قال القاضي عياض وغيره (١): إنما ابتدئ ﵊ بالرؤيا، لئلا يفجؤه الملك، ويأتيه صريح النبوة بغتة، فلا تحتملها قوى البشرية، فبدئ بأوائل خصال النبوة، وتباشير الكرامة من صدق الرؤيا .. وسلام الحجر عليه بالنبوة!
يروي مسلم وغيره عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ (٢): "إِني لأعرف حجراً بمكة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث، إِني لأعرفه الآن"!
٦ - حُبِّب إليه الخلاء:
قال القسطلاني (٣): عبّر بحُبِّب المبني لما لم يسم فاعله، لعدم تحقق الباعث على ذلك، وإن كان كلٌّ من عند الله، أو تنبيهاً على أنه لم يكن من باعث البشر، وإنما حبب إليه الخلوة؛ لأن معها فراغ القلب والانقطاع عن الخلق، ليجد الوحي منه متمكناً!
وفيه تنبيه على فضل العزلة؛ لأنها تريح القلب من أشغال الدنيا، وتفرغه لله تعالى، فتتفجر منه ينابيع الحكمة. والخلوة أن يخلو عن غيره، بل وعن نفسه بربه، وعند ذلك يكون خليقاً بأن يكون قالبه ممراً لواردات علوم الغيب،
стр. 562
وقلبه مقراً لها، وخلوته ﷺ كانت لأجل التقرب، لا على أن النبوة مكتسبة!
والخلاء (١): الخلوة، قاله النووي، ويحتمل أن يراد به المكان الخالي الذي ليس فيه أحد، والمعنيان متقاربان، لكنهما متغايران!
قال الخطابي (٢): حُبِّبت العزلة إليه؛ لأن فيها فراغ القلب، وهي معينة على التعبد، وبها ينقطع عن مألوفات البشر، ويخشع قلبه، وهي من جملة المقدمات التي أرهصت لنبوته، وجعلت مبادئ لظهورها!
٧ - غار حراء:
قال العيني (٣): الغار - بالغين المعجمة: فسره جميع شراح البخاري بأنه النقب في الجبل، وهو قريب من معنى الكهف!
وقال: الغار هو الكهف، وفي العباب: الغار كالكهف في الجبل، ويجمع على غيران، ويصغّر على غوير، فتصغيره يدل على أنه واوي، فلذلك ذكره في العباب في (غور)، وحراء -بكسر الحاء وتخفيف الراء بالمد -وهو مصروف على الصحيح، ومنهم من منع صرفه، ويذكر على الصحيح أيضاً، ومنهم من أنثه، ومنهم من قصره أيضاً، فهذه ست لغات!
قال القاضي عياض: يمد ويقصر، ويذكر ويؤنث، ويصرف ولا يصرف، والتذكير أكثر، فمن ذكّره صرفه، ومن أنّثه لم يصرفه، يعني على إرادة البقعة أو الجهة التي فيها الجبل، وضبطه الأُصيلي بفتح الحاء والقصر، وهو غريب!
стр. 563
قال الخطابي (١): العوام يخطئون في حراء في ثلاثة مواضع: يفتحون الحاء وهي مكسورة، ويكسرون الراء وهي مفتوحة، ويقصرون الألف وهي ممدودة!
وقال التيمي: العامة لحنت في ثلاثة مواضع: فتح الحاء، وقصر الألف، وترك صرفه، وهو مصروف في الاختيار؛ لأنه اسم جبل!
وقال الكرماني (٢): إذا جمعنا بين كلاميهما يلزم اللحن في أربعة مواضع، وهو من الغرائب؛ إذ بعدد كل حرف لحن، ولقائل أن يقول: كسر الراء ليس بلحن؛ لأنه بطريق الإمالة!
وهو جبل (٣) بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال، على يسار الذاهب إلى (مِنى)!
وقد ذكر القسطلاني في المواهب ناقلاً عن ابن أبي جمرة (٤) حكمة اختصاص تحبيب الله تعالى إلى رسوله ﷺ الخلاء في غار حراء دون غيره من الأماكن التي تصلح للخلوة، وهي كثيرة في جبال مكة ووديانها، ما يأتي بتصرف للبيان (٥)!
أولاً: إن غار حراء منزوٍ في انعطاف وميل عن طرق مرور الناس عليه، وهذا الوضع يزيد في تمكن المختلي فيه من البُعد عن الناس، وضوضاء الحياة، ويساعد على عدم مخالطتهم والتفرغ للتعبّد، وهي أمور كان يقصد إليها النبي ﷺ في خلائه وتعبّده بالتفكّر في مصنوعات الله وبدائع ملكوته!
стр. 564
ولا شك أن البعد عن الناس وحركاتهم في تقلباتهم لطلب مصالحهم ومعاشهم أجمع للفكر وخواطر القلب، وأبلغ من عمق التفكر والتأمل، وأقرب إلى التهدي!
ثانياً: إن هذا الغار يقع في موقع يبصر منه المعتكف فيه بيت الله المحرّم (الكعبة المشرّفة)، والنظر إلى البيت الحرام عبادة، تذكر بأعظم متعبّد بقي على تقلبات الحياة وصروفها، وقد طاول الزمن وغالبه، فاستطال عليه وغلبه؛ لأنه الأثر الثابت تاريخيًّا من تراث أبي الأنبياء خليل الرحمن إبراهيم، وابنه إسماعيل ﵉، وهما جدّا محمد ﷺ الأعليان، إليهما يرتفع نسبه الشريف المحقق!
وقد بقي التعبد بتعظيم هذا البيت، والطواف حوله سنة متبعة من سنن الرسالات الإلهية التي أحيت رسالة محمد ﷺ معالمها الأصيلة، فجعلت من الطواف حول هذا البيت وتعظيمه أحد أركانها، وشرعة في منهاج تعبداتها!
وبالتأمل فيما ذكرنا يتبين أن الخلاء في غار حراء يجمع ثلاث عبادات، كانت كلها محققة ومقصودة للنبي ﷺ في خلائه به:
الأولى: الخلوة التامة!
الثانية: التحنّث!
الثالثة: النظر إلى بيت الله الحرام!
٨ - التحنّث:
قال الكرماني (١): التحنّث -بالحاء المهملة والنون ثم الثاء المثلثة: التعبّد،
стр. 565
وحقيقته: التجنّب عن الحنث، وهو الإثم، فكأن المتعبّد يلقي الإثم عن نفسه بالعبادة!
قال الخطابي: ونظيره في الكلام، التحوّب والتأثّم: أي ألقى الحوب والإثم عن نفسه، قالوا: وليس في كلامهم تفعّل بهذا المعنى غير هذه!
وأقول: هذه شهادة نفي، وكيف وقد ثبت في الكتب الصرفية أن باب تفعّل يجيء للتجنّب كثيراً، نحو تحرّج وتخوّن، أي اجتنب الحرج والخيانة، وغير ذلك!
قال التيمي: هذا من المشكلات، ولا يهتدي إليه سوى الحذّاق، وسئل ابن الأعرابي عن قوله يتحنّث، فقال: لا أعرفه، وسألت أبا عمرو الشيباني فقال: لا أعرف يتحنّث، إنما هو يتحنّف من الحنفية!
قلت: جاء في رواية للبخاري من طريق يونس قال: أخبرني ابن شهاب أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إِلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إِليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه، قال: والتحنّث: التعبّد .. الحديث (١)!
قال ابن حجر (٢): هذا ظاهر في الإدراج، إذ لو كان من بقيّة كلام عائشة لجاء فيه: قالت، وهو يحتمل أن يكون من كلام عروة أو من دونه!
стр. 566
وقال: وهو من تفسير الزهري، كما جزم به الطيبي، ولم يذكر دليله (١)!
وقال ابن الأثير: يقال: فلان يتحنّث: أي يفعل فعلاً يخرج به من الإثم والحرج، كما تقول: يتأثّم ويتحرّج: إذا فعل ما يخرج به من الإثم والحرج!
قال عياض: ومعناه يطرح الإثم عن نفسه، ويفعل ما يخرجه عنه (٢)!
وقال ابن هشام (٣): تقول العرب: التحنّث والتحنّف: يريدون الحنفية، فيبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا: جدث وجدف، يريدون القبر!
قلت: ولا حاجة فيه إلى الإبدال، فمعناه واضح -كما سبق -وهو من الأفعال التي معناها السلب -كما قال القسطلاني-: أي اجتناب فاعلها لمصدرها (٤)!
وفي حديث ابن إسحاق: والتحنّث: التبرّر (٥)!
قال السهيلي: تفعّل من البر، وتفعّل: يقتضي الدخول في الفعل، وهو الأكثر فيها، مثل تفقّه وتعبّد وتنسّك، وقد جاءت في ألفاظ يسيرة تعطي الخروج عن الشيء وإطراحه، كالتأثم والتحرّج (٦)!
стр. 567
٩ - الليالي ذوات العدد:
قال الكرماني (١): ذوات منصوب على الظرف، والعامل فيه يتحنّث، لا التعبّد، وإلا فسد المعنى، فإن التحنث لا يشترط فيه الليالي، بل هو مطلق التعبّد!
وقال القسطلاني (٢): أبهم العدد لاختلافه بالنسبة إلى المدد التي يتخللها مجيئه إلى أهله!
وعند ابن إسحاق: شهر رمضان (٣)!
وقد اختلف العلماء في كيفية تلك العبادة (٤)!
وقال ابن حجر (٥): إذا علم أنه كان يجاور في غار حراء في شهر رمضان، وأن ابتداء الوحي جاءه وهو في الغار المذكور، اقتضى ذلك أنه نُبئ في شهر رمضان، ويعكر على قول ابن إسحاق أنه بعث على رأس الأربعين (٦)، مع قوله إنه في شهر رمضان ولد، ويمكن أن يكون المجيء في الغار كان أولاً في شهر رمضان، وحينئذ نبئ، وأنزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (العلق: ١)!
стр. 568
ثم كان المجيء الثاني في شهر ربيع الأول بالإنذار، وأنزلت عليه:
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ (المدثر)!
فيحمل قول ابن إسحاق "على رأس الأربعين" أي عند المجيء بالرسالة!
وأخرج أحمد بسند حسن عن واثلة بن الأسقع أن النبي ﷺ قال: "أنزلت صحف إِبراهيم ﵇ في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإِنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان" (١)!
قال ابن حجر (٢): وهذا كله مطابق لقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة: ١٨٥)!
١٠ - جاءه الحق:
قال ابن حجر (٣): أي الأمر الحق، وفي التفسير (٤): حتى فَجِئه -بكسر الجيم- وتفتح كما في الدِّيباج (٥)، أي بغتة .. وسمي حقاً؛ لأنه وحي من الله تعالى.
قال الكرماني (٦): أي جبريل ﵇، فإن قلت: مجيء الملك ليس
стр. 569
بعد مجيء الوحي، بل هو نفسه؛ إذ المراد بمجيء الوحي مجيء حامل الوحي، أي فما معنى الفاء التعقيبية؟ قلت: هذه الفاء تسمى بالفاء التفسيرية، نحو قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (البقرة: ٥٤)!
إذ القتل نفس التوبة على أحد التفاسير، وتسمى بالفاء التفصيلية أيضاً؛ لأن مجيء الملك .. إلى آخره تفصيل للمجمل الذي هو مجيء الحق، ولاشك أن المفصل هو نفس المجمل، وفي رواية لمسلم (١): (حتى فجئه الحق) بكسر الجيم، من الفجأة، أي جاءه الحق بغتة ومفاجأة، فإنه لم يكن متوقعاً للوحي، وقال الطيبي: معنى حتى جاءه الحق: جاء أمر الحق، وهو الوحي، ورسول الحق، وهو جبريل ﵊!
قال ابن حجر (٢): هذه الفاء تسمى التفسيرية وليست التعقيبية؛ لأن مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي، حتى تعقب به، بل هو نفسه، ولا يلزم من هذا التقرير أن يكون من باب تفسير الشيء بنفسه، بل التفسير عين المفسر به من جهة الإجمال، وغيره من جهة التفصيل!
١١ - " ما أنا بقارئ" ثلاثاً:
قال ابن حجر (٣): (ما) نافية، إذ لو كانت استفهامية لم يصلح دخول الباء، وان حكي عن الأخفش جوازه فهو شاذ، والباء زائدة لتأكيد النفي، أي ما أحسن القراءة!
стр. 570
قال القسطلاني (١): وأجيب بأنها استفهامية، بدليل رواية أبي الأسود في مغازيه عن عروة أنه قال: (كيف أقرأ؟)، وفي رواية عبيد بن عمير عند ابن إسحاق (ماذا أقرأ؟) دلتا على أنها استفهامية، وقد جوز الأخفش دخول الباء على الخبر المثبت، وجزم به ابن مالك في (بحسبك زيد) فجعل الخبر حسبك، والباء زائدة!
قال ابن حجر (٢): فإن قيل لم كرر ذلك ثلاثاً؟ أجاب أبو شامة بأن يحمل قوله أولاً (ما أنا بقارئ) على الامتناع، وثانياً على الإخبار بالنفي المحض، وثالثاً على الاستفهام!
ويؤيده أن في رواية أبي الأسود في مغازيه عن عروة أنه قال: (كيف أقرأ؟)، وفي رواية عبيد بن عمير عند ابن إسحاق (ماذا أقرأ؟)، وفي مرسل الزهري في دلائل البيهقي (كيف أقرأ؟)، وكل ذلك يؤيد أنها استفهامية!
قلت: أرجح أنها في المرة الأولى نافية، لعدم المعرفة بالقراءة، وفي الثانية استفهامية، يراد بها استبانة ما يقرؤه، والمعنى أخبرني أي شيء أقرأ؟، وذلك لمجيء العبارة بصيغة الاستفهام (ماذا أقرأ؟)، وفي الثالثة استفهامية -أيضاً- بمعنى كيف، فهي استخبار عن الحالة التي يكون بها قارئاً، وهو الأمي الذي لم يباشر القراءة قط في حياته، وذلك لمجيء العبارة بالاستفهام الصريح (كيف أقرأ؟)، وبهذا يتم الجمع بين الروايات والأقوال!
стр. 571
١٢ - " فغطّني حتى بلغ مني الجهد ":
فغطّني -بالغين المعجمة والطاء المهملة- وفي رواية الطبري: فغتّني (١) - أي بتاء مثناة من فوق. قال ابن الأثير (٢): هما سواء، كأنه أراد عصرني عصراً شديداً، حتى وجدت منه المشقة!
قال ابن حجر (٣): كأنه أراد ضمني وعصرني، والغط: حبس النفس، ومنه غطه في الماء، أو أراد غمني، ومنه الخنق، ولأبي داود الطيالسي في مسنده بسند حسن (فأخذ بحلقي)!
قال النووي (٤): قال العلماء: والحكمة في الغط شغله من الالتفات والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لما يقوله له، وكرره ثلاثاً، مبالغة في التنبيه!
والجُهدُ -بفتح الجيم وضمها ونصب الدال ورفعها- قال الكرماني (٥): ومعناه: الطاقة والغاية والمشقة، فعلى الرفع معناه بلغ الجهد مبلغه، فحذف مبلغه، وعلى النصب معناه بلغ الملك مني الجهد، والحكمة في الغط شغله عن الالتفات والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لما يقول له، وكرره ثلاثاً مبالغة في التثبّت، وفيه أنه ينبغي للمعلم أن يحتاط في تنبيه المتعلم والإحضار بمجامع قلبه!
قال التوربشتي: لا أرى الذي يروي بنصب الدال إلا قد وهم فيه، أو جوّزه بطريق الاحتمال؛ فإنه إذا نصب الدال عاد المعنى إلى أنه غطه حتى
стр. 572
استفرغ قوته في ضغطته، وجهده جهده، بحيث لم يبق فيه مزيد، وهذا قول غير سديد؛ فإن البنية البشريّة لا تستدعي استنفاد القوة الملكية، لا سيما في مبدأ الأمر، وقد دلت القصة على أنه اشمأز من ذلك، وتداخله الرعب!
وقال الطيبي: لا شك أن جبريل في حالة الضغط لم يكن على صورته الحقيقيّة التي تجلى بها عند سدرة المنتهى، وعندما رآه مستوياً على الكرسي، فيكون استفراغ جهده لا بحسب صورته التي تجلى له بها وغطه، وإذا صحت الرواية اضمحل الاستبعاد!
قلت: لم يذكر الجهد في الرواية التي معناها في المرة الثالثة، لكنه ورد عند البخاري في التفسير (١)!
قال العراقي (٢): يجوز في الدال النصب والرفع، فالأول على أن فاعل (بلغ) ضمير يعود على جبريل، أي بلغ جبريل مني الجهد، والثاني على أن الجهد فاعل، أي بلغ الجهد مني مبلغه وغايته!
قال النووي (٣): وممن ذكر الوجهين في نصب الدال ورفعها صاحب التحرير وغيره!
١٣ - يرجف فؤاده:
قال العيني: أي يخفق ويضطرب، والرجفان: شدة الحركة والاضطراب، وفي المحكم: رجف الشيء يرجف رجفاً، ورجفاناً، ورجيفاً، وأرجف:
стр. 573
خفق واضطرب اضطراباً شديداً، والفؤاد: هو القلب، وقيل: إنه عين القلب، وقيل: باطن القلب، وقيل: غشاء القلب، وسمي القلب قلباً لتقلبه (١)!
وقال القسطلاني: فؤاده: قلبه أو باطنه أو غشاؤه، لما فجأه من الأمر المخالف للعادة والمألوف، فنفر طبعه البشري وهاله ذلك، ولم يتمكن من التأمل في تلك الحالة؛ لأن النبوة لا تزيل طباع البشريّة كلها (٢)!
وفي رواية (ترجف بَوادره) (٣) -بفتح الباء الموحدة وكسر الدال بعدها راء مهملة-: جمع بادرة، وهي اللحمة بين المنكب والعنق، تضطرب عند فزع الإنسان، قاله أبو عبيد وسائر أهل اللغة والغريب!
قال العراقي (٤): ولا تنافي بين الروايتين، فكأن الرجفان في البوادر والفؤاد، ولعل رجفان الفؤاد ملازم لرجفان البوادر!
قال النووي: وعلم خديجة برجفان فؤاده، والظاهر أنها رأته حقيقة، ويجوز أنها لم تره وعلمته بقرائن وصور الحال!
١٤ - " زمِّلوني زمِّلوني ":
التزميل: التلفيف، والتزمل: الاشتمال والتلفف، ومنه التدثر، ويقال لكل ما يلقى على الثوب الذي يلي الجسد دثار، وأصل المزمّل والمدّثر المتزمّل
стр. 574
والمتدثر، أدغمت التاء فيما بعدها (١)، قال ذلك لشدة ما لحقه من هول الأمر، والعادة جارية بسكون الرعدة بالتلفيف (٢)!
١٥ - الرَّوع:
الرَّوع -بفتح الراء-: الفزع، وفي المحكم: الروع والرواع والتروع: الفزع، وقال الهروي: هو بالضم موضع الفزع من القلب (٣)!
١٦ - كلاّ:
كلاّ -بفتح الكاف وتشديد اللام مقصور-: نفي وإبعاد، أي لا تقل ذلك، أو لا خوف عليك (٤)، والمراد ها هنا التنزيه عنه، وهو أحد معانيها، وقد تأتي بمعنى حقاً، أو بمعنى ألا التي للتنبيه، يستفتح بها الكلام، وقد ذكر هذا اللفظ في القرآن ثلاثاً وثلاثين مرة، في خمس عشرة سورة، ليس في النصف الأول من ذلك شيء!
قال العماني: وحكمة ذلك أن نصف القرآن الأخير نزل أكثره بمكة، وأكثرها جبابرة، فتكررت فيه على وجه التهديد والتعنيف لهم، والإنكار عليهم، بخلاف النصف الأول، وما نزل منه في اليهود لم يحتج إلى إيرادها فيه لذلّتهم وضعفهم!
стр. 575
وقد اهتم العلماء والنحويون بها قديماً، وأكثروا فيها القول، وتعددت مذاهبهم، وقد جاءت على أقسام جمعها ابن الأنباري في باب من كتاب الوقف والابتداء له، وهي مركبة عند ثعلب من كاف التشبيه ولا النافية، قال: وإنما شددت لامها لتقوية المعنى، ولدفع توهم بقاء معنى الكلمتين، وعند غيره هي بسيطة، وعند سيبويه، والخليل، والمبرد، والزجاج، وأكثر البصريين: حرف معناه الردع والزجر، لا معنى لها عندهم إلا ذلك .. قالوا: وقد تكون حرف جواب بمنزلة أي ونعم (١)!
١٧ - ما يخزيك الله أبداً:
ما يُخزيك -بضم الياء وبالخاء المعجمة-: من الخزي، وهو الفضيحة والهوان!
قال النووي: وقال معمر في رواية (يُحزنك) بالحاء المهملة والنون، ويجوز فتح الياء في أوله وضمها، وكلاهما صحيح، من الحزن، حزنه وأحزنه ثلاثي ورباعي، يقال: حزنه وأحزنه: أوقعه في بلية، وأبداً منصوب على الظرف!
قال ابن حجر: ثم استدلت على ما أقسمت عليه من نفي ذلك أبداً بأمر استقرائي وصفته بأصول مكارم الأخلاق؛ لأن الإحسان إما إلى الأقارب، أو إلى الأجانب، وإما بالبدن، أو بالمال، وإما على من يستقل بأمره، أو من لا يستقل وذلك كله مجموع فيما وصفته به (٢)!
стр. 576
١٨ - وتحمل الكَلّ:
الكَلّ -بفتح الكاف وتشديد اللام-: الثقل، وهو من الكلال الذي هو الإعياء (١)، أي يرفع الثقل، أي يعين الضعيف المنقطع به، والكَلُّ: من لا يستقل بأمره، قال الله: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ (النحل: ٧٦)!
١٩ - وتكسب المعدوم:
تُكسب -بفتح التاء-: هو المشهور، وروي بضمها، والمعنى بضم التاء تكسب غيركَ المال المعدوم، أي تعطيه المال المعدوم، فحذف أحد المفعولين، وقيل: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من مكارم الأخرق، وأما بفتح التاء فقيل معناه كمعنى المضموم، يقال: كسبت الرجل مالاً، وأكسبته مالاً، واتفقوا على أن أكسبته مالاً أفصح، وقيل: معناه تكسب المال المعدوم، وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله، وكانت العرب تتمادح بكسب المال، لا سيما قريش، وكان النبي ﷺ قبل البعثة محظوظاً في التجارة، وقال النووي: هذا ضعيف؛ لأنه لا معنى لهذا القول في هذا الموطن، إلا أن يصحح بأن يضم إليه زيادة، وهو أنه كان يجود به، وينفقه في وجوه المكرمات، وقيل: المعدوم: عبارة عن الرجل المعدوم العاجز عن الكسب، وسماه معدوماً لكونه كالمعدوم الميت، حيث لم يتصرف في المعيشة، أي تسعى في طلب عاجز لتعيشه، والكسب: هو الاستفادة، فكما يرغب غيرك أن يستفيد مالاً ترغب أنت أن تستفيد عاجزاً تعاونه .. وقال الخطابي: صوابه المعدم
стр. 577
بحذف الواو؛ لأن المعدوم لا يدخل تحت الانفعال، تريد أنك تعطي المال الفقير الذي لا يجد المال (١)!
٢٠ - وتعين على نوائب الحق:
النوائب: جمع نائبة: وهي الحادثة خيراً أو شراً، وتكون في الحق والباطل، ولذلك أضافتها إلى الحق، وفي هذا إشارة إلى فضل خديجة ﵂ وجزالة رأيها، وهذه الخصلة جامعة لأفراد ما سبق وغيره (٢)!
٢١ - فانطلقت به:
أي انطلقا إلى ورقة (٣)؛ لأن الفعل اللازم إذا عدّي بالباء يلزم فيه المصاحبة، فيلزم ذهابهما، بخلاف ما عدي بالهمزة، نحو أذهبته؛ فإنه لا يلزم ذلك.
٢٢ - ابن عم خديجة:
قال النووي: هو بنصب (ابنَ) ويكتب بالألف، على أنه بدل من ورقة، فإنه ابن عم خديجة؛ لأنها بنت خويلد بن أسد، وهو ورقة بن نوفل بن أسد، ولا يجوز جر ابن ولا كتابته بغير الألف؛ لأنه يصير صفة لعبد العزّى، فيكون عبد العزّى بن عم خديجة، وهو باطل، قال الكرماني: وأقول: كتابة الألف وعدمه لا يتعلق بكونه متعلقاً بورقة أو بعبد العزّي، بل علة إثبات الألف عدم
стр. 578
وقوعه بين علمين؛ لأن العم ليس علماً، ثم الحكم بكونه بدلاً غير لازم؛ لجواز أن يكون صفة أو بياناً له (١)!
٢٣ - الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانيّة:
وفي رواية للشيخين: وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإِنجيل بالعربيّة ما شاء الله أن يكتب (٢)!
وقد رجح الزركشي رواية الشيخين لاتفاقهما (٣)، وجمع النووي فقال: وكلاهما صحيح: وحاصلهما أنه تمكن من معرفة دين النصارى، بحيث إنه صار يتصرف في الإنجيل فيكتب أي موضع شاء منه، بالعبرانية إن شاء، وبالعربيّة إن شاء (٤)!
ونقله ابن حجر وقال: قال الداودي: كتب من الإنجيل الذي هو بالعبرانية هذا الكتاب الذي هو بالعربي (٥)!
وقال: لأن ورقة تعلم اللسان العبراني، والكتابة العبرانيّة، فكان يكتب الكتاب العبراني، كما يكتب الكتاب العربي، لتمكنه من الكتابين واللسانين (٦)!
стр. 579
وقال الكرماني بعد أن ذكر قول النووي: ويفهم منه أنه الإنجيل ليس عبرانياً، وهو المشهور (١)!
قال ابن حجر: وإنما وصفته بكتابة الإنجيل دون حفظه؛ لأن حفظ التوراة والإنجيل لم يكن متيسراً كتيسر حفظ القرآن الذي خُصت به هذه الأمة (٢)!
٢٤ - يابن عم:
قال ابن حجر: قولهما (يا ابن عم) هذا النداء على حقيقته، ووقع في مسلم (يا عم)، وهو وهم!؛ لأنه وإن كان صحيحاً لجواز إرادة التوقير، لكن القصة لم تتعدد، ومخرجها متحد، فلا يحمل على أنها قالت ذلك مرتين، فتعيّن العمل على الحقيقة (٣)!
قلت: بل جاء في رواية للبخاري: (يا عم) (٤)، ولمسلم: (أي عم) (٥)!
وكلاهما صحيح، أما الأول: فلأنه ابن عمها حقيقة -كما سبق-، وأما الثاني: فقد قال النووي (٦): سمته عماً مجازاً للاحترام، وهذه عادة العرب في آداب خطابهم، يخاطب الصغير الكبير بـ: "يا عم" احتراماً له، ورفعاً لمرتبته، ولا يحصل هذا الغرض بقولها: (يا بن عم)!
قال العراقي (٧): فعلى هذا تكون تكلمت باللفظين!
стр. 580
٢٥ - اسمع من ابن أخيك:
تعني النبي ﷺ لأن الأب الثالث لورقة، وهو عبد العزى، هو الأخ للأب الرابع لرسول الله ﷺ ، وهو عبد مناف، كأنها قالت: من ابن أخي جدك، فهو مجاز بالحذف، قال الحافظ: لأن والده عبد الله بن عبد المطلب، وورقة في عدد النسب إلى قصي بن كلاب، الذي يجتمعان فيه سواء، فكان من هذه الحيثية في درجة إخوته، أو قالته على سبيل التوقير لسنه، وفيه إرشاد إلى أن صاحب الحاجة يقدم بين يديه من يعرف بقدره ممن يكون أقرب منه إلى المسؤول، وذلك مستفاد من قول خديجة ﵂ أرادت بذلك أن يتأهب لسماع كلام النبي ﷺ ، وذلك أبلغ في التعظيم (١)!
٢٦ - الناموس الذي نزّل الله على موسى:
قال البخاري: الناموس: صاحب السر الذي يطلعه بما يستره عن غيره (٢)!
قال ابن حجر (٣): وزعم ابن ظفر أن الناموس صاحب سر الخير، والجاسوس صاحب سر الشر، والأول الصحيح الذي عليه الجمهور، وقد سوى بينهما رؤبة بن العجاج أحد فصحاء العرب (٤)!
стр. 581
والمراد بالناموس: هنا جبريل ﵇!
وقوله: (على موسى)، ولم يقل على عيسى، مع كونه نصرانيًّا؛ لأن كتاب موسى ﵇ مشتمل على أكثر الأحكام، بخلاف عيسى، وكذلك النبي ﷺ !
أو لأن موسى بُعث بالنقمة على فرعون ومن معه، بخلاف عيسى. كذلك وقعت النقمة على يد النبي ﷺ بفرعون هذه الأمة، وهو أبو جهل بن هشام ومن معه بـ (بدر)!
أو قاله تحقيقاً للرسالة؛ لأن نزول جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتاب، بخلاف عيسى فإن كثيراً من اليهود ينكرون نبوته!
وأما ما تمحّل له السهيلي (١) من أن ورقة كان على اعتقاد النصارى في عدم نبوة عيسى، ودعواهم أنه أحد الأقانيم فهو محال لا يعرّج عليه في حق ورقة وأشباهه، ممن لم يدخل في التبديل، ولم يأخذ عمن بدل، على أنه قد ورد عند الزبير بن بكار من طريق عبد الله بن معاذ عن الزهري في هذه القصة أن ورقة قال: ناموس عيسى، والأصح ما تقدم، وعبد الله بن معاذ ضعيف!
نعم، في دلائل النبوة لأبي نعيم بإسناد حسن إلى هشام بن عروة عن أبيه في هذه القصة أن خديجة أولاً أتت ابن عمها ورقة فأخبرته الخبر فقال: (لئن كنت صدقتني إِنه ليأتيه ناموس عيسى الذي لا يعلّمه بنو إِسرائيل أبناءهم) فعلى هذا فكان ورقة يقول تارة: ناموس عيسى، وتارةً: ناموس موسى. فعند إخبار خديجة له بالقصة قال لها: ناموس عيسى، بحسب ما هو فيه من
стр. 582
النصرانيّة، وعند إخبار النبي ﷺ له قال له: ناموس موسى، للمناسبة التي قدمناها، وكل صحيح (١)!
٢٧ - يا ليتني فيها جذعاً:
لابن مالك كلام في (يا) التي تليها (ليت) أقرب ما يكون إلى الدراسة النحوية، فليراجعه من شاء (٢)، حتى لا نخرج عن موضوع حديثنا!
قال القسطلاني: (يا ليتني فيها) أي في مدة النبوة، أو الدعوة، وجعل أبو البقاء المنادى محذوفاً، أي يا محمد: وتعقّب بأن قائل (ليتني) قد يكون وحده، فلا يكون معه منادى، كقول مريم:
﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ (مريم: ٢٣)!
وأجيب بأنه قد يجوز أن يجرد من نفسه نفساً فيخاطبها، كأن مريم قالت: يا نفسي ليتني مت!
وتقديره هنا: ليتني أكون في أيام الدعوة!
و (جذعاً) -بفتح الجيم والمعجمة وبالنصب-: خبر كان مقدرة عند الكوفيين، أو على الحال من الضمير المستكن في خبر ليت، وخبر ليت قوله (فيها)، أي ليتني كائن فيها حال الشبيبة والقوة لأنصرك، أو على أن ليت تنصب الجزأين، أو بفعل محذوف، أي جعلت فيها جذعاً!
стр. 583
وللأصيلي ولأبي ذر عن الحموي (جذعٌ) بالرفع، خبر ليت، وحينئذ فالجار يتعلق بما فيه من معنى الفعل، كأنه قال: يا ليتني شاب فيها، والرواية الأولى أكثر وأشهر!
والجذع هو الصغير من البهائم، واستعير للإنسان، أي يا ليتني كنت شاباً عند ظهور نبوتك، حتى أقوى على المبالغة في نصرتك (١)!
قال ابن حجر: كأنه تمنى أن يكون عند ظهور الدعاء إلى الإِسلام شاباً ليكون أمكن لنصره، وبهذا يتبين سر وصفه بكونه كان كبيراً أعمى!
وفيه دليل على جواز تمني المستحيل إذا كان في فعل خير؛ لأن ورقة تمنى أن يعود شاباً، وهو مستحيل عادة، ويظهر لي أن التمني ليس مقصوداً على بابه، بل المراد من هذا التنبيه على صحة ما أخبره به، والتنويه بقوة تصديقه فيما يجيء به (٢)!
٢٨ - إذ يخرجك قومك:
قال ابن مالك (٣): فيه استعمال إذ في المستقبل كإذا، وهو صحيح، وغفل عنه أكثر النحاة، وهو كقوله تعالى:
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ (مريم: ٣٩)!
قال ابن حجر: هكذا ذكره ابن مالك، وأقره عليه غير واحد، وتعقبه
стр. 584
شيخنا شيخ الإِسلام بأن النحاة لم يغفلوه، بل منعوا وروده، وأوّلوا ما ظاهره ذلك، وقالوا في مثل هذا: استعمل الصيغة الدالة على المضي لتحقق وقوعه فأنزلوه منزلته، ويقوي ذلك هنا أن في رواية البخاري (حين يخرجك قومك) (١)، وعند التحقيق ما ادعاه ابن مالك فيه ارتكاب مجاز، وما ذكره غيره فيه ارتكاب مجاز، ومجازهم أولى، لما ينبني عليه من أن إيقاع المستقبل في صورة المضي تحقيقاً لوقوعه، أو استحضاراً للصورة الآتية في هذه دون تلك، مع وجوده في أفصح الكلام، وكأنه أراد بمنع الورود وروداً محمولاً على حقيقة الحال، لا على تأويل الاستقبال (٢)!
٢٩ - " أو مُخرجيّ هم ؟ ":
بتشديد الياء المفتوحة، قال القسطلاني (٣): لأن أصله مخرجوني، جمع مخرج، من الإخراج، فحذفت نون الجمع للإضافة إلى ياء المتكلم، فاجتمعت ياء المتكلم وواو علامة الرفع، وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت، ثم أبدلت الضمة التي كانت سابقة الواو كسرة، وفتحت ياء مخرجيّ تخفيفاً، وهم مبتدأ خبره مخرجيّ مقدماً، ولا يجوز العكس؛ لأنه يلزم منه الإخبار بالمعرفة عن النكرة؛ لأن إضافة مخرجيّ غير محضة؛ لأنها لفظية؛ لأنه اسم فاعل بمعنى الاستقبال، والهمزة للاستفهام الإنكاري؛ لأنه
стр. 585
استبعد إخراجه عن الوطن، لا سيما حرم الله، وبلد أبيه إسماعيل، من غير سبب يقتضي ذلك، فإنه ﷺ كان جامعاً لأنواع المحاسن المقتضية لإكرامه، وإنزاله منهم محل الروح من الجسد!
فإن قلت: الأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف، نحو:
﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾ (الأنعام)!
وحينئذ ينبغي أن يقول هنا (وأمخرجي) لأن العاطف لا يتقدم عليه جزء مما عطف!
أجيب بأن الهمزة خصت بتقديمها على العاطف تنبيهاً على أصالتها في أدوات الاستفهام، وهو له الصدر، نحو: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ (الأعراف: ١٨٥) ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ (غافر: ٨٢)!
هذا مذهب سيبويه والجمهور، وقال جار الله وجماعة: إن الهمزة في محلها الأصلي، وإن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، والتقدير (أمعاديّ هم ومخرجيّ هم)، وإذا دعت الحاجة لمثل هذا التقدير فلا يستنكر!
فإن قلت: كيف عطف قوله: (أو مخرجي هم؟) وهو إنشاء، على قول ورقة (إِذ يخرجك قومك) وهو خبر، وعطف الإنشاء على الخبر لا يجوز، وأيضاً فهو عطف جملة على جملة، والمتكلم مختلف؟
أجيب بأن القول بأن عطف الإنشاء على الخبر لا يجوز، إنما هو رأي أهل البيان، والأصح عند أهل العربيّة جوازه، وأما أهل البيان فيقدرون في مثل ذلك جملة بين الهمزة والواو، وهي المعطوف عليها، فالتركيب سائغ عند الفريقين، أما المجوزون لعطف الإنشاء على الخبر فواضح، وأما المانعون فعلى
стр. 586
التقدير المذكور، وقال بعضهم: يصح أن تكون جملة الاستفهام معطوفة على جملة التمني في قوله: (ليتني أكون حياً إِذ يخرجك قومك) بل هذا هو الظاهر، فيكون المعطوف عليه أول الجملة لا آخرها الذي هو ظرف متعلق بها، والتمنيّ إنشاء، فهو من عطف الإنشاء على الإنشاء، وأما العطف على جملة في كلام الغير فسائغ معروف في القرآن العظيم، والكلام الفضيح، قال تعالى:
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ (البقرة: ١٢٤)!
٣٠ - نعم لم يأت رجل قطّ بمثل مما جئت به إلا عودي:
قال العراقي: قول ورقة: (نعم) يحتمل أن يكون علمه من كتب أهل الكتاب وعلمائهم فقاله بنقل، ويحتمل أن يكون قاله باستقراء وتجربة!
فعلى الأول قوله: (لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إِلا عودي) خرج مخرج التسلية له، وأن هذا شأن الأنبياء قبلك، أذى قومهم لهم، وصبرهم على ذلك!
وعلى الثاني يكون هذا الكلام خرج مخرج الدليل والاستشهاد بصحة ما قاله (١)!
و (قط) -بفتح القاف وشد الطاء مضمومة- في أفصح اللغات ظرف لاستغراق الماضي فتختص بالنفي بما، وفي رواية للبخاري (إِلا أوذي) (٢)، فذكر ورقة أن علة ذلك مجيئه لهم بالانتقال عن مألوفهم؛ ولأنه علم من الكتب
стр. 587
أنهم لا يجيبونه، وأنه يلزم ذلك منابذتهم ومعاندتهم، فتنشأ العداوة من ثم، وفيه دليل على أن المجيب يقيم الدليل على ما يجيب به إذا اقتضاه المقام (١)!
٣١ - وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً:
(وإِن يدركني) بالجزم بإن الشرطية، و (يومك) فاعل، أي يوم انتشار نبوتك، وفي رواية للبخاري (وإِن يدركني يومك حياً) (٢)، و (أنصرك) جواب الشرط، و (نصراً) بالنصب على المصدرية، و (مؤزراً) بضم الميم وفتح الزاي المشددة آخره راء مهملة مهموزاً -أي قوياً بليغاً، وهو صفة لـ (نصراً)، وإنكار القزاز الهمز لغةً رُد بقول الجوهري: أزرت فلاناً: عاونته، والعامة تقول: وازرته، وقال أبو شامة: يحتمل أنه من الإزار، إشارة إلى تشميره في نصرته (٣)!
ولما كان ورقة سابقاً واليوم متأخراً أسند الإدراك لليوم؛ لأن المتأخر هو الذي يدرك السابق، وهذا ظاهره أنه أقر بنبوة محمد ﷺ ، ولكنه مات قبل الدعوة إلى الإِسلام، فيكون مثل بحيرى (٤)، وفي إثبات الصحبة له نظر (٥)!
стр. 588
٣٢ - لم ينشب ورقة أن توفّي:
ينشَب -بفتح الشين- قال عياض: أي لم يمكث ولم يحدث شيئاً، حتى كان ما ذكر، وأصله من الحبس، وقال ابن الأثير: لم ينشب، أي لم يلبث (١)!
قال ابن حجر: وأصل النشوب: التعلق، أي لم يتعلق بشيء من الأمور حتى مات (٢)!
٣٣ - وفتر الوحي:
قال عياض: معناه: سكن وأغب نزوله وتتابعه!
وقال ابن حجر: فتور الوحي عبارة عن تأخره مدة من الزمان، وكان ذلك ليذهب ما كان ﷺ وجده من الشروع، وليحصل له التشوق إلى العود (٣)!
وقد اختلف العلماء في مدة الفترة التي انقطع فيها، قال ابن حجر (٤): وقع في تاريخ أحمد بن حنبل عن الشعبي أن مدة فترة الوحي كانت ثلاث سنين، وبه جزم ابن إسحاق، وحكى البيهقي أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر، وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده، وهو ربيع الأول، بعد إكماله أربعين سنة، وابتداء وحي اليقظة وقع في رمضان، وليس المراد بفترة الوحي المقدرة بثلاث سنين وهي ما بين نزول ﴿اقْرَأْ﴾، و ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ عدم مجيء جبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن فقط!
стр. 589
ثم راجعت المنقول عن الشعبي من تاريخ الإِمام أحمد، ولفظه من طريق داود ابن أبي هند عن الشعبي: أنزلت عليه النبوة، وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إِسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل عليه القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل، فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة!
وأخرجه ابن أبي خيثمة من وجه آخر مختصراً عن داود بلفظ: بعث لأربعين، ووكل به إِسرافيل ثلاث سنين، ثم وكل به جبريل!
فعلى هذا فيحسن -بهذا المرسل إن ثبت- الجمع بين القولين في قدر إقامته بمكة بعد البعثة، فقد قيل ثلاث عشرة، وقيل عشر، ولا يتعلق ذلك بقدر مدة الفترة!
وقد حكى ابن التين هذه القصة، لكن وقع عنده ميكائيل بدل إسرافيل!
وأنكر الواقدي هذه الرواية المرسلة، وقال: لم يقترن به من الملائكة إلا جبريل!
ولا يخفى ما فيه، فإن المثبت مقدم على النافي، إلا أن صحب النافي دليل نفيه فيقدم!
وأخذ السهيلي هذه الرواية، فجمع بها المختلف في مكثه ﷺ بمكة، فإنه قال (١): جاء في بعض الروايات المسندة أن مدة الفترة سنتان ونصف، وفي رواية أخرى أن مدة الرؤيا ستة أشهر، فمن قال مكث عشر سنين حذف مدة الرؤيا والفترة، ومن قال ثلاث عشرة أضافهما!
стр. 590
وهذا الذي اعتمده السهيلي من الاحتجاج بمرسل الشعبي لا يثبت، وقد عارضه ما جاء عن ابن عباس أن مدة الفترة المذكورة كانت أياماً (١)!
وجاء في شرح المواهب: قول الشعبي معارض بما روي عن ابن عباس أن الفترة المذكورة كانت أياماً، فلا يحتج بمرسله، لا سيما مع ما عارضه، فلم تكن الفترة إلا أياماً، وفي تفسير ابن عباس أنها كانت أربعين يوماً، وفي تفسير ابن الجوزي، ومعاني الزجاج خمسة عشر، وفي تفسير مقاتل ثلاثة أيام، ولعل هذا هو الأشبه بحاله عند ربه، لا ما ذكره السهيلي وجنح لصحته (٢)!
قال ابن حجر: والحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول ﴿وَالضُّحَى﴾ غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي، فإن تلك دامت أياماً، وهذه لم تكن إلا ليلتي أو ثلاثاً فاختلطتا على بعض الرواة، وتحرير الأمر في ذلك على ما بينته (٣)!
٣٤ - أضواء على الأقوال في المراد بالخشية:
سبق أن عرفنا أن الرسول ﷺ قال: "لقد خشيت على نفسي"!
من غير ذكر سبب لخشيته ﷺ على نفسه، ودواعي تلك الخشية!
وهو ﷺ على هذا الحال، قالت أم المؤمنين خديجة ﵂ مستلهمة سلامة فطرتها، ورجاحة عقلها، ومعرفتها بسنن وقائع الحياة، وما هو عليه ﷺ منذ عرف الحياة، وعرفه الناس، من رصيد المكارم - تلك الكلمات
стр. 591
النورانية الواردة في الحديث، والتي هي عنوان التكامل المحمدي الذي ينبع من فطرته، والذي هو معجزة الحياة في سلوك الإنسان!
الأقوال في المراد بالخشية:
جاء في رواية لأبي ذر عن الحموي، والمستملي (خشيت عليّ) بتشديد ياء عليّ (١)!
وهذا -كما يقول الشيخ عرجون (٢): يكاد يوجب اتجاه الفهم إلى أن هذا خطاب استفهامي، حذف منه حرف الاستفهام، يوجهه النبي ﷺ إلى السيدة خديجة، إنكاراً تعجبياً لحالها في قلقها ولهفتها على أوبته في موعده الذي ألفت عودته فيه في أوباته كلها من جواره إلى بيته وأهله، ليتزود لعودته إلى جواره!
فإنه لم يعهد في أساليب العربيّة أن يقول الإنسان معبراً عما حدث له، وما يخشاه على نفسه، وهو يخاطب غيره (خشيتُ عليّ) وإنما المعهود في أساليب الفصحى أن التعبير يكون في أسلوب الاستفهام عما في نفس الخاطب، بالنسبة للمتكلم بعبارة (خَشيتِ عليّ) بحذف همزة الاستفهام، وهو حذف سائغ كثير الورود في أصح النصوص العربيّة الفصيحة!
قلت: ومع ذلك فالرواية التي معنا صريحة في عدم تشديد الياء، ومن ثم تدفعنا منهجيّة البحث إلى ذكر أقوال العلماء في المراد بالخشية!
стр. 592
قال ابن حجر: والخشية المذكورة اختلف العلماء في المراد بها على اثني عشر قولاً!
أولها: الجنون، وأن يكون ما رآه من جنس الكهانة، جاء مصرحاً به في عدة طرق، وأبطله أبو بكر بن العربي، وحق له أن يبطل، لكن حمله الإسماعيلي على أن ذلك حصل له قبل حضور العلم الضروري له أن الذي جاءه ملك، وأنه من عند الله تعالى!
ثانيها: الهاجس، وهو باطل أيضاً؛ لأنه لا يستقر، وهذا استقر، وحصلت بينهما المراجعة!
ثالثها: الموت من شدة الرعب!
رابعها: المرض، وقد جزم به ابن أبي جمرة (١)!
خامسها: دوام المرض!
سادسها: العجز عن حمل أعباء النبوة!
سابعها: العجز عن النظر إلى الملك من الرعب!
ثامنها: عدم الصبر على أذى قومه!
تاسعها: أن يقتلوه!
عاشرها: مفارقة الوطن!
حادي عشرها: تكذيبهم إياه!
ثاني عشرها: تعييرهم إياه!
стр. 593
وأولى هذه الأقوال بالصواب وأسلمها من الارتياب: الثالث، واللذان بعده، وما عداها فهو معترض (١)!
أضواء على الأقوال:
وهنا لابد من وقفة لإبطال ما ينبغي إبطاله من تلك الأقوال:
إبطال القول الأول: أما عن القول الأول، وهو الجنون ؛ فإنه صريح في أنه جعل الجنون والكهانة أمراً واحداً وقولاً واحداً، وهما في الواقع أمران، فالجنون لا يجتمع مع الكهانة في شخص واحد، في زمن واحد، وبيان ذلك فيما يلي:
الجنون:
الجنون مصدر جُنّ -بالبناء للمجهول- فهو مجنون: أي زال عقله أو فسد، أو دخلته الجن، وجنّ الشيء عليه: ستره، ويطلق على اختلال القوة بين الأمور الحسنة والقبيحة، المدركة للعواقب بأن لا يظهر أثرها وتتعطل أفعالها، إما بالنقصان الذي جبل عليه الدماغ في أصل الخلقة، وإما بخروج مزاج الدماغ عن الاعتدال، بسبب خلط أو آفة، وإما لاستيلاء الشيطان عليه، وإلقاء الخيالات الفاسدة إليه، بحيث يفزع من غير ما يصلح سبباً، كما يطلق على اختلال العقل بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهجه إلا نادراً، واختلال القوة التي بها إدراك الكليات (٢)!
стр. 594
الكهانة:
والكهانة تعاطي الخبر عن الكائنات في المستقبل، وادعاء معرفة الأسرار!
والفرق بين الكاهن والعرّاف: أن الكاهن من يخبر بواسطة النجم عن المغيّبات في المستقبل، بخلاف العرّاف فإنه الذي يخبر عن المغيّبات الواقعة، أي في الماضي!
وقيل: الكاهن أعم من العرّاف؛ لأن العرّاف يخبر عن الماضي، والكاهن يخبر عن الماضي والمستقبل (١)!
وعليه فالجنون ذهاب العقل، واضطراب وتخليط في الفكر والعمل، والكهانة ليست من قبيل الجنون بحال، ومعلوم أن الكهّان كانوا في الجاهليّة محكّمين في أمور الناس وحياتهم!
بيد أن الحافظ ابن حجر ذكر أن القول مصرحاً به في عدة طرق، وأبطله ابن العربي، وحق له أن يبطل، لكن حمله الإسماعيلي على أن ذلك حصل له قبل حصول العلم الضروري له أن الذي جاءه ملك، وأنه من عند الله تعالى!
ولم يذكر الحافظ ابن حجر مكانة تلك الطرق التي جاءت مصرحة بهذا القول!
٣٥ - الخشية عند رؤية التباشير:
وتدفعنا منهجيّة البحث إلى ذكر ما جاء في الخشية عند رؤية التباشير: فقد روى أحمد قال: حدثنا أبو كامل، وحسن بن موسى، قالا: حدثنا
стр. 595
حماد، قال أخبرنا عمار بن أبي عمار، قال حسن: عن عمار، قال حماد: وأظنه عن ابن عباس، ولم يشك فيه حسن، قال: قال ابن عباس: (قاله عبد الله بن أحمد): قال أبي: وحدثنا عفان، حدثنا حماد، عن عمار بن أبي عمار، مرسل، ليس فيه (ابن عباس)، أن النبي ﷺ قال لخديجة: فذكر عفان الحديث، وقال أبو كامل وحسن في حديثهما: أن النبي ﷺ قال لخديجة: "إِني أرى ضوءاً، وأسمع صوتاً، وإِني أخشى أن يكون بي جنن، قالت: لم يكن الله ليفعل ذلك بك يا ابن عبد الله! ثم أتت ورقة ابن نوفل، فذكرت ذلك له، فقال: إِن يك صادقاً فإِن هذا ناموس موسى، فإِن بعث وأنا حيّ فسأعززه وأنصره وأومن به"!
رواه الطبراني بنحوه، وزاد (وأعينه)، وابن سعد، قال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح (١)!
وروى ابن سعد قال: أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة، أن رسول الله ﷺ قال: "يا خديجة، إِني أرى ضوءاً، وأسمع صوتاً، لقد خشيت أن أكون كاهناً" فقالت: إِن الله لا يفعل بك ذلك يا ابن عبد الله، إِنك تصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتصل الرحم) (٢)!
هذان الحديثان صريحان في أن الخشية التي شعر بها النبي ﷺ ، وأخبر بها خديجة ﵂ كانت عند رؤية التباشير والإرهاصات، قبل أن
стр. 596
يوحى إليه بالرؤيا الصالحة الصادقة، وهي أول مراتب وحي النبوة -كما أسلفنا- وحيث لم تكن النبوة، فلا مانع أن يخشى الرسول ﷺ على نفسه من تلك الأمور الغريبة التي يراها ويسمعها، ولا يرى مصادرها، وذلك أمر طبيعي بمقتضى الطبيعة البشريّة التي كان يعيش بها رسول الله ﷺ في حياته إنساناً مع الناس، يخالطهم، وفي الوقت ذاته يحوطه الله تعالى بحفظه، ويتولاه برعايته (١)!
أما بعد أن نزل عليه الوحي -كما عرفنا- فإن الرسول ﷺ قال: (لقد خشيت على نفسي) هكذا مطلقة، دون بيان لهذه الخشية!
مع أننا نلحظ هنا -كما أسلفنا- شدة ما كابد من عناء المفاجأة، وما احتف بها من الغط المجاهد المجهد، الذي هزّ بشريته هزاً بالغ الأثر في بدنه، وتكرار ذلك بأقصى ما تحتمله طاقته البشرية!
وهذا يدعونا إلى تأييد قول الحافظ ابن حجر في هذا القول، وأبطله أبو بكر ابن العربي، وحق له أن يبطل؛ لكن لا نؤيد ما ذهب إليه الإسماعيلي، كما سيأتي:
٣٦ - جميع الكفار كانوا يرمون رسلهم بالجنون:
وجميع الكفار كانوا يرمون رسلهم بالجنون، وقد سجل القرآن الكريم عن قوم نوح ﵇ أنهم اتهموه بالجنون، فقالوا بعد قولهم إنه بشر مثلهم يريد أن يتفضل عليهم: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)﴾ (المؤمنون)
стр. 597
وعن فرعون -لعنه الله- في موسى ﵇: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾ (الشعراء)!
وبيّن جل شأنه أن جميع الكفار كانوا يقولون هذا القول في رسلهم، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ (الذاريات)!
وقد تعلق الملاحدة وأعداء الإِسلام بهذا القول، ونبذوا النبي ﷺ بألقاب السوء، وقالوا: مجنون يصرع، وتقوّلوا عليه، ليشككوا في نبوته ورسالته، مما أوحت به إليهم شياطينهم، من الكذب، وقول الزور، افتراء على الله ورسوله (١)، وقد رد القرآن الكريم عليهم فريتهم وأكاذيبهم، بعد أن حكاها عنهم في مواضع متعددة .. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ (الحجر)!
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ (الصافات)، وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾ (القلم)!، وقال جل شأنه: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾ (الأعراف)!
ففي هذه الآية الكريمة تصوير لتجني هؤلاء الفجرة من طغاة الكفرة (٢)، وجهالتهم الضالة، وأنهم قوم بُهْت، لا يصدر منهم القول عن نظر وتدبر،
стр. 598
ليعرفوا الحق من الباطل، وليست لهم بصائر يتفكرون بها في مبادئ الأمور وعواقبها، وقد أبرزت الآية الكريمة ذلك في أسلوب إنكاري مفعم بالتقريع والتوبيخ لمَّا أهدروه من مدارك عقولهم، ولدمغهم بالكذب والبهتان، والتسجيل عليهم أنهم قالوا قولاً باطلاً، لو تفكروا فيه، وتدبروا مداخله ومخارجه، لعلموا بطلانه بداهة!
ذلك أن من به مسّ من الجنون يصرعه ويتخبطه، لا يمكن أن يصدر عنه كلام في أرفع درجات البلاغة البيانية، باعتراف غطارفة الفصاحة فيهم، وهو مع ذلك يحمل في عباراته أجلّ المعاني الإنسانيّة، وأسمى الحقائق الكونيّة، وأدق النظم الاجتماعيّة، وأصدق القضايا العقديّة، وأزكى الآداب الخلقيّة، وأفضل الشرائع التعبديّة، ثم يبقى دهره كله على أرفع سنن الاستقامة، وزكانة الرأي، وجودة التفكير، لا يخالف قوله فعلُه، ولا تختلف آدابه وأخلاقه، يعرف له أعداؤه أمانته وصدق حديثه، وبره ووفاءه، وشجاعته ومكارم أخلاقه!
وها هو ذا القرآن الحكيم، الكتاب الذي نزل على محمد ﷺ من عند الله، قائم بين أظهركم، وفي متناول أيديكم وعقولكم، فاقرؤوه وتعمقوا فهمه، وحاولوا بكل ما أوتيتم من قوة، وادعوا معكم شهداءكم من شياطين الإنس والجن، لتستخرجوا معنى متهافتاً يشعر بأن من أتى به بعيد عن استقامة المدارك العقليّة، وقد تحدّاهم القرآن بآياته، فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ (محمد)!
والتدبّر: طلب المعنى بالقلب والعقل، وذلك هو ما يسميه منطق الفلسفة بالنظر والتعقّل، ونتيجته هي العلم واليقين.
وها هو ذا تاريخ محمد ﷺ وأحاديثه وسنته وآدابه وأخلاقه وشريعته تحت
стр. 599
أنظاركم، فانظروا وتفكروا في جوانب ذلك كله، واستخرجوا منه -ولن تستطيعوا- ما يقيم عوج دعاواكم، وأود أباطيلكم، ولكنكم علمتم أن محمداً ﷺ أرسله الله تعالى ليقوض بنيان الكفر والنفاق، ويهدم صرح الإلحاد، وينذر الذين لووا رؤوسهم عن قبول الحق بعذاب الله وبأسه، والذين ينغضون اليوم رؤوسهم جحوداً وعصبية عمياء ببطش الله وعقابه: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ (النمل)!
ويقول ﵎: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ (سبأ)!
وهذه الآية الكريمة تجري في مَهْيع الآية السابقة: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾ (الأعراف)!
وتبدأ ببيان مهمة محمد ﷺ في رسالته التي أمر بتحقيقها في الحياة، فهو مرسل ليعظ الناس أن يقوموا لله الواحد الأحد على قدم العبوديّة، بإفراده بالتعبد له وحده، لا يشركون به شيئاً، جماعات وأفراداً، وهذه قضية فطريّة من بدائه العقول، لا تحتاج إلا إلى موقف تذكير وكلمة واعظة، تحرك القلب إلى اليقظة، والعقل إلى التنبيه، فإذا استيقظ القلب، وتنبه العقل، وعادت الفطرة إلى استقامتها في توحيد الله فانظروا حينئذ في شأن محمد ﷺ ورسالته، نظر تدبّر وتفكّر، لتصلوا بهذا التدبّر إلى العلم الذي لا يداخله شك، ويتجلّى لكم أن محمدًا ﷺ أصح الناس عقلاً، وأصدقهم حديثاً، وأهداهم هدى، وأرشدهم رشداً، أليس بين أيديكم ما جاء به من شرائع وآداب، ونظم وأخلاق؟!
стр. 600
فهل تجدون فيها ما يدل من قريب أو بعيد على أن محمداً ﷺ نزل عن ذروة الكمال العقلي، والآداب الاجتماعيّة التي عرفتها البشريّة منذ كانت للكَمَلة من المصطفين لرسالات الله تعالى؟!
ولكنه ﷺ بعثه الله نذيراً بين يدي عذاب شديد لمن أعرض عن النظر في آيات الله، ولم يؤمن بربه، وهو يرى ما بثه في الكون من دلائل وحدانيته، وقهر قدرته، وبالغ حكمته!
يقول الفخر الرازي (١): كان النبي ﷺ عند نزول الوحي تغشاه حالة عجيبة، فيتغيّر وجهه، ويصفرّ لونه، وتعرض له حالة شبيهة بالغشي، فالجهّال كانوا يقولون: إنه جنون، فالله تعالى بيّن في هذه الآية أنه ليس به نوع من أنواع الجنون، وذلك لأنه ﷺ كان يدعوهم إلى الله، ويقيم الدلائل القاطعة، والبينات الباهرة، بألفاظ فصيحة بلغت في الفصاحة إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضتها، وكان حسن الخلق، طيب العشرة، مرضي الطريقة، نقي السيرة، مواظباً على أعمال حسنة صار بسببها قدوة لعقلاء العالمين، ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان لا يمكن وصفه بالجنون، وإذا ثبت هذا ظهر أن اجتهاده على الدعوة إلى الدين إنما كان لأنه نذير مبين، أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين وترغيب المؤمنين!
ومن لطائف القرآن الكريم هنا أنه ذكر محمداً ﷺ في هذا المقام بعنوان (الصحبة) ليذكرهم بأنهم أعرف الناس به، وأنه لم يفارقهم، ولم يفارقوه، بل صحبهم وصحبوه، ولازمهم ولازموه، فهل عرفوا عنه طول حياته بينهم شيئاً يخدش إدراكاته العقليّة وإحساساته ومشاعره الإنسانيّة؟!