين أنها قالت: أوّل ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إِلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّبَ إِليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه -وهو التعبّد- الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزِعَ إِلى أهله ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إِلى خديجة، فيتزوّد لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: "ما أنا بقارئ"، قال: "فأخذني فغطّني، حتّى بلغ مني الجَهْد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: "ما أنا بقارئ"، فأخذني فغطّني الثانية، حتّى بلغ مني الجَهْد، ثم أرسلني" فقال: اقرأ، فقلت: "ما أنا بقارئ"، فأخذني فغطّني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾ (العلق)!
فرجع بها رسول الله ﷺ يَرْجفُ فؤاده، فدخل على خديجة بنت خُوَيْلد ﵂ فقال: "زمّلوني زمّلوني"، فزمّلوه حتى ذهب عنه الرَّوْع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: "لقد خشيت على نفسي"! فقالت خديجة: كلاّ والله! ما يُخْزيك الله أبداً، إِنك لتصل الرحم، وتَحْملُ الكَلَّ وتُكْسِبُ المعدُوم، وتَقْري الضّيف، وتُعينُ على نوائب الحق! فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزّى -ابن عم خديجة- وكان امرأً تنصّر في الجاهليّة، وكان يكتب الكتاب العِبْراني، فيكتب من
стр. 543
الإِنجيل بالعبرانيّة ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي! فقالت له خديجة: يابن عمّ، اسْمَعْ من ابن أخيك! فقال له ورقة: يابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسولُ الله ﷺ خبر ما رأى! فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذَعاً، ليتني أكون حيًّا إِذ يُخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : "أَوَمُخْرجيَّ هُمْ؟ " قال: نعم، لم يأت رجلٌ قطّ بمثل ما جئت به إِلا عودي، وإِن يُدركني يومُك أنْصُرك نَصْراً مُؤَزراً، ثم لم يَنْشَبْ ورقَةُ أن توُفي، وفتر الوحي (١)!
قال النووي: هذا الحديث من مراسيل الصحابة ﵃ فإن عائشة ﵂ لم تدرك هذه القصة، فتكون قد سمعتها من النبي ﷺ ، أو من الصحابي (٢)!
قال ابن حجر: وتعقبه من لم يفهم مراده فقال: إذا كان يجوز أنها سمعتها من النبي ﷺ ، فكيف يجزم بأنها من المراسيل (٣)!
والجواب أن مرسل الصحابي ما يرويه من الأمور التي لم يدرك زمانها،
стр. 544
بخلاف الأمور التي يدرك زمانها، فإنها لا يقال إنها مرسلة، بل يحمل على أنه سمعها أو حضرها، ولو لم يصرح بذلك، ولا يختص هذا بمرسل الصحابي، بل مرسل التابعي إذا ذكر قصة لم يحضرها سميت مرسلة، ولو جاز في نفس الأمر أن يكون سمعها من الصحابي الذي وقعت له تلك القصة، وأما الأمور التي يدركها فتحمل على أنه سمعها أو حضرها، لكن بشرط أن يكون سالماً من التدليس!
ويؤيد أنها سمعت ذلك من النبي ﷺ قولها في أثناء هذا الحديث: فجاءه الملك فقال: اقرأ. فقال رسول الله ﷺ : "ما أنا بقارئ"، قال: "فأخذني .. " إلى آخره!
قال الطيبي (١): الظاهر أنها سمعت من النبي ﷺ ، لقولها: قال: "فأخذني فغطني".
فيكون قولها: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ ، حكايته ما تلفظ به صلوات الله عليه!
وهذا كما قال ابن حجر: ظاهر في أن النبي ﷺ أخبرها بذلك، فتُحمل بقيّة الحديث عليه (٢)!
стр. 545
٢ - مفهوم الوحي:
أصل الوحي (١): الإعلام في خفاء، وأيضاً: الكتابة، والمكتوب، والبعث، والإلهام، والأمر، والإيماء، والإشارة، والتصويت شيئاً بعد شيء، وقيل: أصله التفهيم، وكل ما دللت به من كلام، أو كتابة، أو رسالة، أو إشارة، فهو وحي!
والقول الجامع في معنى الوحي اللغوي (٢): أنه الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه، بحيث يخفى على غيره، ومنه الإلهام الغريزي، كالوحي إلى النحل، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ...﴾ (النحل)!
وإلهام الخواطر بما يلقيه الله في روع الإنسان السليم الفطرة، كالوحي إلى أم موسى، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ (القصص)!
ومنه ضده، وهو وسوسة الشيطان، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ
стр. 546
نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (الأنعام: ١١٢)!
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ (الأنعام)!
ووحي الله تعالى إلى أنبيائه قد روعي فيه المعنيان الأصليان لهذه المادة، وهما: الخفاء والسرعة، فهذا معنى المصدر، وقد يطلق على متعلقه، وهو ما وقع به الوحي، أي اسم المفعول!
قال القاضي عياض (١): وفي صدر كتاب مسلم عن الحارث الأعور، فيما انتقد عليه: تعلمت القرآن في ثلاث سنين، والوحي في سنتين، وقوله: القرآن هيّن، والوحي أشد، فظاهر تأويل منكريه عليه أنه أراد به سوءاً، لما علموا من غلوه في التشيع، وادعائهم علم سر الشريعة لعليّ، وتحزبهم من ذلك بما أنكره عليّ، وكذبهم فيه، والظاهر أنه لم يرد هذا، وإنما أراد الكتابة، وأن القرآن كان يحفظ عندهم تلقائياً، فكان أهون من تعلم الكتابة والخط، وبهذا فسره الخطابي!
قلت: جاء في مقدمة صحيح مسلم بسنده عن مغيرة قال (٢): سمعت الشعبي يقول: حدثني الحارث الأعور، وهو يشهد أنه أحد الكاذبين!
وعن إبراهيم قال: قال علقمة: قرأت القرآن في سنتين، فقال الحارث: القرآن هيّن، الوحي أشد!
стр. 547
وعن الأعمش عن إبراهيم، أن الحارث قال: تعلمت القرآن في ثلاث سنين، والوحي في سنتين، أو قال: الوحي في ثلاث سنين، والقرآن في سنتين!
وعن منصور والمغيرة، عن إبراهيم: أن الحارث اتهم!
قال النووي (١): ذكره مسلم في جملة ما أنكر على الحارث، وجرح به، وأخذ عليه من قبيح مذهبه، وغلوه في التشيع وكذبه!
قال القاضي عياض ﵀: وأرجو أن هذا من أخف أقواله، لاحتماله الصواب، فقد فسره بعضهم بأن الوحي هنا الكتابة ومعرفة الخط، قاله الخطابي (٢)، يقال: أَوْحَى ووَحَى: إذا كتب، وعلى هذا ليس على الحارث في هذا درك، وعليه الدرك في غيره!
وفي اصطلاح الشرع (٣): إعلام الله تعالى أنبياءه، إما بكتاب، أو برسالة ملك، أو منام، أو إلهام!
ومن هنا نعلم أن مفهوم الوحي صلة (٤) بين الله تعالى، ومن يصطفيه من
стр. 548
خلقه، ويصحب هذه الصلة علم ضروري بمصدرها، ويصاحبها ظواهر نفسية وبدنية للمصطفى، ويتبعها آثار توجيهية يعلنها المصطفى للناس!
وقد عبّر ابن خلدون عن هذا المفهوم بقوله:
استغراق في لقاء الملك الروحاني بإدراك الأنبياء المناسب لهم، الخارج عن مدارك البشر بالكلية، ثم يتنزل إلى المدارك البشرية .. كل ذلك في لحظة واحدة، بل في أقرب من لمح البصر (١)!
يعني ابن خلدون أن الوحي يملك على النبي ﷺ قلبه وقالبه، ويستجمع الشعور كله، ويوجهه نحو هذا اللقاء الفريد بين الإنسان المصطفى، والملك الروحاني. ويكون للنبي في هذه الحال إدراك خاص، ووسيلة معرفة، غير ما ألفه البشر من الحواس والعقل، ثم تحصل مرحلة عبور للوحي من حالته الروحية إلى حالة حسية وعقلية، يدركها المصطفى، ويبلغها للبشر، في صورة أمر، أو نهي، أو خبر .. إلى آخره!
ولعل ابن خلدون يعبر عن نوع مهم وشائع من أنواع الوحي، وهو لقاء الملك، وإلا فالوحي على صور، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ (الشورى)!
فالتلقي عن الله تعالى يكون على أنواع:
الأول: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾، والمقصود هو الإلقاء في قلب النبي ﷺ بكلام خفي يدرك بسرعة، ويعلم على جهة اليقين مصدره الإلهي!
стр. 549
وهذا الإلقاء -على جهة العموم- يقع يقظة ونوماً، مثال ذلك الإلهام إلى أم موسى -كما سبق- وما جاء في القرآن عن إبراهيم ﵇ قوله: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (الصافات: ١٠٢)
وهذا النوع ليس خاصاً بالأنبياء، بل قد يقع لغيرهم، فأم موسى لم تكن من الأنبياء، والرؤيا -كذلك- تحصل لكثيرين، وقد حصلت لملك مصر- على عهد يوسف ﵇ ولم يكن نبيًّا ولا وليًّا!
الثاني: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، والمعنى أن كلام الله تعالى يصل مسموعاً إلى النبي ﷺ دون رؤية للمولى ، فالنبي يسمع مباشرة دون واسطة، كما حدث لموسى ﵇ فقد كلمه الله، ولكن منعه الرؤية حين طلبها، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ (الأعراف: ١٤٣)!
وقد اختلف العلماء في حقيقة كلام الله تعالى، وذهبوا مذاهب شتى، جمعها الشيخ ابن أبي العز الدمشقي في تسعة أقوال (١)!
الثالث: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾، والرسول هو ملك الوحي المخصص للتبليغ عن الله، والسفارة بينه وبين رسله وأنبيائه، وهو جبريل ﵇!
٣ - ملك الوحي:
وقد عبّر القرآن المجيد عن ملك الوحي بتعبيرات متعددة، فذكره بالاسم
стр. 550
العلم في بعضها، وذكره بأوصاف تليق بمهمته المقدسة في البعض الآخر، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)﴾ (البقرة)!
وذلك في سياق الرد على اليهود، وبيان زيف اعتقادهم، ومزاعمهم الفاسدة حول الله والملائكة ورسله!
قال ابن جرير: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعاً على أن هذه الآية نزلت جواباً لليهود من بني إسرائيل؛ إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل وليّ لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك (١)!
وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ (النحل)!
قال ابن جرير (٢): يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد للقائلين لك: إنما أنت مفتر فيما تتلو عليهم من آي كتابنا، أنزله روح القدس يقول: قل جاء به جبريل من عند ربي بالحق!
стр. 551
وقال الراغب (١): يعني به جبريل من حيث إنه ينزل بالقدس من الله، أي بما يطهر به نفوسنا من القرآن، والحكمة، والفيض الإلهي!
قال الشوكاني (٢): والقدس: التطهير، والمعنى: نزله الروح المطهر من أدناس البشرية، فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة!
وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)﴾ (مريم)
قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: فأرسلنا إليها حين انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً، واتخذت من دونهم حجاباً: جبريل، وبنحو الذي قلنا في ذلك: قال أهل التأويل (٣)!
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ (الشعراء)!
قال ابن كثير (٤): يقول تعالى مخبراً عن الكتاب الذي أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي القرآن العظيم .. ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي أنزله الله عليك، وأوحاه إليك ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ وهو جبريل ﵇ قاله غير واحد من السلف: ابن عباس، ومحمد بن كعب، وقتادة، وعطية العوفي، والسدي، والضحاك، والزهري، وابن جريج، وهذا مما لا نزاع فيه!
وهنا نلحظ وصف جبريل ﵇ بالحسنيين، فهو طاهر في ذاته مبرأ من كل دنس وإثم، وفي الوقت ذاته أمين على ما نزل به، حفيظ عليه!
стр. 552
٤ - مراتب الوحي:
ونجد أنفسنا أمام ضرورة الحديث عن مراتب الوحي (١)، فيما يلي:
الأولى: (الرؤيا الصالحة): سبق أن ذكرنا أن الرؤيا تقع لغير الأنبياء، وهذا معلوم، بيد أن الرؤية الواردة في الحديث مقيدة بالصالحة، وفي رواية للبخاري ومسلم (الرؤيا الصادقة) (٢)!
قال الكرماني (٣): وهما هنا بمعنى، والصالحة إما صفة موضحة للرؤيا؛ لأن غير الصالحة تسمى بالحُلم، كما ورد فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي سلمة قال: سمعت أبا قتادة عن النبي ﷺ قال: "الرؤيا الصادقة من الله، والحلم من الشيطان" (٤)!
وإما مخصصة، أي الرؤيا الصالحة لا الرؤيا السيئة، أو لا الكاذبة المسماة بأضغاث الأحلام، والصلاح إما باعتبار صورتها، وإما باعتبار تعبيرها.
قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون معنى الرؤيا الصالحة والحسنة حسن
стр. 553
ظاهرها، ويحتمل أن المراد صحتها، قال: ورؤيا السوء تحتمل الوجهين أيضاً، سوء الظاهر، وسوء التأويل!
قال القسطلاني: وذكر النوم بعد الرؤيا المخصوصة به لزيادة الإيضاح والبيان، أو لدفع وهم من يتوهم أن الرؤيا تطلق على رؤية العين، فهو صفة موضحة؛ أو لأن غيرها يسمى حُلماً، أو تخصيص دون السيئة والكاذبة المسماة بأضغاث الأحلام، وأهل المعاني يسمونها صفة فارقة (١)!
الثانية (٢): ما كان يلقيه المَلَك في روعه وقلبه، من غير أن يراه، كما قال النبي ﷺ : "إِن روح القدس نفث في رُوعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب .. " الحديث صحيح بشواهده (٣)!
стр. 554
الثالثة: أنه كان يتمثل له الملك رجلاً ، فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقوله له، وفي هذه المرحلة كان يراه الصحابة أحياناً، فقد روى مسلم وغيره من حديث طويل أن الرسول ﷺ قال لعمر ﵁ في آخر الحديث: " .. يا عمر! أتدري من السائل؟ "قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإِنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (١)!
الرابعة: أنه كان يأتيه مثل صلصلة الجرس ، وكان أشده عليه، فيتلبّس به الملك، حتى إن جبينه ليتفصّد عرقاً في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك إلى الأرض إذا كان راكبها، ولقد جاءه الوحي مرة كذلك، وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضّها!
يروي الشيخان وغيرهما عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أن الحارث ابن هشام ﵁، سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : "أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليّ، فيفصم عنّي وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول"!
قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإِن جبينه ليتفصّد عرقاً (٢)!
стр. 555
ويروي الحاكم بسند صحيح عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان إِذا أوحي إِليه، وهو على ناقته، وضعت جرانها، فلم تستطع أن تتحرك، وتلت قول الله : ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ (المزمل)!
وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي (١)!
ويروي البخاري وغيره من حديث زيد بن ثابت أن النبي ﷺ أملى عليه (٢): ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (النساء: ٩٥)! فجاءه ابن أم مكتوم، وهو يُمليها عليّ. قال: يا رسول الله! والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت -وكان أعمى- فأنزل الله على رسوله ﷺ ، وفخذه على فخذي، فثقُلت علي، حتى خفتُ أن تُرضّ فخذي، ثم سُرِّي عنه، فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾!
الخامسة: أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها ، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين!
стр. 556
يروي مسلم من حديث طويل عن عائشة ﵂، أن الرسول ﷺ قال (١): " .. لم أره -يعني جبريل- على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء .. ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض .. " الحديث.
وللترمذي من طريق مسروق عن عائشة (٢): لم يره في صورته إِلا مرتين: مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد، له ستمائة جناح قد سد الأفق!
السادسة: ما أوحاه الله ، وهو فوق السموات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها (٣)!
السابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك ، كما كلّم الله موسى ابن عمران، وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعاً بنص القرآن، وثبوتها لنبينا ﷺ هو في حديث الإسراء (٤)!
الثامنة (٥): قال العراقي: وهي تكليم الله له كفاحاً بغير حجاب، وهذا على مذهب من يقول: إنه ﵊ رأى ربه ﵎ (٦)!
ذكرها ابن القيّم بقوله (٧): وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة!
стр. 557
قال العراقي (١): ويحتمل أن ابن قيّم الجوزية أراد بالمرتبة السادسة، وحي جبريل ﵇، وغاير بينه وبين ما قبله باعتبار محل الإيحاء، أي كونه فوق السموات، بخلاف ما تقدم، فإنه كان في الأرض، ولا يقال: يلزم عليه أن تتعدد أقسام الوحي باعتبار البقعة التي جاء فيها جبريل إلى النبي -عليهما الصلاة والسلام- وهو غير ممكن؛ لأنا نقول: غاير الوحي الحاصل في السماء غيره، باعتبار ما في رؤية تلك المشاهد من الغيب، فهو نوع غير الأرض، على اختلاف بقاعها، وفيه نظر!
وقد أشار ابن حجر إلى المراتب إجمالاً (٢)، وقسمها إلى ما هو من صفات الوحي، وما هو من صفات حامل الوحي!
بيد أنه ذكر من صفات الوحي مجيئه كدويّ النحل، وقال: وأما فكون الوحي كدويّ النحل لا يعارض صلصلة الجرس؛ لأن سماع الدويّ بالنسبة إلى الحاضرين -كما في حديث عمر- (يسمع عنده دويّ كدويّ النحل) (٣)،
стр. 558
كالصلصلة بالنسبة إلى النبي ﷺ ، فشبهه عمر بدويّ النحل بالنسبة إلى السامعين، وشبهه هو بصلصلة الجرس بالنسبة إلى مقامه!
وأما النفث في الروع ، فيحتمل أنه يرجع إلى إحدى الحالتين، فإذا أتاه الملك في مثل صلصلة الجرس نفث حينئذ في روعه!
وأما الإلهام ، فلم يقع السؤال عنه؛ لأن السوال وقع في صفة الوحي الذي يأتي بحامل، وكذلك التكليم ليلة الإسراء!
وأما الرؤية الصالحة، فقال ابن بطال: لا ترد؛ لأن السؤال وقع عما ينفرد به عن الناس؛ لأن الرؤيا قد يشركه فيها غيره!
والرؤيا الصادقة وإن كانت جزءاً من النبوة فهي باعتبار صدقها لا غير، وإلا لساغ لصاحبها أن يسمى نبياً، وليس كذلك!
ويحتمل أن يكون السؤال وقع عما في اليقظة، أو لكون حال المنام لا يخفى
стр. 559
على السائل، فاقتصر على ما يخفى عليه، أو كان ظهور ذلك له ﷺ في المنام أيضاً على الوجهين المذكورين لا غير، قاله الكرماني، وفيه نظر!
وقد ذكر الحليمي أن الوحي كان يأتيه على ستة وأربعين نوعاً -فذكرها - وغالبها من صفات حامل الوحي، ومجموعها يدخل فيما ذُكر!
وقد كان الرسول ﷺ يعالج من التنزيل شدة، كما روى الشيخان وغيرهما عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾! قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله ﷺ يحركهما، وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما -فحرك شفتيه- فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ (القيامة)! قال: جمعه لك في صدرك، وتقرؤه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ (القيامة)! قال فاستمع له وأنصت: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ (القيامة)! فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما قرأه (١)!
стр. 560
٥ - فلق الصبح:
قال الكرماني (١): فلق الصبح ضياؤه، وإنما يقال هذا في الشيء البيّن الواضح، قيل: هو مصدر كالانفلاق، والصحيح أنه بمعنى المفلوق، وهو اسم للصبح، وأضيف أحدهما إلى الآخر لاختلاف اللفظين، وقد جاء الفلق منفرداً عن الصبح، قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ (الفلق)!
وقيل: الفلق: الصبح؛ لكنه لما كان مستعملاً في هذا المعنى وفي غيره أضيف إليه للتخصيص والبيان، إضافة العام إلى الخاص!
قال العيني (٢): تنصيصه -أي الكرماني- على الصحيح غير صحيح، بل الصحيح أنه إما اسم للصبح، وجوزت الإضافة فيه لاختلاف اللفظين، وإما مصدر بمعنى الانفلاق، وهو الانشقاق، من فلقت الشيء أفلِقه -بالكسر- فلقاً: إذا شققته!
وقال ابن حجر (٣): أي مشبهة ضياء الصبح، أو على أنه صفة لمحذوف، أي جاءت مجيئاً مثل فلق الصبح، والمراد بفلق الصبح ضياؤه، وخص بالتشبيه لظهوره الواضح الذي لا شك فيه!
وقال القسطلاني (٤): وعبر بفلق الصبح؛ لأن شمس النبوة قد كانت مبادي أنوارها الرؤيا، إلى أن ظهرت أشعتها، وتم نورها!
стр. 561
قال القاضي عياض وغيره (١): إنما ابتدئ ﵊ بالرؤيا، لئلا يفجؤه الملك، ويأتيه صريح النبوة بغتة، فلا تحتملها قوى البشرية، فبدئ بأوائل خصال النبوة، وتباشير الكرامة من صدق الرؤيا .. وسلام الحجر عليه بالنبوة!
يروي مسلم وغيره عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ (٢): "إِني لأعرف حجراً بمكة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث، إِني لأعرفه الآن"!
٦ - حُبِّب إليه الخلاء:
قال القسطلاني (٣): عبّر بحُبِّب المبني لما لم يسم فاعله، لعدم تحقق الباعث على ذلك، وإن كان كلٌّ من عند الله، أو تنبيهاً على أنه لم يكن من باعث البشر، وإنما حبب إليه الخلوة؛ لأن معها فراغ القلب والانقطاع عن الخلق، ليجد الوحي منه متمكناً!
وفيه تنبيه على فضل العزلة؛ لأنها تريح القلب من أشغال الدنيا، وتفرغه لله تعالى، فتتفجر منه ينابيع الحكمة. والخلوة أن يخلو عن غيره، بل وعن نفسه بربه، وعند ذلك يكون خليقاً بأن يكون قالبه ممراً لواردات علوم الغيب،
стр. 562
وقلبه مقراً لها، وخلوته ﷺ كانت لأجل التقرب، لا على أن النبوة مكتسبة!
والخلاء (١): الخلوة، قاله النووي، ويحتمل أن يراد به المكان الخالي الذي ليس فيه أحد، والمعنيان متقاربان، لكنهما متغايران!
قال الخطابي (٢): حُبِّبت العزلة إليه؛ لأن فيها فراغ القلب، وهي معينة على التعبد، وبها ينقطع عن مألوفات البشر، ويخشع قلبه، وهي من جملة المقدمات التي أرهصت لنبوته، وجعلت مبادئ لظهورها!
٧ - غار حراء:
قال العيني (٣): الغار - بالغين المعجمة: فسره جميع شراح البخاري بأنه النقب في الجبل، وهو قريب من معنى الكهف!
وقال: الغار هو الكهف، وفي العباب: الغار كالكهف في الجبل، ويجمع على غيران، ويصغّر على غوير، فتصغيره يدل على أنه واوي، فلذلك ذكره في العباب في (غور)، وحراء -بكسر الحاء وتخفيف الراء بالمد -وهو مصروف على الصحيح، ومنهم من منع صرفه، ويذكر على الصحيح أيضاً، ومنهم من أنثه، ومنهم من قصره أيضاً، فهذه ست لغات!
قال القاضي عياض: يمد ويقصر، ويذكر ويؤنث، ويصرف ولا يصرف، والتذكير أكثر، فمن ذكّره صرفه، ومن أنّثه لم يصرفه، يعني على إرادة البقعة أو الجهة التي فيها الجبل، وضبطه الأُصيلي بفتح الحاء والقصر، وهو غريب!
стр. 563
قال الخطابي (١): العوام يخطئون في حراء في ثلاثة مواضع: يفتحون الحاء وهي مكسورة، ويكسرون الراء وهي مفتوحة، ويقصرون الألف وهي ممدودة!
وقال التيمي: العامة لحنت في ثلاثة مواضع: فتح الحاء، وقصر الألف، وترك صرفه، وهو مصروف في الاختيار؛ لأنه اسم جبل!
وقال الكرماني (٢): إذا جمعنا بين كلاميهما يلزم اللحن في أربعة مواضع، وهو من الغرائب؛ إذ بعدد كل حرف لحن، ولقائل أن يقول: كسر الراء ليس بلحن؛ لأنه بطريق الإمالة!
وهو جبل (٣) بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال، على يسار الذاهب إلى (مِنى)!
وقد ذكر القسطلاني في المواهب ناقلاً عن ابن أبي جمرة (٤) حكمة اختصاص تحبيب الله تعالى إلى رسوله ﷺ الخلاء في غار حراء دون غيره من الأماكن التي تصلح للخلوة، وهي كثيرة في جبال مكة ووديانها، ما يأتي بتصرف للبيان (٥)!
أولاً: إن غار حراء منزوٍ في انعطاف وميل عن طرق مرور الناس عليه، وهذا الوضع يزيد في تمكن المختلي فيه من البُعد عن الناس، وضوضاء الحياة، ويساعد على عدم مخالطتهم والتفرغ للتعبّد، وهي أمور كان يقصد إليها النبي ﷺ في خلائه وتعبّده بالتفكّر في مصنوعات الله وبدائع ملكوته!
стр. 564
ولا شك أن البعد عن الناس وحركاتهم في تقلباتهم لطلب مصالحهم ومعاشهم أجمع للفكر وخواطر القلب، وأبلغ من عمق التفكر والتأمل، وأقرب إلى التهدي!
ثانياً: إن هذا الغار يقع في موقع يبصر منه المعتكف فيه بيت الله المحرّم (الكعبة المشرّفة)، والنظر إلى البيت الحرام عبادة، تذكر بأعظم متعبّد بقي على تقلبات الحياة وصروفها، وقد طاول الزمن وغالبه، فاستطال عليه وغلبه؛ لأنه الأثر الثابت تاريخيًّا من تراث أبي الأنبياء خليل الرحمن إبراهيم، وابنه إسماعيل ﵉، وهما جدّا محمد ﷺ الأعليان، إليهما يرتفع نسبه الشريف المحقق!
وقد بقي التعبد بتعظيم هذا البيت، والطواف حوله سنة متبعة من سنن الرسالات الإلهية التي أحيت رسالة محمد ﷺ معالمها الأصيلة، فجعلت من الطواف حول هذا البيت وتعظيمه أحد أركانها، وشرعة في منهاج تعبداتها!
وبالتأمل فيما ذكرنا يتبين أن الخلاء في غار حراء يجمع ثلاث عبادات، كانت كلها محققة ومقصودة للنبي ﷺ في خلائه به:
الأولى: الخلوة التامة!
الثانية: التحنّث!
الثالثة: النظر إلى بيت الله الحرام!
٨ - التحنّث:
قال الكرماني (١): التحنّث -بالحاء المهملة والنون ثم الثاء المثلثة: التعبّد،
стр. 565
وحقيقته: التجنّب عن الحنث، وهو الإثم، فكأن المتعبّد يلقي الإثم عن نفسه بالعبادة!
قال الخطابي: ونظيره في الكلام، التحوّب والتأثّم: أي ألقى الحوب والإثم عن نفسه، قالوا: وليس في كلامهم تفعّل بهذا المعنى غير هذه!
وأقول: هذه شهادة نفي، وكيف وقد ثبت في الكتب الصرفية أن باب تفعّل يجيء للتجنّب كثيراً، نحو تحرّج وتخوّن، أي اجتنب الحرج والخيانة، وغير ذلك!
قال التيمي: هذا من المشكلات، ولا يهتدي إليه سوى الحذّاق، وسئل ابن الأعرابي عن قوله يتحنّث، فقال: لا أعرفه، وسألت أبا عمرو الشيباني فقال: لا أعرف يتحنّث، إنما هو يتحنّف من الحنفية!
قلت: جاء في رواية للبخاري من طريق يونس قال: أخبرني ابن شهاب أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إِلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إِليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه، قال: والتحنّث: التعبّد .. الحديث (١)!
قال ابن حجر (٢): هذا ظاهر في الإدراج، إذ لو كان من بقيّة كلام عائشة لجاء فيه: قالت، وهو يحتمل أن يكون من كلام عروة أو من دونه!