← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وحديث بدء الوحي -كما عرفنا- بدأ في جوّ المفاجأة بلا مهل، فطلب الملك من النبي ﷺ أن يقرأ، دون أن يذكر له مقروءًا يقرؤه؛ لأنه لم يزد على قوله: ﴿اقْرَأْ﴾! هكذا أمر من فعل القراءة، مطلق عن التقيّد بمقروء، أيّ مقروء، فأجابه النبي ﷺ -كما تقضي به البداهة في جوّ المفاجأة التي لم يسبقها في هذا اللقاء تمهيد مؤنس- ينفي معرفته للقراءة؛ لأنه أميّ لا يقرأ، فضمّه الملك إليه ضمّةً شديدة، بالغة الشدّة، عصره بها عصرًا بلغ منه منتهى جهده، وطاقة احتماله البشري .. ثم أرسله الملك، وقال له مرّة ثانية: ﴿اقْرَأْ﴾! هكذا فعل أمر من القراءة، مطلق عن التقيّد بمقروء -أيّ مقروء- فأجابه النبي ﷺ هذه المرّة مستفهمًا .. وبعد ذلك -أيضًا- فكان استفهامًا عن الحالة التي يصير بها قارئًا، وهو الأمي الذي لم يعرف القراءة قط، فأخذه الملك وضمّه إليه ضمّةً بالغة الشدّة، استفرغت منه جهده وطاقته، ثم أرسله وقال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾! و (ما) في قوله ﷺ في المرّة الأولى: "ما أنا بقارئ"! نافية ومعنى الجواب حينئذ الإخبار بعدم معرفته القراءة، بيانًا لطبيعة أميّته التي وُلد بها، ونشأ عليها، أي ما أنا بعارف للقراءة ولا باشرتها قط؛ لأني أميّ، لم أكن قارئًا قط، ولا تعلّمت قراءة حرف قط، كما جاء صريحًا في بعض الروايات! و (ما) في المرة الثانية: "ما أنا بقارئ"! استفهامة

стр. 632

يراد بها استبانة ما يقرؤه، والمعنى أيّ شيء أقرأ؟ كما يوضحه مجيء العبارة بصيغة الاستفهام الصريح، استخبارًا عما يريد منه أن يقرأه في مرسل ابن عمير: "ماذا أقرأ"؟! و (ما) في المرّة الثالثة: "ما أنا بقارئ" استفهاميّة بمعنى كيف، فهي استخبار عن الحالة التي يكون بها النبي ﷺ قارئًا، وفي مرسل الزهري في دلائل البيهقي: "كيف أقرأ"؟! (١) لأنّ تحقيق القراءة منه بعيد جدًا عن حالته التي وُلد عليها، ونشأ بها! وجاء الرد بالآيات استجابة لطلب القراءة المطلق: كن قارئًا إعجازًا، وحقّق القراءة، وأنت على أميّتك، مستعينًا باسم ربّك الذي ربّاك، وأعدّك لرسالتك الخالدة، وليست قراءتك المطلوبة منك أن تقرأ كما يقرأ غيرك تعلّمًا، وإنما أن تقرأ كما يعلّمك الله بعلمه الذي ربّاك في أحضان كرمه، وهو ﷻ كما علّم الإنسان بقلم البيان تعلّمًا سيعلّمك بقلم الفضل والإحسان، لتكون معلّم الدنيا برسالتك الخاتمة لرسالات السماء! وكان هذا أوّل لقاء يقظي بوحي قرآني بين خاتم النبيّين ﷺ والروح الأمين جبريل ﵇ وهو لقاء محجّب بستور الغيب! ٣ - كمال البشريّة وميلاد الرسالة: وقد كان كمال بشريّة محمَّد ﷺ ممهدًا لميلاد رسالته .. ذلك أن طبيعة بشريّته التي وُلد بها ميلادًا بشريًّا، ونشأ عليها نشأة إنسانيّة -كما أسلفنا- هي

стр. 633

التي عاش بها إنسانًا مع الناس في حياتهم (١)، يعاشرهم، ويتبادل معهم مطالب الحياة التي تقتضيها طبيعة البشر في دائرة أفضل الكمالات التي يمكن أن يكون عليها إنسان في حياته مع الناس! وهذه الكمالات الإنسانيّة هي التي نشأ عليها، وعُرفت له في قومه وبلده، فتزوّج ووُلد له، وقام على رعاية أولاده وزوجه، وأصهر إلى أكرم قومه، وتعاون في أمور العيش وتكاليف الحياة وأعبائها مع أهله وجيرانه، وسائر قومه، يواسي قرابته، ويحسن إلى خدمه، ويكرم ضيفه، ويبرّ إخوانه وأصدقاءه، ويأكل ويشرب .. وينام ويصحو، ويغضب ويرضى، ويعطي ويأخذ، ويسافر ويحضر، ويثيب على ما يقدم إليه من خير أفضل منه، ودود كريم، حييّ حليم، يصدق الحديث، ويؤدّي الأمانة، وفيّ بالعهد، سليم الصدر، يعين الضعفاء، أغنى الناس بالقناعة، وأجودهم بالعطاء، يألف ويؤلف، عزوف عن الدنيا، لا يزاحم عليها، ولا يخاصم في شيء منها، يلجأ إليه قومه، ويشاركهم في أعمال الشرف والمروءة! وهو ﷺ في ذلك كله من مآثر طبيعته البشريّة لا بدّ أن يكون دائبًا على تبليغ رسالة ربّه، يدعو إلى الله تعالى، ويرغب في الخير، ويعظّم في أنفسهم نعم الله عليهم، ويجاهد أعداء الله، ويقيم موازين العدل! وهكذا كان يقوم في ظل طبيعته البشريّة بكل ما تتطلبه حياة الناس بما كان لهم من أعراف عادلة، وعادات فاضلة، وأخلاق عالية، وخلائق نبيلة، في حدود كمالاته الإنسانيّة التي نشأ عليها جبلّة وتخلّقًا، مع عظيم قيامه بحق تبليغ رسالته، فلم يقع منه في حياته البشريّة ما يفسد الفطرة الأصيلة

стр. 634

النقيّة الطاهرة .. لم يقع ما يغمط حق العقل الإنساني في إدراكاته ومعارفه، ولم يقع منه قط ما يخدش وجه الفضيلة، فهو ﷺ كما أسلفنا- أكمل البشر خَلْقًا وخُلُقًا، وأعدلهم عملًا، أرسله الله رحمة للعالمين بالهدى ودين الحق! وهذه الطبيعة البشريّة تعني شخصيّة محمَّد ﷺ ، التي عرفه الناس عليها، وعرفته الحياة كلها بها، وعرفه التاريخ بخصائصها إنسانًا من الناس، اصطفاه الله نبيًّا ورسولًا، بلّغ الناس رسالة ربّه، فهدى الله به من شاء من عباده، ويهدي لرسالته من يشاء من خلقه! فهي أحد جانبي طبيعته الزدوجة من عناصر البشريّة وخصائصها الماديّة والروحيّة العامة، التي لا يكون الإنسان إنسانًا إلا بتكامل تلك الخصائص الإنسانيّة بشقّيها المادي والروحي العام! وبهذا التصوير يتبيّن وجه اعتبارها جانبًا من جانبي الطبيعة المزدوجة لشخصيّة (محمَّد رسول ﷺ )، وبالفواصل الخصائصيّة بينها وبين الجانب الروحاني يتبيّن وجه اعتبارها طبيعة مستقلة بالنسبة إلى خصائص الجانب الروحاني الذي اعتبرناه -بالنظر إلى خصائصه- طبيعة مستقلة، ولكن الوشائج التي تربط بين الجانبين أو الطبيعتين أقوى من الفواصل الخصائصيّة بينهما! ومن ثم نبصر ميلادًا جديدًا للحياة جدّد معالمها، يوم أن تمّ أول لقاء بملك الوحي يقظة في (غار حراء) .. ذلك الميلاد هو ميلاد الرسالة بخصائصها في أكمل الكمالات الروحانية، وأعظم إشراقاتها العقليّة، وأنوارها العليّة، وتناسباتها الملائكيّة! هذه الطبيعة الروحانيّة هي الميلاد الجديد، ميلاد (رسالة محمَّد ﷺ ) الذي كان في الحقيقة ميلادًا للحياة، تجدّدت به معالمها، وتغيّرت به طرائقها،

стр. 635

واستقامت على سننه هدايتها، وقامت على دعائمه موازينها، واستنارت بنوره مسالكها، متدرّجة في مراحل نموّها الحضاري والفكري! هذه الطبيعة الروحانيّة هي التي تلقّى ويتلقّى بها (محمَّد رسول الله ﷺ ) عن الله تعالى ما يلقيه إليه الملك في وحي اليقظة والمواجهة، وهو ﷺ على أكمل مراتب إحساساته، وأتمّ درجات شعوره ويقظة مشاعره، وأعلى إدراكات عقله، وأضوأ إشراقات روحه، وأقرب منازل قربه! وبهذه الطبيعة الروحانيّة كان يَلْقَى الرسول ﷺ أمين الوحي جبريل ﵇ في صور وتشكلات ملائكيّة مختلفة المظهر -كما أسلفنا- تجلّ عن مدارك العقول؛ فلا يُستطاع تحديدها بصورة معيّنة، أو بشكل خاص، يلتزمها في جميع لقاءاته بالرسول ﷺ ! ويهذه الطبيعة كان ﷺ يتقبّل ما يُلقى إليه من ضروب الوحي في رسالته، ليبلّغه إلى الناس هدايةً ورحمةً، ونورًا وبرًا، وعدلًا ومحبّة، وإخاءً ومساواةً وإيثارًا ومواساةً! وهذه الطبيعة الروحانيّة باستعلائها على الطبيعة البشريّة تُذيب خصائص البشريّة الماديّة عند الرسول ﷺ ، اتقاء لاستحواذها عليه، وتغلّب الخصائص الروحانيّة لتكون كاملة التجلّي الباطن، مشرقة الشفافية، ليتحقّق بها التناسب بين طبيعة الملك التي يلقاه عليها الروح الأمين في أكثر حالات وحي اليقظة، وبين طبيعة البشر التي تبقى للنبي ﷺ مظاهرها كاملة في تلقي وحي المشافهة، إبقاء على مرتبة التناسب البشري في التبليغ!

стр. 636

٤ - خصيصة النبوّة الخاتمة: هذه المزاوجة بين الطبيعة البشريّة والطبيعة الروحانيّة خصيصة النبوّة الخاتمة، والرسالة الخالدة، رسالة محمَّد ﷺ ، فلا تحجب قوّة الإشراق الروحاني عنده منافذ الحسّ البشري من شخصيّته، بل يبقى لكل طبيعة خصائصها عند التبليغ، فالنبي ﷺ في هذه المزاوجة بين الطبيعتين بشريّ المظهر، ملائكيّ المخبر، فهو مع الناس ببشريّته الكاملة، وهو مع الملأ الأعلى بروحانيّته الكاملة! وهذه الطبيعة الروحانيّة مع أنها تذيب خصائص البشريّة عند رسول الله ﷺ وتغلِّب عليها الخصائص الروحانيّة كاملة التجلّي الباطني، والإدراك العقلي، والإشراق الروحي -لا تفقد بها بشريّة الرسول ﷺ عناصر الإدراك الحسّي، والإحساس الشعوري، ولا تتأثّر منافذ التصوّر بها؛ بل إن هذه المنافذ تكتسب قوة تكون بها في أكمل حالات التنبّه، وأعلى مراتب الوعي -كما سبق في الحديث: "أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ، فيفصم عنّي وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثّل لي الملك رجلًا فيكلّمني فأعي ما يقول"! قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصّد عرقًا! وهذه الحالة التي تمثّلها الطبيعة الروحانيّة عند النبي ﷺ أشبه في صورتها العكسيّة بحالة الملك، حين يتمثّل رجلًا، فيكلّم النبي ﷺ ، كما يكلّم الرجل الرجل، فيعي عنه ما يقول!

стр. 637

وتمثُّل جبريل ﵇ في صورة رجل اختيار لشكل بشري تتغلّب فيه مظاهر الطبيعة البشريّة على مظاهر الطبيعة الملائكيّة التي هي باقية كامنة كاملة، كما بقيت طبيعة البشريّة كامنة كاملة عند رسول الله ﷺ ، حين تلقّى وحي اليقظة والمواجهة، وهذا التمثّل يقع تأنيسًا للنبي ﷺ ! وتغلّب مظاهر البشريّة في حالة تمثّل الملك رجلًا لا يقتضي تحوّل روحانيّة الملك إلى طبيعة بشريّة بعناصرها الماديّة، ونوافذ إدراكاتها الحسيّة، ولا يقتضي فناء الحقيقة الملائكيّة، بل إن طبيعة الملك الروحانيّة باقية حال التمثّل في صورة بشريّة على أكمل حالاتها التي لها في الملأ الأعلى، لكنها تكون حين التمثّل مقيّدة بالصورة التي تشكّل فيها عند مجيئه إلى رسول الله ﷺ ، ليبلّغه عن الله ما أمر بتبليغه، ولا سيّما إذا كان هذا التبليغ، يتعلّق بتعليم الناس أمر دينهم، وينتهي تقيّدها بالصورة التي تمثّلت في إهابها بانتهاء التبليغ والتعليم، كما ثبت في حديث تمثّل جبريل ﵇ فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يومًا بارزًا للناس، إِذ أتاه رجل يمشي فقال: يا رسول الله!، ما الإِيمان؟ قال: "الإِيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، ورسله، ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر" قال: ما الإِسلام؟ قال: "الإِسلام أن تعبد الله، ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان"! قال: يا رسول الله! ما الإِحسان؟ قال: "الإِحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإِن لم تكن تراه فإِنه يراك" قال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن ساحدّثك عن أشراطها: إِذا ولدت الأمة ربّتها فذاك من أشراطها، وإِذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس فذاك

стр. 638

من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إِلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤] ثم انصرف الرجل، فقال: رُدُّوا عليّ، فأخذوا ليّردُّوا فلم يروْا شيئًا، فقال: "هذا جبريل جاء ليعلّم الناس دينهم" (١)! وقد كانت حالة تغلّب الطبيعة الروحانيّة عند النبي ﷺ على الطبيعة البشريّة أشدّ ما كان يلقاه الرسول ﷺ في حالات الوحي، وهي التي عُبِّر عنها بصلصلة الجرس، ودويّ النحل -كما أسلفنا- وهي لا تكون إلا في وحي اليقظة! وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ [القيامة: ١٦]! قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدّة، وكان مما يحرّك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحرّكهما لكم، كما كان رسول الله ﷺ يحرّكهما! وقال سعيد: أنا أحرّكهما كما رأيت ابن عباس يحرّكهما -فحرك شفتيه- فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾! قال: جَمْعُه لك في صدرك وتقرؤه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قال: فاستمِع له وأنصِتْ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾

стр. 639

(القيامة)! ثم إِن علينا أن تقرأه، فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إِذا أتاه جبريل استَمع، فإِذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما قرأه (١)! ٥ - تهافت الملاحدة: وقد تعلّق بهذه الشدّة التي كان يلقاها الرسول ﷺ (٢)، عند نزول الوحي عليه في يقظته، ومواجهة الملك -كما أسلفنا- قوم من أحلاس الشرك والنفاق وعبيد الإلحاد والكفر والاستشراق، قديمًا وحديثًا، فنبزوا الرسول ﷺ بألقاب السوء، وتقوّلوا عليه، ليشكّكوا في نبوّته ورسالته، مما أوحت به إليهم شياطينهم، من الكذب وقول الزور افتراءً على الله ورسوله! وقد ردّ الله تعالى عليهم فريتهم وأكاذيبهم، بعد أن حكاها عنهم في مواضع متعدّدة من القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾ [الأعراف: ١٨٤]! وهنا نبصر تصويرًا لتجنّي هؤلاء الفجرة من طغاة الكفر وجهالتهم الضالة، وأنهم قوم بُهت، لا يصدر منهم القول عن نظر وتدبّر، ليعرفوا الحق من الباطل، وليست لهم بصائر يتفكّرون بها في مبادئ الأمور وعواقبها، وقد

стр. 640

أبرزت الآية الكريمة ذلك في أسلوب إنكاري مفعم بالتقريع والتوبيخ لما أهدروه من مدارك عقولهم، ولِدَمغهم بالكذب والبهتان، والتسجيل عليهم أنهم قالوا قولًا باطلًا، لو تفكّروا فيه، وتدبّروا مداخله ومخارجه لعلموا بطلانه بداهةً! ذلك أن مَنْ به مسّ من الجنون يصرعه ويتخبّطه لا يمكن أن يصدر عنه كلام في أعلى درجات البراءة البيانيّة باعتراف غطارفة الفصاحة فيهم -كما سيأتي- وهو مع ذلك يحمل في عباراته أجلّ المعاني الإنسانيّة، وأسمى الحقائق الكونيّة، وأدق النظم الاجتماعيّة، وأصدق القضايا العقديّة، وأزكى الآداب الخلقيّة، وأفضل الشرائع التعبديَّة، ثم يبقى دهره كله على أرفع سنن الاستقامة، وزكانة الرأي، وجودة التفكير، لا يخالف قوله فعلُه، ولا تختلف آدابه وأخلاقه، يعرف أعداءه -كما أسلفنا- أمانته وصدق حديثه، وبرّه ووفاءه، وشجاعته ومكارم أخلاقه! وها هو القرآن الحكيم، قائم بين أظهركم، وفي متناول أيديكم وعقولكم، فاقرؤوه وتعمّقوا فهمه، وحاولوا بكل ما أوتيتم من قوّة، وادعوا معكم شهداءكم من شياطين الإنس والجن لتستخرجوا معنى متهافتًا يشعر بأن من أتى به بعيد عن استقامة المدارك العقليّة، وقد تحدّاهم القرآن بآياته، فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]! والتدبّر طلب المعنى بالقلب والعقل، وذلك هو ما يسمّيه منطق الفلسفة بالنظر والتعقّل، ونتيجته هي العلم اليقين! وها هو تاريخ محمَّد ﷺ .. وتلك أحاديثه وسننه وآدابه وأخلاقه وشريعته، بين أنظاركم، فانظروا وتفكّروا في جوانب ذلك كله، واستخرجوا منه -ولن تستطيعوا- ما يقيم عوج دعاواكم، وأود أباطيلكم، ولكنكم علمتم

стр. 641

أن محمدًا ﷺ أرسله الله ليقوّض بنيان الكفر والنفاق، ويهدم صرح الإلحاد، وينذر الذين لوّوا رؤوسهم عن قبول الحق بعذاب الله وبأسه، والذين ينغضون اليوم رؤوسهمِ جحودًا وعصبيّة عمياء ببطش الله وعقابه: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ [النمل: ١٣، ١٤]! والآيات كثيرة العدد، كاشفة عن الحق، حتى ليبصره كل من له عينان .. وهي مبصرة تقود إلى الهُدى، ومع هذا: ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾! قالوا ذلك لا عن اقتناع بما قالوا، ولا عن شبهة، إنما قالوا: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾! وقد استيقنت نفوسهم أنها الحق الذي لا شبهة فيه: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾! لأنهم لا يريدون الإيمان (١)، ولا يطلبون البرهان، استعلاء على الحق، وظلمًا له ولأنفسهم بهذا الاستعلاء الذميم! وكذلك كان كبراء قريش يستقبلون القرآن، ويستيقنون أنه الحق، ولكنهم يجحدونه، ويجحدون دعوة الرسول ﷺ إيّاهم إلى الله الواحد! وكذلك الحق لا يجحده الجاحدون؛ لأنهم لا يعرفونه، بل لأنهم يعرفونه، ويجحدونه، وقد استيقنت ذلك نفوسهم؛ لأنهم يحسّون الخطر فيه على أوضاعهم الباطلة ومغانمهم الدنيا الهابطة، فيقفون في وجهه مكابرين، وهو واضح مبين: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾!

стр. 642

وعاقبة فرعون وقومه معروفة .. كشف عنها القرآن في مواضع أخرى .. وهنا يشير إليها هذه الإشارة، لعلها توقظ الغافلين من الجاحدين بالحق المكابرين فيه، قبل أن يأخذهم ما أخذ المفسدين! ويطالعنا قول الحق ﵎: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ [سبأ: ٤٦]! وهنا نبصر دعوة خالصة إلى منهج البحث عن الحق (١)، ومعرفة الافتراء من الصدق، وتقدير الواقع الذي يواجهونه من غير زيف ولا دخل! نبصر دعوة إلى القيام لله بعيدًا عن الهوى، بعيدًا عن ملابسات الأرض، بعيدًا عن الهواتف والدوافع التي تشتجر في القلب، فتبعد به عن الله، بعيدًا عن التأثّر بالتيارات السائدة في البيئة، والمؤثّرات الشائعة في الجماعة! نبصر دعوة إلى التعامل مع الواقع الواضح، لا مع القضايا والدعاوى الرائجة، ولا مع العبارات المطاطة، التي تبعد القلب والعقل من مواجهة الحقيقة الواضحة! نبصر دعوة إلى منطق الفطرة الهادئ الصافي، بعيدًا عن الضجيج والخلط واللبس، والرؤية المضطربة، والقبس الذي يحجب صفاء الحقيقة! وهي في الوقت ذاته منهج في البحث عن الحقيقة .. منهج ميسّر يعتمد على التجرّد من الرواسب والغواشي والمؤثّرات، وعلى مراقبة الله تعالى وتقواه!

стр. 643

وهي (واحدة) .. إن تحقّقت صحّ المنهج، واستقام الطريق .. القيام لله .. لا لغرض ولا لهوى ولا لمصلحة ولا لنتيجة .. التجرّد .. الخلوص .. ثم التفكّر والتدبّر بلا مؤثّر خارج عن الواقع الذي يواجهه القائمون لله المتجرّدون! ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾! مثنى ليراجع أحدهما الآخر، ويأخذ معه ويعطي، من غير تأثّر بعقليّة الجماهير التي تتبع الانفعال الطارئ، ولا تتلبث لتتبع الحجّة في هدوء .. وفرادى مع النفس وجهًا لوجه في تمحيص هادئ عميق! ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾! فما عرفتم عنه إلا العقل والتدبّر والرزانة، وما يقول شيئًا يدعو إلى التظنّن بعقله ورشده، إن هو إلا القول المحكم القويّ المبين! ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾! لمسة تصوّر العذاب الشديد وشيكًا أن يقع، وقد سبقه النذير بخطوة، لينقذ من يستمع، كالهاتف المحذّر من حريق في دار يوشك أن يلتهم من لا يفرّ من الحريق، وهو تصوير فوق أنه صادق، بارع موح مثير! وتمضي الآيات في الدعوة إلى التفكّر الهادئ البريء .. وسؤال أنفسهم عما يدعو إلى القيام بإنذارهم بين يدي عذاب شديد .. ما مصلحته؟ ما بواعثه؟ ماذا يعود عليه؟ ويأمره أن يلمس منطقهم، ويوقظ وجدانهم إلى هذه الحقيقة في صورة موحية! ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ

стр. 644

شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾ [سبأ: ٤٧ - ٥٠]! ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾! خذوا أنتم الأجر الذي طلبته منكم! وهو أسلوب فيه تهكّم، وفيه توجيه، وفيه تنبيه! ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾! هو الذي كلّفني، وهو الذي يأجرني، وأجره هو الذي أتطلّع إليه، ومن يتطلّع إلى ما عند الله فكل ما عند الناس هيّن عنده هزيل زهيد، لا يستحق التفكير! ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾! يعلم ويرى ولا يخفى عليه شيء .. فيما أفعل وفيما أنوي وفيما أقول! ويشتدّ الإيقاع الثالث، وتقصر خطاه! ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨)﴾! وهذا الذي جئتكم به هو الحق القوي الذي يقذف به الله، فمن ذا يقف للحق الذي يقذف به الله؟! إنه تعبير مصوّر مجسّم متحرّك، وكأنما القدر قذيفة تصدع وتخرق وتنفذ، ولا يقف لها أحد في طريق! يقذف بها الله ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾!

стр. 645

فهو يقذف بها عن علم، ويوجّهها على علم، ولا يخفى عليه هدف، ولا تغيب عنه غاية، ولا يقف للحق الذي يقذف به معترض ولا سدّ يعوق، فالطريق أمامه مكشوف ليس فيه مستور .. ويتلوه الإيقاع الرابع في مثل عنفه وسرعته! ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾ جاء هذا الحق في صورة من صوره، في الرسالة، وفي قرآنها، وفي منهجها المستقيم .. جاء الحق بقوّته وبدفعته وباستعلائه وسيطرته! ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾! فقد انتهى أمره، وما عادت له حياة، وما عاد له مجال، وقد تقرر مصيره، وعرف أنه إلى زوال! إنه الإيقاع المزلزل، الذي يشعر من يسمعه أن القضاء المبرم قد قضى، وأنه لم يعد هناك مجال لشيء آخر يقال .. وإنه لكذلك! فمنذ بعث الله محمدًا ﷺ استقرّ منهج الحق واتضح، ولم يعد الباطل إلا مماحكة ومماحلة أمام الحق الواضح الحاسم الجازم! ومهما يقع من غلبة ماديّة للباطل في بعض الأحوال والظروف، إلا أنها ليست غلبة على الحق؛ إنما هي غلبة الناس لا المبادئ، وهذه موقوتة ثم تزول .. أما الحق فواضح بيّن صريح! والإيقاع الأخير! ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾!

стр. 646

فلا عليكم إذن إن ضللت، فإنما أضلّ على نفسي، وإن كنت مهتديًا فإن الله هو الذي هداني بوحيه؛ لا أملك لنفسي منه شيئًا إلا بإذنه، وأنا تحت مشيئته أسير فضله! ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾! ونعود إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾! نعود لنبصر أنهم أعرف الناس بالرسول ﷺ ، وأنه لم يفارقهم ولم يفارقوه، بل صحبهم وصحبوه، ولازمهم ولازموه، فهل عرفوا عنه طول حياته بينهم شيئًا يخدش إدراكاته العقليّة، وإحساساته ومشاعره الإنسانيّة؟! لقد صدق الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣]! ٦ - إيمان النبي ﷺ -: وتلقّي النبي ﷺ عن الله -جلَّ شأنه- برسالته، وتقديره لعظمتها، وعرفانه بأثقال أعبائها هو الأساس الذي يقوم على دعائمه بناء رسالته الخالدة .. وهو القوّة التي أمدّ الله تعالى بها خاتم النبيّين ﷺ منذ ميلاد رسالته، في أول لقاء يقظي لجبريل أمين الوحي في غار حراء .. ومن ثم حملها مؤمنًا بها أشدّ وأقوى ما يكون إيمان، مغتبطًا بفضلها أعظم ما يكون اغتباط، وقام بأعبائها صبورًا شكورًا، صفوحًا كريمًا، وفيًا بعهدها وما يجب لها، دؤوبًا على تبليغها ونشر هدايتها!

стр. 647

وإيمان النبي ﷺ بما أنزل الله من ربّه هو إيمان التلقّي المباشر .. تلقّي القلب النقيّ للوحي العليّ، واتصاله المباشر بالحقيقة المباشرة .. الحقيقة التي تتمثّل في كيانه بذاتها من غير كدّ ولا محاولة، وبلا أداة أو واسطة .. وهي درجة من الإيمان لا مجال لوصفها، فلا يصفها إلا من ذاقها، ولا يدركها من الوصف -على حقيقتها- إلا من ذاقها كذلك! وقد أوتي الرسول ﷺ من قوّة الاحتمال والصبر على فوادح الشدائد ما لم يؤته أحد من البشر! واستحضار رسول الله ﷺ أعباء ما كلّفه، وأثقال ما ينتظره في تبليغ رسالته إلى الخلق، حريّ أن يضيء معالم الطريق! ٧ - أم المؤمنين خديجة أعرف بقدر محمَّد ﷺ -: ونجد أنفسنا أمام قول أم المؤمنين خديجة ﵂: (كلاّ والله! ما يخزيك الله أبدًا، إِنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق)! هذه الكلمات المشرقة بنور الإيمان الفطري (١)، النابعة من ضمير الغيب، إلهامًا من وحي اليقين بمخايل الحقيقة الكبرى في تصوّر مستقبل محمَّد ﷺ ، تضيف إلى يقين النبي ﷺ وثباته أمام الأحداث، ورباطة جأشه في ملاقاتها، تثبيتًا يزيده قوّة إلى قوّته، ويسرّي عنه ما ألمّ بخياله، ويمسح عن خواطره ما عسى أن يكون طاف بها من تخوّف العقبات في سبيل انطلاقه برسالته؛ بل إن خديجة ﵂ تريه بهذه الكلمات المشرقة أنها تستبعد كل الاستبعاد

стр. 648

أن تضعف قواه البشريّة عن تحمّل أثقال ما حُمّل من أعباء الرسالة، وحرصًا منه ﷺ على تمكّنه من تبليغ رسالة ربّه، وتخطي ما تصوره من العقبات في سبيل ذلك التبليغ! وتضيف هذه الكلمات المشرقة إلى ما تحلّى به الرسول ﷺ من قوّة اليقين والصبر ضرويًا من المصابرة، تزيد في شحنة عزيمته على المضيّ قدمًا في طريق أداء واجبه نحو هذه الإنسانيّة المعذّبة في الأرض، ليخرجها من ظلمات العبوديّة الوثنيّة بصورها وأشكالها الكافرة بتوحيد الله تعالى، وإفراده بالتعبد له وحده، إلى نور التحرّر والمساواة الإنسانيّة في الحقوق والواجبات! وكانت كلمات الإيمان الفطري -من الزوجة الأمينة الوفيّة، وزيرة الصدق، ومأنس القلب والروح، أعقل نساء العالمين -تستشرف أفق مستقبل محمَّد رسول الله ﷺ في أطوار رسالته بأمل فسيح أفيح، موصول بأخصّ عناصر حياته الخُلُقية، وأفضل فضائل الإنسانيّة النبيلة، مجموعة في طبيعة إنسان، وُلد بها، وشبّ واكتهل عليها، فكانت -كما أسلفنا- معالم لشخصيّته ﷺ بين قومه، يعرفونه بها عَلَمًا مفردًا في اكتمالها فيه، وكماله فيها، ولم يعرف فيهم أحد اجتمعت له هذه الخصال دون أن يشوبها إفراط يخرج بها عن مقاييس الفضائل، أو يلحقها تفريط يقصّر بها عن مدى محاسن الشمائل! والماضي -أبدًا- في حياة المصطفين المخلصين صفحة تكتب فيها الحياة بقلم الغيب المكنون أنباء معالم مستقبلهم في رسالاتهم، الأصفياء هم القادرون على قراءة ما كتب قلم الغيب في صحيفة المصطفين ليقرؤوا في ضوئها معالم مستقبلهم وهم أندرُ في وجودهم من وجود العقل الشفيف الذي يستشفّ بخاصة إدراكه ما وراء الحجب، فيلمح خيط القدر الحكيم، وهو يربط ماضي

стр. 649

من اختير لحمل أعباء الرسالة الإلهيّة بمستقبله بنور المدد الإلهي، ولن تظهر لهذا العقل الشفيف في استشفافه نقط المحن وفوادح النوازل على رقعة حياة هؤلاء المخلصين؛ لأنّ أشعة العزائم المنبعثة من آفاق رسالاتهم، وقوّة الحق الممدّدة لأرواحهم تغطي بظلالها النورانيّة نقط المحن ونوازل البلاء، فلا يراها الناظرون إلا ريثما يتحفّز المخلصون إلى وثبات الإقدام في طريق عزائمهم المؤيّدة بقوى الحق والخير، المستضيئة بنور الهُدى والرشاد! ويتفاضل المخلصون في ذلك بتفاضل رسالاتهم، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]! وقال جلّ شأنه: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]! وكل صاحب رسالة يُعطى من الفضل وقوّة الصبر والمجاهدة على قدر رسالته، وما جعل الله فيها من عموم الخير والإصلاح والهداية .. وعموم رسالة خاتم النبيّين ﷺ تشريعًا وزمانًا ومكانًا وأجيالًا وإصلاحًا، جعلها الله أفضل الرسالات الإلهيّة، وجعل رسولها أفضل الرسل، وجعل أمّته أفضل الأمم، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]! وذلك لما أعطيت من فضيلة الوراثة في التبليغ ضمانًا لخصيصة العموم والخلود في رسالة خاتم النبيّن محمَّد ﷺ ، وكان للرسول ﷺ من فضل قوّة الاحتمال ما تميّز به ﷺ في مستقبل دعوته! ومن ثم قال ربّه ﵎: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]!

стр. 650

فهو ﷺ مكلّف أن يجمع إلى صبره صبر جميع أولي العزم من المرسلين، وإلى عزيمته في القيام بحق رسالته قُوى عزائمهم في قيامهم بحق رسالاتهم! ومن هنا قيل له بعد ذكر الأكابر من المرسلين في معرض الثناء عليهم، والحفاوة بهم، وأن الله آتاهم الكتاب والحكمة والنبوّة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]! فخاتم النبيّين ﷺ مأمور من ربّه أن يجمع إلى هداه هدى أولئك الأكابر من المصطفين المخلصين! فالسيدة خديجة أم المؤمنين ﵂ كانت صفوة الندرة في إلهامها قراءة ما كتب قلم الغيب في صحيفة ماضي محمَّد ﷺ من أنباء معالم مستقبله في رسالته، فترجمت بكلماتها النورانيّة عنوانات تلك المعالم في مستقبله نبيًّا ورسولًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا! ولهذا كانت ﵂ في سجل الرسالة المحمديّة نفحة من نفحات المدد الإلهي لم تتكرّر ولن تتكرّر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم! وقد قالت خديجة ﵂ وهي تردّ على تساؤله الذي بدا فيه من الإشفاق على مستقبل دعوته التي كُلِّف تبليغها، تستبعد ما عسى أن يكون قد خطر في خواطره: كلاّ، والله! ما يُخزيك الله أبدًا! كلاّ، يا أكمل الكملة، لن يقع لك ما تتخوّفه على نفسك الزكيّة العليّة من ضعف عن تحمّل أعباء ما شرّفك الله به من رسالة الخلود، ولن تعجز عن القيام بموجبات تبليغها؛ لأنّ الله تعالى هو الذي اختارك لها، وهو أعلم حيث

стр. 651

يجعل رسالته، وقد فطرك على أفضل ما فطر عليه أحدًا من خلقه، فلن يخزيك أبدًا، ولن يحزن قلبك العظيم بوقوع شيء مما تشفق منه وتخافه على نفسك، لأنّ فيك من خصال الجبلّة الكماليّة، ومحاسن الأخلاق الرضيّة، وفضائل الشيم المرضيّة، وأشرف الشمائل العليّة، وأكمل النحائز الإنسانيّة ما يضمن لك الفوز، ويحقّق لك النُّجح والفلاح، وستظفر بطلبتك، وتؤدّي رسالتك، ويخلد ذكرك! ٨ - صدق الحديث: فأنت الصدوق المصدّق، وأنت الصادق الأمين تصدق الحديث سجيّة، فلا يرد لك قول بشبهة مجانبة الحقيقة والواقع، فإذا قلت قالت الدنيا من حولك: صدقت، فما جرّب عليك أحد كذبًا، فلا يماريك أو يجادلك فيما تقول ممارٍ أو مجادل! كيف وقد عرف لك ذلك قومك على صلفهم وعنجهيّتهم، وخلافك عليهم في عوائدهم ووثنيّتهم، فدعوك بينهم (الأمين) لا يعرفون لك لقبًا غيره، وقد جهروا علانية في جمعهم معترفين له بهذه الخصلة النبيلة، خصلة الصدق في الحديث، شاهدين على أنفسهم له بها، حينما جمعهم لينذرهم، قيامًا بأمر الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]! فقد روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس ﵄ قال (١): لمّا

стр. 652

نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾! صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي: "يا بني فهر، يا بني عديّ" -لبطون قريش- حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إِذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتُكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تُغير عليكم أكنتم مصَدِّقيّ؟ " قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك إِلا صدقًا، قال: "فإِني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؛ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ [المسد ١: ٢]! وقد اعترف له بها أبو سفيان بن حرب قبل أن يسلم -كما عرفنا- وسبق أن ذكرنا طرفًا من ذلك! وصدق الحديث ينزل من الفضائل الإنسانيّة التي تتخذها الحياة معبرًا إلى إدراك الغايات للنفوس السامية، المتسامية بسموّها عن مطالب الأرض، وصغار الأماني، منزلة العنوان من الكتاب، يستسرع الناظر إليه تعرّف ما طوي عليه الكتاب من حقائق الفكر في متقلّبات الحياة، تجذب إليها أنظار المتطلّعين الذين يستشرفون أنوار الكمال من آفاق الحياة! وإذا كان الصدق سجيّة في حياة إنسان كان صدقه الذي لا تشتبه معالمه آية من آيات الله على أنه إنسان اكتملت خصائصه، واتسقت عناصر إنسانيّته، فلا تميله الأهواء، ولا يخدعه غرور الحياة. فكلمته فصل، وقوله فرقان مبين! وهكذا كانت سجيّة صدق الحديث في حياة محمَّد خاتم النبيّين ﷺ ، وهو يعيش بين أحضان مجتمعه إنسانًا كغيره من رجالات قومه، لا يميزه عن آحادهم في عيشه وكدّه في سعيه ثراء مالي، ولا بطش بدني، ولا تسلّط

стр. 653

فكري، وإنما كان امتيازه بينهم أنه المثل الأعلى لمعالي المكارم، ومكارم المعالي، يعرفونه بـ (الصادق الأمين) أكثر مما يعرفه باسمه، لا يمسهم في محافل رذائلهم، ولا يقرب من أندية وثنيّاتهم، ولا ينزل من علياء استقامته إلى مباءات مفاسدهم وشرورهم، تسامى بنفسه -وهو بينهم كأحدهم- عن كل ما يخدش سيرته، أو يقتحم عليه سريرته، عاشرهم في شوارف حياتهم، وخالطهم فيما يأثرون من مفاخر الفضائل الإنسانية فيهم! فكانت سجيّة صدق الحديث فيه عنوانًا على ما طوى الغيب في كتاب مستقبله في رسالته الخالدة، وكشفت إشراقات إيمان أمّ المؤمنين خديجة ﵂ عن مضامن ما طواه العنوان من جميل صنع الله في أفضاله عليه بإحسانه إليه، وإسباغه أجلّ نعمه عليه إذ أرسله رحمةً للعالمين! وطارت خديجة ﵂ بأجنحة الإيمان، وصدق اليقين، ويقين التوسم إلى ربض علّيّين، حيث أعدّ الله لها ما أعده للصّديقين، والله يهدي من يشاء من عباده بفضله، وهو العزيز الحكيم! ٩ - صلة الرحم: وصلة الرحم فضيلة إنسانيّة من أفضل وأشرف الفضائل الاجتماعيّة التي تربط الأفراد والأسر بوشائج الودّ والإخاء، تقرّب البعيد، وتُدني القصيّ، وتردّ الشارد، وتغسل الأحقاد، وتزرع المودّات! وتتجلّى هذه الفضيلة الإنسانيّة في حسن المعاملة، وإحسان العشرة، ومشاركة البرّ، ومواساة الإحسان، وإيثار الفضل في المنافع، مع نقاء السريرة وبهجة العلانية، ومعاونة المحتاج، وتبادل الخيرات، والعفو عن الزلات!

стр. 654

وهي أقدر الفضائل على توثيق عرى المحبّة بين ذوي القربى، تجمع القلوب على الصفاء، وتشدّ أواصر التآخي، تجمع حول من يتحلّى بها، ويبذل في سبيلها الجود والرحمة، ينفق مما ملكت يمينه، ويبذل في غير منٍّ ولا رياء، لذوي رحمه وقرابته، بالتعاطف والتراحم، وسماحة المكارم، فيحبّونه، ويحبّون الخير عنده، يدافعون عنه إذا حاول أحد النيل منه، يبادلونه المنافع في غير أثرة ولا طمع، يخلصون له الودّ، ويشاركونه بأساءه، ويقاسمونه سرّاءه، يفرحون لفرحه، ويألمون لألمه، إن أحزنه شيء تعرّفوا مصادره فدرؤوها عنه إن استطاعوا، فإن لم يستطيعوا كانوا معه في أحزانه حتى يسرّى عنه! كذلك كانت هذه الفضيلة الاجتماعيّة مغروسةً في خلائق محمَّد خاتم النبيّين ﷺ ، تجلّت آثارها واضحة في حياته ﷺ قبل نبوّته، فأحبّه من أحبّه منهم .. واستجاب من استجاب لدواعي هذه الفضيلة من محاسن شمائله، فدخلوا معه في حصار الشّعب -كما سيأتي- من آمن منهم بدعوته، ومن لم يؤمن، وصبروا على بلاء هذا الحصار الظلوم الجهول الغشوم وجهده، واحتملوا فيه ما حُملوا من الإجاعة والقطيعة وجهد البلاء، لا لمجرّد العصبيّة القبليّة، والنخوة العنصريّة، فقد أبى أن يشارك في هذه المحنة القاسية كثيرون، وهم أشدّ العرب حميّة وتعصّبًا قبليًّا، ولكن الذين قبلوا أن يستظلّوا بلوائه في الترابط الرحمي إنما صنعوا ذلك تحقيقًا لمقتضيات التواصل مع من عرفوه أوصل الخليقة للرحم، وأبرّ الناس بذوي القربى، محمَّد خاتم النبيّين ﷺ الصادق في ودّه ووصله، الأمين في حفاظه لوشائج القربى والرحم! وسبق أن ذكرنا ما رواه الشيخان وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁ -

стр. 655

قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] قال: "يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتَرُوا لأنفسكم، لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفيّة عمّة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمَّد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا"! وفي رواية لأحمد وغيره بسند صحيح عنه ﵁: جعل يدعو بطون قريش بطنًا بطنًا: "يا بني فلان، أنقذوا أنفسكم من النار"! حتى انتهى إِلى فاطمة فقال: "يا فاطمةُ بنتَ محمَّد، أنقذي نفسك من النار، لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبُلُّها ببلالها" (١)! ومعنى ذلك أن كفركم وعدم قبولكم لدعوتي، والإيمان برسالتي، لا يمنعني من صلة رحمكم في الدنيا، ولا أغني عنكم في الآخرة من الله شيئًا؛ لأنّ صلة الرحم ومودّة ذوي القربى من أصول المكارم الإنسانيّة التي لا يحول دونها في شرعة الفضائل -كفر ولا عصيان! ولأمر ما جاء التنويه بشأن هذه المكرمة من أصول مكارم الأخلاق لموضعها من سجايا رسول الله ﷺ في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]!

стр. 656

فقد جعلت الآية الكريمة المودّة في القربى وصلة الرحم أقصى ما يطلبه رسول الله ﷺ أجرًا ومكافأة من قومه على ما جاءهم به من هُدى وخير، فهو لا يسألهم مالًا يرزؤهم به، ولكنه يطلب إليهم أن يوادّوه ويصلوا رحمه بأرحامهم! والمعنى كما قال ابن كثير: قل يا محمَّد لهؤلاء المشركين من كفار قريش: لا أسألكم على هذا البلاغ، والنصح لكم مالًا تعطونيه، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شرّكم عنّي، وتذروني أبلغ رسالات ربّي، إن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة (١)! وروى البخاري وغيره عن ابن عباس ﵄: أنه سئل عن قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾! فقال سعيد بن جُبير: قُربى آل محمَّد ﷺ ، فقال ابن عباس: عجلتَ، إِن النبي ﷺ لم يكن بطنٌ من قريش إِلا كان له فيهم قرابة، فقال: "إِلا أن تصِلُوا ما بيني وبينكم من القرابة" (٢)! وفي رواية للحاكم عن الشعبي قال: "أكثر الناس علينا في هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾! فكتبنا إِلى ابن عباس نسأله عن ذلك، فكتب ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان أوسط بيت في قريش، ليس بطنٌ من بطونهم إِلا قد ولده، فقال الله : ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾!

стр. 657

إِلى ما أدعوكم إِليه، إِلا أن تودّوني بقرابتي منكم، وتحفظوني بها (١)! وهذا تعظيم لفضيلة صلة الرحم، وهي خليقة من خلائق محمَّد خاتم النبيّين ﷺ التي وصفته بها خُلقًا زوجته الأمينة الوفيّة قبل أن يبعث للناس رسولًا! وقد جاءت رسالة خاتم النبيّين محمَّد ﷺ تحمل في هدايتها وآدابها وأخلاقها ترغيبًا في التخلّق بهذه المكرمة العظيمة بما لم تظفر به فضيلة من الفضائل الإنسانيّة التي ينتظمها عقد الفضائل الاجتماعيّة التي تربط وشائج المجتمع بأوثق عرى المودّة والمحبّة، فالقرآن الكريم يقرن تعظيم هذه الفضيلة بتعظيم الله -جلَّ شأنه- في طلب اتقائه فيقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]! ويروي الشيخان وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال (٢): "خلق الله الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم، فأخذت بِحَقْوِ الرحمن، فقال لها: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا

стр. 658

تَرضَيْنَ أن أصِل مَن وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا ربّ، قال: فذاك"! قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾! ولفظ مسلم: "إِن الله خلق الخلق، حتى إِذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة، قال: نعم، أما تَرْضَيْنَ أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك"! ثم قال رسول الله ﷺ : "اقرؤوا إِن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٤]! وهذا التعظيم لشأن فضيلة صلة الرحم التي جاءت في كلمات النور إلهامًا لأمّ المؤمنين خديجة ﵂ وصفًا لما تحلّى به محمَّد خاتم النبيّين ﷺ من أصول المكارم التي لا يُخزي الله -جلَّ ذكره- من وصف بها جبلّة وطبعًا، ليس فوقه تعظيم لمكرمة من أصول المكارم الجبلّيّة التي يهبها الله خُلُقًا وطبعًا لمن يشاء من عباده، لتكون في حياته منائر يهتدي بها المهتدون! ١٠ - وتحمل الكلّ: ومن كلمات النور التي قالتها أمّ المؤمنين خديجة ﵂ لمحمد خاتم النبيّين ﷺ : وتحمل الكلّ!

стр. 659

فلتهدأ نفسك يا أبا القاسم، فلن يخزيك الله أبدًا، وإنك لبالغ بتوفيق ربّك ما كُتب لك في لوح الغيب من رفعة الذكر، وبلوغ الأمل، فقد حلّاك منذ خلقك فريدًا في نحائزك ومكارم أخلاقك بما جعل لك به في كل قلب مكانًا من السؤدد والسموّ والحبّ! لقد جعل في مكارم أخلاقك الكريمة أنك تحمل الكلّ الضعيف الذي أعجزته الأيام والليالي، وأقعدته صروف الحياة عن النهوض بحال نفسه، فلم يستطع مزاحمة الضاربين في الأرض سعيًا وراء متطلّبات الحياة، ولم يستطع أن يقوم بضرورات عيشه إلا إذا أعانه ذو مقدرة من أهل المروعات وأصحاب المكارم، الذين يفعلون الخير لأنهم يرونه خيرًا، وأنت يا أبا القاسم ذلك الكريم الذي فطره الله على الخير، فلن ترضى نفسك الكريمة وقلبك الرحيم أن ترى ضعيفًا أثقلت كاهله الحياة، فتخلف عن مسيرتها دون أن تمدّ إليه يد الرحمة بما ينعشه وينهض به، في غير منٍّ ولا أذى! والإحسان -أبدًا- آسر لمن يقع عنده موقعه، وهؤلاء الضعفى تنعشهم يدك الرحيمة، وتمسح عن كواهلهم أثقال العيش، وتحيي في أنفسهم موات الأمل، وتنعش في أرواحهم رغائب العمل هم عدّة الإيمان؛ لأنّ الإيمان يملك من رصيد الخير ما يعوّض به هؤلاء عما فقدوه من قوّة الاقتدار على مماشاة الحياة، وهؤلاء الضعفى أملك للعمل الشكور يردّون به الجميل، فالإحسان إليهم يحمل ضعيفهم لينهضوا، أو ليُحفظوا من الضياع فضيلة مشكورة عندما تحين فرصة شكرها من غير الجاحدين لفضلي المكارم والمروءات! وهؤلاء الضعفى هم أتباع الرسل -كما عرفنا- وفي هذا التوافق بين ما حمله الإلهام النوراني بالفراسة الصادقة، والتجربة الحكيمة في كلمات وزيرة الصدق

стр. 660

الزوجة البرّ؛ الأمينة السيدة خديجة ﵂ قبل أن تنشر في آفاق الحياة أشعة شمس النبوّة، وبين ما صدر من أنباء المبشّرات بميلاد رسالة جديدة، قد أظل الناس زمانها، دلالة على أن أمّ المؤمنين ﵂ كانت تستملي في كلماتها النورانية التي مسحت بها عن جبين رسول الله ﷺ قطرات العرق التي ساقطتها متاعب بشريّته، وقد هاضها روع المفاجأة، وتصوّر أعباء الرسالة، وقوادح تبليغها صحائف الغيب التي قرأت في سطورها بنور إيمانها الفطري، وصادق فراستها، دلائل ما فطر الله تعالى عليه رسوله وحبيبه محمَّد ﷺ ، من التخلّق بمعالي الأخلاق، وأحاسن الشمائل على معالم مستقبله في رسالته الخاتمة الخالدة! ولأمر ما ربط الحق -جلَّ شأنه- بين مكارم الأخلاق الفطريّة قبل أن يبعث الله محمدًا ﷺ وبين حياة هؤلاء الضعفى في المجتمع البشريّ الظلوم، فجعل الرسول ﷺ آسيًا لجراحهم، وجابرًا لكسير قلوبهم .. ومن ثم لا ينسى هؤلاء أيادي الرحمة بهم بعد أن بعث الله محمدًا ﷺ نبيًّا، وداعيًا رسولًا، يدعو إلى الله وحده، وإلى عدله ورحمته! هذا تدبير الغيب، ما كان لأحد فيه اختيار .. فالله تعالى هو الذي فطر رسوله رحيمًا، خلقةً لا كسبًا، وطبعًا لا تطبّعًا، وهو الذي جمّله بخُلق الشفقة على الخلق كافةً، وهو الذي أوجده في مجتمعه الذي نهد فيه، ونشأن بين أحضانه، وهو مجتمع يعيش في حياة تجعله أخصب أرض لزرع الإحسان والمكارم؛ لأنه مجتمع جهل حياة العدل وعاش على جهالة الحياة وروابطها الاجتماعيّة الفسيحة، مجتمع استأثر بخيراته حفنة من غلاظ الأكباد، يأخذون ولا يُعطون، ينهبون ولا يرعوُون، فلا قانون يردع، ولا نظام يحكم!

стр. 661

فإذا جاءهم الله بالرسول ﷺ رحمةً وهدىً لينقذ المعذّبين في الأرض من ظلم الطغاة البغاة العتاة، ويقيم الحياة الإنسانيّة على دعائم الإخاء والمساواة، والرحمة والمواساة، فإن عون الله وتوفيقه للرسول ﷺ هو الواقع! ١١ - وتكسب المعدوم: ومن الكلمات النورانيّة لأمّ المؤمنين خديجة للرسول ﷺ كما أسلفنا: (وتكسب المعدوم)! وقد كان الرسول ﷺ قبل البعثة الصورة المتحرّكة للقرآن الناطق في صمته وسكونه، والمعلّم حينما تهتزّ أسلات الألسن بآياته، مضيئة بنور القلوب والعقول والأرواح، فهمًا للرسالة! ومن ثم كان سخاء الجود إلى ذروة الإيثار من سمات الرسول ﷺ قبل أن يكون رسولًا، فما بال الدنيا بك أنت الذي أدّبتهم فتأدّبوا بأدبك؟ وقد تأدّبت بأدب الله الذي تولاك -منذ كنت- بفواضل أدبه فأحسن تأديبك! ومَن في الوجود الكوني على خلقك الفطري الذي فطرك الله عليه من مكارم الوجود؟ فأنت أجود الناس، ولأنت أجود بالخير من الريح المرسلة! أو لست أنت الذي تظاهرت عليك بيّنات الألسن بأنك تعطي عطاء من لا يخشى الفقر؟ أو لست أنت الذي عرف لك قومك قبل أن يبعثك الله للناس رسولًا أنك كنت في تحنّثك وتعبُّدِك تطعم من جاءك من المساكين؟ وهنا نذكر ما رواه مسلم وغيره عن أبي مسعود الأنصاريّ، قال: جاء رجل

стр. 662

إِلى النبي ﷺ فقال: إِنّي قد أُبدع بي فاحْملني، فقال: "ما عندي"! فقال رجل: يا رسول الله! أنا أدلّه على من يحمله، فقال رسول الله ﷺ : "من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله" (١)! ويروي مسلم وغيره عن أنس ﵁: ما سئل رسول الله ﷺ على الإِسلام شيئًا إِلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنم بين جبلين! فرجع إِلى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا، فإِن محمدًا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة! وفي رواية: أسلموا، فوالله إِن محمدًا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر (٢)! وقد كان جوده ﷺ لله، وفي ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال تارة لفقير أو محتاج، وتارة ينفقه في سبيل الله، وتارة يتألف به على الإِسلام من يقوى الإِسلام بإسلامه! والكرم مَجمعةٌ للقلوب، ومجلبة لمحبّة الناس، والكريم لا يُضام، ولا يُخزى، ولا يخذل، يملك بكرمه زمام محبّة الأفئدة، ويستأسر من أكرمهم بإحسانه وفواضله، فيؤثرونه بمودّتهم على كل محبوب .. ولهذا كان في

стр. 663

مقدمة من استجابوا للرسالة، الذين وجدوا عنده المواساة والإيثار والرحمة، فأخلصوا له، وتقبّلوا هديه بروح عالية، وتحمّلوا من فوادح الإيذاء والتعذيب -كما سيأتي- ما لم يكن في طاقة بشر! وقد كانوا بإخلاصهم في طليعة المؤمنين الأثر الحيّ الذي صاحب الدعوة إلى الله في مراحلها وشدائدها وانتصاراتها .. فقد رأوا مكارم الجود الذي عبّرت عنه أمّ المؤمنين خديجة ﵂ في كلماتها النورانيّة في صحائف الغيب بالتأمّل الشفيف الذي يقرأ كتاب المستقبل في لوح الماضي القريب! ١٢ - وتقري الضيف: وهل يملك النفوس الأبيّة إلا تقليدها قلائد المجد في سخاء يملك عليها نخوتها التي تتمثَّل في لقاء الضيف -وهو يقبل على استحياء- ببشاشة الطبع البسّام لمغارم المكارم! ومغارم الجود عند ذوي الطبع الكريم مغانم، إذا انهملت غيوثها على أرض أصيلة التربة طيّبة الأصالة، ولكنها خاشعة ظمئة، وهل أطيب أرضًا من قلب ضيف يقبل طامعًا، ولكنه متردّد يخشى الجفلة، ويخاف الجفوة، فإذا سمع مرحبًا تناهت عنده إليه المكارم! ومن ثم كان إكرام الضيف من أعظم الفضائل الإنسانيّة الاجتماعيّة، وهي -وإن تداخلت في عموم مكارم الجود بخصائصها- مستقلّة الأثر في قوّة اجتذاب القلوب، وأسر النفوس، ولا سيّما إذا كانت في بيئة مثل البيئة التي نهد فيها محمَّد ﷺ ، بيئة الصحارى والجبال، والوديان والقفار، الشحيحة بمطالب العيش، ووسائل الحياة!

стр. 664

ولهذا كانت فضيلة قرى الضيف موضع منافسة المتنافسين في صنائع المعروف، وكانت مما يتمدّح به أجواد العرب، ويتّخذها شعراؤهم ممادح لأجاويدهم، يتّخذون بها قلائد من الفضل المأثور في أعناق الذين يقصدون مكارمهم تحبّبًا إليهم، ونشرًا لحسن الأحدوثة عنهم بين أقوامهم! والضيف في البيئة العربيّة عابر سبيل يبيت هنا، ويصبح هناك، ويتحدّث حيث يكون، والحديث مع الناس وإلى الناس فنون، وأحبّ فنونه إلى الأسماع، وأحلاها في الأذواق ما كان عن المكارم وصانعيها، وروّادها، تنفسح لهم القلوب، وتهشّ لهم النفوس، وتهفو نحو من تحله المكارم ذراها، وتشتاق إلى لقائه ورؤيته، وتتمنّى لو كانت من حزبه أو أهله، وتتطلّع إلى مشارف مكانه من حُسْن الأحدوثة، وتتحدّث مع نفسها أحاديث الآمال المرجوّة أن لو كانت تستطيع أن تكافئه على صنائعه، ولو لم يكونوا هم موضع إسدائها المباشر؛ لأنّ الخير حبيب إلى كل نفس كريمة، والمكارم أواصر خُلقيّة لا تعرف العصبية لدم، ولا لجنس، ومن يصنع الخير لا يعدم جوازيه! فإكرام الضيف فضيلة اجتماعيّة، تجمع القلوب على محبّة من يتحلّى بها في غير تكلّف ولا مراءاة، وتستجيب إلى دعوته إذا دعا إلى خير، وترهف الآذان إلى صوته إذا نادى إلى نجدة أو غوث، وتُصغي إلى قوله إذا تكلّم، وتؤمِّن على رأيه إذا ارتأى، فهي من أصول المكارم التي تكسب صاحبها مودَّات القلوب، يحبّه من يعرفه ومن لا يعرفه! فذكر أمّ المؤمنين خديجة ﵂ هذه المكرمة في خلائق محمَّد ﷺ التي نهد بها، وعاش في مجتمعه على التخلّق بخلقها، مقصوده أن الله تعالى في جلال حكمته، لا يمنحها إلا لمن يعلم أنه حقيق بآثارها الاجتماعيّة في

стр. 665

التأييد والتوفيق، فيما يدعو إليه من الخير والهُدى، فالمتحلّي بها مع سائر أصول المكارم لن يخزيه الله أبدًا، ولا يَخْذله الله أبدًا، وإن محمدًا ﷺ لبالغ -بما طبعه الله عليه من أصول مكارم الأخلاق- ما كتب الله له في لوح حياته من قيامه بحقّ تبليغ رسالته على أبلغ وأقوى ما تؤدّي به رسالة إلهيّة ناطها الله ﵎ برسول أعدّه لأعباء هذه الرسالة الخاتمة الخالدة! ١٣ - الإعانة على نوائب الحق: والإعانة على نوائب الحق فضيلة الفضائل، ومكرمة المكارم، فهي أجمع الفضائل لسائرها، وهي أجمع موارد الخير ومصادره، وهي منقبة مناقب البرّ والمعروف! قال الحافظ ابن حجر (١): وقولها: (وتعين على نوائب الحق)! كلمة جامعة لأفراد ما تقدّم، ولما لم يتقدّم! وقد كانت هذه الخليقة خُلُقًا لمحمد ﷺ منذ شبّ عن طوق الطفوليّة، ومشى إلى الشباب مشاركًا رجالات قومه في صنع المكارم، فهو ﷺ وكان في عنفوان الشباب، ابن عشرين سنة -يسمع أن عمه الزبير بن عبد المطلب، يدعو إلى عقد حلف لنصرة المظلوم، والتآسي في المعاش، فاجتمعت له بنو هاشم، وزهرة، وتيم، في دار عبد الله بن جدعان، فيسرع ﷺ إلى مشاركتهم هذه الكرمة النبيلة، يدفعون بها الظلم عن المظلومين، ويعينون على نوائب الحق، ويتعاقدون متعاهدين بالله ليكونن مع المظلوم، حتى يؤدّى إليه حقّه، وسمّت قريش ذلك التعاقد (حلف الفضول)!

стр. 666

وقد امتدح محمَّد ﷺ بعد بعثته رسولًا إلى العالمين هذا الحلف، وأخبر أنه حضره في دور إنشائه، وشارك فيه قبل نبوّته وسبق أن ذكرنا ما رواه أحمد وغيره -كما أسلفنا- بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي ﷺ قال: "شهدت حلف المطيَّبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحبّ أن لي حُمرَ النّعم، وإِنِّي أنكثُه"! ١٤ - أداء الأمانة: والأمانة أجمع مكرمة لمكارم الأخلاق، ولن يكون أمينًا قط من يفقد في أخلاقه مكرمةً من المكارم، فالأمين هو ذو الخلُق العظيم، الجامع لأشتات الفضائل، والأمن هو الكامل في استقامته مع نفسه، ومع جميع الخلق، تجمع القلوب على محبّته، ويثق به من يعرفه ومن يسمع عنه، من شهده ومن غاب عنه، وهذه الثقة تظهره على أسرار الناس، فيعرفها كما يعرف علانيتهم، لا تخفى عليه منهم خافية، يحفظهم في غيبهم كحفظه لهم في شهودهم، يأنسون به، ويركنون إليه في أعمالهم ومصالحهم، ويأمنونه على أعزّ ما عندهم من ودائعهم المادية والقلبيّة، تهجس في خواطرهم الفكرة تريد متنفّسًا بالكلمة، فيخافونها إلا إذا كانت همسًا للأمين، فإن رأى خيرًا أعان عليه، وإن رأى شرا نصح وحذّر! وقد كان خُلُق أداء الأمانة خُلُقًا أثيرًا في مكارمه ﷺ ، ولم يعرف لقب الأمين على إطلاقه -كما عرفنا- إلا له ﷺ ! وهل يوجد في تاريخ البشريّة أقوى دلالة على تميّزه ﷺ بأداء الأمانة من إجماع بطون قريش على الرضا بحكمه وهم يبنون الكعبة المشرّفة أعزّ مفاخرهم

стр. 667

-كما أسلفنا- ومن ثم حين رأوه تهلّلوا بالبشر الوثيق، واطمأنت قلوبهم الواجفة في صدورهم، وسكنت إلا من خفقة الرضا، وقالوا بلسان موحّد الثقة والقبول: هذا (الأمين) رضيناه حكمًا! ١٥ - فراسة الإلهام: وقد كانت أمّ المؤمنين خديجة ﵂ لوثيق معرفتها بأخلاق محمَّد ﷺ الفطريّة التي خبرتها فيه بتجاربها وفراستها، وبما كان يخصّه به مجتمعه من الإكبار وحُسْن الأحدوثة على حق حين أقسمت على أن الله لن يخزيه، وأكَّدت ذلك بلفظ التأييد، واستدلَّت بوحي عقلها الرصين على ما أقسمت عليه بأمر استقرائي، فوصفته ﷺ بأصول مكارم الأخلاق! وكانت تلك الكلمات -كما عرفنا- نوعًا من فراسة الإلهام الذي ينظر إلى ما وراء الحجب، خفّفت بها عن رسول الله ﷺ ما شعر به من آثار المفاجأة الرهيبة، وقد آب إليها من خلوته ومتعبّده في حراء، فرأت منه ﷺ حالًا من مشقّة الجهد، لم تكن تراها عليه من قبل في أوباته إليها، ليتزوّد لخلوته، ويجدّد ببيته وولده وزوجه عهد الحنان والحبّ الذي يعطيه أفضل ما يعطي عامل من عوامل القوّة النفسيّة من مدد يعينه على تحمّل مشاق الوحدة في خلوته التي أحبّها أشدّ الحبّ؛ لما يجد فيها من مجال لسبحات روحه وفكره في أجواز ملكوت الله، وجلال بدائع صنعه، وجلس إليها بعد أن هدأت نفسه، وحدّثها وحدّثته، وسمعت منه جديدًا، لم تكن من قبل تسمعه منه، وكان في هذا الحديث نغم هامسٌ بروحانيّة جديدة، تتلمّس دفء الحنان في أحضان الوفاء!

стр. 668

والرسول ﷺ منذ بلغ سنّ الرجوليّة كانت بشائر الغيب، وإرهاصات النبوّة تتوالى عليه، قبل أن يُنبّأ، وكانت خديجة ﵂ على علم بالكثير من ذلك! ثم نبّئ ﷺ بوحي الرؤيا الصالحة الصادقة يراها، فتجيء مثل فلق الصبح جلاءً ووضوحًا وإشراقًا .. وتتابع الوحي عليه في مراتبه، ولم يكن يبدو عليه من مشقّة الإجهاد، وتأثّر بشريّته مثل ما بدا عليه، ومن ثم جاءها يرجف فؤاده! وكانت آمال أمّ المؤمنين خديجة ﵂ منذ صارت زوجة الرسول ﷺ أعظم من أن تقف عند وحي النبوّة، بل كانت مشاعرها تحلّق حوله في آفاق تطلّعاتها إلى تجلّيات الملأ الأعلى له ﷺ في لقاء المواجهة ووحي اليقظة! وها هو ﷺ يبعث رحمةً للعالمين، فيجيئه الحق، ويفجؤه الملك رسولًا إليه من ربّه، مستعلنًا في يقظته، ومحمد ﷺ مستغرق في سبحات تفكيره، وحيد في خلوته، لا يتوقّع مما وقع له شيئًا! ١٦ - العلم سرّ الرسالة: وسرّ رسالة الرسول ﷺ المسطور في لوح الوجود -كما أسلفنا- هو العلم بأوسع وأعمق ما يتصوّر العلماء والمفكّرون من أيّ أنحاء الحياة، ومن أيّ جوانب الكون، وعلى أيّ نهج في التفكير! ومن هنا قال جبريل ﵇ بعد ما أنهى ما أُرسل به إليه في أوّل لقاء المواجهة بوحي اليقظة من إعداده روحانيًّا للنفوذ من حجب الغيب إلى الحقائق العليا، مسطورة في صحف الوجود: ﴿اقْرَأْ﴾!

стр. 669

وأنت أنت على خصيصتك في أخصّ أوصافك من نعت (الأميّة) مستعينًا باسم ربّك الخالق المبدع، الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وهو أعزّ خلقه وأكرمهم، وجعله بما علّمه سيد الحياة المسخّرة له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [اقرأ ١: ٥]! فكان هذا بيانًا لما طُلب منه مرات، وهو تحصيل حقيقة القراءة، دون نظر إلى الأسباب المألوفة عند القارئين المعلَّمن العالمين، مستعينًا باسم من سبق إليك إحسانه، فربّاك على موائد فضله وإنعامه، ورعاك بكرمه قبل أن يتشرّف الوجود بطلعتك، وهو ربّك الأكرم الذي تجلّت مظاهر أكرميّته في ظلال أسرار رسالتك العليمة المعلّمة، وهو الذي علّم بالقلم من تأهّل بفكره ليكون في زمرة العالمين، وذلك هو الإنسان مُظهرُ الإبداع الإلهيّ الأعظم في الوجود، فقد علّمه ما لم يعلم، وعلّمك أنت، وجعلك مَظهر الإشراق الروحانيّ الأكمل -كما علّم الملأ الأعلى- لتكون أميّتك المظهر الأعظم في إعجاز رسالتك المعلّمة، وجعل علمك بغير قلم مدَدًا لمن تعلّموا بالقلم، تعلّموا ممّا علمت، وهم صفوة الإنسانيّة، بل صفوة الوجود كله، فالتعليم بالقلم أعظم مظاهر الكرم الإلهيّ السابغ، ومن ثمّ كانت المنّة بالتعليم بالقلم أعظم منن الله تعالى على الإنسانيّة في الحياة، وكان الامتنان بها عليه في أوّل ما نزل من القرآن الكريم! ١٧ - أهداف الدعوة: ونهض الرسول ﷺ مستجيبًا لأمر ربّه، مشمّرًا عن عزيمة لا تفل، نهوض من لا يعرف السكون إلا متحفّزًا ليتحرك، ولا يتحرّك إلا وهو يفكّر في

стр. 670

مسالك ما حُمّله من أعباء رسالة، ليس كمثلها رسالة من رسالات من سبقه من الأنبياء والمرسلين! فالناس كلهم في مشارق الأرض ومغاربها، من دنا منهم ومن بعد، هم أمّة دعوته مكلّف بتبليغ رسالته لهم، واجب عليه أن يدعوهم إلى الإيمان بها ما بلغتهم دعوتها: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]! فهو ﷺ رسول إلى العالمين، منذ اللحظة الأولى لتنزّل رسالته! ودعوته ﷺ تستهدف إخراج الناس -كل الناس، بل إخراج الحياة بما فيها ومن فيها- من ظلمات الشرك، وأوضار الوثنيّة، في جميع صورها وأشكالها إلى نور التوحيد، وإخلاص العبادة لله تعالى وحده، مطهّرين في عقائدهم وأفكارهم وتعبّداتهم، نقيّة عقولهم وقلوبهم من دنس مواريث الآباء والأجداد، مصفّاة أرواحهم من ران الشرور والمفاسد .. وإخراجهم من ظلمات التظالم والفساد إلى نور العدل والإصلاح! ودعوته ﷺ تستهدف إلى جانب ذلك تخليصهم من رذائل الأخلاق، ليكونوا ربّانيّين في حياتهم وأخلاقهم، متحلّي بالفضائل الإنسانيّة الكريمة، مستقيمي السلوك، خيّرين في أعمالهم! ودعوته ﷺ تستهدف تخليصهم من شراسة القسوة الطاغية الباغية التي يصب المتجبّرون في الأرض سياط عذابها على الضعفاء والمستضعفين، اغترارًا بما في أيديهم من لعاعات الدنيا، واستجابة لما في دخائل أنفسهم من شرور الأنانيّة والاستئثار!
следующие страницы →