وقد امتدح محمَّد ﷺ بعد بعثته رسولًا إلى العالمين هذا الحلف، وأخبر أنه حضره في دور إنشائه، وشارك فيه قبل نبوّته وسبق أن ذكرنا ما رواه أحمد وغيره -كما أسلفنا- بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي ﷺ قال: "شهدت حلف المطيَّبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحبّ أن لي حُمرَ النّعم، وإِنِّي أنكثُه"!
١٤ - أداء الأمانة:
والأمانة أجمع مكرمة لمكارم الأخلاق، ولن يكون أمينًا قط من يفقد في أخلاقه مكرمةً من المكارم، فالأمين هو ذو الخلُق العظيم، الجامع لأشتات الفضائل، والأمن هو الكامل في استقامته مع نفسه، ومع جميع الخلق، تجمع القلوب على محبّته، ويثق به من يعرفه ومن يسمع عنه، من شهده ومن غاب عنه، وهذه الثقة تظهره على أسرار الناس، فيعرفها كما يعرف علانيتهم، لا تخفى عليه منهم خافية، يحفظهم في غيبهم كحفظه لهم في شهودهم، يأنسون به، ويركنون إليه في أعمالهم ومصالحهم، ويأمنونه على أعزّ ما عندهم من ودائعهم المادية والقلبيّة، تهجس في خواطرهم الفكرة تريد متنفّسًا بالكلمة، فيخافونها إلا إذا كانت همسًا للأمين، فإن رأى خيرًا أعان عليه، وإن رأى شرا نصح وحذّر!
وقد كان خُلُق أداء الأمانة خُلُقًا أثيرًا في مكارمه ﷺ ، ولم يعرف لقب الأمين على إطلاقه -كما عرفنا- إلا له ﷺ !
وهل يوجد في تاريخ البشريّة أقوى دلالة على تميّزه ﷺ بأداء الأمانة من إجماع بطون قريش على الرضا بحكمه وهم يبنون الكعبة المشرّفة أعزّ مفاخرهم
стр. 667
-كما أسلفنا- ومن ثم حين رأوه تهلّلوا بالبشر الوثيق، واطمأنت قلوبهم الواجفة في صدورهم، وسكنت إلا من خفقة الرضا، وقالوا بلسان موحّد الثقة والقبول: هذا (الأمين) رضيناه حكمًا!
١٥ - فراسة الإلهام:
وقد كانت أمّ المؤمنين خديجة ﵂ لوثيق معرفتها بأخلاق محمَّد ﷺ الفطريّة التي خبرتها فيه بتجاربها وفراستها، وبما كان يخصّه به مجتمعه من الإكبار وحُسْن الأحدوثة على حق حين أقسمت على أن الله لن يخزيه، وأكَّدت ذلك بلفظ التأييد، واستدلَّت بوحي عقلها الرصين على ما أقسمت عليه بأمر استقرائي، فوصفته ﷺ بأصول مكارم الأخلاق!
وكانت تلك الكلمات -كما عرفنا- نوعًا من فراسة الإلهام الذي ينظر إلى ما وراء الحجب، خفّفت بها عن رسول الله ﷺ ما شعر به من آثار المفاجأة الرهيبة، وقد آب إليها من خلوته ومتعبّده في حراء، فرأت منه ﷺ حالًا من مشقّة الجهد، لم تكن تراها عليه من قبل في أوباته إليها، ليتزوّد لخلوته، ويجدّد ببيته وولده وزوجه عهد الحنان والحبّ الذي يعطيه أفضل ما يعطي عامل من عوامل القوّة النفسيّة من مدد يعينه على تحمّل مشاق الوحدة في خلوته التي أحبّها أشدّ الحبّ؛ لما يجد فيها من مجال لسبحات روحه وفكره في أجواز ملكوت الله، وجلال بدائع صنعه، وجلس إليها بعد أن هدأت نفسه، وحدّثها وحدّثته، وسمعت منه جديدًا، لم تكن من قبل تسمعه منه، وكان في هذا الحديث نغم هامسٌ بروحانيّة جديدة، تتلمّس دفء الحنان في أحضان الوفاء!
стр. 668
والرسول ﷺ منذ بلغ سنّ الرجوليّة كانت بشائر الغيب، وإرهاصات النبوّة تتوالى عليه، قبل أن يُنبّأ، وكانت خديجة ﵂ على علم بالكثير من ذلك!
ثم نبّئ ﷺ بوحي الرؤيا الصالحة الصادقة يراها، فتجيء مثل فلق الصبح جلاءً ووضوحًا وإشراقًا .. وتتابع الوحي عليه في مراتبه، ولم يكن يبدو عليه من مشقّة الإجهاد، وتأثّر بشريّته مثل ما بدا عليه، ومن ثم جاءها يرجف فؤاده!
وكانت آمال أمّ المؤمنين خديجة ﵂ منذ صارت زوجة الرسول ﷺ أعظم من أن تقف عند وحي النبوّة، بل كانت مشاعرها تحلّق حوله في آفاق تطلّعاتها إلى تجلّيات الملأ الأعلى له ﷺ في لقاء المواجهة ووحي اليقظة!
وها هو ﷺ يبعث رحمةً للعالمين، فيجيئه الحق، ويفجؤه الملك رسولًا إليه من ربّه، مستعلنًا في يقظته، ومحمد ﷺ مستغرق في سبحات تفكيره، وحيد في خلوته، لا يتوقّع مما وقع له شيئًا!
١٦ - العلم سرّ الرسالة:
وسرّ رسالة الرسول ﷺ المسطور في لوح الوجود -كما أسلفنا- هو العلم بأوسع وأعمق ما يتصوّر العلماء والمفكّرون من أيّ أنحاء الحياة، ومن أيّ جوانب الكون، وعلى أيّ نهج في التفكير!
ومن هنا قال جبريل ﵇ بعد ما أنهى ما أُرسل به إليه في أوّل لقاء المواجهة بوحي اليقظة من إعداده روحانيًّا للنفوذ من حجب الغيب إلى الحقائق العليا، مسطورة في صحف الوجود: ﴿اقْرَأْ﴾!
стр. 669
وأنت أنت على خصيصتك في أخصّ أوصافك من نعت (الأميّة) مستعينًا باسم ربّك الخالق المبدع، الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وهو أعزّ خلقه وأكرمهم، وجعله بما علّمه سيد الحياة المسخّرة له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [اقرأ ١: ٥]!
فكان هذا بيانًا لما طُلب منه مرات، وهو تحصيل حقيقة القراءة، دون نظر إلى الأسباب المألوفة عند القارئين المعلَّمن العالمين، مستعينًا باسم من سبق إليك إحسانه، فربّاك على موائد فضله وإنعامه، ورعاك بكرمه قبل أن يتشرّف الوجود بطلعتك، وهو ربّك الأكرم الذي تجلّت مظاهر أكرميّته في ظلال أسرار رسالتك العليمة المعلّمة، وهو الذي علّم بالقلم من تأهّل بفكره ليكون في زمرة العالمين، وذلك هو الإنسان مُظهرُ الإبداع الإلهيّ الأعظم في الوجود، فقد علّمه ما لم يعلم، وعلّمك أنت، وجعلك مَظهر الإشراق الروحانيّ الأكمل -كما علّم الملأ الأعلى- لتكون أميّتك المظهر الأعظم في إعجاز رسالتك المعلّمة، وجعل علمك بغير قلم مدَدًا لمن تعلّموا بالقلم، تعلّموا ممّا علمت، وهم صفوة الإنسانيّة، بل صفوة الوجود كله، فالتعليم بالقلم أعظم مظاهر الكرم الإلهيّ السابغ، ومن ثمّ كانت المنّة بالتعليم بالقلم أعظم منن الله تعالى على الإنسانيّة في الحياة، وكان الامتنان بها عليه في أوّل ما نزل من القرآن الكريم!
١٧ - أهداف الدعوة:
ونهض الرسول ﷺ مستجيبًا لأمر ربّه، مشمّرًا عن عزيمة لا تفل، نهوض من لا يعرف السكون إلا متحفّزًا ليتحرك، ولا يتحرّك إلا وهو يفكّر في
стр. 670
مسالك ما حُمّله من أعباء رسالة، ليس كمثلها رسالة من رسالات من سبقه من الأنبياء والمرسلين!
فالناس كلهم في مشارق الأرض ومغاربها، من دنا منهم ومن بعد، هم أمّة دعوته مكلّف بتبليغ رسالته لهم، واجب عليه أن يدعوهم إلى الإيمان بها ما بلغتهم دعوتها: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]!
فهو ﷺ رسول إلى العالمين، منذ اللحظة الأولى لتنزّل رسالته!
ودعوته ﷺ تستهدف إخراج الناس -كل الناس، بل إخراج الحياة بما فيها ومن فيها- من ظلمات الشرك، وأوضار الوثنيّة، في جميع صورها وأشكالها إلى نور التوحيد، وإخلاص العبادة لله تعالى وحده، مطهّرين في عقائدهم وأفكارهم وتعبّداتهم، نقيّة عقولهم وقلوبهم من دنس مواريث الآباء والأجداد، مصفّاة أرواحهم من ران الشرور والمفاسد .. وإخراجهم من ظلمات التظالم والفساد إلى نور العدل والإصلاح!
ودعوته ﷺ تستهدف إلى جانب ذلك تخليصهم من رذائل الأخلاق، ليكونوا ربّانيّين في حياتهم وأخلاقهم، متحلّي بالفضائل الإنسانيّة الكريمة، مستقيمي السلوك، خيّرين في أعمالهم!
ودعوته ﷺ تستهدف تخليصهم من شراسة القسوة الطاغية الباغية التي يصب المتجبّرون في الأرض سياط عذابها على الضعفاء والمستضعفين، اغترارًا بما في أيديهم من لعاعات الدنيا، واستجابة لما في دخائل أنفسهم من شرور الأنانيّة والاستئثار!
стр. 671
ودعوته ﷺ تستهدف تخليصهم من مساوئ الأنانية، وسيطرة الغرائز الماديّة في رغائبها وشهواتها، لتقيمهم أئمّة، في مشاهد الإيثار والإفضال، في جوّ من الإخاء الإيماني الذي لا يعرف: هذا لي وحدي، ولكنه يعرف ما يقرؤه في دستور رسالته الخالدة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠]!
والأخوّة تعني المشاركة في جلب المنافع، ودفع المضار، والحياة -في شرعة الإخاء الإيماني- للناس جميعًا، لا يستأثر بشيء منها أحد، فمن احتاج منها أخذ بقدر حاجته وطاقته، ومن وجدها في يده جاد بها وأعطى!
تلك إشارات إلى أهداف رسالة محمَّد ﷺ ، وغاياتها ومقاصدها، جعلت العلم بجميع فنونه الماديّة والفكريّة، والمعرفة بأنواعها التجريبية والعقليّة وسيلة تحقيقها لكن المجتمع البشري الذي أُرسل فيه وإليه محمَّد ﷺ بجميع أممه وشعوبه، وجماعاته وأفراده، لم يكن يعرف هذه الأهداف، ولا يحاول أن يعرفها؛ بل كان هذا المجتمع يعيش على نقائض هذه الأهداف الإصلاحيّة، التي تطلب في قوة حازمة، وعزيمة صارمة، من حاملي أمانتها، ووارثي تبليغ رسالتها أن يعملوا بكل ما أوتوا من طاقات وقوى، على كسر حدة تلك النقائض، ليخرجوا الحياة بمن فيها وما فيها من ظلمات الأثرة، وظلم الأنانية، إلى نور الإيمان والهداية، وعدل المساواة والمواساة، بتطبيق دستور هذه الرسالة الخالدة في واقع الحياة!
١٨ - فترة الوحي:
ونجد أنفسنا أمام فترة الوحي التي كانت لطفًا من الله ورحمةً بخاتم رسله ﷺ ، ونحن نقرأ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)
стр. 672
مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١: ١١]!
وتلك السورة بموضوعها، وتعبيرها، ومشاهدهما، وظلالها وإيقاعها (١)، لمسة من حنان، ونسمة من رحمة، وطائف من ود، ويد حانية تمسح على الآلام والمواجع، وتنسم بالرّوْح والرضى والأمل، وتسكب البرد والطمأنينة واليقن!
إنها كلها خالصة للنبيّ ﷺ ، كلها نجاء له من ربّه، وتسرية وتسلية وترويح وتطمين، كلها أنسام من الرحمة، وأنداء من الودّ، وألطاف من القربى، وهدهدة للروح المتعب، والخاطر المقلق، والقلب الموجوع!
يروي الشيخان وغيرهما عن جندب بن سفيان ﵁ قال (٢): اشتكى رسول الله ﷺ ، فلم يقُم ليلتين أو ثلاثًا، فجاءت امرأة فقالت: يا محمَّد، إِنّي لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قَرِبك منذ ليلتين، أو ثلاثًا، فأنزل الله : ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾!
قال ابن حجر بعد أن ذكر بعض الروايات التي لم تثبت: والحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول ﴿وَالضُّحَى﴾ غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي،
стр. 673
فإن تلك دامت أيّامًا، وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثًا، فاختلطا على بعض الرواة (١)!
والوحي ولقاء جبريل والاتصال بالله، زاد الرسول ﷺ في مشقّة الطريق، وسقياه في هجير الجحود، وروْحه في لأواء التكذيب، وكان الرسول ﷺ يحيا بها في هذه الهاجرة المحرقة التي يعانيها في النفوس النافرة الشاردة العصيّة العنيدة، ويعانيها في المكر والكيد والأذى المصبوب على الدعوة، وعلى الإيمان، وعلى الهُدى من طغاة المشركين!
فلما فتر الوحي انقطع الزاد، وانحبس عنه الينبوع، واستوحش قلبه من الحبيب، وبقي للهاجرة وحده بلا زاد، وبلا ريّ!
وقد نزل هذا الفيض من الودّ والحبّ والرحمة، والإيناس والقربى، والأمل والرضى، والطمأنينة واليقين!
ويطالعنا القسم على إنعام الله تعالى على رسوله ﷺ (٢)، وإكرامه له، وإعطائه ما يرضيه، وذلك متضمّن لتصديقه له، فهو قسم على صحة نبوّته، وعلى جزائه في الآخرة، قسم على النبوّة والمعاد!
وقد أقسم الله تعالى بآيتين عظيمتين من آياته، دالّتين على ربوبيّته وحكمته ورحمته، وهما: الليل والنهار، فتأمّل مطابقة هذا القسم، وهو نور الضحى الذي يوافي بعد ظلام الليل للمقسم عليه، وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه، حتى قال أعداؤه: ودع محمدًا ربُّه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الضحى ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه!
стр. 674
وأيضاً فإن فالق ظلمة الليل على ضوء النهار هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوّة!
فهذان للحسّ!
وهذان للعقل!
وأيضاً فإن الذي اقتضت رحمته ألا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدًا، بل هداهم بضوء النهار إلى مصالحهم ومعايشهم، لا يليق به أن يتركهم في ظلمة الجهل والغيّ، بل يهديهم بنور الوحي والنبوّة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم!
فتأمّل حُسن ارتباط المقسم به بالمقسم عليه!
وتأمّل هذه الجزالة والرونق الذي على هذه الألفاظ، والجلالة التي على معانيها!
ونفى سبحانه أن يكون ودع نبيّه أو قلاه، فالتوديع: الترك، والقلى: البغض، فما تركه منذ اعتنى به وأكرمه، ولا أبغضه منذ أحبّه، وأطلق سبحانه أن الآخرة خير له مما قبلها، ثم وعده بما تقرّ به عينه، وتفرح به نفسه، وينشرح به صدره، وهو أن يعطيه فيرضى، وهذا يعمّ ما يعطيه من القرآن والهدى والنصر، وكثرة الأتباع، ورفع ذكره، وإعلاء كلمته، وما يعطيه بعد مماته، وما يعطيه في موقف القيامة، وما يعطيه في الجنّة (١)!
ونبصر في القسم -كما أسلفنا- بالآنيْن الرائقين (٢)، والربط بين ظواهر الكون ومشاعر النفس، ما يوحي إلى القلب البشري بالحياة الشاعرة المتجاوبة
стр. 675
مع هذا الوجود الجميل الحيّ، المتعاطف مع كل حي، فيعيش ذلك القلب في أنس هذا الوجود، غير موحش ولا غريب فيه فريد!
ونبصر أنسًا له وقعه .. وكأنما يوحي مطلع السورة أن الله قد أفاض من حول رسوله ﷺ الأنس في هذا الوجود، وأنه من ثم غير مجفوّ فيه ولا فريد!
ونبصر جميل صنع الله برسوله .. ومودَّته له، وفيضه عليه، واستعادة مواقع الرحمة والودّ والإيناس الإلهي، وهو متاع فائق تحييه الذكرى على هذا النحو البديعِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾!
انظر في واقع حالك، وماضي حياتك، هل ودعك ربك وهل قلاك -حتى قبل أن يعهد إليك بهذا الأمر؟
ألم تحط يتمك رعايته؟
ألم تدرك حيرتك هدايته؟
ألم يغمر فقرك عطاؤه؟
لقد ولدت يتيمًا فآواك إليه، وعطف عليك القلوب، حتى قلب عمك أبي طالب وهو على غير دينك!
ولقد كنت فقيرًا فأغنى الله نفسك بالقناعة، كما أغناك بكسبك ومال أهلك بيتك عن أن تحسّ الفقر، أو تتطلّع إلى ما حولك من ثراء!
ثم لقد نشأت في جاهلية مضطربة التصوّرات والعقائد، منحرفة السلوك والأوضاع، فلم تطمئن روحك إليها، ولكنك لم تكن تجد لك طريقًا واضحًا مطمئنًا، لا فيما عند الجاهليّة ولا فيما عند أتباع موسى وعيسى .. ثم هداك الله بالأمر الذي أوحى به إليك، وبالمنهج الذي يصلك به!
стр. 676
والهداية من حيرة العقيدة، وضلال الشعاب فيها هي المنّة الكبرى، التي لا تعدلها منّة، وهي الراحة والطمأنينة من القلق الذي لا يعدله قلق، ومن التعب الذي لا يعدله تعب .. وجاءت تذكره وتطمئنه على أن ربه لن يتركه بلا وحي في التّيه، وهو لم يتركه من قبل في الحيرة والتّيه!
إننا نبصر الحنان والرحمة والرضى والشجى، ينسرب من خلال آيات تلك السورة!
١٩ - موقف الإمام محمَّد عبده:
ومع هذا نرى الإمام محمَّد عبده ﵀ قد وقف موقفًا عجبًا من حديث بلاغ التردّي من رؤوس شواهق الجبال، الذي بيّنا ردّه من قبل، حيث قال:
اتفقت الروايات على أن سبب نزول هذه السورة ﴿والضُّحَى﴾ هو حصول فترة في توالي الوحي على النبي ﷺ ، فظنّ أو توهّم أو كما قيل إن الله تركه وقلاه .. إلى أن قال: وقد جاء في الصحيح أن النبي ﷺ حزن لفترة الوحي حزنًا غدا منه مراراً، كي يتردّى من رؤوس الجبال، ولكن كان يمنعه تمثّل الملك له، وإخباره بأنّه رسول الله ﷺ حقًّا!
وقال: ليس في نسق السورة ﴿وَالضُّحَى﴾ ما يشير إلى أن المشركين أو غيرهم كانوا بعرض من الخطاب، ومن أين للمشركين أن يعلموا فترة الوحي فيقولوا أو يطعنوا؟!
أما الإشارة في نسق السورة إلى أن المشركين كانوا بعرض من الخطاب (١)،
стр. 677
وإن كانت المواجهة به كانت لرسول الله ﷺ ، وأنهم علموا فترة الوحي، فقالوا وطعنوا، فهي موجودة في أسلوب السورة وعباراتها وألفاظها!
ذلك أن القرآن الكريم كلام الله الحكيم العليم، وأسلوبه وعباراته وألفاظه لا تقف عند سنن الإحسان البشريّ في براعة البيان، ولكنها تعلو فوق ذلك إلى درجة الإحسان الإعجازي؛ فلا يمكن أن يحل لفظ من خارج ألفاظ القرآن مكان لفظ من ألفاظه في نسقه البياني؛ لأنّ ألفاظ القرآن في نسق آياته هي التي وقع بها التحدّي، وتمّ بها الإعجاز، فلا بدّ أن تكون ألفاظه متّسقة أكمل اتساق مع المعاني التي قُصد أداؤها بها، حتى كأن بين اللفظ والمعنى نسبًا، وقربى دانيةً، وهذا يستبين بالموازنة بين أساليب البيان القرآني في تأدية مقاصده، فأسلوب البيان الزاجر المتوعّد مغاير تمام المغايرة في ألفاظه القارعة لأسلوب البيان الموعد المرغّب في ألفاظه الهامسة!
يلمح ذلك ويشعر به الناظر ذو الحسّ المرهف، والنظر الغوّاص المتعلّق، فيحسّه في جرس اللفظ، ونسق العبارة، واسترسال الأسلوب!
وإذا كانت السورة -كما عرفنا- فلا يتَّسق مع جلال الأسلوب القرآني في روعة بيانه أن يخاطب الله تعالى نبيّه محمداً ﷺ ، وقد فتر عنه الوحي بسبب لا دخل لإرادته فيه، والوحي هو صلته بالملأ الأعلى، وطريقه إلى مشاهدة ملكوت الله، واستجلائه آيات إبداعه في الكون، مغافصة دون تمهيد، مقسماً أعزّ قسم بأنّه لم يترك نبيه وحبيبه ترك قطيعة وإهمال، ولا أبغضه بغضًا يباعده عن مقامات قربه، ومنازل شهوده، بعد أن أحبّه حبًا لم يُنله أحدًا غيره من خلقه، لمجرّد أن الله تعالى أراد أن يلقي الطمأنينة في نفس نبيّه ﷺ -كما يقول الشيخ الإمام- وهذه الفترة للوحي التي كانت سببًا لنزول سورة ﴿وَالضُّحَى﴾ لم تكن
стр. 678
هي فترة القلق والخوف والفزع عند النبي ﷺ ، حتى تحتاج إلى لقاء الطمأنينة في نفس النبي ﷺ . ولو فرضنا أن تكون به ﷺ حاجة إلى لقاء الطمأنينة في نفسه، فليس مما يتّسق مع سنّة الله تعالى في مخاطبته نبيّه محمدًا ﷺ أن يفاجئه الوحي إثر فترة لم تكن أسبابها باختياره بهذه الشدّة التي يشعر بها التعبير بلفظ (ودّع) و (قلى) وإن كانتا في حيّز النفي، والنبي ﷺ كان في حاجة إلى التلطف به في الخطاب لمسح ما ألمّ به من قلق وخوف وفزع -كما يقول الشيخ الإمام!
والشدّة التي لاقاها النبي ﷺ في بدء الوحي، ومفاجأة الغار -كما أسلفنا- إنما كانت لاستفراغ بشريّته من العلائق الماديّة، وإعداده روحيًّا لتلقّي وحي اليقظة، ونزول القرآن الكريم، وشهود عوالم الملأ الأعلى، الذي أنست نفسه الشريفة بمطالعة أنواره، وشهود آيات إبداعه!
وقد تمّ ذلك كله له ﷺ على أتمّ وأكمل مراتب الوحي، وصار ﷺ يعيش حياته كلها متشوّقًا إلى لقاء أمين الوحي جبريل ﵇ متشوّقًا إلى ما يلقيه إليه من وحي الله وأمره ووصاياه!
وقول الشيخ الإمام: ومن أين للمشركين أن يعلموا فترة الوحي فيقولوا أو يطعنوا؟ مردود بالحديث السابق الذي لو اطلع الشيخ الإمام عليه وعلى غيره مما يجري مجراه لعلم يقينًا أن من المشركين من كان جيران سوء وعداوة للنبي ﷺ ، وكان في طليعتهم عمه أبو لهب وزوجه الخبيثة العوراء أم جميل بنت حرب، أخت أبي سفيان، حمالة الحطب، كما سمّاها القرآن، وكان هؤلاء الأعداء جيران السوء يؤذون رسول الله ﷺ ، ويتسمّعون عليه، ويرقبون مدخله ومخرجه، وصحوه ونومه، وسائر حركاته وسكناته .. وبيوت العرب يومئذ لم
стр. 679
تكن كثيفة الحجاب، تمنع المتسمّع من السمع، وتحجب الناظر من اللمح، وتحول دون المترقب أن يعرف، وكانوا يسمعون إلى قراءته في جوف الليل، إذا قام لصلاة التهجّد، فلما اشتكى رسول الله ﷺ ، فلم يقم لصلاته ليلتين أو ثلاثًا، وفقد جيران السوء صوته ﷺ بالقراءة في هذه الفترة ظنّوا به ظنّ السوء، وتقوّلوا عليه بالبهتان ما تقوّلوا من الشماتة والطعن، فأنزل الله عليه سورة ﴿وَالضُّحَى﴾ تنافح عنه، تلطفًا به، وتثبيتاً لفؤاده، ورداً لتقوّلات أعدائه وشانئيه، وتحريكًا لعوامل الشوق والتشوّف إلى مثل ما عهد وسمع وذاق من حلاوة الانّصال بالملأ الأعلى من طريق الوحي!
ومعلوم أن سورة ﴿وَالضُّحَى﴾ نزلت بسبب فترة الوحي أيّامًا قلائل، لأمر عرض لرسول ﷺ ، فتحدّث بذلك المشركون حديث الشامت العائب المعيِّر .. فتداركه الله بلطفه وتثبيته وتكذيب أعدائه وشانئيه، وتطمين المؤمنين بهديه ورسالته بهذه السورة الكريمة -كما عرفنا- التي تجبه المفترين بنفي ما زعموه، وتعدّد نعم الله الخاصة على نبيّه وحبيبه، وتبشّره بأنّه ﷺ لا يزال يزداد شرفًا في رفعة قدره، وفضلًا في علوّ شأنه، وأن مستقبل أمره أجلّ قدرًا وشرفًا من حاضره وماضيه، وأن إنعام الله عليه في نهاياته أعظم من إنعامه عليه في بداياته، وأن الحفاوة به في مدارج رسالته، ومصاعد حياته خيرٌ له من مطالع اصطفائه ﷺ !
٢٠ - بناء صرح الرسالة الخالدة:
وبين طرفي مكة من الشمال إلى اليمين على قيد خطوات من (غار حراء) - على نحو فرسخين من شمال مكة على طريق الذاهب منها إلى منى إلى (غار
стр. 680
ثور) -كما سيأتي- على نحو ميلين من يمين مكة، على طريق الذاهب منها إلى اليمين -مشى الزمان بخطا، يسرع مرّة فيوسّعها، ويتّئد أخرى فيقيّدها، وهو يشهد بكل ما فيه من وعي ويقظة بناء صرح الرسالة الخاتمة الخالدة، رسالة محمَّد ﷺ ، عقيدةً وتأصيلًا في كفاح صبور، وصبر مكافح، على مدى عشر سنين، منذ بدأت أنفاس الرسالة تستهلّ وجودها في الحياة، وتتنزّل آياتها على قلب محمَّد رسول الله ﷺ في أعظم لقاء، وأخطر مواجهة، تمّت بين مصطفى الملأ الأعلى أمين أمناء الوحي جبريل ﵇ ومصطفى الكمال البشري أمين أمناء الله في تلقّي كلمته محمَّد ﷺ ، بعد اكتمال نبوّته في مرحلتها الانفراديّة بمراتب وحيها الخاص على مدى ثلاث سنين قبل استهلال الرسالة؛ لتكون تمهيدًا لانطلاق الإنسانيّة إلى غايتها المقدورة لها في مدارج الكمال الفكري والاجتماعي، مظلّلًا بإشراق الروح، واستقامة العقل!
ولمّا اكتمل البناء العقدي لهذه الرسالة الخالدة، ورسخت دعائمه، وتضافرت دلائله وبراهينه، وتظاهرت آياته، تهاوت في سفحه الوثنيّات متهالكة، تلفظ آخر أنفاسها، وقامت منائر التوحيد تعلن عن جلال الله تعالى وكبريائه، سامقة سامية، مشرقة مضيئة -تنادي الشرك بوثنيّاته مستصرخًا جنده، جند الشيطان في بأس بليد، وتدبير جازم أثيم، وعناد جحود، توهّمًا من ذوي الرؤوس الخاوية، والبطون المكتظّة، أن يصدّوا بنفخ أفواههم تيّار الإيمان بالحق، وهو يجري في محيط الحياة مزمجراً كاسحًا أوضار الوثنيّات البليدة، شامخًا بعرنينه الأشمّ، باذخًا بفضله، فتخيلوا وخالوا، وتوهّموا وائْتَمروا وتَجمّعوا ليبَلغَوا أربًا صوره الحقد الكفور!
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ
стр. 681
كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ (التوبة)!
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ (الصف)!
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (الفتح)!
وكان ربّ محمَّد ﷺ لهم بالمرصاد، فأبلغه مكرهم وكيد تدبيرهم، وحاطه بعنايته، وتولاّه برعايته، حتى أبلغه مأمنه، وآواه إلى كنفه، وكنفه بمعيّته في نهاية المقام التأسيسي لرسالته، وأدخله آمنًا، بصحبة صدّيقه في (غار ثور)، على بعد خطوات من (غار حراء)، حيث بدأ نور الرسالة يسطع هاديًا مشرقًا، إذ بشّره بنصره، وإعلاء كلمته: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ (التوبة)!
وسبق أن عرفنا أن الدعامة الأولى في بناء صرح الرسالة الخاتمة الخالدة، رسالة محمَّد ﷺ هي (الكلمة) وهي في حقيقتها الإلهيّة، ومكانها من الرسالة، وواقعها من تاريخ الحياة، أضخم عنوان لأعظم حقيقة في وجود الحياة الإنسانيّة وتطوّرها، وهذه الحقيقة هي (العلم) بأوسع ما يمكن أن يتصوّره خيال، أو يتّسع له واقع الحياة في الوجود!
стр. 682
وهي دعامة غريبة عجيبة، لم يسبق لها وجود في بناء الرسالات الإلهيّة التي سبقت رسالة محمَّد ﷺ ، ولم يعرف تاريخ الرسالات الإلهية أن رسالة منها قام أساس بنائها على (الكلمة)، وهي في منطوقها كلمة واحدة، ولكنها بمضمونها تنطوي على حقائق الحياة والكون إلا رسالة الإِسلام الخاتمة!
هذه الكلمة ﴿اقْرَأْ﴾ كانت نبعًا نميرًا في صحراء الحياة القاحلة الجديدة حسًّا ومعنى، وقد تفجّرت من هذا النبع النمير عيون حياة جديدة، عريضة مخصبة، مادّة وفكرًا وروحانيّة، وسعت الدنيا بأقطارها وحذافيرها، عدلاً ورحمةً، وهدى ونورًا، وعلمًا ومعرفةً، وإصلاحًا وخيراً وبركةً!
وكانت شمسًا في أفق الحياة، أشرقت بأضوائها آفاق الكون فأنارت الوجود على رحبه، وأدفأت المقرورين بحرارة أشعّتها، وهدت الحيارى الشاردين من لفح المظالم في لذعات سموم الطغيان والاستبداد الظلوم، إلى ظلّ من العدل المواسي، والتعاون المبرور، والإخاء الكريم!
والكلمة المقروءة لابدّ أن تكون مكتوبة، ومن هنا كان اختيار كلمة ﴿اقْرَأْ﴾ لتكون بما فيها من ومض الروحانيّة العليا دعامة لأساس رسالة محمَّد ﷺ ، وهي رسالة عامة شاملة خاتمة مهيمنة؛ فلا بد أن يقوم صرح بنائها على دعامة لها سرّ خلودها، دعامة فينانة لا ينفد ماء نبعها، ولا ينقطع مددها، أبديّة الرفد، سرمديّة الصفد، لا ينضب معينها، ولا ينشف عودها، ولا تيبس جذورها، فهي غضّة نضرة ما بقيت الحياة، وهي دانية القطوف، ظلّها ممدود، وأثرها في الحياتين محمود!
стр. 683
معالم في طريق الدعوة
стр. 684
معالم في طريق الدعوة
١ - القرآن كلام الله
٢ - ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾
٣ - مكانة التوحيد
٤ - أثر التوحيد
٥ - السابقون الأوّلون.
٦ - ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾
٧ - وصايا قرآنية
- ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾
- بين البخل والسرف.
- كيف عالج القرآن رذيله والبخل
- الطهر من داء الحرص والشح
- فريضة الكسب
-منابع الكسب
- أهداف الكسب
- آداب الكسب
- اختيار الكسب الصالح
- نظام البذل والإنفاق
- اختيار مادة العطية
- مقدار العطاء
- وجوه البذل
- أسلوب البذل
- بواعث البرّ والإحسان
- طهارة القلوب من الغل والحسد
- طهارة القلوب المنحرفة
- طهارة القلوب من الشرِّ والأنانية
٨ - سياسة الاسْتِسْرار
٩ - قوّة الإيمان
стр. 685
معالم في طريق الدعوة
ونجد أنفسنا أمام معالم في طريق الدعوة إلى الله، ونحن نطالع ما يلي:
١ - القرآن كلام الله:
سبق أن ذكرنا قصة بحيرى الراهب، التي رواها الترمذي بسنده، كما رواها غيره!
وذكرنا -أيضًا- الاختلاف في اسم بحيرى وعقيدته!
وعرفنا أن النفس يمكن أن تطمئن إلى سفر النبي ﷺ ، مع عمه أبي طالب، وهو في التاسعة، أو العاشرة، أو الثانية عشرة من عمره، على اختلاف الروايات!
وعرفنا -أيضًا- أن النبي ﷺ كان من الزكانة والفطنة، ولقانة القلب، ولطف الخُلُق، وإشراق الروح، وضياء العقل، وثقوب الذهن، ورجاحة التفكير، بالمحل الأرفع!
ولا يمكن أن تمرّ هذه الرحلة ثم لا تترك أثرًا في نفس الرسول ﷺ ، وهو في هذه السن، تأخذ حيزًا من حياته وتفكيره .. ولكنه الأثر الذي تتّسع له حياة طفل في هذا العمر، مع ما عرفنا من رعاية الله له!
وأبصرنا أنه ﷺ كان موجّهًا إلى لون من الحياة المباركة الطيّبة، يملؤها الإحساس بعظمة الكون وعظمة مدبّره جل شأنه، والشعور بسلطان قدرته المبسوط على الوجود!
ومع ذلك انتهز المستشرقون والمغرضون هذه الفرصة -كما أسلفنا- فصنعوا
стр. 686
من الحبّة قبّة، وأسّسوا عليها بناءً متهاويًا، حيث زعموا أن الرسول ﷺ قد تلقّى رسالة التوحيد النقيّة، من عالم نصراني، اختلف في اسمه وفي عقيدته!
وأغرب من هذا أن أحدهم ألف كتابًا أسماه (مؤلف القرآن) زعم أن بحيرى قد لقّن الرسول القرآن كله في هذا الوقت القصير!
وفاته أن الرسول ﷺ لم يكن قد بعث!
وسبق أن ذكرنا طرفًا من الردّ على هذا التهافت!
وقد ذكر أقوال هؤلاء من كتبهم بشيء من التفصيل أستاذنا المرحوم الدكتور محمَّد عبد الله دراز، وردّ ودحض تلك المفتريات فأجاد وأفاد (١)!
ونجد أنفسنا أمام بيان (مفهوم القرآن)، ونحن نقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ (القيامة)!
ثم صار علمًا شخصيًا لذلك الكتاب الكريم (٢)، يطلق بالاشتراك اللفظي على مجموعه، ويطلق على بعضه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: ٩)!
﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ (الأعراف)!
وروعي في تسميته قرآنًا كونه متلوًا بالألسن، كما روعي في تسميته كتابًا كونه مدوّنًا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية شيء بالمعنى الواقع عليه!
стр. 687
وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعيْن لا في موضع واحد، أعني أنه يجب أن يُحفظ في الصدور والسطور جميعًا، أن تضلَّ إحداهُما فتذكّر إحداهما الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المُجْمَع عليه من الأصحاب المنقول إلينا جيلًا بعد جيل، على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقةَ لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر!
وبهذه العناية المزدوجة -التي بعثها الله في نفوس الأمة الإِسلاميّة اقتداءً بنبيها ﷺ بقي القرآن محفوظًا في حرز حريز، إنجازًا لوعد الله الذي تكفل بحفظه حيث يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (الحجر: ٩)!
ولم يُصبْهُ ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السّنَد، حيث لم يتكَفّل الله بحفظها، بل وكَلَها إلى حفظ الناس، فقال تعالى: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ (المائدة: ٤٤)!
أي بما طُلب إليهم حفظه!
والسر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماويّة جيء بها على التوقيت لا التأبيد، وأن هذا القرآن جيء به مصدّقًا لما بين يديه من الكتب ومُهَيمناً عليها، فكان جامعاً لما فيها من الحقائق الثابتة، زائدًا عليها بما شاء الله زيادته، وكان سادًا مسدَّها، ولم يكن شيء منها ليسدَّ مسَدَّه، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، وإذا قضى الله أمرًا يسّر له أسبابه، وهو العلم الحكيم!
وإذا رجعنا إلى أصل الأسماء وجدنا أن مادتي (ك ت ب)، و (ق ر أ) تدوران على معنى الجمع والضم مطلقًا!
стр. 688
وهذا لا يعني فقط أن هذا المسَمّى جامعٌ للسور والآيات، أو أنه مجموع تلك السور والآيات، من حيثُ هو نصوص مؤلفة على صفحات القلوب، أو من حيث هي نقوش مصفوفةٌ في الصحف والألواح، أو من حيث هي أصواتٌ مرتَلةٌ منطوقةٌ على الألسنة، بل يعني شيئًا أدق من ذلك كله، وهو أن هذا الكلامَ قد جمع فنون المعاني والحقائق، وأنه قد حُشدت فيه كتائبُ الحكم والأحكام!
ومن أسمائه كذلك: (الفرقان)، و (الذّكْر)، و (التنزيل)!
وقد تجاوز صاحب البرهان حدود التسمية فبلغ بعدّ تها خمسةً وخمسين، وأسرف غيره في ذلك حتى بلغ بها نيفًا وتسعين (١)!
واعتمد هذا وذاك على إطلاقات واردة في كثير من الآيات والسور، وفاتهما أن يفرقا بين ما جاء من تلك الألفاظ على أنه اسم، وما ورد على أنه وصف، ويتضح ذلك على سبيل التمثيل، في عدِّهما من الأسماء لفظ (كريم) ولفظ (مبارَك) أخذًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ (الواقعة)!
﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ (الأنبياء)!
ولا شك أنهما وصفان .. ولقد أفرده بعضهم بالتأليف!
وعرَّفه علماء الشريعة فقالوا:
(القرآن هو كلام الله تعالى، المنزل على محمَّد ﷺ ، المتعبَّد بتلاوته)!
وبعضهم يزيد على هذا التعريف قيودًا أخرى، مثل المتواتر، أو المعجز، أو المتحدَّى بأقصر سورة منه، أو المكتوب بين دفتي المصحف، أو المبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس!
стр. 689
والواقع أن هذه القيود يقصد بها زيادة إيضاح بذْكر بعض خصائص القرآن الكريم التي يتميّز بها عما عداه (١)!
والتعريف الذي ذكرناه جامعٌ مانعٌ، لا يحتاج إلى زيادة قيد آخر!
ومعلومٌ أن للقرآن صفات، لا يشاركه فيها غيره من كلام الله تعالى أو كلام البشر!
أما بالنسبة لكلام الله فهناك الكلام الإلهيّ الذي استأثر الله به، أو ألقاه إلى ملائكته ليعملوا به، لا ليُنْزلوه على أحد من البشر؛ إذ ليس كل كلامه تعالى مُنْزلاً، بل الذي أنزل منه قليل من كثير (٢): ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ (الكهف)!
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (لقمان: ٢٧)!
وهناك ما أُنزل على الأنبياء السابقين، كالصُّحف المنزلة على إبراهيم ﵇!
والتوراة المنزلة على موسى ﵇!
والإنجيل المنزل على عيسى ﵇!
والزّبور المنزل على داود ﵇!
стр. 690
وأما بالنسبة لكلام البشر فهذا واضح، وذلك كوصف كونه عربياً الذي يشاركه فيه الحديث الشريف، وكوصف كونه متواتراً الذي يشاركه فيه بعض الأحاديث!
ومن ثم ذكر العلماء مزايا للقرآن الكريم، منها:
١ - القرآن معجزة باقية على مر الدهور، محفوظة من التغيير والتبديل، متواترة اللفظ في جميع الكلمات والحروف والأسلوب!
٢ - حرمة روايته بالمعنى!
٣ - حرمة مسّه للمحدث وتلاوته لنحو الجنب!
٤ - تَعيُّنه في الصلاة!
٥ - تسميته قرآناً!
٦ - التعبّد بتلاوته، لكل حرف منه عشر حسنات!
٧ - امتناع بيعه في رواية عن أحمد وكراهيته عند الشافعية!
٨ - تسمية الجملة منه (آية)، ومقدار من الآيات مخصوص (سورة)!
٩ - القرآن الكريم ما كان لفظه ومعناه من عند الله- بوحي جليّ (١)!
ذلكم هو القرآن الكريم:
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ (الشعراء)!
стр. 691
ولم يكن للرسول ﷺ فيه من عمل بعد ذلك إلا الوعي والحفظ والقراءة والتبليغ، والبيان والتفسير، والتطبيق والتنفيذ (١)!
أما ابتكار معانيه، وصياغة مبانيه، فما هو منها بسبيل، وليس له من أمرهما شيء: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (النجم)!
﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾ (الأعراف)!
ويقول: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (يونس: ١٥)!
وأمثال هذه الآيات كثيرٌ في شأن إيحاء المعاني -التي ترتبط بالألفاظ- ثم يقول في شأن الإيحاء اللَّفظي: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (يوسف: ٢)!
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ (الأعلى)!
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ (القيامة)!
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ (العلق)!
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ (٢٧)﴾ (الكهف)!
﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ (المزمل)!
فانظر كيف عبّر بالقراءة والإقراء، والتلاوة والترتيل، وتحريك اللسان، وكون القرآن عربيًّا، وكلُّ أولئك من عوارض الألفاظ لا المعاني البحتة!
стр. 692
القرآن إذن صريحٌ في أنه لا صَنْعَةَ فيه لمحمد ﷺ ، ولا لأحد من الخلق، وإنما هو منزل من عند الله بلفظه ومعناه!
والمحجب أن يبقى بعض الناس في حاجة إلى الاستدلال على ذلك!
وهذه القضيّة لو وجدت قاضياً يقضي بالعدل لاكتفى بسماع هذه الشهادة التي جاءت بلسان صاحبها على نفسه، ولم يطلب وراءها شهادةَ شاهدٍ آخر من العقل أو النقل، ذلك أنها ليست من جنس (الدعاوى) فتحتاج إلى بيِّنة، وإنما هي من نوع (الإقرار) الذي يؤخذ به صاحبه، ولا يتوقف صديق ولا عدوّ في قبوله منه!
أيُّ مصلحة لمن يتحدّى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييده في أن ينسب بضاعته لغيره، وينسلخ منها انسلاخاً؟!
الذي نعرفه أن كثيرًا من الناس يسطون على آثار غيرهم فيسرقونها أو يسرقون منها ما خفّ حمله وعلت قيمته وأمنت تهمته، حتى إن منهم من ينبش قبور الموتى ويلبس من أكفانهم ويخرج على قومه في زينة من تلك الأثواب المستعارة!
أما أن أحداً ينسب لغيره أنفَسَ آثار عقله وأعلى ما تجود به قريحته، فهذا ما لم يَلده الدهر بعد!
وإن من تتبع سيرة الرسول ﷺ ، في حركاته وسكناته، وعباراته وإشاراته، في رضاه وغضبه، في خَلوته وجَلْوته، لا يشك في أنه كان أبعدَ الناس عن المُداجاة والمواربة .. وأن سرَّه وعلانيته كانا سواء في دقة الصدق، وصرامة الحق، في جليل الشؤون وحقيرها .. وأن ذلك كان أخص
стр. 693
شمائله وأظهرَ صفاته، قبل النبوة وبعدها، كما شهد بذلك أحباؤه وأعداؤه (١) إلى يومنا هذا؟!
﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ (يونس)!
ولقد كانت تنزل بالرسول ﷺ نوازلُ من شأنها أن تحفزه إلى القول، وكانت حاجتُه القصوى تلحّ عليه أن يتكلّم، بحيث لو كان الأمر إليه لوجد له مجالاً ومقالاً، ولكنه كانت تمضي الليالي والأيام تتبعهما الليالي والأيام، ولا يجد في شأنها قرآنًا يقرؤه على الناس!
ألم يُرْجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجه عائشة ﵂ وأبطأ الوحي، وطال الأمر -وما كان أقساه- والناس يخوضون، حتى بلغت
وإن الإنسان ليقف متململًا أمام هذه الصورة (١) الفظيعة لتلك الفترة الأليمة في حياة الرسول ﷺ ، وأمام تلك الآلام العميقة اللاذعة لعائشة ﵂ وهي فتاة في تلك السنّ المليئة بالحساسية المرهفة، والرفرفة الشفيفة!
فها هي عائشة الطيّبة الطاهرة .. ها هي ذي في براءتها ووضاءة ضميرها، ونظافة تصوّراتها .. ها هي ذي ترمى في أعزّ ما تعتزّ به .. ترمى في شرفها، وهي ابنة الصدّيق الناشئة في البيت الطاهر الرفيع، وترمى في أمانتها .. وترمى في وفائها، وهي الحبيبة المدللة من ذلك القلب الكبير .. الناشئة في حجر الإِسلام، من أول يوم تفتّحت عيناها فيه على الحياة .. وهي زوج رسول الله ﷺ !
ويا لله! وهي تفاجأ بالنبأ .. ويا لله! لها ورسول الله ﷺ .. وأبو بكر ﵁ .. وعندما تصل الآلام إلى ذروتها يتنزّل القرآن الكريم ببراءة بيت النبوّة الطيّب الرفيع، ويكشف الذين حاكوا هذا الإفك، ويرسم الطريق المستقيم للجماعة المسلمة في مواجهة مثل هذا الشأن العظيم!
وتطالعنا الآيات القرآنيّة:
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾!
فهم عصبة متجمّعة ذات هدف واحد .. وذلك ليكشف عن ضخامة الحادث، وعمق جذوره، وما وراءه من عصبة تكيد للإسلام والمسلمين هذا الكيد الدقيق العميق اللئيم!
وبعد ذلك نبصر تطمين المسلمين من عاقبة هذا الكيد:
стр. 696
﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾!
فهو يكشف عن الكائدين للإسلام في شخص رسول الله ﷺ وأهل بيته .. ويكشف للجماعة المسلمة عن ضرورة تحريم القذف .. ويبّين مدى الأخطار التي تحيق بالجماعة المسلمة لو أطلقت فيها الألسنة تقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، فهي عندئذ لا تقف عند حدّ .. إنما تمضي صعدًا إلى أشرف المقامات، وتتطاول إلى أعلى الهامات، وتعدم الجماعة كل وقاية وكل تحرّج وكل حياء!
أما الآلام التي عاناها رسول الله ﷺ ، وأهل بيته، والجماعة المسلمة كلها، فهي ثمن التجربة، وضريبة الابتلاء، الواجبة الأداء!
وإن الإنسان ليدهش -حتى اليوم- كيف أمكن أن تروج فرية ساقطة كهذه في جوّ الجماعة المسلمة حينذاك، وأن تحدث هذه الآثار الضخمة في جسم الجماعة، وتسبّب هذه الآلام القاسية لأطهر النفوس وأكبرها على الإطلاق!
لقد كانت معركة ضخمة خاضها رسول الله ﷺ ، وخاضتها الجماعة المسلمة يوم ذاك .. معركة ضخمة خاضها رسول الله ﷺ ، وخرج منها منتصرًا كاظمًا لآلامه الكبار، محتفظاً بوقار نفسه، وعظمة قلبه، وجميل صبره، فلم تؤثر عنه كلمة واحدة تدل على نفاذ صبره، وضعف احتماله!
ولو استشار كل مسلم قلبه يومها لأفتاه .. ولو عاد إلى منطق الفطرة لهداه .. والقرآن الكريم يوجه المسلمين إلى هذا المنهج في مواجهة الأمور بوصفه أول خطوة في الحكم عليها: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾!
стр. 697
نعم، كان هذا هو الأولى .. أن يظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا .. وأن يستبعدوا سقوط أنفسهم في مثل هذه الحمأة!
وتمضي الآيات ترسم صورة لتلك الفترة التي أفلت فيها الزمام، واختلّت القاييس، واضطربت القيم!
ومرة من بعد مرة نبصر فضل الله ورحمته في ختام تلك الآيات:
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾!
إن الحدث لعظيم، وإن الخطر لجسيم .. وإن الشرّ الكامن فيه لخليق أن يصيب الجماعة المسلمة كلها بالسوء، ولكن فضل الله ورحمته، ورأفته ورعايته .. ذلك ما وقاهم السوء .. ومن ثم يذكرهم به المرّة بعد المرّة، وهو يربّيهم بهذه التجربة الضخمة!
ومع كل هذا ماذا كان يمنع النبي ﷺ لو كان أمر القرآن إليه كما يزعم الجاهلون -أن يتقوّل ما يحمي عرضه ويذبّ بها عن عرينه، وينسبه إلى الوحي، لتنقطع ألسنة المتخرصين (١)؟!
ولكنه ﷺ ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله!
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١)﴾ (الحاقة)!
стр. 698
ومفاد هذه الآيات من الناحية التقريرية أن محمدًا ﷺ صادقٌ فيما أبلغ، وأنه لو تقوّل بعض الأقاويل التي لم يُوحَ بها إليه، لأخذه الله على هذا النحو الذي وصفته الآيات، ولمّا كان هذا لم يقع -كما يشهد الواقع- فهو لا بدَّ صادق!
وتلك قضيّة وراءها إيحاءاتٌ وإيماءات وإيقاعات شتى!
حين نتصور الأخذ باليمين، وقطع الوتين!
وحن نتصور جدّيَّة الأمر التي لا مجال فيها لمجاملة أحد كائنًا من كان، ولو كان هو الكريم عند الله الأثير الحبيب!
وحين نتصور التذكرة للمتقين، والحسرةَ على الكافرين!
حقًّا، إنه ليس مجرد اليقين، ولكنه الحقُّ في هذا اليقين!
إنه كلامُ الله ﵎ بلفظه ومعناه!
قل: صدق الله، وصدق رسول الله!
٢ - ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾:
ويطالعنا قول الحق ﵎:
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ (المائدة)!
стр. 699
لقد كان أهل الكتاب (١) يستكثرون أن يدعوهم إلى (الدّين القيّم) نبيّ ليس منهم .. نبيّ من الأميّين الذين كانوا يتعالون عليهم من قبل ويتعالمون؛ لأنهم هم أهل الكتاب وهؤلاء أميّون!
فلما أراد الله الكرامة لهؤلاء الأميّين بعث منهم محمدًا ﷺ خاتم النبيّين، وجعل فيهم الرسالة الأخيرة، الشاملة للبشر أجمعين!
وإذا هؤلاء أعلم أهل الأرض، وأرقاهم تصوّرًا واعتقاداً، وأقومهم منهجًا وطريقًا، وأفضلهم شريعةّ ونظاماً، وأصلحهم مجتمعاً وأخلاقاً!
وهذا كله من فضل الله تعالى عليهم، ومن إنعامه بهذا الدّين وارتضائه لهم!
وما كان للأميّين أن يكونوا أوصياء على هذه البشريّة لولا هذه النعمة، وما كان لهم -وليس لهم بعد- من زاد يقدّمونه للبشريّة إلا ما يزوّدهم به هذا (الدّين القيّم)!
وفي هذا النداء الإلهي ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾! يسجل عليهم أنهم مدعوّون إلى الإِسلام .. مدعوّون للإيمان بهذا الرسول ﷺ ونصره وتأييده، وقد أخذ ميثاقه، وسجل شهادته بأن هذا النبي الأميّ هو رسوله إليهم، وإلي الناس كافة -كما أسلفنا- فلا مجال لإنكار رسالته من عند الله .. ولا مجال للادعاء بأن رسالته مقتصرة على العرب، وليست موجهة إلى أهل الكتاب: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾!
стр. 700
فهو رسول الله إليكم، ودوره معكم أن يبيّن لكم ويوضح ويكشف، ما تواطأتم على إخفائه من حقائق كتاب الله الذي معكم .. سواء في ذلك اليهود والنصارى .. وسبق أن ذكرنا طرفا من ذلك!
وقد أخفى النصارى الأساس الأوّل للدين (التوحيد)!
وأخفى اليهود كثيرًا من أحكام الشريعة، كرجم الزاني، وتحريم الربا كافة!
كما أخفوا جميعًا خبر بعثة محمَّد خاتم النبيّين ﷺ !
ويبيّن -أيضًا- طبيعة ما جاء به هذا الرسول، ووظيفته في الحياة البشريّة، وما قدّر الله من أثره في حياة الناس!
﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾!
وليس أدق ولا أصدق ولا أدل على طبيعة هذا الكتاب (الْقرآن) وطبيعة هذا المنهج (الإِسلاَمِ) من أنه (نُورٌ)!
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾ (النساء)!
وهنا نبصر نورًا تتجلّى تحت أشعته الكاشفة حقائق الأشياء واضحة (١)، ويبدو مفرق الطريق بين الحق والباطل محدّدًا مرسومًا .. في داخل النفس وفي واقع الحياة سواء .. حيث تجد النفس من هذا النور ما ينير جوانبها .. فترى كل
стр. 701
شيء فيها ومن حولها واضحًا .. وحيث يعجب الإنسان من نفسه كيف كان لا يرى هذا الحق وهو بهذا الوضوح وبهذه البساطة؟!
وحين يعيش الإنسان بروحه في الجوّ القرآني فترة، ويتلقّى منه تصوّراته وقيمه وموازينه، يحسّ يسرًا وبساطةً ووضوحًا في رؤية الأمور، ويشعر أن مقرّرات كثيرة كانت قلقةً في حسّه قد راحت تأخذ أماكنها في هدوء، وتلتزم حقائقها في يسر، وتنفي ما علق بها من الزيادات المتطفّلة لتبدو في براءتها الفطريّة، ونصاعتها كما هي في ميزان الحق!
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾!
والاعتصام بالله ثمرة ملازمة للإيمان به .. متى عرفت النفس حقيقة الإيمان .. فلا يبقى أمامها إلا أن تعتصم بالله وحده .. وهؤلاء يدخلهم الله في رحمة منه وفضل .. رحمة في هذه الحياة الدنيا -قبل الحياة الأخرى- وفضل في هذه العاجلة قبل الفضل في الآجلة .. فالإيمان هو الواحة النديّة التي تجد فيها الروح الظلال من هاجرة الضلال في تيه الحيرة والقلق والشرود .. كما أنه هو القاعدة التي تقوم عليها حياة المجتمع، في كرامة وحريّة ونظافة واستقامة .. حيث يعرف كل إنسان مكانه على حقيقته .. ويشعر بأنّه عبد لله وحده وسيّد مع كل من عداه .. وليس هذا في أي نظام آخر غير نظام (الدّين القيّم)!
﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾!
وكلمة ﴿إِلَيْهِ﴾ تخلع على التعبير حركة مصوّرة؛ إذ ترسم المؤمنين ويد الحق تنقل خطاهم في الطريق إلى الله على استقامة، وتقرّبهم إليه خطوةً
стр. 702
خطوةً .. وهي عبارة يجد مدلولها في نفسه من يؤمن بالله على بصيرة، فيعتصم به على ثقة .. حيث يحسّ في كل لحظة أنه يهتدي، وتتضح أمامه الطريق، ويقترب فعلًا من الله كأنما هو يخطو إليه في طريق مستقيم!
إنه مدلول يذاق .. ولا يعرف حتى يذاق!
ويبصر المؤمن حقيقة النور في قلبه وفي كيانه وفي حياته وفي رؤيته للأشياء والأحداث والأشخاص .. ويجدها بمجرد أن يجد حقيقة الإيمان في قلبه!
ويبصر نوراً تشرق به كينونته فتشف وتخف وترف، ويشرق كل شيء أمامه، فيتضح ويتكشف ويستقيم!
ثقلة الظن في كيانه، وظلمة التراب، وكثافة اللحم والدم، وعرامة الشهوة والنزوة .. كل أولئك يشرق ويضيء ويتجلّى .. تخف الثقلة، وتشرق الظلمة، وترق الكثافة، وترف العرامة!
واللبس والغبش في الرؤية، والتأرجح والتردّد في الخطوة، والحيرة والشرود في الاتجاه والطريق البهيم الذي لا معالم فيه!
كل أولئك يشرق ويضيء!
يتجلّى الهدف، ويستقيم الطريق إليه، وتستقيم النفس على الطريق!
﴿نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾!
وصفان لما جاء به محمَّد ﷺ !
﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾!
سلام الفرد!، وسلام الجماعة!، وسلام العالم!، وسلام الضمير!
،
стр. 703
وسلام العقل!، وسلام الجوارح!، سلام البيت والأسرة!، وسلام المجتمع والأمّة!، وسلام البشر والإنسانيّة!، السلام مع الحياة!، والسلام مع الكون!، السلام مع الله ربّ الكون والحياة!
السلام الذي لم تجده البشريّة إلا في هذا (الدّين القيّم)، وإلا في منهجه ونظامه وشريعته، ومجتمعه الذي يقوم على عقيدته وشريعته!
حقًّا، إن الله يهدي بهذا الديّن الذي رضيه من يتبع رضوانه ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ كلها في هذه الجوانب جميعها!
ولا يدرك عمق هذه الحقيقة كما يدركها من ذاق (سبل الحرب) في الجاهليات القديمة أو الحديثة .. من ذاق حرب القلق الناشئ من عقائد الجاهليّة في أعماق الضمير .. وحرب القلق الناشئ من شرائع الجاهليّة وأنظمتها وتخبّطها في أوضاع الحياة!
وقد كان المخاطبون بهذه الكلمات أول مرّة يعرفون من تجربتهم في الجاهليّة معنى هذا السلام .. إذ كانوا يذوقونه مذاقًا شخصيًّا، ويلتذّون هذا المذاق المريح!
وما أحوجنا نحن الآن أن ندرك هذه الحقيقة، والجاهليّة من حولنا ومن بيننا تذيق البشريّة الويلات .. من كل ألوان الحرب في الضمائر والمجتمعات قرونًا بعد قرون!
ما أحوجنا نحن الذين عشنا في هذا السلام فترة من تاريخنا .. ثم خرجنا من السلام إلى الحرب التي تحطم أرواحنا وقلوبنا، وتحطّم أخلاقنا وسلوكنا، وتحطّم مجتمعاتنا وشعوبنا .. بينما نملك الدخول في السلم الذي نبصر معالمه حين نتبع رضوان الله، ونرضي لأنفسنا ما رضيه الله لنا!
стр. 704
إننا نعاني من ويلات الجاهلية، والإِسلام منا قريب .. ونعاني من حرب الجاهلية وسلام الإِسلام في متناول أيدينا لو نشاء .. فأيّة صفقة خاسرة هذه التي نستبدل فيها الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ ونشتري فيها الضلالة بالهدى؟ ونؤثر فيها الحرب على السلام؟!
إننا نملك إنقاذ البشريّة من ويلات الجاهليّة وحربها المشبوبة في شتّى الصور والألوان .. ولكننا لا نملك ذلك قبل أن ننقذ نحن أنفسنا .. وقبل أن نفيء إلى ظل السلام، حين نفيء إلى رضوان الله ونتبع ما ارتضاه، فنكون من هؤلاء الذين يقول الله عنهم: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾!
والجاهلية كلها ظلمات .. ظلمة الشبهات والخرافات والأساطير والتصورات .. وظلمة الشهوات والنزعات والاندفاعات في التيه .. وظلمة الحيرة والقلق والانقطاع عن الهدى والوحشة من الجناب الآمن المأنوس .. وظلمة اضطراب القيم وتخلخل الأحكام والقيم والموازين .. والنور هو النور!
﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٧٥)﴾!
مستقيم مع فطرة النفس ونواميسها التي تحكمها .. مستقيم مع فطرة الكون ونواميسه التي تصرفه .. مستقيم إلى الله، لا يلتوي ولا تلتبس فيه لحقائق والاتجاهات والغايات!
٣ - مكانة التوحيد:
ومعلوم أن التوحيد قاعدة العقيدة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (الأنبياء)!
стр. 705
ومعلوم أن الأحديّة عقيدة للضمير، وتفسير للوجود، ومنهج للحياة، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (سورة الإخلاص)!
وليس هناك حقيقة إلا تلك الأحديّة (١)، وليس هناك وجود إلا هذا الوجود .. وكل موجود يستمدّ وجوده من ذلك الوجود الحقيقي، ويستمدّ حقيقته من تلك الحقيقة الذاتيّة!
وهي أحدية الفاعليّة .. وإذا استقرّ أمر تلك العقيدة، ووضح هذا التصوّر، خلص الجنان في الإنسان من كل غاشية ومن كل شائبة، ومن كل تعلّق آخر .. وخلص لله -جلَّ شأنه!
ولا حقيقة لوجود إلا ذلك الوجود .. ولا حقيقة لفاعليّة إلا تلك الإرادة .. وعلام يتعلّق الجَنان بما لا حقيقة لوجوده ولا لفاعليّته!
وحين يخلص جنان الإنسان من الشعور بغير هذه الحقيقة الواحدة، ومن التعلّق بغيرها .. يتحرّر من جميع القيود، وينطلق من كل الأوهاق .. يتحرّر من الرغبة، وهي أصل قيود كثيرة .. ويتحرر من الرهبة كذلك .. وفيم يرغب وهو لا يفقد شيئًا متى آمن بالله؟ ومن ذا يرهب ولا وجود لفاعليّة إلا لله؟
ومتى استقرّ هذا التصوّر الذي لا يرى في الوجود إلا حقيقة الله، فستصحبه رؤية هذه الحقيقة في كل وجود آخر انبثق عنها .. وهذه درجة يرى فيها الجنان قدرة الله في كل شيء يراه .. ووراءها الدرجة التي لا يرى فيها شيئًا في الكون إلا هذه القدرة؛ لأنه لا حقيقة هناك يراها إلا هذه القدرة!