← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

شيء فيها ومن حولها واضحًا .. وحيث يعجب الإنسان من نفسه كيف كان لا يرى هذا الحق وهو بهذا الوضوح وبهذه البساطة؟! وحين يعيش الإنسان بروحه في الجوّ القرآني فترة، ويتلقّى منه تصوّراته وقيمه وموازينه، يحسّ يسرًا وبساطةً ووضوحًا في رؤية الأمور، ويشعر أن مقرّرات كثيرة كانت قلقةً في حسّه قد راحت تأخذ أماكنها في هدوء، وتلتزم حقائقها في يسر، وتنفي ما علق بها من الزيادات المتطفّلة لتبدو في براءتها الفطريّة، ونصاعتها كما هي في ميزان الحق! ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾! والاعتصام بالله ثمرة ملازمة للإيمان به .. متى عرفت النفس حقيقة الإيمان .. فلا يبقى أمامها إلا أن تعتصم بالله وحده .. وهؤلاء يدخلهم الله في رحمة منه وفضل .. رحمة في هذه الحياة الدنيا -قبل الحياة الأخرى- وفضل في هذه العاجلة قبل الفضل في الآجلة .. فالإيمان هو الواحة النديّة التي تجد فيها الروح الظلال من هاجرة الضلال في تيه الحيرة والقلق والشرود .. كما أنه هو القاعدة التي تقوم عليها حياة المجتمع، في كرامة وحريّة ونظافة واستقامة .. حيث يعرف كل إنسان مكانه على حقيقته .. ويشعر بأنّه عبد لله وحده وسيّد مع كل من عداه .. وليس هذا في أي نظام آخر غير نظام (الدّين القيّم)! ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾! وكلمة ﴿إِلَيْهِ﴾ تخلع على التعبير حركة مصوّرة؛ إذ ترسم المؤمنين ويد الحق تنقل خطاهم في الطريق إلى الله على استقامة، وتقرّبهم إليه خطوةً

стр. 702

خطوةً .. وهي عبارة يجد مدلولها في نفسه من يؤمن بالله على بصيرة، فيعتصم به على ثقة .. حيث يحسّ في كل لحظة أنه يهتدي، وتتضح أمامه الطريق، ويقترب فعلًا من الله كأنما هو يخطو إليه في طريق مستقيم! إنه مدلول يذاق .. ولا يعرف حتى يذاق! ويبصر المؤمن حقيقة النور في قلبه وفي كيانه وفي حياته وفي رؤيته للأشياء والأحداث والأشخاص .. ويجدها بمجرد أن يجد حقيقة الإيمان في قلبه! ويبصر نوراً تشرق به كينونته فتشف وتخف وترف، ويشرق كل شيء أمامه، فيتضح ويتكشف ويستقيم! ثقلة الظن في كيانه، وظلمة التراب، وكثافة اللحم والدم، وعرامة الشهوة والنزوة .. كل أولئك يشرق ويضيء ويتجلّى .. تخف الثقلة، وتشرق الظلمة، وترق الكثافة، وترف العرامة! واللبس والغبش في الرؤية، والتأرجح والتردّد في الخطوة، والحيرة والشرود في الاتجاه والطريق البهيم الذي لا معالم فيه! كل أولئك يشرق ويضيء! يتجلّى الهدف، ويستقيم الطريق إليه، وتستقيم النفس على الطريق! ﴿نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾! وصفان لما جاء به محمَّد ﷺ ! ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾! سلام الفرد!، وسلام الجماعة!، وسلام العالم!، وسلام الضمير! ،

стр. 703

وسلام العقل!، وسلام الجوارح!، سلام البيت والأسرة!، وسلام المجتمع والأمّة!، وسلام البشر والإنسانيّة!، السلام مع الحياة!، والسلام مع الكون!، السلام مع الله ربّ الكون والحياة! السلام الذي لم تجده البشريّة إلا في هذا (الدّين القيّم)، وإلا في منهجه ونظامه وشريعته، ومجتمعه الذي يقوم على عقيدته وشريعته! حقًّا، إن الله يهدي بهذا الديّن الذي رضيه من يتبع رضوانه ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ كلها في هذه الجوانب جميعها! ولا يدرك عمق هذه الحقيقة كما يدركها من ذاق (سبل الحرب) في الجاهليات القديمة أو الحديثة .. من ذاق حرب القلق الناشئ من عقائد الجاهليّة في أعماق الضمير .. وحرب القلق الناشئ من شرائع الجاهليّة وأنظمتها وتخبّطها في أوضاع الحياة! وقد كان المخاطبون بهذه الكلمات أول مرّة يعرفون من تجربتهم في الجاهليّة معنى هذا السلام .. إذ كانوا يذوقونه مذاقًا شخصيًّا، ويلتذّون هذا المذاق المريح! وما أحوجنا نحن الآن أن ندرك هذه الحقيقة، والجاهليّة من حولنا ومن بيننا تذيق البشريّة الويلات .. من كل ألوان الحرب في الضمائر والمجتمعات قرونًا بعد قرون! ما أحوجنا نحن الذين عشنا في هذا السلام فترة من تاريخنا .. ثم خرجنا من السلام إلى الحرب التي تحطم أرواحنا وقلوبنا، وتحطّم أخلاقنا وسلوكنا، وتحطّم مجتمعاتنا وشعوبنا .. بينما نملك الدخول في السلم الذي نبصر معالمه حين نتبع رضوان الله، ونرضي لأنفسنا ما رضيه الله لنا!

стр. 704

إننا نعاني من ويلات الجاهلية، والإِسلام منا قريب .. ونعاني من حرب الجاهلية وسلام الإِسلام في متناول أيدينا لو نشاء .. فأيّة صفقة خاسرة هذه التي نستبدل فيها الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ ونشتري فيها الضلالة بالهدى؟ ونؤثر فيها الحرب على السلام؟! إننا نملك إنقاذ البشريّة من ويلات الجاهليّة وحربها المشبوبة في شتّى الصور والألوان .. ولكننا لا نملك ذلك قبل أن ننقذ نحن أنفسنا .. وقبل أن نفيء إلى ظل السلام، حين نفيء إلى رضوان الله ونتبع ما ارتضاه، فنكون من هؤلاء الذين يقول الله عنهم: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾! والجاهلية كلها ظلمات .. ظلمة الشبهات والخرافات والأساطير والتصورات .. وظلمة الشهوات والنزعات والاندفاعات في التيه .. وظلمة الحيرة والقلق والانقطاع عن الهدى والوحشة من الجناب الآمن المأنوس .. وظلمة اضطراب القيم وتخلخل الأحكام والقيم والموازين .. والنور هو النور! ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٧٥)﴾! مستقيم مع فطرة النفس ونواميسها التي تحكمها .. مستقيم مع فطرة الكون ونواميسه التي تصرفه .. مستقيم إلى الله، لا يلتوي ولا تلتبس فيه لحقائق والاتجاهات والغايات! ٣ - مكانة التوحيد: ومعلوم أن التوحيد قاعدة العقيدة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (الأنبياء)!

стр. 705

ومعلوم أن الأحديّة عقيدة للضمير، وتفسير للوجود، ومنهج للحياة، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (سورة الإخلاص)! وليس هناك حقيقة إلا تلك الأحديّة (١)، وليس هناك وجود إلا هذا الوجود .. وكل موجود يستمدّ وجوده من ذلك الوجود الحقيقي، ويستمدّ حقيقته من تلك الحقيقة الذاتيّة! وهي أحدية الفاعليّة .. وإذا استقرّ أمر تلك العقيدة، ووضح هذا التصوّر، خلص الجنان في الإنسان من كل غاشية ومن كل شائبة، ومن كل تعلّق آخر .. وخلص لله -جلَّ شأنه! ولا حقيقة لوجود إلا ذلك الوجود .. ولا حقيقة لفاعليّة إلا تلك الإرادة .. وعلام يتعلّق الجَنان بما لا حقيقة لوجوده ولا لفاعليّته! وحين يخلص جنان الإنسان من الشعور بغير هذه الحقيقة الواحدة، ومن التعلّق بغيرها .. يتحرّر من جميع القيود، وينطلق من كل الأوهاق .. يتحرّر من الرغبة، وهي أصل قيود كثيرة .. ويتحرر من الرهبة كذلك .. وفيم يرغب وهو لا يفقد شيئًا متى آمن بالله؟ ومن ذا يرهب ولا وجود لفاعليّة إلا لله؟ ومتى استقرّ هذا التصوّر الذي لا يرى في الوجود إلا حقيقة الله، فستصحبه رؤية هذه الحقيقة في كل وجود آخر انبثق عنها .. وهذه درجة يرى فيها الجنان قدرة الله في كل شيء يراه .. ووراءها الدرجة التي لا يرى فيها شيئًا في الكون إلا هذه القدرة؛ لأنه لا حقيقة هناك يراها إلا هذه القدرة!

стр. 706

وهنا تنسكب في الجنان الطمأنينة! و (الدّين القيم)، دين الأمّة الوسط الخيرة، يريد من الناس أن يسلكوا الطريق إلى هذه الحقيقة، وهم يكابدون الحياة الواقعيّة بكل خصائصها، ويزاولون الحياة البشريّة بكل معالمها، والخلافة الأرضية بكل مقوّماتها! ومن هنا ينبثق منهج كامل للحياة، قائم على ذلك التفسير وما يشيعه في النفس من تصوّرات ومشاعر واتجاهات! منهج للعبادة! ومنهج للتلقّي! ومنهج للتحرّك! وهو منهج رفيق طليق .. الأرض فيه صغيرة، والحياة الدنيا قصيرة، ومتاعها زهيد قليل .. والانطلاق من هذه الحواجز والشوائب غاية وأمنية .. وليس معنى هذا الاعتزال ولا الإهمال، ولا الكراهية ولا الهروب .. إنما معناه المحاولة المستمرّة، والكفاح الدائم لترقية البشريّة كلها، وإطلاق الحياة البشريّة جميعها .. ومن ثم فهي الخلافة والقيادة بكل أعبائها .. مع التحرّر والانطلاق بكل مقوّماتهما! يروي الترمذي وغيره بسند صحيح عن أبيّ بن كعب: أَن المشركين قالوا لرسول الله ﷺ : انْسُبْ لنا ربّك، فأنزل الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾! فالصمد: الذي لم يَلِدْ ولم يُولد؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله لا يموت، ولا يورث:

стр. 707

﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾! قال: لم يكن له شبيهٌ ولا عِدْل، وليس كمثله شىِء (١)! ويروي البخاريُّ وغيره عن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾! يردّدها، فلما أصبح جاء إِلى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له -وكأن الرجل يتقالها- فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده! إِنها لتعدل ثلث القرآن" (٢). قال ابن حجر (٣): حمله بعض العلماء على ظاهره، فقال: هي ثلث باعتبار معاني القرآن؛ لأنه أحكام وأخبار وتوحيد، وقد اشتملت هي على القسم الثالث، فكانت ثلثًا بهذا الاعتبار، ويستأنس لهذا بما أخرجه أبو عبيد من حديث أبي الدرداء قال: جزأ النبي ﷺ القرآن ثلاثة أجزاء: فجعل قل هو الله أحد جزءًا من أجزاء القرآن!

стр. 708

هذا، وافتتاح السورة بالأمر بالقول لإظهار العناية بما بعد فعل القول (١)، وقد عرفنا أن السورة نزلت على سبب السؤال، فكانت جوابًا على سؤال السائلين، فلذلك قال الله له: ﴿قُلْ﴾، فكان للأمر بفعل ﴿قُلْ﴾، تلك الفائدة! وضمير ﴿هُوَ﴾، ضمير الشأن لإفادة الاهتمام بالجملة التي بعده، وإذا سمعه الذين سألوا تطلّعوا إلى ما بعده! ويجوز أن يكون ﴿هُوَ﴾ أيضًا عائدًا إلى الربّ في سؤال المشركين حين قالوا: (انْسُبْ لنا ربك)! وقوله: ﴿أَحَدٌ﴾ معناه أنه منفرد بالحقيقة التي لوحظت في اسمه العلم، وهي الإلهّية المعروفة، فإذا قيل: ﴿الله أَحَدٌ﴾ فالمراد أنه منفرد بالإلهيّة، وإذا قيل (الله واحد)؛ فالمراد أنه واحد لا متعدّد، فمن دونه ليس بإله، ومآل الوصفين إلى معنى نفي الشريك له تعالى في إلهيته! فلما أريد في صدر البعثة إثبات الوحدة الكاملة لله، تعليمًا للناس كلهم، وابطالاً لعقيدة الشرك، وُصف الله في هذه السورة بـ ﴿أَحَدٌ﴾ ولم يوصف بـ (واحد)؛ لأنّ الصفة المشبّهة نهايةُ ما يمكن به تقريب معنى وحدة الله تعالى إلى عقول أهل اللسان العربيّ المبين! وقال ابن سينا: إن ﴿أَحَد﴾ دالّ على أنه تعالى واحد من جميع الوجوه، وأنه لا كثرة هناك أصلًا، لا كثرة معنويّةً، وهي كثرة المقوّمات، والأجناس، والفصول، ولا كثرةً حسيّة، وهي كثرة الأجزاء الخارجيّة المتمايزة عقلًا، كما في المادّة والصورة، والكثرة الحسيّة بالقوّة أو بالفعل، كما في الجسم، وذلك

стр. 709

متضمّن لكونه سبحانه منزّهًا عن الجنس والفصل، والمادّة، والصورة، والأعراض، والأبعاض، والأعضاء، والأشكال، والألوان، وسائر ما يثلم الوحدة الكاملة، والبساطة الحقّة اللائقة بكرم وجهه أن يشبهه شيء، أو يساويه سبحانه شيء، وتبيينُه: أما الواحد فمقول على ما تحته بالتشكيك، والذي لا ينقسم بوجه أصلًا أولى بالواحديّة مما ينقسم من بعض الوجوه، والذي لا ينقسم انقسامًا عقليًا أولى بالواحديّة من الذي ينقسم انقسامًا بالحسّ بالقوة ثم بالفعل، فـ (أحد) جامع للدلالة على الواحديّة من جميع الوجوه، وأنه لا كثرة في موصوفه! قال ابن القيم (١): فهو توحيد منه لنفسه، وأمر للمخاطب بتوحيده، فإذا قال العبد: ﴿قُلْ هُوَ الله أحد (١)﴾ كان قد وحّد الله بما وحّد به نفسه، وأتى بلفظ ﴿قُلْ﴾ تحقيقًا لهذا المعنى، وأنه مبلّغ محض، قائل لما أمر بقوله .. وهذا بخلاف قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ (الفلق)! ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ (الناس)! فإن هذا أمر محض بإنشاء الاستعاذة، لا تبليغ لقوله .. فإن الله لا يستعيذ من أحد، وذلك عليه محال، بخلاف قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾! فإنه خبر عن توحيده، وهو سبحانه يخبر عن نفسه بأنّه الواحد الأحد، فتأمّل هذه النكتة البديعة، والله المستعان (٢)! وقال: في سورة الإخلاص من كمال التوحيد العلمي الاعتقادي، وإثبات

стр. 710

الأحدية لله، المستلزمة نفي كل شركة عنه، وإثبات الصمديّة المستلزمة كل كمال له، مع كون الخلائق تصمد إليه في حوائجها، أي: تقصده الخليقة، وتتوجّه إليه، علويّها وسفليّها، ونفي الوالد والولد والكفء عنه، المتضمّن لنفي الأصل والفرع، والنظير والمماثل، مما اختصّت به، وصارت تعدل ثلث القرآن، ففي اسمه الصمد إثبات كل الكمال، وفي نفي الكفء التنزيه عن التشبيه والمثال، وفي الأحد نفي كل شريك لذي الجلال، وهذه الأصول الثلاثة هي مجامع التوحيد (١)! وقال: فسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾: متضمنة لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للربّ تعالى من الأحديّة المنافية المشاركة بوجه من الوجوه، والصمديّة المثبتة له جميع صفات الكمال التي لا يلحقها نقص بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد الذي هو من لوازم الصمديّة، وغناه وأحديّته ونفي الكفء المتضمّن لنفي التشبيه والتمثيل والتنظير! فتضمَّنت هذه السورة إثبات كل كمال له، ونفي كل نقص عنه، ونفي إثبات شبيه أو مثيل له في كماله، ونفي مطلق الشريك عنه! وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي الذي يباين صاحبه جميع فرق الضلال والشرك! ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن، فإن القرآن مداره على الخبر والإنشاء، والإنشاء ثلاثة: أمر! ونهي! وإباحة! والخبر نوعان: خبر عن الخالق تعالى وأسمائه وصفاته، وأحكامه!

стр. 711

وخبر عن خلقه! فأخلصت سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ الخبر عنه، وعن أسمائه وصفاته، فعدلت ثلث القرآن، وخلصت قارئها المؤمن بها من الشرك العلمي! ٤ - أثر التوحيد: ونجد أنفسنا أمام الحديث عن أثر التوحيد في تكوين الشخصية الإِسلاميّة للأمّة الوسط الخيّرة، ونحن نذكر ما رواه أحمد وغيره بسند حسن عن ربيعه بن عباد الدِّيلي، قال: رأيت رسول الله ﷺ بصرَ عيني بسوق ذي المجاز يقول: "يا أيها الناس، قولوا: لا إِله إِلا الله تُفْلحوا"! ويدخل في فجاجها، والناس مُتقصِّفون عليه، فما رأيت أحدًا يقول شيئًا، وهو لا يسكت، يقول: "أيها الناس، قولوا: لا إِله إِلا الله تُفْلحوا"! إِلا أن وراءه رجلًا أحول، وضيء الوجه، ذا غديرتين، يقول: إِنه صابئ كاذب، فقلت: من هذا؟ قالوا: محمَّد بن عبد الله، وهو يذكر النبوّة، قلت: من هذا الذي يكذّبه؟ قالوا: عمّه أبو لهب .. الحديث (١)! وقد تحمل الرسول ﷺ في تبليغ دعوته إلى هذا (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، ما تحمّل، مما تعجز الكلمات عنه! يروي أحمد وغيره بسند صحيح عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 712

"لقد أوذيتُ في الله، وما يُؤذي أحدٌ، وأْخِفْتُ في الله، وما يُخاف أحدٌ، ولقد أتَتْ علىِّ ثلاثةٌ من يوم وليلة، وما لي وبلالِ يأكله ذو كبد، إِلا ما يُواري إِبْطَ بلالٍ" (١)! ويروي الشيخان وغيرهما عن عائشة ﵂: أنها قالت للنبي ﷺ : هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إِذ عرضتُ نفسي على ابن عبدِ ياليل بن عبد كُلال، فلم يُجبني إِلى ما أردت، فانطلقت، وأنا مَهمومٌ على وجهي، فلم أسْتفِق إِلا وأنا بِقَرن الثعالب، فرفعتُ رأسي، فإِذا أنا بسحابة قد أظلّتني، فنظرت فإِذا فيها جبريلُ، فناداني فقال: إِن الله قد سمع قول قومك لك، وما رَدُّوا عليك، وقد بعث الله إِليك ملَك الجبال لتأمُره بما شِئتَ فيهم، فناداني ملَكُ الجبال، فسلّم عليّ، ثم قال: يا محمَّد، فقال ذلك فيما شِئْتَ، إِن شِئْتَ أَنْ أُطْبق عليهم الأخشبَيْن، فقال النبي ﷺ : بل أرجو أنْ يُخرْجَ الله مَن أصلابهم مَن يَعبُدُ الله وحده، لا يُشركُ به شيئًا" (٢)!

стр. 713

وقد بُعث الرسول ﷺ (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، وبلاد الشام في الشمال خاضعة للروم (١)، يحكمها أمراء من العرب من قبل الفرس! وليس في أيدي العرب إلا الحجاز ونجد وما إليها من الصحاري القاحلة، التي تتناثر فيها الواحات الخصبة هنا وهناك! وكان في استطاعة الرسول ﷺ ، وهو الصادق الأمين الذي حكّمه أشراف قريش قبل ذلك في وضع الحجر الأسود، وارتضوه حكمًا .. والذي هو في الذؤابة من بني هاشم أعلى قريش نسبًا .. كان في استطاعته ﷺ أن يثيرها قوميّةً عربيّةً، تستهدف تجميع قبائل العرب، التي أكلتها الثارات، ومزّقتها النزاعات، وأن يوجهها وجهة قوميّة لاستخلاص أرضها المغتصبة من الامبراطوريات المستعمرة، الرومان في الشمال، والفرس في الجنوب، وإعلان راية العربيّة والعروبة -كما يدعو دعاة القومية- وإنشاء وحدة قويّة في كل أرجاء الجزيرة! وكان المؤمّل حينئذ أن يستجيب له العرب، بدلًا من أن يعاني ثلاثة عشر عامًا في اتجاه معارض لأهواء أصحاب السلطان في الجزيرة! وربما قيل: إن الرسول ﷺ كان خليقًا أن يستجيب له العرب هذه الاستجابة .. وبعد استجماع السلطان في يديه والمجد فوق مفرقه- كما يقول

стр. 714

الساسة- أن يستخدم هذا في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه الله بها، وفي تعبيد الناس لسلطان ربّهم بعد أن عبّدهم لسلطانه! ولكن الحق ﵎ وجه الرسول ﷺ ، منذ بدء الدعوة -كما عرفنا- إلى أن يصدع بـ (لا إله إلا الله)!، وأن يحتمل هو والقلة التي تستجيب له العناء! وبعث الله محمداً ﷺ (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، والمجتمع العربيّ كأسوأ ما يكون توزيعاً للثروة والعدالة .. وكان في استطاعته ﷺ أن يرفعها رايةً اجتماعيةً، وأن يثيرها حربًا على طبقة الأشراف، وأن يطلقها دعوةً تستهدف تعديل الأوضاع وردّ أموال الأغنياء على الفقراء! ولو دعا هذه الدعوة لانقسم المجتمع العربيّ صفّين: الكثرة الغالبة فيه مع الدعوة الجديدة، في وجه طغيان المال وأصحابه، بدلًا من أن يقف المجتمع كله صفاً في وجه (لا إله إلا الله)! التي لم يرتفع إلى أفقها في ذلك الحين إلا الأفذاذ من الناس! وربما قيل: إن الرسول ﷺ كان خليقاً بعد أن تستجيب له الكثرة، وتوليه قيادها، فيغلب بها القلة من الناس ويسلس لها مقادها .. ومن ثم يستخدم مكانه يومئذ وسلطانه في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه بها ربّه، وفي تعبيد الناس لسلطان ربّهم بعد أن عبّدهم لسلطانه! ولكن الله يريد أن نعلم أن العدالة الاجتماعيّة لا بد أن تنبثق في المجتمع من تصوّر اعتقادي شامل كامل، يردّ الأمر كله لله، ويقبل عن رضي وعن طواعية ما يقضي به الله من عدالة في التوزيع، ومن تكافل بين الجميع،

стр. 715

ويستقرّ معه في قلب الآخذ والمأخوذ منه أن ينفّذ نظاماً يرضاه الله، ويرجو على الطاعة فيه الخير والحسنى في الدنيا والآخرة سواء! فلا تمتلئ قلوب بالطمع، ولا تمتلئ قلوب بالحقد، ولا تسير الأمور كلها بالسيف والعصا، وبالتخويف والإرهاب! ولا تفسد القلوب، وتختنق الأرواح، كما يقع في الأوضاع التي نراها قد قامت على غير (لا إله إلا الله)! وبعث الرسول ﷺ والمستوى الأخلاقي في الجزيرة العربيّة في الدرك الأسفل، في جوانب منه شتى، مما هو معلوم، إلى جانب ما كان في المجتمع من فضائل الخامة البدويّة! وكان في استطاعة الرسول ﷺ أن يعلنها دعوة إصلاحيّة، تتناول تقويم الأخلاق، وتطهير المجتمع، وتزكية النفوس، وتعديل القيم والموازين! وكان واجداً وقتها -كما يجد كل مصلح أخلاقيّ في أيّة بيئة- نفوساً طيبة، يؤذيها هذا الدنس، وتأخذها الأريحيّة والنخوة لتلبية دعوة الإصلاح والتطهير! وربما قال قائل: إنه ﷺ لو صنع ذلك فاستجابت له -في أول الأمر- جمهرة صالحة، تتطهّر أخلاقها، وتزكو أرواحها، فتصبح أقرب إلى قبول العقيدة وحملها .. بدلاً من أن تثير دعوة (لا إله إلا الله)! المعارضة القويّة منذ أول الطريق! ولكن الله يريد أن نعلم أن الأخلاق لا تقوم إلا على أساس من عقيدة، تضع الموازين، وتقرّر القيم، والسلطة التي ترتكن إلى هذه

стр. 716

الموازين والقيم، كما تقررّ الجزاء الذي تملكه هذه السلطة وتوقعه على الملتزمين والمخالفين! وحين تقررّت العقيدة الحقة -بعد الجهد الشاق- وتقررّت السلطة التي ترتكن إليها هذه العقيدة .. وعرف الناس ربهم وعبدوه وحده .. تحررّ الناس من سلطان العبيد، ومن سلطان الشهوات سواء .. وتقررّت في القلوب عقيدة: (لا إله الله الله)! صنع الله بها وبأهلها كل شيء! تحرّرت الأرض من الرومان والفرس .. لا ليتقررّ فيها سلطان العرب .. ولكن ليتقرّر فيها شرع الله! لقد تطهّرت من الطاغوت كله: رومانيًّا وفارسيًا وعربياً على السواء! وتطهّر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته، وقام النظام الإِسلامي يعدل بعدل الله، ويزن بميزان الله، ويرفع راية العدالة الاجتماعيّة باسم الله وحده، ويسمّيها راية الإِسلام، لا يقرن إليها اسماً آخر، ويكتب عليها: (لا إله إلا الله)! وتطهّرت النفوس والأخلاق، وزكت القلوب والأرواح .. لأنّ الرقابة قامت هنالك في الضمائر؛ ولأن الطمع في رضي الله وثوابه، والحياء والخوف من غضبه وعقابه قد قامت كلها مقام الرقابة! وارتفعت البشريّة في نظامها، وفي أخلاقها، وفي حياتها كلها .. إلى القمة السامقة التي لم ترتفع إليها من قبل قط، والتي لم ترتفع إليها من بعد إلا في ظل (الدّين القيم)، دين الأمّة الوسط الخيرة! ولقد تمّ هذا كله؛ لأنّ الذين أقاموا هذا الدّين في صورة دولة ونظام وشرائع

стр. 717

وأحكام، كانوا قد أقاموا هذا الدّين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم، في صورة عقيدة وخلق، وعبادة وسلوك .. وكانوا قد وعدوا على إقامة هذا الدّين وعدًا واحدًا، لا يدخل فيه الغلب والسلطان .. ولا حتى لهذا الدّين على أيديهم .. وعدًا واحدًا لا يتعلق بشيء في هذه الدنيا .. وعدًا واحدًا هو الجنة. هذا كل ما وعدوه على الجهاد المضني، والابتلاء الشاق، والمضي في الدعوة، ومواجهة الجاهلية بالأمر الذي يكرهه أصحاب السلطان، في كل زمان وفي كل مكان، وهو: (لا إِله إِلا الله)! فلمّا أن ابتلاهم الله فصبروا .. ولمّا أن فرغت نفوسهم من حظّها .. ولمّا أن علم الله منهم أنهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض .. كائنًا ما كان هذا الجزاء، ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم، وقيام هذا الدّين بجهدهم! ولمّا لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجنس ولا قوم، ولا اعتزاز بشيء من عرض الدنيا .. علم أنهم قد أصبحوا أمناء على العقيدة التي يتفرّد فيها الحق -جلّ شأنه- بالحاكميّة في القلوب والضمائر، والسلوك والمشاعر، والأرواح والأموال، والأوضاع والأحوال .. وأمناء على السلطان الذي يوضع في أيديهم ليقوموا به على شريعة الله ينفذونها، وعلى عدل الله يقيمونه، دون أن يكون لهم من ذلك السلطان شيء لأنفسهم، ولا لعشيرتهم، ولا لقومهم ولا لجنسهم، وإنما يكون السلطان في أيديهم لله، ولدين الله، وشريعة الله؛ لأنهم يعلمون أنه من الله، هو الذي آتاهم إيّاه! ولم يكن شيء من هذا المنهج المبارك ليتحقق على هذا المستوى الرفيع، إلا أن تبدأ الدعوة ذلك البدء، وإلا أن ترفع الدعوة هذه الراية وحدها: (لا إِله إِلا الله)!

стр. 718

ولا ترفع معها سواها .. وإلا أن تسلك الدعوة هذا الطريق الوعر الشاق في ظاهره، والمبارك الميسّر في حقيقته! إن هذا (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيرة، يقوم على قاعدة الألوهيّة الواحدة .. كل تنظيماته وكل تشريعاته، تنبثق من هذا الأصل الكبير .. وإن نظامه يتناول الحياة كلها، ويتولّى شؤون البشرية كبيرها وصغيرها، وينظم حياة الإنسان .. في عالم الشهادة، وعالم الغيب المكنون عنها .. في المعاملات الظاهرة المادية وفي أعماق الضمير .. ودنيا السرائر والنوايا سواء! هذا جانب من سرّ هذا (الدّين القيّم) ومنهجه، في بناء النفس وامتداده، يجعل بناء العقيدة وتمكينها، وشمولها واستغراقها لشعاب النفس ضرورة من ضرورات النشأة الصحيحة، وضمانًا من ضمانات الاحتمال والتناسق في كل تلك المعالم! ومتى استقرت عقيدة: (لا إله إلا الله)! في الأعماق الغائرة البعيدة، استقرّ معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثّل فيه: (لا إله إلا الله)! وتعيّن أنه النظام الوحيد الذي ترتضيه النفوس التي استقرّت فيها العقيدة، واستسلمت هذه النفوس ابتداءً لهذا النظام، حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلاته، وقبل أن تعرض عليها تشريعاته! فالاستسلام ابتداء هو مقتضى الإيمان .. وبمثل هذا الاستسلام تلقّت النفوس المؤمنة، في المجتمع الإِسلامي الأوّل، تنظيمات هذا (الدّين القيم) وتشريعاته بالرضى والقبول، لا تعترض على شيء منه فور وصوله إليها، ولا تتلكّأ في تنفيذه بمجرّد تلقّيها له!

стр. 719

وهكذا أبطلت الخمر، وأبطل الربا، وأبطل الميسر، وأبطلت العادات الجاهليّة كلها .. أبطلت بآيات من القرآن، أو كلمات من رسول الله ﷺ .. بينما الحكومات الأرضية تجهد في شيء من هذا كله بقوانينها وتشريعاتها، ونظمها وأوضاعها، وجندها وسلطانها، ودعايتها وإعلامها .. فلا تبلغ إلا أن تضبط الظاهر من المخالفات .. بينما المجتمع يعج بالمنهيات والمنكرات! وجانب آخر من حقيقة هذا (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، يتجلى في هذا المنهج القويم .. إنه منهج عملي واقعيّ حركيّ جاد .. منهج يحكم الحياة في واقعها .. منهج يواجه الواقع ليقضي فيه بأمره .. يقرّه أو يعدّله أو يغيّره من أساسه .. ومن ثمّ فهو لا يشرع إلا لحاجات واقعة فعلًا، في مجتمع يعترف ابتداء بحاكميّة الله وحده! إنه ليس نظريّة تتعامل مع الفروض! إنه منهج واقعيّ يتعامل مع الواقع! ومن ثم لا بدّ أولًا أن يقوم المجتمع المسلم الذي يقرّ عقيدة: (لا إله إلا الله)!، وأن الحاكمية لله! وحين يقوم هذا المجتمع فعلًا، تكون له حياة واقعيّة، تحتاج إلى تنظيم وتشريع .. وعندئذ فقط يبدأ هذا (الدّين القيّم) في تقرير النظم .. لقوم مستسلمين أصلًا لقواعد هذا (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة! ومن ثم نبصر المسلمين في مكّة لم يكن لهم سلطان على أنفسهم ولا على مجتمعهم، وما كانت لهم حياة واقعيّة مستقلّة هم الذين ينظمونها بشريعة الله .. ولم يكن لهم إلا هذه العقيدة، وهذا الخُلق المنبثق من تلك العقيدة بعد

стр. 720

استقرارها في الأعماق البعيدة .. فلما صارت لهم دولة في المدينة ذات سلطان تنزّلت الشرائع، وتقرر النظام الذي يواجه حاجات المجتمع الواقعية، والذي تكفل له الدولة بسلطانها الجدّيّة والنفاذ! ولم يشأ الله أن ينزل عليهم النظام الإِسلامي ليختزنوا معالمه جاهزة، حتى تطبق بمجرّد قيام الدولة في المدينة! ذلك أن (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، يواجه الواقع بحجمه وشكله وملابساته، لصوغه في قالبه الخاص، وفق حجمه وشكله وملابساته! والله يريد أن يكون هذا الدّين كما أراده .. عقيدة تملأ الجَنان في الإنسان، وتفرض سلطانها في الضمير! ومن ثم تخلص النفوس لله، وتعلن عبوديّتها لله! والقرآن الكريم لم يعرض هذا الأمر في صورة (نظريّة)!، ولا في صورة (لاهوت)!، ولا في صورة جدل كلامي كالذي عُرف فيما يسمى علم (الكلام)! لقد كان يخاطب فطرة (الإنسان) بما في وجوده هو وبما في الوجود من حوله من دلائل وإيحاءات .. كان يستنقذ فطرته من الركام، ويخلص أجهزة الاستقبال الفطريّة مما ران عليها، وعطّل وظائفها، ويفتح منافذ الفطرة، لتتلفى الموحيات المؤثرة، وتستجيب لها! كان هذا القرآن يخوض بهذه العقيدة معركة حيّة واقعيّة .. مع الركام المعطّل للفطرة .. في نفوس آدمّية حاضرة واقعة! كان يواجه واقعًا بشريًّا كاملًا بكل ملابساته الحيّة، ويخاطب الكينونة البشريّة بجملتها في خضمّ هذا الواقع!

стр. 721

ولم يكن (اللاهوت) هو الشكل المناسب؛ لأنّ العقيدة تمثل منهج حياة واقعيّة للتطبيق العملي، ولا تقبع في الزاوية الضيّقة التي تقبع فيها الأبحاث (اللاهوتيّة النظريّة)! كان القرآن وهو يبني العقيدة في ضمائر الجماعة المسلمة يخوض بهذه الجماعة المسلمة معركةً ضخمة مع الجاهليّة من حولها، كما يخوض معركة ضخمة في ضميرها وأخلاقها وواقعها! ومن هذه الملابسات ظهر بناء العقيدة، لا في صورة (نظريّة)، ولا في صورة (لاهوت)، ولا في صورة جدل كلامي .. ولكن في صورة تكوين تنظيمي مباشر للحياة، ممثّل في الجماعة ذاتها، وكان نمو الجماعة المسلمة في تصوّرها الاعتقادي، وفي سلوكها الواقعيّ وفق هذا التصوّر، وفي دربتها على مواجهة الجاهلية .. كان هذا النموّ ذاته ممثّلًا تمامًا لنموّ البناء العقديّ، وترجمة حيّة له .. وهذا هو منهج هذا (الدّين القيم) الذي يمثّل حقيقته كذلك! ومرحلة بناء العقيدة التي طالت في العهد المكّي لم تكن منعزلة عن مرحلة التكوين العمليّ للحركة الإِسلاميّة، والبناء الواقعيّ للجماعة المسلمة .. لم تكن مرحلة تلقّي (النظريّة)! ولكنها كانت مرحلة البناء القاعديّ للعقيدة وللجماعة، وللحركة، وللوجود الفعلي معًا! ومن ثم فالقرآن الكريم لم يقض ثلاثة عشر عامًا في بناء العقيدة بسبب أنه كان يتنزّل للمرة الأولى .. كلا! فلو أراد الله لأنزله جملة واحدة، ثم ترك أصحابه يدرسونه ثلاثة عشر عامًا أو أكثر أو أقل، حتى يستوعبوا (الحقيقة الإِسلاميّة)!

стр. 722

ولكن الله -جلّ شأنه- كان يريد بناء الجماعة، وبناء الحركة، وبناء العقيدة في وقت واحد.، كان يريد أن يبني الجماعة والحركة بالعقيدة، وأن يبني العقيدة بالجماعة والحركة! كان يريد أن تكون العقيدة هي واقع الجماعة الفعلي، وأن يكون واقع الجماعة الحركي الفعلي هو صورة العقيدة! كان يعلم أن بناء النفوس والجماعات لا يتم بين يوم وليلة .. ومن ثم لم يكن بدّ أن يستغرق بناء العقيدة هذا المدى الذي يستغرقه بناء النفوس والجماعة .. حكى إذا نضج التكوين العقدي كانت الجماعة هي المظهر الواقعى لهذا النضوج! إن العقيدة الإِسلاميّة يجب أن تتمثّل في نفوس حيّة، وفي تنظيم واقعي، وفي حركة تتفاعل مع الجاهليّة من حولها، كما تتفاعل مع الجاهليّة الراسبة في نفوس أصحابها .. بوصفهم كانوا من أهل الجاهليّة قبل أن تدخل العقيدة إلى نفوسهم، وتنتزعها من الوسط الجاهليّ، وهي في صورتها تشغل من القلوب والعقول ومن الحياة -أيضًا- مساحة أضخم وأوسع وأعمق مما تشغله (النظرية)، وتشمل -فيما تشمل- مساحة (النظريّة) ومادتها، ولكنها لا تقتصر عليها! إن التصوّر الإِسلاميّ للألوهيّة وللوجود الكونيّ وللحياة وللإنسان، تصوّر شامل كامل، ولكنه كذلك تصوّر واقعي إيجابيّ! قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ (الإسراء)!

стр. 723

فالفرق مقصود، والمكث مقصود كذلك .. ليتم البناء التكويني المؤلف من عقيدة في صورة (منظمة حيّة)، لا في صورة (نظرّية معرفيّة)! ونحن لا نملك أن نصل إلى التصوّر الربانيّ والحياة الربانيّة إلا عن طريق المنهج الذي قام عليه المجتمِع الإِسلامي .. ومنهج التفكير والحركة في بناء المجتمع الإِسلامي يجب أن يتمثّل وفق معالم المجتمع الذي قام عليه المجتمع الإِسلامي الأول! رجاء أن نبصر معالم طريق النصر، وانتشار (الدّين القيم)، كما انتشر بسرعة لم يعهد لها نظير في التاريخ! ويندهش عقل الناظر في أحوال البشر، عندما يرى أن هذا الدّين يجمع إليه الأمّة العربية من أدناها إلى أقصاها في أقل من ثلاثين سنة، ثم يتناول من بقيّة الأمم ما بين المحيط العربي والصين في أقل من قرن واحد، وهو أمر لم يعهد في تاريخ الرسالات والرسل، ولذلك ضلّ كثير في بيان السبب الذي اهتدى إليه المنصفون في سرعة انتشار هذا الدّين، فبطل العجب (١)! ابتدأ (الدّين القيّم) بالدعوة إلى الله، ولقي من أعداء أنفسهم أشدّ ما يلقى حقّ من باطل، وأوذي الرسول ﷺ -كما سبق- بضروب الإيذاء التي يعجز الخيال المحلّق عن تصوّرها! وأقيم في وجهه ﷺ ما كان يصعب تذليله من العقاب، لولا عناية الله، وعذب المستجيبون له، وحرموا الرزق، وطردوا من الدار، وسُفكت منهم دماء غزيرة -كما هو معلوم- غير أن تلك الدماء كانت عيون العزائم تتفجّر

стр. 724

في صخور الصبر، يثبّت الله بمشهدها المستيقنين، ويقذف بها الرعب في أنفس المرتابين، فكانت تسيل لمنظرها نفوس أهل الرّيب، وهي ذوب ما فسد من طباعهم، فتجري من مناحرهم مجرى الدم الفاسد من المفصود، على أيدي الأطباء الحاذقين: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦)﴾ (الأنفال)! تألّبت الملل المختلفة ممن كان يسكن جزيرة العرب وما جاورها على (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيرة، ليحصدوا نبته، ويخفقوا دعوته، فما زال يدافع عن نفسه، دفاع الضعيف للأقوياء، والفقير للأغنياء، ولا ناصر له، إلا أنه الحق بين الأباطيل، والرشد في ظلمات الأضاليل، حتى ظفر بالعزّة، وتعزّز بالمنعة! وقد وطئ أرض الجزيرة أقوام من أديان أخر، كانت تدعو إليها، وكانت لهم ملوك وعزّة وسلطان، وحملوا الناس على عقائدهم بأنواع من المكاره، ومع ذلك لم يبلغ بهم السعي نجاحاً، ولا أنالهم فلاحاً! وضمّ (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيرة، سكان القفار العربيّة إلى وحدة لم يعرفها تاريخهم، ولم يعهد لها نظير في ماضيهم، وكان النبي ﷺ قد بلغ رسالته بأمر ربّه إلى من جاور البلاد العربيّة .. فسخروا وامتنعوا، وناصبوه وقومه الشرّ .. فبعث إليهم البعوث في حياته، وجرى على سنته الأئمة من صحابته، طلباً للأمن، وإبلاغاً للدعوة، فاندفعوا في ضعفهم وفقرهم يجعلون الحق على أيديهم، وانهالُوا به على تلك الأمم في قوتها ومنعتها، وكثرة عددها، واستكمال أهبها وعددها، فظفروا منها بما هو

стр. 725

معلوم .. وكانوا متى وضعت الحرب أوزارها، واستقرّ السلطان للفاتح، عطفوا على المغلوبين بالرّفق واللّين، وأباحوا لهم البقاء على أديانهم، وإقامة شعائرها، آمنين مطمئنّين، ونشروا حمايتهم عليهم، يمنعونهم مما يمنعون منه أهلهم وأموالهم! وشهد العالم بأسره أن (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيرة، كان يعدّ مجاملة المغلوبين فضلاً وإحساناً، عندما يعدها غيرهم ضعةً وضعفاً .. ورفع الدّين القيم الإتاوات، ورد الأموال المسلوبة إلى أربابها، وانتزع الحقوق من مغتصبيها، ووضع المساواة في الحق عند التقاضي بين المسلم وغير المسلم! وبلغ أمر المسلمين فيما بعد أن لا يقبل إسلام من داخل فيه إلا بين يدي قاض شرعيّ بإقرار من المسلم الجديد أنه أسلم بلا إكراه ولا رغبة في دنيا! وحمل المسلمون إلى الناس كتاب الله وشريعته، وألقوا بذلك بين أيديهم، وتركوا الخيار لهم في القبول وعدمه! وظهر الإِسلام على ما كان من جزيرة العرب، من ضروب العبادات الوثنيّة، وتغلّب على ما كان فيها من رذائل الأخلاق، وقبائح الأعمال .. وظهر أن (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، هو الدّين عند الله .. فلم يجد أهل النصفة منهم سبيلاً إلى البقاء على العناد في مجاحدته، فتلقّوه شاكرين، وتركوا ما كان بين قومهم صابرين، وأوقع ذلك من الرّيب في قلوب مقلّديهم ما حرّكهم إلى النظر فيه، فوجدوا لطفاً ورحمةً، وخيرًا ونعمة! وسطع (الدّين القيّم) على الديار التي بلغها أهله، فلم يكن بين أهل تلك الديار وبينه إلا أن يسمعوا كلام الله ويفقهوه .. وانتشر بسرعة لم يعهد لها نظير في التاريخ!

стр. 726

وسيظل التاريخ يذكر كيف اهتزّ إيوان كسرى، وترنّح قصر قيصر، وتمرغّ الباطل في الرغام! وإذا الحفاة الذين لم يكن لهم شأن أمام الفرس والروم قد هزموا الباطل، وورثوا عرش هذا، وتاج ذاك! واندفعوا بقوة هذا (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، حتى بلغوا أسوار الصين، وانطلقوا حتى وصلوا إلى ساحل المحيط الأطلسي، وأقاموا دولة إسلاميّة في أسبانيا، ووصلوا إلى فيينا! وهذا ما شهدته الدنيا، وسجله التاريخ! وصدق الله العظيم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ (التوبة)! ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ (الفتح)! وما يزال هذا الذين ظاهرًا على الذين كله -حتى بعد انحساره السياسي في العصر الحاضر عن جزء كبير من الأرض التي فتحها، وبخاصة في أوروبا وجزر البحر الأبيض المتوسط (١) .. وانحسار قوة أهله في الأرض كلها بالقياس إلى القوى التي ظهرت في الشرق والغرب! أجل، ما يزال دين التوحيد ظاهراً على الدّين كله، من حيث هو دين، فهو الدّين القوي بذاته، القويّ بطبيعته .. الزاحف بلا سيف ولا مدفع من أهله! بما

стр. 727

في طبيعته من استقامة مع الفطرة ومع نواميس الوجود الأصيلة، ولما فيه من تلبية يسيرة عميقة لحاجات العقل والروح، وحاجات العمران والتقدّم! وما يزال هذا الدّين ظاهراً على الدّين كله في حقيقته .. وغير المسلمين يدركون تلك الحقيقة ويخشونها .. ويحسبون لها في سياساتهم كل حساب! ترى، هل آن لأمّة التوحيد، خير أمّة أخرجت للناس، أن تدرك هذه الحقيقة .. رجاء أن نرى خلفاً صالحاً لسلف صالح .. وتعود إلينا سيرتنا الأولى! اللهم وفق! ٥ - السابقون الأوّلون: ونجد أنفسنا أمام طليعة السابقين الأوّلين إلى الإيمان (١) .. زوج النبي ﷺ الوفيّة الأمينة، أعقل نساء العالمين، أم المؤمنين السيدة خديجة ﵂ وأرضاها، التي كانت على أكمل المعرفة ببشائر نبوّته ﷺ ، بل كانت متطلّعةً إلى اصطفائه نبياً ورسولاً، حتى اختاره الله تعالى لنبوّته ورسالته رحمة للعالمين! ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (الأنبياء)! وقد أجمع أهل العلم من أئمّة الإِسلام على أن أم المؤمنين خديجة ﵂ وأرضاها كانت أول البشر قاطبةً، إيماناً بالله ورسوله (٢)!

стр. 728

وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله!، هذه خديجة قد أتت معها إِناء فيه إِدامٌ أو طعام أو شراب، فإِذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربّها ومنّي، وبشرها ببيت في الجنّة من قصب، لا صخَبَ فيه ولا نَصَب (١)! وهكذا كانت خديجة ﵂ أول من آمن بالله وبرسوله، وصدّق بما جاء منه، فخفّف الله بذلك عن نبيّه ﷺ .. لا يسمع شيئاً مما يكرهه من ردّ عليه وتكذيب له، فَيَحْزنه ذلك، إلا فرج الله عنه بها، إذا رجع إليها، تثبّته وتخفّف عليه، وتصدّقه، وتهوّن عليه أمر الناس (٢)! وروى الحاكم بسنده عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "لا تسبّوا ورقة، فإِنّي رأيت له جنّة أو جنّتين" (٣)! وفي رواية للطبراني عن أسماء بنت أبي بكر، أن النبي ﷺ سُئل عن ورقة بن نوفل، فقال: "يبعث يوم القيامة أمّةً وحده" (٤)! وقال ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى فيما كانت خديجة ذكرت له من أمور رسول الله ﷺ :

стр. 729

يا للرّجال وصرف الدهر والقدر ... وما لشيء قضاه الله من غِيرِ حتّى خديجة تدعوني لأخبرها ... وما لها بخفيّ الغيب من خَبرِ جاءت لتسألني عنه لأخبرها ... أمراً أراه سيأتي الناس من أخر فخبّرتني بأمر قد سمعت به ... فيما مضى من قديم الدهر والعصرِ بأن أحمد يأتيه فيخبره ... جبريل إِنك مبعوث إِلى البشرِ * * * فقلت علّ الذي ترجين ينجزه ... لك الإِله فرجّي الخير وانتظري وأرسليه إلينا كي نسائله ... عن أمره ما يرى في النوم والسهر فقال حين أتانا منطقاً عجبًا ... تقف منه أعالي الجلد والشعر

стр. 730

إِنّي رأيت أمين الله واجهني ... في صورة أُكملت من أهْيب الصور ثم استمرّ وكان الخوف يذعرني ... مما يسلّم ما حولي من الشجر فقلت ظنّي وما أدري أيصدقني ... أن سوف تبعث تتلو منزل السور وسوف آتيك إِن أعلنت دعوتهم ... من الجهاد بلا منّ ولا كدَر (١) ثم قفَّى خديجة في السبق إلى حظيرة الإيمان برسالة محمَّد ﷺ بيت النبوّة، المتقلّب على فراش الإيمان، الناهد في مهد أكرم المكارم، عليّ بن أبي طالب ﵁ وأرضاه! آمن في سنّ الصبا قبل أن يبلغ الحلم، فشبّ معه الإيمان حتى خالط مشاعره ووجدانه، وملأ قلبه، وأفعم بالنور روحه، وكانت العناية الربّانيّة قد ساقته إلى حجر رسول الله ﷺ ! قال ابن إسحاق: كان من نعمة الله على عليّ بن أبي طالب، وكان مما صنع الله، وأراد به من الخير أن قريشاً أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة فقال رسول الله ﷺ -للعباس عمّه، وكان من أيسر

стр. 731

بني هاشم: يا عبّاس، إِن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إِليه، فلنخفِّف عنه من عياله، آخُذُ من بنيه رجلاً وتأخذ أنت رجلاً فنكلهما عنه! فقال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: إِنا نريد أن نخفِّف عنك من عيالك، حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه! فقال لهما أبو طالب: إِذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما! قال ابن هشام: ويقال: عقيلاً وطالباً! فأخذ رسول الله ﷺ عليًّا فضمّه إِليه، وأخذ العبّاس جعفراً فضمّه إِليه، فلم يزل عليّ مع رسول الله ﷺ ، حتى بعثه الله ﵎ نبيًّا، فاتّبعه عليّ ﵁، وآمن به وصدّقه، ولم يزل جعفر عند العبّاس حتى أسلم واستغنى عنه (١)! قال ابن إسحاق: ثم أسلم زيد بن حارثة بن شُرحْبيل بن كعب بن عبد العزّى بن امرئ القيس الكلبي، مولى رسول الله ﷺ ، وكان أوّل ذَكرٍ أسلم، وصلّى بعد عليّ بن أبي طالب (٢)! والقول بأسبقيّة أمّ المؤمنين خديجة وبناتها من رسول الله ﷺ إلى الإِسلام (٣)، وأسبقيّة عليّ ﵁، وزيد بن حارثة، من كل مَن كان يظلّهم سقف بيت رسول الله ﷺ ، في رعاية الزوجيّة، والأبوّة، وحضانة التربية والولاء -لا يعارض قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومن جاء بعدهم

стр. 732

من الأئمّة، بأسبقية أبي بكر الصدّيق ﵁ .. لأن إسلام أسرة رسول الله ﷺ : زوجه وبناته، وربيب رعايته وتربيته ابن عمه، ومولاه وحبّه- كان إسلام الفطرة النقية الطاهرة، التي ولدت في مهد الإيمان، ونشأت بين أحضان النبوّة، حيث شاهدت أكرم مكارم الأخلاق، ورأت معالم النبوّة وآياتها الإرهاصيّة، تتجلّى في حياة النبي ﷺ قبل نزولها .. ثم رأت معالم الوحي، وسمعت آيات الله تتلى في بيتهم، والحكمة تتنزّل بينهم، وشهدت النبي ﷺ ، وهو الزوج الحبيب الأكرم، والأب الودود المحبّ الحبيب، والحاضن المربّي الشفيق، والمولى الرحيم الرفيق، والمعلّم المهذّب المؤدّب، والمشرّع السمح الحكيم، والرسول المصدّق الأمين، ينزل عليه الوحي بآيات الرسالة وشرائعها وأحكامها وآدابها، فإذا هو ﷺ صورة حية متحركة لهذه الآيات والشرائع والأحكام والآداب، فيأخذون عنه خُلُقه وعمله مشاهدة ومحاكاة، ويسمعون منه ما يأمر به ويرغّب فيه من الخير، وما ينهي عنه وينفر من مقاربته من الشر، فيتشرّبون من يقينه وإيمانه وحكمته وآدابه وشرائعه ما تطيق قلوبهم وأرواحهم حمله، وتترسم عقولهم ما تستطيع إدراكه من مشاهد النبوّة والوحي، وإشراق الرسالة، وينهضون إلى القيام بجوارحهم أداء لما يطلب من الجوارح! فسبق هؤلاء الغرّ الميامين إلى الإيمان بالله تعالى وتوحيده، والتصديق برسالة النبي ﷺ فطري طبيعي، تقتضيه الفطرة النقيّة، والطبيعة الناهدة بين أحضان الخير والهدى؛ لأن في ذلك تحقيقاً لما يشهدونه في واقع حياة الأب والزوج والمربّي، والرسول الصادق المصدّق من أدب وخُلق وعمل، ليصنعوا منه صورة أنفسهم وعقولهم، وأرواحهم ومشاعرهم وإحساساتهم، تحبّباً إليه، واستجابة له، وإيناساً لخوالجه، وتقرباً إلى الله تعالى!

стр. 733

وهذا هو أصدق ضروب الإيمان، فهو إيمان استجابة لدوافع الفطرة المطهَّرة التي لا تُدفع، وهو إيمان ينبع من الامتزاج بحياة قام بنيانها على الإخلاص المؤمن بكل حركة يشهدونها من النبي ﷺ .. لم يكن إيماناً عن دعوة تبليغيّة منه ﷺ لأسرته، ومجتمع بيته وأهله؛ لأنهم لم يكونوا في حاجة إلى دعوة وتبليغ، ضرورة تكيّفهم بكل ما يرون ويسمعون في هذا البيت الكريم، وضرورة تقبّلهم لكل ما يشهدون من الخير تقبّل الفطرة النقيّة، وطبيعة النشأة الحاكية، وتصديق الإيمان والإِسلام! قال ابن إسحاق: فلمَّا أسلم أبو بكر ﵁، أظهر إسلامه، ودعا إلى الله وإلى رسوله، وكان أبو بكر رجلاً مألوفاً لقومه، محبّباً سهلاً، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها، وبما كان فيها من خير وشرّ، وكان رجلاً تاجراً ذا خُلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه، وتجارته، وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الله وإلي الإِسلام، مَنْ وثق به من قومه، ممّن يغشاه، ويجلس إليه (١)! قال: فأسلم بدعائه -فيما بلغني- عثمان بن عفّان .. والزبير بن العوّام .. وعبد الرحمن بن عوف ... وغيرهم! وكان إسلام الصدّيق ﵁ أوّل تحرّك إيجابيّ في سير الرسالة، وأوّل أثر عمليّ للدعوة التبليغيّة للإيمان بالله تعالى، وتصديق رسوله فيما جاء به من الحق والهُدى، وأوّل ثمرة جنيّة ظهرت في دوحة تبليغ الرسالة! فقد آمن الصدّيق ﵁ لحظة دُعي إلى الإيمان، لم يكن يتلبّث لينظر، ولم

стр. 734

يتوقّف ليفكّر ويعزم، ولم يتردّد ليستشير ويستهدي، لأن دلائل صدق النبي ﷺ كانت متوافرةً لديه، وكامنة في حنايا نفسه، ممتزجةً بحسّه وشعوره، تملأ قلبه وعقله وروحه! وهنا يتجلّى للمتأمّل في أحداث الرسالة فيصل ما بين إيمان الفطرة النقيّة الصافية، التي نهد الإيمان معها، ونهضت معه، وهي ترى وتسمع شواهد الأحداث، ونداء الوقائع، ودلائل الإرهاصات، قبل تنزّل الرسالة، وبين إيمان العقل العليم الذي دُعي بين يدي براهين الصدق فاستجاب، وبُلّغ الرسالة فأجاب، ونظر فما استراب! فإيمان الفطرة الذي سبقت به خديجة ﵂ ومن معها في ساحة بيتها اطمئنان إلى نور الحق يغمر النفس، ويشغلها في حدود طاقتها بموجبات الإيمان الناشئ في مهد الرسالة، انتظاراً لما ينجلي عنه أفق الدعوة بظهور شمس الهداية، وإشراق أضوائها التي تظهر بها معالم الطريق إلى الله! وإيمان العقل العلم، الذي دُعي إلى التصديق بالرسالة، وهو مغمور بأنوار دلائل صدق الداعي، وهداية الدعوة، فلبّي وأجاب، والذي بُلّغ بالرسالة، وهو يشهد بشائرها فاستجاب -إيقان الحق الذي دُعي إلى الإيمان به، وتحمّل مسؤووليّته في الدعوة إليه، وتبليغ رسالته! ومن هنا كان إيمان أبي بكر ﵁ إيمان الدعاء إلى الله وتبليغ الرسالة، وتحمّل مسؤوليّة النيابة والوراثة في هذا الدعاء والتبليغ، لتسير الرسالة في طريقها قويّة متحرّكة مع الزمن حركة إيجابيّة، تجذب القلوب والعقول إلى ساحة الإيمان بالله، والتصديق برسالة محمَّد ﷺ ، وهكذا كان

стр. 735

إيمان أبي بكر الصدّيق ﵁، فهو منذ أجاب إلى الإِسلام أقام نفسه داعياً إلى الله، يبلّغ دعوة رسول الله ﷺ ، متحمّلاً مسؤوليّة النيابة والوراثة في الدعوة والتبليغ! وخصيصة أبي بكر الصدّيق ﵁ في ذلك أنه كان أوّل من تحمّل هذه المسؤوليّة؛ لأنه كان أوّل مؤمن يطيق حملها، والقيام بأعبائها باعتباره الشخصيّة الوحيدة التي كانت بعرض التكليف بهذا التحمّل إذ ذاك! والذين استجابوا لله وللرسول من السابقين الأولين لم يكونوا كلهم ولا أكثرهم من الضعفاء والأرقّاء والفقراء، وحواشي بيوتات مكّة، وأتباعها الملتَقطين فتات موائدها -كما شُهر ذلك على ألسنة وأقلام السطحيّين من الباحثين- بل كانوا في كثرتهم الكاثرة من صميم أبناء بيوت قريش وبطونها، وعِلْية شبابها! وسيأتي تفصيل ذلك! وهم معروفون بأسمائهم وأنسابهم، وييوتهم، وقبائلهم، فما شُهِر من أن الذين سبقوا إلى الإيمان بدعوة محمَّد رسول الله ﷺ ، ومتابعته على دينه، وتصديق رسالته، كانوا من الأرقّاء، والموالي، والمستضعفين والمحرومين كلام -وإن ورد في بعض الروايات كما سبق- لا يصحّ على إطلاقه -اغتراراً بما فيه من بريق مناصرة الإِسلام للضعفاء، وتخليص الأرقاء من رقّ العبوديّة الظالمة، وتحرير الفقراء من أغلال الاستغلال الجماعي الجائر- تأثّراً بالمذاهب الاجتماعيّة الضالّة الفاسدة، التي غرّرت بطوائف الشعب الغرِّيرة الكادحة تحت اسم العمّال والمحرومين، وأقاموا على دعائم هذا التغرير الخبيث الماكر الثورات

стр. 736

الاجتماعيّة الخادعة الشرّيرة المفسدة الملحدة، متمثّلة في الشيوعية الفاجرة التي تسوق الشعوب بسياط من بشاعة القسوة والعذاب الذي لا يطاق! فهذا وإن كان في واقع الإِسلام ومبادئه وشرائعه التي أنزلها الله لتحقيق العدالة الاجتماعيّة، ونصرة المظلوم، وإتاحة العيش الكريم لكل إنسان على أرض الله، لكنه ليس هو واقع السابقين الأوّلين من طلائع المؤمنين بدعوة الإِسلام، فكانوا أوّل من آمن برسالة محمَّد ﷺ ، واهتدوا بهديه، وكانوا اللبنات الأولى في صرح هذا (الدّين القيّم)! وليس هو واقع الإِسلام في هدايته العامة التي جاءت لهداية الإنسانيّة كلها، وتحريرها من ربقة الشرك والوثنية وإدخالها في حظيرة التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبوديّة الخالصة، وتخليصها من ذلّ الظلم الاجتماعي الذي فرضه عليها حفنة من الطغاة البغاة العتاة، فساقوها بسياط الظلم إلى مهاوي العبوديّة لهم، ولما في أيديهم من حطام الدنيا! ٦ - ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾: وبعث الله تعالى محمداً ﷺ رسولاً إلى العالمين، وأمره بالإنذار العام، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ (المدثر)! وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما عن يحيى قال (١): سألت أبا سلمة:

стр. 737

أيّ القرآن أنزل أوّل؟ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾! فقلت: أنبئت أنه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾! فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله: أيّ القرآن أنزل أول؟ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت!: أنبئت أنه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾! فقال: لا أخبرك إِلا بما قال رسول الله ﷺ : قال رسول الله ﷺ : "جاورت في حراء، فلمَّا قضيت جواري هبطت، فاستبطنت الوادي، فنوديت فنظرت أمامي وخلفي، وعن يميني وعن شمالي، فإِذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض، فأتيت خديجة، فقلت: دثّروني وصبّوا عليّ ماءً باردًا، وأنزلت عليّ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ (المدثر)! وحديث بدء نزول الوحي مشهور -كما أسلفنا في حديث بدء الوحي- والمراد بالأوليّة هنا -كما قال ابن حجر (١) - أوليّة مخصوصة بما بعد فترة الوحي، أو مخصوصة بالأمر بالإنذار، لا أن المراد أنها أوليّة مطلقة، فكأن من قال أوّل ما نزل ﴿اقْرَأْ﴾ أراد أوليّة مطلقة، ومن قال إنها ﴿الْمدَّثِّر﴾ أراد بقيد التصريح بالإرسال! قال الكرماني: استخرج جابر: أول ما نزل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ باجتهاد، وليس هو من روايته! والصحيح ما سبق في حديث بدء الوحي!

стр. 738

٧ - وصايا قرآنيّة: ويطالعنا النداء العلويّ الجليل، للأمر العظيم الثقيل .. نذارة هذه البشريّة وإيقاظها، وتخليصها من الشرّ في الدنيا، ومن النار في الآخرة، وتوجيهها إلى طريق الخلاص قبل فوات الأوان .. وهو واجب ثقيل سياق، حين يناط بفرد من البشر -مهما يكن نبياً ورسولاً- فالبشرية امتلأت من الضلال والعصيان، والتمردّ والعتوّ، والعناد والإصرار، والالتواء، والتفصّي من هذا الأمر، بحيث تجعل من الدعوة أصعب وأثقل ما يكلفه إنسان من المهام في هذا الوجود (١)! ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾! والإنذار هو أظهر ما في الرسالة، فهو تنبيه للخطر القريب الذي يترصّد للغافلين السادرين في الضلال وهم لا يشعرون .. وفيه تتجلّى رحمة الله بالعباد، وهم لا ينقصون في ملكه شيئاً حين يضلّون، ولا يزيدون في ملكه شيئاً حين يهتدون، غير أن رحمته اقتضت أن يمنحهم كل هذه العناية، ليخلصوا من العذاب الأليم في الآخرة، ومن الشرّ الموبق في الدنيا، وأن يدعوهم رسله ليغفر لهم ويدخلهم جنته من فضله! ثم يوجه الله رسوله في خاصّة نفسه، بعد إذ كلّفه نذارة غيره: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾! فهو وحده الكبير، الذي يستحقّ التكبير، وهو توجيه يقرر جانباً من التصوّر الإيماني لمعنى الألوهيّة، ومعنى التوحيد!

стр. 739

إن كل أحد، وكل شيء، وكل قيمة، وكل حقيقة .. صغير .. ! والله وحده هو الكبير .. ! وتتوارى الأجرام والأحجام، والقوى والقيم، والأحداث والأحوال، والمعاني والأشكال، وتنمحي في ظلال الجلال والكمال، لله الواحد الكبير المتعال! وهو توجيه للرسول ﷺ ليواجه نذارة البشريّة، ومتاعبها وأهوالها وأثقالها، بهذا التصوّر، وبهذا الشعور، فيستصغر كل كيد، وكل قوّة .. وهو يستشعر أن ربه الذي دعاه ليقوم بهذه النذارة، هو الكبير .. ومشاق الدعوة وأهوالها في حاجة دائمة إلى استحضار هذا التصوّر، وهذا الشعور! وبعد ذلك يطالعنا: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾! وطهارة الثياب كناية في الاستعمال العربي عن طهارة القلب والخُلق والعمل .. طهارة الذات التي تحتويها الثياب، وكل ما يلمّ بها أو يمسّها .. والطهارة هي الحالة المناسبة للتلقّي من الملأ الأعلى .. كما أنها ألصق شيء بطبيعة هذه الرسالة، وهي بعد هذا وذلك ضروريّة لملابسة الإنذار والتبليغ، ومزاولة الدّعوة في وسط التيّارات والأهواء والمداخل والدروب .. وما يصاحب هذا ويلابسه من أدران وأخلاط وشوائب .. تحتاج من الداعية إلى الطهارة الكاملة؛ كي يملك استنقاذ الملوّثين دون أن يتلوّث، وملابسة المدنّسين من غير أن يتدنّس .. وهي لفتة دقيقة عميقة إلى ملابسات الرسالة والدعوة والقيام على هذا الأمر بين شتّى الأوساط، وشتّى البيئات، وشتّى الظروف، وشتّى القلوب! وبعد ذلك يطالعنا قوله جل شأنه: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾!

стр. 740

والرسول ﷺ -كما عرفنا- كان هاجراً للشرك، ولموجبات العذاب، حتى قبل النبوّة، فقد عافت فطرته السليمة ذلك الانحراف، وهذا الركام من المعتقدات الشائهة، وذلك الرجس من الأخلاق والعادات، فلم يعرف عنه أنه شارك في شيء من خوض الجاهلية .. ولكن هذا التوجيه يعني المفاصلة، وإعلان التميّز الذي لا صلح فيه ولا هوادة .. فهما طريقان، مفترقان لا يلتقيان، كما يعني التحرز من دنس هذا الرجز -والرجز في الأصل هو العذاب، ثم أصبح يطلق على موجبات العذاب- تحرزّ التطهر من مس هذا الدنس! ويوجّهه إلى إنكار ذاته وعدم المنّ بما يقدّمه من الجهد، أو استكثاره واستعظامه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾! وهو ﷺ سيقدّم الكثير، وسيبذل الكثير، وسيلقى الكثير من الجهد والتضحية والعناء .. ولكن الله يريد منه ألا يظل يستعظم ما يقدّمه ويستكثره ويمتنّ به .. وهذه الدعوة لا تستقيم في نفس تحسّ بما تبذل .. فالبذل فيها من الضخامة بحيث لا تحتمله النفس إلا حين تنساه، بل حين لا تستشعره من الأصل؛ لأنها مستغرقة في الشعور بالله، شاعرة بأن كل ما تقدمه هو من فضله ومن عطاياه، فهو فضل يمنحها إيّاه، وعطاء يختارُهَا له، ويوفّقها لنيله، وهو اختيار واصطفاء وتكريم يستحق الشكر لله، لا المنّ والاستكثار! ويوجهه أخيراً إلى الصبر لربّه: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾! وهي الوصية التي تتكرر عند كل تكليف بهذه الدعوة أو تثبيت، والصبر هو هذا الزاد الأصيل في هذه المعركة الشاقة .. معركة الدعوة إلى الله، المعركة المزدوجة مع شهوات النفوس وأهواء القلوب، ومع أعداء الدعوة الذين تقودهم شياطين الشهوات، وتدفعهم شياطين الأهواء!
следующие страницы →