← Сира

Сира · id 17666

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

سعد المرصفي

Полный текст (1 818 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الاجتماعيّة الخادعة الشرّيرة المفسدة الملحدة، متمثّلة في الشيوعية الفاجرة التي تسوق الشعوب بسياط من بشاعة القسوة والعذاب الذي لا يطاق! فهذا وإن كان في واقع الإِسلام ومبادئه وشرائعه التي أنزلها الله لتحقيق العدالة الاجتماعيّة، ونصرة المظلوم، وإتاحة العيش الكريم لكل إنسان على أرض الله، لكنه ليس هو واقع السابقين الأوّلين من طلائع المؤمنين بدعوة الإِسلام، فكانوا أوّل من آمن برسالة محمَّد ﷺ ، واهتدوا بهديه، وكانوا اللبنات الأولى في صرح هذا (الدّين القيّم)! وليس هو واقع الإِسلام في هدايته العامة التي جاءت لهداية الإنسانيّة كلها، وتحريرها من ربقة الشرك والوثنية وإدخالها في حظيرة التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبوديّة الخالصة، وتخليصها من ذلّ الظلم الاجتماعي الذي فرضه عليها حفنة من الطغاة البغاة العتاة، فساقوها بسياط الظلم إلى مهاوي العبوديّة لهم، ولما في أيديهم من حطام الدنيا! ٦ - ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾: وبعث الله تعالى محمداً ﷺ رسولاً إلى العالمين، وأمره بالإنذار العام، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ (المدثر)! وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما عن يحيى قال (١): سألت أبا سلمة:

стр. 737

أيّ القرآن أنزل أوّل؟ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾! فقلت: أنبئت أنه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾! فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله: أيّ القرآن أنزل أول؟ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت!: أنبئت أنه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾! فقال: لا أخبرك إِلا بما قال رسول الله ﷺ : قال رسول الله ﷺ : "جاورت في حراء، فلمَّا قضيت جواري هبطت، فاستبطنت الوادي، فنوديت فنظرت أمامي وخلفي، وعن يميني وعن شمالي، فإِذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض، فأتيت خديجة، فقلت: دثّروني وصبّوا عليّ ماءً باردًا، وأنزلت عليّ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ (المدثر)! وحديث بدء نزول الوحي مشهور -كما أسلفنا في حديث بدء الوحي- والمراد بالأوليّة هنا -كما قال ابن حجر (١) - أوليّة مخصوصة بما بعد فترة الوحي، أو مخصوصة بالأمر بالإنذار، لا أن المراد أنها أوليّة مطلقة، فكأن من قال أوّل ما نزل ﴿اقْرَأْ﴾ أراد أوليّة مطلقة، ومن قال إنها ﴿الْمدَّثِّر﴾ أراد بقيد التصريح بالإرسال! قال الكرماني: استخرج جابر: أول ما نزل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ باجتهاد، وليس هو من روايته! والصحيح ما سبق في حديث بدء الوحي!

стр. 738

٧ - وصايا قرآنيّة: ويطالعنا النداء العلويّ الجليل، للأمر العظيم الثقيل .. نذارة هذه البشريّة وإيقاظها، وتخليصها من الشرّ في الدنيا، ومن النار في الآخرة، وتوجيهها إلى طريق الخلاص قبل فوات الأوان .. وهو واجب ثقيل سياق، حين يناط بفرد من البشر -مهما يكن نبياً ورسولاً- فالبشرية امتلأت من الضلال والعصيان، والتمردّ والعتوّ، والعناد والإصرار، والالتواء، والتفصّي من هذا الأمر، بحيث تجعل من الدعوة أصعب وأثقل ما يكلفه إنسان من المهام في هذا الوجود (١)! ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾! والإنذار هو أظهر ما في الرسالة، فهو تنبيه للخطر القريب الذي يترصّد للغافلين السادرين في الضلال وهم لا يشعرون .. وفيه تتجلّى رحمة الله بالعباد، وهم لا ينقصون في ملكه شيئاً حين يضلّون، ولا يزيدون في ملكه شيئاً حين يهتدون، غير أن رحمته اقتضت أن يمنحهم كل هذه العناية، ليخلصوا من العذاب الأليم في الآخرة، ومن الشرّ الموبق في الدنيا، وأن يدعوهم رسله ليغفر لهم ويدخلهم جنته من فضله! ثم يوجه الله رسوله في خاصّة نفسه، بعد إذ كلّفه نذارة غيره: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾! فهو وحده الكبير، الذي يستحقّ التكبير، وهو توجيه يقرر جانباً من التصوّر الإيماني لمعنى الألوهيّة، ومعنى التوحيد!

стр. 739

إن كل أحد، وكل شيء، وكل قيمة، وكل حقيقة .. صغير .. ! والله وحده هو الكبير .. ! وتتوارى الأجرام والأحجام، والقوى والقيم، والأحداث والأحوال، والمعاني والأشكال، وتنمحي في ظلال الجلال والكمال، لله الواحد الكبير المتعال! وهو توجيه للرسول ﷺ ليواجه نذارة البشريّة، ومتاعبها وأهوالها وأثقالها، بهذا التصوّر، وبهذا الشعور، فيستصغر كل كيد، وكل قوّة .. وهو يستشعر أن ربه الذي دعاه ليقوم بهذه النذارة، هو الكبير .. ومشاق الدعوة وأهوالها في حاجة دائمة إلى استحضار هذا التصوّر، وهذا الشعور! وبعد ذلك يطالعنا: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾! وطهارة الثياب كناية في الاستعمال العربي عن طهارة القلب والخُلق والعمل .. طهارة الذات التي تحتويها الثياب، وكل ما يلمّ بها أو يمسّها .. والطهارة هي الحالة المناسبة للتلقّي من الملأ الأعلى .. كما أنها ألصق شيء بطبيعة هذه الرسالة، وهي بعد هذا وذلك ضروريّة لملابسة الإنذار والتبليغ، ومزاولة الدّعوة في وسط التيّارات والأهواء والمداخل والدروب .. وما يصاحب هذا ويلابسه من أدران وأخلاط وشوائب .. تحتاج من الداعية إلى الطهارة الكاملة؛ كي يملك استنقاذ الملوّثين دون أن يتلوّث، وملابسة المدنّسين من غير أن يتدنّس .. وهي لفتة دقيقة عميقة إلى ملابسات الرسالة والدعوة والقيام على هذا الأمر بين شتّى الأوساط، وشتّى البيئات، وشتّى الظروف، وشتّى القلوب! وبعد ذلك يطالعنا قوله جل شأنه: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾!

стр. 740

والرسول ﷺ -كما عرفنا- كان هاجراً للشرك، ولموجبات العذاب، حتى قبل النبوّة، فقد عافت فطرته السليمة ذلك الانحراف، وهذا الركام من المعتقدات الشائهة، وذلك الرجس من الأخلاق والعادات، فلم يعرف عنه أنه شارك في شيء من خوض الجاهلية .. ولكن هذا التوجيه يعني المفاصلة، وإعلان التميّز الذي لا صلح فيه ولا هوادة .. فهما طريقان، مفترقان لا يلتقيان، كما يعني التحرز من دنس هذا الرجز -والرجز في الأصل هو العذاب، ثم أصبح يطلق على موجبات العذاب- تحرزّ التطهر من مس هذا الدنس! ويوجّهه إلى إنكار ذاته وعدم المنّ بما يقدّمه من الجهد، أو استكثاره واستعظامه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾! وهو ﷺ سيقدّم الكثير، وسيبذل الكثير، وسيلقى الكثير من الجهد والتضحية والعناء .. ولكن الله يريد منه ألا يظل يستعظم ما يقدّمه ويستكثره ويمتنّ به .. وهذه الدعوة لا تستقيم في نفس تحسّ بما تبذل .. فالبذل فيها من الضخامة بحيث لا تحتمله النفس إلا حين تنساه، بل حين لا تستشعره من الأصل؛ لأنها مستغرقة في الشعور بالله، شاعرة بأن كل ما تقدمه هو من فضله ومن عطاياه، فهو فضل يمنحها إيّاه، وعطاء يختارُهَا له، ويوفّقها لنيله، وهو اختيار واصطفاء وتكريم يستحق الشكر لله، لا المنّ والاستكثار! ويوجهه أخيراً إلى الصبر لربّه: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾! وهي الوصية التي تتكرر عند كل تكليف بهذه الدعوة أو تثبيت، والصبر هو هذا الزاد الأصيل في هذه المعركة الشاقة .. معركة الدعوة إلى الله، المعركة المزدوجة مع شهوات النفوس وأهواء القلوب، ومع أعداء الدعوة الذين تقودهم شياطين الشهوات، وتدفعهم شياطين الأهواء!

стр. 741

وهي معركة طويلة عنيفة لا زاد لها إلا الصبر الذي يقصد فيه وجه الله، ويتّجه به إليه احتساباً عنده وحده! وقد كانت الوصيّة الأولى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾! نبراساً قويًّا أضاء لنا رقعة الوجود -كما يقول المرحوم الدكتور دراز (١) - فأرانا فيها مكاننا ومكانتنا، وحدّد لنا فيها وجهة سيرنا وقبلتنا .. ثم كانت هُتافاً عالياً هتف بنا أن نوجّه إلى هذه القبلة أبصارنا وبصائرنا .. قالت لنا -وما أصدق وأعدل ما قالت: أيها الإنسان، لئن كنت قد هبطت من علياء الفردوس إلى هذه الأرض المتواضعة، لقد هبطت إليها واقفاً على قدميك، ولم تهبط إليها مكبًّا على وجهك ولديك! ألم تر كيف خُلقت منصوب القامة، مرفوع الهامة؟ فجعل نصيب الأرض منك أن تطأها برجلك ونعلك! أمَّا ناصيتك، فقد بقيت مرفوعةً إلى السماء، تذكّرك بما هنالك ومن هنالك، مِن وطنك وأهلك! إن هذا الرأس المرفوع يتأبّى لك بفطرته أن تنكّسه وتقلب وجهه، خضوعاً لشيء من المخلوقات، أو ركوعاً لأحد من المخلوقين! أيها الإنسان، لئن كان لك في هذه الأرض مستقرّ ومتاع إلى حين، لقد علمت أنك سوف تخرج منها إلى مستقر آخر، متى جاء هذا الحين .. فهل تحبّ أن تعرف حقيقة مصيرك ونهايتك؟!

стр. 742

ما عليك إذن إلا أن تنظر إلى أسلوب مسيرك في بدايتك، فإن كنت ممن يسيرون رافعي رؤوسهم، متطلّعين إلى الأفق الأعلى، فإن الأبرار الطائعين الفاعلين كل خير في عليّيّن: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ (المطففين)! ولفظ ﴿عِلِّيِّينَ﴾ يوحي بالعلوّ والارتفاع (١)! وإن كنت ممن ينكّسون رؤوسهم أمام صنم الدنيا؛ فإن الفجّار العصاة في سجّين: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠)﴾ (المطففين)! والفجار هم المتجاوزون للحدّ في المعصية والإثم (٢)! هكذا يكون المستقرّ في النهاية، حيث يتوجّه البصر في البداية: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ (الملك)! والذي يمشي مكبًّا على وجهه إما أن يكون هو الذي يمشي على وجهه فعلاً، لا على رجليه في استقامة، كما خلقه الله، وإما أن يكون هو الذي يعثر في طريقه فينكب على وجهه، ثم ينهض ليعثر من جديد (٣)!

стр. 743

وهذه كتلك حال بائسة تعاني المشقّة والعسر والتعثّر، ثم لا تنتهي إلى هدى ولا خير ولا وصول! وأين هي من حال الذي يمشي مستقيماً سوياً في طريق لا عوج فيه ولا عثرات، وهدفه أمامه واضح مرسوم؟! إن الحالة الأولى هي حال الشقي المنكود الضال عن طريق الله، المحروم من هداه الذي يصطدم بنواميسه ومخلوقاته؛ لأنه يعترضها في سيره، ويتخذ له مساراً غير مسارها، وطريقاً غير طريقها، فهو أبداً في تعثّر، وأبداً في عناء، وأبداً في ضلال! والحال الثانية هي حال السعيد المهتدي إلى الله، الذي يسير وفق نواميسه في الطريق اللاحب المعمور، الذي يسلكه موكب الإيمان والحمد والتمجيد .. وهو موكب هذا الوجود بما فيه من أحياء وأشياء! إن حياة الإيمان هي اليسر والاستقامة والقصد .. وحياة الكفر هي العسر والتعثر والضلال! فأيّهما أهدى؟ وهل الأمر في حاجة إلى جواب؟ إنما هو سؤال التقرير والإيجاب؟ أيها الإنسان، إن لك في السماء مكاناً يناديك، ففرّ إليه، بل طر إليه .. أقم وجهك للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، ولا تكونن من المشركين: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾!

стр. 744

لكن هنا يتساءل المتسائلون، ويتعجّب المتعجّبون: بأيّ جناح تطير هذه الأرواح إلى مستقرّها الأرفع، بعد أن حملت من أوزار المادّة وأثقالها ما أوهن أجنحتها؟! وكيف تطمع هذه الأرواح أن تعود كرّة أخرى إلى ذلك الرفيق الأعلى، وقد أصابها منذ هبطت إلى هذا الكوكب، من غبار الدنيا وغبرتها، ومن شعثها وقترتها، ما يباعد بينها وبين ذلك الأفق الأقدس الأطهر؟! يتساءلون ويعجبون .. إنهم يرونه بعيداً، ولكن القرآن الكريم يراه قريبًا جدّ قريب! ها هو ذا يرشد الأرواح إلى طهورها الذي يردّ إليها اعتبارها! ها هو ذا يهيئ للأرواح معراجها الذي يعيدها إلى عزّة مكانها، وشرف جوارها! ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ (القمر)! نعم، لقد كانت الوصية الأولى حداءً للأرواح يدعوها إلى الملأ الأعلى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾! فجاءت هذه الوصيّة الثانية، تنصب للأرواح معراجها الذي تعرج فيه، لتلبية ذلك النداء: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾! إنه لمعراج حقاً، ولكن أليس حسب الكسالى مثبطاً أنه معراج؟! ومعلوم أن واجب الطهر ليس عمل ساعة، وإنما هو قرين العمر، وليس شغل يوم، ولكنه مشغلة الدهر!

стр. 745

إن الغبار متلاحق متواصل، لو ترك في أوقات متوالية تراكمت طبقاته، وتزايدت مشقاته! وهو غبار أخّاذ نفّاذ، ينفذ من ظاهر الأغشية والأغطية، إلى باطن الصناديق والأوعية! وهو غبار تتداعى أجزاؤه، وتتجاذب أطرافه، حتى ليفضي اليسير منه إلى الكثير، والصغير منه إلى الكبير! ألا فلندع جانباً هؤلاء الكسالى، الذين كره الله انبعاثهم فثبّط عزائمهم، ولننظر إلى فضل الله علينا وعلى الناس؛ إذ جعل لنا في كل مرحلة من مراحل هذا الغبار الثائر، سبيلاً إلى التنزّه عنه، أو إلى التطهّر منه! ذلك أن هذا الغبار -وإن نفذ من غلاف إلى غلاف، وإن اقتحم على النفس أسوارها، حجاباً بعد حجاب- لا يبلغَ جهده أنَ يصل إلى جوهرها الكمين في قراره المكين، كلا، ولو فعل .. إذن لسقط التكليف، ورفعت التبعات، وزالت حجّة الله على الناس! وإنما قصارى أمره -ما دام زمام المسؤوليّة في أيدينا- أن يسدّ على النفس منافذ حسّها من قريب أو بعيد، وأن يغشى زجاجة نورها بحجاب رقيق أو غليظ فيدسّها ويخفيها .. ولكن ما هو إلا أن تزال عنها تلك الغشاوات والحجب، فإذا هي قد تجلّى نورها، وتدفّق ماء حياتها، وعادت كما كانت إلى السير! ترى، ما كنه تلك الثياب التي أمرنا بتطهيرها؟ أما الحرفيّون الماديّون فإنهم يفهمون منها أدنى معانيها إلى حسّهم، ذلك

стр. 746

اللباس الذي تتوارى به أبداننا، أما المتفقّهون في أسرار اللغة والدّين، فإنهم يفهمون منها شمائل الأخلاق: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ (الأعراف)! والقول الجامع أن النفس يحيط بها أربع طبقات، كل واحدة منها تعد ثوباً لها: أدناها إلى جوهرها طبقة الصفات والأحوال النفسيّة، وهذا هو ثوب الشعار! ثم يلي ذلك ثلاث طبقات من الدثار: طبقة السير والأعمال! ثم طبقة البنية والجثمان! ثم طبقة الملبس! والقرآن الكريم يناشدنا أن نحرص على طهارة الطبقات الأربع جميعاً، بل على طهارة كل ما نلامسه ونباشره من مكان ومصلّى ومسكن، وعلى التحلّي بكل حسن جميل، والتخلّي عن كل دنس ذميم، حسياً كان أو معنويًّا: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ (الأنعام: ١٢٠)! ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (الأنعام: ١٥١)! ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (الأعراف: ٣١)! ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ (الحج)! ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ (التوبة)!

стр. 747

ولمَّا كانت عناية القرآن دائماً بالجوهر والمخبر أشدّ منها بالصورة والمظهر، كان الهدف الأوّل الذي تتجه إليه الوصيّة ها هنا، هو الجانب الروحي الخُلُقي، جانب السيرة والسريرة! وهذا هو ما فهمه الصحابة والسلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين! وإنه لطهر شامل للمظهر والمخبر معاً! ترى، أما آن لنا أن نقبس من هذا الطهر ما يضيء أمامنا معالم الطريق؟! بين البخل والسرف: والشأن في المسلم أن يوقن أن حصر همّه في جمع المال وتعديده يشقيه تَعَباً ويعييه، وأنه لا محالة مفارقه يوماً ما تركةً، ليستمتع به من لم يكن يهمه ولا يعنيه، وأنه سيلاقيه أخيراً، لا ملكاً ولا انتفاعاً، ولكن عذاباً واصباً في الآخرة، فوق ما كان هماً ناصباً في هذه الدنيا! ومن ثم ينفعه إيمانه، ويتبدّل حرصه الشديد على المال إنفاقاً في سبيل الله، وزهداً في متاع الحياة، وتتحوّل عبوديّته له سيادة وسلطاناً عليه، وتنفرج أنامله المعقودة، وتنبسط كفّه المقبوضة، ويصبح شعاره: أنفق .. أنفق .. بعد أن كان مثله: أمسك .. أمسك! لكن، ألست ترى أن حلّ هذه المشكلة الأولى، هو نفسه إثارة لمشكلة أخرى؟! ألست ترى أن السلامة من هذا الداء، هي بعينها مدرجة، ومزلقة إلى واد آخر؟!

стр. 748

لقد كفينا آنفاً من مرض الإمساك والتقتير .. ألسنا بهذا العلاج نسلط عليه جراثيم من فصيلة الإسراف والتقتير؟! كلا، إن القرآن الحكيم لم يدع هذه النزعة الجديدة تنطلق انطلاقها، وتجاوز مداها .. لقد وضع أمامها سدوداً وحواجز تقف بها دون طرفها الأقصى، كما وضع أمام النزعة الأولى سدوداً وحواجز تقف بها دون طرفها الأدنى، فكما قال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾! قال عقبها في نفس الآية: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (الإسراء: ٢٩)! ومن صفات عباد الرحمن نقرأ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ (الفرقان)! هما إذن طرفان ذميمان، خيرهما شر، وموردان يفيضان، أحلاهما مر .. بلى على التعيين والتحديد! إن هذا المرض أفحش ضرراً وأعظم خطراً، وإن اشتركا في أصل الضرر والخطر .. فالممسك والمسرف كلاهما يضع المال في غير موضعه .. غير أن الممسك يضعه في مكان عزيز حريز فما يدرينا؟ لعل الله يقيض لهذا المال بعد ذلك، من يثيره في مكمنه، ويوجّهه الوجهة السديدة التي يرضاها الخُلق والدين! أما المسرف فإنه حين وضعه في غير موضعه وضعه في مضيعة، لقد بعثره وبدّده واستهلكه وأهلكه، فلا سبيل إلى إعادته وتصحيح وجهته! الممسك يفوّت مصلحة المال إلى أمد، والمسرف يفوّتها إلى الأبد!

стр. 749

الممسك يعلّقها ويعطلّها، والمسرف يمحوها ويبطلها! الممسك -بقعوده عن الإنفاق في الخير- يضر من طريق سلبي، والمسرف -بإنفاقه في سبيل الشر- يضرّ من طريق لا حدود لها! الممسك شيطان ساكن ساكت، والمسرف شيطان متحرك ناطق، عامل دائب! لا جرم أنه كان في حكم الله تعالى أحق باسم الشيطان: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ (الإسراء)! هكذا نبصر رذيلتي الإمساك والإسراف، كأنهما من فصيلتين مختلفتين .. وفي الحق لا يختلفان إلا في بادئ الأمر وفي رأي العين .. أما في نظر الحكمة الفاحصة التي تعيش الأشياء من أعماقها، فإنهما يبدوان فصيلة واحدة من المرصد الخلقي، مردها إلى جرثومة واحدة! نعم، إن محور الشرّ في داء البخل، ليس في حفظ المال وصيانته، لكن في حبسه عن مصارفه، كما أن موطن الضرر في داء الإسراف، ليس في إنفاق المال وبذله، ولكن لما أنفق في غير موضعه، كان ذلك حرماناً لأهله ومستحقّيه، وهذا هو بيت القصيد في نظر الحكيم! هكذا رجع الداء إلى أصل واحد، وعنصر واحد، وهو حبس المال عن وجوهه وحرمان أرباب الحقوق منه، سواء أبقي في يد صاحبه فسميّناه بخلاً وإمساكاً، أم تبدّد في أيد أخرى، فسميناه تبذيراً وإسرافاً، فهذا الإسراف نفسه هو في نظر الفضيلة إمساك؛ لأنه حبس للمال عن أهله، وهذا التبذير هو التقتير بعينه على الوجوه الأخرى، التي هي أحرى بالإنفاق!

стр. 750

ترى، ما تلك الوجوه الحريّة بالإنفاق؟ والتي إذا لم نبذل المال فيها كان ذلك وصمة لنا بإحدى الرذيلتين؟ وإذا بذلنا المال فيها، كان ذلك طهراً لنا من الدنسين جميعاً، وشفاءً لنا من الدائنين كليهما، في دفعة واحدة؟ يجيب المتطرفّون من أهل الأثرة والأنانية: نفسك .. نفسك .. ومن ورائك الطوفان! ويجيبنا المتطرّفون من أهل الإيثار والغيريّة: احرق شمعتك .. احرق شمعتك لتضيء للناس، وأهلك نفسك ليحيا الناس! أما القرآن الكريم، فإنه يجيبنا بحكمته الجامعة: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (القصص: ٧٧)! نعم، إنها الموازنة، تراعى فيها الحقوق كلها، وتؤذى فيها الواجبات جميعها .. إن لنفسك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، وإن لضيفك عليك حقاً! يروي البخاري وغيره عن أبي جحيفة عن أبيه قال: آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذّلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا! فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعاماً، فقال له: كل، قال: فإِني صائم! قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل! فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: ثم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن: فصليّا، فقال له سلمان: إِن لربّك عليك حقاً! ولنفسك عليك حقاً! ولأهلك عليك حقاً! فأعط

стр. 751

كل ذي حقّ حقّه! فأتى النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال له النبي ﷺ : "صدق سلمان" (١)! أما الغيريون المترفون، فإليهم يوجّه نداء القرآن الكريم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾ (الأحقاف)! نعم، إنها موازنة، ليست موازنة عدديّة، تتكافأ فيها الأرقام في كل باب، ولكنها موازنة رشيدة، تختلف باختلاف الناس وثرواتهم وأعبائهم، وسائر ملابساتهم .. موازنة تراعى فيها مصالح الدنيا والآخرة جميعاً، على بصيرة وعلى قدر: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾ (الرحمن)! ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ (البقرة)! كيف عالج القرآن رذيلة البخل ؟!: وإذا كنا قد عرفنا أن القرآن الكريم حين أمرنا أن نطهّر ثيابنا أرادها منا طهارة شاملة كاملة، حسّية ومعنويةً، ظاهرةً وباطنة .. وعرفنا -كذلك- أيّ نوع من الطهر خصّه القرآن بمزيد من عنايته، وجعل له الصدارة في طليعة دعوته .. وتبيّن لنا أن حملته التطهيريّة الأولى كانت مركّزة على مكافحة

стр. 752

جذوره في أعماق النفس، ولكن مخالبه تنشب في أحشاء الأمة والدولة، ذلك هو داء الشح والبخل، أو الإمساك والتقتير .. فإن القرآن قد مضى يكشف لنا عن مصادره ومنابعه، فأرانا كيف ينظر الأشحّاء إلى حطام الدنيا من خلال عدسة مكبّرة مزورة، وكيف أورثتهم هذه النظرة الخاطئة ارتفاعاً فاحشاً في درجة حبّهم لهذا الحطام: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ (الفجر)! هكذا وضع القرآن يدنا على رأس المرض وجرثومته .. فهل تراه بذلك قد أدّى كل مهمّة الطبيب، وقام بكل رسالته؟! كلا، لقد بقي شطرها الأخير والخطير .. إذ ما يجدي وصف المرض وتشخيصه إذا لم توصف الوسائل الناجعة لعلاجه أو الوقاية منه؟! فلننظر الآن كيف عالج وضع القرآن قدمنا على جادة الطريق لنزاول هذا العلاج؟! إنه علاج يتألّف من ثلاثة عناصر: عنصر يزوّد القول بالحقائق الأوليّة! وعنصر يمدّ الإيمان بالحقائق الغيبيّة! وعنصر يغذّي العزائم بالوسائل العملية! ولقد يأخذك العجب، كيف يكون في الدنيا عاقل تغيب عنه بعض الحقائق الأوليّة، ويحتاج إلى التزوّد منها؟! ولكن، أليست النفسيّة الشحيحة من شأنها أن تستر عن صاحبها هذه الحقائق؟ فالبخيل إذا استولى حبّ المال على قلبه، أصبح مرهف الإحساس به،

стр. 753

إلى حد أنه يعدّه جزءاً متمّماً لجسمه وروحه، فإذا دعوته إلى الإنقاص منه، أحسّ كأن روحه بدأت تستلّ من بدنه، وجعل ينظر إليك نظر المغشيّ عليه من الموت، نظرات كلها توسّل والتماس، كأنه يقول: رويدك .. رحماك!! رفقاً بي، لا تمس لي طعاماً ولا شراباً ولا درهماً ولا ديناراً!! إن كل فلذة تقتطعها من مالي، إنما هي عضو تنشره من جسمي! فإن هلك مالي هلكت نفسي، وإن بقي مالي بقيت!! إنه ليرخي أمامي حبل الأمل، وينسيني محتوم الأجل!! إني لأستمدّ من زيادته واكتماله قوة وفُتوّة، ومن بقائه شعوراً بالبقاء والخلود! هكذا قد يصل حبّ المال بصاحبه إلى نسيان هذه الحقيقة الأولى، وهي أنه لم يكتب لبشر قبله الخلود، وأنه لم يكن تخليد المال تخليداً لصاحبه في عهد من عهود البشريّة، فيكشف القرآن عن بصره هذه الغشاوة ليوقظه من هذه النومة العميقة: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا ...﴾ (الهمزة)! ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ (القصص: ٧٨)! فإذا لم يكن من الخالدين لينتفع بهذا المال في حياته! ولم يدخل في حسابه يوماً أن يبرّ به أهلاً ولا ولدًا!، ولا أن يمنح منه الآخرين عوناً ولا رفداً، ولا أن

стр. 754

يكتسب به ثناءً ولا حمدًا!، ففيم إذن يجمع هذا المسكين، أيحسب أن ماله سيحمله معه إلى قبره؟! هل غابت عنه هذه الحقيقة الأخرى؟ ألم يعلم أن الميّت يتبعه ثلاثة: أهله وماله وعمله؟ وأن اثنين يرجعان، ولا يبقى معه إلا واحد، يرجع عنه أهله وماله، ولا يبقى إلا عمله! يروي الشيخان وغيرهما عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "يتبع الميّت ثلاثة، فيرجع اثنان، ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله" (١)! وصدق الله العظيم: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ (الأنعام: ٩٤)! لا خلود إذن أيّها الكانزون، لتتمتّعوا بأموالكم في هذه الحياة، ولن تخلد هذه الأموال معكم في أكفانكم، لتؤمّنوا بها وحشة قبوركم! تلك حقائق أولية، يعرفها كل ذي إدراك سليم، مؤمناً كان أو ملحداً! وإنه ليكفي أدنى الانتباه ليتعيّن بها للأشحّاء مبلغ العبث، بل مبلغ السخف والسفه في تجميع هذه الأموال التي سيفارقونها، ولا ينالون منها شيئاً، لا من قبل ولا من بعد! أما المؤمنون بالحقائق البّينة، فقد ادّخر القرآن الحكيم لهم منها نذراً أخرى،

стр. 755

تنبئهم أن هذا الضّنّ والمنع ليس عبثاً وسخفاً وحرماناً عاجلاً فحسب، بل هو إلى ذلك جرم كبير، وشرّ مستطير: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران: ١٨٠)! ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾ (التوبة)! ألا فليوازن الكانزون بين شهوة الاكتناز ولذته الحاضرة العابرة، وبين عواقبه الوخيمة في الدار الآخرة! هكذا زودنا القرآن الكريم بمجموعتين من الحقائق: حقائق من عالم الغيب! وحقائق من عالم الشهادة! من شأن التأمّل فيها أن يحلّ عن قلوبنا عقدة هذا الحب الأعمى، وأن يطهّر ثيابنا من درن الطين اللازب! غير أن هذا العلاج المزدوج، إن استطاع أن يحكّ من ثيابنا جرم هذا التراب، فلن يستطيع أن يمحو عنها آثاره، وان استطاع أن يحلّ عن قلوبنا عقدة هذا الحبّ، فلن يقطع عنا حباله!

стр. 756

فطرة الله التي فطر الناس عليها، فلا سبيل إلى تبديلها، بل ولا خير في تبديلها؛ إذ لو انقلب حبّ المال مقتاً له وازدراءً، وأصبحت قيمته في نظر الناس هباءً فأيّ جهد يحمد للمرء في بذله، وأيّ فضل له في التضحية؟! من الخير إذن أن يبقى فينا شيء من حبّ المال -وسيبقى لا محالة- قويًّا أو ضعيفاً أو مناوبةً بين القوّة والضعف! ومن هنا نعرف السرّ في أن القرآن الحكيم لم يقتصر على هذا العلاج النفسي المزدوج، ولم ينتظر أن يبلغ به غايته القصوى، ولا أن يصل بحبّ المال فينا إلى حدّه الأدنى، بل أخذ يمدّنا بعلاج ثالث عملي، نزوّد به عزائمنا! ذلك هو أن نُدرّب أنفسنا على بذل المال وإنفاقه مراغمةً ومقاومةً، مراغمةً لأهوائنا، ومقاومة لرغائبنا، حتى يصبح التزهّد زهداً، والتسخّي سخاءً، والتكرّم كرماً، والتطبّع طبعاً! أليس أفضل الصدقة صدقة الصحيح والشحيح، الذي يخشى الفقر، ويأمل الغنى؟! أليس البر هو إيتاء المال على حبّه؟! أو ليس الأبرار هم الذين قال الله فيهم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ (الإنسان)! ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ (الحشر)!

стр. 757

الطهر من داء الحرص والشح: هذا، وعيوب النفوس وآفاتها، ومطالب الأعمال وسؤالها، أكثر من أن يحصيها العدّ، وأشق من أن يقضى عليها بجملة واحدة من الجهد، وعلينا أن نجاهد عيوبنا في داخليّة نفوسنا، وفي صميم حياتنا الفرديّة، ونكافح عيوباً في أسلوب معاملاتنا تمسّ حياتنا في الجماعة! وقد اختار القرآن الكريم لوناً مركباً من نوعين: نوع ينبت خلقاً في أرض القلب، ثم تخرج ثمرته عملاً له أعظم الأثر في كيان المجتمع .. ويجمل بنا أن نتصفح السور الأولى التي جاءت في طليعة الوحي، بل التي نزلت في الصدر الأول كله من الحياة النبويّة! وعدد السور المكيّة بضع وثمانون سورة، إذا استثنينا منها السور المتصلة بالعقيدة والقصص والكونيّات وما إليها، من الحقائق النظريّة، أو المبادئ الكليّة، وهي زهاء نصف هذا العدد، وجئنا إلى النصف الآخر الذي ورد فيه شيء من الوصايا العمليّة المفصلة .. فإننا سنرى عجباً .. سنرى أرباع هذه الصور، أو على وجه التحديد ثلاثاً وثلاثين سورة توجّه حملتها لاستئصال مرض بعينه، إما على الإفراد أو بضميمة أمراض أخرى إليه! أتدري ما هذا المرض؟! إنه مرض الشح والمنع للخير .. مرض الإمساك خشية الإنفاق .. مرض انطواء الأغنياء على أنفسهم .. وإغماض عيونهم عما حولهم من حاجات الأمّة والأفراد .. مرض الإسراف في حبّ المال .. مرض الحرص على العض على هذا الحطام بالنواجذ!

стр. 758

ونبصر ثورةً غاضبةً على النفوس الشحيحة، والثروات المكنوزة، والأموال المضمومة على أهلها، أو على أبواب استحقاقها، وفي الوقت نفسه دموع رحمة وحنان على اليتيم والمسكين والأسير والرقيق والسائل والمحروم، فمن شاء أن يستمع إليه، وهي في ثورة غضبها على ذلك المجتمع المادي الحريص الشحيح الكنوز، فليستمع إلى هذه الصيحات المزمجرة: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦)﴾ (سورة الهمزة)! ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (فصلت: ٧)! ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ (سورة التكاثر)! ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ (سورة الماعون)! ﴿يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ (المدثر)!

стр. 759

﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ (الحاقة)! ومن سرّه أن ينظر إلى الآيات الكريمة، وهي تقطر حناناً ورحمةً على الفئات البائسة المحرومة، فليستمع إلى هذه المناشدة الحارّة العطوفة: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾ (البلد)! ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ (الفجر)! هكذا يضع القرآن الحكيم يدنا من أول يوم على موطن الداء الدوي، ومكمن المرض العضال: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾! ها هنا رأس كل خطيئة .. ها هنا رأس كل دنيّة .. إنه مرض ذو شعبتين: شعبة تنخر في نفسيّة الفرد، وشعبة تفتّ في كيان الأمّة والدولة! فالإسراف في حبّ المال إذا نبت في قلب امرئ أذلّ عنق صاحبه، وهوّن عليه كل مهانة في سبيل طلبه، وقعد به عن كل مكرمة في أسلوب إنفاقه، فأصبح هو السيّد المالك، وأصبح هو العبد المملوك .. ومن زرع الحرص حصد

стр. 760

التنافس والتحاسد، ثم انشقاق الخصام، ثم تقطيع الأرحام، ثم سفك الدماء، ثم ما شئت من محن تتوارثها الأجيال! والشح مرض وبائي سريع العدوى والانتقال .. وإذا تفشّى في أمّة، وقف دولاب حركتها، وتعوّق سير نهضتها، وبدأت الشيخوخة تدبّ في أعضائها، وطمع فيها أعداؤها، بل غدت نهباً للمطامع، وسلعةً يسومها كل مشتر وبائع! الشح إذن داء تتولّد منه أدواء .. إنه عشّ تفرخ فيه الأورام، ووكر يسكن فيه وحي الشيطان، ينفخ الشيطان في روع صاحبه ليزّين له فاحشة البخل، وليجعله من خوف الفقر في فقر، يقول له: أمسك عليك مالك، إن المال شقيق الروح، وعماد الحياة! والله لا يأمر أحداً أن يبذل كل ماله، وأن يذر نفسه وعياله عالة يتكفّفون الناس، إنما يريد منا أن ينفق كلٌّ من فضل ماله، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، وذلك ليجعل متعتين وسعادتين: متعة بالاستغناء عن الغير، ومتعة بإغناء الغير! سعادة مباشرة نتذوّقها .. وسعادة أخرى هي صدى للسعادة التي ننشرها، والله بعد ذلك يعد المنفق خلفاً، والممسك تلفاً، على رغم أنف الشيطان: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾ (البقرة)! فريضة الكسب: هذا، والآيات الحكيمة تعالج من النفوس أبوابها المغلقة، حتى فتحت أغلاقها، وعقدها الموثقة، حتى حلّت وثاقها!

стр. 761

كرهت إليها خلّة الضّنّ والإمساك، وحبّبت إلينا شيمة البذل والإنفاق -كما عرفنا- وما برحت تحبّبنا في هذه، وتبغضنا في تلك .. حتى خشينا أن يكون الانطلاق في بذل المال انطلاقاً إلى غير مدى، وأن يكون الزهد على غير هدًى .. وإذا بالحكمة القرآنيّة تضع الأمور في نصابها .. وإذا هي حين فتحت الكنوز أقامت الحرَّاس على أبوابها، لورودها وصدورها، وتنظيماً لوجوه توزيعها توزيعاً بالقسط، يوفّر على النفس حظها المقسوم، ويؤدّي للغير حقّه المعلوم، لا حرمان ولا تقتير، ولا إضاعة ولا تبذير، وكان بين ذلك قواماً! هذه الوصيّة الثنائيّة، هل تراها وصيّة عاملة شاملة؟ وهل كل فرد من الناس أهل لأن يوجه إليه خطابها؟! أليس في الناس المرزوق والمحروم؟! أليس فيهم الواجد والفاقد؟! فمن لم يجد ما ينفقه أو يمسكه، كيف يقال له: لا تمسك ولا تقتر، ولا تسرف ولا تبذر! إنها إذن وصيّة واحدة لشَطر واحد من شطري الأمّة، فما خطب شطرها الثاني؟! إنها وصيّة لأرباب الأموال، فما بال من لا مال له؟! هل أعدّ القرآن الحكيم لهم وصيّة مقابلة؟! نعم، وإنها بدورها لوصيّة ثنائية، تهدي كذلك إلى طهارة مزدوجة .. وصيّة من لم يجد، أن يجد ليجد، ثم وصيته ألا يتطلّع إلى ما في يد

стр. 762

الواجدين .. دعوة إلى شرف العمل الكاسب، الذي يغني صاحبه، وينشر الغنى من حوله على العاجزين، ثم دعوة إلى أشرف نوعي الغنى وأكرمهما! يروي الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ليس الغنى عن كثرة العَرض، ولكن الغنى غنى النفس" (١)! والتسامي عن موقف الحاجة والضراعة، وعن ذلّ السؤال والالتماس؛ بل عن التشهّي والتمنّي لما في أيدي الناس! بهاتن الوصيّتين الذهبيّتن جاء الذكر الحكيم في آية، ما أحرانا أن نتدبّرها، وأن نزن أنفسنا بميزانها: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ (النساء)! يقول الله تعالى لهؤلاء الذين يمدّون أعينهم إلى ما عند غيرهم: إنكم في التماس الخير لأنفسكم، تتركون الفجاج الواسعة الآمنة، وتميلون إلى المسارب الضيّقة الموحشة .. إنكم تتركون النهر الدافق وتستقون من الغدير! ما لكم وما في أيدي الناس؟! فإنما من عندي نالوا رزقهم، وإن أبوابي مفتوحة لكم ولهم! تحوّلوا عن هذا الطريق؛ فإنه طريق شائك غير مسلوك، وقد مهّدت لكم بدلا منه طريقين مسلوكين، فولوا وجوهكم شطرهما!

стр. 763

دونكم الأرض الواسعة، جعلتها لكم ميدان الكسب والعمل، فامشوا في مناكبها، وكلوا من رزقي .. دونكم السماء الرفيعة، جعلتها لكم قبلة الدعاء والأمل، فإيّاي فادعوا، وفضلي فالتمسوا! تلك وصيّة الله .. فماذا كان الموقف منها؟! واأسفاه، لقد وقف كثيرون منها موقف الإباء العنيد، فلا إلى ميدان الأعمال يبرزون، ولا إلى قبلة الآمال يتوجّهون، ولكنهم يحطون أنظارهم على طرف أنوفهم، ويفتحون أعينهم على رزق الجار والقريب والصاحب والزميل، يحصونه ويعدّونه عداً، ثم يقولون: أهؤلاء، منّ الله عليهم من بيننا؟! هكذا يصنع الناس! هكذا يصنع الفاقد للشيء، ينفق عمره في التطلّع إلى حظ واجده .. وهكذا يصنع المقلّ .. يضيّع وقته في حساب رزق المكثر .. ولعله لو دقّق الحساب لوجد نفسه قد أوتي ما هو أعزّ قدراً وأغلى ثمناً .. ولكنه ينسى الكنز الذي في يده، ويتطلّع إلى الزخرف في يد صاحبه .. وهبه لم يؤت من الحظوظ ما يعادل تلك الحظوظ الماديّة أو يزيد، فهل حسب أن سعة الرزق عند الآخرين تضيق عليه هو رزقه؟! وهل يخشى أن سعة الرزق عند الآخرين تنقص من ينابيع الثروة شيئاً فشيئاً، فحرص أن يزاحمهم عليها قبل أن يستنفذوها؟! يا هذا، إن خزائن الله لا تنفد، وإن معين نعمته لا ينضب، فما بالك تزاحم الخلق على شربهم من هذا الحوض الضيّق المحدود، وأمامك ذلك النهر العذب الذي لا ساحل له ولا حدود؟!

стр. 764

يروي مسلم وغيره عن أبي ذر، عن النبي ﷺ ، فيما يرويه عن الله ﵎ أنه قال: "يا عبادي! إِنّي حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم مُحَرَماً فلا تظالموا! يا عبادي! كلكم ضالّ إِلا من هديته، فاستهدوني أَهْدكم! يا عبادي! كلكم جائعٌ إِلا من أطعمته، فاستَطعموني أُطْعُمِكم! يا عبادي! كلكم عارٍ إِلا من كَسَوْتُه، فاسْتكسُوني أَكسُكُمْ! يا عبادي! إِنكم تُخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغْفر لكم! يا عبادي! إِنكم لن تبلغُوا ضرِّي فَتَضُروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني! يا عبادي! لو أن أوّلكم وآخركم، وإنسَكُم وجنَّكمْ، كانوا على أتْقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً! يا عبادي! لو أن أوّلكم وآخركم، وإِنْسكمْ وجنَّكُمْ، كانوا على أفْجر قلب رجل واحد، ما نَقَص ذلك من مُلكي شيئاً! يا عبادي! لو أن أولكم وآخِركمْ، وإِنْسكُمْ وجنَّكُمْ، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كل إِنسان مسألته، ما نَقَص ذلك مما عندي إِلا كما يَنْقُص المخْيَطُ إِذا أُدخل البحر! يا عبادي! إِنما هي أعمالكُم أحْصيها لكُم، ثم أوَفيَكُمْ إِيّاها، فمن وجد خَيْراً فليحمد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يلُومنَّ إِلا نفسه" (١)!

стр. 765

ألا، من كان ملتمساً في رزقه الفضل، فمن الله وحده إذن فليلتمسه، ومن كان مطالباً فيه بالحق والعدل، فليطلبه من نفسه، من جِدّه وجهده، من كدِّ يمينه وعرق جبينه! هكذا يقرر القرآن الحكيم حقّ العمل، أعني حق كل عامل في ملك ثمرة عمله، ونتاج كسبه، يقرّر القرآن حقًّا طبيعيًّا، وإنما هو حق وضعي، ومنحة إلهيّة، وعطيّة من الله! نعم، قرّر القرآن الحكيم حقّ العمل .. هذه واحدة .. ثم يقرّره حقًّا عامًّا، يستوي فيه الذكر والأنثى .. هذه ثانية! ولكنه مع ذلك يقرّره حقًّا جزئيًّا، للفرد الكاسب منه نصيب، وللأبوين نصيب .. فهذه ثالثة! مبادئ ثلاثة، سبق القرآن الحكيم بها أحدث النظريّات الاقتصاديّة، وأعدل المبادئ الاشتراكيّة: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ...﴾! هما إذن خطّان لا ثالث لهما .. طريق مسدود، وطريقان مفتوحان! لا تسأل الناس! ولا تحسد الناس! ولا تتمنّى ما في أيدي الناس! هذا هو الطريق المحظور، ولكن عليك بالعمل، وفي الله الأمل! هذان الطريقان مفتوحان: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ (النساء)!

стр. 766

منابع الكسب: هذا، وكم ناشد القرآن الحكيم واجد المال أن يبذله .. ! وكم ناشد فاقد المال أن يسعى إليه ويحصله! غير أن لبذل المال أساليب شتى، ولكسب المال طرائق متنوّعة .. وليس كل بذلك خليقاً بالحمد، ولا كل سعي جديراً بالشكر، قرّب عطاء، خير منه الحرمان، وربّ قاعد عن طلب المال خير من ساع إليه! نعم، إن في البذل تطهيراً للنفس من رذيلة البخل، وإن في الكسب ترفعاً بالكرامة عن ذل الحاجة، ولكن شيئاً من ذلك لن يكون طهراً وشرفاً حقًّا، إلا إذا كان طهور المادة شريف الأداة، حتى لا يكون غسلاً للنجس بالنجس ومحواً للسيّئة بسيئة مثلها، أو بما هو أسوأ منها! لا جرم، كان للكسب قوانينه وآدابه، وكان للبذل قوانينه وآدابه! وهي توجيهات تتناول الكسب من جهات ثلاث: من جهة وسيلته، ومن جهة غايته، ومن جهة أسلوبه وطريقته! والمرء إذا شغفه حبّ المال، قد يندفع إلى التماسه من كل طريق، اغتناماً لكل ريح هبّت، واقتناصاً لكل فرصة أقبلتْ، لا يستشير عقله في مقاييس النفع والضرّ، ولا يستغني قلبه في معايير الخير والشر، بل يخبط في سعيه خبط عشواء، فتراه يجمع من المال ما قلّ أو كثر، دون أن يوازن بين الجهد الذي يبذله والربح الذي يحصله، وتراه يقتحم في سبيل ذلك من المخاطر ما خفي وظهر، لا يبالي ما يصيبه منها في يومه أو غده القريب والبعيد!

стр. 767

هذه الدفعة الطائشة الحمقاء، قد تهدأ عن صاحبها قليلاً، فتتركه يستعرض أبواب المكاسب، ثم ينتقي منها وينتخب، ويأخذ منها ويذر، ولكنها توحي إليه سراً قاعدة الاختيار! إنها تدعوه إلى أن يوازن بين وجوه الكسب، أيّها أكثر ريعاً وأوفر ربحاً، وأيّها أقلّ غَرَراً وأيقن نجاحاً! هكذا، نزعة مبصرة هنا، ودفعة عمياء هناك! ولكنها في كلتا الحالين انبعاثة ماديّة خالصة، لا أثر فيها للقيم المعنوية، ولا للاعتبارات الإنسانية .. ماديّة غليظة القلب، ساقطة الهمّة، منهومة البطن، لا تتورع أن تستمدّ حياتها من فنون الحيل والمكر، والجور والغدر، والكذب والتزوير، والملق والنفاق، والرشوة والقمار، وغيرها من ألوان الإثم والسحت! إنها لا يعنيها شرف الوسيلة، ولا طهارة اليد، ولكن يعنيها ضمان الحصيلة، ووفرة العدّ! ويجيء القرآن الكريم، فيصدر أمره بإغلاق هذه الأبواب الفاجرة كلها .. فلنستمع إليه حين ينهى عنها، وحين يحذّر وينقر منها، ولنستمع إليه حين يشدّد النكير على أصحابها، أولئك الذين يأكلون التراث أكلاً لمًّا، لا يبالون من أين جمعوه، انتهاباً واغتصاباً، أو غشًّا وخداعاً، أو امتصاصاً من دم اليتيم: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ (البقرة)! ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ (الروم: ٣٩)!

стр. 768

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ (النساء)! ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ (آل عمران)! ثم يجمع القرآن الكريم هذه القوانين المفصّلة، فيردّها إلى قانون كليّ أعلى، يضع معيار العاطفة الرحيمة، وميزان الفطرة السليمة، مكان تلك الموازين الجشعة الأثيمة، يقول لنا: الشأن كل الشأن ليس في كثرة العدد، ولكن في طبيعة المعدود .. قليل طيّب مبارك فيه، خير من كثير ممقوت لا بركة فيه: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ (المائدة: ١٠٠)! أجل، هذا هو قانون القيم ودستورها الأعلى .. إنه لا يسري على الأموال وحدها، ولكنه ينطبق كذلك على الأقوال والأعمال، والأحكام والآراء، ونظم الشورى والدفاع، وسائر شؤون الجماعة والفرد، في السلم والحرب: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٤٩)! ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ (الأنفال)! هكذا يجب أن نصحّح نظرتنا إلى قيم الأشياء، فإن الجودة فوق الكثرة، والنوع قبل العدد!

стр. 769

ولسنا ننكر مع ذلك أن العامل العددي إذا انضم إلى العامل النوعي كان ذلك خير الخير، ولكنه إذا انحاز كل واحد منهما إلى جانب غير جانب صاحبه فإن الفوز في النهاية للقوّة المعنويّة، على تلك الكثرة العدديّة، التي تتجمّع في رأي العين، ولكنها غثاء كغثاء السيل، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتّى! ألا فلنهتد بهدي هذا الدستور الأعلى، في شأن مكاسبنا وثرواتنا! ألا فليعلم المكثرون أنهم هم المقلّون .. المكثرون من السحت والحرام، إن أكلوا منه نبت لحمهم طعمة للنار، وإن تصدّقوا به لم يتقبّل منهم؛ لأن الله تعالى طيّب لا يقبل إلا طيّباً، وإن تركوه لذريّتهم كان مصيره المحق والدمار، ولو بعد حين، وإن دَعَوْا ربّهم وفي أجوافهم أو على أجسادهم منه شيء، فهيهات أن تجاب دعوتهم! يروي مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أيها الناس! إِن الله طيّب لا يقبل إِلا طيّباً، وإِن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ (المؤمنون)! وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (البقرة: ١٧٢)! ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمدّ يديه إِلى السماء! يا ربِّ! يا ربِّ! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنى يُستجابُ لذلك؟ " (١)!

стр. 770

ألا وليعلم المقلّون أنهم هم المكثرون، المقلّون تحرّياً للحلال الطيّب في مكاسبهم؛ فإن أكلوا منه أكلوا هنيئاً مريئاً، وإن أنفقوا منه تقبّل منهم وضوعف لهم، وإن تركوه لذريّتهمِ تولى الله حفظه لهم: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ (الكهف: ٨٢)! وأخيراً، إن دعوا ربهم كانوا أحرياء أن يستجاب لهم: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ (المائدة). أهداف الكسب: ونجد أنفسنا أمام أهداف الكسب بعد أن طهرت الأداة، وأصلحت الوسيلة، حيث يجب أن نطهّر الباعث ونصحّح النيّة، وننظّم الأسلوب، ونهذّب الخطّة، على الوجه الذي يرضاه الله! ومن ثم يجب أن نسائل أنفسنا: ماذا نبغي من وراء هذا الكسب؟ ذلك أن للكسب بواعث شتّى، وأغراضاً متفاوتة، تردي صاحبها وتوبقه، ونيّة تنجي صاحبها وتعتقه، ونيّة تنجيه وترفعه إلى أعلى عليّين! وهكذا ترى الناس -على حسب نياتهم- في درجات ثلاث: فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات! أتريد مثالاً من النية الفاجرة المردية؟ ما عليك إلا أن تفتح عينيك لترى! فهذه فئة من الناس، إنما تطلب المال لتطغى به على العباد، ولتنشر به في الأرض الفساد!

стр. 771

وهذه فئة أخرى تسعى إلى المال، لتغامر به وتقامر، أو لتخالل وتخادن، أو لتنفقه في ألوان المسكر والمخدّر! وهذه فئة ثالثة تطلب المال، لا لتبطش بيدها، ولا لتفجر بجارحتها، ولكنها آثمة القلب، أسيرة للهوى الخفي، تريد أن تباهي بثروتها وتفاخر، وأن تنافس بها وتكاثر: ﴿كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ (الإسراء)! هذه أمثلة من البواعث الملتوية، لا نقتبسها من الفروض العقليّة، ولكن نستمدّها من صحيفة الواقع، ومن تقليب النظر في سيرة الجمهور الكادح! ها هم أولاء يكتسبون عيشهم بعرق الجبين، بكدح الذهن أو كدّ اليمين، فإذا فتشت صدورهم لتعرف نوازعها إلى العمل، وأهدافها من السعي والتنقيب، لا تجد في أكثرها معنى إنسانيًّا ولا روحيًّا! إنه ليس يهم الحديث على الأهل والولد! وليس يهم الرعاية لحق الله والوطن! ولكنه النزول على حكم الشهوات الجامحة، في صورة من هذه الصور أو أمثالها! ستجد أكثرهم يلتمسون الرزق من حلّه، ولكن هدفهم هو إنفاقه في غير محله! إنهم يتخذون نعمة الله أداة لمعصية الله! إنهم يطلبون الثروة ليحوّلوها عن طريقها، ويضعوها في يد غير مستحقيها! ألا تدخل معي إلى بيت من بيوتهم لتنظر في وجوه أهليهم وأولادهم؟!

стр. 772

وارحمتاه لهذه الأكباد الطاوية، والأجساد العارية!! تتلفت طول يومها، وتقضي جلّ ليلها، تشوّقاً إلى كافلها وعائلها، وهو عنهم في شغل بين قرناء السوء، يغرق ماله في كؤوس الصهباء، أو يحرقه ويذره دخاناً في الهواء، أو يدفنه في بالوعة الموائد الخضراء! يا حسرتا على الجهود الضائعة، والقوى المنهوكة، والثروة المبدّدة!! على حين أن الشعوب من حولنا، تزدهر ثروتها ازدهاراً، وتستعر قوتها استعارًا، بل تكاد تنفجر انفجاراً! فيا ليت شعري، متى يفيق أبناء هذا الجيل من سكرتهم، ويتنبهون إلى ما يراد بهم؟! متى يصون كل منهم ثروته وقوّته، ويأخذ للمجد أهبته وعدّته؟! على أننا الآن، لسنا بصدد البحث في تحديد اللون الطائش من السلوك، وهذا الأسلوب المنحرف من أساليب الحياة، هو الذي يداعب نفوس الجماهير عندنا، وهو الذي يحرّك همّتهم إلى السعي، ويغريهم بالجدّ في الكسب! إنهم يغبطون السفهاء المسرفين، يتمنّون أن يكون لهم مثل ثروتهم، ليسرفوا كإسرافهم، يقول كل منهم: يا ليت لي مثل ما أوتي فلان! إنه لذو حظ عظيم! أما أني لو كنت مكانه، لكنت أشدّ منه بطشاً بقوّتي، وأكثر استمتاعاً بثروتي! فهم من قبل أن ينفقوا، بل من قبل أن يكسبوا ما ينفقون، محاسبون على هذه النيّة الفاجرة!

стр. 773

إنهم منذ الآن مأزورون غير مأجورين! إن عليهم مثل أوزار المسرفين العابثين! ومن كان في شك من ذلك فليقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ (القصص)! فلم يهدّد العالين المسرفين وحدهم، ولكنه توعّد الذين يريدون العلوّ والفساد، فتلك هي النيّة المردية الموبقة، وصاحبها ظالم لنفسه! أما النيّة المنجية المعتقة، فإنها على درجتين: درجة مقتصدة، تدرأ عن صاحبها الذم واللوم؛ ولكنها لا تستوجب له مدحاً ولا ثواباً .. وحدّ هذه المرتبة أن يكون همّ العامل من كسب الحلال، هو أن ينفقه في الاستمتاع بالحلال، لا يفكّر فيما وراء ذلك! ودرجة عالية رفيعة، تستوجب لصاحبها الثّناء، وتكفل له أحسن الجزاء، ذلك أن يكون حظّ نفسه تابعاً لحقّ الله عليه، وأن يكون حقّ نفسه مغموراً في حقوق غيره: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ (القصص)! أولئك هم السابقون السابقون .. ترى الواحد منهم يجدّ ويسعى امتثالاً لأمر الله، وقياماً بالأعباء التي تفرضها عليه الحياة، ليعفّ نفسه وأهله -أول كل شيء- عن الحرام، وليغنيهم وإيّاه عن ذلّ السؤال .. ثم ليعود بفضله على

стр. 774

العاجزين والمحرومين .. ثم ليزيد في ثروة أمّته وقوّتها .. وأخيراً ليزيد في ثروة الأرض وازدهارها كلها، تحقيقاً لحكمة الله الذي استخلف الإنسان على الأرض واستعمره فيها! تلك هي النيّة الفاضلة الكاملة التي ترفع صاحبها إلى أعلى عليّين: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾ [البقرة: ١٤٨]! يروي الشيخان وغيرهما عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنما الأعمال بالنيات، وإِنما لكل امرئ ما نوى ... " الحديث (١)! آداب الكسب: هذا، وقد جاءت هداية القرآن الكريم تجنبنا سبل السحت أي الآثم، وتقود خطانا في سبيل الرزق الحلال السائغ، وما إن وضعنا قدمنا على حافة هذا المنهل المورود، وتطلعنا إلى ما فيه من رزق طيّب، حتى أخذت تناوشنا النوازع والدوافع المختلفة، وتراودنا الأهداف والمقاصد المتنوّعة! وإذا الهداية القرآنيّة تبرز أمامنا مرة أخرى، لتقود خطوات قلوبنا، كما

стр. 775

قادت من قبل خطوات أقدامنا .. صوّرت لنا القلوب على اختلاف نزعاتها، وتنوعّ أهدافها من الكسب، فإذا منها الآثم الذميم الذي تحرّكه شهوة الطغيان والعدوان، أو نزعة العبث والإسراف، أو حبّ التنافر والتكاثر! وإذا منها الغافل الذي لا يعنيه إلا حظ نفسه من المتاع المباح .. وإذا منها الراشد النبيل، الذي يتطلّع إلى أوسع الآفاق وأسمى الدرجات، يبتغي فيما آتاه الله الدار الآخرة ولا ينسى نصيبه منها! هكذا قبل أن نسعى لطلب أرزاقنا .. عرفنا في أي طريق نضع أقدامنا، ومتى وصلنا إلى حقل العمل .. وقبل أن نكدح فيه بأيدينا وأذهاننا، عرفنا كيف نوجّه قلوبنا ونيّاتنا .. وسيلة مشروعة أو غاية مبرورة! أدبان نقتبسهما من القرآن الحكيم .. هل بقي وراءهما شيء من آداب الكسب؟ نعم، فما تلك إلا وصيّة أوّل الطريق .. وإن طريق الكسب طويل متشعّب، قد يمتدّ بامتداد الأجل، وقد يتعرّج بتعاريج القوة والضعف واليأس والأمل .. ذلك أن للجهد فترات وله نزوات، وأن للحظ إقبالاً وإدباراً، وللقلب في كلتا الحالين تقلّبات .. أفتتركنا هداية القرآن عند أول الطريق، وتدعنا نهباً لما يصادفنا فيه من هذه العوامل المختلفة، ليعالجها كل امرئ منا بوحي ساعته أو ميزان طبعه ومزاجه؟! حاشا لله الرحمن الرحيم: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]! ألا فقد رسم القرآن الحكيم لنا منهج السير الحكيم بإزاء هذه التطوّرات في جهودنا البدنيّة، وبإزاء هذه التقلّبات في حالاتنا النفسيّة!
следующие страницы →