يوحى إليه بالرؤيا الصالحة الصادقة، وهي أول مراتب وحي النبوة -كما أسلفنا- وحيث لم تكن النبوة، فلا مانع أن يخشى الرسول ﷺ على نفسه من تلك الأمور الغريبة التي يراها ويسمعها، ولا يرى مصادرها، وذلك أمر طبيعي بمقتضى الطبيعة البشريّة التي كان يعيش بها رسول الله ﷺ في حياته إنساناً مع الناس، يخالطهم، وفي الوقت ذاته يحوطه الله تعالى بحفظه، ويتولاه برعايته (١)!
أما بعد أن نزل عليه الوحي -كما عرفنا- فإن الرسول ﷺ قال: (لقد خشيت على نفسي) هكذا مطلقة، دون بيان لهذه الخشية!
مع أننا نلحظ هنا -كما أسلفنا- شدة ما كابد من عناء المفاجأة، وما احتف بها من الغط المجاهد المجهد، الذي هزّ بشريته هزاً بالغ الأثر في بدنه، وتكرار ذلك بأقصى ما تحتمله طاقته البشرية!
وهذا يدعونا إلى تأييد قول الحافظ ابن حجر في هذا القول، وأبطله أبو بكر ابن العربي، وحق له أن يبطل؛ لكن لا نؤيد ما ذهب إليه الإسماعيلي، كما سيأتي:
٣٦ - جميع الكفار كانوا يرمون رسلهم بالجنون:
وجميع الكفار كانوا يرمون رسلهم بالجنون، وقد سجل القرآن الكريم عن قوم نوح ﵇ أنهم اتهموه بالجنون، فقالوا بعد قولهم إنه بشر مثلهم يريد أن يتفضل عليهم: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)﴾ (المؤمنون)
стр. 597
وعن فرعون -لعنه الله- في موسى ﵇: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾ (الشعراء)!
وبيّن جل شأنه أن جميع الكفار كانوا يقولون هذا القول في رسلهم، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ (الذاريات)!
وقد تعلق الملاحدة وأعداء الإِسلام بهذا القول، ونبذوا النبي ﷺ بألقاب السوء، وقالوا: مجنون يصرع، وتقوّلوا عليه، ليشككوا في نبوته ورسالته، مما أوحت به إليهم شياطينهم، من الكذب، وقول الزور، افتراء على الله ورسوله (١)، وقد رد القرآن الكريم عليهم فريتهم وأكاذيبهم، بعد أن حكاها عنهم في مواضع متعددة .. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ (الحجر)!
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ (الصافات)، وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾ (القلم)!، وقال جل شأنه: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾ (الأعراف)!
ففي هذه الآية الكريمة تصوير لتجني هؤلاء الفجرة من طغاة الكفرة (٢)، وجهالتهم الضالة، وأنهم قوم بُهْت، لا يصدر منهم القول عن نظر وتدبر،
стр. 598
ليعرفوا الحق من الباطل، وليست لهم بصائر يتفكرون بها في مبادئ الأمور وعواقبها، وقد أبرزت الآية الكريمة ذلك في أسلوب إنكاري مفعم بالتقريع والتوبيخ لمَّا أهدروه من مدارك عقولهم، ولدمغهم بالكذب والبهتان، والتسجيل عليهم أنهم قالوا قولاً باطلاً، لو تفكروا فيه، وتدبروا مداخله ومخارجه، لعلموا بطلانه بداهة!
ذلك أن من به مسّ من الجنون يصرعه ويتخبطه، لا يمكن أن يصدر عنه كلام في أرفع درجات البلاغة البيانية، باعتراف غطارفة الفصاحة فيهم، وهو مع ذلك يحمل في عباراته أجلّ المعاني الإنسانيّة، وأسمى الحقائق الكونيّة، وأدق النظم الاجتماعيّة، وأصدق القضايا العقديّة، وأزكى الآداب الخلقيّة، وأفضل الشرائع التعبديّة، ثم يبقى دهره كله على أرفع سنن الاستقامة، وزكانة الرأي، وجودة التفكير، لا يخالف قوله فعلُه، ولا تختلف آدابه وأخلاقه، يعرف له أعداؤه أمانته وصدق حديثه، وبره ووفاءه، وشجاعته ومكارم أخلاقه!
وها هو ذا القرآن الحكيم، الكتاب الذي نزل على محمد ﷺ من عند الله، قائم بين أظهركم، وفي متناول أيديكم وعقولكم، فاقرؤوه وتعمقوا فهمه، وحاولوا بكل ما أوتيتم من قوة، وادعوا معكم شهداءكم من شياطين الإنس والجن، لتستخرجوا معنى متهافتاً يشعر بأن من أتى به بعيد عن استقامة المدارك العقليّة، وقد تحدّاهم القرآن بآياته، فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ (محمد)!
والتدبّر: طلب المعنى بالقلب والعقل، وذلك هو ما يسميه منطق الفلسفة بالنظر والتعقّل، ونتيجته هي العلم واليقين.
وها هو ذا تاريخ محمد ﷺ وأحاديثه وسنته وآدابه وأخلاقه وشريعته تحت
стр. 599
أنظاركم، فانظروا وتفكروا في جوانب ذلك كله، واستخرجوا منه -ولن تستطيعوا- ما يقيم عوج دعاواكم، وأود أباطيلكم، ولكنكم علمتم أن محمداً ﷺ أرسله الله تعالى ليقوض بنيان الكفر والنفاق، ويهدم صرح الإلحاد، وينذر الذين لووا رؤوسهم عن قبول الحق بعذاب الله وبأسه، والذين ينغضون اليوم رؤوسهم جحوداً وعصبية عمياء ببطش الله وعقابه: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ (النمل)!
ويقول ﵎: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ (سبأ)!
وهذه الآية الكريمة تجري في مَهْيع الآية السابقة: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾ (الأعراف)!
وتبدأ ببيان مهمة محمد ﷺ في رسالته التي أمر بتحقيقها في الحياة، فهو مرسل ليعظ الناس أن يقوموا لله الواحد الأحد على قدم العبوديّة، بإفراده بالتعبد له وحده، لا يشركون به شيئاً، جماعات وأفراداً، وهذه قضية فطريّة من بدائه العقول، لا تحتاج إلا إلى موقف تذكير وكلمة واعظة، تحرك القلب إلى اليقظة، والعقل إلى التنبيه، فإذا استيقظ القلب، وتنبه العقل، وعادت الفطرة إلى استقامتها في توحيد الله فانظروا حينئذ في شأن محمد ﷺ ورسالته، نظر تدبّر وتفكّر، لتصلوا بهذا التدبّر إلى العلم الذي لا يداخله شك، ويتجلّى لكم أن محمدًا ﷺ أصح الناس عقلاً، وأصدقهم حديثاً، وأهداهم هدى، وأرشدهم رشداً، أليس بين أيديكم ما جاء به من شرائع وآداب، ونظم وأخلاق؟!
стр. 600
فهل تجدون فيها ما يدل من قريب أو بعيد على أن محمداً ﷺ نزل عن ذروة الكمال العقلي، والآداب الاجتماعيّة التي عرفتها البشريّة منذ كانت للكَمَلة من المصطفين لرسالات الله تعالى؟!
ولكنه ﷺ بعثه الله نذيراً بين يدي عذاب شديد لمن أعرض عن النظر في آيات الله، ولم يؤمن بربه، وهو يرى ما بثه في الكون من دلائل وحدانيته، وقهر قدرته، وبالغ حكمته!
يقول الفخر الرازي (١): كان النبي ﷺ عند نزول الوحي تغشاه حالة عجيبة، فيتغيّر وجهه، ويصفرّ لونه، وتعرض له حالة شبيهة بالغشي، فالجهّال كانوا يقولون: إنه جنون، فالله تعالى بيّن في هذه الآية أنه ليس به نوع من أنواع الجنون، وذلك لأنه ﷺ كان يدعوهم إلى الله، ويقيم الدلائل القاطعة، والبينات الباهرة، بألفاظ فصيحة بلغت في الفصاحة إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضتها، وكان حسن الخلق، طيب العشرة، مرضي الطريقة، نقي السيرة، مواظباً على أعمال حسنة صار بسببها قدوة لعقلاء العالمين، ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان لا يمكن وصفه بالجنون، وإذا ثبت هذا ظهر أن اجتهاده على الدعوة إلى الدين إنما كان لأنه نذير مبين، أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين وترغيب المؤمنين!
ومن لطائف القرآن الكريم هنا أنه ذكر محمداً ﷺ في هذا المقام بعنوان (الصحبة) ليذكرهم بأنهم أعرف الناس به، وأنه لم يفارقهم، ولم يفارقوه، بل صحبهم وصحبوه، ولازمهم ولازموه، فهل عرفوا عنه طول حياته بينهم شيئاً يخدش إدراكاته العقليّة وإحساساته ومشاعره الإنسانيّة؟!
стр. 601
لقد صدق الله تعالى إذ يقول: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣﴾ (الأنعام)!
ونبصر الخطاب للرسول ﷺ ليظل في دعوته لا يثنيه سوء أدبهم معه، وسوء اتهامهم له، ونحن نقرأ قول الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩)﴾ (الطور)!
يقول الزمخشري: فاثبت على تذكير الناس وموعظتهم، ولا يثبطنك قولهم:
(كاهن أو مجنون)، ولا تبال به، فإنه قول باطل متناقض؛ لأن الكاهن يحتاج في كهانته إلى فطنة ودقة نظر، والمجنون مغطى على عقله، وما أنت - بحمد الله وإنعامه عليك بصدق النبوة ورجاحة العقل- أحد هذين (١)!
ويقول الشوكاني: أي اثبت على ما أنت عليه من الوعظ والتذكير، والباء في قوله ﴿بِنِعْمَتِ﴾ متعلقة بمحذوف هو حال، أي ما أنت -متلبساً بنعمة ربك التي أنعم بها عليك من رجاحة العقل والنبوة- بكاهن ولا مجنون، وقيل: متعلقة بمحذوف يدل عليه الكلام، أي ما أنت في حال إذكارك بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون، وقيل الباء سببيّة متعلقة بمضمون الجملة المنفية، والمعنى: انتفى عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة الله عليك، كما تقول: ما أنا بمعسر بحمد الله، وقيل: الباء للقسم متوسطة بين اسم (مَا) وخبرها، والتقدير: ما أنت -ونعمة الله- بكاهن ولا مجنون، والكاهن: هو الذي يوهم أنه يعلم الغيب من دون وحي، أي ليس ما تقوله كهانة، فإنك إنما تنطق بالوحي الذي أمرك الله بإبلاغه، والمقصود من الآية رد ما كان يقوله المشركون: إنه كاهن أو مجنون (٢)!
стр. 602
٣٧ - رواية في الميزان:
وقد روى ابن سعد في ذكر نزول الوحي على رسول الله ﷺ عن محمد ابن عمر (الواقدي) بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: "فبينا رسول الله ﷺ على ذلك وهو بأجياد، إذ رأى ملكاً واضعاً إِحدى رجليه على الأخرى في أفق السماء يصيح: يا محمد: أنا جبريل، يا محمد، أنا جبريل، فذُعر رسول الله ﷺ من ذلك، وجعل يراه كلما رفع رأسه إِلى السماء، فرجع سريعاً إِلى خديجة، فأخبرها خبره، وقال: يا خديجة، والله! ما أبغضت بُغض هذه الأصنام شيئاً قط، ولا الكهّان، وإني لأخشى أن أكون كاهناً، قالت: كلا يا ابن عم لا تقل ذلك، فإِن الله لا يفعل ذلك بك أبداً، إِنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وإِن خلقك لكريم، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل، وهي أول مرة أتته، فأخبرته ما أخبرها به رسول الله ﷺ ، فقال ورقة: والله! إِن ابن عمك لصادق، وإِن هذا لبدء نبوة، وإِنه ليأتيه الناموس الأكبر، فمريه أن لا يجعل في نفسه إِلا خيراً" (١)!
قال البخاري: الواقدي مديني سكن بغداد، متروك الحديث، تركه أحمد، وابن نمير، وابن المبارك، وإسماعيل بن زكريا!
وقال في موضع آخر: كذّبه أحمد!
وقال معاوية بن صالح: قال لي أحمد بن حنبل: هو كذّاب (٢)!
стр. 603
قلت: لعل هذه الرواية ومثيلاتها، هي التي قصدها الحافظ ابن حجر بقوله: جاء مصرحاً به في عدة طرق، بيد أنه قال: وأبطله ابن العربي وحق أن يبطل!
وهذا البغض -كما أسلفنا- كان واقعاً راسخاً في خلق رسول الله ﷺ ، مركوزاً في فطرته التي فطره الله عليها، وفي التكامل المحمدي منذ طفولته إلى بدء نزول الوحي!
بيد أن البغض في تلك الرواية جاوز موضعه من فطرة رسول الله ﷺ (١)، واتخذ وضعاً مريباً واهناً في لحظة تاريخيّة من حياة الرسول ﷺ !
وكيف والرواية نفسها يصيح فيها ملك الوحي جبريل (يا محمد، أنا جبريل، يا محمد، أنا جبريل)؟!
وإذا كان النبي ﷺ يبغض الكهّان والكهانة بغضه للأصنام، وهو بغض لم يبغضه شيئاً قط، وهذا واقعه ﷺ في حياته، فكيف يخشى على نفسه في هذه اللحظة التاريخيّة من حياته أن يكون كاهناً؟!
فضلاً عن أن هذه الرواية بهذا السند قد خالفت الرواية التي معنا، وقد رواها الشيخان وغيرهما -كما سبق- حيث فسرت الخشية بالكهانة، وفي الوقت ذاته ذكرت بغضه ﷺ للأصنام والكهان!
٣٨ - رد قول الحافظ الإسماعيلي:
ولو وقف الحافظ ابن حجر عند نقده لهذا القول، وتأييده لقول أبي بكر ابن العربي في قطع الحكم ببطلانه، لكان الأمر لا يحتاج إلى نظر جديد، بيد أنه
стр. 604
-كما أسلفنا- قال: لكن حمله الإسماعيلي على أن ذلك حصل له قبل حصول العلم الضروري له أن الذي جاءه ملك، وأنه من عند الله تعالى!
وحسبنا في بيان مكانة الإسماعيلي، أنه -كما قال الذهبي: الإِمام الحافظ الحجة الفقيه، شيخ الإِسلام، أبو بكر، أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل ابن العباس، الجرجاني، الإسماعيلي، الشافعي، صاحب (الصحيح)، وشيخ الشافعيّة!
وقال: من جلالة الإسماعيلي أن عرف قدر (صحيح البخاري) وتقيد به!
وقال الحاكم: كان الإسماعيلي واحد عصره، وشيخ المحدّثين والفقهاء، وأجلهم في الرئاسة والمروءة والسخاء، ولا خلاف بين العلماء من الفريقين وعقلائهم في أبي بكر (١)!
وقال ابن كثير: الحافظ الكبير -الرحال الجوال، سمع الكثير، وحدّث، وخرّج، وصنف فأجاد، وأحسن الانتقاد والاعتقاد (٢)!
وذكره السخاوي فيمن حمل لواء علم الحديث في جرجان (٣)، وقال: الحافظ الفقيه الإِمام النظار (٤)!
ومع ذلك أقول: كان على الحافظ ابن حجر أن يقف عند تأييده لقول أبي
стр. 605
بكر بن العربي، وقوله (وحق له أن يبطل)، ولا يذكر حمل الحافظ الإسماعيلي الذي ذكره؛ لأنه مردود بما عرفنا، ولأن الحافظ ابن حجر لم يرفع للطرق الواردة في هذا القول المردود رأساً، ولم يعبأ بها بحثاً، وهو في ذلك من هو في ميدان البحث العلمي في هذا المجال!
إبطال القول الثاني: أما عن القول الثاني، وهو الهاجس، فقد أبطله الحافظ ابن حجر -كما أسلفنا-، وهو كما قال!
إبطال الثالث والرابع والخامس: أما عن القول الثالث: وهو الموت من شدة الرعب، فقد جعله الحافظ ابن حجر أولى الأقوال بالصواب، وأسلمها من الارتياب، واللذين بعده، وهما: الرابع: وهو المرض (١)، وقد جزم به ابن أبي جمرة، والخامس: وهو دوام المرض!
فقد رد الشيخ عرجون ترجيح الحافظ بعبارة لا نوافقه عليها، حيث قال (٢):
وهذه الأقوال التي رجحها الحافظ ابن حجر من أضعف الأقوال الأثني عشر التي ذكرها!
وقال الإمام الصالحي الشامي (٣): والخشية المذكورة اختُلف في المراد بها على اثني عشر قولاً: أولاها بالصواب: الموت من شدة الرعب -وهو الثالث- وقيل: المرض -وهو الرابع- وقيل: دوامه -وهو الخامس- وقيل: تعييرهم إياه - وهو الثاني عشر- كما سبق!
стр. 606
السادس والسابع والثامن:
أما عن القول السادس: وهو العجز عن حمل أعباء النبوة، والسابع: وهو العجز عن النظر إلى الملك من الرعب، والثامن: وهو عدم الصبر على أذى قومه، فإنا نرجح القول السادس، قال الكرماني (١): وقالوا: الأولى (خشيت) أي لا أقوى على تحمل أعباء الوحي ومقاومته!
ولأن الروايات بمنطوقها ومفهومها وجو الأحداث، تمثّل هذه الأعباء، وما حفّ بها من شدائد، وما لابد من التعرض له في سبيل قيامه بحق دعوته من عداوة هؤلاء الذين جعلوا من الشرور والمفاسد عدّتهم وعتادهم، وهل يستطيع أن يصبر على ما يلقى من أذى، وهو يبلغ رسالة ربه، وهو يعلم ما عليه قومه من جاهليّة جهلاء، وما عليه غيرهم حين ذهب مع عمه أبي طالب في تجارته إلى الشام، وقصة بحيرى (٢)، وقد كان الرسول ﷺ من الذكاء والفطانة، وإشراق الروح، وضياء العقل، وثقوب الذهن، ورجاحة التفكير، بالمكان الأرفع، ومنذ اللحظة التي جاءه الحق وهو في غار حراء، وما قد حفّ بهذه المفاجأة من شدائد هذا اللقاء التي لا تطيقها طبيعة بشريّة مهما كانت قوتها، كل أمر منها بمفرده حريّ أن يفزع ويرعب أقوى القوى البشريّة، وهي قد اجتمعت على محمد ﷺ في مفاجآت متتاليات متتابعات، عرف منها أن الله اصطفاه رسولاً، ليخرج الناس من ظلمات حياتهم المتراكمة إلى نور الهداية والرشاد.
وفي غمرة ذلك (٣)، وقد تيقّن الرسول ﷺ اصطفاءه للرسالة، واستوعبت
стр. 607
مداركه وإحساساته ومشاعره تصور أعباء القيام بحق ما اختير له رسولاً .. خشي ألا يقوى على القيام بحق تبليغ رسالته، وخشي أن يشغله ما سيقع بينه وبين الناس حين يدعوهم إلى الله، وإلى هديه -وهم على ما هم عليه من ضلالة ضالة- عن مطالعات تجليات شهود جلال الله، والاستغراق في كماله العلي، بعد ما تذوّق بروحانيته الخاصة الوليدة في جو المفاجآت، بميلاد رسالته حلاوة هذا الشهود .. كل أولئك يرجح القول السادس، ويليه الثامن، ثم السابع!
٣٩ - وهم للزرقاني:
وجاء في شرح الزرقاني ذكر القول في بيان المراد بالخشية (١):
ثالثها: خشي الموت من شدة الرعب!
رابعها: تعييرهم إياه!
قال: قال الحافظ: وهذان أولى الأقوال بالصواب، وأسلمها من الارتياب!
قلت: وهذا خلاف ما صرح به الحافظ ابن حجر -كما سبق- وقد نقلنا قوله!
التاسع: وأما عن القول التاسع، وهو أن يقتله قومه إذا بلغهم رسالة ربه، وإن كان عالماً بأن ما جاء به من ربه -فلا غرو- وإن كان سيد أهل اليقين؛ لأن ذلك مما يرجع للطبع -كما جاء في شرح الزرقاني- فإنه بشر يخشى من القتل والأذية كما يخشى البشر، ثم يهون عليه الصبر في ذات الله كل خشية، ويجلب إلى قلبه كل شجاعة وقوة، قاله في الروض (٢)!
стр. 608
العاشر: وأما عن القول العاشر: وهو مفارقة الوطن (١)، فهذا مما يمكن أن يكون قد دار في خلد الرسول ﷺ وألم بخاطره، فإن مجيئه لقومه بما يخالف ما هم عاكفون عليه، منغمسون في حمأته من وثنية، وعادات فاسدة، وأخلاق مرذولة، ونظم ظالمة، يجعلهم يضيقون به وبوجوده بينهم، ليغير حياتهم الجاهليّة، وينقلهم إلى حياة مباركة طيبة، تباعد بينهم وبين هذا الفساد الذي ألفوه وارتضوه لحياتهم وعاشوا به فلا أقل من محاولة التخلص بإبعاده عنهم، وإخراجه من بلده، وذلك من أشق ما يكون على النفس، بدليل ما جاء في الحديث من قول ورقة: (يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حيًّا إِذ يخرجك قومك)!
واستبعد النبي ﷺ كما أسلفنا- أن يخرجوه؛ لأنه لم يكن فيه سبب يقتضي الإخراج، لما اشتمل عليه من مكارم الأخلاق، فقال متعجباً: "أو مخرجيّ هم؟ "!
الحادي عشر: وأما عن القول الحادي عشر، وهو تكذيبهم إياه، فهذا أمر طبيعي الوقوع!
الثاني عشر: وأما عن القول الأخير: وهو تعييرهم إياه، فهو لا محصل له؛ لأن خشية التعيير لا تكون إذا كان بأمر معيب، يسوء الإنسان في أخلاقه وسلوكه، والرسول ﷺ قد أتى قومه، وأتى العالمين برسالة خالدة كاملة، فبم يعيّرونه حتى يخشى هذا التعيير؟!
ولا يمكن أن يقع ذلك منه ﷺ إلا إذا كان على معنى مجرد مخالفتهم لما كانوا عليه من سوء العقيدة ورذائل العادات التي ألفوها، وأصبح من العسير عليهم خروجهم منها!
стр. 609
٤٠ - قول القاضي عياض:
وفي معنى الخشية قال القاضي عياض (١): ليس معناه الشك في أن ما أتاه من الله تعالى؛ لكنه كأنه خشي أن لا يقوى على مقاومة هذا الأمر، ولا يطيق حمل أعباء الوحي، فتزهق نفسه لشدة ما لقيه أولاً عند لقاء الملك، قال: أو يكون هذا أول ما رأى التباشير في النوم واليقظة، وسماع الصوت قبل لقاء الملك، وتحققه رسالة ربه تعالى، فيكون خاف أن يكون من الشيطان، فأما بعد أن جاءه الملك برسالة ربه فلا يجوز الشك عليه، ولا يخشى تسلط الشيطان!
٤١ - قول النووي:
وقال النووي بعد أن ذكر قول القاضي عياض (٢): وهذا الاحتمال الثاني ضعيف؛ لأنه خلاف تصريح الحديث؛ لأن هذا كان بعد غط الملك، وإتيانه بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ (العلق)!
قلت: وهو الراجح (٣)!
стр. 610
٤٢ - رد بلاغ التردي من رؤوس شواهق الجبال:
بلاغ التردي:
جاء في رواية للبخاري وغيره في حديث بدء الوحي: (.. وفتر الوحي فترة، حتى حزن النبي ﷺ ، فيما بلغنا، حزناً غدا منه مراراً، كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل، لكي يلقي منه نفسه، تبدّى له جبريل فقال: يا محمد، إِنك رسول الله حقاً، فيسكن لذلك جأشه، وتقرّ نفسه، فيرجع، فإِذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإِذا أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل، فقال له مثل ذلك) (١)!
٤٣ - البلاغ في الميزان:
قال ابن حجر (٢): قوله (وفتر الوحي فترة، حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا)، هذا وما بعده من زيادة معمر على رواية عقيل ويونس، وصنيع المؤلف -أي البخاري- يوهم أنه داخل في رواية عقيل، وقد جرى على ذلك الحميدي في جمعه، فساق الحديث إلى قوله (وفتر الوحي)، ثم قال: انتهى حديث عقيل المفرد عن ابن شهاب إلى حيث ذكرنا، وزاد عنه البخاري في حديثه المقترن بمعمر عن الزهري، فقال: (وفتر الوحي فترة حتى حزن ..) فساقه إلى آخره!
стр. 611
والذي عندي أن هذه الزيادة خاصة برواية معمر، فقد أخرج طريق عقيل أبو نعيم في مستخرجه من طريق أبي زرعة الرازي، عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه في أول الكتاب بدونها، وأخرجه مقروناً هنا برواية معمر، وبيّن أن اللفظ لمعمر، وكذلك صرح الإسماعيلي أن الزيادة في رواية معمر!
وأخرجه أحمد، ومسلم، والإسماعيلي، وغيرهم، وأبو نعيم أيضاً من طريق أصحاب الليث عن الليث بدونها!
ثم إن القائل (فيما بلغنا) هو الزهري!
ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله ﷺ في هذه القصة، وهو من بلاغات الزهري، وليس موصولاً!
وقال الكرماني (١): (فيما بلغنا) أي في جملة ما بلغ إلينا من رسول الله ﷺ ، فإن قلت: من ها هنا إلى آخر الحديث يثبت بهذا الإسناد أم لا؟ قلت: لفظه أعم من الثبوت به أو بغيره، لكن الظاهر من السياق أنه بغيره!
قال ابن حجر (٢): ووقع عند ابن مردويه في التفسير من طريق محمد ابن كثير عن معمر بإسقاط قوله (فيما بلغنا)، ولفظه (فترة حزن النبي ﷺ منها حزناً غدا منه) إلى آخره، فصار كله مدرجاً على رواية الزهري، عن عروة، عن عائشة، والأول هو المعتمد!
وذكر القسطلاني قول ابن حجر مجملاً، ثم ذكر قول عياض، وقال (٣): وحاصله أنه ذكر أنه غير قادح من وجهين:
стр. 612
أحدهما: فيما يتعلق بالمتن من جهة قوله (فيما بلغنا) حيث لم يسنده، وأنه لا يعلم ذلك إلا من جهة المنقول عنه!
والثاني: أنه أول الأمر، أو أنه فعل ذلك لما أخرجه من تكذيب قومه، وفيه بحث؛ إذ عدم إسناده لا يوجب قدحاً في الصحة، بل الغالب على الظن أنه بلغه من الثقات؛ لأنه ثقة، لا سيما ولم ينفرد بذلك .. وروينا أيضاً من طريق الدولابي مما في سيرة ابن سيد الناس، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن يونس ابن يزيد، عن الزهري، عن عائشة: الحديث، وفيه: (ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة، حتى حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا) إلى آخره (١)، فاعتضدت كل رواية بالأخرى، وكل من الزهري ومعمر ثقة، وعلى تقدير الصحة لا يكون قادحاً كما ذكره عياض، لكن بالنسبة إلى أنه في أول الأمر، لاستقرار الحال فيه مدة، بل بالنسبة إلى ما أخرجه من التكذيب، إذ لا شيء فيه قطعاً، بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ (الكهف)!
أي قاتل نفسك أسفاً!
قلت: هو مجرد احتمال، يرده صريح قوله: (فيما بلغنا) كما يرده حذفه؛ لأنه يكون مدرجاً كما قال ابن حجر!
وقال الدكتور أبو شهبة (٢): هذه الرواية ليست على شرط الصحيح؛ لأنها
стр. 613
من البلاغات، وهي من قبيل المنقطع، والمنقطع من أنواع الضعيف، والبخاري لا يخرج إلا الأحاديث المسندة المتصلة برواية العدول الضابطين، ولعل البخاري ذكرها لينبهنا إلى مخالفتها لما صح عنده من حديث بدء الوحي الذي لم تذكر فيه هذه الزيادة!
وقال: وأيضاً فإن ما استفاض من سيرته ﷺ يرد ذلك، فقد حدثت له حالات أثناء الدعوة إلى ربه أشد وأقسى من هذه الحالة، فما فكر في الانتحار بأن يلقي نفسه من شاهق جبل أو يبخع نفسه!
وقال: ونحن لا ننكر أنه ﷺ قد حصلت له حالة أسى وحزن عميقين على انقطاع الوحي، خشية أن يكون ذلك عدم رضا من الله، وهو الذي كان يهون عليه كل شيء من لأواء الحياة وشدائدها ما دام في سبيل الله، وفيه رضا الله!
وقال: وليس أدل على ضعف هذه الزيادة وتهافتها من أن جبريل كان يقول للنبي ﷺ كلما أوفى بذروة جبل: (يا محمد، إِنك رسول الله حقاً) وأنه كرر ذلك مراراً، ولو صح هذا لكانت مرة واحدة تكفي في تثبيت النبي ﷺ وصرفه عما حدّثته به نفسه كما زعموا!
وقال الدكتور موسى شاهين (١): هذه الرواية تتعارض مع ما كان عليه ﷺ من الإيمان الكامل، واليقين المطلق الذي لا تزعزعه الكوارث، والذي يستبعد معه التفكير في الانتحار، مهما كانت أسبابه ودواعيه .. ثم قال: والذي أستريح إليه أن هذه الزيادة من رواية معمر، وأن هذا التصور من بلاغات الزهري، وليس موصولاً، فلا نثبت ما يتنافى والطبع السليم!
стр. 614
وقال الألباني (١): إن لهذه الزيادة علتين:
الأولى: تفرد معمر بها دون يونس وعقيل، فهي شاذة!
والأخرى: أنها مرسلة معضلة، فإن القائل (فيما بلغنا) إنما هو الزهري، كما هو ظاهر من السياق، وبذلك جزم الحافظ في الفتح، وقال: وهو من بلاغات الزهري وليس موصولاً!
وقال: وهذه الزيادة لم تأت من طريق موصولة يحتج بها!
وإذا عرفت عدم ثبوت هذه الزيادة فلنا الحق أن نقول: إنها زيادة منكرة، من حيث المعنى؛ لأنه لا يليق بالنبي ﷺ المعصوم أن يحاول قتل نفسه بالتردي من الجبل مهما كان الدافع على ذلك، وهو القائل: "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم، يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً .. " الحديث، رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ (٢)!
٤٤ - رد قول الحافظ الإسماعيلي:
ومع ذلك، قال ابن حجر: قال الإسماعيلي (٣): موه بعض الطاعنين على المحدّثين فقال: كيف يجوز للنبي ﷺ أن يرتاب في نبوته، حتى يرجع إلى ورقة، ويشكو لخديجة ما يخشاه، وحتى يوفي بذروة جبل ليلقي منها نفسه، على ما جاء في رواية معمر؟!
стр. 615
قال: ولئن جاز أن يرتاب مع معاينة النازل عليه من ربه، فكيف ينكر على من ارتاب فيما جاءه به مع عدم المعاينة؟!
قال: والجواب أن عادة الله جرت بأن الأمر الجليل إذا قُضي بإيصاله إلى الخلق أن يقدمه ترشيح وتأسيس، فكان ما يراه النبي ﷺ من الرؤيا الصادقة، ومحبة الخلوة، والتعبد، من ذلك، فلما فجئه الملك فجئه بغتة أمر خالف العادة والمألوف، فنفر طبعه البشري منه، وهاله ذلك، ولم يتمكن من التأمل في تلك الحال؛ لأن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها، فلا يتعجب أن يجزع مما لم يألفه وينفر طبعه منه، حتى إذا تدرج عليه وألفه استمر عليه، فلذلك رجع إلى أهله التي ألف تأنيسها له فأعلمها بما وقع له، فهونت عليه خشيته بما عرفته من أخلاقه الكريمة، وطريقته الحسنة، فأرادت الاستظهار بمسيرها به إلى ورقة، لمعرفتها بصدقه، ومعرفته وقراءته الكتب القديمة، فلما سمع كلامه أيقن بالحق واعترف به!
ثم كان من مقدمات تأسيس النبوة فترة الوحي، ليتدرج فيه، ويمرن عليه، فشق عليه فتوره؛ إذ لم يكن خوطب عن الله بعد إنك رسول من الله ومبعوث إلى عباده، فأشفق أن يكون ذلك أمراً بدئ به، ثم لم يرد استفهامه، فحزن لذلك، حتى تدرج على احتمال أعباء النبوة والصبر على ثقل ما يرد عليه فتح الله له من أمره بما فتح!
قال: ومثال ما وقع له في أول ما خوطب به ولم يتحقق الحال على جليتها مثل رجل سمع آخر يقول: (الحمد لله) فلم يتحقق أنه يقرأ، حتى إذا وصلها بما بعدها من الآيات تحقق أنه يقرأ!
стр. 616
وكذا لو سمع قائلاً يقول: (خلت الديار) لم يتحقق أنه ينشد شعراً حتى يقول: (محلها ومقامها) انتهى ملخصاً!
ثم أشار إلى أن الحكمة في ذكره ﷺ ما اتفق له في هذه القصة أن يكون سبباً في انتشار خبره في بطانته، ومن يستمع لقوله، ويصغي إليه، وطريقاً في معرفتهم مباينة من سواه في أحواله، لينبهوا على محله!
قال: وأما إرادته إلقاء نفسه من رؤوس الجبال بعد ما نبّئ فلضعف قوته عن تحمل ما حمله من أعباء النبوة، وخوفاً مما يحصل له من القيام بها من مباينة الخلق جميعاً، كما يطلب الرجل الراحة من غم يناله في العاجل بما يكون فيه زواله عنه، ولو أفضى إلى إهلاك نفسه عاجلاً، حتى إذا تفكر فيما فيه صبره على ذلك من العقبى المحمودة صبر واستقرت نفسه!
والناظر في هذا الكلام، وتصويره لطعن الطاعنين الذي سماه الحافظ الإسماعيلي تمويهاً على المحدّثين، يرى بشيء من التأمل المحكم المنصف أن هذا الكلام مردود على قائله!
وسبق أن عرفنا الرد على تخرصات تفسير (الخشية)، وبيان ما يقبل منها!
ترى، هل كان كلام ورقة -كما عرفنا- أعظم أثراً في إيجاد الإيقان، وتحصيله للرسول ﷺ ، واعترافه بالحق، من وحي النبوة بالرؤيا الصالحة الصادقة، وما صحبها وتتابع بعدها .. ومراتب الوحي، ونزول القرآن؟!
ثم إن هذا التصوير يقتضي أن الرسول ﷺ حزن لفتور الوحي حزناً ملأه يأساً كظيماً مغلقاً (١)، دفعه إلى أن يغدو مراراً إلى رؤوس شواهق الجبال، لكي
стр. 617
يتردى من فوق ذراها، فيتبدّى له جبريل قائلاً: يا محمد، إنك رسول الله حقاً، فيسكن لذلك جأشه .. ويتكرر ذلك!
ترى، كم مرة غدا رسول الله ﷺ ، وتبدّى له جبريل ﵇؟!
وأين ذهب الإيقان والاعتراف بالحق الذي حصل للرسول ﷺ عقب سماع كلام ورقة الذي لم ينشب -كما عرفنا- أن توفي، كما يدل الحديث على ذلك؟!
وإن إجابة الحافظ الإسماعيلي عن مطاعن الطاعنين على المحدّثين بأن عادة الله جرت بأن الأمر الجليل إذا قضى بإيصاله إلى الخلق يقدمه ترشيح وتأسيس .. مسلّمة في جملتها، ضعيفة في تعليلها ودعامتها!
ذلك أن الرسالة إذا ثبتت لمن يصطفيه الله ثم جاءه من عند الله ما ليس مألوفاً لبشريّته قبل أن يكون رسولاً، فلا مانع أن يفزع ويرعب فزعاً ورعباً تقتضيه دواعي بشريّته؛ لكنه لا يمكن أن يصل إلى درجة تخطي عصمة النبوة والرسالة!
وإذا كانت النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها -كما قال الحافظ الإسماعيلي- فذلك حق لا يجادل فيه، بيد أنها تخلص الروح من أعظم علائقها الماديّة المعوقة للاتصال بالملأ الأعلى في شيء من المجانسة الروحانيّة ليحصل التناسب الروحاني عند بدء الرسالة، ونزول القرآن الكريم!
ثم كيف تكون مدة فترة الوحي من مقدمات تأسيس النبوة، وهي متأخرة قطعاً عن مجيء النبوة وتأسيسها؛ لأنها كانت باليقن القاطع بعد مفاجأة الغار، ونزول أوائل سورة (اقرأ) وقبل نزول سورة (المدثر)؟!
وما قيمة التمثيل الذي جاء به الحافظ الإسماعيلي ليبين عدم تمكن النبي ﷺ -
стр. 618
من تحقق حاله، وأي محصل له، وهو تمثيل عجيب غريب، جعل النبي ﷺ كأي رجل يطلب الراحة من غم ناله، فأراد أن يتخلص منه ويرتاح، ولو بإهلاك نفسه؟!
قال ابن حجر (١): وأما المعنى الذي ذكره الإسماعيلي فوقع قبل ذلك في ابتداء مجيء جبريل، وأشار إلى رواية الطبري (٢)!
قلت: هذا يؤكد رد ذلك القول، فضلاً عن اختلاف الرواية، والتعارض مع الرواية التي أوردناها، وكان على الحافظ ابن حجر أن يشير إلى ذلك، وهو الذي ذكرناه بقوله في رد ذلك البلاغ!
وبهذا نتبين أن فترة الوحي أبعد ما تكون زمناً ووضعاً وموضوعاً من أن تكون من مقدمات تأسيس النبوة؛ لأن فترة الوحي -كما عرفنا- متأخرة في زمن وقوعها ووضعها في إطار الرسالة بزمن، والمتأخر زمناً لا يصلح بداهة أن يكون تأسيساً للمتقدم!
وأبعد ما تكون في موضوعها وحكمتها عن التدرج بالنبي ﷺ في الوحي ليمرن عليه؛ لأن كل ما يتصل بالوحي ليس من الشؤون الكسبية التي يتدرج الإنسان في مراتبها ودرجاتها حتى يمرن عليها؛ ولأن التدرج والمران يقتضيان تعدد فترات الوحي، حتى يتحقق المقصود منهما، وفترة الوحي قبل نزول سورة (الضحى) فترة من نوع آخر، كان سببها على الصحيح أن الرسول ﷺ اشتكى فلم يقم ليلتين أو ثلاتاً، وذلك فيما رواه الشيخان وغيرهما عن جندب بن
стр. 619
سفيان ﵁ قال (١): اشتكى رسول الله ﷺ ، فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً، فجاءت امرأة فقالت: يا محمد، إِني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثاً، فأنزل الله : ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ (الضحى)!
وهذه المرأة هي أم جميل العوراء، بنت حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وهي أخت أبي سفيان بن حرب، وامرأة أبي لهب (٢)!
وسبق أن ذكرنا قول الحافظ ابن حجر: الحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول ﴿وَالضُّحَى﴾ غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي، فإن تلك دامت أياماً، وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثاً، فاختلطتا على بعض الرواة، وتحرير الأمر في ذلك ما بينته (٣)!
وعرفنا أن الرسول ﷺ قد خوطب قبل فترة الوحي، وقبل أن يأتي إلى أهله في عودته من مفاجأة الغار وتكرار الغط، وبعد أن أقرئ أوائل سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾!
وقد أطال الشيخ عرجون في رده لكلام الحافظ الإسماعيلي بما يتفق وقواعد التحديث أحياناً وما يختلف أخرى (٤)!
стр. 620
وحسبنا ما سبق في بيان الأقوال في قوله (فيما بلغنا) وفي حذفه؛ لأنه يكون مدرجاً، كما قال الحافظ ابن حجر!
٤٥ - البلاغ في كتب كثيرة:
ومع هذا نجد ذلك البلاغ في كتب كثيرة -غير ما سبق- لها مكانتها، فقد ذكره الحافظ ابن كثير، وسكت عنه (١)، والحافظ ابن الجوزي، وقال: أخرجاه، وسكت عنه محققه (٢)، والإمام محمد بن عبد الوهاب، وذكر أنه في الصحيحين (٣)، والإمام محمد عبده (٤)، والدكتور مصطفى السباعي (٥)، والشيخ صفي الرحمن المباركفوري (٦)، والشيخ حامد محمود (٧)، والدكتور البوطي، وعلق عليه بقوله: لقد قضت الحكمة الإلهيَّة أن يحتجب عنه الملك الذي رآه لأول مرة في غار حراء مدة طويلة، وأن يستبد به القلق من أجل ذلك، ثم يتحول القلق لديه إلى خوف في نفسه من أن يكون الله قد قلاه بعد أن أراد أن يشرفه بالوحي والرسالة، لسوء قد صدر منه، حتى لقد ضاقت الدنيا عليه، وراحت نفسه تحدثه،
стр. 621
كلما وصل إلى ذروة جبل أن يلقي بنفسه منها! .. إلى أن رأى ذات يوم الملك الذي رآه .. (١)!
وهو كلام يجب طرحه من كتب السيرة النبويّة!
ويطول بنا الحديث لو حاولنا ذكر الكتب التي نقلت هذا البلاغ وسكتت عنه، أو أعجبت به!
стр. 622
معالم حديث بدء الوحي
стр. 623
معالم حديث بدء الوحي
١ - مكانة العلم في رسالة محمد ﷺ
٢ - أوّل مراتب النبوة
٣ - كمال البشرية وميلاد الرسالة
٤ - خصيصة النبوة الخاتمة
٥ - تهافت الملاحدة
٦ - إيمان النبي ﷺ
٧ - أم المؤمنين خديجة أعرف بقدر محمد ﷺ
٨ - صدق الحديث
٩ - صلة الرحم
١٠ - وتحمل الكلّ
١١ - وتكسب المعدوم
١٢ - وتقري الضيف
١٣ - الإعانة على نوائب الحق
١٤ - أداء الأمانة
١٥ - فراسة الإلهام
١٦ - العلم سرّ الرسالة
١٧ - أهداف الدعوة
١٨ - فترة الوحي
١٩ - موقف الإمام محمد عبده
٢٠ - بناء صرح الرسالة الخالدة
стр. 624
معالم حديث بدء الوحي
وتطالعنا معالم حديث بدء الوحي فيما يلي:
١ - مكانة العلم في رسالة محمَّد ﷺ -:
بدأت رسالة خاتم النبيّين محمَّد ﷺ بأوّل وأعظم عنوان للعلم والمعرفة كُتب في قدر الله على أبرز لوحات التاريخ (١)، يوم أن قالت السماء لنموذج الرسالات الإلهيّة الأعلى محمَّد ﷺ : ﴿اقْرَأْ﴾!
هكذا مطلقة، بصيغة الأمر المطلق الذي لا يتقيّد بمقروء معيّن من علوم البشر ومعارفهم وفنونهم وأفكارهم .. ولا تتقيّد بقراءة من كتاب مكتوب بما عرف الناس من طرائق الكتابة، وأساليب تقييد العلم والمعارف الإنسانية .. ولا تتقيد بزمن تقع فيه القراءة .. ولا تتقيّد بمكان معين تجري القراءة بين جنباته!
فهو طلب قراءة فحسب .. والحقائق المطلقة لا يمكن أن تتحقّق في واقع الحياة والوجود الحسّي إلا في صورة من صور جزئياتها .. وليس هناك مقروء معيّن يتحقّق به طلب القراءة في جزئيّة منها!
فهذا الطلب المطلق بهذه الصيغة: ﴿اقْرَأْ﴾!
على ما احتفّ به من أحوال مفاجأة الوحي وجوّها، صريح في تسجيل العنوان الأوّل لرسالة محمَّد ﷺ في لوحة الحياة بأخصّ خصائص خلودها، وشمولها شمولًا كاملًا، لا يفوته جيل من الناس، ولا زمن من الأزمان، ولا مكان من الأمكنة، ولا يندّ عنه علم من العلوم التي عرفها البشر في مدارج
стр. 625
(التطوّر) الإنساني، أو التي سيُفتح إلى معرفتها سبلٌ لا عهد للعقل الإنسانيّ بها فيما مضى من السنين والأحقاب، ولا تذهب عنه معرفة من المعارف التي كانت في ماضي الحياة، أو التي ستكون في مستقبلها!
ومعناه: (كن قارئًا)!
فالمقروء في رسالة محمد ﷺ تحت عنوانها الأوّل: ﴿اقْرَأْ﴾!
مقروء لا يقرؤه الناس، ولكنهم يقرؤون عنه، وعلم لا يعلمونه تعلّمًا، ولكنهم يعلمون عنه، ومعرفة ليست في متعارف معارف الناس، ولكنهم يتطلّعون إليها!
هو علم حقائق الموجودات المكتوب في كتاب (الكون) وسفر الحياة، وهو معرفة عناصر الكائنات مسطورة في صحف الطبيعة!
وقد تكرّر هذا الأمر المطلق -في أوّل لقاء يقظي بأمين الوحي جبريل ﵇ -كما أسلفنا- وهو اللقاء الذي بدأت به الرسالة- ثلاث مرات، بصورة واحدة!
ولمّا جاء في المرّة الرابعة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾!
مقرونًا بما يقرأ، لم يجيء مطلقًا بطلب القراءة، على أنه هو المطلوب تحقيق قراءته بالأمر بطلبها؛ وإنما جاء مؤكّدًا لإطلاق الأمر، وتحقيق القراءة في ذاتها على المعنى الذي ذكرناه!
فالنبي ﷺ في ردّه على هذا الطلب الغريب على حياته وطبيعة بشريّته
стр. 626
الخاصّة نفى عن نفسه أنه يعرف القراءة، لا طبيعة وجبلّةً، ولا تعلّمًا وكسبًا، فهو أميّ لم يسبق له قط أن قرأ ولا تعلّم القراءة، ولا خطّ بيمينه كتابًا، ثم استبان من مخاطبه أمين الوحي (ماذا يقرأ)؟ و (كيف يقرأ)؟!
وليس وراء الأمر بالقراءة في أوّل وأبرز عنوان في إطار رسالة محمَّد ﷺ إلا أن يستعين -على تحقيق ما لم يعرف، ولا هو في طوقه- باسم ربّه، وقد أبرز الاسم الكريم متعلّقًا تعلّقًا مباشرًا بفعل الأمر المطلق بالقراءة، مضافًا إضافة تكريم وتشريف خاصة بخطاب مَن طلب منه أن يقرأ ما لم يخطه قلم بيمين إنسان، فقيل له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾!
وفي هذه الإضافة التكريميّة لون من الحفاوة السابغة، تبثّ الطمأنينة، ويقين الإيمان في قلب القارئ العظيم الذي سبقت له العناية، فتولّته رعاية الربوبيّة، وتعهّدته بتربيتها الخاصّة، وهو لا يعلم أنه المقصود بتعليمه وتأديبه، تعليمًا إلهيًّا، وأدبًا ربّانيًّا، لم يثافن معلّمًا قط، وهيّأته لا يراد به، وما يراد منه، وهو لا يعلم أنه الرسول خاتم النبيّين، فلا نبيّ بعده: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣]
وعموم المشيئة في الآية الكريمة مخصوص به ﷺ ،ولكنها جاءت كما في الآية لتمثل إطلاق الألوهيّة في كمال إرادتها: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]!
ولُباب المعنى: كن قارئًا إعجازًا، ولو لم تكن من القارئين تعلّمًا .. اقرأ
стр. 627
مستعينًا باسم ربّك الذي أعدّك بتربيته معلّما للدنيا، ولا تلتفتنَّ إلى الأسباب، واذكر بقلبك وروحك وعقلك مَن خلقها وسبّبها .. فأنت معلَّم بعلم من عندنا، عليم بعلم غير مكتوب في كتاب، كما يكتب العلماء المعلَّمون .. وأنت قارئ كتابنا الذي كتبناه بقلم كلمتنا الخالقة المبدعة، في صحفنا التي خطّها قلم قدرتنا في لوح الأزل، لتكون هذه القراءة خصيصتك إلى الأبد:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾!
والخلق من الله تعالى إبداع ما لم يشهد الوجود، وإيجاد ما لم يكن له قبل ذلك شهود!
وهذا العموم في المنفعل بالخلق يجعل فعل الخلق المطلق عن التقيّد بذكر مفعوله متشوّفًا لمتعلّقه، لتحقيق معناه، وهو صالح لكل مخلوق، وليس منها فرد جنس أو فرد نوع، أو فرد شخص، بأولى أن يكون متعلّقا لفعل الخلق المطلق -لفظًا- من غيره دون سائر المخلوقات، أجناسًا وأنواعًا وأفرادًا، فهي كلها كالمذكورة في تعلق فعل الخلق بها، وهذا الإطلاق مغاير للإطلاق في فعل طلب القراءة الذي بدأت به الرسالة الخالدة لأنّ فعل القراءة هناك لا يتطلّب التقييد ولا يقبله، وفعل الخلق هنا يستدعيه عامًّا شاملًا مضمرًا كالمذكور!
والمنفعل بالخلق والإبداع عامًّا عمومًا شموليًّا هو (الكون) كله، على إطلاقه وشموله في عناصر تكوينه وإبداعه، فهو بالنسبة لفعل الخلق مفعوله الذي يتحقّق به، وبالنسبة لفعل القراءة مقروؤه الذي لا يتوقّف عليه تحقّقه، ولكن جوّ الأحداث يفرضه!
وهذه إشارة معيّنة تشهد -بمقتضى إطلاق فعل القراءة عن متعلّق معيّن- أن المأمور بقراءته المستعان عليه باسم ﴿رَبِّكَ﴾ في اختصاصك بتربية النبوّة
стр. 628
الخاتمة، وفي تخصيصك بالإضافة التكريميّة مع عموم واقع التربية لكل كائن- إنما هو كتاب الخلق والإبداع، وليس ذلك سوى حقائق الوجود مسطورة في كتاب (الكون) البديع!
٢ - أوّل مراتب النبوّة:
وهنا نتصوّر أوّل مراتب النبوّة (١) في الرؤيا الصالحة الصادقة .. وكأنما كانت هي الباعث المباشر على حبّ الرسول ﷺ للخلوة -كما أسلفنا- واعتزال ضوضاء المجتمع، والأنس بالوحدة، لاستجماع الفكر والسبح في ملكوت الله، وجلال بدائع صنعه، ولهذا جاءت بحرف الترتيب الرتبي المتعاقب في ريث ومهل:
ثم حبّب إليه الخلاء!
أي بعد اصطفائه بالنبوّة، وبدء معالمها بالرؤيا الصالحة الصادقة حبّب الله تعالى إلى نفسه الطاهرة المطهّرة الخلوة، ليتفرغّ قلبه وعقله وروحه إلى ما سيلقى إليه من أعلام النبوّة!
وقد اتخذ رسول الله ﷺ من (غار حراء) مختلى له ومتعبّدًا -كما عرفنا- لينقطع عن مشاغل الحياة ومخالطة الخلق، استجماعًا لقواه الفكريّة، ومشاعره الروحيّة، وإحساساته النفسيّة، ومداركه العقلية .. تفرّغا لمناجاة مبدع الكون، وخالق الوجود؛ وتمكينًا لأنوار النبوّة من قلبه بالتأمل في مظاهر ملكوت الله!
وقد تحقّق للرسول ﷺ بهذه الخلوة من أنوار شهود جلال الله، وجمال
стр. 629
قدسه ما كشف عن روحه العلية أغطية الكثافة البشريّة، فكان ﷺ يرى الضوء، ويسمع الصوت، ويكلَّم، ويبشَّر، حتى بلغت به الأنوار القدسيّة آفاق الكمال النبوي، ووقف بها على الدرج الأعلى من مراتب النبوّة، وأتمّ الله تعالى عليه وله نعمة الاستعداد الأسمى لتلقّي رسالة الخلود!
وجاء الملك جبريل أمين الوحي مفاجئًا دون تمهيد لهذا اللقاء الذي لا يماثله لقاء قط بين متلاقيين من المخلوقات!
فهو لقاء بين طبيعتين مختلفتين في التكوين أشدّ الاختلاف .. بين طبيعة مزدوجة الإبداع والخلق، فهي بشريّة روحانيّة هي طبيعة محمَّد ﷺ ، وطبيعة موّحدة الإبداع في أعلى درجات الروحانيّة والاختصاص العلويّ، هي طبيعة أمين الوحي جبريل ﵇!
وليس بين إنسان من البشر بكل ما فيه من كمال البشريّة وطبيعتها، وملك بكل ما في طبيعته من روحانيّة لها اختصاصها القدسي في الملأ الأعلى، تناسبٌ يقع به اللقاء لتلقّي كلمات الله المنزلة من غيب عزّه وجلاله، إلا إذا تغلّب الجانب الروحاني من الطبيعة المزدوجة على الجانب البشري منها، تحقيقًا للتناسب والمشاكلة!
ومن ثم كان تحبيب الخلوة إلى النبي ﷺ بعد بدء النبوّة بوحي الرؤيا الصادقة -كما أسلفنا- أشبه بحضانة لميلاد الرسالة في عهد الإعداد لطور الانتقال إلى تحمّل أعبائها، والقيام بحق تبليغها عامة شاملة للإنسانيّة في مشارق الأرض ومغاربها، بما يختلف عليها من أجيال متتابعة، لا ينقطع توالدها البشري متواردة على مرّ الزمن!
стр. 630
ومن هنا يتجلّى وجه المفاجأة في مجيء الحق، ولقاء الملك، وطلب القراءة ممن لم يكن قارئًا، واستفراغ بشريّته بالغطّ الملائكي المتكرّر مع كل طلب للقراءة التي لم تكن بمفهومها المعهود ممكنة الحصول!
وكأن هذا الغطّ بصورته البليغة البالغة هو في حقيقته إذابة لروابط العناصر الطبيعيّة البشريّة عند الرسول ﷺ دون إفنائها إفناء يفقدها وجودها، وإنما هو تفتيت لترابط عناصرها، حتى يخفّ وزنها، إلى جانب الطبيعة الروحانيّة، لتشبعها بأنوار الجلال الإلهي، حتى تنفرد بالحركة الوجوديّة في تلقّي الوحي اليقظي، وأخذ كلمات الله من حاملها الأمين!
وبقاء الطبيعة البشريّة بحقيقتها الأصيلة وراء مشهد تلقّي الوحي اليقظي ضرورة لتبليغ الرسالة، استجابة للتناسب بين الرسول والأمّة؛ لأنّ كل جنس يأنس بجنسه، والجنس إلى الجنس أميل، وإلى ذلك يشير القرآن الحكيم في قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩]!
وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾ [الإسراء: ٩٥]!
وإنما أقدر الله -عزّ شأنه- أنبياءه على رؤية الملك لتلقّي الوحي عنه، بخلقه قدرة خاصّة فيهم، مكّنهم بها من ذلك، معجزة لهم لإبلاغهم رسالات الله، ليبلغوها إلى أممهم، وتلك القدرة نبصرها في تغليب جانب الطبيعة الروحانيّة على جانب الطبيعة البشريّة، وإذابة روابط عناصرها، وتفتيت وشائجها الفرزيّة، لتنفرد الطبيعة الروحانيّة بقوة الوجود الخاصّ الذي يتحقّق به تلقّي الوحي عن الملك المرسل به من عند الله العزيز الحكيم!
стр. 631
وحديث بدء الوحي -كما عرفنا- بدأ في جوّ المفاجأة بلا مهل، فطلب الملك من النبي ﷺ أن يقرأ، دون أن يذكر له مقروءًا يقرؤه؛ لأنه لم يزد على قوله: ﴿اقْرَأْ﴾!
هكذا أمر من فعل القراءة، مطلق عن التقيّد بمقروء، أيّ مقروء، فأجابه النبي ﷺ -كما تقضي به البداهة في جوّ المفاجأة التي لم يسبقها في هذا اللقاء تمهيد مؤنس- ينفي معرفته للقراءة؛ لأنه أميّ لا يقرأ، فضمّه الملك إليه ضمّةً شديدة، بالغة الشدّة، عصره بها عصرًا بلغ منه منتهى جهده، وطاقة احتماله البشري .. ثم أرسله الملك، وقال له مرّة ثانية: ﴿اقْرَأْ﴾!
هكذا فعل أمر من القراءة، مطلق عن التقيّد بمقروء -أيّ مقروء- فأجابه النبي ﷺ هذه المرّة مستفهمًا .. وبعد ذلك -أيضًا- فكان استفهامًا عن الحالة التي يصير بها قارئًا، وهو الأمي الذي لم يعرف القراءة قط، فأخذه الملك وضمّه إليه ضمّةً بالغة الشدّة، استفرغت منه جهده وطاقته، ثم أرسله وقال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾!
و (ما) في قوله ﷺ في المرّة الأولى: "ما أنا بقارئ"! نافية
ومعنى الجواب حينئذ الإخبار بعدم معرفته القراءة، بيانًا لطبيعة أميّته التي وُلد بها، ونشأ عليها، أي ما أنا بعارف للقراءة ولا باشرتها قط؛ لأني أميّ، لم أكن قارئًا قط، ولا تعلّمت قراءة حرف قط، كما جاء صريحًا في بعض الروايات!
و (ما) في المرة الثانية: "ما أنا بقارئ"! استفهامة
стр. 632
يراد بها استبانة ما يقرؤه، والمعنى أيّ شيء أقرأ؟ كما يوضحه مجيء العبارة بصيغة الاستفهام الصريح، استخبارًا عما يريد منه أن يقرأه في مرسل ابن عمير: "ماذا أقرأ"؟!
و (ما) في المرّة الثالثة: "ما أنا بقارئ" استفهاميّة
بمعنى كيف، فهي استخبار عن الحالة التي يكون بها النبي ﷺ قارئًا، وفي مرسل الزهري في دلائل البيهقي: "كيف أقرأ"؟! (١)
لأنّ تحقيق القراءة منه بعيد جدًا عن حالته التي وُلد عليها، ونشأ بها!
وجاء الرد بالآيات استجابة لطلب القراءة المطلق:
كن قارئًا إعجازًا، وحقّق القراءة، وأنت على أميّتك، مستعينًا باسم ربّك الذي ربّاك، وأعدّك لرسالتك الخالدة، وليست قراءتك المطلوبة منك أن تقرأ كما يقرأ غيرك تعلّمًا، وإنما أن تقرأ كما يعلّمك الله بعلمه الذي ربّاك في أحضان كرمه، وهو ﷻ كما علّم الإنسان بقلم البيان تعلّمًا سيعلّمك بقلم الفضل والإحسان، لتكون معلّم الدنيا برسالتك الخاتمة لرسالات السماء!
وكان هذا أوّل لقاء يقظي بوحي قرآني بين خاتم النبيّين ﷺ والروح الأمين جبريل ﵇ وهو لقاء محجّب بستور الغيب!
٣ - كمال البشريّة وميلاد الرسالة:
وقد كان كمال بشريّة محمَّد ﷺ ممهدًا لميلاد رسالته .. ذلك أن طبيعة بشريّته التي وُلد بها ميلادًا بشريًّا، ونشأ عليها نشأة إنسانيّة -كما أسلفنا- هي
стр. 633
التي عاش بها إنسانًا مع الناس في حياتهم (١)، يعاشرهم، ويتبادل معهم مطالب الحياة التي تقتضيها طبيعة البشر في دائرة أفضل الكمالات التي يمكن أن يكون عليها إنسان في حياته مع الناس!
وهذه الكمالات الإنسانيّة هي التي نشأ عليها، وعُرفت له في قومه وبلده، فتزوّج ووُلد له، وقام على رعاية أولاده وزوجه، وأصهر إلى أكرم قومه، وتعاون في أمور العيش وتكاليف الحياة وأعبائها مع أهله وجيرانه، وسائر قومه، يواسي قرابته، ويحسن إلى خدمه، ويكرم ضيفه، ويبرّ إخوانه وأصدقاءه، ويأكل ويشرب .. وينام ويصحو، ويغضب ويرضى، ويعطي ويأخذ، ويسافر ويحضر، ويثيب على ما يقدم إليه من خير أفضل منه، ودود كريم، حييّ حليم، يصدق الحديث، ويؤدّي الأمانة، وفيّ بالعهد، سليم الصدر، يعين الضعفاء، أغنى الناس بالقناعة، وأجودهم بالعطاء، يألف ويؤلف، عزوف عن الدنيا، لا يزاحم عليها، ولا يخاصم في شيء منها، يلجأ إليه قومه، ويشاركهم في أعمال الشرف والمروءة!
وهو ﷺ في ذلك كله من مآثر طبيعته البشريّة لا بدّ أن يكون دائبًا على تبليغ رسالة ربّه، يدعو إلى الله تعالى، ويرغب في الخير، ويعظّم في أنفسهم نعم الله عليهم، ويجاهد أعداء الله، ويقيم موازين العدل!
وهكذا كان يقوم في ظل طبيعته البشريّة بكل ما تتطلبه حياة الناس بما كان لهم من أعراف عادلة، وعادات فاضلة، وأخلاق عالية، وخلائق نبيلة، في حدود كمالاته الإنسانيّة التي نشأ عليها جبلّة وتخلّقًا، مع عظيم قيامه بحق تبليغ رسالته، فلم يقع منه في حياته البشريّة ما يفسد الفطرة الأصيلة
стр. 634
النقيّة الطاهرة .. لم يقع ما يغمط حق العقل الإنساني في إدراكاته ومعارفه، ولم يقع منه قط ما يخدش وجه الفضيلة، فهو ﷺ كما أسلفنا- أكمل البشر خَلْقًا وخُلُقًا، وأعدلهم عملًا، أرسله الله رحمة للعالمين بالهدى ودين الحق!
وهذه الطبيعة البشريّة تعني شخصيّة محمَّد ﷺ ، التي عرفه الناس عليها، وعرفته الحياة كلها بها، وعرفه التاريخ بخصائصها إنسانًا من الناس، اصطفاه الله نبيًّا ورسولًا، بلّغ الناس رسالة ربّه، فهدى الله به من شاء من عباده، ويهدي لرسالته من يشاء من خلقه!
فهي أحد جانبي طبيعته الزدوجة من عناصر البشريّة وخصائصها الماديّة والروحيّة العامة، التي لا يكون الإنسان إنسانًا إلا بتكامل تلك الخصائص الإنسانيّة بشقّيها المادي والروحي العام!
وبهذا التصوير يتبيّن وجه اعتبارها جانبًا من جانبي الطبيعة المزدوجة لشخصيّة (محمَّد رسول ﷺ )، وبالفواصل الخصائصيّة بينها وبين الجانب الروحاني يتبيّن وجه اعتبارها طبيعة مستقلة بالنسبة إلى خصائص الجانب الروحاني الذي اعتبرناه -بالنظر إلى خصائصه- طبيعة مستقلة، ولكن الوشائج التي تربط بين الجانبين أو الطبيعتين أقوى من الفواصل الخصائصيّة بينهما!
ومن ثم نبصر ميلادًا جديدًا للحياة جدّد معالمها، يوم أن تمّ أول لقاء بملك الوحي يقظة في (غار حراء) .. ذلك الميلاد هو ميلاد الرسالة بخصائصها في أكمل الكمالات الروحانية، وأعظم إشراقاتها العقليّة، وأنوارها العليّة، وتناسباتها الملائكيّة!
هذه الطبيعة الروحانيّة هي الميلاد الجديد، ميلاد (رسالة محمَّد ﷺ ) الذي كان في الحقيقة ميلادًا للحياة، تجدّدت به معالمها، وتغيّرت به طرائقها،
стр. 635
واستقامت على سننه هدايتها، وقامت على دعائمه موازينها، واستنارت بنوره مسالكها، متدرّجة في مراحل نموّها الحضاري والفكري!
هذه الطبيعة الروحانيّة هي التي تلقّى ويتلقّى بها (محمَّد رسول الله ﷺ ) عن الله تعالى ما يلقيه إليه الملك في وحي اليقظة والمواجهة، وهو ﷺ على أكمل مراتب إحساساته، وأتمّ درجات شعوره ويقظة مشاعره، وأعلى إدراكات عقله، وأضوأ إشراقات روحه، وأقرب منازل قربه!
وبهذه الطبيعة الروحانيّة كان يَلْقَى الرسول ﷺ أمين الوحي جبريل ﵇ في صور وتشكلات ملائكيّة مختلفة المظهر -كما أسلفنا- تجلّ عن مدارك العقول؛ فلا يُستطاع تحديدها بصورة معيّنة، أو بشكل خاص، يلتزمها في جميع لقاءاته بالرسول ﷺ !
ويهذه الطبيعة كان ﷺ يتقبّل ما يُلقى إليه من ضروب الوحي في رسالته، ليبلّغه إلى الناس هدايةً ورحمةً، ونورًا وبرًا، وعدلًا ومحبّة، وإخاءً ومساواةً وإيثارًا ومواساةً!
وهذه الطبيعة الروحانيّة باستعلائها على الطبيعة البشريّة تُذيب خصائص البشريّة الماديّة عند الرسول ﷺ ، اتقاء لاستحواذها عليه، وتغلّب الخصائص الروحانيّة لتكون كاملة التجلّي الباطن، مشرقة الشفافية، ليتحقّق بها التناسب بين طبيعة الملك التي يلقاه عليها الروح الأمين في أكثر حالات وحي اليقظة، وبين طبيعة البشر التي تبقى للنبي ﷺ مظاهرها كاملة في تلقي وحي المشافهة، إبقاء على مرتبة التناسب البشري في التبليغ!